الآية ١٠٦ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٦ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 291 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز ، قيل : إنه منسوخ رواه العوفي من ابن عباس .

وقال حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم : إنها منسوخة .

وقال آخرون - وهم الأكثرون ، فيما قاله ابن جرير - : بل هو محكم ; ومن ادعى النسخ فعليه البيان .

فقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ) هذا هو الخبر ; لقوله : ( شهادة بينكم ) فقيل تقديره : " شهادة اثنين " ، حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه .

وقيل : دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان .

وقوله : ( ذوا عدل ) وصف الاثنين ، بأن يكونا عدلين .

وقوله : منكم أي : من المسلمين .

قاله الجمهور .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ذوا عدل منكم ) قال : من المسلمين .

رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : روي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، نحو ذلك .

قال ابن جرير : وقال آخرون : عنى : ذلك ( ذوا عدل منكم ) أي : من حي الموصي .

وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما .

وقوله : ( أو آخران من غيركم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن عون ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس في قوله : ( أو آخران من غيركم ) قال : من غير المسلمين ، يعني : أهل الكتاب .

ثم قال : وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، نحو ذلك .

وعلى ما حكاه ابن جرير ، عن عكرمة وعبيدة في قوله : ( منكم ) أي : المراد من قبيلة الموصي ، يكون المراد هاهنا : ( أو آخران من غيركم ) أي : من غير قبيلة الموصي .

وقد روي عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري ، رحمهما الله .

وقوله : ( إن أنتم ضربتم في الأرض ) أي : سافرتم ( فأصابتكم مصيبة الموت ) وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين ، أن يكون ذلك في سفر ، وأن يكون في وصية ، كما صرح بذلك شريح القاضي .

قال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز إلا في سفر ، ولا تجوز في سفر إلا في وصية .

ثم رواه عن أبي كريب ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال شريح ، فذكر مثله .

وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله تعالى .

وهذه المسألة من إفراده ، وخالفه الثلاثة فقالوا : لا تجوز .

وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضا .

وقال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري قال : مضت السنة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر ، إنما هي في المسلمين .

وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك في أول الإسلام ، والأرض حرب ، والناس كفار ، وكان الناس يتوارثون بالوصية ، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض ، وعمل الناس بها .

رواه ابن جرير ، وفي هذا نظر ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : اختلف في قوله : ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) هل المراد به أن يوصي إليهما ، أو يشهدهما؟

على قولين : أحدهما : أن يوصي إليهما ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال : سئل ابن مسعود ، - رضي الله عنه - ، عن هذه الآية قال هذا رجل سافر ومعه مال ، فأدركه قدره ، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته ، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين .

رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع .

والقول الثاني : أنهما يكونان شاهدين .

وهو ظاهر سياق الآية الكريمة ، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان : الوصاية والشهادة ، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء ، كما سيأتي ذكرها آنفا ، إن شاء الله وبه التوفيق .

وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين ، قال : لأنا لا نعلم حكما يحلف فيه الشاهد .

وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ، وهو حكم مستقل بنفسه ، لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام ، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص ، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره ، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة .

وقوله تعالى : ( تحبسونهما من بعد الصلاة ) قال [ العوفي ، عن ] ابن عباس : يعني صلاة العصر .

وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين .

وقال الزهري : يعني صلاة المسلمين ، وقال السدي ، عن ابن عباس : يعني صلاة أهل دينهما .

والمقصود : أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ( فيقسمان بالله ) أي : فيحلفان بالله ( إن ارتبتم ) أي : إن ظهرت لكم منهما ريبة ، أنهما قد خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ( لا نشتري به ) أي : بأيماننا .

قاله مقاتل بن حيان ) ثمنا ) أي : لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ( ولو كان ذا قربى ) أي : ولو كان المشهود عليه قريبا إلينا لا نحابيه ( ولا نكتم شهادة الله ) أضافها إلى الله تشريفا لها ، وتعظيما لأمرها .

وقرأ بعضهم : " ولا نكتم شهادة آلله " مجرورا على القسم .

رواها ابن جرير ، عن عامر الشعبي .

وحكي عن بعضهم أنه قرأ : " ولا نكتم شهادة الله " ، والقراءة الأولى هي المشهورة .

( إنا إذا لمن الآثمين ) أي : إن فعلنا شيئا من ذلك ، من تحريف الشهادة ، أو تبديلها ، أو تغييرها أو كتمها بالكلية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: " يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم " ، يقول: ليشهد بينكم =" إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية " ، يقول: وقت الوصية=" اثنان ذوا عدل منكم "، يقول: ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين، (48) كما:- 12882 - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق: 2]، قال: ذَوَي عقل.

(49) واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ذوا عدل منكم " .

فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم.

* ذكر من قال ذلك: 12883 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال : شاهدان " ذوا عدل منكم "، من المسلمين.

12884 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم " ، من المسلمين.

12885- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم "، قال: اثنان من أهل دينكم.

12886 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن أشعث, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : سألته, عن قول الله تعالى ذكره: " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: من الملة.

12887- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, بمثله = إلا أنه قال فيه: من أهل الملة.

12888- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن هذه الآية: " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: من أهل الملة.

12889- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن ابن عون, عن ابن سيرين, عن عبيدة, مثله.

12890- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين, عن زائدة, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة, فذكر مثله.

12891 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي, عن حماد, عن ابن أبي نجيح = وقال، حدثنا مالك بن إسماعيل, عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح = عن مجاهد, مثله.

12892 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " ذوا عدل منكم " ، قال: ذوا عدل من أهل الإسلام.

12893 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " ذوا عدل منكم " ، قال: من المسلمين.

12894- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال : كان سعيد بن المسيب يقول: " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي: من أهل الإسلام.

* * * وقال آخرون: عنى بذلك: ذوا عدل من حَيِّ الموصِي.

وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.

* * * واختلفوا في صفة " الاثنين " اللذين ذكرهما الله في هذه الآية، ما هي, وما هما؟

فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي.

* * * وقال آخرون: هما وصيان.

* * * وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان.

قولَه: " شهادة بينكم " ، ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم.

* * * وتأويل الذين قالوا: " هما وصيان لا شاهدان " قولَه: " شهادة بينكم "، بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ, من قولك: " شهدت وصية فلان ", بمعنى حضرته.

(50) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: " اثنان ذوا عدل منكم " ، تأويلُ من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تعالى ذكره، عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " فغير جائز أن يصرف ما عمَّه الله تعالى ذكره إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها.

وإذ كان ذلك كذلك, فالواجب أن يكون العائدُ من ذكره على العموم, (51) كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.

* * * وأولى المعنيين بقوله: " شهادة بينكم " اليمين, لا " الشهادة " التي يقوم بها مَنْ عنده شهادة لغيره، لمن هي عنده، على مَن هي عليه عند الحكام.

(52) لأنا لا نعلم لله تعالى ذكره حكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين, فيكون جائزًا صرفُ" الشهادة " في هذا الموضع، إلى " الشهادة " التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة.

وفي حكم الآية في هذه، اليمينَ على ذوي العدل = وعلى من قام مقامهم، باليمين بقوله (53) " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " = أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، من أن " الشهادة " فيه: الأيمان، دون الشهادة التي يقضَى بها للمشهود له على المشهود عليه = وفسادِ ما خالفه.

* * * فإن قال قائل: فهل وجدتَ في حكم الله تعالى ذكره يمينًا تجب على المدَّعي، فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟

فإن قلتَ: " لا ", تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت, لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله: " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما " ، هما المدعيين.

وإن قلت: " بلى ", قيل لك: وفي أيّ حكم لله تعالى ذكره وجدتَ ذلك؟

قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني.

وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالا فيقرّ به المدّعَى عليه قِبَله ذلك، ويدّعي قضاءه.

فيكون القول قول ربّ الدين = (54) والرجل يعرّف في يد الرجل السلعةَ, فيزعم المعرّف في يده أنه اشتراها من المدّعِي، أو أنّ المدعي وهبها له, وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه.

وعلى هذا الوجه أوجبَ الله تعالى ذكره في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الخائنين فيما خانا فيه.

(55) قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في الرافع قولَه: " شهادة بينكم ", وقولَه: " اثنان ذوا عدل منكم " .

فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: " شهادة بينكم " ، شهادة اثنين ذوي عدل, ثم ألقيت " الشهادة "، وأقيم " الاثنان " مقامها, فارتفعا بما كانت " الشهادة " به مرتفعة لو جعلت في الكلام.

(56) قال: وذلك = في حذف ما حذف منه، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف = نظيرُ قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: 82] ، وإنما يريد: واسأل أهل القرية, وانتصبت " القرية " بانتصاب " الأهل "، وقامت مقامه, ثم عطف قوله: " أو آخران " على " الاثنين ".

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: رفع " الاثنين " ب " الشهادة "، أي: ليشهدكم اثنان من المسلمين, أو آخران من غيركم.

* * * وقال آخر منهم: رفعت " الشهادة "، ب " إذا حضر ".

وقال: إنما رفعت بذلك، لأنه قال: " إذا حضر " فجعلها " شهادة " محذوفة مستأنفة, ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق, لأنه قال تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم ", وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال, وليست مما يثبت.

(57) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: " الشهادة " مرفوعة بقوله: " إذا حضر " ، لأن قوله: " إذا حضر "، بمعنى: عند حضور أحدكم الموت, و " الاثنان " مرفوع بالمعنى المتوهَّم, وهو: أن يشهد اثنان = فاكتفي من قيل: " أن يشهد "، بما قد جرى من ذكر " الشهادة " في قوله: " شهادة بينكم ".

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن " الشهادة " مصدر في هذا الموضع, و " الاثنان " اسم, والاسم لا يكون مصدرًا.

غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال.

(58) فالأمر وإن كان كذلك, فصرْفُ كل ذلك إلى أصح وُجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.

* * * القول في تأويل قوله : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت، عدلان من المسلمين, أو آخران من غير المسلمين.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أو آخران من غيركم " .

فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم، نحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: 12859 - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا (59) حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب: " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.

12896- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت قتادة يحدث, عن سعيد بن المسيب: " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.

12897- حدثني أبو حفص الجبيري، عبيد الله بن يوسف قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.

(60) 12898 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد, مثله.

12899- حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسليمان التيمي, عن سعيد بن المسيب, أنهما قالا في قوله: " أو آخران من غيركم " ، قالا من غير أهل ملتكم.

12900- حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة قال ، حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول, مثل ذلك.

12901 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا التيمي, عن أبي مجلز قال : من غير أهل ملتكم.

12902 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.

12903 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم قال : إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أشهدهم, وإلا أشهد رجلين من المشركين.

12904 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو قتيبة قال ، حدثنا هشيم, عن المغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير في قوله: " أو آخران من غيركم " ، قالا من غير أهل ملتكم.

(61) 12905- حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد: " أو آخران من غيركم "، قال: من أهل الكتاب.

12906- حدثنا عمرو قال ، حدثنا محمد بن سواء قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.

(62) 12907- حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي = عن شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.

12908 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم "، من المسلمين, فإن لم تجدوا من المسلمين, فمن غير المسلمين.

12909 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود, عن عامر, عن شريح في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته, فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا, فشهادتهم جائزة.

(63) فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما, أجيزت شهادة المسلمين, وأبطلت شهادة الآخرَيْن.

(64) 12910 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية, ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفَر.

12911- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي والنصرانيّ إلا في سفر, ولا تجوز في سفر إلا في وصية.

(65) 12912 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح, نحوه.

12913 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي قال ، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هُبَيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين, فكتب: " لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية, ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا ".

12914 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن أشهب, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : سألته عن قول الله تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير الملة.

12915- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, بمثله.

12916- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة, عن ذلك فقال: من غير أهل الملة.

12917- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن هشام, عن ابن &; 11-164 &; سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل الصلاة.

12918- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل دينكم.

12919- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين, عن زائدة, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل الملة.

12920- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا أبو حرّة, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل ملتكم.

12921- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال، حدثنا هشام بن محمد قال ، سألت سعيد بن جبير عن [ قول الله: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل ملتكم] .

(66) 12922 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل, عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

12923- حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال : من غير أهل ملتكم.

12924 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " أو آخران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.

12925 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، قال أبو إسحاق: " أو آخران من غيركم " ، قال: من اليهود والنصارى = قال قال شريح: لا تجوز شهادة اليهوديّ والنصراني إلا في وصية, ولا تجوز في وصية إلا في سفر.

12926 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا, عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقَا هذه.

(67) قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهده رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة, فأتيا الأشعريّ فأخبراه, وقدِما بتركته ووصيته, فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فأحلفهما وأمضى شهادتهما.

(68) 12927 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة الأزرق, عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بها بدَقوقَا.

12928 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم قال ، حدثنا عوف, عن محمد: أنه كان يقول في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.

12929 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: " أو آحران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.

12930- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو حفص, عن ليث, عن مجاهد قال : من غير أهل الإسلام.

12931 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عبد الله بن عياش قال : قال زيد بن أسلم في هذه الآية: " شهادة بينكم " الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام, وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار, إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة, وكان الناس يتوارثون بالوصية, ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض, وعمل المسلمون بها.

(69) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حَيِّكم وعشيرتكم.

* ذكر من قال ذلك: 12932 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم قال ، حدثنا عوف, عن الحسن في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: شاهدان من قومكم ومن غير قومكم.

(70) 12933 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري قال : مضت السُّنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر, إنما هي في المسلمين.

(71) 12934- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال : كان الحسن يقول: " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي: من عشيرته =" أو آخران من غيركم " ، قال: من غير عشيرته.

12935 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن ثابت بن زيد, عن عاصم, عن عكرمة: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل حيِّكم.

12936- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي, عن ثابت بن زيد, عن عاصم, عن عكرمة: " أو آخران من غيركم "، قال: من غير حيكم.

12937- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا ثابت بن زيد, عن عاصم الأحول, عن عكرمة في قول الله تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل حيه = يعني: من المسلمين.

12938- حدثني الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك, عن الحسن: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير عشيرتك, ومن غير قومك، كلهم من المسلمين.

12939- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن ابن سيرين, عن عبيدة قوله: " أو آخران من غيركم " ، قال: مسلمين من غير حيكم.

12940 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى ذكره: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " ، إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ، قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله، من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين، أم هما من أهل الكتاب؟

وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما, أتراهما من [غير] أهل المرء الموصي، (72) أم هما من غير المسلمين؟

قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أئمة العامة، سنة أذكرها, وقد كنا نتذاكرها أناسًا من علمائنا أحيانًا, فلا يذكرون فيها سُنة معلومة، ولا قضاءً من إمام عادل, ولكنه يختلف فيها رأيهم.

وكان أعجبهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين, يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه، ويغيب عنه بعضهم, ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضرُوا من وصية.

فإن سلّموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدَّلوا قولَ الميت، وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حَلَف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي صلاة المسلمين, فيقسمان بالله: " إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين ".

فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما، ما لم يعثر على أنهما [استحقا إثمًا في شيء من ذلك, فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا في شيء من ذلك ] ، (73) قام آخران مقامهما من أهل الميراث، من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأوَّلان المستحلفان أول مرة, فيقسمان بالله لشهادتنا [ أحق من شهادتكما] ، (74) على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به = وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ = ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ، الآية.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب، تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام.

وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند &; 11-169 &; الوصية، شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين.

ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم, وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم = أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين.

فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام, فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه.

(75) وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: " ذوا عدل منكم " ، إنما هو من أهل دينكم وملتكم، بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه.

وإذ صح ذلك بما دللنا عليه, فمعلوم أن معنى قوله: " أو آخران من غيركم " ، إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم.

وإذ كان ذلك كذلك, فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَيْ وثَن، أو على أي دين كانا.

لأنّ الله تعالى ذكره لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دونَ ملة، بعد أن يكونا من [غير] أهل الإسلام.

(76) * * * القول في تأويل قوله : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ وقتَ الوصية, أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، أيها المؤمنون، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم, إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض.

* * * وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر: " الضارب في الأرض ".

(77) =" فأصابتكم مصيبة الموت " ، يقول: فنـزل بكم الموت.

(78) * * * ووجَّه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير، وقالوا: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا, فإن لم يوجدا فآخران من غيركم = وإنما فعل ذلك من فعله, لأنه وجَّه معنى " الشهادة " في قوله: " شهادة بينكم " ، إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيامَ صاحبها عند الحاكم, أو يُبطلها.

* ذكر بعض من تأول ذلك كذلك: 12941 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " ذوا عدل منكم " ، من المسلمين.

فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.

12942 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: اثنان من أهل دينكم =" أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب، إذا كان ببلادٍ لا يجد غيرهم.

12943 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود, عن عامر, عن شريح في هذه الآية: " شهادة بينكم " إلى قوله: " أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته, فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا, فشهادتهم جائزة.

12944 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: هذا في الحضر=" أو آخران من غيركم " ، في السفر =" إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين, (79) فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس, فيوصي إليهما.

12945 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية ، قال : إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر, فيشهد رجلين من المسلمين.

فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب.

12946 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله: " ذوا عدل منكم " ، فهذا لمن مات وعنده المسلمون, فأمره الله أن يشهد على وصيته عَدْلين من المسلمين.

ثم قال: " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين, فأمره الله تعالى ذكره بشهادة رجلين من غير المسلمين.

* * * ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير, وقالوا: إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته، إن ارتيب بهما.

قالوا: وقد يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر.

(80) وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى, وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد.

* * * القول في تأويل قوله : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت, إن شهد اثنان ذوا عدل منكم, أو كان أوصى إليهما = أو آخران من غيركم إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة، فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم.

فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال، فأصابتكم مصيبة الموت, فأدَّيا إلى ورثتكم ما اتَّمنتموهما وادَّعوا عليهما خيانة خاناها مما اتُّمنا عليه, (81) فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما = يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة.

وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف, وهو: " فأصابتكم مصيبة الموت، وقد أسندتم وصيتكم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال ", فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة =" فيقسمان بالله إن ارتبتم " ، يقول: فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها = و " الارتياب "، هو الاتهام (82) =" لا نشتري به ثمنًا " ، &; 11-173 &; يقول: يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا, يقول: لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه، وعلى مال نذهب به، (83) أو لحقّ نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وَليُّهم وميِّتهم.

(84) * * * و " الهاء " في قوله: " به "، من ذكر " الله " , والمعنيُّ به الحلف والقسم، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به, فعُرِف معنى الكلام, اكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف.

(85) =" ولو كان ذا قربى " ، يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد, ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا.

(86) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

* ذكر من قال ذلك: 12947- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت "، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين, فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين.

فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا.

* * * وقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة " ، من صلاة الآخرين.

ومعنى الكلام: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة، إن ارتبتم بهما, فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى.

* * * واختلفوا في" الصلاة " التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فقال: " تحبسونهما من بعد الصلاة " .

فقال بعضهم: هي صلاة العصر.

* ذكر من قال ذلك: 12948 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا, فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهد رجلين من أهل الكتاب.

قال: فقدما الكوفة, فأتيا الأشعري فأخبراه, وقدما بتركته ووصيته, فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم!

قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما، ولا غيَّرا, وإنها لوصية الرجل وتركته.

قال: فأمضى شهادتهما.

(87) 12949 - حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير: " أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب, فإنهما يحلفان بعد العصر.

12950 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم, بمثله.

12951 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى " فأصابتكم مصيبة الموت "، فهذا رجل مات بغُرْبة من الأرض، وترك تركته، وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان.

فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر.

وكان يقال: عندها تصير الأيمان.

12952 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " ، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر, فليشهد رجلين من المسلمين.

فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب.

فإذا قدما بتركته, فإن صدّقهما الورثة قُبِل قولهما, وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا ولا كتمنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.

12953- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن القطان قال ، حدثنا زكريا قال ، حدثنا عامر: أن رجلا توفي بدَقُوقا, فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها.

فأحلفهما أبو موسى دُبُر صلاة العصر في مسجد الكوفة: بالله ما كتما ولا غيرا, وأن هذه الوصية.

فأجازها.

(88) * * * وقال آخرون: بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما.

* ذكر من قال ذلك: 12954 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله: " ذوا عدل منكم " ، قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما لَهُ وعليه، قال : هذا في الحضر=" أو آخران من غيركم " في السفر =" إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين, فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس, فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه.

فيقبلان به.

فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم، تركوا الرجلين.

وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان.

فذلك قوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم " .

قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره, (89) ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوَّنوهما.

فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر, فقلت له: " إنهما لا يباليان صلاة العصر, ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما, فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما, ويحلفان بالله: لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين, أنّ صاحبهم لبهذا أوصى, وأنّ هذه لتركته.

فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما, ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما!

فإذا قال لهما ذلك, فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا, قولُ من قال: " تحبسونهما من بعد صلاة العصر ".

لأن الله تعالى عرَّف " الصلاة " في هذا الموضع بإدخال " الألف واللام " فيها, ولا تدخلهما العرب إلا في معروف, إما في جنس, أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين.

فإذا كان كذلك, وكانت " الصلاة " في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات, لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى, لأن لهم صلوات ليست واحدة, فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك.

فإذْ كان ذلك كذلك, صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين.

وإذ كان ذلك كذلك, وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات (90) = كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة "، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه.

هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت, وذلك لقربه من غروب الشمس.

* * * وكان ابن زيد يقول في قوله: " لا نشتري به ثمنًا " ، ما:- 12955 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا نشتري به ثمنًا " ، قال: نأخذ به رشوة.

* * * القول في تأويل قوله : وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (106) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى " الله " ، وخفض اسم الله تعالى = يعني: لا نكتم شهادة لله عندنا.

* * * وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي:- 12956 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن ابن عون, عن عامر: أنه كان يقرأ: ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) = بقطع " الألف "، وخفض اسم الله = هكذا حدثنا به ابن وكيع.

* * * وكأن الشعبي وجَّهَ معنى الكلام إلى: أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا، &; 11-178 &; ولا نكتم شهادةً عندنا.

ثم ابتدأ يمينًا باستفهام: بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما، لمن الآثمين.

* * * وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية, وذلك ما:- 12957- حدثني أحمد بن يوسف التغلبي قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا عباد بن عباد, عن ابن عون, عن الشعبي: أنه قرأ: ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) = (91) قال أحمد: قال أبو عبيد: تنوّن " شهادة " ويخفض " الله " على الاتصال.

قال: وقد رواها بعضهم بقطع " الألف " على الاستفهام.

(92) * * * قال أبو جعفر: وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام.

(93) * * * وقرأها بعضهم: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بتنوين " الشهادة "، ونصب اسم " الله " بمعنى: ولا نكتم الله شهادةً عندنا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب, قراءة من قرأ: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى اسم " الله " ، وخفض اسم " الله " لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة.

* * * وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: ولا نكتم شهادة الله، وإن كان بعيدًا.

(94) 12958 - حدثني بذلك يونس قال ، أخبرنا ابن زيد، عنه.

---------------------------- الهوامش : (48) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

(49) الأثر: 12882 -"عبيد الله بن يوسف الجبيري" ، "أبو حفص البصري" ، شيخ الطبري ، ثقة.

روي له ابن ماجه.

مترجم في التهذيب.

وفي المخطوطة: "عبد الله بن يوسف" ، وهو خطأ.

ومضى في رقم: 109 ، ولم يترجم هناك.

وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من"سورة الطلاق" ، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية.

فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.

(50) انظر تفسير"شهد" فيما سلف من فهارس اللغة ، واختلاف معانيها.

(51) في المطبوعة: "من ذكرهم" ، وما في المخطوطة صواب محض.

(52) كان صدر هذه العبارة في المخطوطة: "شهادة بينكم ، لأن الشهادة .

.

." ، أسقط لفظ"اليمين" ، وجعل"لا الشهادة" ، "لأن الشهادة" ، وهو فاسد ، والذي في المطبوعة هو الصواب المحض إن شاء الله ، وهو مطابق لما رواه القرطبي في تفسيره 6: 348 ، عن أبي جعفر الطبري.

(53) في المطبوعة هنا"في اليمين بقوله" غير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام.

والسياق"وفي حكم الآية .

.

.

باليمين .

.

.

أوضح الدليل .

.

.".

(54) قوله: "والرجل يعترف" ، معطوف على قوله: "في حكم الرجل .

.

.

.".

وكان في المطبوعة هنا"والرجل يعترف .

.

.

فيزعم المعترفة" ، وهو خطأ ، وصوابه ما أثبت كما في المخطوطة.

(55) في المطبوعة: " .

.

.

على الجانبين فيما جنيا فيه" ، وهو لا معنى له هنا.

وفي المخطوطة: "على الجانبين فيما صاهما فيه" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(56) في المطبوعة والمخطوطة: "بما كانت الشاهدة به مرتفعة" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما أثبت.

(57) في المطبوعة: "مما ثبت" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(58) "الأفعال": المصادر.

وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.

(59) في المطبوعة والمخطوطة: "يونس بن معاذ" ، وهو خطأ محض.

و"بشر بن معاذ" عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة" إسناد دائر في أكثر صفحات هذا التفسير.

(60) الأثر: 12897 -"أبو حفص الجبيري" ، "عبيد الله بن يوسف" ، مضى قريبًا رقم: 12882.

(61) الأثر: 12904 -"أبو قتيبة" هو"سلم بن قتيبة الشعيري الفريابي".

مضى برقم: 1899 ، 1924 ، 6395 ، 9714.

وكان في المطبوعة: "قتيبة" ، غير كنية ، والصواب من المخطوطة.

(62) الأثر: 12906 -"عمرو" هو"عمرو بن علي الفلاس" ، مضى مرارًا.

و"محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري".

صدوق ، ثقة ، متكلم فيه.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "محمد بن سوار" وهو خطأ ، وفي المخطوطة: "محمد بن سوا" ، وأساء الناشر قراءته.

(63) في المطبوعة: "فشهادتها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وسيأتي كذلك في رقم: 12974.

(64) الأثر: 12909 - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثني المثنى".

والصواب ما أثبته ، وسيأتي هذا الخبر في موضعين بهذا الإسناد على الصواب ، وذلك رقم: 12943 ، 12974 ، ولذلك رددته إلى الصواب.

(65) في المطبوعة: "اليهود والنصارى" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(66) الأثر: 12921 - انتهى هذا الأثر في المخطوطة عند قوله: " .

.

.

سعيد بن جبير عن" ووضع الناسخ في المخطوطة حرف (ط) بالأحمر في الهامش ، دلالة على الخطأ والشك.

أما المطبوعة ، فزادت ما وضعته بين القوسين ، وهو صواب في المعنى إن شاء الله.

(67) "دقوقا" و"دقوقاء" ، مقصورًا وممدودًا؛ مدينة بين إربل وبغداد معروفة ، لها ذكر في الأخبار والفتوح ، كان بها وقعة للخوارج ، وكثر ذكرها في بعض أشعار الخوارج.

وكان في المطبوعة: " .

.

.

بدقوقا ، ولم يجد أحدًا من المسلمين" ، حذف ما أثبته من المخطوطة.

وأساء.

وظاهر من الخبر أن الشعبي قال هذا ، وهو يومئذ بدقوقا.

وهو أيضًا ثابت في سنن أبي داود.

(68) الأثر: 12926 - رواه أبو داود في سننه 3: 417 رقم: 3605 .

(69) الأثر: 12931 -"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني" ، "أبو حفص" المصري.

مضى برقم: 12177.

وكان في المطبوعة: "عبد الله بن عباس" ، وهو خطأ ، وهو على الصواب في المخطوطة.

(70) الأثر: 12932 -"عثمان بن الهيثم بن الجهم بن عيسى العصري العبدي" ، وهو"الأشج العصري" ثقة.

علق عنه البخاري.

يروي عن عوف الأعرابي ، مترجم في التهذيب.

(71) الأثر: 12933 -"صالح بن أبي الأخضر اليمامي" ، خادم الزهري ، مضى برقم: 9312.

(72) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها.

وفي المخطوطة كما كانت في المطبوعة ، إلا أن الناسخ وضع في الهامش علامة الشك ، وهي هكذا (1) ، فأثبت الصواب إن شاء الله.

(73) هذه الجملة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ، ووضع في المطبوعة مكانها: "فإن عثر" ، واقتصر على ذلك ، واستظهرت الجملة من سياق أبي جعفر.

(74) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الآية والسياق.

(75) في المطبوعة: "صرف مغلق كلام الله" ، وفي المخطوطة: "معلق" ، وصواب قراءتها"معنى" (76) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا فسد الكلام.

(77) انظر تفسير"الضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593/7: 332/9: 123.

(78) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف 8: 514 ، 538 ، 555/10: 393 ، 404 (79) في المطبوعة: "هذا الرجل" ، زاد"في" ، وأثبت ما في المخطوطة.

وسيأتي على الصواب في رقم: 12954.

(80) في المطبوعة: "وقد يأمن الرجل على ماله" ، وفي المخطوطة: "سمى الرجل" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت."أمن الرجل على كذا ، وائتمنه ، واتمنه" (الأخيرة ، مشددة التاء).

وانظر ما سلف 5: 298 ، تعليق: 4.

(81) في المطبوعة في المواضع كلها"ائتمن" مكان"اتمن" ، وانظر التعليق السالف.

(82) انظر تفسير"الارتياب" فيما سلف 6: 78 ، وتفسير"الريب" فيما سلف 8: 592 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(83) انظر تفسير"الاشتراء" و"الثمن" فيما سلف من فهارس اللغة (شرى) و (ثمن).

(84) في المطبوعة: "أوصى إلينا وإليهم وصيهم" ، غير ما في المخطوطة مع وضوحه!!

(85) في المطبوعة: "فيعرف من معنى الكلام ، واكتفى به .

.

." ، وفي المخطوطة: "فيعرف معنى الكلام" ، والصواب ما أثبت ، بجعل"فيعرف""فعرف" ، وحذف"من" ، وحذف الواو من"واكتفى".

(86) انظر تفسير"ذو القربى" فيما سلف 2: 292/3: 344/8: 334 .

(87) الأثر: 12948 - انظر الأثر السالف رقم: 12926 ، والتعليق عليه.

والأثر التالي رقم: 12953.

(88) الأثر: 12953 - انظر التعليق على رقم: 12948.

(89) "العلج" (بكسر العين وسكون اللام): الرجل من كفار العجم.

(90) انظر خبر العجلانيين في السنن الكبرى للبيهقي 7: 398 ، وما بعدها.

(91) في المطبوعة: "شهادة الله" ، هو خطأ ، صوابه في المخطوطة.

وقراءة الشعبي أو قراءاته التي رويت عنه - مذكورة في تفسير أبي حيان 4: 44 ، والمحتسب لابن جني ، فراجعها هناك.

(92) الأثر: 12957 -"أحمد بن يوسف التغلبي الأحول" ، مضى برقم: 5919 ، 5954 ، 7664 ، وكان في المطبوعة هنا"الثعلبي" ، وهو خطأ بيناه هناك.

و"عباد بن عباد الرملي الأرسوفي" ، "أبو عتبة الخواص".

روى عن ابن عون.

مترجم في التهذيب.

(93) في المطبوعة: "وخفض إنا لقراءة الشعبي" ، وهو خلط لا معنى له ، صوابه من المخطوطة.

(94) في المطبوعة: "وإن كان صاحبها بعيدًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك منه على كل حال ، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.

ولم أجد مقالة ابن زيد فيما بين يدي من الكتب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمينفيه احدى وعشرون مسألة :الأولى : قال مكي رحمه الله : هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما ; قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها ; وذلك بين من كتابه رحمه الله .قلت : ما ذكره مكي - رحمه الله - ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا ، ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء .

روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة ، فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما ; فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ; قال : فأخذوا الجام ; وفيهم نزلت هذه الآية .

لفظ الدارقطني ، وروى الترمذي عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم برئ منها الناس غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام بتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له : بديل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك ، وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما ، [ ص: 266 ] وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله ; قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره ; قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله ( بعد أيمانهم ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء .

قال أبو عيسى : هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح ، وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث نزلت في تميم وأخيه عدي ، وكانا نصرانيين ، وكان متجرهما إلى مكة ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا ، فخرج مع تميم وأخيه عدي ; وذكر الحديث ، وذكر النقاش قال : نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي ; كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي ، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميما وكان من لخم وعدي بن بداء ، فمات بديل وهم في السفينة فرمي به في البحر ، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال : أبلغا هذا المتاع أهلي ، فلما مات بديل قبضا المال ، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال ، منقوشا مموها بالذهب ; وذكر الحديث ، وذكره سنيد وقال : فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلما ; الحديث .الثانية : وقوله تعالى : شهادة بينكم ورد " شهد " في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة : منها قوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم قيل : معناه أحضروا ، ومنها " شهد " بمعنى قضى أي : أعلم ; قاله أبو عبيدة كقوله تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، ومنها " شهد " بمعنى أقر ; كقوله تعالى : والملائكة يشهدون .

ومنها " شهد " بمعنى حكم ; قال الله تعالى : وشهد شاهد من أهلها ، ومنها " شهد " بمعنى حلف ; كما في اللعان .

" وشهد " بمعنى وصى ; كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم وقيل : معناها هنا الحضور للوصية ; يقال : شهدت وصية فلان أي : حضرتها ، وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين ; فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان ; واستدل على أن ذلك غير [ ص: 267 ] الشهادة التي تؤدى للمشهود له بأنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين ، واختار هذا القول القفال .

وسميت اليمين شهادة ; لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة ، واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تحفظ فتؤدى ، وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين .الثالثة : وقوله تعالى : بينكم قيل : معناه ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة ; كما قال - هو رجل من بني عامر - :ويوما شهدناه سليما وعامرا قليلا سوى الطعن النهال نوافلهأراد شهدنا فيه ، وقال تعالى : بل مكر الليل والنهار أي : مكركم فيهما ، وأنشد :تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحا وعني بين عينيك منزويأراد ما بين عينيك فحذف ; ومنه قوله تعالى : هذا فراق بيني وبينك أي : ما بيني وبينك .الرابعة : قوله تعالى : إذا حضر أحدكم معناه إذا قارب الحضور ، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت ، وهذا كقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ، وكقوله : إذا طلقتم النساء فطلقوهن ومثله كثير ، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة .الخامسة : قوله تعالى : حين الوصية اثنان حين ظرف زمان والعامل فيه حضر وقوله : اثنان يقتضي بمطلقه شخصين ، ويحتمل رجلين ، إلا أنه لما قال بعد ذلك : ذوا عدل بين أنه أراد رجلين ; لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر ، كما أن " ذواتا " لا يصلح إلا للمؤنث ، وارتفع اثنان على أنه خبر المبتدأ الذي هو شهادة قال أبو علي شهادة رفع بالابتداء والخبر في قوله : اثنان التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين ; فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ; كما قال تعالى : وأزواجه أمهاتهم أي : مثل أمهاتهم ، ويجوز أن يرتفع اثنان ب شهادة ; التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان ، أو ليقم الشهادة اثنان .السادسة : قوله تعالى : ذوا عدل منكم ( ذوا عدل ) صفة لقوله : اثنان [ ص: 268 ] و ( منكم ) صفة بعد صفة ، وقوله : أو آخران من غيركم أي : أو شهادة آخرين من غيركم ; فمن غيركم صفة لآخرين ، وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية ، والتحقيق فيه أن يقال : اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال :الأول : أن الكاف والميم في قوله : منكم ضمير للمسلمين أو آخران من غيركم للكافرين فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية ، وهو الأشبه بسياق الآية ، مع ما تقرر من الأحاديث ، وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل ; أبو موسى الأشعري وعبد الله بن قيس وعبد الله بن عباس فمعنى الآية من أولها إلى آخرها على هذا القول أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين ، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ، ولم يكن معه أحد من المؤمنين ، فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر ، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا ، وأن ما شهدا به حق ، ما كتما فيه شهادة وحكم بشهادتهما ; فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر ، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما .

هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، ويحيى بن يعمر ; وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني ; وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهم ، وقال به من الفقهاء سفيان الثوري ; ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به ، واختاره أحمد بن حنبل وقال : شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين كلهم يقولون منكم من المؤمنين ومعنى من غيركم يعني الكفار .

قال بعضهم : وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة ; وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة ، والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما .القول الثاني : أن قوله سبحانه : أو آخران من غيركم منسوخ ; هذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك ; والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء ; إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال : تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ; ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله تعالى : ممن ترضون من الشهداء وقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم ; فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل ; وأن فيها ممن ترضون من الشهداء فهو ناسخ لذلك ; ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة ; فجازت شهادة أهل الكتاب ; وهو اليوم طبق الأرض [ ص: 269 ] فسقطت شهادة الكفار ; وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز ; والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم .قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه ; وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم ; وأما مع وجود مسلم فلا ; ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ; وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ; ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم ، ويقوي هذا أن سورة " المائدة " من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها ، وما ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ ; فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ; فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ; ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ; ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم يرتضيه عند الضرورة ; فليس فيما قالوه ناسخ .القول الثالث : أن الآية لا نسخ فيها ; قاله الزهري والحسن وعكرمة ، ويكون معنى قوله : منكم أي : من عشيرتكم وقرابتكم ; لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان .

ومعنى أو آخران من غيركم أي : من غير القرابة والعشيرة ; قال النحاس : وهذا ينبني على معنى غامض في العربية ; وذلك أن معنى " آخر " في العربية من جنس الأول ; تقول : مررت بكريم وكريم آخر ; فقوله " آخر " يدل على أنه من جنس الأول ; ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ; ولا مررت برجل وحمار آخر ; فوجب من هذا أن يكون معنى قوله : أو آخران من غيركم أي : عدلان ; والكفار لا يكونون عدولا فيصح على هذا قول من قال من غيركم من غير عشيرتكم من المسلمين ، وهذا معنى حسن من جهة اللسان ; وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ; لأن المعنى عندهم من غيركم من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في أول الآية يا أيها الذين آمنوا فخوطب الجماعة من المؤمنين .السابعة : واستدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم ; قال : ومعنى أو آخران من غيركم أي : من غير أهل دينكم ; فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض ; فيقال له : أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية ; لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها ، فلا يصح احتجاجك بها .

فإن قيل : هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ; ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه ; وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل [ ص: 270 ] الذمة أولى ; ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين ; فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه ; وهذا ليس بشيء ; لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين ; فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى .

والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : إن أنتم ضربتم في الأرض أي : سافرتم ; وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ; ودفعتم إليهما ما معكم من المال ; ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ; وادعوا عليهما خيانة ; فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة ; أي : تستوثقوا منهما ; وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة ; قال علماؤنا : والموت وإن كان مصيبة عظمى ، ورزية كبرى ; فأعظم منه الغفلة عنه ، والإعراض عن ذكره ، وترك التفكر فيه ; وترك العمل له ; وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر ، وفكرة لمن تفكر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا ، ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل له ; فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي عنه ، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول : ما لك لا تقوم ؟

!

ما لك لا تنبعث ؟

!

هذه أعضاؤك كاملة ، وجوارحك سالمة ; ما شأنك ؟

!

ما الذي كان يحملك ؟

!

ما الذي كان يبعثك ؟

!

ما الذي صرعك ؟

!

ما الذي عن الحركة منعك ؟

!

ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه ، متعجبا من أمره .التاسعة : قوله تعالى : تحبسونهما قال أبو علي : تحبسونهما صفة ل آخران واعترض بين الصفة والموصوف بقوله : إن أنتم ، وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق ; والحقوق على قسمين : منها ما يصلح استيفاؤه معجلا ; ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا ; فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوي فلم يكن بد من التوثق منه ; فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنا ; وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل ; وهو دون الأول ; لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره ; ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق ; أو تبين عسرته .العاشرة : فإن كان الحق بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجلا ; لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه ; ولأجل هذه الحكمة شرع السجن ; روى أبو داود [ ص: 271 ] والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ، وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .

قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له ، وعقوبته يحبس له .

قال الخطابي : الحبس على ضربين ; حبس عقوبة ، وحبس استظهار ، فالعقوبة لا تكون إلا في واجب ، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه ; وقد روي أنه حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه ، وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن .الحادية عشرة : قوله تعالى : من بعد الصلاة يريد صلاة العصر ; قاله الأكثر من العلماء ; لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة ، وقال الحسن : صلاة الظهر ، وقيل : أي صلاة كانت ، وقيل : من بعد صلاتهما على أنهما كافران ; قاله السدي ، وقيل : إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيم للوقت ، وإرهاب به ; لشهود الملائكة ذلك الوقت ; وفي الصحيح من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان .الثانية عشرة : وهذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان ، والتغليظ يكون بأربعة أشياء : أحدها : الزمان كما ذكرنا .

الثاني : المكان كالمسجد والمنبر ، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون : لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها ; وإلى هذا القول ذهب البخاري - رحمه الله - حيث ترجم ( باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره ) ، وقال مالك والشافعي : ويجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها ، فيحلف بين الركن والمقام ، ويجلب إلى المدينة من كان من أعمالها ، فيحلف عند المنبر .

الثالث : الحال روى مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل القبلة ; لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر ، وقال ابن كنانة : يحلف جالسا ; قال ابن العربي : والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن كان قائما فقائما وإن جالسا فجالسا إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس .قلت : قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث علقمة بن وائل عن أبيه : " فانطلق ليحلف " القيام - والله أعلم - أخرجه مسلم .

الرابع : التغليظ باللفظ ; فذهبت طائفة إلى [ ص: 272 ] الحلف بالله لا يزيد عليه ; لقوله تعالى : فيقسمان بالله وقوله : قل إي وربي وقال : وتالله لأكيدن أصنامكم وقوله عليه السلام : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ، وقول الرجل : والله لا أزيد عليهن ، وقال مالك : يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق ، وما ادعاه علي باطل ; والحجة له ما رواه أبو داود حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - يعني لرجل حلفه - احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء يعني للمدعي ; قال أبو داود : أبو يحيى اسمه زياد كوفي ثقة ثبت ، وقال الكوفيون : يحلف بالله لا غير ، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين ; فيحلفه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف .

قال ابن العربي : وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة ، وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك ويرويه عن ابن عباس ، ولم يصح .قلت : وفي كتاب ( المهذب ) وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف ، قال : ورأيت مطرفا بصنعاء يحلف على المصحف ; قال الشافعي : وهو حسن .

قال ابن المنذر : وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف .قلت : قد تقدم في الأيمان : وكان قتادة يحلف بالمصحف ، وقال أحمد وإسحاق : لا يكره ذلك ; حكاه عنهما ابن المنذر .الثالثة عشرة : اختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق ; فقال مالك : لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياسا على القطع ، وكل مال تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العضو فهو عظيم ، وقال الشافعي : لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة ، وكذلك عند منبر كل مسجد .الرابعة عشرة : قوله تعالى : فيقسمان بالله الفاء في فيقسمان عاطفة جملة على [ ص: 273 ] جملة ، أو جواب جزاء ; لأن تحبسونها معناه احبسوهما ، أي : لليمين ; فهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قال : إذا حبستموهما أقسما ; قال ذو الرمة :وإنسان عيني يحسر الماء مرة فيبدو وتارات يجم فيغرقتقديره عندهم : إذا حسر بدا .الخامسة عشرة : واختلف من المراد بقوله : فيقسمان ؟

فقيل : الوصيان إذا ارتيب في قولهما وقيل : الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلفهما .

قال ابن العربي مبطلا لهذا القول : والذي سمعت - وهو بدعة - عن ابن أبي ليلى أنه يحلف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق ; وحينئذ يقضى له بالحق ; وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق ، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه ; هذا في المدعي فكيف يحبس الشاهد أو يحلف ؟

!

هذا ما لا يلتفت إليه .قلت : وقد تقدم من قول الطبري في أنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين ، وقد قيل : إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مدعى عليهما ، حيث ادعى الورثة أنهما خانا في المال .السادسة عشرة : قوله تعالى : إن ارتبتم شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به ، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين .

قال ابن عطية : أما إنه يظهر من حكم أبي موسى في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها ، روى أبو داود عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ، ولم يجد أحدا من المسلمين حضره يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ; فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأحلفهما بعد العصر : " بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وإنها لوصية الرجل وتركته " فأمضى شهادتهما .

قال ابن عطية : وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة ، وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض ، وتقع مع ذلك اليمين عنده ; وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا أن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي ; فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة .

قال ابن العربي : يمين الريبة والتهمة على قسمين : أحدهما : ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين .

الثاني : التهمة المطلقة في الحقوق والحدود ، [ ص: 274 ] وله تفصيل بيانه في كتب الفروع ; وقد تحققت هاهنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات .السابعة عشرة : الشرط في قوله : إن ارتبتم يتعلق بقوله : تحبسونهما لا بقوله فيقسمان لأن هذا الحبس سبب القسم .الثامنة عشرة : قوله تعالى : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى أي : يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضا نأخذه بدلا مما أوصى به ولا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا ، وإضمار القول كثير ، كقوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم أي : يقولون : سلام عليكم .

والاشتراء هاهنا ليس بمعنى البيع ، بل هو التحصيل .التاسعة عشرة : اللام في قوله : لا نشتري جواب لقوله : فيقسمان لأن أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم ; وهو " لا " و " ما " في النفي ، " وإن " واللام في الإيجاب ، والهاء في به عائد على اسم الله تعالى ، وهو أقرب مذكور ; المعنى : لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض .

ويحتمل أن يعود على الشهادة وذكرت على معنى القول ; كما قال صلى الله عليه وسلم : واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء ، وقد تقدم في سورة " النساء " .الموفية عشرين : قوله تعالى : ثمنا قال الكوفيون : المعنى ذا ثمن أي : سلعة ذا ثمن ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعندنا وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة ; فإن الثمن عندنا مشترى كما أن المثمون مشترى ; فكل واحد من المبيعين ثمنا ومثمونا كان البيع دائرا على عرض ونقد ، أو على عرضين ، أو على نقدين ; وعلى هذا الأصل تنبني مسألة : إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به ؟

قال أبو حنيفة : لا يكون أولى به ; وبناه على هذا الأصل ، وقال : يكون صاحبها أسوة الغرماء ، وقال مالك : هو أحق بها في الفلس دون الموت ، وقال الشافعي : صاحبها أحق بها في الفلس والموت .

تمسك أبو حنيفة بما ذكرنا ، وبأن الأصل الكلي أن الدين في ذمة المفلس والميت ، وما بأيديهما محل للوفاء ; فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رءوس أموالهم ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السلع موجودة أو لا ، إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع ، [ ص: 275 ] فلا يكون لهم إلا أثمانها أو ما وجد منها .

وخصص مالك والشافعي هذه القاعدة بأخبار رويت في هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ولا نكتم شهادة الله أي : ما أعلمنا الله من الشهادة ، وفيها سبع قراءات من أرادها وجدها في ( التحصيل ) وغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر الإنسان مقدماتُ الموت وعلائمه.

فينبغي له أن يكتب وصيته، ويشهد عليها اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما.

{ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } أي: من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين.

{ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } أي: سافرتم فيها { فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } أي: فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد عليهما، بأن يحبسا { مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } التي يعظمونها.

{ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ } أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا، هذا { إِنِ ارْتَبْتُمْ } في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك.

ويقولان: { لَا نَشْتَرِي بِهِ } أي: بأيماننا { ثَمَنًا } بأن نكذب فيها، لأجل عرض من الدنيا.

{ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } فلا نراعيه لأجل قربه منا { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } بل نؤديها على ما سمعناها { إِنَّا إِذًا } أي: إن كتمناها { لَمِنَ الْآثِمِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [ بداء ] قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام ، وهما نصرانيان ، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص ، وكان مسلما فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي ، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه ، ثم قضيا حاجتهما ، فانصرفا إلى المدينة ، فدفعا المتاع إلى أهل البيت ، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا : هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؟

قالا : لا ، قالوا : فهل اتجر تجارة؟

قالا : لا ، قالوا : هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟

قالا : لا فقالوا : إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة ، قالا : ما ندري إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء ، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار ، وحلفا فأنزل الله عز وجل هذه الآية ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ) أي : ليشهد اثنان ، لفظه خبر ومعناه أمر .

وقيل : معناه : أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان ، واختلفوا في هذين الاثنين فقال قوم : هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي .

وقال آخرون : هما الوصيان ، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال : ( تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان ) ولا يلزم الشاهد يمينا ، وجعل الوصي اثنين تأكيدا ، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور ، كقولك : شهدت وصية فلان ، بمعنى حضرت ، قال الله تعالى : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ( النور - 2 ) يريد الحضور ( ذوا عدل ) أي : أمانة وعقل ) ( منكم ) أي : من أهل دينكم يا معشر المؤمنين ( أو آخران من غيركم ) أي : من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين ، قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري ، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيدة .

ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية فقال النخعي وجماعة : هي منسوخة وكانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت .

وذهب قوم إلى أنها ثابتة ، وقالوا : إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين .

وقال شريح : من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان ، فشهادتهم جائزة ، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر .

وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأحلفهما ، وأمضى شهادتهما .

وقال آخرون : قوله ( ذوا عدل منكم ) أي : من حي الموصي أو آخران من غير حيكم وعشيرتكم ، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة ، وقالوا : لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام ، ( إن أنتم ضربتم ) أي سرتم وسافرتم ، ( في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن ) ( تحبسونهما ) أي : تستوقفونهما ، ( من بعد الصلاة ) أي : بعد الصلاة ، و ) ( من ) صلة يريد بعد صلاة العصر ، هذا قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة المفسرين ، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب ، وقال الحسن : أراد من بعد صلاة العصر ، وقال السدي : من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر ، ) ( فيقسمان ) يحلفان ، ( بالله إن ارتبتم ) أي : شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما ، أي : في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم ، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما ، ( لا نشتري به ثمنا ) أي : لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق نجحده ، ( ولو كان ذا قربى ) ولو كان المشهود له ذا قرابة منا ( ولا نكتم شهادة الله ) أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها ، وقرأ يعقوب " شهادة " بتنوين ، " الله " ممدود ، وجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم ، ويروى عن أبي جعفر " شهادة " بتنوين ، " الله " بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين ، أي : والله : ( إنا إذا لمن الآثمين ) أي إن كتمناها كنا من الآثمين .

فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك ، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما .

ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة ، فقالوا : إنا اشتريناه من تميم وعدي ، وقال آخرون : لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك ، فقالا إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا لهما : ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه؟

قالا : لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه لذلك ، فرفعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ» أي أسبابه «حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم» خبر بمعنى الأمر أي ليشهد وإضافة شهادة لبين على الإتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر «أو آخران من غيركم» أي غير ملتكم «إن أنتم ضربتم» سافرتم «في الأرض فأصابكم مصيبة الموت تحبسونهما» توقفونهما صفة آخران «من بعد الصلاة» أي صلاة العصر «فيقسمان» يحلفان «بالله إن أرتبتم» شككتم فيها ويقولان «لا نشتري به» بالله «ثمنا» عوضا نأخذه بدله من الدنيا بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله «ولو كان» المقسم له أو المشهود لله «ذا قربى» قرابة منا «ولا نكتم شهادة الله» التي أمرنا بها «إنا إذا» إن كتمناها «لمن الآثمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا قرب الموت من أحدكم، فلْيُشْهِد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين عند الحاجة، وعدم وجود غيرهما من المسلمين، تُشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة -أي صلاة المسلمين، وبخاصة صلاة العصر-، فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فَعَلا ذلك فهما من المذنبين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة في تفاصيلها إلا أنها متقاربة في مغزاها .ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله : روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ( يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ) قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإِسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له " بديل بن أبي مريم " بتجارة ، معه جام من فضة أي إناء من فضة - يريد به الملك ، وهو أعظم تجارته؛ فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله - أي : يوصلا ما تركه من متاع لورثته .قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، واقتسمنا الثمن أنا وعدى ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره .قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتبت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فوثبوا عليه ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه ، فحلف فنزلت : ( يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ ) الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .وقال القرطبي : ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء ، روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : " كان تميم الداري ودي بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصاً بالذهب - أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كتمتما ولا اطلعتما " ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ، قال : فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات " .هذا ، والمعنى الإِجمالي لهذه الآيات : أن الله - تعالى - شرع لكم - أيها المؤمنون - الوصية في السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو في السفر أن يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا ، والاثنان أحوط ، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت .

وارتاب الورثة في أمانة هذين الرجلين ، فعليهم في هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم ، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ما كتما شيئاً من وصية وما خانا .فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثه الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين في أداء ما كلفهما الميت بأدائه ، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت ، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين ، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها .ثم بين - سبحانه - في الآية الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكي يكونوا من المؤمنين الصادقين :هذا هو المعنى الإِجمالي للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل الفول في تفسيرها حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح .قال الآلوسي : وقوله : ( يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ) .

.

إلخ استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم ، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى .وللشهادة معان منها ، الإِحضار والقضاء ، والحكم ، والحلف ، والعلم والإِيصاء ، والمراد بها هنا الأخير ، كما نص عليه جماعة من المفسرين .وقوله : ( شهادة ) يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله : ( اثنان ) على حذف مضاف .

أي : شهادة اثنين .ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف .

أي : فيما أمرتم به أن يشهد اثنان : ويكون قوله ( اثنان ) فاعلا لقوله ( شهادة ) وعليه تكون إضافة قوله ( شهادة ) إلى الظرف وهو ( بينكم ) على التوسع .قال القرطبي : قوله ( شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ) قيل : معناه شهادة ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقية ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة .

ومنه قوله - تعالى - ( هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) أي : ما بيني وبينك .والمراد بقوله : ( إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ) ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله : " شهادة " .وقوله : ( حِينَ الوصية ) بدل من الظرف .

وفي هذا الابدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغي أن يتهاون فيها .وقوله : ( ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ) صفة لقوله ( اثنان ) .وقوله : ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) صفة لقوله ( اثنان ) .والمراد من غير المسلمين ، ويرى بعضهم أن المراد بقوله ( منكم ) أي : من قبيلتكم ، وبقوله : ( مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي : من غير قبيلتكم .وقوله : ( إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت ) بيان لمكان الوصية وزمانها .والمراد بالضرب في الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب في الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه .والمراد بقوله : ( فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت ) أي : فقاربتم نهاية أجلكم بأن أحسستم بدنو الموت منكم .

فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد مشارفته ومقاربته .وسمي - سبحانه - الموت مصيبة ، لأنه بطبيعته يؤلم ، أو يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام نفسية .قال القرطبي : " وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليها ما معكم من المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ، وادعو عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما من بعد صلاة ، أي تستوثقوا منهما " .فقوله : ( تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ بالله ) كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك في أمانة الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله .ومعنى ( تَحْبِسُونَهُمَا ) توقفونهما وتمكسونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة : صلاة العصر .

وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين .قال الفخر الرازي : إنما عرف هذا التعيين بوجوه :أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده ، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ .وثانيهما : ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر ، ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد .وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ، ويحترزون عن الكلف الكاذب .وقال الزهري : المراد بالصلاة ، الصلات مطلقاً : وإنما كان الحلف بعد الصلاة ، لأنها داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور .أي : توقفون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين ( فَيُقْسِمَانِ بالله ) أي : فيحلفان بالله ( إِنِ ارتبتم ) في صدقهما ، بأن يقولا : ( لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ) أي : لا نحصل بيمين الله عرضاً من أعراض الدنيا ، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا .( وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله ) أي : ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله بإظهارها وأدائها ( إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين ) أي : إنا إذا لتكونن معدودين من المستقرين في الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجهها الصحيح .وقوله ( إِنِ ارتبتم ) شرط لا يتوجه الشاهدين إلا به ، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين .وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله .

أي : إن ارتبتم فحلفوهما .والضمير في قوله : ( به ) يعود إلى القسم المفهوم من قوله : ( فيقسمان ) أي : فيقسمان بالله لا نشتري بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن .وقوله : ( وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ) تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب .قال صاحب الكشاف : والضمير في ( به ) للقسم وفي ( كان ) للقسم له .

يعني : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا .

أي : لا نحلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من يقسم له قريباً منا ، على معنى : أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً ، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى - ( كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين ) فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها : أن الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمنا مهما كنت قيمته ، وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يبكتما الشهادة التي أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح ، وبأنهما يقران على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق ، وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ﴾ .

اعلم أنه تعالى: لما أمر بحفظ النفس في قوله: ﴿ عليكم أنفسكم  ﴾ أمر بحفظ المال في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية أن تميماً الداري وأخاه عدياً كانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً مهاجراً، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشاً بالذهب ثلثمائة مثقال، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، ففتشوا فوجدوا الصحيفة، وفيها ذكر الإناء، فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟

فقالا لا ندري، والذي رفع إلينا دفعناه إليكم، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع، وحذف ما من قوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ جائز لظهوره، ونظيره قوله: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ أي ما بيني وبينك، وقوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ وفي قراءة نصب، وقوله: ﴿ إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ﴾ يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت، وحين الوصية بدل من قوله: ﴿ إذا حضر أحدكم ﴾ لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية، فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه، كما يقال: ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر، والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه، كقوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية  ﴾ قالوا وقوله: ﴿ إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ﴾ دليل على وجوب الوصية، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية.

ثم قال تعالى: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية حذف، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم، وتقدير الآية: شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف، هي أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوماً.

المسألة الثانية: اختلف المفسرون في قوله: ﴿ منكم ﴾ على قولين: الأول: وهو قول عامة المفسرين أن المراد: اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم، وقوله: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر، وهذا قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج.

قالوا: إذا كان الإنسان في الغربة، ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال الشعبي رحمه الله: مرض رجل من المسلمين في الغربة، فلم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري، وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد لذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر، بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما، ثم إن القائلين بهذا القول، منهم من قال هذا الحكم بقي محكماً ومنهم من قال صار منسوخاً.

القول الثاني: وهو قول الحسن والزهري وجمهور الفقهاء: أن قوله: ﴿ ذوا عدو منكم ﴾ أي من أقاربكم وقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ أي من الأجانب إن أنتم ضربتم في الأرض أي إن توقع الموت في السفر، ولم يكن معكم أحد من أقاربكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية.

وجعل الأقارب أولاً لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق، وبورثته أرحم وأرأف، واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه.

الحجة الأولى: أنه تعالى قال في أول الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين، فلما قال بعده ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة.

الحجة الثانية: أنه قال تعالى: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ وهذ يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر.

الحجة الثالثة: الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين.

الحجة الرابعة: أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصرانيين على بديل وكان مسلماً.

الحجة الخامسة: ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما، وما أنكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعاً.

الحجة السادسة: أنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحداً من المسلمين، والضرورات قد تبيح المحظورات، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة، والافطار في رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، والضرورة حاصلة في هذه المسألة، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلماً يشهده على نفسه، ولم تكن شهادة الكفار مقبولة فإنه يضيع أكثر مهماته، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها.

وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته، وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الأحوال، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة، فكذا هاهنا.

وأما قول من يقول: بأن هذا الحكم صار منسوخاً فبعيد، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وليس فيها منسوخ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ والكافر لا يكون عدلاً.

أجاب الأولون عنه: لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان عدلاً في الاحتراز عن الكذب، لا من كان عدلاً في الدين والاعتقاد، والدليل عليه: أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع، مع أنهم ليسوا عدولاً في مذاهبهم، ولكنهم لما كانوا عدولاً في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم، فكذا هاهنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل، إلا أن قوله: ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ عام، وقوله في هذه الآية ﴿ إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر، فهذه الآية خاصة، والآية التي ذكرتموها عامة، والخاص مقدم على العام، لا سيما إذا كان الخاص متأخراً في النزول، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجباً بالاتفاق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أو آخران ﴾ عطف على قوله: ﴿ اثنان ﴾ والتقدير: شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيركم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافراً ضارباً في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به.

ثم قال تعالى: ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: تحبسونهما، أي توقفونهما كما يقول الرجل: مرَّ بي فلان على فرس فحبس على دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته.

فإن قيل: ما موقع تحبسونهما.

قلنا: هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ فيه أقوال: الأول: قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما، والثاني: قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر.

فإن قيل: كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة.

قلنا: إنما عرف هذا التعيين بوجوه: أحدها: أن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ.

وثانيها: ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ودعا بعدي وتميم، فاستحلفهما عند المنبر، فصار فعل الرسول دليلاً على التقييد.

وثالثها: أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

والقول الثالث: قال الحسن المراد بعد الظهر أو بعد العصر، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

والقول الرابع: أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت والغرض من التحليف بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان، وهذا على خلاف الآية، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم، ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه أقوى.

ثم قال تعالى: ﴿ فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ للجزاء يعني: تحبسونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه.

والمعنى: ان ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والرواي عند التهمة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمناً، وهو كقوله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانكم ثمناً قليلاً  ﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئاً فقد اشترى ثمنه، وقوله: ﴿ ولو كان ذا قربى ﴾ أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم، وهو كقوله: ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ وفيه مسألتان: الأولى: هذا عطف على قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وإظهارها.

المسألة الثانية: نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله: ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ الله بالمد على طرح حرف القسم.

وتعويض حرف الاستفهام منه، وروي عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا، والمعنى تالله.

ثم قال تعالى: ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو ﴿ شهادة بَيْنِكُمْ ﴾ على تقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين.

أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان: وقرأ الشعبي.

﴿ شهادة بينكم ﴾ بالتنوين.

وقرأ الحسن: ﴿ شهادة ﴾ ، بالنصب والتنوين على: ليقم شهادة اثنان.

و ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾ ظرف للشهادة.

و ﴿ حِينَ الوصية ﴾ بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها.

وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ من أقاربكم.

و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من الأجانب ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح.

وقيل ﴿ منكم ﴾ من المسلمين، و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الذمة.

وقيل: هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.

وعن مكحول: نسخها قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ وروي: أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله.

ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ تقفونهما وتصبرونهما للحلف ﴿ مِنْ بعدالصلاوة ﴾ من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس.

وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وفي حديث بديل: أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.

وقيل: هي صلاة أهل الذمّة، وهم يعظمون صلاة العصر ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه.

والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.

وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين: وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.

وعن عليّ رضي الله عنه: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقسم.

وفي ﴿ كَانَ ﴾ للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً منا، على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ [النساء: 135] .

﴿ شهادة الله ﴾ أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها.

وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمدّ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا.

وقرئ: ﴿ لملاثمين ﴾ بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله: عاد لولي: فإن قلت: ما موقع تحبسونهما؟

قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟

قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر.

ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ فإن اطلع ﴿ على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً ﴾ أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين ﴿ فَآخَرَانِ ﴾ فشاهدان آخران ﴿ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم.

معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم.

وفي قصة بديل: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما.

﴿ الأوليان ﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟

فقيل: الأوليان.

وقيل: هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران.

ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال.

وقرئ ﴿ الأوّلين ﴾ على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح.

ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها.

وقرئ: ﴿ الأولين ﴾ على التثنية، وانتصابه على المدح.

وقرأ الحسن: ﴿ الأولان ﴾ ، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي.

وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك.

فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء.

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي: وأبيّ وابن عباس؟

قلت: معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين ﴿ ذلك ﴾ الذي تقدم من بيان الحكم ﴿ أدنى ﴾ أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة ﴿ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان ﴾ أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل.

﴿ واسمعوا ﴾ سمع إجابة وقبول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ أيْ فِيما أُمِرْتُمْ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، والمُرادُ بِالشَّهادَةِ الإشْهادُ في الوَصِيَّةِ وإضافَتُها إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ وقُرِئَ «شَهادَةً» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى لِيُقِمْ.

﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ إذا شارَفَهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ وهو ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ.

﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وفي إبْدالِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُتَهاوَنَ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حَضَرَ.

﴿ اثْنانِ ﴾ فاعِلُ شَهادَةُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَها عَلى حَذْفِ المُضافِ.

﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم أوْ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ.

﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى اثْنانِ، ومَن فَسَّرَ الغَيْرَ بِأهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ مَنسُوخًا فَإنَّ شَهادَتَهُ عَلى المُسْلِمِ لا تُسْمَعُ إجْماعًا.

﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ سافَرْتُمْ فِيها.

﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ أيْ قارَبْتُمُ الأجَلَ.

﴿ تَحْبِسُونَهُما ﴾ تَقِفُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ والشَّرْطُ بِجَوابِهِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ اعْتِراضٌ، فائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم فَإنْ تَعَذَّرَ كَما في السَّفَرِ فَمِن غَيْرِكُمْ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنِ ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ فَقالَ تَحْبِسُونَهُما.

﴿ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وتَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ.

وقِيلَ أيُّ صَلاةٍ كانَتْ.

﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ إنِ ارْتابَ الوارِثُ مِنكم.

﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، وإنِ ارْتَبْتُمْ اعْتِراضٌ يُفِيدُ اخْتِصاصَ القَسَمِ بِحالِ الِارْتِيابِ.

والمَعْنى لا نَسْتَبْدِلُ بِالقَسَمِ أوْ بِاللَّهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا لِطَمَعٍ.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ قَرِيبًا مِنّا، وجَوابُهُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ لا نَشْتَرِي.

﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ بِإقامَتِها، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى شَهادَةَ ثُمَّ ابْتَدَأ آللَّهُ بِالمَدِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ.

﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ ﴾ أيْ إنْ كَتَمْنا.

وقُرِئَ «لَمِلّاْثِمِينَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ النُّونِ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)

روي أنه خرج بديل مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين مع عدى وتمام وكانا نصرانيين إلى الشام فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهل هـ ومات ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل {يا أيها الذين آمنوا شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان} ارتفع اثنان لأنه خبر المبتدأ وهو شهادة بتقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو لأنه فاعل شهادة بينكم أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان واتسع في بين فأضيف إليه المصدر وإذا حضر ظرف للشهادة حين الوصية بدل منه وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية لأن حضور الموت من الأمور الكائنة وحين الوصية بذل منه فيدل على وجود الوصية ولو وجدت بدون الاختيار لسقط الابتلاء فنقل إلى الوجوب وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل {ذوا عدل} صفة لاثنين {مِّنكُمْ} من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت {أو آخران} عطف على اثنان {مِنْ غَيْرِكُمْ} من الأجانب {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض} سافرتم فيها وأنتم فاعل فعل يفسره الظاهر {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت} أو منكم من المسلمين ومن غيركم من أهل الذمة وقيل منسوخ إذ لا يجوز شهادة الذمي على المسلم وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين {تَحْبِسُونَهُمَا} تقفونهما

للحلف هو استئناف كلام أو صفة لقوله أو آخران من غيركم أي أو آخران من غيركم محبوسان وإن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت اعتراض بين الصفة والموصوف {مِن بَعْدِ الصلاة} من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وعن الحسن رحمه الله بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما وفي حديث بديل أنهما لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديِّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا ثم وجد الإناء بمكة فقالوا إنا اشتريناه من تميم وعدي {فَيُقْسِمَانِ بالله} فيحلفان به {إن ارتبتم} شككتم فى

المائدة (١٠٦ _ ١٠٨)

أمانتهما وهو اعتراض بين يقسمان وجوابه وهو {لاَ نَشْتَرِي} وجواب الشرط محذوف أغنى عنه معنى الكلام والتقدير إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما {بِهِ} بالله أو بالقسم {ثَمَناً} عوضاً من الدنيا {وَلَوْ كَانَ} أي المقسم له {ذَا قربى} أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريباً منا {وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله} أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها {إنّآ إذاً} إن كتمنا {لَّمِنَ الآثمين} وقيل إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين وإن أريد الوصيان فلم ينسخ تحليفهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دُنْياهم إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دِينِهِمْ وفِيهِ مِن إظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ ما لا يَخْفى ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ﴾ لِلشَّهادَةِ مَعانٍ الإحْضارُ والقَضاءُ والحُكْمُ والحَلِفُ والعِلْمُ والإيصاءُ، والمُرادُ بِها هُنا الأخِيرُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها مُبْتَدَأُ و(اثْنانِ) خَبَرُها والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ أيْ ذُو شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ أوْ مِنَ الثّانِي أيْ شَهادَةُ بَيْنِكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ، والتُزِمَ ذَلِكَ لِيَتَصادَقَ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ وقِيلَ: الشَّهادَةُ بِمَعْنى الشُّهُودِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ الحَذْفِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ (واثْنانِ) مَرْفُوعٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (شَهادَةُ) والتَّقْدِيرُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

والشَّهادَةُ فِيهِ عَلى مَعْناها المُتَبادَرِ مِنها لا بِمَعْنى الإشْهادِ، وكَلامُ البَعْضِ يُوهِمُ ذَلِكَ وهو في الحَقِيقَةِ بَيانٌ لِحاصِلِ مَعْنى الكَلامِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِمَعْنى الإشْهادِ الَّذِي هو مَصْدَرُ المَجْهُولِ و(اثْنانِ) قائِمٌ مَقامَ فاعِلِهِ، وفِيهِ أنَّ الإتْيانَ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَجْهُولِ بِنائِبِ فاعِلٍ وهو اسْمٌ ظاهِرٌ وإنْ جَوَّزَهُ البَصْرِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِلْمُرادِيِّ فَقَدْ مَنَعَهُ الكُوفِيُّونَ وقالُوا: إنَّهُ هو الصَّحِيحُ لِأنَّ حَذْفَ فاعِلِ المَصْدَرِ سائِغٌ شائِعٌ فَلا يَحْتاجُ إلى ما يَسُدُّ مَسَدَّ فاعِلِهِ كَفاعِلِ الفِعْلِ الصَّرِيحِ.

و (إذا) ظَرْفٌ لِـ (شَهادَةُ) أيْ لِيَشْهَدْ وقْتَ حُضُورِ المَيِّتِ والمُرادُ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أمارَتِهِ و ﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ إمّا بَدَلٌ مِن (إذا) وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ المُهِمّاتِ المُقَرَّرَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ ويَذْهَلَ عَنْها وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ المَوْتِ أيْ وُقُوعِ المَوْتِ أيْ أسْبابِهِ حِينَ الوَصِيَّةِ أوْ يَحْضُرَ، وأنْ يَكُونَ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ إذا حَضَرَ أيْ وُقُوعُ الشَّهادَةِ في وقْتِ حُضُورِ المَوْتِ و ﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلشَّهادَةِ لِئَلّا يُخْبِرُ عَنِ المَوْصُولِ قَبْلَ تَمامِ صِلَتِهِ أوْ خَبَرِهِ ﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ .

و (إذا) مَنصُوبٌ بِالشَّهادَةِ ولا يَجُوزُ نَصْبُهُ بِالوَصِيَّةِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُهُ عَلى الصَّحِيحِ مَعَ ما يَلْزَمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو لا يَجُوزُ في غَيْرِ -غَيْرَ- لِأنَّها بِمَنزِلَةِ لا.

و(اثْنانِ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إمّا فاعِلُ يَشْهَدُ مُقَدَّرًا أوْ خَبَرٌ لَشاهِدانِ كَذَلِكَ وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ و(اثْنانِ) فاعِلُهُ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ وجَعَلَ المَصْدَرَ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ لِيَشْهَدْ، وفِيهِ نِيابَةُ المَصْدَرِ عَنْ فِعْلِ الطَّلَبِ وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ لِأنَّ الِاكْتِفاءَ بِالفاعِلِ مَخْصُوصٌ بِالوَصْفِ المُعْتَمَدِ.

و (إذا) و(حِينَ) عَلَيْهِ مَنصُوبانِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما مَرَّ، وإضافَةُ (شَهادَةُ) إلى الظَّرْفِ عَلى التَّوَسُّعِ لِأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ ولِذا قُرِئَ (تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ ما بَيْنَكم وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ والتَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) جائِزٌ نَحْوَ (وإذا رَأيْتَ ثَمَّ) أيْ ما ثَمَّ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ما المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها ومِنهم مَن جَوَّزَهُ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ (شَهادَةٌ بَيْنَكُمْ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فَبَيْنَكم حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ (اثْنانِ) فاعِلُهُ أيْ لِيُقِمْ شَهادَةَ بَيْنِكُمُ اثْنانِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ حَذْفَ الفِعْلِ وإبْقاءَ فاعِلِهِ لَمْ يُجِزْهُ النُّحاةُ إلّا إذا تَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (يُسَبَّحُ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ أوْ أُجِيبَ بِهِ نَفْيٌ أوِ اسْتِفْهامٌ وذَلِكَ ظاهِرٌ والآيَةُ لَيْسَتْ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الِاشْتِراطِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هو شَرْطُ الأكْثَرِيَّةِ، واخْتارَ في البَحْرِ وجْهَيْنِ لِلتَّخْرِيجِ، الأوَّلَ أنْ تَكُونَ (شَهادَةُ) مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِ النّائِبِ مَنابَ فِعْلِ الأمْرِ و(اثْنانِ) مُرْتَفِعٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لِيَشْهَدْ بَيْنَكُمُ اثْنانِ فَيَكُونُ مِن بابِ ضَرْبًا زَيْدًا إلّا أنَّ الفاعِلَ في ضَرْبًا يَسْتَنِدُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِأنَّ مَعْناهُ اضْرِبْ، وهَذا يَسْتَنِدُ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ مَعْناهُ ما عَلِمْتَ والثّانِي أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا لا بِمَعْنى الأمْرِ بَلْ خَبَرًا نابَ مَنابَ الفِعْلِ في الخَبَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا كَقَوْلِهِ وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيِّهِمْ فارْتِفاعُ صَحْبِي وانْتِصابُ مَطِيِّهِمْ بِقَوْلِهِ وُقُوفًا فَإنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ وقِفْ صَحْبِي عَلى مَطِيِّهِمْ، والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ يَشْهَدُ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ (ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ) أيْ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وابْنِ المُسَيَّبِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، أوْ مِن أقارِبِكم وقَبِيلَتِكم كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزُّهْرِيِّ وهُما صِفَتانِ لاثْنانِ ﴿ أوْ آخَرانِ ﴾ عَطْفٌ عَلى اثْنانِ في سائِرِ احْتِمالاتِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ صِفَةٌ لَهُ أيْ كائِنانِ مِن غَيْرِكم والمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ الأوَّلِينَ وغَيْرُ الأقْرَبِينَ مِنَ الأجانِبِ عِنْدَ الآخِرِينَ، واخْتارَ الأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ حَتّى قالَ الجَصّاصُ: إنَّ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ أوَّلًا إلى أهْلِ الإيمانِ فالمُغايِرَةُ تُعْتَبَرُ فِيهِ ولَمْ يَجْرِ لِلْقَرابَةِ ذِكْرٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا سَبَبُ النُّزُولِ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ سافَرْتُمْ، وارْتِفاعُ (أنْتُمْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ إنْ ضَرَبْتُمْ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ وجَبَ أنْ يُفْصَلَ الضَّمِيرُ لِيَقُومَ بِنَفْسِهِ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِناءً عَلى جَوازِ وُقُوعِ المُبْتَدَإ بَعْدَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ كَجَوازِ وُقُوعِهِ بَعْدَ إذا فَجُمْلَةُ (ضَرَبْتُمْ) لا مَوْضِعَ لَها عَلى الأوَّلِ لِلتَّفْسِيرِ، ومَوْضِعُها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ عَلى الثّانِي وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ أيْ قارَبْتُمُ الأجَلَ عُطِفَ عَلى الشَّرْطِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ كانَ الشَّرْطُ قَيْدًا في أصْلِ الشَّهادَةِ فالتَّقْدِيرُ إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ إلَخْ فَلْيَشْهَدِ اثْنانِ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكُمْ، وإنْ كانَ شَرْطًا في العُدُولِ إلى آخَرِينَ بِالمَعْنى الَّذِي نُقِلَ عَنِ الأوَّلِينَ فالتَّقْدِيرُ فَأشْهِدُوا آخَرِينَ مِن غَيْرِكم أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ، وحِينَئِذٍ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهُ يَعْدِلُ في الشَّهادَةِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ إلّا بِشَرْطِ الضَّرْبِ في الأرْضِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَحْبِسُونَهُما ﴾ أيْ تُلْزِمُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما لِلتَّحْلِيفِ، اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إذا ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ أيْ صَلاةِ العَصْرِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وتَكاثُرِهِمْ ولِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَهُ ويَجْتَنِبُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ فِيهِ ولِأنَّهُ وقْتُ تَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَلاقِيهِمْ، وفي ذَلِكَ تَكْثِيرٌ لِلشُّهُودِ مِنهم عَلى صِدْقِ الحالِفِ وكَذِبِهِ فَيَكُونُ أخْوَفَ، وعَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن بابِ التَّغْلِيظِ عَلى المُسْتَحْلَفِ بِالزَّمانِ وعِنْدَنا لا يَلْزَمُ التَّغْلِيظُ بِهِ ولا بِالمَكانِ بَلْ يَجُوزُ لِلْحاكِمِ فِعْلُهُ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها صَلاةُ العَصْرِ أوِ الظَّهْرِ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ بَعْدِ أيِّ صَلاةٍ كانَتْ والتَّقْيِيدُ بَذْلٌ لِأنَّ الصَّلاةَ داعِيَةٌ إلى النُّطْقِ بِالصِّدْقِ ناهِيةٌ عَنِ التَّفَوُّهِ بِالكَذِبِ والزُّورِ وارْتِكابِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ، وجَعَلَ الحَسَنُ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ صِفَةً أُخْرى لَآخَرانِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرَضَةٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصاصَ الحَبْسِ بِالآخَرِينَ مَعَ شُمُولِهِ لِلْأوَّلِينَ أيْضًا عَلى اعْتِبارِ اتِّصافِهِما بِذَلِكَ يَأْباهُ مَقامُ الأمْرِ بِإشْهادِهِما إذْ مَآلُهُ: فَآخَرانِ شَأْنُهُما الحَبْسُ والتَّحْلِيفُ وإنْ أمْكَنَ إتْمامُ التَّقْرِيبِ بِاعْتِبارِ قَيْدِ الِارْتِيابِ بِهِما كَما يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ الآتِي ولا يَخْفى ما فِيهِ والخِطابُ لِلْمُوصى لَهم وقِيلَ لِلْوَرَثَةِ وقِيلَ: لِلْحُكّامِ والقُضاةِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ﴾ عُطِفَ عَلى (تَحْبِسُونَهُما ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ في صِدْقِهِما وعَدَمِ اسْتِبْدادِهِما بِشَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، والجُمْلَةُ شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ الحَبْسِ والأقْسامِ عَلَيْهِ، والشَّرْطُ مَعَ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ وقَدْ سِيقَ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ بِحالِ الِارْتِيابِ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ما اجْتَمَعَ فِيهِ قَسَمٌ وشَرْطٌ فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ جَوابِ سابِقِهِما عَنْ جَوابِ الآخَرِ كَما هو الواقِعُ غالِبًا لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ سَدِّ جَوابِ السّابِقِ مَسَدَّ جَوابِ اللّاحِقِ لِاتِّحادِ مَضْمُونِهِما كَما في قَوْلِكَ: واللَّهِ إنْ أتَيْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ ولا رَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ هَهُنا لِأنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ كَلامُ الشّاهِدَيْنِ والشَّرْطِيَّةَ كَما عَلِمْتَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ (إنْ) هُنا وصْلِيَّةٌ لِأنَّها مَعَ أنَّ الواوَ لازِمَةٌ لَها لَيْسَ المَعْنى عَلَيْها كَما لا يَخْفى.

وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِها شُرْطِيَّةً و ﴿ لا نَشْتَرِي ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ، والمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ فَلا يَنْبَغِي ذَلِكَ أوْ فَقَدْ أخْطَأْتُمْ لِأنّا لَسْنا مِمَّنْ يَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا وتَخْلُو الآيَةُ عَلَيْهِ ظاهِرًا مِن شَرْطِ التَّحْلِيفِ وضَمِيرٍ بِهِ عائِدٍ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ مِن حُرْمَتِهِ تَعالى عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نُزِيلَها بِالحَلِفِ الكاذِبِ، وحاصِلُهُ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى حَلِفًا كاذِبًا لِأجْلِ المالِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى القَسَمِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نُزِيلَ عَنْهُ وصْفَ الصِّدْقِ ونَصِفَهُ بِالكَذِبِ، وقِيلَ: إلى الشَّهادَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها قَوْلٌ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا وتَقْدِيرُ مُضافٍ في ﴿ ثَمَنًا ﴾ أيْ ذا ثَمَنٍ مِمّا لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا قِلَّةُ التَّأمُّلِ ﴿ ولَوْ كانَ ﴾ المُقْسَمُ لَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ أيْ قَرِيبًا مِنّا، وهَذا تَأْكِيدٌ لِتَبِرِّيهِما مِنَ الحَلِفِ الكاذِبِ ومُبالَغَةٌ في التَّنَزُّهِ عَنْهُ كَأنَّهُما قالا: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِن ذَلِكَ مالًا ولَوِ انْضَمَّ إلَيْهِ رِعايَةُ جانِبِ الأقْرِباءِ فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وصِيانَةُ أنْفُسِهِما وإنْ كانَتْ أهَمَّ مِن رِعايَةِ جانِبِ الأقْرِباءِ - لَكِنَّها كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لَيْسَتْ ضَمِيمَةَ المالِ بَلْ هي راجِعَةٌ إلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلى مَعْنى لا نُحابِي أحَدًا بِشَهادَتِنا ولَوْ كانَ قَرِيبًا مِنّا، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما سَبَقَ عَلَيْهِ أيْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، والجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ أيْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذا قُرْبى ولَوْ كانَ إلَخْ، وجَعَلَ السَّمِينُ الواوَ لِلْحالِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا وجَوَّزَ بَعْضُهم إرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلشّاهِدِ وقَدَّرَ جَوابًا لِـ (لَوْ) غَيْرَ ما قَدَّرْناهُ أيْ ولَوْ كانَ الشّاهِدُ قَرِيبًا يُقْسِمانِ، وجَعَلَ فائِدَةَ ذَلِكَ دَفْعَ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الأقْسامِ بِالأجْنَبِيِّ، ولا يَخْفى ما في التَّرْكِيبِ حِينَئِذٍ مِنَ الرَّكاكَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ في كَلامِ البَعْضِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ الكُلِّ، ونَشْهَدُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ حَمْلَ كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ ﴿ ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا سُبْحانَهُ وتَعالى بِإقامَتِها وألْزَمَنا أداءَها فالإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ أوْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةُ عَلى (لا نَشْتَرِي بِهِ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَسَمِ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى (شَهادَةْ) بِالهاءِ ثُمَّ ابْتَدَأ (آللَّهِ) بِالمَدِّ والجَرِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ ولَيْسَ هَذا مِن حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءِ عَمَلِهِ وهو شاذٌّ كَقَوْلِهِ أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ الأصابِعِ لِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا تَعْوِيضَ وفي الجَلالَةِ الكَرِيمَةِ تَعْوِيضُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ المَحْذُوفِ، وهَلِ الجَرُّ بِهِ أوْ بِالعِوَضِ قَوْلانِ.

ورُوِيَ عَنْهُ وكَذا عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَحْيى بْنِ عُمَرَ وابْنِ جَرِيرٍ وآخَرُونَ (اللَّهُ) بِدُونِ مَدٍّ وفي ذَلِكَ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنَّ الحَذْفَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ فَيَكُونُ عَلى خِلافِ القِياسِ، الثّانِي أنَّ الهَمْزَةَ المَذْكُورَةَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وهي هَمْزَةُ قَطْعٍ عَوَّضَتْ عَنِ الحَرْفِ ولَكِنَّها لَمْ تُمَدُّ وهَذا أوْلى مِن دَعْوى الشُّذُوذِ ولِذا اخْتارَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، وقُرِئَ بِتَنْوِينِ الشَّهادَةِ ووَصْلِ الهَمْزَةِ ونَصْبِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ مَدٍّ وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلِ القَسَمِ مَحْذُوفًا ﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ ﴾ 601 - أيْ إذا فَعَلْنا ذَلِكَ وكَتَمْنا، والعُدُولُ عَنْ آثِمُونَ إلى ما ذُكِرَ لِلْمُبالَغَةِ.

وقُرِئَ (لَمِلاثِمِينَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِهِما عَلى اللّامِ وإدْغامِ النُّونِ فِيها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شَهادَةُ: رفع بالابتداء وخبره (اثنان) ومعناه: شهادتكم فيما بينكم اثنان مسلمان عدلان إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فأراد أن يشهد على وصيته، وكان مقيماً.

ولم يكن مسافراً فليُشهد على وصيته اثنين مسلمين حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كنتم في السفر ولم تقدروا على مسلمين، فأشهدوا رجلين من غيركم يعني: من غير أهل دينكم.

وروى مغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان الرجل في سفر فلم يجد المسلمين يشهدهما على وصيته، فيشهد غير أهل دينه.

فإن اتهما حبسا من بعد الصلاة فيغلظ عليهما في اليمين وإن شهد رجلان من الورثة أنهما خانا وكذبا صدقا بما قالا، وأخذ مّنَ الاخرين يعني: من الشاهدين ما ادعي عليهما.

وروي عن مجاهد أنه قال: إذا مات المؤمن في السفر لا يحضره إلا كافران أشهدهما على ذلك.

فإن رضي ورثته مما حلفا عليه من تركته فذلك.

ويحلف الشاهدان أنهما لصادقان، فإن ظهر أنهما خانا، حلف اثنان من الورثة، وأبطلا أيمان الشاهدين.

وروي عن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في السفر، ولا تجوز في السفر إلا على الوصية، وهكذا قال إبراهيم النخعي.

وبه قال ابن أبي ليلى.

واحتجوا بظاهر هذه الآية.

وقال علماؤنا: لا يجوز شهادة الذمي على المسلم في الوصية ولا في غيره.

وروي عن عكرمة أنه قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: من غير عشيرتكم.

وكذلك قال الحسن: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني: من غير قبيلتكم، كلهم من أهل العدالة.

قال: ألا ترى إلى قوله: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ وقال زيد بن أسلم: كان ذلك في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك كان في أول الإسلام، والأرض أرض الحرب، والناس كفار، إلا رسول الله  وأصحابه بالمدينة.

وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: هي منسوخة وقال الضحاك: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] ورفع اليمين عن الشهود، وأبطل شهادة أهل الذمة إلا بعضهم على بعض.

ويقال: لنزول هذه الآية قصة.

وذلك أنه ثلاثة نفر خرجوا إلى السفر: تميم الدّاري، وعدي بن زيد، وبديل بن ورقاء مولى العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص، فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلماً، وأوصى إلى تميم الدّاري وإلى عدي بن زيد وكانا نصرانيين، وأمرهما أن يسلّما أمتعته إلى أهله، وكتب أسماء الأمتعة، وأدرجه في ثيابه.

فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله، فوجد أهله الكتاب وفيه أسماء الأمتعة، وفيه جام فضة لم يسلماه إليهم.

فخاصمهما المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن العاص إلى رسول الله  .

فنزلت الآية: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ بموت بديل بن ورقاء تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ يعني: صلاة العصر.

وكان النبيّ  يقضي بين الناس بعد صلاة العصر.

فحلَّف الشاهدين، فحلفا أنهما لم يكتما شيئاً، فذلك قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: سافرتم في الأرض، فأصابتكم في السفر مصيبة الموت يعني: موت بديل بن ورقاء، تَحْبِسُونَهُما يعني: تقيمونهما من بعد الصلاة يعني: صلاة العصر عند منبر النبيّ  فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ يعني: ظننتم بالشاهدين ريبة أو شككتم في أمرهما لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يعني: باليمين.

يعني: أن الشاهدين يحلفان بالله أنهما لم يشتريا بأيمانهما ثمناً قليلاً من عرض الدنيا.

وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني: ذا قرابة معنا في الرحم.

لأن الميت كان بينه وبينهما قرابة وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إن سألنا عن ذلك.

فإن كتمناها يعني: الشهادة: إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ يعني: الفاجرين.

ثم وجد الجام أي الكأس بعد ذلك في أيديهما يبيعانه في السوق.

وقالا: إنا كنا اشتريناه منه، فاختصموا إلى رسول الله  فنزل فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يعني: خانا وكتما شيئاً من المال فَآخَرانِ من أولياء الميت يَقُومانِ مَقامَهُما يعني: مقام النصرانيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني: يحلف أولياء الميت أن المتاع متاع صاحبنا لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعني: يمين المسلمين وشهادتهما أحق يعني: أولى من شهادة الكافرين.

وَمَا اعْتَدَيْنا في الشهادة والدعوى إِنَّا إِذاً اعتدينا فحينئذٍ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

قرأ عاصم في رواية حفص: اسْتَحَقَّ بنصب التاء.

وقرأ الباقون: بضم التاء فمن قرأ بالنصب جعل الذين نعتاً للمدعين ومعناه: فآخران من المستحقين يقومان مقامهما.

ومن قرأ بالضم: جعل الذين نعتاً للمدعى عليهم.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الاولين.

وقرأ الباقون: الْأَوْلَيانِ.

فمن قرأ الأولين، يجعله خفضاً لأنه بدل من الذين.

فكأنه يقول: من الأولين اللذين استحق عليهم.

ومن قرأ: الْأَوْلَيانِ صار رفعاً على البدل مما في يَقُومانِ المعنى: فليقم الْأَوْلَيانِ بالميت.

قال القتبي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ وهما الوليان.

يقال: هذا الأولى بفلان.

ثم يحذف من الكلام بفلان فيقال: هذا الأولى وهذان الأوليان، كما يقال: هذا الأكبر وهذان الأكبران وعَلَيْهِمُ هاهنا يعني: منهم يعني: استحق منهم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: 2] يعني: من الناس يستوفون.

قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ يعني: ذلك أحرى وأجدر.

أن يأتوا بالشهادة.

يعني: يقيموا الشهادة عَلى وَجْهِها كما كانت.

يعني: يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي لا يخونا في الشهادة، ويأتيا بالشهادة على وجهها.

ثم قال: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: إذا خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما، امتنعا عن الكذب.

وقد احتج بعض الناس بهذه الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي، ولا حجة له فيه، لأن ردّ اليمين حادثة أخرى، وهو ظهور الخيانة منهما.

لأن دعوى الثاني دعوى الشرى، ودعوى الأول دعوى الكتمان.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تخونوا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: الخائنين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسند المنتخب» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العوازب أن تئوب إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ» «٢» .

انتهى من «الكوكب الدري» ، والله المستعان.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ...

الآيةَ، إلى قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩] : قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً.

قال ع «٣» : وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين.

لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنّ تميما الدّاريّ «٤» ...

وعَدِيَّ بْن بَدَّاء «١» ، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر «٢» : وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم «٣» ، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة «٤» ، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ «٥» .

قال ع «٦» : واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعض المتأخّرين، ولا وجه

عندي لذكْره في الصَّحابة.

وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه/ شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم «١» ، قالوا: ومعنى قوله:

مِنْكُمْ، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من الكافرين.

قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم أنها منسوخةٌ بقوله:

وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ.

قال ع «٢» : ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيد لأن الناس خلطوا في تفسيره هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان.

فقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، هي الشهادةُ «٣» التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء،

والخَبَرُ في قوله: اثْنانِ، وقوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة» ، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ» ، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذ المعنى: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه حَضَرَ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا» ، وقوله: ذَوا عَدْلٍ: صفة لقوله: اثْنانِ، ومِنْكُمْ: صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله: مِنْ غَيْرِكُمْ: صفة ل آخَرانِ وقوله:

تَحْبِسُونَهُما: صفة ل آخَرانِ أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إلى الْمَوْتُ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ» لِمَا تقدَّم من قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس:

إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين «١» ، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله:

فَيُقْسِمانِ: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ لأن المعنى تَمَّ في قوله: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، وقوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن:

لاَ نَشْتَرِي بِهِ: عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله: لاَ نَشْتَرِي جوابٌ يقتضيه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله:

ثَمَناً، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» - بالتنوين-، «اللَّه» - بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ-، وقال أيضاً:

يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: / «آللَّهِ» - بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن-، أعني: بسكون الهاء من «شهادة» ، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة» ، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها.

وقوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ: استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه، واسْتَحَقَّا إِثْماً: معناه: استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له لأنهما ظَلَمَا وخَانَا.

وقوله تعالى: فَآخَرانِ، أي: إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ «١» وغيره: «استحق» - مضمومةَ التاءِ-، «والأَوْلَيَانِ» على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «استحق» - بفتح التاء- وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم.

وفي قوله: اسْتَحَقَّ: استعارة لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ:

«هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه» ، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه.

وقرأ حمزة «٢» وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «استحق» - بضم التاء-، «الأَوَّلِينَ» : على جَمْعِ أوَّل ومعناها: من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، ثم بعد ذلك قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقوله: فَيُقْسِمانِ، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: لَشَهادَتُنا أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة- أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، وَمَا اعْتَدَيْنا في قولنا هذا، وقولهما:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَداءٍ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَصَحِبَهُما رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مَن بَنِي سَهْمٍ، فَماتَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأوْصى إلَيْهِما بِتَرِكَتِهِ، فَلَمّا قَدِما، دَفَعاها إلى أهْلِهِ، وكَتَما جامًا كانَ مَعَهُ مِن فِضَّةٍ، وكانَ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَقالا: لَمْ نَرَهُ، فَأُتِيَ بِهِما إلى النَّبِيِّ  ، فاسْتَحْلَفَهُما بِاللَّهِ: ما كَتَما، وخَلّى سَبِيلَهُما.

ثُمَّ إنَّ الجامَ وُجِدَ عِنْدَ قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: ابْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، فَقامَ أوْلِياءُ السَّهْمِيِّ، فَأخَذُوا الجامَ، وحَلَفَ رَجُلانِ مِنهم بِاللَّهِ: إنَّ هَذا الجامَ جامُ صاحِبِنا، وشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وما اعْتَدَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها.» قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ المَيِّتِ: بِزِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وكانَ تَمِيمٌ، وعَدِيٌّ نَصْرانِيَّيْنِ، فَأسْلَمَ تَمِيمٌ، وماتَ عَدِيٌّ نَصْرانِيًّا.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكُمُ اثْنانِ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: شَهادَةُ هَذِهِ الحالِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحَذَفَ "شَهادَةً"، ويَقُومُ "اثْنانِ" مَقامَهُما.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكم في سَفَرِكم إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ، وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ اثْنانِ.

وفي هَذِهِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عِنْدَ الحُكّامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، وشُرَيْحٍ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها أيْمانُ الوَصِيِّ بِاللَّهِ تَعالى إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ بِهِما، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها شَهادَةُ الوَصِيَّةِ، أيْ: حُضُورُها، كَقَوْلِهِ: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ  ﴾ جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّ هاهُنا اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا، واسْتَدَلَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ﴾ قالُوا: والشّاهِدُ لا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ.

فَأمّا "حُضُورُ المَوْتِ" فَهو حُضُورُ أسْبابِهِ ومُقَدِّماتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ أيْ: وقْتَ الوَصِيَّةِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِنكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.

والثّانِي: مِن عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا.

قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن غَيْرِ مِلَّتِكم ودِينِكم، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الثّانِي.

وفي "أوْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وإنَّما المَعْنى: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنكم، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ فالقائِلُ بِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ شَهادَةُ مُسْلِمِينَ مِنَ القَبِيلَةِ أوْ مِن غَيْرِ القَبِيلَةِ، لا يَشُكُّ في إحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.

فَأمّا القائِلُ بِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ أهْلُ الكِتابِ إذا شَهِدُوا عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، فَلَهم فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، والعَمَلُ عَلى هَذا باقٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأحْمَدَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وإلَيْهِ يَمِيلُ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، قالُوا: وأهْلُ الكُفْرِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ كَما يَجُوزُ في بَعْضِ الأماكِنِ شَهادَةُ نِساءٍ لا رَجُلَ مَعَهُنَّ بِالحَيْضِ والنِّفاسِ والِاسْتِهْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ هَذا الشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّهادَةِ، والمَعْنى: لِيُشْهِدْكُمُ اثْنانِ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، أيْ: سافَرْتُمْ.

﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما، ودَفَعْتُمْ إلَيْهِما مالَكم ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ إذا ارْتابُوا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ الكُفّارِ.

فَأمّا إذا كانا مُسْلِمَيْنِ، فَلا يَمِينَ عَلَيْهِما.

وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صَلاةُ العَصْرِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والشَّعْبِيُّ، والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاتِهِما في دِينِهِما، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: كانَ النّاسُ بِالحِجازِ يَحْلِفُونَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّهُ وقْتٌ يُعَظِّمُهُ أهْلُ الأدْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ﴾ أيْ: فَيَحْلِفانِ ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أيْ: شَكَكْتُمْ يا أوْلِياءَ المَيِّتِ.

ومَعْنى الآيَةِ: إذا قَدِمَ المُوصى إلَيْهِما بِتَرِكَةِ المُتَوَفّى، فاتَّهَمَهُما الوارِثُ، اسْتُحْلِفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ: أنَّهُما لَمْ يَسْرِقا، ولَمْ يَخُونا.

فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَحْبِسُونَهُما، كَأنَّهُ قالَ: إنِ ارْتَبْتُمْ حَبَسْتُمُوهُما فاسْتَحْلَفْتُمُوهُما، فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ﴾ أيْ: بِأيْمانِنا، وقِيلَ: بِتَحْرِيفِ شَهادَتِنا، فالهاءُ عائِدَةٌ عَلى المَعْنى.

﴿ ثَمَنًا ﴾ أيْ: عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ المَشْهُودُ لَهُ ذا قَرابَةِ مِنّا، وخَصَّ ذا القَرابَةِ، لِمَيْلِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ.

والمَعْنى: لا نُحابِي في شَهادَتِنا أحَدًا، ولا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ.

﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ إنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، لِأمْرِهِ بِإقامَتِها، ونَهْيِهِ عَنْ كِتْمانِها.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ ﴾ بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها، وكَسْرِ الهاءِ، ساكِنَةَ النُّونِ في الوَصْلِ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ والوَصْلِ مَنصُوبَةَ الهاءِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ وإسْكانِها في الوَصْلِ (اللَّهَ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها مَفْتُوحَةَ الهاءِ.

وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ وإسْكانِها في الوَصْلِ ((اللَّهِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، ومَدِّها، وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما نَصَبا الهاءَ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ لِأيِّ مَعْنًى وجَبَتِ اليَمِينُ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِكَوْنِهِما مِن غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ.

والثّانِي: لِوَصِيَّةٍ وقَعَتْ بِخَطِّ المَيِّتِ وفَقَدَ ورَثَتُهُ بَعْضَ ما فِيها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّ الوَرَثَةَ كانُوا يَقُولُونَ: كانَ مالُ مَيِّتِنا أكْثَرَ، فاسْتَخانُوا الشّاهِدَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أو آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتُ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةُ اللهِ إنّا إذا لَمِنَ الآثِمِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأولَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنَ شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ؛ إعْرابًا؛ ومَعْنًى؛ وحُكْمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَلَجُ في تَفْسِيرِها؛ وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وبِهِ نَسْتَعِينُ.

لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدارِيَّ ؛ وعَدِيَّ بْنَ بِدّاءٍ؛ كانا نَصْرانِيَّيْنِ؛ سافَرا إلى المَدِينَةِ يُرِيدانِ الشامَ لِتِجارَتِهِما؛ قالَ الواقِدِيُّ: وهُما أخَوانِ؛ وقَدِمَ المَدِينَةَ أيْضًا ابْنُ أبِي مارِيَةَ؛ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ يُرِيدُ الشامَ تاجِرًا؛ فَخَرَجُوا رَفاقَةً؛ فَمَرِضَ ابْنُ أبِي مارِيَةَ في الطَرِيقِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَكَتَبَ وصِيَّةً بِيَدِهِ؛ ودَسَّها في مَتاعِهِ؛ وأوصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ أنْ يُودِيا رَحْلَهُ؛ فَأتَيا بَعْدَ مُدَّةٍ المَدِينَةَ بِرَحْلِهِ فَدَفَعاهُ؛ ووَجَدَ أولِياؤُهُ مِن بَنِي سَهْمٍ وصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةً؛ فَفَقَدُوا أشْياءَ قَدْ كَتَبَها؛ فَسَألُوهُما عنها؛ فَقالا: ما نَدْرِي؛ هَذا الَّذِي قَبَضْناهُ لَهُ؛ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى؛ فاسْتَحْلَفَهُما رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ العَصْرِ؛ فَبَقِيَ الأمْرُ مُدَّةً؛ ثُمَّ عُثِرَ بِمَكَّةَ مِن مَتاعِهِ عَلى إناءٍ عَظِيمٍ مِن فِضَّةٍ؛ مُخَوَّصٍ بِالذَهَبِ؛ فَقِيلَ لِمَن وُجِدَ عِنْدَهُ: مِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الإناءُ؟

فَقالُوا: اِبْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدارِيِّ ؛ وعَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ فارْتُفِعَ في الأمْرِ إلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِن أولِياءِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ؛ واسْتَحَقّا.» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «عن تَمِيمٍ الدارِيِّ أنَّهُ قالَ: بَرِئَ الناسُ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ وذَكَرَ القِصَّةَ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ مَعَهُ جامُ فِضَّةٍ - يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ - فَأخَذْتُهُ أنا وعَدِيٌّ؛ فَبِعْناهُ بِألْفٍ؛ وقَسَمْنا ثَمَنَهُ؛ فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ؛ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ؛ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةٍ؛ فَوَثَبُوا إلى عَدِيٍّ ؛ فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ؛ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ؛ ونُزِعَتْ مِن عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: تَخْتَلِفُ ألْفاظُ هَذِهِ القِصَّةِ في الدَواوِينِ؛ وما ذَكَرْتُهُ هو عَمُودُ الأمْرِ؛ ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ - فِيما عَلِمْتُ - ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ؛ وقَدْ صَنَّفَهُ في الصَحابَةِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ وضَعَّفَ أمْرَهُ؛ ولا وجْهَ عِنْدِي لِذِكْرِهِ في الصَحابَةِ.

وأمّا مَعْنى الآيَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَهو أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ حُكْمَهُ في الشَهادَةِ عَلى المُوصِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أنْ تَكُونَ شَهادَةَ عَدْلَيْنِ؛ فَإنْ كانَ في سَفَرٍ - وهو الضَرْبُ في الأرْضِ - ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أحَدٌ؛ فَلْيُشْهِدْ شاهِدَيْنِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ؛ فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَلاةِ أنَّهُما ما كَذَبا؛ ولا بَدَّلا؛ وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ؛ ما كَتَما فِيهِ شَهادَةَ اللهِ ؛ وحُكِمُ بِشَهادَتِهِما؛ فَإنْ عُثِرَ - بَعْدَ ذَلِكَ - عَلى أنَّهُما كَذَبا؛ أو خانا؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو إثْمٌ؛ حَلَفَ رَجُلانِ مِن أولِياءِ المُوصِي في السَفَرِ؛ وغُرِّمَ الشاهِدانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما؛ هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يَقُولُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: "مِنكُمْ": مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ومَعْنى: "مِن غَيْرِكُمْ": مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يُسافِرُونَ في التِجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وعَبَدَةِ الأوثانِ؛ وأنْواعِ الكَفَرَةِ.

واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ المَذْكُورَةُ؛ فَمَذْهَبُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وغَيْرِهِما أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الشَعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ بِدَقُوقا؛ ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ؛ فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقَدِما الكُوفَةَ؛ فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَأخْبَراهُ؛ وقَدِما بِتَرِكَتِهِ؛ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ثُمَّ أحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وأمْضى شَهادَتَهُما.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ النَصْرانِيِّ؛ واليَهُودِيِّ؛ عَلى مُسْلِمٍ ؛ إلّا في الوَصِيَّةِ؛ ولا تَجُوزُ أيْضًا في الوَصِيَّةِ إلّا إذا كانُوا في سَفَرٍ.

ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِمَّنْ ذُكِرَ؛ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ  ﴾ ؛ وبِما اسْتَنَدَ إلَيْهِ إجْماعُ جُمْهُورِ الناسِ عَلى أنَّ شَهادَةَ الكافِرِ لا تَجُوزُ.

وتَأوَّلَ الآيَةَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ عَلى غَيْرِ هَذا كُلِّهِ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنكُمْ"؛ يُرِيدُ مِن عَشِيرَتِكُمْ؛ وقَرابَتِكُمْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ مِن غَيْرِ القَرابَةِ؛ والعَشِيرَةِ؛ وقالَ بِهَذا عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ قالُوا: أمَرَ اللهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ هم ألْحَنُ بِحالِ الوَصِيَّةِ؛ وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ؛ ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ؛ أُشْهِدَ أجْنَبِيّانِ؛ فَإذا شَهِدا فَإنْ لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ مَضَتِ الشَهادَةُ؛ وإنِ ارْتِيبَ أنَّهُما مالا بِالوَصِيَّةِ إلى أحَدٍ؛ أو زادا أو نَقَصا؛ حَلَفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ ومَضَتْ شَهادَتُهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَبْدِيلٍ مِنهُما؛ واسْتِحْقاقِ إثْمٍ؛ حَلَفَ ولِيّانِ مِنَ القَرابَةِ؛ وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْآيَةُ مَنسُوخَةٌ؛ ولا يَحْلِفُ شاهِدٌ؛ ويُذْكَرُ هَذا عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وكافَّةِ الفُقَهاءِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّ هَذا التَحالُفَ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ التَداعِي؛ وذَلِكَ أنَّ الشاهِدَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما يَحْلِفانِ إذا ارْتِيبَ؛ وإذا ارْتِيبَ فَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِما دَعْوى؛ فَتَلْزَمُهُما اليَمِينُ؛ لَكِنَّ هَذا الِارْتِيابَ إنَّما يَكُونُ في خِيانَةٍ مِنهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا نُظِرَ؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا غُرِّما دُونَ يَمِينِ ولِيَّيْنِ؛ وإنْ كانَ بِشاهِدٍ واحِدٍ؛ أو بِدَلائِلَ تَقْتَضِي خِيانَتَهُما؛ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كالشاهِدِ؛ حُمِلَ عَلى الظالِمِ؛ وحَلَفَ المُدَّعِيانِ مَعَ ما قامَ لَهُما مِن شاهِدٍ؛ أو دَلِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذا هو الِاخْتِلافُ في مَعْنى الآيَةِ؛ وصُورَةِ حُكْمِها؛ ولْنَرْجِعِ الآنَ إلى الإعْرابِ؛ والكَلامِ عَلى لَفْظَةٍ لَفْظَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ ولْنَقْصِدِ القَوْلَ المُفِيدَ؛ لِأنَّ الناسَ خَلَطُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَخْلِيطًا شَدِيدًا؛ وذِكْرُ ذَلِكَ والرَدُّ عَلَيْهِ يَطُولُ؛ وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الَّذِي تَتَلَقّاهُ الأذْهانُ بِالقَبُولِ مُقْنِعٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.

قَوْلُهُ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛ ﴾ قالَ قَوْمٌ: اَلشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى: "اَلْحُضُورُ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلشَّهادَةُ بِمَعْنى: "اَلْيَمِينُ"؛ ولَيْسَتْ بِالَّتِي تُؤَدّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ والصَوابُ أنَّها الشَهادَةُ الَّتِي تُحْفَظُ لِتُؤَدّى؛ ورَفْعُهُما بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "اِثْنانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّقْدِيرُ: "شَهادَةُ بَيْنِكم في وصاياكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا؛ كَأنَّهُ قالَ: "مُقِيمُ شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ".

وأُضِيفَتِ الشَهادَةُ إلى "بَيْنِ"؛ اِتِّساعًا في الظَرْفِ؛ بِأنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ .

وقَرَأ الأعْرَجُ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ والحَسَنُ: "شَهادَةٌ" بِالتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ قِراءَةِ السَبْعَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأبِي حَيْوَةَ: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: اَلتَّقْدِيرُ: "لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: إذا قَرُبَ الحُضُورُ؛ وإلّا فَإذا حَضَرَ المَوْتُ لَمْ يَشْهَدْ مَيِّتٌ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ  ﴾ ؛ وهَذا كَثِيرٌ؛ والعامِلُ في "إذا": اَلْمَصْدَرُ الَّذِي هو "شَهادَةُ"؛ وهَذا عَلى أنْ تَجْعَلَ "إذا" بِمَنزِلَةِ "حِينَ"؛ لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ "إذا" - في هَذِهِ الآيَةِ - المُحْتاجَةَ إلى الجَوابِ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ عن جَوابِها بِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛ ﴾ إذِ المَعْنى: "إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ "حِينَ الوَصِيَّةِ" ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ في "حَضَرَ"؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن "إذا"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكَ أنْ تُعَلِّقَهُ بِـ "اَلْمَوْتُ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ "شَهادَةُ" لِأنَّها إذا عَمِلَتْ في ظَرْفٍ مِنَ الزَمانِ لَمْ تَعْمَلْ في ظَرْفٍ آخَرَ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَوا عَدْلٍ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ "اِثْنانِ"؛ و"مِنكُمْ": صِفَةٌ أيْضًا؛ بَعْدَ صِفَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن غَيْرِكُمْ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ و ﴿ "ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "سافَرْتُمْ لِلتِّجارَةِ"؛ تَقُولُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" أيْ: سافَرْتُ لِلتِّجارَةِ؛ و"ضَرَبْتُ الأرْضَ": ذَهَبْتُ فِيها لِقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ؛ وهَذا السَفَرُ كانَ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَعْدِمَ فِيهِ المُؤْمِنُ مُؤْمِنَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّ سَفَرَ الجِهادِ لا يَكادُ يَعْدِمُ فِيهِ مُؤْمِنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: ﴿ "تَحْبِسُونَهُما"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِفَةِ بِقَوْلِهِ: "إنْ أنْتُمْ"؛ إلى "اَلْمَوْتِ"؛ وأفادَ الِاعْتِراضُ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرانِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ؛ أوِ القَرابَةِ؛ حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ؛ إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَفَرِ؛ وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ؛ واسْتُغْنِيَ عن جَوابِ "إنْ"؛ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ .

وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَلاةُ هُنا: صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتَ اجْتِماعِ الناسِ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيمَن حَلَفَ عَلى سِلْعَتِهِ؛ وأمَرَ بِاللِعانِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّما هي بَعْدَ صَلاةِ الذِمِّيِّينَ؛ وأمّا العَصْرُ فَلا حُرْمَةَ لَها عِنْدَهُما.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ"؛ ﴾ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِ الصَلاةِ ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ عاطِفَةَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ ولَكِنْ تَجْعَلُهُ جَزاءً؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: إذا حَسِرَ بَدا؛ فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما أقْسَما.

وَقَوْلُهُ: ﴿ "إنِ ارْتَبْتُمْ"؛ ﴾ شَرْطٌ لا يُتَوَجَّهُ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ إلّا بِهِ؛ ومَتى لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ ولا اخْتِلافٌ فَلا يَمِينٌ؛ أما إنَّهُ يَظْهَرُ مِن حُكْمِ أبِي مُوسى تَحْلِيفُ الذِمِّيِّينَ أنَّهُ بِاليَمِينِ تَكْمُلُ شَهادَتُهُما وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ لِأهْلِها؛ وإنْ لَمْ يُرْتَبْ؛ وهَذِهِ الرِيبَةُ - عِنْدَ مَن لا يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً - تَتَرَتَّبُ في الخِيانَةِ؛ وفي الِاتِّهامِ بِالمَيْلِ إلى بَعْضِ المُوصى لَهُما دُونَ بَعْضٍ؛ وتَقَعُ مَعَ ذَلِكَ اليَمِينُ عِنْدَهُ؛ وأمّا مَن يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً فَلا يَقَعُ تَحْلِيفٌ إلّا بِأنْ يَكُونَ الِارْتِيابُ في خِيانَةٍ؛ أو تَعَدٍّ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي؛ فَيَكُونَ التَحْلِيفُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الدَعْوى عَلى مُنْكِرٍ؛ لا عَلى أنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِ الحالِفَيْنِ: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ ؛ عائِدٌ عَلى القَسَمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعُودُ عَلى تَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "لا نَشْتَرِي"؛ ﴾ جَوابُ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ بِاللهِ"؛ ﴾ لِأنَّ القَسَمَ ونَحْوَهُ يُتَلَقّى بِما تُتَلَقّى بِهِ الأيْمانُ؛ وتَقْدِيرُ "بِهِ ثَمَنًا"؛ أيْ: ذا ثَمَنٍ؛ لِأنَّ الثَمَنَ لا يُشْتَرى؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا  ﴾ ؛ مَعْناهُ: ذا ثَمَنٍ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَشْتَرِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "نَبِيعُ"؛ لِأنَّ المَعْنى يُبْطِلُهُ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في اللُغَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِكْرِ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ الناسِ إلى قَراباتِهِمْ؛ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ ﴾ ؛ أضافَ "شَهادَةَ"؛ إلَيْهِ تَعالى؛ مِن حَيْثُ هو الآمِرُ بِإقامَتِها؛ الناهِي عن كِتْمانِها.

وقَرَأ الحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "وَلا نَكْتُمْ"؛ بِجَزْمِ المِيمِ؛ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ؛ والشَعْبِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "شَهادَةً"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "اَللَّهَ"؛ نُصِبَ بِـ "نَكْتُمُ"؛ كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا نَكْتُمُ اللهَ شَهادَةً"؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَلا نَكْتُمُ شَهادَةً واللهِ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ؛ ونُصِبَ الفِعْلُ إيجازًا؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: "شَهادَةً"؛ "أللَّهِ"؛ بِقَطْعِ الألِفِ؛ دُونَ مَدٍّ؛ وخَفْضِ الهاءِ؛ وَرُوِيَتْ أيْضًا عَنِ الشَعْبِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ بِالسُكُونِ؛ ثُمَّ يَقْطَعُ الألِفَ المَكْتُوبَةَ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "آللَّهِ"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الوَجْهَيْنِ؛ أعْنِي بِسُكُونِ الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ وتَحْرِيكِها مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً؛ ورُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي هي تَنْوِينُ الشَهادَةِ؛ ومَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا تَسْكِينُ هاءِ "شَهادَةْ"؛ والوَقْفُ عَلَيْها؛ واسْتِئْنافُ القَسَمِ؛ فَوَجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَ القَسَمِ في أوَّلِ الكَلامِ أوقَرُ لَهُ وأشَدُّ هَيْبَةً أنْ يُدْرَجَ في عَرْضِ القَوْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ؛ والحَسَنُ البَصْرِيُّ - فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ -: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ؛ "آللَّهِ"؛ بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ "آنّا"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا؛ دَخَلَتْ لِتَوْقِيفٍ أو تَقْرِيرٍ لِنُفُوسِ المُقْسِمَيْنِ؛ أو لِمَن خاطَباهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَمِلّاثِمِينَ"؛ بِالإدْغامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنْ عُثِرَ"؛ ﴾ اِسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ؛ اتِّفاقًا؛ وبَعْدَ أنْ لَمْ يُرْجَ؛ ولَمْ يُقْصَدْ؛ وهَذا كَما يُقالُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"؛ و"وَقَعْتَ عَلى كَذا؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإثْمُ هُنا: اسْمُ الشَيْءِ المَأْخُوذِ؛ لِأنَّ آخِذَهُ بِأخْذِهِ آثِمٌ؛ فَسُمِّيَ آثِمًا؛ كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ "مَظْلَمَةً"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والَّذِي يَظْهَرُ هُنا أنَّ الإثْمَ عَلى بابِهِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ لَهُما؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَتَحَصَّلانِ فِيها بَعْدَ مُواقَعَتِهِما لِتَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ أو لِأخْذِ ما لَيْسَ لَهُما؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ.

و"اِسْتَحَقّا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَوْجَباهُ مِنَ اللهِ؛ وكانا أهْلًا لَهُ؛ فَهَذا اسْتِحْقاقٌ عَلى بابِهِ؛ إنَّهُ اسْتِيجابُ حَقِيقَةٍ؛ ولَوْ كانَ الإثْمُ الشَيْءَ المَأْخُوذَ لَمْ يُقَلْ فِيهِ "اِسْتَحَقّا"؛ لِأنَّهُما ظَلَما؛ وخانا فِيهِ؛ فَإنَّما اسْتَحَقّا مَنزِلَةَ السُوءِ وحُكْمَ العِصْيانِ؛ وذَلِكَ هو الإثْمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآخَرانِ"؛ ﴾ أيْ: فَإذا عُثِرَ عَلى فَسادِهِما؛ فالأولَيانِ بِاليَمِينِ وإقامَةِ القَضِيَّةِ آخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هم وُلاةُ المَيِّتِ؛ واسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ حَظُّهُمْ؛ أو ظُهُورُهُمْ؛ أو مالُهُمْ؛ أو ما شِئْتَ مِن هَذِهِ التَقْدِيراتِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اِسْتُحِقَّ" مَضْمُومَةَ التاءِ؛ وَ"اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ لِـ "أولى"؛ ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ؛ وكَذَلِكَ رَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "اِسْتُحِقَّ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ "اَلْأوَّلِينَ"؛ عَلى جَمْعِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأوَّلانِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "اَلْأوَّلَيْنِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ ونَصْبُهُما عَلى تَقْدِيرِ: اَلْأوَّلَيْنِ فالأوَّلَيْنِ؛ في الرُتْبَةِ والقُرْبى.

قالَ أبُو عَلِيٍّ - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ومَن مَعَهُ -: لا يَخْلُو ارْتِفاعُ "اَلْأولَيانِ"؛ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَكَأنَّهُ في التَقْدِيرِ: "واَلْأولَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ"؛ فَيَجِيءُ الكَلامُ كَقَوْلِهِمْ: "تَمِيمِيٌّ أنا"؛ أو يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ: "فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما هُما اَلْأولَيانِ"؛ أو يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ"؛ أو يَكُونَ مُسْنَدًا إلى "اِسْتُحِقَّ"؛ وأجازَ أبُو الحَسَنِ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" صِفَةً لِـ "فَآخَرانِ"؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ؛ فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ - بَعْدَ كَلامِهِ هَذا -: فَأمّا ما يُسْنَدُ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الأنْصِباءَ؛ أوِ الوَصِيَّةَ؛ أوِ الإثْمَ؛ وسُمِّيَ المَأْخُوذُ "إثْمًا"؛ كَما يُقالُ لِما يُؤْخَذُ مِنَ المَظْلُومِ: "مَظْلَمَةٌ"؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ كَلامٍ -: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" إلى "اَلْأولَيانِ"؟

فالقَوْلُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ؛ أو شَيْئًا مِنها؛ وأمّا اَلْأولَيانِ بِالمَيِّتِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقّا؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلَيْهِما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ؛ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلى "اَلْأولَيانِ"؛ وذَلِكَ أنَّ أبا عَلِيٍّ حَمَلَ لَفْظَةَ الِاسْتِحْقاقِ عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ؛ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ؛ إلّا حَيْثُ يَصِحُّ الِاسْتِحْقاقُ الحَقِيقِيُّ في النازِلَةِ؛ وإنَّما يُسْتَحَقُّ حَقِيقَةً النَصِيبُ ونَحْوُهُ؛ ولَفْظَةُ الِاسْتِحْقاقِ في الآيَةِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِمَعْنى "اِسْتَحَقّا إثْمًا"؛ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ هُنا حَقِيقَةٌ؛ وفي قَوْلِهِ: "اِسْتُحِقَّ"؛ مُسْتَعارٌ؛ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِحْقاقِ إلّا الغَلَبَةُ عَلى الحالِ؛ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ؛ وعَدَمِهِ لِقَرابَتِهِ؛ أو لِأهْلِ دِينِهِ؛ فَـ "اِسْتُحِقَّ"؛ هُنا؛ كَما تَقُولُ لِظالِمٍ يَظْلِمُكَ: "هَذا قَدِ اسْتُحِقَّ عَلَيَّ مالِي؛ أو مَنزِلِي؛ بِظُلْمِهِ"؛ فَتُشَبِّهُهُ؛ بِالمُسْتَحَقِّ حَقِيقَةً؛ إذْ قَدْ تَسَوَّرَ تَسَوُّرَهُ؛ وتَمَلَّكَ تَمَلُّكَهُ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: "فُلانٌ قَدِ اسْتَحَقَّ مِنهُ زَمَنُهُ شُغْلَ كَذا"؛ إذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ قَدْ غَلَبَهُ عَلى أوقاتِهِ؛ وهَكَذا هي "اِسْتُحِقَّ"؛ في الآيَةِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ أُسْنِدَتْ إلى الأنْصِباءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "اِسْتُحِقَّ"؛ صِلَةٌ لِـ "اَلَّذِينَ"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ واقِعٌ عَلى الصِنْفِ المُناقِضِ لِلشّاهِدَيْنِ الجائِرَيْنِ؛ فالشاهِدانِ ما اسْتَحَقّا قَطُّ في هَذِهِ النازِلَةِ شَيْئًا حَقِيقَةَ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما تَسَوَّرا تَسَوُّرَ المُسْتَحِقِّ؛ فَلَنا أنْ نُقَدِّرَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" - عَلى هَذا - إلى المالِ؛ أوِ النَصِيبِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ وكَذَلِكَ إذا كانَ "اَلْأولَيانِ" خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ وكَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ"؛ وعَلى الصِفَةِ؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ؛ ولَنا أنْ نُقَدِّرَ الكَلامَ بِمَعْنى: مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ؛ وكانَ حَقُّهُما؛ والمُبْتَغى أنْ يَحْضُرَ ولِيُّها؛ فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي؛ اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالُ - وهَذانِ الشاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِينِ - الوِلايَةَ؛ وأمْرَ الأولَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ؛ ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا؛ ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ تَعَدّى الفِعْلُ بِـ "عَلى"؛ لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ؛ وحَمْلُ هَيْئَتِهِ عَلى الحالِ؛ ولا يُقالُ: "اِسْتُحِقَّ مِنهُ؛ أو فِيهِ"؛ إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ؛ وأمّا "اِسْتُحِقَّ عَلَيْهِ"؛ فَيُقالُ في الحَمْلِ؛ والغَلَبَةِ؛ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ - عَلى كُلِّ حالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى الجَماعَةِ الَّتِي تُناقِضُ شاهِدَيِ الزُورِ الآثِمَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصِنْفِ الَّذِينَ مِنهم شاهِدُ الزُورِ؛ عَلى ما نُبَيِّنُهُ الآنَ - إنْ شاءَ اللهُ - في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ.

وأمّا رِوايَةُ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ أو خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ ويَكُونَ المَعْنى: "فِي الجَمْعِ أوِ القَبِيلِ الَّذِي اسْتَحَقَّ القَضِيَّةَ عَلى هَذا الصِنْفِ الشاهِدِ بِالزُورِ"؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى صِنْفِ شاهِدَيِ الزُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْوِيلٌ؛ وتَحْلِيقٌ؛ وصَنْعَةٌ في "اَلَّذِينَ"؛ وعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَلامُ أبِي عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ القِيامُ"؛ والصَوابَ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أنَّ الضَمِيرَ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ "اَلْأولَيانِ"؛ رُفِعَ بِـ "اِسْتَحَقَّ"؛ وذَلِكَ مُتَخَرَّجٌ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مالُهُمْ؛ وتَرِكَتُهُمْ: شاهِدا الزُورِ؛ فَسَمّى شاهِدَيِ الزُورِ "أولَيَيْنِ"؛ مِن حَيْثُ جَعَلَتْهُما الحالُ الأُولى كَذَلِكَ؛ أيْ صَيَّرَهم عَدَمُ الناسِ أولى بِهَذا المَيِّتِ؛ وتَرِكَتِهِ؛ فَجارا فِيها.

والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَماعَةِ: اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأولَيانِ؛ فَـ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ و"وَجَبَ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا بِناءٌ قَدِ اسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ ونَحْوِهِ.

والمَعْنى الثالِثُ أنْ يُجْعَلَ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى "سَعى"؛ و"اِسْتَوْجَبَ"؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "فَآخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أولَيانِ مِنهُمْ؛ فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ"؛ أيْ: اِسْتَحَقّا لَهُمْ؛ وسَعَيا فِيهِ؛ واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما؛ وقُرْباهُما؛ ونَحْوُ هَذا المَعْنى الَّذِي يُعْطِيهِ التَعَدِّي بِـ "عَلى"؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعِي وكَذَلِكَ في الحَدِيثِ: « "كُنْتُ أرْعى عَلَيْهِمُ الغَنَمَ"؛» في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ أحَدُهم بِرَّهُ بِأبَوَيْهِ؛ حِينَ انْحَطَّتْ عَلَيْهِمُ الصَخْرَةُ.

وَأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ فَمَعْناها: "مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ"؛ أيْ: غُلِبُوا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ: في الذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ﴾ ؛ يَعْنِي الآخَرَيْنِ اللَذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَ شاهِدَيِ التَحْرِيفِ؛ وقَوْلُهُما: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ ؛ أيْ: "لَما أخْبَرْنا نَحْنُ بِهِ؛ وذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القَضِيَّةِ؛ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا؛ وحَرَّفا فِيهِ؛ ﴿ "وَما اعْتَدَيْنا"؛ ﴾ نَحْنُ في قَوْلِنا هَذا؛ ولا زِدْنا عَلى الحَدِّ".

وقَوْلُهُما: ﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ ؛ تَبَرٍّ في صِيغَةِ الِاسْتِعْظامِ والِاسْتِقْباحِ لِلظُّلْمِ؛ والظُلْمُ: وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استؤنفت هذه الآي استئنافاً ابتدائياً لشرع أحكام التوثّق للوصية لأنّها من جملة التشريعات التي تضمّنتها هذه السورة، تحقيقاً لإكمال الدين، واستقصاء لما قد يحتاج إلى علمه المسلمون وموقعها هنا سنذكره.

وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة (180) ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ﴾ وتقدّم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك.

وحرص رسول الله على الوصية وأمر بها، فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام.

وكانت معروفة في الجاهلية كما تقدّم في سورة البقرة.

وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية والحرص على إنفاذها حفظاً لحقّ الميّت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقّه، فلذلك استغنى القرآن عن شرع التوثّق لها بالإشهاد، خلافاً لما تقدّم به من بيان التوثّق في التبايع بآية ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ [البقرة: 282] والتوثّق في الدين بآية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ [البقرة: 282] الخ فأكملت هذه الآية بيان التوثّق للوصية اهتماماً بها ولجدارة الوصية بالتوثيق لها لضعف الذياد عنها لأنّ البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما انعقد فيها ويذُبّان عن مصالحهما فيتّضح الحقّ من خلال سعيهما في إحقاق الحقّ فيها بخلاف الوصية فإنّ فيها جانباً واحداً وهو جانب الموصى له لأنّ الموصي يكون قد ماتَ وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك، فكانت معرّضة للضياع كلّها أو بعضها.

وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع عند الموصي خَبَرَ عزمه.

فقد أوصى نزارُ بن مَعَدّ وصية موجزة وأحال أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبيّن لهم تفصيل مراده منها.

وقد حدثت في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية.

ولعلّ حدوثها كان مقارناً لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه الآية عقبها في هذا الموضع من السورة.

ذلك أنّه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداريُّ اللخمي والآخر عدي بن بدّاء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل (دارِين) وكانا يتّجران بين الشام ومكةَ والمدينة.

فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سَهم وكان مسلماً بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق برّاً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوّص بالذهب قاصداً به ملكَ الشام، فلمّا اشتدّ مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليه من بني سهم.

وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي، فولاؤه بعد موته لابن عمرو بن العاصي.

وبعض المفسّرين يقول: إنّ ولاء بُديل لعَمرو بن العاصي والمطلب بن وداعة.

ويؤيّد قولهم أنّ المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أنّ الجام لبديل بن أبي مريم.

فلمّا رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا مَا لِبديل إلى مواليه.

فلمّا نشروه وجدوا الصحيفة، فقالوا لتميم وعدي: أين الجَامُ فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاماً.

ثم وُجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنّه ابتاعه من تميم وعديّ.

وفي رواية أنّ تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثّم ممّا صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له الخمسمائة الدرهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه.

وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية.

وقد ساقه البخاري تعليقاً في كتاب الوصايا.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: ليس إسناده بصحيح.

وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقّى بالقبول، وقد أسنده البخاري في «تاريخه».

واتّفقت الروايات على أنّ الفريقين تفاضَوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عَمرُو بن العاصي والمطّلب بن أبي وَدَاعة على أنّ تميماً وعدياً أخفيا الجام وأنّ بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده.

ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذٍ نصراني.

وعدي هذا قيل: أسلم، وعدّه ابن حبّان وابن منده في عداد الصحابة، وقيل: مات نصرانياً، ورجّح ذلك ابن عطية، وهو قول أبي نعيم، ويروى عن مقاتل، ولم يذكره ابن عبد البر في الصحابة.

واحتمل أن يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية الجام، وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية لتكون تشريعاً لما يحدث من أمثال تلك القضية.

و ﴿ بينكم ﴾ أصل (بين) اسم مكان مبهم متوسّط بين شيئين يبيّنه ما يضاف هو إليه، وهو هنا مجاز في الأمر المتعلّق بعدّة أشياء، وهو مجرور بإضافة ﴿ شهادةُ ﴾ إليه على الاتّساع.

وأصله (شهادةٌ) بالتنوين والرفع «بينكم» بالنصب على الظرفية.

فخرج (بين) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج عنها في قوله تعالى: ﴿ لقد تقطّع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة جماعة من العشرة برفع ﴿ بينكم ﴾ .

وارتفع ﴿ شهادةُ ﴾ على الابتداء، وخبره ﴿ اثنان ﴾ .

و ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ ظرف زمان مستقبل.

وليس في (إذا) معنى الشرط، والظرف متعلّق ب ﴿ شهادة ﴾ لما فيه من معنى الفعل، أي ليشهدْ إذا حضر أحدكم الموتُ اثنان، يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يَشهدا لقوله تعالى: ﴿ ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دُعوا ﴾ [البقرة: 282].

و ﴿ حين الوصية ﴾ بدَل من ﴿ إذا حضر أحدكم الموتُ ﴾ بَدَلاً مطابقاً، فإنّ حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي فيه الناس غالباً.

جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلّص بهذا البدل إلى المقصود وهو الوصية.

وقد كان العرب إذا راوا علامة الموت على المريض يقولون: أوص، وقد قالوا ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أنّ جرحه في أمعائه.

ومعنى حضور الموت حضور علاماته لأن تلك حالة يتخيّل فيها المرءُ أنّ الموت قد حضر عنده ليصيّره ميتاً، وليس المراد حصول الغرغرة لأنّ ما طُلب من الموصي أن يعمله يستدعي وقتاً طويلاً، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ﴾ في سورة البقرة (180).

وقوله: اثنان } خبر عن ﴿ شهادةُ ﴾ ، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه، والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز.

فماصْدقُ ﴿ اثنان ﴾ شاهدان، بقرينة قوله ﴿ شهادة بينكم ﴾ ، وقولِه: ﴿ ذوا عدل ﴾ .

وهذان الشاهدان هما وصيّان من الميّت على صفة وصيّته وإبلاغها، إلاّ أن يجعل الموصي وصياً غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك.

والعدل والعدالة متّحدان، أي صاحبا اتّصَاف بالعدالة.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ من المؤمنين، كما هو مقتضى الخطاب بقوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا ﴾ ، لأنّ المتكلّم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدلّ على بعضه كان معناه أنّه بعض أصحاب الوصف، كما قال الأنصار يوم السقيفة: مِنَّا أمير ومِنْكم أمير.

فالكلام على وصية المؤمنين.

وعلى هذا درج جمهور المفسّرين، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، والأئمة الأربعة.

وهو الذي يجب التعويل عليه، وهو ظاهر الوصف بكلمة ﴿ منكم ﴾ في مواقعها في القرآن.

وقال الزهري، والحسن، وعكرمة: معنى قوله ﴿ منكم ﴾ من عشيرتكم وقرابتكم.

ويترتّب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو ﴿ من غيركم ﴾ أنّه من غير أهل ملّتكم.

فذهب فريق ممّن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصّة، وخصّوا ذلك بالذميّ، وهو قول أحمد، والثوري، وسعيد بن المسيّب، ونُسب إلى ابن عبّاس، وأبي موسى.

وذهب فريق إلى أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2]، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ونسب إلى زيد بن أسلم.

وقد تمّ الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله: ﴿ ذوَا عدل منكم ﴾ .

وقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ الآيات..

تفصيل للحالة التي تعرض في السفر.

و(أو) للتقسيم لا للتخيير، والتقسيمُ باعتبار اختلاف الحالين: حاللِ الحاضر وحال المسافر، ولذلك اقترن به قوله: ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ ، فهو قيد لقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وجواب الشرط في قوله: ﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ، والتقدير: إنْ أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخَرَيْننِ من غيركم، فالمصيرُ إلى شهادة شاهدَين من غير المسلمين عند من يراه مقيّد بشرط ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ .

والضرب في الأرض: السير فيها.

والمراد به السفر، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ في سورة آل عمران (156).

ومعنى: فأصابتكم مصيبة الموت } حلّت بكم، والفِعْل مستعمل في معنى المشارفة والمقاربة، كما في قوله تعالى: ﴿ وليَخْشَ الذين لو تركوا من خَلْفهم ذرّيَّة ﴾ [السناء: 9]، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة.

وهذا استعمال من استعمال الأفعال.

ومنه قولهم في الإقامة: قد قامت الصلاة.

وعُطف قولُه ﴿ فأصابتكم ﴾ على ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ ، فكانَ من مضمون قوله قبله ﴿ إذا حضر أحدَكم الموت ﴾ .

أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فَصَل بينه من الظروف والشروط.

وضمير الجمع في ﴿ أصابتكم ﴾ كضمير الجمع في ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ .

والمصيبة: الحادثة التي تحلّ بالمرء من شرّ وضرّ، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ في سورة النساء (72).

وجملة تحبسونهما } حال من ﴿ آخران ﴾ عند من جعل قوله ﴿ من غيركم ﴾ بمعنى من غير أهل دينكم.

وأمّا عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم فإنّه حال من ﴿ اثنان ﴾ ومن ﴿ آخران ﴾ لأنّهما متعاطفان ب (أو).

فهما أحد قسمين، ويكون التحليف عند الاسْترابة.

والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين.

وضمير الجمع في ﴿ تحبسونهما ﴾ كضميري ﴿ ضربتم وأصابتكم ﴾ .

وكلّها مستعملة في الجمع البدَلي دون الشمولي، لأنّ جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا الحكم وإنّما يحلّ ببعضهم.

فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مُقتضَى الظاهر كلُّها.

وإنّما جاءت بصيغة الجمع لإفادة العموم، دفعاً لأن يتوهّم أنّ هذا التشريع خاصّ بشخصين معيّنين لأنّ قضية سبب النزول كانت في شخصين؛ أو الخطاب والجمع للمسلمين وحكّامهم.

والحَبس: الإمساك، أي المنع من الانصراف.

فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد.

ومنه ما يكون بمعنى الانتظار، كما في حديث عتبان بن مالك ﴿ فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على خزير صنعناه ﴾ ، أي أمسكناه.

وهذا هو المراد في الآية، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادِرَانِكم حتّى يتحمّلا الوصية.

وليس المرادّ به السجن أو ما يقرب منه، لأنّ الله تعالى قال: ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282].

وقوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ توقيت لإحضارهما وإمساكهما لأداء هذه الشهادة.

والإتيانُ ب (مِن) الابتدائية لتقريب البَعديّة، أي قرب انتهاء الصلاة.

وتحتمل الآية أنّ المراد بالصلاة صلاة من صلوات المسلمين، وبذلك فسّرها جماعة من أهل العلم، فمنهم من قال: هي صلاة العصر.

وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحْلف تميماً الداري وعَدي بنَ بدّاء في قضية الجام بعد العصر، وهو قول قتادة، وسعيد، وشريح، والشعبي.

ومنهم من قال: الظهر، وهو عن الحسن.

وتحتمل من بعد صلاة دينهما على تأويل من غيركم بمعنى من غير أهل دينكم.

ونقل عن السديّ، وابن عبّاس، أي تُحضرونهما عقب أدائهما صلاتهما لأنّ ذلك قريب من إقبالهما على خشية الله والوقوف لعبادته.

وقوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ عطف على ﴿ تحبسونهما ﴾ فعلم أنّ حبسهما بعد الصلاة لأجل أن يقسما بالله.

وضمير ﴿ يقسمان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ آخران ﴾ .

فالحلف يحلفه شاهدا الوصية اللذان هما غير مسلمين لزيادة الثقة بشهادتهما لعدم الاعتداد بعدالة غير المسلم.

وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ تظافرت أقوال المفسّرين على أنّ هذا شرط متّصل بقوله ﴿ تحبسونهما ﴾ وما عطف عليه.

واستغني عن جواب الشرط لدلالة ما تقدّم عليه ليتأتّى الإيجاز، لأنّه لو لم يقدّم لقيل: أو آخران من غيركم فإن ارتبتم فيهما تحبسونهما إلى آخره.

فيقتضي هذا التفسير أنّه لو لم تَحصل الريبة في صدقهما لما لزم إحْضارهما من بعد الصلاة وقسمهما، فصار ذلك موكولاً لِخيَرة الولي.

وجملة الشرط معترضة بين فعل القسم وجوابه.

والوجه عندي أن يكون قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من جملة الكلام الذي يقوله الشاهدان، ومعناه أنّ الشاهدين يقولان: إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة، أي يقولان ذلك لاطمئنان نفس المُوصي، لأنّ العدالة مظنّة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ممّا لا يُطّلع عليه فأكّدت مظنّة الصدق بالحلف؛ فيكون شُرع هذا الكلام على كلّ شاهد ليسْتوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال حَرجاً على الشاهدين الذين توجّهت عليهما اليمينُ من أنّ اليمين تعريض بالشكّ في صدقهما، فكان فرض اليمين من قِبَل الشرع دافعاً للتحرّج بينهما وبين الوليّ، لأنّ في كون اليمين شرطاً من عند الله معذرة في المطالبة بها، كما قال جمهور فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجّه على من يثبت حقّاً على ميّت أو غائب من أنّها لازمة قبل الحكم مطلقاً ولو أسقطها الوارث الرشيد.

ولم أقف على مَن عرّج على هذا المعنى من المفسّرين إلاّ قول الكواشي في «تلخيص التفسير»: «وبعضُهم يقف على ﴿ يقسمان ﴾ ويبتدئ ﴿ بالله ﴾ قسماً ولا أحبّه»، وإلاّ ما حكاه الصفاقسي في «مُعربَه» عن الجرجاني «أنّ هنا قولاً محذوفاً تقديره: فيقسمان بالله ويَقُولان».

ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعَا الجرجاني لِتقدير هذا القول.

ولا أراه حمله عليه إلاّ جَعْلُ قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من كلام الشاهديْن.

وجوابُ الشرط محذوف يدلّ عليه جواب القسم، فإنّ القسم أولى بالجواب لأنّه مقدّم على الشرط.

وقوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ الخ، ذلك هو المقسم عليه.

ومعنى ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمناً، أي عوضاً، فضمير به، عائد إلى القسم المفهوم من ﴿ يقسمان ﴾ .

وقد أفاد تنكير ﴿ ثمناً ﴾ في سياق النفي عمومَ كلّ ثمن.

والمراد بالثمن العوَض، أي لا نبدّل ما أقسمنا عليه بعوض كائناً ما كان العوضُ، ويجوز أن يكون ضمير ﴿ به ﴾ عائداً إلى المقسم عليه وهو ما استشهدا عليه من صيغة الوصي بجميع ما فيها.

وقوله: ﴿ ولو كان ذا قُربى ﴾ حال من قوله ﴿ ثمناً ﴾ الذي هو بمعنى العوض، أي ولو كان العوض ذا قربى، أي ذا قربى منّا، و«لو» شرط يفيد المبالغة فإذا كان ذا القربى لا يَرْضيانه عوّضاً عن تبديل شهادتهما فأوْلى ما هو دون ذلك.

وذلك أنّ أعظم ما يدفع المرء إلى الحيف في عرف القبائل هو الحميّة والنصرة للقريب، فذلك تصغر دونه الرّشى ومنافع الذات.

والضمير المسْتتر في ﴿ كان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ ثَمناً ﴾ .

ومعنى كون الثمن، أي العوض، ذَا قربى أنّه إرضاء ذي القربى ونفعه فالكلام على تقدير مضاف، وهو من دلالة الاقتضاء لأنّه لا معنى لجعل العوض ذات ذي القربى، فتعيّن أنّ المراد شيء من علائقه يعيّنه المقام.

ونظيره ﴿ حُرِّمت عليكم أمّهاتكم ﴾ [النساء: 23].

وقد تقدّم وجه دلالة مثل هذا الشرط ب (لو) وتسميتها وصلية عند قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ من سورة آل عمران (91).

وقوله ولا نكتم } عطف على ﴿ لا نشتري ﴾ ، لأنّ المقصود من إحلافهما أن يؤدّيا الشهادة كما تلقّياها فلا يغيّرا شيئاً منها ولا يكتماها أصلاً.

وإضافة الشهادة إلى اسم الجلالة تعظيم لخطرها عند الشهادة وغيره لأنّ الله لمّا أمر بأدائها كما هي وحَضّ عليها أضافها إلى اسمه حفظاً لها من التغيير، فالتصريح باسمه تعالى تذكير للشاهد به حينَ القسم.

وفي قوله ﴿ ولا نكتم ﴾ دليل على أنّ المراد بالشهادة هنا معناها المتعارف، وهو الإخبار عن أمر خاصّ يعرِض في مثله الترافعُ.

وليس المراد بها اليمين كما توهّمه بعض المفسّرين فلا نطيل بردّه فقد ردّه اللفظ.

وجملة ﴿ إنَّا إذاً لمن الآثمين ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّها جواب سؤال مقدّر بدليل وجود ﴿ إذنْ ﴾ ، فإنّه حرفُ جواب: استشعر الشاهدان سؤالاً من الذي حَلفا له بقولهما: لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله، يقول في نفسه: لعلّكما لا تَبِرّان بما أقسمتما عليه، فأجابا: إنّا إذَنْ لَمِن الآثمين، أي إنّا نَعلم تبعة عدم البرّ بما أقسمنا عليه أن نكون من الآثمين، أي ولا نرضى بذلك.

والآثمُ: مرتكب الإثم.

وقد علم أنّ الإثم هو الحنث بوقوع الجملة استئنافاً مع «إذن» الدالّة على جواب كلام يختلج في نفس أولياء الميّت.

5 وقوله: ﴿ فإن عُثر على أنّهما استحقّا إثماً فآخران ﴾ الآية، أي إن تبيَّنَ أنّهما كتما أو بدّلا وحنثا في يمينهما، بطلت شهادتهما، لأنّ قوله ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ فرع عن بطلان شهادتهما، فحذف ما يعبّر عن بطلان شهادتهما إيجازاً كقوله: ﴿ اضرِبْ بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت.

ومعنى ﴿ عُثِر ﴾ اطُّلِع وتَبيّن ذلك، وأصل فعل عَثَر أنّه مصادفة رِجْللِ الماشي جسماً ناتئاً في الأرض لم يترقّبه ولم يَحْذر منه فيختلّ به اندفاعُ مَشْيه، فقد يسقط وقد يتزلزل.

ومصدره العِثَار والعُثور، ثم استعمل في الظَفَر بشيء لم يكن مترقّباً الظفَر به على سبيل الاستعارة.

وشاع ذلك حتّى صار كالحقيقة، فخصّوا في الاستعمال المعنى الحقيقي بأحد المصدرين وهو العِثار، وخصّوا المعنى المجازي بالمصدر الآخر، وهو العثور.

ومعنى ﴿ استَحقَّا إثماً ﴾ ثبت أنّهما ارتكبا ما يأثمان به، فقد حقّ عليهما الإثم، أي وقع عليهما، فالسين والتاء للتأكيد.

والمراد بالإثم هو الذي تبرّءا منه في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ﴾ .

فالإثم هو أحد هذين بأن يظهر أنّهما استبدلا بما استؤمنا عليه عوضاً لأنفسهما أو لغيرهما، أو بأن يظهر أنّهما كتما الشهادة، أي بعضها.

وحاصل الإثم أن يتّضح ما يقدح في صدقهما بموجب الثبوت.

وقوله ﴿ فآخران ﴾ أي رجلان آخران، لأنّ وصف آخر يطلق على المغاير بالذات أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدّث عنه، والمتحدث عنه هنا ﴿ اثنان ﴾ .

فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية.

ومعنى يقومان مقامهما، أي يعوّضان تلك الشهادة.

فإنّ المقام هو محلّ القيام، ثم يراد به محلّ عمل مّا، ولو لم يكن فيه قيام، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع في محلّ يقوم فيه العامل، وذلك في العمل المهمّ.

قال تعالى: ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري ﴾ [يونس: 71].

فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الذين استحقّ عليهم ﴾ تبعيضية، أي شخصان آخران يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم.

والاستحقاق كون الشيء حقيقاً بشيء آخر، فيتعدّى إلى المفعول بنفسه، كقوله: ﴿ استحقّا إثماً ﴾ ، وهو الشيء المستحق.

وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدّى الفعل إلى المحقوق ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلا بمعنى اللزوم له وإن كره، كأنّهم ضمّنوه معنى وجَب كقوله تعالى: ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحق ﴾ [الأعراف: 105].

ويقال: استحقّ زيد على عمرو كذا، أي وجب لزيد حقّ على عمرو، فأخذه منه.

وقرأ الجمهور ﴿ استُحقّ عليهم ﴾ بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله ﴿ استُحقّ عليهم هو مستحِقّ مّا، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة، فنال من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغَلَبَ وارثَ الموصي بذلك.

فالذين استُحقّ عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم مالُه بوجه من وجوه الإرثثِ فحُرموا بَعضه.

وقوله عليهم ﴾ قائم مقام نائب فاعل ﴿ استحقّ ﴾ .

وقوله: ﴿ الأوليان ﴾ تثنية أوْلَى، وهو الأجدر والأحقّ، أي الأجدران بقبول قولهما.

فماصْدقه هو مَاصْدق ﴿ الآخران ﴾ ومرجعه إليه فيجوز، أن يجعل خبراً عن ﴿ آخران ﴾ ، فإنّ ﴿ آخران ﴾ لمّا وصف بجملة ﴿ يقومان مقامهما ﴾ صحّ الابتداء به، أي فشخصان آخران هما الأوْلَيَان بقبول قولهما دون الشاهدين المتّهمين.

وإنّما عرّف باللاّم لأنّه معهود للمخاطب ذهناً لأنّ السامع إذا سمع قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقَّا إثماً ﴾ ترقّب أن يعرف من هو الأولى بقبول قوله في هذا الشأن، فقيل له: آخران هما الأوليان بها.

ويجوز أن يكون ﴿ الأوليان ﴾ مبتدأ و ﴿ آخران يقومان ﴾ خبره.

وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة، لأنّ السامع يترقّب الحكم بعد قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ فإنّ ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما، فكيف يكون القضاء في ذلك، فعجّل الجواب.

ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ آخران ﴾ أو من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان.

ونكتة التعريف هيَ هي على الوجوه كلّها.

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف، ﴿ الأوّلين ﴾ بتشديد الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون التحتية جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدّم والمبتدأ به.

فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي حيث استحقّ الموصى له الوصية من مال التركة الذي كان للأولياء، أي الورثة لولا الوصية، وهو مجرور نعت (للذين استحقّ عليهم).

وقرأ حفص عن عاصم ﴿ استحَقّ ﴾ بصيغة البناء للفاعل فيكون ﴿ الأوليان ﴾ هو فاعل ﴿ استحقّ ﴾ ، وقوله ﴿ فيقسمان بالله ﴾ تفريع على قوله ﴿ يقومان مقامهما ﴾ .

ومعنى ﴿ لشهادتنا أحقّ من شهادتهما ﴾ أنّهما أولى بأن تقبل شهادتهما من اللذيْن عثِر على أنّهما استحقّا إثماً.

ومعنى ﴿ أحقّ ﴾ أنّها الحقّ، فصيغة التفضيل مسلوبة المفاضلة.

وقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ توكيد للأحقّيّة، لأنّ الأحقّيّة راجعة إلى نفعهما بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت باطلاً واعتداء منهما على مال مبلّغي الوصية.

والمعنى: وما اعتدينا على الشاهدين في اتّهامهما بإخفاء بعض التركة.

وقوله ﴿ إنّا إذن لمنَ الظالمين ﴾ أي لو اعتدينا لكنّا ظالمَين.

والمقصود منه الإشعار بأنّهما متذكّران ما يترتّب على الاعتداء والظلم، وفي ذلك زيادة وازع.

وقد تضمّن القسم على صدق خبرهما يميناً على إثبات حقّهما فهي من اليمين التي يثبت بها الحقّ مع الشاهد العرفي، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في الشاهدين اللذين يبلّغان الوصية.

والكلام في «إذن» هنا مثل الكلام في قوله: ﴿ إنّا إذن لمن الآثمين ﴾ .

والمعنى أنّه إن اختلّت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء كان الموصى له واحداً أم متعدّداً.

وإنّما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة للقضية التي نزلت فيها، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء، فإنّ ورثة صاحب التركة كانا اثنين هما: عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة، وكلاهما من بني سهم، وهما مَوْليا بُديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام.

فبعض المفسّرين يذكر أنهما مَوْليا بُديل.

وبعضهم يقول: إنّ مولاه هو عمرو بن العاصي.

والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أنّ له ولاء من بديل، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين.

فإن كان صاحب الحقّ واحداً حلف وحده وإن كان أصحاب الحقّ جماعة حلفوا جميعاً واستحقّوا.

ولم يقل أحد أنّه إن كان صاحب الحقّ واحداً يحلف معه من ليس بمستحقّ، ولا إن كان صاحب الحقّ ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقّون كلّهم.

فالاقتصار على اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصّة سبب النزول، فتكون الآية على هذا خاصّة بتلك القضية.

ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في الشريعة في الاستحقاق والتهم.

وهذا القول يقتضي أنّ الآية نزلت قبل حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية بُديل بن أبي مريم.

وذلك ظاهر بعض روايات الخبر، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ الآية نزلت بعد أن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحينئذٍ يتعيّن أن تكون تشريعاً لأمثال تلك القضية ممّا يحدث في المستقبل، فيتعيّن المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين اثنين إن أمكن.

وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضَر إلاّ واحداً من المسلمين، أو واحداً من غير المسلمين، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم.

وكلّ ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلّها من يمين من قام له شاهد أو يمين المنكر.

والمشار إليه في قوله: «ذلك أدنى» إلى المذكور من الحكم من قوله ﴿ تحبسوهما من بعد الصلاة ﴾ إلى قوله إنَّا إذن لمنَ الظالمين.

و ﴿ أدنى ﴾ بمعنى أقرب، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظنّ، أي أقوى إلى الظنّ بالصدق.

وضمير ﴿ يأتوا ﴾ عائد إلى «الشهداء» وهم: الآخران من غيركم، والآخران اللذان يقومان مقامهما، أي أن يأتي كلّ واحد منهم.

فجمع الضمير على إرادة التوزيع.

والمعنى أنّ ما شرع الله من التوثيق والضبط، ومن ردّ الشهادة عند العثور على الريبة أرجى إلى الظنّ بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا الفريقين ممّا ينفي الغفلة والتساهل، بله الزور والجور مع توقّي سوء السمعة.

ومعنى ﴿ أن يأتوا بالشهادة ﴾ : أن يؤدّوا الشهادة.

جعل أداؤها والإخبار بها كالإتيان بشيء من مكان.

ومعنى قوله ﴿ على وجهها ﴾ ، أي على سنّتها وما هو مقوّم تمامها وكمالها، فاسم الوجه في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيهاً بوجه الإنسان، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره.

ولمّا أريد منه معنى الاستعمارة لهذا المعنى، وشاع هذا المعنى في كلامهم، قالوا: جاء بالشيء الفلاني على وجهه، فجعلوا الشيء مأتيّاً به، ووصفوه بأنه أتي به متمكّناً من وجهه، أي من كمال أحواله.

فحرف (على) للاستعلاء المجازي المراد منه التمكّن، مثل ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5].

والجارّ والمجرور في موضع الحال من ﴿ الشهادة ﴾ ، وصار ذلك قرينة على أنّ المراد من الوجه غير معناه الحقيقي.

وسنّة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبّت فيها والتنبّه لما يغفل عنه من مختلف الأحوال التي قد يستخفّ بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيِّع الحقوق، أي ذلك يعلّمهم وجه التثبّت في التحمّل والأداء وتوخّي الصدق، وهو يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد.

وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذاء في الشهادة بالطعن أو المعارضة، فإنّ في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبّت في مطابقة شهادتهم، للواقع لأنّ المعارضة والإعذار يكشفان عن الحقّ.

وقوله ﴿ أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم ﴾ عطف على قوله ﴿ أن يأتوا ﴾ باعتبار ما تعلّق به من المجرورات، وذلك لأنّ جملة ﴿ يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود، ولذلك قدّرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة.

فأفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم، وأفادت الجملة المعطوفة وازعاً هو توقّع ظهور كذبهم.

ومعنى ﴿ أن تردّ أيمان ﴾ أن تُرَجَّع أيمان إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين.

فالردّ هنا مجاز في الانتقال، مثل قولهم: قلب عليه اليمين، فيعيَّروا به بين الناس؛ فحرف (أوْ) للتقسيم، وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله: ﴿ ذلك أدنى ﴾ الخ...

وجمع ﴿ الأيمان ﴾ باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من جنسها، على أنّ العرب تعدل عن التثنية كثيراً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] وذيّل هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمّة فقال: ﴿ واتّقوا الله ﴾ الآية.

وقوله ﴿ واسمعوا ﴾ أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازاً، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إذ قلتم سمعنا وأطعنا ﴾ في هذه السورة (7).

وقوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } تحريض على التقوى والطاعة لله فيما أمر ونهى، وتحذير من مخالفة ذلك، لأنّ في اتّباع أمر الله هُدى وفي الإعراض فسقاً.

﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي المعرضين عن أمر الله، فإنّ ذلك لا يستهان به لأنّه يؤدّي إلى الرين على القلب فلا ينفذ إليه الهدى من بعدُ فلا تكونُوهم وكونوا من المهتدين.

هذا تفسير الآيات توخّيتُ فيه أوضح المعاني وأوفقها بالشريعة، وأطلت في بيان ذلك لإزالة ما غمض من المعاني تحت إيجازها البليغ.

وقد نقل الطيبي عن الزجّاج أنّ هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب.

وقال الفخر: رَوَى الواحدي عن عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام.

وقال ابن عطية عن مكّي بن أبي طالب: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً.

قال ابن عطية: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها.

وذلك بيّن من كتابه.

ولقصد استيفاء معاني الآيات متتابعة تجنّبت التعرّض لما تفيده من الأحكام واختلاف علماء الإسلام فيها في أثناء تفسيرها.

وأخّرت ذلك إلى هذا الموضع حين انتهيت من تفسير معانيها.

وقد اشتملت على أصلين: أحدهما الأمر بالإشهاد على الوصية، وثانيهما فصل القضاء في قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء مع أولياء بديل بن أبي مريم.

فالأصل الأول: من قوله تعالى: ﴿ شهادة بينكم ﴾ إلى قوله ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ .

والأصل الثاني: من قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ إلى قوله ﴿ بعد أيمانهم ﴾ .

ويحصل من ذلك معرفة وجه القضاء في أمثال تلك القضية ممّا يتّهم فيه الشهود.

وقوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية بيان لكيفية الشهادة، وهو يتضمّن الأمر بها، ولكن عدل عن ذكر الأمر لأنّ الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محلّ ثقتهم.

وأهمّ الأحكام التي تؤخذ من الآية ثلاثة: أحدها: استشهاد غير المسلمين في حقوق المسلمين، على رأي من جعله المراد من قوله ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وثانيها: تحليف الشاهد على أنّه صادق في شهادته.

وثالثها: تغليظ اليمين بالزمان.

فأمّا الحكم الأول: فقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وقد بيّنا أنّ الأظهر أنّ الغيرية غيرية في الدين.

وقد اختلف في قبول شهادة غير المسلمين في القضايا الجارية بين المسلمين؛ فذهب الجمهور إلى أنّ حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2] وقوله ﴿ ممّن ترْضَوْن من الشهداء ﴾ [البقرة: 282] وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.

وذهب جماعة إلى أنّ الآية محكمة، فمنهم من جعلها خاصّة بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون.

وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه، أيام قضائه بالكوفة، وقال: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيّب، وابن جبير، وشريح، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسدّي، وسفيان الثوري، وجماعة، وهم يقولون: لا منسوخ في سورة المائدة، تبعاً لابن عباس.

ومنهم من تأوّل قوله ﴿ من غيركم ﴾ على أنّه من غير قبيلتكم، وهو قول الزهري، والحسن، وعكرمة.

وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة الوصية، فقال بأنّ شهادة أهل الذمّة على المسلمين في السفر ماضية، وزاد فجعلها بدون يمين.

والأظهر عندي أنّ حكم الآية غير منسوخ، وأنّ قبول شهادة غير المسلمين خاصّ بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة، وأنّ وجه اختصاص الوصية بهذا الحكم أنّها تعرض في حالة لا يستعدّ لها المرء من قبلُ فكان معذوراً في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات، بخلاف غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثّق لها بغير ذلك؛ فكان هذا الحكم رخصة.

والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلاّ في الضرورة، عند من رأى إعمالها في الضرورة، أنّ قبول الشهادة تزكية وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مَقطَعاً للحقوق.

فقد كان بعض القضاة من السلف يقول للشهود: اتّقوا الله فينا فأنتم القضاة ونحن المنفّذون.

ولمّا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس إلى اتّباع دينه فأعرض عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلاً لأن تزكّيهم أمّته وتسمهم بالصدق وهم كذّبوا رسولنا، ولأنّ من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب في خبره، ولا لمجال التضييق والتوسّع في أعماله الناشئة عن معتقداته، إذ لعلّ في دينه ما يبيح له الكذب، وبخاصّة إذا كانت شهادته في حقّ لمن يخالفه في الدين، فإنّنا عهدنا منهم أنّهم لا يتوخّون الاحتياط في حقوق من لم يكن من أهل دينهم.

قال تعالى حكاية عنهم «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين (أي المسلمين) سبيل» فمن أجل ذلك لم يكن مظنّة للعدالة ولا كان مقدارها فيه مضبوطاً.

وهذا حال الغالب منهم، وفيهم من قال الله في شأنه ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ﴾ [آل عمران: 75] ولكن الحكم للغالب.

وأمّا حكم تحليف الشاهد على صدقه في شهادته: فلم يرد في المأثور إلاّ في هذا الموضع؛ فأمّا الذين قالوا بنسخ قبول شهادة الكافر فتحليف شاهدي الوصية الكافرين منسوخ تبعاً، وهو قول الجمهور.

وأمّا الذين جعلوه محكَماً فقد اختلفوا، فمنهم من خصّ اليمين بشاهدي الوصية من غير المسلمين، ومنهم من اعتبر بعلّة مشروعية تحليف الشاهدين من غير المسلمين، فقاس عليه تحليف الشاهدين إذا تطرّقت إليهما الريبة ولو كانا مسلمين.

وهذا لا وجه له إذ قد شرط الله فيهما العدالة وهي تنافي الريبة، نعم قد يقال: هذا إذا تعذّرت العدالة أو ضعفت في بعض الأوقات ووقع الاضطرار إلى استشهاد غير العدول كما هي حالة معظم بلاد الإسلام اليومَ، فلا يبعد أن يكون لتحيلف الشاهد المستور الحال وجهٌ في القضاء.

والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.

وأمّا حكم تغليظ اليمين: فقد أخذ من الآية أنّ اليمين تقع بعد الصلاة، فكان ذلك أصلاً في تغليظ اليمين في نظر بعض أهل العلم، ويجيء في تغليظ اليمين أن يكون بالزمان والمكان واللفظ.

وفي جميعها اختلاف بين العلماء.

وليس في الآية ما يتمسّك به بواحد من هذه الثلاثة إلاّ قوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ وقد بيّنتُ أنّ الأظهر أنّه خاصّ بالوصية، وأمّا التغليظ بالمكان وباللفظ فتفصيله في كتب الخلاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِالحُقُوقِ عِنْدَ الحُكّامِ.

والثّانِي: أنَّها شَهادَةُ الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ، ومَعْنى ذَلِكَ أيْمانٌ بَيْنَكم، فَعَبَّرَ عَنِ اليَمِينِ بِالشَّهادَةِ كَما قالَ في أيْمانِ المُتَلاعِنِينَ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِن حَيِّ المُوصِي، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةُ وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما شاهِدانِ يَشْهَدانِ عَلى وصِيَّةِ المُوصِي.

والثّانِي: أنَّهُما وصِيّانِ.

﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن غَيْرِ دِينِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم وعَشِيرَتِكم، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعُبَيْدَةُ.

وَفي ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ في قَبُولِ اثْنَيْنِ مِنّا أوْ آخَرِينَ مِن غَيْرِنا.

والثّانِي: أنَّها لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ، وإنَّ مَعْنى الكَلامِ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا، مِنكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي سافَرْتُمْ.

﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ يَعْنِي تَسْتَوْقِفُونَهُما لِلْأيْمانِ وهَذا خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ، وفي هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، قالَهُ شُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما ومِلَّتِهِما مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ مَعْناهُ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الوَصِيّانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما في الخِيانَةِ أحْلَفَهُما الوَرَثَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما الشّاهِدانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، ولَمْ تُعْرَفْ عَدالَتُهُما، ولا جَرْحُهُما، أحْلَفَهُما الحاكِمُ لِيَزُولَ عَنْهُ الِارْتِيابُ بِهِما، وهَذا إنَّما جَوَّزَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نَأْخُذُ عَلَيْهِ رِشْوَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا نَعْتاضُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ أيْ لا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ، والشَّهادَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَنا فِيما أوْجَبَهُ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ يَعْنِي فَإنْ ظَهَرَ عَلى أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَعَبَّرَ عَنِ الكَذِبِ بِالخِيانَةِ والإثْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُما.

وَفي الَّذِينَ: ﴿ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الشّاهِدانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما الوَصِيّانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ فَآخَرانِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الوَرَثَةِ.

﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ في اليَمِينِ، حِينَ ظَهَرَتِ الخِيانَةُ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مِنَ الوَرَثَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الأوْلَيانِ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ.

وَكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، وقالُوا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ » ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ هاتِينِ الآيَتَيْنِ هَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ ثابِتٌ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ حُكْمُهُما مَنسُوخٌ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَكُنِ الإسْلامُ إلّا بِالمَدِينَةِ فَجازَتْ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ وهو اليَوْمُ طِبْقَ الأرْضِ.

وَقالَ الحَسَنُ: حُكْمُهُما ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: «برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.

قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره.

قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ إلى قوله: ﴿ أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء» .

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله: ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام وفيه نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: «كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات، فتحا متاعه، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا، فقالوا لهما: هذا كتابه بيده!

قالوا: ما كتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ إلى قوله: ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، ثم قال: يا رسول الله، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها، فهب لي قريتين من بيت لحم- وهي القرية التي ولد فيها عيسى- فكتب له بها كتاباً، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أنا حاضر ذلك فدفعها إليه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ شهادة بينكم ﴾ مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هذا لمن مات وعنده المسلمون، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله تعالى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، فتترك شهادة الكافرين، ويحكم بشهادة الأوليان، فليس على شهود المسلمين أقسام، إنما الأقسام إذا كانا كافرين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل الإسلام ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير أهل الإسلام، وفي قوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ يقول: يحلفان بالله بعد الصلاة.

وفي قوله: ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ قال: من أولياء الميت فيحلفان ﴿ بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ يقول: فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان.

وفي قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله، وتبطل شهادة الكافرين.

وهي منسوخة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة: أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً، فإذا حلف برئ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله: ﴿ ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر قال: وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير المسلمين من أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل دينكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي.

أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها وصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية.

كلها قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها.

وأخرج ابن جرير عن الزبير قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من المسلمين من غير حيه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه ﴿ إثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من قبيلتكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير قبيلتكم، ألا ترى أنه يقول ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ كلهم من المسلمين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال: سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت: أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟

ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟

قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه مختلف فيها رأيهم، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي أن المسلمين ﴿ يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله: ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال: صلاة العصر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ قال: لا نأخذ به رشوة ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ وإن كان صاحبها بعيداً.

وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ ولا نكتم شهادة ﴾ يعني بقطع الكلام منوّناً ﴿ الله ﴾ بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ يقول هو القسم.

وأخرج عن عاصم ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ مضاف بنصب شهادة، ولا ينون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ بفتح التاء.

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ قال عمر: كذبت.

قال: أنت أكذب.

فقال الرجل: تكذب أمير المؤمنين!

قال: أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله.

فقال عمر: صدق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها ﴿ الأوليان ﴾ وقال: هما الوليان.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأولين ﴾ ويقول: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ﴿ من الذين استحق ﴾ برفع التاء وكسر الحاء ﴿ عليهم الأولين ﴾ مشددة على الجماع.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ الأوليان ﴾ قال: الميت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يقول: وأن يخافوا العنت.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ واتقوا الله واسمعوا ﴾ قال: يعني القضاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ قال: الكاذبين الذين يحلفون على الكذب.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، قال المفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: أن تميمًا الداري (١) (٢)  ، فأنزل الله هذه الآية (٣) وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن من الآيات معنًى وإعرابًا، وسأسوقهما بعون الله مشروحتين مُبَيَّنتين إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ، اختلف النحويون في تقديره، فقال الفراء: وقوله: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ﴾ رفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان (٤) (٥) (٦) وقال صاحب النظم: (شهادة) مصدر وضع موضع الأسماء، يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدلٌ ورضا، ورجال عدل ورضا وزَوْرٌ، وإذا جعلت الشهادة بمعنى الشهود قدرت معه حذف المضاف، ويكون المعنى: عدد شهود بينكم اثنان، واستشهد على هذا بقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ  ﴾ أراد وقت الحج، ولولا هذا التأويل لكان قوله: (أشهر) منصوبًا على تأويل: الحج في أشهر معلومات، فقدر صاحب النظم حذف المضاف من الابتداء، وقدره الزجاج من الخبر.

وقوله تعالى: ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ ، قال أبو علي: اتسع في (بين) وهي ظرف فجعل اسمًا، وأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على أنه يجوز الاتساع في الظروف بجعلها اسمًا في غير الشعر، كقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من رفع، فجاء في غير الشعر، كما جاء في الشعر نحو قوله: فصادفَ بين عَيْنَيه (الجنونا) (٧) (٨) ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ بمعنى: لما بينكم، وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليها في التنازع الواقع في ما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ  ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه.

ثم حذف (ما) من قوله: ما بينكم، والعرب تحذف كثيراً ذكر (ما) و (من) في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ  ﴾ أي: ما ثِّم، وكما قال: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ  ﴾ على معنى: ما بيني وبينك، ومثله قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من نصب، وهذا الذي ذكره الجرجاني شرح ما أجمله أبو علي، لأنه إذا حُذف (ما) وأضيف إليه فقد جعل الظرف اسمًا متسعًا فيه، فأبو علي أجمل، والجرجاني فسر.

وقوله تعالى: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ، (إذا) ظرف يتعلق بالشهادة، وهو معمولها على تقدير: يشهدان (٩) أحدهما: أن الوصية مصدر، ولا يتعلق بالمصدر ما يتقدم عليه، لأنه ليس له قوة الفعل، فلا يجوز: زيدًا ضربًا، بمعنى: اضرب زيدًا، كما يجوز: ضربًا زيدًا.

والثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين (١٠) (١١) وقال في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ : لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ  ﴾ ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه (١٢) وقوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ﴾ ، ذكرنا أنه خبر المبتدأ.

وقوله تعالى: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: ﴿ اثْنَانِ ﴾ (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم (١٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ ، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد (١٥) قال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يُشهِده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيَّا، أو عابد وثن، أو أي كائن كان، فشهادتهم جائزة (١٦) وقال الشعبي: حضر رجلاً من المسلمين الموت وهو بدَقُوقَا (١٧)  فأحلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما بدلا ولا كذبا، وأجاز شهادتهما (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، الشرط متعلق بقوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ والمعنى: أو شهادة آخرين من غيركم إن أنتم سافرتم، قال أبو علي: وهو وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الأمر، تأويله: ينبغي أن تُشْهِدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ مع قوله: ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ فصلان معترضان بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: (تحبسونهما) من صفة قوله: (أو آخران)، والفاء في قوله: (فأصابتكم) لعطف جملة على جملة (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ قال صاحب النظم: أي تقيمونهما وتقفونهما، كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه، وحبست الرجل في الطريق أكلمه، أي: وقفته.

قال: ويقال إن معنى قوله: (تحبسونهما) تعبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل الإنسان على اليمين وهو غير متبرع بها.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ ، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن ابن عباس والسدي (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب.

وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ ، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة: وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ...

فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ (٢٤) تقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ ، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما.

قال أبو بكر (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ ، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان (٢٧) وقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما.

والعرب تضمر القول كثيراً كقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ  ﴾ ، أي: يقولون: سلام.

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ثَمَنًا ﴾ قال أبو علي: المعنى: لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنًا، فحُذِفَ المضاف وذُكِّر الشهادةٌ لأن الشهادة قول.

قال: وتقدير لا نشتري به ثمنًا: لا نشتري به ذا ثمنٍ، ألا ترى أن الثمن لا يُشترى وإنما يُشترى ذو الثمن.

قال: وليس الاشتراء ههنا بمعنى البيع وإن جاز في اللغة، لأن بيع الشيء إبعاد له من البائع، وليس المعنى ههنا على الإبعاد، وإنما هو على التمسك به والإيثار له على الحق (٢٨) وقال غيره: معنى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه (٢٩) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ فمعنى ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئًا فقد اشترى ثمنه، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنًا بأن نبيعه بعرض من الدنيا، ونستغني في هذا عن كثير من تكلف أبي علي.

وهذا معنى قول القتيبي (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ ، التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه (٣١) ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ ، أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ  ﴾ (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴾ أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين، وهذا الذي ذكرنا في الآية قول أكثر المفسرين واختيار أعظم أصحاب المعاني (٣٣) قال عبد الله بن مسلم وذكر معنى الآية على الوجه: أراد الله عز وجل أن يعرفنا كيف نشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية، وعلم جل ثناؤه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال: (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إذا (ضربتم في الأرض) أي: سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت) وتم الكلام، فالعدلان من المسلمين للحضَر والسفَر إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفَر خاصة إذا لم يوجد غيرهما.

ثم قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ من بعد صلاة العصر ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيرا وبدلا وكتما وخانا، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي في شهادتنا أحدًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها، فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به قبلت شهادتهما: وأمضي الأمر على قولهما (٣٤) وقال ابن الأنباري: تلخيص الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية، اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير دينكم.

فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز (٣٥) وقال أبو عبيد (٣٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فعم في خطابه المؤمنين، فلما قال بعد ذلك ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ لم يغلب عليه إلا معنى: من غير أهل دينكم، إذ كان لم يخصص في أول الآية، ولم يخاطب قومًا مختصين من المؤمنين دون قوم (٣٧) وذهب آخرون، إلى أنه لا يجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: من حَيِّكم وقبيلتكم ورفقتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم، وهو قول الحسن والزهري وأبي موسى، قالوا: ولا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر (٣٨) ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ ، والشاهد إذا عُلِمَ أنه كذاب لم تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله تعالى: ﴿ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ  ﴾ وأن اليهود قالت: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ فعلمنا أنهم يكذبون، فكيف تجوز شهادة من هو مقيم على الكذب؟

(٣٩) فهؤلاء جعلوا الآية في المسلمين.

وذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة ثم نسخت، وقد بين أبو عبيد هذه المذاهب (٤٠) (٤١) ثم ذكر بإسناده إجازة شهادة أهل الذمة، وأن الآية نزلت في ذاك عن أبي موسى وشريح والشعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم (٤٢) وقال: هذا مذهب الذين رأوا الآية محكمة، ومما يزيد قولهم قوة تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ وأنها من محكم القرآن وآخر ما نزل (٤٣) وأما الآخرون (٤٤) ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ قال: ولست أدري إلى من يسند هذا القول؟

غير أنه قول مالك بن أنس وأهل الحجاز وكثير من أهل العراق غير سفيان، فإنه أخذ بالقول الأول، وأما الذين تأولوا الآية في أهل الإِسلام وأخرجوا المشركين منها فشيء يروى عن أبي موسى والحسن وابن شهاب.

روى خالد عن أبي قلابة عن أبي موسى في قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: كلهم مسلمون.

وقال الحسن: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ من قبيلتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ ﴾ من غير قبيلتكم.

وقال ابن شهاب في هذه الآية: هي في الرجل يموت في السفر فيحضره بعض ورثته ويغيب بعضهم (٤٥) قال أبو عبيد: أما حديث أبي موسى فلا أراه حَفِظَ، لأن الشعبي حدث عنه إجازة شهادة أهل الذمة على الوصية.

وقد ذكرناه (٤٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب بها، وكيف يجوز أن يقال ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ إلا من كان خارجًا منهم، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث، فأنى يكون هذا؟

وإنما (سما الله بشهادة) (٤٧) ﴿ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ وقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ ﴾ .

وهو تناولها (٤٨) فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجهًا، مع أن فيهما أمرين لا يجوزان في أحكام المسلمين، قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ فهل يُعرف في حكم الإِسلام أن يُحَلَّف الشاهدان أو يجب عليهما يمين؟

أم هل يعرف في حكم الإسلام أن لا يقبل الحاكم شهادتهما ولا ينفذها إلا بعد صلاة العصر؟

هذا ما لا يجب على شهود المسلمين، وليس الأمر عندنا إلا القول الأول عن من سمينا من الصحابة والتابعين (٤٩) (٥٠) ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ إلى آخر الآية، ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلِمَيْنِ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا بالله ما شهدت به اليهود والنصارى، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلِمَيْنِ ما شهدت به اليهود والنصارى.

قال: وكان ذلك في خلافة عثمان.

انتهى كلام أبي عبيد (٥١) والذين يتأولون الآية في غير أهل الذمة يقولون إنما استُحلِف الشاهدان لأنهما صارا مدَّعى عليهما، ادَّعى الورثة انهما خانا في المال، وأما الحبس بعد الصلاة فهو من تغليظ الأيمان، ومذهب أهل الحجاز أن الأيمان تغلَّط في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان واللفظ، أما الزمان: فهو ما قال الله تعالى في هذه الآية، وهي صلاة العصر، وكان الناس يكثرون في المساجد بالحجاز بعد صلاة العصر.

وأما المكان: فعند المقام بمكة، وعلى المنبر بالمدينة، وسائر البلاد.

وأما الألفاظ: فما يؤدي إليه اجتهاد القضاة، رجعنا إلى حديث تميم وعدي وقصتهما: ولما رفعوهما إلى رسول الله  ، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله  أن يستحلفوهما بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضا له غير هذا ولا كتما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله  سبيلهما، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم اطُّلِعَ على إناء من فضة منقوش من ذهب معهما، فقالوا هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي  .

(١) هو أبو رقية، تميم بن أوس الداري، مشهور في الصحابة، كان نصرانيا فأسلم سنة 9 هـ، كان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ  ﴾ انظر: "الإصابة" 1/ 186.

(٢) هو عدي بن بداء، قال ابن حبان: له صحبة، وأنكر أبو نعيم ذلك، وجاء في "تفسير مقاتل" أنه مات نصرانيًا.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، و"الإصابة" 2/ 467.

(٣) أخرجه البخاري (2780) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ مختصرًا، والترمذي (3059) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، وأبو داود (3606) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، والطبري 7/ 101 - 112 من طرق والمؤلف في "أسباب النزول" ص 214.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 262.

(٧) هكذا في النسختين (ج)، (ش) بالنون، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 362 (الجبوبا) وكذا في اللسان 1/ 532 (جبب) قال في شرحه: "الجبوب وجه الأرض ومتنها" ولعل ما في "الحجة" هو الأصوب فهو الأصل، وقد نسب البيت في اللسان لأبي خراش الهذلي.

(٨) "الحجة" 3/ 362.

(٩) قد تكون: يشهد أن؛ لأن الفاعل: اثنان.

(١٠) أي ظرف زمان.

(١١) "الحجة" 3/ 263.

(١٢) "الحجة" 2/ 263، 264.

(١٣) "الحجة" 3/ 264.

(١٤) أخرج معناه عنه الطبري في "تفسيره" 7/ 101، وهذا قول الجمهور "بحر العلوم" 1/ 264، "النكت والعيون" 2/ 75، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٥) "تفسير الطبري" 7/ 103، "بحر العلوم" 1/ 464، "النكت والعيون" 2/ 75، "تفسير البغوي" 3/ 112، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 104، "تفسير البغوي" 3/ 112.

(١٧) قال محقق الطبري: "دَقُوقا: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج" "تفسير الطبري" 11/ 162 (ط.

شاكر).

(١٨) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157، 158 رقم 290 مختصرًا، وأبو داود (3605) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، والطبري 7/ 105، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379.

(١٩) "الحجة" 3/ 265.

(٢٠) انظر: "الحجة" 3/ 264.

(٢١) أخرجه عن السدي: الطبري 7/ 109، وعزاه لهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 76، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 448، وقد استبعد الطبري هذا القول.

(٢٢) "تفسير الطبري" 7/ 111، و"معاني الزجاج" 2/ 216، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، و"بحر العلوم" 1/ 465، "النكت والعيون" 2/ 76، "تفسير البغوي" 3/ 112، 113.

(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 378، وانظر: "زاد المسير" 2/ 448.

(٢٤) "ديوانه" ص 391، وفيه (تارة) بدل (مرةً).

وانظر: "المحتسب" 1/ 150.

(٢٥) "الحجة" 3/ 265.

(٢٦) ابن الأنباري.

(٢٧) "الحجة" 3/ 266.

(٢٨) "الحجة" 3/ 266.

(٢٩) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 378.

(٣٠) أي ابن قتيبة.

انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 378، 379.

(٣١) من "الحجة" لأبي علي 3/ 266.

(٣٢) "الحجة" 3/ 266.

(٣٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 181، الطبري 7/ 111، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، "بحر العلوم" 1/ 465.

(٣٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 377، 378.

(٣٥) في (ج): (فجازت).

(٣٦) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٣٧) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 163، 164.

(٣٨) "تفسير الطبري" 7/ 106، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 377، "النكت والعيون" 1/ 494، "زاد المسير" 2/ 446.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216.

(٤٠) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٤١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 155.

(٤٢) انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 160.

(٤٣) "الناسخ والمنسوح في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 160.

(٤٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد.

(٤٥) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 162 ، 163.

(٤٦) في (ج): (وقد ذكرنا).

(٤٧) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": (سماها الله لنا شهادة).

(٤٨) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": وهذا يتأولها.

(٤٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 163.

(٥٠) هذا الأثر متقدم في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" على ما نقله المؤلف فهو في ص 157.

(٥١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157 - 163.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ﴾ .

قال مكي: هذه الآية أشكل آية من القرآن إعراباً، ومعنى، وحكماً، ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها أنّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجل آخر بتجارة، فمرض في الطريق فكتب كتاباً قيد فيه كل ما معه، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفعا رحله إلى ورثته، فوجودوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لا ندري هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي الأمر مدّة، ثم عثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وجده عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا، فمعنى الآية: إذا حضر الموت أحد في السفر، فليشهد عدلين بما معه، فإن وقعت ريبة في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدّلا، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما إعراب الآية، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره: اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو مقيم ضهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن يكون بمنزلة حين لا تحتاج جواباً، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها فإنّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، فينبغي أن يشهد حين الوصية، ظرف العامل فيه حصر، ويكون بدلاً من إذا ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ صفة للشاهدين منكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قيل: معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ومن غيركم، من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور: منكم أي من المسلمين، ومن غيركم من الكفار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفار أصلاً؟

وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي محكمة، وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في السفر، وهو قول ابن عباس ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ أي سافرتم، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعتراض بين الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض، وحلول الموت في السفر، وقال الزمخشري: تحبسونهما استئناف كلام ﴿ مِن بَعْدِ الصلاة ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان، وقال: من حلف على سلعة بعد صلاة العصر، وكان التحليف بعدها معروف عندهم، وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يعظمان صلاة العصر ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله ﴾ أي يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد استحلفهما عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ أي شككتم في صدقهما أو أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف يدل عليه يقسمان ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ هذا هو المقسوم عليه، والضمير في به للقسم، وفي كان للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم ﴿ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها إلى الله تعظيماً لها ﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً ﴾ أي إن طلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما، والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ أي اثنان من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في اليمين ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم أو المال ومعناه من الذي جنى عليهم وهم أولياء الميت ﴿ الأوليان ﴾ تثية أولى بمعنى أحق: أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما، والأحقان بالمال: لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان، وأجازه ابن عطية، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل، فالأوليان فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه، والأوليان على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة، وقرئ الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم، أو منصوباً بإضمار فعل ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق الشهادة ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما ﴾ اي يحلف هذان الآخران أن شهادتهما أحق: أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن اعتدينا، فإنا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين ﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾ الإشارة بذلك إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى وجهها أي كما وقعت من غير تغيير ولا تبديل أو يخافوا ﴿ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أيمانهم ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ...

﴾ الآية.

اختلف فيه: عن قتادة قال: رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: عندها تصبر الأيمان.

﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ ، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين.

﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ من المسلمين، ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الكتاب إذا كان ببلد لا يجد إلا هؤلاء.

وعن الحسن قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ : أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان.

فإن قال قائل: خاطب الله - عز وجل - المؤمنين جملة بقوله: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من غير عشيرتكم، وكيف لا؟

انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟

فنقول سبحان الله!!

ما أعظم هذا القول!!

يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل لله بالولد والشريك، هذا مما لا يحتمل.

وقال - أيضاً -: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي لها بقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً  ﴾ دل أنه لا يحتمل ما ذكروا.

وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قال: إذا حضر المسلم الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته فاتهموا حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا وأخذوه.

وبعض الناس يجيزون النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية.

وقال مجاهد: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ : من غير ملتكم.

وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى [الأشعري]، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله ما اشتريتما به ثمناً قليلا، ولا كتما شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين.

ثم قال أبو موسى [الأشعري]: والله، إن هذه لقصة ما قضي بها منذ مات رسول الله  إلى اليوم.

قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعاً، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إلى من أشهد على ما قبضتما.

فلم يجدا أحداً من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناساً من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما به.

فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا.

ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثماً، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود -  -: ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾ .

ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا بالله: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى [حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى].

وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان.

فإن ثبت هذا عن ابن مسعود -  - فهو خلاف ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي عَلَيْهِ" وهو - أيضاً - غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود،  .

وعن ابن عباس قال: كان رجل يقال له: تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة، فاستحلفهما رسول الله  ما كتمتما ولا اطلعتما.

ثم عُرِفَ الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيه نزلت هذه الآية.

وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس في الآية نسخ، ولا فيها [ما يخالف] الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئاً، كان سبيل الكفار كذلك.

وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانيين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ فمعنى الآية على هذا التأويل، - والله أعلم - أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ على هذا التأويل هو المدعى عليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

يريد - والله أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم [بشيء] جحداه: أنه من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - والله أعلم - أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء الله - معنى ما روي عن ابن عباس -  - وإن لم يذكر تفسير قوله: ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ وهو - والله أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة.

وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك.

ويمكن أن يكون تأويل الآية: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ  ﴾ الآية، هذا في السفر والحضر.

وفي الدين وغير الدين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ .

فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ ﴾ ؟

[المائدة: 108].

قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: [قد] ردت ما كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان أحرى أن يقول حذراً من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفاً من الإثم في اليمين فتبين خيانته.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؟

قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل الخصم ذلك.

أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ابن عباس،  - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك تغليظاً عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذا كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

قال بعضهم: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين.

قال القتبي: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: ظهر.

وقال: أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثراً [وقوله]، وكذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ويقال: أعثرت فلانا على سرّ فلان، أي: أعلمته.

ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: ﴿ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ ﴾ مواعظه ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبداً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، إذا اقترب موت أحدكم بظهور علامة من علامات الموت فليُشْهِد على وصيته عَدْلَيْنِ مِن المسلِمِين أو رجلين من الكفار عند الاحتياج لفقد غيرهما من المسلمين، إن سافرتم فنزل بكم الموت، وإن حدث ارتياب في شهادتهما فَقِفُوهما بعد إحدى الصلوات، فيحلفان بالله: لا يبيعان حظهما من الله بعوض، ولا يُحَابيان به قريبًا، ولا يكتمان شهادة لله عندهما، وأنهما إن فعلا ذلك كانا من المذنبين العاصين لله.

<div class="verse-tafsir" id="91.VMnK2"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله