الآية ١٠٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٥ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 172 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم ، ومخبرا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس ، سواء كان قريبا منه أو بعيدا .

قال العوفي ، عن ابن عباس عند تفسير هذه الآية : يقول تعالى : إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده ، إذا عمل بما أمرته به .

وكذا روى الوالبي عنه .

وهكذا قال مقاتل بن حيان .

فقوله : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) نصب على الإغراء ( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) أي : فيجازي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

وليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا كان فعل ذلك ممكنا ، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية - حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، حدثنا قيس قال : قام أبو بكر ، - رضي الله عنه - ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس ، إنكم تقرؤون هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) إلى آخر الآية ، وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله ، عز وجل ، أن يعمهم بعقابه " .

قال : وسمعت أبا بكر يقول : يا أيها الناس ، إياكم والكذب ، فإن الكذب مجانب الإيمان .

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه ، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به متصلا مرفوعا ، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصديق وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا في مسند الصديق ، - رضي الله عنه - .

وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، وحدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم ، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي ، عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية؟

فقال : أية آية؟

قلت : قوله [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم " - قال عبد الله بن المبارك : وزاد غير عتبة : قيل يا رسول الله ، أجر خمسين رجلا منهم أو منا؟

قال : " بل أجر خمسين منكم " .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح .

وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن عتبة بن أبي حكيم .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : إن هذا ليس بزمانها ، إنها اليوم مقبولة .

ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها ، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا - أو قال : فلا يقبل منكم - فحينئذ ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ) ورواه أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) الآية ، قال : كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا ، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه ، فقال رجل من جلساء عبد الله : ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟

فقال آخر إلى جنبه : عليك بنفسك ، فإن الله يقول : ( [ يا أيها الذين آمنوا ] عليكم أنفسكم ) الآية .

قال : فسمعها ابن مسعود فقال : مه ، لم يجئ تأويل هذه بعد ، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار .

فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا .

فإذا اختلفت القلوب والأهواء ، وألبستم شيعا ، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه ، عند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية .

رواه ابن جرير .

وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا الربيع بن صبيح ، عن سفيان بن عقال قال : قيل لابن عمر : لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله قال : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ؟

فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا فليبلغ الشاهد الغائب " .

فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ، إن قالوا لم يقبل منهم .

وقال أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف عن سوار بن شبيب قال : كنت عند ابن عمر ، إذ أتاه رجل جليد في العين ، شديد اللسان ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه ، وكلهم مجتهد لا يألو وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة ، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك .

فقال رجل من القوم : وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟

فقال الرجل : إني لست إياك أسأل ، إنما أسأل الشيخ .

فأعاد على عبد الله الحديث ، فقال عبد الله : لعلك ترى ، لا أبا لك ، أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم!

عظهم وانههم ، فإن عصوك فعليك نفسك فإن الله ، عز وجل يقول : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) الآية .

وقال أيضا : حدثني أحمد بن المقدام ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبي ، حدثنا قتادة ، عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قوم من المسلمين جلوس ، فقرأ أحدهم هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ) فقال أكبرهم لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم .

وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا ابن فضالة ، عن معاوية بن صالح عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإني لأصغر القوم ، فتذاكروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقلت أنا : أليس الله يقول في كتابه : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ؟

فأقبلوا علي بلسان واحد وقالوا : تنزع آية من القرآن ولا تعرفها ، ولا تدري ما تأويلها!!

حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ، وأقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن ، وإنك نزعت بآية ولا تدري ما هي؟

وعسى أن تدرك ذلك الزمان ، إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت .

وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال : تلا الحسن هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال الحسن : الحمد لله بها ، والحمد لله عليها ، ما كان مؤمن فيما مضى ، ولا مؤمن فيما بقي ، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله .

وقال سعيد بن المسيب : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت .

رواه ابن جرير ، وكذا روي من طريق سفيان الثوري ، عن أبي العميس ، عن أبي البختري ، عن حذيفة مثله ، وكذا قال غير واحد من السلف .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي ، حدثنا الوليد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن كعب في قوله : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قال : إذا هدمت كنيسة دمشق ، فجعلت مسجدا ، وظهر لبس العصب ، فحينئذ تأويل هذه الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها, واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره, وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها, فإنه " لا يضركم من ضَلّ" ، يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه, فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.

* * * ونصب قوله: " أنفسكم " بالإغراء, والعرب تغري من الصفات ب " عليك " و " عندك "، و " دونك "، و " إليك ".

(4) واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم معناه: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم .

* ذكر من قال ذلك: 12848 - حدثنا سوار بن عبد الله قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا أبو الأشهب, عن الحسن: أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم "، فقال ابن مسعود: " ليس هذا بزمانها, قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم ".

(5) 12849 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن أبي الأشهب, عن الحسن قال : ذكر عند ابن مسعود (6) " يا أيها الذين آمنوا " ، ثم ذكر نحوه.

12850- حدثنا يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن قال : قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم " ؟

قال: ليس هذا بزمانها, قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم.

(7) 12851 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا شبابة بن سوار قال ، حدثنا الربيع بن صبيح, عن سفيان بن عقال قال : قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه, فإن الله تعالى ذكره يقول: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ؟

فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ"، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب, (8) ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.

(9) 12852 - حدثنا أحمد بن المقدام قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال ، حدثنا قتادة, عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة, فإذا قومٌ من المسلمين جلوس, فقرأ أحدهم هذه الآية: " عليكم أنفسكم "، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم.

(10) 12853- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا المعتمر, عن أبيه, عن قتادة, عن أبي مازن, بنحوه.

(11) 12854 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف, عن سوّار بن شبيب قال ، كنت عند ابن عمر, إذ أتاه رجل جليدٌ في العين, شديد اللسان, فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه, (12) وكلهم مجتهد لا يألو, وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً, (13) وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك!

فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك!

(14) قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّاك أسأل, أنا أسأل الشيخ!

فأعاد على عبد الله الحديث, فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم!

(15) عظهم وانههم, فإن عصوك فعليك بنفسك, فإن الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون " .

(16) 12855- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال: إن هذا ليس بزمانها, إنها اليوم مقبولة, (17) ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا = أو قال: فلا يقبل منكم = فحينئذ: عليكم أنفسكم, لا يضركم من ضلّ".

(18) 12856- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة، في حلقة فيهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه, (19) فقرأ رجل: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرَ الزمان.

12857- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال ، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد من بني الحُدَّان، (20) قال : انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة, فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, (21) فقرأ رجل من القوم هذه الآية " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال فقالَ رجلٌ من أسنِّ القوم: دَعْ هذه الآية, فإنما تأويلها في آخر الزمان.

(22) 12858 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ابن فضالة, عن معاوية بن صالح, عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنّي لأصغر القوم, فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟

فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا: أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها، (23) ولا تدري ما تأويلها!!

حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت.

ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: " إنك غلام حدَثُ السن, وإنك نـزعت بآية لا تدري ما هي, وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا, وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه, فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

(24) 12859 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن عبد الله بن مسعود في قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون "، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا, فكان بين رجلين ما يكون بين الناس, حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه, فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟

فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك, فإن الله تعالى يقول: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " !

قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ، (25) لَمَّا يجئ تأويل هذه بعد!

(26) إن القرآن أنـزل حيث أنـزل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن ينـزلن, ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم, ومنه آيٌ وَقع تأويلهن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بيسير, (27) ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم, ومنه آي يقع تأويلهنّ عند الساعة على ما ذكر من الساعة, (28) ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، (29) فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلبَسوا شيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض, فأمروا وانهوا.

فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض, فامرؤ ونفسه, فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.

(30) 12860- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن ابن مسعود: أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس, حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه, ثم ذكر نحوه.

(31) 12861- حدثني أحمد بن المقدام قال ، حدثنا حرمي.........

قال : سمعت الحسن يقول: تأوّل بعضُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية، فليست لكم.

(32) 12862 - حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرّملي قال ، حدثنا أيوب بن سويد قال ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم, عن عمرو بن جارية اللخمي, عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم "، فقال: لقد سألت عنها خبيرًا, سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, فإذا رأيت دنيا مؤثَرة، وشحًّا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك نفسك!

إنّ من بعدكم أيام الصبر, (33) للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا!

قالوا: يا رسول الله, كأجر خمسين عاملا منهم؟

قال: لا كأجر خمسين عاملا منكم.

(34) 12863- حدثنا علي بن سهل قال ، أخبرنا الوليد بن مسلم, عن ابن المبارك وغيره, عن عتبة بن أبي حكيم, [عن عمرو بن جارية اللخمي]، عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني: كيف نَصنع بهذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟

فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرًا, سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك بِخُوَيصة نفسك, (35) وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم.

(36) * * * وقال آخرون: معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.

* ذكر من قال ذلك: 12864 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَ"، يقول: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام, فلا يضره من ضل بعدُ، إذا عمل بما أمرته به.

12865 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، يقول: أطيعوا أمري, واحفظوا وصيَّتي.

12866 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي جعفر الرازي, عن صفوان بن الجون قال : دخل عليه شابّ من أصحاب الأهواء, فذكر شيئًا من أمره, فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خصَّ بها أولياءه؟" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل " ، الآية.

(37) 12867 - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال ، حدثنا أبو المطرف المخزومي قال ، حدثنا جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس قال : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، ما لم يكن سيف أو سوط.

(38) 12868- حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال ، تلا الحسن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها, ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله.

(39) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم "، فاعملوا بطاعة الله =" لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.

* ذكر من قال ذلك: 12869 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام بن سلم, عن عنبسة, عن سعد البقال, عن سعيد بن المسيب: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر, لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

12870 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن أبي العميس, عن أبي البختري, عن حذيفة: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال: إذا أمرتم ونهيتم.

12871- حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي = عن ابن أبي خالد, عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر: تقرءون هذه الآية: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن الناس إذا رأوا الظالم = قال ابن وكيع = فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمّهم الله بعقابه.

(40) 12872- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وابن فضيل, عن بيان, عن قيس قال ، قال أبو بكر: إنكم تقرءون هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, يعمُّهم الله بعقابه.

(41) 12873- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن إسماعيل, عن قيس, عن أبي بكر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه.

12874 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، يقول: مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله: " عليكم أنفسكم " ، فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليَستعملن عليكم شراركم، فليسومنّكم سوء العذاب, ثم ليدعون الله خياركم، فلا يستجيب لهم.

12875- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا ابن فضيل قال ، حدثنا بيان, عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, عَمَّهم الله بعقابه.

12876 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثني عيسى بن المسيب البجلي قال ، حدثنا قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه, فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب.

(42) 12877- حدثنا الربيع قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا سعيد بن سالم قال ، حدثنا منصور بن دينار, عن عبد الملك بن ميسرة, عن قيس بن أبي حازم قال : صَعد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها رُخصة، والله ما أنـزل الله في كتابه أشدَّ منها: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, &; 11-151 &; أو ليعمنكم الله منه بعقاب.

(43) 12878- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا سعيد بن زيد قال ، حدثنا مجالد بن سعيد, عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟

: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب.

(44) * * * وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب.

* ذكر من قال ذلك: 12879 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في قوله: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال: يعني من ضلّ من أهل الكتاب.

12880- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال: أنـزلت في أهل الكتاب.

* * * وقال آخرون: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.

* ذكر من قال ذلك: 12881 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم " ، قال: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك وضللتهم, وفعلت وفعلت, وجعلت آباءك كذا وكذا!

كان ينبغي لك أن تنصرهم، وتفعل!

فقال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها, وهو: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به, وانتهوا عما نهاكم الله عنه =" لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله, (45) وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم &; 11-153 &; الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه, والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النـزوع عن ذلك, ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب, لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى.

ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم.

ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف.

وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولو كان للناس تركُ ذلك, لم يكن للأمر به معنًى، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ ذلك, وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه.

وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى, فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله: " إذا اهتديتم " ، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك: " إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ", ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * القول في تأويل قوله : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا، أيها المؤمنون، بما أمرتكم به, وانتهوا عما نهيتكم عنه, ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف, وانهوهم عن المنكر.

فإن قبلوا، فلهم ولكم, وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم, (46) وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر, فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، (47) ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه, فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.

---------------------- الهوامش : (4) "الصفات" حروف الجر ، والظروف ، كما هو بين من سياقها.

وانظر معاني القرآن للفراء 1: 322 ، 323.

(5) الأثر: 12848 -"سوار بن عبد الله بن سوار العنبري" ، القاضي ، شيخ الطبري.

ثقة ، مترجم في التهذيب.

وأبوه: "عبد الله بن سوار العنبري" القاضي ، ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"أبو الأشهب" هو: "جعفر بن حيان السعدي العطاردي" ، ثقة ، روي له الستة ، مضى برقم: 11408.

وسيأتي تخريج الأثر في التعليق على رقم: 12850.

(6) في المطبوعة: "ذكر ابن مسعود" ، بإسقاط"عند" ، والصواب من المخطوطة.

(7) في الأثر: 12848 - 12850 - خبر الحسن ، عن ابن مسعود ، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 19 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح ، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود".

(8) "الغيب" (بفتح الغين والياء) جمع"غائب" ، مثل"خادم" و"خدم".

(9) الأثر: 12851 -"الحسن بن عرفة العبدي البغدادي" ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 9373.

و"شبابة بن سوار الفزازي" ، مضى برقم: 37 ، 6701 ، 10051.

و"الربيع بن صبيح السعدي" ، مضى برقم: 6403 ، 6404 ، 10533.

و"سفيان بن عقال" ، مترجم في الكبير2/2/94 ، وابن أبي حاتم 2/1/219 ، وكلاهما قال: "روي عن ابن عمر ، روى عنه الربيع" ، ولم يزيدا.

وخرجه في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته لابن مردويه.

(10) الأثر: 12852 ، 12853 -"أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه.

روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه.

هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 .

ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم.

وسيأتي في الإسناد رقم: 12856"عن قتادة ، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن" ، ولا شك.

ثم يأتي في رقم: 12857"عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم.

فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.

(11) الأثر: 12852 ، 12853 -"أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه.

روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه.

هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 .

ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم.

وسيأتي في الإسناد رقم: 12856"عن قتادة ، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن" ، ولا شك.

ثم يأتي في رقم: 12857"عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم.

فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.

(12) في المطبوعة: "قد قرأوا" بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(13) في ابن كثير 3: 259 ، رواه عن هذا الموضع من التفسير ، وزاد فيه هنا: ".

.

.

أن يأتي دناءة ، إلا الخير" ، وليست في مخطوطتنا.

(14) في المطبوعة: "وأي دناءة تزيد" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(15) في المطبوعة ، وابن كثير: "فتقتلهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قديم.

(16) الأثر: 12854 -"سوار بن شبيب السعدي الأعرجي" ، و"بنو الأعرج" ، حي من بني سعد.

و"الأعرج" هو"الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم" ، قطعت رجله يوم"تياس" ، فسمي"الأعرج".

وهو ثقة ، كوفي ، روى عن ابن عمر ، روى عنه عوف ، وعكرمة بن عمار.

مترجم في الكبير 2/2/168 ، وابن أبي حاتم 2/1/270.

وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 259 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 341 ، واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه.

(17) قوله: "إنها اليوم مقبولة" ، يعني: كلمة الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(18) الأثر: 12855 - انظر التعليق على الآثار: 12848 - 12850.

وكان في المطبوعة هنا: " .

.

.

من ضل إذا اهتديتم" ، بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.

(19) قوله: "يسندون إليه" أي: ينتهون إلى عمله ومعرفته وفقهه ، ويلجئون إليه في فهم ما يشكل عليهم.

ويقال: "أسندت إليه أمري" ، أي: وكلته إليه ، واعتمدت عليه.

وقال الفرزدق: إلَـى الأَبْـرَشِ الكَـلْبِيّ أَسْـنَدْتُ حَاجَةً تَوَاكَلَهــا حَيًّــا تَمِيــمٍ ووَائِــلِ وهذا كله مما ينبغي تقييده في كتب اللغة ، فهو فيها غير بين.

(20) في المطبوعة: "بني الجدان" بالجيم ، وهو خطأ.

(21) في المطبوعة: "فيها أصحاب رسول الله: ، وفي المخطوطة: "فيها من أصحاب رسول الله" ، فضرب بالقلم على"فيها" فأثبتها على الصواب.

(22) الأثران: 12856 ، 12857 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: 12852 ، 12853.

(23) في المطبوعة: "تنزع بآية من القرآن" ، غير ما في المخطوطة ، وما غيره صواب.

ولكن يقال: "انتزع معنى جيدًا ، ونزعه" ، أي: استخرجه واستنبطه ويقال: "انتزع بالآية والشعر" ، أي: تمثل به.

(24) الأثر: 12858 -"ابن فضالة" هو: "مبارك بن فضالة بن أبي أمية" ، أبو فضالة البصري.

وفي تفسير ابن كثير: "حدثنا أبو فضالة" ، ومضى برقم: 154 ، 597 ، 611 ، 1901.

و"معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي" ، أحد الأعلام ، مضى مرارًا منها: 186 ، 187 ، 2072 ، 8472 ، 11255 ، ولم تذكر لمعاوية بن صالح ، رواية عن جبير بن نفير ، بل روى عنه ابنه عبد الرحمن بن جبير.

و"جبير بن نفير" إسلامي جاهلي ، مضى برقم: 6656 ، 7009.

وهذا الخبر منقطع الإسناد ، ونقله ابن كثير في تفسيره 3: 260 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(25) "مه" ، هكذا في المطبوعة ، وابن كثير ، والدر المنثور و"مه" كلمة زجر بمعنى: كف عن هذا.

وفي المخطوطة مكانها: "مهل" ، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ ، ولو كتب"مهلا" ، لكان صوابًا ، يقال: "مهلا يا فلان" أي: رفقًا وسكونًا ، لا تعجل.

(26) في المطبوعة: "لم يجئ" ، ومثلها في ابن كثير والدر المنثور ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) في المطبوعة: "آي قد وقع" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.

(28) في المطبوعة: "على ما ذكر من أمر الساعة" ، بزيادة"أمر" ، وفي المخطوطة أسقط الناسخ"على" ، وإثباتها هو الصواب.

(29) في المطبوعة: "من أمر الحساب" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.

(30) الأثر: 12859 -"ليث بن هرون" ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.

و"إسحق الرازي" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، مضى برقم: 6456 ، 102338 ، 11240.

وانظر الإسناد الآتي رقم: 12866.

وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 258 ، 259 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339 ، 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، ونعيم بن حماد في الفتن ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.

وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.

(31) الأثر: 12860 - انظر الأثر السالف.

(32) الأثر: 12861 - هذا إسناد ناقص لا شك في ذلك.

"أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي" ، أبو الأشعث.

روى عنه البخاري والترمذي والنسائي ، وغيرهم.

صالح الحديث.

ولد في نحو سنة 156 ، وتوفي سنة 253.

و"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي" ، مضى برقم: 8513.

ومات سنة 201 ، ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه.

فإن"الحسن البصري" مات في نحو سنة 110 فالإسناد مختل ، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطًا ، دلالة على نقص الإسناد.

(33) في المطبوعة: "أرى من بعدكم" ، والصواب من المخطوطة.

وفي المخطوطة: "المتمسك" بغير لام الجر ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.

(34) الأثر: 12862 - سيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.

"إسمعيل بن إسرائيل اللآل الرملي" ، مضى برقم: 10236 ، 12213 ، وذكرنا هناك أنه في ابن أبي حاتم"السلال" ، ومضى هناك" 10236"الدلال" ، وجاء هنا"اللآل" ، صانع اللؤلؤ وبائعه ، ولا نجد ما يرجح واحدة من الثلاث.

و"أيوب بن سويد الرملي" ، ثقة متكلم فيه.

مضى برقم: 12213.

و"عتبة بن أبي حكيم الشعباني الهمداني ، ثم الأردني" ، ثقة ، ضعفه ابن معين.

مضى برقم: 12213.

و"عمرو بن جارية اللخمي" ، ثقة ، مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة"عمرو بن خالد" وهو خطأ محض.

وفي المخطوطة كتب"خالد" ثم جعلها"جارية" ، وهو الصواب.

و"أبو أمية الثعباني" اسمه"يحمد" (بضم الياء وكسر الميم) وقيل: اسمه"عبد الله بن أخامر".

ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"أبو ثعلبة الخشني" اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا.

صحابي.

وسيأتي تخريجه في الذي يليه.

(35) "خويصة" تصغير"خاصة".

(36) الأثر: 12863 -"عتبة بن أبي حكيم" ، في المخطوطة: "عبدة بن أبي حكيم" ، وهو خطأ ظاهر.

وفي المخطوطة والمطبوعة ، أسقط: [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، فوضعتها بين قوسين.

وهذا هو نفسه إسناد الترمذي.

وهذا الخبر ، رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقاني ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عقبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه هنا.

ثم قال الترمذي: "قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة = قيل: يا رسول الله ، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟

قال: لا ، بل أجر خمسين رجلا منكم".

ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".

وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم: 4014 من طريق هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه.

ورواه أبو داود في سننه 4: 174 ، رقم: 4341 ، من طريق أبي الربيع سليمان بن داود العتكي ، عن ابن المبارك ، بمثله.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 258 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339 ، وزاد نسبته إلى البغوي في معجمه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب ، والحاكم في المستدرك وصححه.

(37) الأثر: 12866 -"ليث بن هرون" ، لم أجده ، وانظر الإسناد السالف رقم 12859.

و"إسحق" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، وانظر رقم: 12859.

وأما "صفوان بن الجون" ، فهو هكذا في المخطوطة أيضًا ، ولم أجد له ترجمة.

وفي الدر المنثور 2: 341 ، "عن صفوان بن محرز" ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.

و"صفوان بن محرز بن زياد المازني ، أو الباهلي".

روى عن ابن عمر ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري.

روى عنه جامع بن شداد ، وعاصم الأحول ، وقتادة.

كان من العباد ، اتخذ لنفسه سربًا يبكي فيه.

مات سنة 74 ، مترجم في التهذيب.

ومضى برقم: 6496.

(38) الأثر: 12867 -"عبد الكريم بن أبي عمير" ، مضى برقم: 7578 ، 11368 و"أبو المطوف المخزومي" ، لم أجد له ذكرًا.

(39) الأثر: 12868-"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي" ، ثقة ، مضى برقم: 7134.

وكان في المطبوعة: "مرة بن ربيعة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة.

وهذه الكلمة التي قالها الحسن ، لو خفيت على الناس قديمًا ، فإن مصداقها في زماننا هذا يراه المؤمن عيانًا في حيث يغدو ويروح.

(40) الأثر: 12871 - خبر قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر ، رواه أبو جعفر بأسانيد ، من رقم: 12871 - 12878 ، موقوفًا على أبي بكر ، إلا رقم: 12876 ، 12878 ، فرواهما متصلين مرفوعين ، وإلا رقم: 12874 ، فهو مرسل.

وأكثر طرق أبي جعفر طرق ضعاف.

ورواه من طريق"إسمعيل بن أبي خالد" ، عن قيس بن أبي حازم برقم: 12871 ، 12873.

فمن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده رقم: 1 ، 16 ، 29 ، 30 ، 53 ، متصلا مرفوعًا.

وقال ابن كثير في تفسيره 3: 258: "وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة ، وابن حبان في صحيحه ، وغيرهم ، من طرق كثيرة ، عن جماعة كثيرة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، به متصلا مرفوعًا.

ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق.

وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره".

و"إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي" ، ثقة.

مضى برقم: 5694 ، 5777.

و"قيس بن أبي حازم الأحمسي" ، ثقة ، روى له الستة ، روى عن جماعة من الصحابة ، وهو متقن الرواية.

مترجم في التهذيب.

وهذا إسناد صحيح.

(41) الأثر: 12872 -"ابن فضيل" هو: "محمد بن فضيل بن غزوان الضبي" ، مضى مرارًا كثيرة.

و"بيان" هو: "بيان بن بشر الأحمسي" ، ثقة ، مضى برقم 6501.

وقد مضى تخريج الخبر في الذي قبله ، وسيأتي من هذه الطريق أيضًا برقم: 12875.

وهو إسناد صحيح.

(42) الأثر: 12876 -"الحارث" هو: "الحارث بن محمد بن أبي أسامة" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 10553 ، وترجمته في رقم: 10295.

و"عبد العزيز" ، هو: "عبد العزيز بن أبان الأموي" ، مضت ترجمته برقم: 10295 ، قال ابن معين: "كذاب خبيث ، يضع الأحاديث".

و"عيسى بن المسيب البجلي" ، قاضي الكوفة.

وكان شابًا ولاه خالد بن عبد الله القسري.

ضعيف متكلم فيه ، حتى قال ابن حبان: "كان قاضي خراسان ، يقلب الأخبار ، ولا يفهم ، ويخطئ ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به".

مترجم في ابن أبي حاتم 3/1/288 ، وميزان الاعتدال 2: 317 ، وتعجيل المنفعة: 328 ، ولسان الميزان 4: 405.

فهذا إسناد هالك ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.

(43) الأثر: 12877 -"أسد بن موسى المرداني" ، "أسد السنة" ، مضى برقم: 23 ، 2530.

و"سعيد بن سالم القداح" ، متكلم فيه ، وثقه ابن معين ، غير أن ابن حبان قال: "يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به".

مترجم في التهذيب.

و"منصور بن دينار التميمي الضبي" ، ضعفوه.

مترجم في الكبير 4/ 1/ 347 ، وابن أبي حاتم 4/1/171 ، وميزان الاعتدال 3: 201 ، وتعجيل المنفعة: 412 ، ولسان الميزان 6 : 95.

و"عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد" ، ثقة ، من صغار التابعين مضى برقم: 503 ، 504 فهذا خبر ضعيف الإسناد ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.

(44) الأثر: 12878 -"محمد بن بشار" ، هو"بندار" ، مضى مئات من المرات.

وكان في المطبوعة هنا"محمد بن سيار" ، أساء قراءة المخطوطة.

"وإسحق بن إدريس الأسواري البصري" ، منكر الحديث ، تركه الناس ، قال ابن معين: "كذاب ، يضع الحديث".

وقال ابن حبان: "كان يسرق الحديث".

مترجم في الكبير 1/1/382 ، وابن أبي حاتم 1/1/213 ، وميزان الاعتدال 1: 86 ، ولسان الميزان 1: 352.

و"سعيد بن زيد بن درهم الجهضمي" ، ثقة ، متكلم فيه ، حتى ضعفوا حديثه.

مضى برقم: 11801.

و"مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني" ، قال أحمد: "يرفع حديثًا لا يرفعه الناس" ، وهو ثقة ، متكلم فيه.

ومضى برقم: 1614 ، 2987 ، 2988 ، 11156.

وهذا أيضًا إسناد ضعيف.

(45) في المطبوعة: "إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله" ، وهو لا معنى له ، أساء قراءة ما في المخطوطة ، لسوء كتابتها.

(46) انظر تفسير"المرجع" فيما سلف 6: 464/10: 391 ، تعليق: 2.

(47) انظر تفسير"أنبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِفي هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه , وتقويم أيضا على الجادة في الحكم , وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق !

وكانوا ثلاثة إخوة : بشر وبشير ومبشر , وأسير بن عروة ابن عم لهم ; نقبوا مشربة لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما , فعثر على ذلك .وقيل إن السارق بشير وحده , وكان يكنى أبا طعمة أخذ درعا ; قيل : كان الدرع في جراب فيه دقيق , فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره , فجاء ابن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله , إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بينة ; وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة ; فأنزل الله تعالى : " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم " [ النساء : 107 ] الآية .وأنزل الله تعالى : " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا " [ النساء : 112 ] وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل .وقيل : زيد بن السمين وقيل : رجل من الأنصار .فلما أنزل الله ما أنزل , هرب ابن أبيرق السارق إلى مكة , ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد ; فقال فيها حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها , وهو : وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتمو وفينا نبي عنده الوحي واضعه فلما بلغها قالت : إنما أهديت لي شعر حسان ; وأخذت رحله فطرحته خارج المنزل , فهرب إلى خيبر وارتد .ثم إنه نقب بيتا ذات ليلة ليسرق فسقط الحائط عليه فمات مرتدا .ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال : حديث حسن غريب , لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني .وذكره الليث والطبري بألفاظ مختلفة .وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره , والقشيري كذلك وزاد ذكر الردة .ثم قيل : كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل يهوديين .وقيل : كان لبيد مسلما .وذكره المهدوي , وأدخله أبو عمر في كتاب الصحابة له , فدل ذلك على إسلامه عنده .وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعر غيره , وكان المسلمون يقولون : والله ما هو إلا شعر الخبيث .فقال شعرا يتنصل فيه ; فمنه قوله : أوكلما قال الرجال قصيدة نحلت وقالوا ابن الأبيرق قالها وقال الضحاك : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعا , فجاءت اليهود شاكين في السلاح فأخذوه وهربوا به ; فنزل " ها أنتم هؤلاء " [ النساء : 109 ] يعني اليهود .والله أعلم .بِمَا أَرَاكَ اللَّهُمعناه على قوانين الشرع ; إما بوحي ونص , أو بنظر جار على سنن الوحي .وهذا أصل في القياس , وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب ; لأن الله تعالى أراه ذلك , وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة ; فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه , ولم يرد رؤية العين هنا ; لأن الحكم لا يرى بالعين .وفي الكلام إضمار , أي بما أراكه الله , وفيه إضمار آخر , وامض الأحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستدلالهم .وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًااسم فاعل ; كقولك : جالسته فأنا جليسه , ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول ; يدل على ذلك " ولا تجادل " فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء .وقيل : خصيما مخاصما اسم فاعل أيضا .فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة .وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز .فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق .ومشى الكلام في السورة على حفظ أموال اليتامى والناس ; فبين أن مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم , إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى .قال العلماء : ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم ; فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى : " ولا تكن للخائنين خصيما " وقوله : " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم " [ النساء : 107 ] .والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين : أحدهما : أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله : " ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا " [ النساء : 109 ] .والآخر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم , ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره , فدل على أن القصد لغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم إذا صلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين القويم، وإنما يضر نفسه.

ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنه لا يتم هداه, إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نعم، إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره.

وقوله: { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } أي: مآلكم يوم القيامة، واجتماعكم بين يدي الله تعالى.

{ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية : ( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه " .

وفي رواية " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله سبحانه وتعالى عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب ، ثم ليدعون الله عز وجل خياركم فلا يستجاب [ لكم ] " .

قال أبو عبيد : خاف الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف [ والنهي عن المنكر ] فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر ، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به ، وقد صولحوا عليه ، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه .

وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الآية في اليهود والنصارى ، يعني : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم .

وعن ابن مسعود قال في هذه الآية : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم ، ثم قال : إن القرآن قد نزل منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ، ما ذكر من الحساب والجنة والنار ، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا ، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا ، وذاق بعضكم بأس بعض ، فامرؤ ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا أبو جعفر أحمد بن محمد العنزي أخبرنا عيسى بن نصر أنا عبد الله بن المبارك أنا عتبة بن أبي حكيم حدثني عمرو بن جارية اللخمي أنا أبو أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت : يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟

قال : أية آية؟

قلت : قول الله عز وجل ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك نفسك ودع أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ، فمن صبر فيهن قبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله " قال ابن المبارك : وزادني غيره قالوا : يا رسول الله أجر خمسين منهم؟

قال : " أجر خمسين منكم " .

وقيل : نزلت في أهل الأهواء ، قال أبو جعفر الرازي : دخل على صفوان بن محرز شاب من أهل الأهواء فذكر شيئا من أمره ، فقال صفوان ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه ( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قوله عز وجل : ( إلى الله مرجعكم جميعا ) الضال والمهتدي ، ( فينبئكم بما كنتم تعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) أي احفظوها وقوموا بصلاحها (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "" إئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك "" رواه الحاكم وغيره (إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون) فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ألزموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا يضركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزمتم طريق الاستقامة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من التكاليف والأحكام واحلال والحرام ، وذم المقلدين لآبائهم تقليداً أعمى .

وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، أمرهم فيه بأن يلزموا أنفسهم طاعة الله ، وأنهم ليس عليهم شيء من آثام غيرهم ما داموا قد نصحوهم وأرشدوهم إلى الخير فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ .

.

.

)قوله ( عَلَيْكُمْ ) اسم فعل أمر بمعنى : الزموا وقوله : ( أَنْفُسَكُمْ ) منصوب على الإِغراء بقوله : ( عَلَيْكُمْ ) - والصحيح أنه في موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة أنه في موضع جر كما ان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء .والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، الزموا العمل بطاعة الله ، بأن تؤدوا ما أمركم به ، وتنتهوا عما نهاكم عنه ، وأنتم بعد ذلك " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " أي : لا يضركم ضلال من ضل وغوى ، ما دمتم أنتم قد أديتم حق أنفسكم عليكم بصيانتها عما يغضب الله وأديتم حق غيركم عليكم بإرشاده ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر .

فإن أبي هذا الغير الاستجابة لكم بعد النصح والإِرشاد والأخذ على يده من الوقوع في الظلم فلا ضير عليكم في تمادية في غيه وضلاله ، فإن مصيركم ومرجعكم جميعاً إلى الله - تعالى - وحده ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) يوم القيامة ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) في الدنيا من خير أو شر ، ويجازي أهل الخير بما يستحقون من ثواب ، ويجازي أهل الشر بما يستحقون من عقاب .هذا ، وقد يقول قائل : إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعض الناس ، أنه لا يضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما داموا قد أصلحوا أنفسهم ، لأنها تقول : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ) فهل هذا الفهم مقبول؟والجواب على ذلك ، أن هذا الفهم ليس مقبولا ، لأن الآية الكريمة مسوقة لتسلية المؤمنين ، ولإِدخال الطمأنينة ، على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا صاغية لدعوتهم .فكأنها تقول لهم : إنكم - أيه المؤمنون - إذا قمتم بما يجب عليكم ، لا يضركم تقصير غيركم .

ولا شك أن مما يجب عليهم القيام به : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ودعا غيره إلى الخير والصلاح .أي أن الهداية التي ذكرها - سبحانه - في قولهم ( إِذَا اهتديتم ) لا تتم إلا بإصلاح النفس ودعوة الغير إلى الخير والبر .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعاني بقوله : كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة ، يتمنون دخولهم في الإِسلام ، فقيل لهم ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى ( لاَ يَضُرُّكُمْ ) الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين .

وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن من تركهما مع القدرة عليهما لا يكون مهتديا ، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه .ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمهما بعض الناس فهما غير سليم - حتى في الصدر الأول من الإِسلام .قال القرطبي : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس بن أبي حازم قال : خطبنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال : أيها الناس - إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها ( ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده " .وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبه الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية؟

فقال : أية آية؟

قلت : قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم ) قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا .

سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ائتمروا كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " .وفي رواية قيل يا رسول الله!

" أجر خمسين منا أو منهم؟

قال : " بل أجر خمسين منكم " " .وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : " كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم؛ فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فقلت أنا : أليس الله يقول : ( ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم ) فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا : تنزع آية من القرآن لا تعرفها .

ولا تدري ما تأويلها - حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت - ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن وإنك نزعت آية لا تدري ما هي ، وعسى أن تدرك ذلك الزمان ، إذا رأيت شحا مطاعاً ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت " .والخلاصة أن الآية الكريمة لا ترخص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنها - كما قال الحاكم - لو استدل بها على وجوبهما لكان أولى ، لأن قوله ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم ) معناه : الزموا أن تصلحوا أنفسكم باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة روله والعقليات المؤيدة بها ، ودعوة الإِخوان إلى ذلك ، بإقامة الحجج ودفع الشبه ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولا تقصروا في ذلك .ونقل الفخر الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال : هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه - سبحانه - قال ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم ) يعني عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار .

وهذا كقوله فاقتلوا أنفسكم ، يعني أهل دينكم فقوله ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم ) يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً .

ويرغب بعضكم بعضاً في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات .ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن الأحكام الشرعية ببيان بعض أحكام المعاملات في المجتمع الإِسلامي فتحدثت عن التشريع الخاص بالإِشهاد على الوصية في حالة السفر ، وعن الضمانات التي شرعتها لكي يصل إلى أهله كاملا غير منقوص فقال - تعالى - :( يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال: ﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا  ﴾ فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم، فلهذا قال: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ عَلَيْكم أَنفُسَكُمْ ﴾ أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال.

تقول العرب: عليك وعندك ودونك، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل، وينصبون بها، فيقال: عليك زيداً كأنه قال: خذ زيداً فقد علاك، أي أشرف عليك، وعندك زيداً، أي حضرك فخذه ودونك، أي قرب منك فخذه، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب الكشاف ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالرفع عن نافع.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوها: أحدها: ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى.

وثانيها: أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم.

فقيل لهم: عليكم أنفسكم، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين.

وثالثها: أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم: ﴿ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا  ﴾ ذكر تعالى هذه الآية، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه.

المسألة الرابعة: فإن قيل: ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب.

قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: وهو الذي عليه أكثر الناس، إن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل، خطب الصديق رضي الله عنه فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب.

والوجه الثاني في تأول الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يكون هذا في آخر الزمان: قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً ووكل كل امرئ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية، وهذا القول عندي ضعيف، لأن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ خطاب عام، وهو أيضاً خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب.

والوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار، وهذا كقوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ يعني أهل دينكم فقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغب بعضكم بعضاً في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمراً بأن نحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجباً.

والوجه الرابع: أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ، ولا يتركون الكفر، بسبب الأمر بالمعروف، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين.

الوجه الخامس: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل، وكان ابن شبرمة يقول: من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

الوجه السادس: لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك.

الوجه السابع: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم.

والوجه الثامن: أنه تعالى قال لرسوله ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ  ﴾ وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا هاهنا.

المسألة الخامسة: قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوماً على جواب قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقريء بضم الراء، وفيه وجهان: أحدهما: على وجه الخبر أي ليس يضركم من ضل، والثاني: أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد.

ثم قال تعالى: ﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يعني يجازيكم بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات ﴾ [فاطر: 8] وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم.

فهو مخاطب به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه، وعن ابن مسعود: أنها قرئت عنده فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة.

ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذٍ عليكم أنفسكم، فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره.

وعنه: ليس هذا زمان تأويلها.

قيل: فمتى؟

قال: إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن.

وعن أبي ثعلبة الخشني: أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً.

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك ودع أمر العوام.

وإنّ من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ كقبض على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، ولاموه.

فنزلت ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ عليكم: من أسماء الفعل، بمعنى: الزموا إصلاح أنفسكم، ولذلك جزم جوابه.

وعن نافع: عليكم أنفسكم، بالرفع.

وقرئ ﴿ لا يضركم ﴾ وفيه وجهان أن يكون خبراً مرفوعاً وتنصره قراءة أبي حيوة، ﴿ لا يضيركم ﴾ ؛ وأن يكون جواباً للأمر مجزوماً، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة.

والأصل: لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهياً، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيِ احْفَظُوها والزَمُوا إصْلاحَها، والجارُّ مَعَ المَجْرُورِ جُعِلَ اسْمًا لِالزَمُوا ولِذَلِكَ نَصَبَ أنْفُسَكم.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ لا يَضُرُّكُمُ الضَّلالُ إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ، ومِنِ الِاهْتِداءِ أنْ يُنْكِرَ المُنْكَرَ حَسَبَ طاقَتِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا واسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» .

والآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ ويَتَمَنَّوْنَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالُوا لَهُ سَفَّهْتَ آباءَكَ فَنَزَلَتْ.

ولا يَضُرُّكم يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ ويُؤَيِّدُهُ أنْ قُرِئَ «لا يَضِيرُكُمْ» والجَزْمُ عَلى الجَوابِ أوِ النَّهْيِ لَكِنَّهُ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ وتَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ لا يَضُرَّكم بِالفَتْحِ، ولا يُضِرُّكم بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها مِن ضارَّهْ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ.

﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} انتصب أنفسكم بعليكم وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم والكاف والميم في عليكم في موضع

المائدة (١٠٥ _ ١٠٦)

جر لأن اسم الفاعل هو الجار والمجرور لا على وحدها {لاَ يضركم} رفع على الاستئناف أو حزم على جواب الأمر وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد {مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم} كان المؤمنون تذهب أنفسهم

حسرة على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها لا يضركم الضلال من دينكم إذا كنتم مهتدين وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز {إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} رجوعكم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ثم يجزيكم على أعمالكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيِ الزَمُوا أنْفُسَكم واحْفَظُوها مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، فَـ (عَلَيْكُمُ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ نُقِلَ إلى ذَلِكَ مَجْمُوعُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا الجارُّ وحْدَهُ كَما قِيلَ.

وهو مُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ بِهِ بَعْدَهُ وقَدْ يَكُونُ لازِمًا والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالتَّمَسُّكِ كَما في قَوْلِهِ  : «عَلَيْكَ بِذاتِ الدِّينِ» وذَكَرَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الكافَ والمِيمَ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ هو المَجْمُوعُ وعَلى وحْدَها لَمْ تُسْتَعْمَلِ اسْمًا لِلْفِعْلِ بِخِلافِ رُوَيْدَكم فَإنَّ الكافَ والمِيمَ هُناكَ لِلْخِطابِ فَقَطْ ولا مَوْضِعَ لَها لِأنَّ رُوَيْدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْمًا لِأمْرِ المُواجِهِ مِن غَيْرِ كافِ الخِطابِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وهو الصَّحِيحُ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ اسْتِعْمالَ عَلى مَعَ الضَّمِيرِ اسْمُ فِعْلٍ خاصٍّ فِيما إذا كانَ الضَّمِيرُ لِلْخِطابِ فَلَوْ قُلْتَ عَلَيْهِ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ وفِيهِ خِلافٌ وقَرَأ نافِعٌ في الشَّواذِّ (أنْفُسُكُمْ) بِالرَّفْعِ والكَلامُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ لازِمَةٌ عَلَيْكم أنْفُسُكم أوْ حِفْظُ أنْفُسِكم لازَمٌ عَلَيْكم بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في المُبْتَدَإ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ (لا يُضِيرُكُمْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا جَوابًا لِلْأمْرِ، والمَعْنى إنْ لَزِمْتُمْ أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم.

وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ والأصْلُ لا يَضْرُرُكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا مُؤَكِّدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ والكَلامُ عَلى حَدِّ ”لا أُرِيَنَّكَ هَهُناهُ“ ويَنْصُرُ احْتِمالَ الجَزْمِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (يَضُرَّكُمْ) بِالفَتْحِ ولا يَضِرُّكم بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ كَذَمَّهُ وذامَهُ، وتُوُهِّمَ مِن ظاهِرِ الآيَةِ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّ الِاهْتِداءَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَلالٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: «صَعِدَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنبَرَ رَسُولِ اللَّهِ  فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم لَتَتْلُونَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعُدُّونَها رُخْصَةً واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ أشَدَّ مِنها ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ الآيَةَ، واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِعِقابٍ، وفي رِوايَةٍ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ ولَمْ يُغَيِّرُوهُ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ“» وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: «خَطَبَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ النّاسَ فَكانَ في خُطْبَتِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ”يا أيُّها النّاسُ لا تَتَّكِلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ إلَخْ إنَّ الدّاعِرَ لِيَكُونُ في الحَيِّ فَلا يَمْنَعُونَهُ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ“».

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الِاهْتِداءَ هُنا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والثّانِي أنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ولا يُقْبَلُ مِنهُ عِنْدَ غَلَبَةِ الفِسْقِ وبَعْدَ عَهْدِ الوَحْيِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ الحَسَنِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنَّهُ لَيْسَ بِزَمانِها ولَكِنَّهُ قَدْ أوْشَكَ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ فَيُصْنَعُ بِكم كَذا وكَذا أوْ قالَ: فَلا يُقْبَلُ مِنكم فَحِينَئِذٍ عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ جَلَسْتَ في هَذِهِ الأيّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ ولَمْ تَنْهَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: عَلَيْكم أنْفُسَكم فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ لِي ولا لِأصْحابِي لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ”ألا فَلْيُبْلِغِ الشّاهِدُ الغائِبَ فَكُنّا نَحْنُ الشُّهُودُ وأنْتُمُ الغَيْبُ ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ“،» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "يا مُعاذُ مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ فَإذا رَأيْتُمْ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ امْرِئٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم ضَلالَةُ غَيْرِكم فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ صَبْرٍ المُتَمَسِّكُ فِيها بِدِينِهِ مِثْلُ القابِضِ عَلى الجَمْرِ فَلِلْعامِلِ مِنهم يَوْمَئِذٍ مِثْلُ عَمَلِ أحَدِكُمُ اليَوْمَ كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكم قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَمْسِينَ مِنهم قالَ: بَلْ خَمْسِينَ مِنكم أنْتُمْ» والثّالِثُ أنَّها لِلْمَنعِ عَنْ هَلاكِ النَّفْسِ حَسْرَةً وأسَفًا عَلى ما فِيهِ الكَفَرَةُ والفَسَقَةُ مِنَ الضَّلالِ فَقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ ويَتَمَنَّوْنَ إيمانَهم فَنَزَلَتْ والرّابِعُ أنَّها لِلرُّخْصَةِ في تَرْكِ الأمْرِ والنَّهْيِ إذا كانَ فِيهِما مَفْسَدَةٌ والخامِسُ أنَّها لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِنِسْبَةِ الآباءِ إلى السَّفَهِ فَقَدْ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالُوا لَهُ سَفَّهْتَ أباكَ فَنَزَلَتْ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا الزَمُوا أهْلَ دِينِكم واحْفَظُوهم وانْصُرُوهم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ أهْلِ الدِّينِ بِالأنْفُسِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ) ونَحْوُهُ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِالِاهْتِداءِ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ 501 - في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الهِدايَةِ والضَّلالِ فالكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ وفِيهِ كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنْ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وكَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُثابُ بِذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بيّن رسوله.

ويقال: تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله قالُوا حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين والسنة.

قال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ يعني: أيتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالاً، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ معناه: الزموا أنفسكم كما تقول: عليك زيداً، معناه: الزم زيداً.

معناه: الزموا أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم.

لاَ يَضُرُّكُمْ وأصل اللغة: لا يضرركم.

فأدغم أحد الراءين في الثاني، وضمت الثانية لالتقاء الساكنين.

وهذا جواب الشرط وموضعه الجزم.

وروي عن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا رأيتم شُحًّا مطاعاً، وهوًى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكم بخويصة أنفسكم.

وروى عمر بن جارية اللخمي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله  فقال: «يَا أبَا ثَعْلَبَةَ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.

فَإِذَا رَأَيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً، وَشُحّاً مُطاعاً، وَإعْجَابَ كل ذي رأي برأيه، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ.

فَإنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ المُتَمِسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلاً» .

قالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملاً منهم قال: «لا بَلْ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلاً مِنْكُمْ» .

وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيُّها النَّاسُ إنكم تتلون هذه الآية على غير تأويلها.

إنه كان رجال طعموا بالإسلام، وذاقوا حلاوته، وكانت لهم قرابة من المشركين.

فأرادوا أن يذيقوهم حلاوة الإسلام، وأن يدخلوهم في الإسلام.

فنزل عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.

والذي نفس أبي بكر بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعقاب من عنده.

وروي عن أبي العالية أنه قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود، فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف؟

فقال بعضهم: عليك نفسك إن الله تعالى يقول: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ يقول: لا يضركم ضلالة من ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال ابن مسعود: مه لم يجىء تأويل هذه الآية، بعد.

فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإذا اختلفت القلوب والأهواء فعند ذلك جاء تأويلها.

وقوله تعالى: لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ يقول: لا يضركم ضلالة من ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إذا ثبتم على الحق إِلَى اللَّهِ تعالى مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

وقال في رواية الكلبي نزلت في «منذر بن عمرو» بعثه رسول الله  إلى أهل هجر ليدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام، فوضع عليهم الجزية فقال: لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من أهل هجر، وأقر بالجزية إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إلى الله يعني آمنتم بالله.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ضِرَابه، وَدَعُوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني: لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء:

تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني: القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ، قالُوا حَسْبُنا، معناه: كفانا.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ...

الآية: قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ: سَأَلتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ: «ائتمروا بِالمَعْرُوفِ وانهوا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعاً، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، / وذَرْ عَوَامَّهُمْ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّاماً أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» «١» ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ صادرٌ عن النبيِّ- عليه السلام-، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، ف عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده.

وقوله سبحانه: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين أنه قال: ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول: ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ، فأقول له: آكُلُ المَوْتَ، وألبس الكفن، وأسكن القبر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  كَتَبَ إلى هَجَرٍ، وعَلَيْهِمُ المُنْذِرُ بْنُ ساوِي يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَلَمّا أتاهُ الكِتابُ، عَرَضَهُ عَلى مَن عِنْدَهُ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، فَأقَرُّوا بِالجِزْيَةِ، وكَرِهُوا الإسْلامَ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  : "أمّا العَرَبُ فَلا تَقْبَلْ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فاقْبَلْ مِنهُمُ الجِزْيَةَ" فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ  أسْلَمَتِ العَرَبُ، وأعْطى أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ الجِزْيَةَ، فَقالَ مُنافِقُو مَكَّةَ: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، وقَدْ قَبِلَ مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، وأهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَلّا أكْرَهَهم عَلى الإسْلامِ، وقَدْ رَدَّها عَلى إخْوانِنا مِنَ العَرَبِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  لا يَقْبَلُ الجِزْيَةَ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ فَلَمّا أسْلَمَتِ العَرَبُ طَوْعًا وكُرْهًا، قَبِلَها مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، فَطَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ، قالُوا لَهُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلَتْهم، وكانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَنْصُرَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما ألْزَمَكُمُ اللَّهُ أمْرَ أنْفُسِكم، ولا يُؤاخِذُكم بِذُنُوبِ غَيْرِكم، وهَذِهِ الآيَةُ لا تُوجِبُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا تَرَكَهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لَهُ، فَهو ضالٌّ، ولَيْسَ بِمُهْتَدٍ.

وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: لَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَأْوِيلُها في آخِرِ الزَّمانِ: قُولُوا ما قُبِلَ مِنكم، فَإذا غُلِبْتُمْ، فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إذا اهْتَدَيْتُمْ أنْتُمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الجَزاءِ.

* فَصْلٌ فَعَلى ما ذَكَرْنا عَنِ الزَّجّاجِ في مَعْنى الآيَةِ هي مُحْكَمَةٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ آيَةُ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ آخِرَها نَسَخَ أوَّلَها.

رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ جَمَعَتِ النّاسِخَ والمَنسُوخَ غَيْرُ هَذِهِ، ومَوْضِعُ المَنسُوخِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ ﴾ والنّاسِخُ: قَوْلُهُ: إذا اهْتَدَيْتُمْ.

والهُدى هاهُنا: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟

أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.

ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟

ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".» والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.

والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.

وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.

وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟

وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و ﴿ "تَعالَوْا"؛ ﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و ﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و ﴿ "حَسْبُنا"؛ ﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛ ﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿ عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟

وما تَلْبَسُ؟

وأيْنَ تَسْكُنُ؟

فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل جرى على مناسبة في الانتقال فإنّه لما ذكر مكابرة المشركين وإعراضهم عن دعوة الخير عقّبه بتعليم المسلمين حدود انتهاء المناظرة والمجادلة إذا ظهرت المكابرة، وعذر المسلمين بكفاية قيامهم بما افترض الله عليهم من الدعوة إلى الخير، فأعلمهم هنا أن ليس تحصيل أثر الدعاء على الخير بمسؤولين عنه، بل على الداعي بذل جهده وما عليه إذا لم يصغ المدعوّ إلى الدعوة، كما قال تعالى: ﴿ إنّك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ [القصص: 56].

و ﴿ عليكم ﴾ اسم فعل بمعنى الزَموا، وذلك أنّ أصله أن يقال: عليك أن تفعل كذا، فتكون جملة من خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر، وتكون (على) دالّة على استعلاء مجازي، كأنّهم جعلوا فعل كذا معتلياً على المخاطب ومتمكّناً منه تأكيداً لمعنى الوجوب فلمّا كثر في كلامهم قالوا: عليك كذا، فركّبوا الجملة من مجرور خبر واسم ذات مبتدأ بتقدير: عليك فعل كذا، لأنّ تلك الذات لا توصف بالعلوّ على المخاطب، أي التمكّن، فالكلام على تقدير.

وذلك كتعلّق التحريم والتحليل بالذوات في قوله: ﴿ حرّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3]، وقوله ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ [المائدة: 1]، ومن ذلك ما روي ﴿ عليكم الدعاء وعليّ الإجابة ﴾ ومنه قولهم: عليّ أليّة، وعليّ نذر.

ثم كثر الاستعمال فعاملوا (على) معاملة فعل الأمر فجعلوها بمعنى أمر المخاطب بالملازمة ونصبوا الاسم بعدها على المفعولية.

وشاع ذلك في كلامهم فسمّاها النحاة اسم فعل لأنّها جعلت كالاسم لمعنى أمر مخصوص، فكأنّك عمدت إلى فعل (الزم) فسميّته (عَلَى) وأبرزت مَا مَعه من ضمير فألصقته ب (عَلى) في صورة الضمير الذي اعتيد أن يتّصل بها، وهو ضمير الجرّ فيقال: عليك وعليكما وعليكم.

ولذلك لا يسند إلى ضمائر الغيبة لأنّ الغائب لا يؤمر بصيغة الأمر بل يؤمر بواسطة لام الأمر.

فقوله تعالى: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ هو بنصب ﴿ أنفسكم ﴾ أي الزموا أنفسكم، أي احرصوا على أنفسكم.

والمقام يبيّن المحروص عليه، وهو ملازمة الاهتداء بقرينة قوله: ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ، وهو يشعر بالإعراض عن الغير وقد بيّنه بقوله: ﴿ لاَ يضرّكم من ضلّ ﴾ .

فجملة ﴿ لا يضرّكم من ضلّ ﴾ تتنزّل من التي قبلها منزلة البيان فلذلك فصلت، لأنّ أمرهم بملازمة أنفسهم مقصود منه دفع ما اعتراهم من الغمّ والأسف على عدم قبول الضالّين للاهتداء، وخشية أن يكون ذلك لتقصير في دعوتهم، فقيل لهم: عليكم أنفسكم، أي اشتغلوا بإكمال اهتدائكم، ففعل ﴿ يضرّكم ﴾ مرفوع.

وقوله: ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ظرف يتضمّن معنى الشرط يتعلّق ب ﴿ يضرّكم ﴾ .

وقد شمل الاهتداء جميع ما أمرهم به الله تعالى.

ومن جملة ذلك دعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو قصروا في الدعوة إلى الخير والاحتجاج له وسكتوا عن المنكر لضرّهم من ضلّ لأنّ إثم ضلاله محمول عليهم.

فلا يتوهّم من هذه الآية أنّها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّ جميع ذلك واجب بأدلّة طفحت بها الشريعة.

فكان ذلك داخلاً في شرط ﴿ إذا اهتديتم ﴾ .

ولما في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ من الإشعار بالإعراض عن فريق آخر وهو المبيّين بِ ﴿ من ضلّ ﴾ ، ولما في قوله ﴿ إذا اهتديتم ﴾ من خفاء تفاريع أنواع الاهتداء؛ عرض لبعض الناس قديماً في هذه الآية فشكّوا في أن يكون مُفادها الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد حدث ذلك الظنّ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني أنّه قال: سألت عنها أبا ثعلبة الخشني، فقال لي: سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّاً مُطَاعَاً وهوى مُتَّبعاً وَدنْيَا مُؤثرَة وإعجابَ كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك ودَعَ العوّام " وَحَدَثَ في زَمَن أبي بكر: أخرَجَ أصحابُ «السنن» أنّ أبا بكر الصديق بلغه أنّ بعض الناس تأوّل الآية بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿ يأيّها الناس إنّكم تَقْرَأونَ هذه الآية يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم ﴾ وإنّكم تضعونها على غير موضعها وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه يوشك الله أن يعمّهم بعقابه، وإنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده.

وعن ابن مسعود أنّه قرئت عنده هذه الآية فقال: إنّ هذا ليس بزمانها إنّها اليوم مقبولة (أي النصيحة) ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يُقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم (يريد أن لا يجب عليهم قتال لتقبل نصيحتهم).

وعنه أيضاً: إذا اختلفت القلوب وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامرُؤ ونفسه.

وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إنّها (أي هذه الآية) ليست لي ولا لأصحابي لأنّ رسول الله قال: " ألا ليبلّغ الشاهد الغائب " فكنّا نحن الشهود وأنتم الغيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيؤون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم.

فماصْدقُ هذه الآية هو مَاصْدقُ قول النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر: " من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " فإنّ معنى الاستطاعة التمكّن من التغيير دون ضُرّ يلحقه أو يلحق عموم الناس كالفتنة.

فالآية تفيد الإعراض عن ذلك إذا تحقّق عدم الجدوى بعد الشروع في ذلك، ويلحق بذلك إذا ظهرت المكابرة وعدم الانتصاح كما دلّ عليه حديث أبي ثعلبة الخشني، وكذلك إذا خيف حصول الضرّ للداعي بدون جدوى، كما دلّ عليه كلام ابن مسعود المذكور آنفاً.

وقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ عذر للمهتدي ونذارة للضالّ.

وقدّم المجرور للاهتمام بمتعلّق هذا الرجوع وإلقاء المهابة في نفوس السامعين، وأكّد ضمير المخاطبين بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ للتنصيص على العموم وأن ليس الكلام على التغليب.

والمراد بالإنباء بما كانوا يعملون الكناية عن إظهار أثر ذلك من الثواب للمهتدي الداعي إلى الخير، والعذاب للضالّ المعرض عن الدعوة.

والمرجع مصدر ميمي لا محالة، بدليل تعديته ب ﴿ إلى ﴾ ، وهو ممّا جاء من المصادر الميمية بكسر العين على القليل، لأنّ المشهود في الميمي مِن يَفعِل بكسر العين أن يكون مفتوح العين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِالحُقُوقِ عِنْدَ الحُكّامِ.

والثّانِي: أنَّها شَهادَةُ الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ، ومَعْنى ذَلِكَ أيْمانٌ بَيْنَكم، فَعَبَّرَ عَنِ اليَمِينِ بِالشَّهادَةِ كَما قالَ في أيْمانِ المُتَلاعِنِينَ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِن حَيِّ المُوصِي، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةُ وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما شاهِدانِ يَشْهَدانِ عَلى وصِيَّةِ المُوصِي.

والثّانِي: أنَّهُما وصِيّانِ.

﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن غَيْرِ دِينِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم وعَشِيرَتِكم، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعُبَيْدَةُ.

وَفي ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ في قَبُولِ اثْنَيْنِ مِنّا أوْ آخَرِينَ مِن غَيْرِنا.

والثّانِي: أنَّها لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ، وإنَّ مَعْنى الكَلامِ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا، مِنكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي سافَرْتُمْ.

﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ يَعْنِي تَسْتَوْقِفُونَهُما لِلْأيْمانِ وهَذا خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ، وفي هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، قالَهُ شُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما ومِلَّتِهِما مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ مَعْناهُ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الوَصِيّانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما في الخِيانَةِ أحْلَفَهُما الوَرَثَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما الشّاهِدانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، ولَمْ تُعْرَفْ عَدالَتُهُما، ولا جَرْحُهُما، أحْلَفَهُما الحاكِمُ لِيَزُولَ عَنْهُ الِارْتِيابُ بِهِما، وهَذا إنَّما جَوَّزَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نَأْخُذُ عَلَيْهِ رِشْوَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا نَعْتاضُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ أيْ لا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ، والشَّهادَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَنا فِيما أوْجَبَهُ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ يَعْنِي فَإنْ ظَهَرَ عَلى أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَعَبَّرَ عَنِ الكَذِبِ بِالخِيانَةِ والإثْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُما.

وَفي الَّذِينَ: ﴿ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الشّاهِدانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما الوَصِيّانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ فَآخَرانِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الوَرَثَةِ.

﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ في اليَمِينِ، حِينَ ظَهَرَتِ الخِيانَةُ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مِنَ الوَرَثَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الأوْلَيانِ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ.

وَكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، وقالُوا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ » ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ هاتِينِ الآيَتَيْنِ هَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ ثابِتٌ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ حُكْمُهُما مَنسُوخٌ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَكُنِ الإسْلامُ إلّا بِالمَدِينَةِ فَجازَتْ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ وهو اليَوْمُ طِبْقَ الأرْضِ.

وَقالَ الحَسَنُ: حُكْمُهُما ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والعدني وابن منيع والحميدي في مسانيدهم، وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والكجي في سننه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني في الأفراد، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة، عن قيس قال: قام أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» .

وأخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جرير البجلي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز، ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب» .

وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟

قال: أية آية؟

قال: قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر.

حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى تبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الحمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم» .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي عامر الأشعري «أنه كان فيهم شيء، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه فقال: ما حبسك؟

قال: يا رسول الله، قرأت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم ﴾ قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين ذهبتم؟

إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن.

أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فقال: أيها الناس، إنه ليس بزمانها فإنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ عليكم أنفسكم...

﴾ الآية.

قال: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف، فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم.

وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي العالية قال: كانوا عند عبدالله بن مسعود، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبدالله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟

فقال آخر إلى جنبه: عليك نفسك، فإن الله تعالى يقول ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فسمعها ابن مسعود فقال: مه!

لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، فلم يذق بعضكم بأس بعض، فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر.

أنه قيل له: أجلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فقال: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي بن كعب، فقرأ ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فقال: إنما تأويلها في آخر الزمان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم جلوس، فقرأ أحدهم ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فقال: أكثرهم: لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم.

وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ فأقبلوا علي بلسان واحد، فقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟

حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت أية لا تدري ماهي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله عز وجل ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ قال: «يا معاذ، مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل امرئ برأيه، فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم، فهو من ورائكم أيام صبر، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم.

قلت: يا رسول الله، خمسين منهم؟

قال: بل خمسين منكم أنتم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قول الله عز وجل ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «لم يجئ تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام» .

وأخرج ابن مردويه عن محمد بن عبدالله التيمي عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على غير أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خطب أبو بكر الناس فكان في خطبته قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا تتكلموا على هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ إن الذاعر ليكون في الحي فلا يمنعوه، فيعمهم الله بعقاب» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن.

أنه تلا هذه الآية ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ فقال: يا لها من سعة ما أوسعها!، ويا لها ثقة ما أوثقها!.

وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الشحام أبي سلمة قال: حدثني شيخ من أهل البصرة وكان له فضل وسن قال: بلغني أن داود سأل ربه قال: يا رب، كيف لي أن أمشي لك في الأرض وأعمل لك فيها بنصح؟

قال «يا داود، تحب من أحبني من أحمر وأبيض، ولا يزال شفتاك رطبتين من ذكري، واجتنب فراش المغيب.

قال: أي رب، فكيف أن تحبني أهل الدنيا البر والفاجر؟

قال: يا داود، تصانع أهل الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتجتان إليك ذنبك بيني وبينك، فإنك إذا فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر.

أنه جاء رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قرأ القرآن، وكلهم مجتهد لا يألوهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال: لعلك ترى أني آمرك أن تذهب إليهم تقاتلهم، عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك نفسك، فإن الله تعالى يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾ حتى ختم الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن صفوان بن محرز.

أنه أتاه رجل من أصحاب الأهواء، فذكر له بعض أمره فقال له صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خص الله بها أولياءه ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به.

وأخرج ابن جرير من طريق قارب بينهما عن الضحاك عن ابن عباس قال: ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ ما لم يكن سيف أو سوط.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول.

أن رجلاً سأله عن قول الله: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ الآية.

فقال: إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ، فعليك نفسك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه، ويسلم الرجل ويكفر أخوه، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم، فقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.

فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في أهل الكتاب يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ﴾ من أهل الكتاب ﴿ إذا اهتديتم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله: ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ قال: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

وأخرج ابن جرير عن الحسن.

أنه تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾ فقال: الحمد لله بها والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله.

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

قال «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم» .

قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟

قال: «إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في كباركم، وتحوّل الملك في صغاركم والفقه» ، وفي لفظ: «والعلم في رذالكم» .

وأخرج البيهقي عن حذيفة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم.

والله تعالى أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية، قال النحويون: قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب.

قاله الفراء (١) (٢) ونحو ذلك قال الزجاج؛ لأنه قال: إذا قلت: عليك زيدًا، فتأويله الزم زيدًا، و ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ معناه: الزموا أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها (٣) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي (٤) (٥) (٦) فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها، وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، ولكن لا تعديه إلى مفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني (٧) قالوا: لا يجوز أن يأمر بهذه الظروف إلا المخاطب، لو قلت عليك زيدًا، لم يحسن، وإنما كان كذلك لأن المخاطب لا يحتاج في الأمر بالفعل إلى أكثر من حروف ذلك الفعل الذي يأمره به نحو: قم واذهب، وفي الأمر للغائب يحتاج إلى إدخال اللام نحو: ليقم فلان، فكرهوا أن يقيموا هذه الظروف مقام الفعل واللام، فتكون نائبة عن شيئين، وفي المخاطبة تكون نائبة عن شيء واحد وهو الفعل وحده، وقد حكى عن العرب سماعًا: عليه رجلاً، ليس إغراءً للغائب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وأجاز الكسائي وحده الإغراء بالظروف كلها.

قال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: بينكما البعيرَ فخذاه، فأجاز ذلك في كل الصفات، وسمع العرب تقول: كما أنت زيدًا، ومكانك زيدًا، قال الفراء: وسمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك (٨) (٩) وأما سبب نزول الآية: فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي  لما قبل من أهل الكتاب الجزية وأبى من العرب إلا الإسلام أو السيف، عيَّر المؤمنين منافقوا مكة قبول رسول الله  الجزية من بعض دون بعض، فنزلت هذه الآية (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ، قال الزجاج: الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، والمعنى: ليس يضركم من ضل، قال: ويجوز أن يكون موضع ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ جزمًا على الجواب لقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ لأنه أمر، ويكون الأصل: لا يضرركم إلا أن الراء الثانية أدغمت فيها الأولى وضمت لالتقاء الساكنين (١٢) ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ﴾ (لَا تَخَفُ) ولا تخافُ [طه: 77] جائزان (١٣) ويقال: هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

قيل: في هذا وجوه: أحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك (١٤)  فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله  يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب" (١٥) الوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان (١٦) وروي عن ابن عمر أنه قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم" (١٧)  عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم (١٨) الوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني: عليكم أهل دينكم ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من الكفار، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ يعني: أهل دينكم، وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بهذا المعنى (١٩) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يريد يعِظُ بعضكم بعضًا، وينهى بعضكم بعضًا، ويعلّم بعضكم بعضًا ما يقربه إلى الله ويبعده من الشيطان، و ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من غيركم، يريد من المشركين وأهل الكتاب، والمنافقين (٢٠) الوجه الرابع: أن الآية نازلة في أهل الأهواء، لأنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون هواهم بالأمر بالمعروف، فإذا رأيتهم أو كنت فيهم فعليك نفسك وذرهم وما اختاروه لأنفسهم، فلن يضرك ضلالهم.

وهذا الوجه يروى عن صفوان بن مُحْرِز (٢١) (٢٢) والذي ذكرنا من سبب النزول يدل على أن الآية نازلة فيمن لا يؤمر بالمعروف ولا يُنْهى عن المنكر، وهم المنافقون واليهود والنصارى، فأما المسلمون فليسوا من هذا في شيء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فيما بينهم.

قال أبو عبيد: والذي أذن الله في إقراره والإمساك عن تغييره بقوله: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ إنما هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يدينون بها، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل في هذه الآية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في أهل المعاصي من المسلمين على الأبد، كذلك وجدنا أكثر أهل الحديث بلا توقيت (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ ، قال عطاء: يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يريد يجازيكم بأعمالكم (٣٠) (١) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٢) أبو بكر، وقد وهم محقق "الوسيط" 2/ 237 فنسب هذا "القول للبيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 307، وهذا الكتاب لأبي البركات بن الأنباري المتوفى سنة 577 هـ وهو متأخر عن المؤلف بقرن تقريبًا.

وكلام ابن الأنباري أبي بكر هنا بمعنى ما عند أبي بركات في البيان، ولم أجده في الزاجر لأبي بكر، والذي يعتمد عليه المؤلف كثيراً.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 97.

(٦) انظر: كتاب سيبويه 1/ 138.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 94.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 323.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 323.

(١٠) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 214، و"بحر العلوم" 1/ 463، و"تنوير المقباس" - الذي هو من رواية الكلبي ورواياته منكرة بهامش المصحف ص 125.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 94، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 374.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323، ولا تخف ولا تخافُ، قراءتان سبعيتان.

انظر: "حجة القراءات" ص 458، 459، و"النشر" 2/ 321.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 99، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، و"بحر العلوم" 1/ 463.

(١٥) أخرجه الترمذي (3057) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال: حديث حسن صحيح، والطبري 7/ 98 من طرق، قال ابن كثير 2/ 123.

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة ..

متصلًا مرفوعًا ومنهم من رواه موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق  ".

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 96، وذكره ابن كثير 2/ 124، وعزاه إخراجه إلى أبي جعفر الرازي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 96 وأخذه عنه ابن كثير 2/ 124، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى ابن مردويه أيضًا.

(١٨) أخرجه الترمذي (3058) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال حسن غريب، وأبو داود (4341)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والطبري 7/ 97، البغوي في "شرح السنة" 14/ 347.

(١٩) "تفسير القرطبي" 6/ 344.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) هو صفوان بن مُحْرز المازني البصري، العابد، أحد الأعلام، أخذ عن الصحابة وروى عنه جماعة.

كان واعظًا قانتًا، توفي سنة 174 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 286، "تقريب التهذيب" ص 277 (2941).

(٢٢) لم أقف عليه، "تفسير الطبري" 7/ 971، "تفسير البغوي" 3/ 110.

(٢٣) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" في القرآن العزيز - لأبي عبيد (القاسم بن سلام) ص 290.

(٢٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٢٥) لم يتبين من هو.

(٢٦) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 363 عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ (65) سورة الأنفال.

(٢٧) في (ج): (أنا) بدون (أما).

(٢٨) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 294.

(٢٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٣٠) "تفسير الوسيط" 2/ 260، "زاد المسير" 2/ 443.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ﴾ قيل: إنها منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: إنها خطاب للمسلمين من ذرية الذين حرّموا البحيرة وأخواتها، كأنه يقول: لا يضركم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم، والقول الصحيح فيها ما ورد عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: «سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحا مطاعاً وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم» ومثل ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس هذا بزمان هذه الآية قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا ردّ عليكم فعليكم أنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ : أي: ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون الله، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئاً مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ...

﴾ وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن له.

قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به.

ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم.

والسائبة: ما كانوا يسيبونها.

والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، [وتركوها] لآلهتهم.

قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت.

والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف.

والوصيلة من الغنم: إذا ولدت عناقين تركا، وإذا ولدت عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت [جدياً] ذبح.

والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء.

وقال مجاهد: ﴿ وَلاَ حَامٍ ﴾ : إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم.

والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمت بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا.

وقال القتبي: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله [رجالهم ونساؤهم]، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء.

والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك.

والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً [وأنثى]، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حراماً على النساء، وليست الأنثى حراماً على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء.

والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده.

ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.

كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن الله حرم ذلك علينا، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ الآية [الأنعام: 136] يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله، ثم سفه أحلامهم بقوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأياً منهم وتبحثاً؛ فاحتج الله عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ...

﴾ الآية، كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله  إلى ما أنزل اليه إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: ﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ ، [كقوله]: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال الله عز - وجل -: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئاً في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ  ﴾ تتبعون أباءكم وتقتدون بهم، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ : ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، وهو كقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54] ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما يرد وترك القبول شيء، كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وبذلك وصف الله هذه الأمة بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وعن رسول الله  قال: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَأ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَ عِنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ مِنَّا" وعن عائشة -  ا - "أن رسول الله  دخل عليَّ - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلاَ أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلاَ أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَغِيثُونِي فَلاَ أُغِيثَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلاَ أَنْصُرَكُمْ" وعن أبي بكر [الصديق] -  - قال: "يأيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله  يقول: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَراً فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهُ بِعِقَابٍ" ، وبقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ  ﴾ الآية.

ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان.

[و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكراً، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: "قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن المنكر.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرج على الوعيد والتحذير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، عليكم أنفسكم فالزموها بالقيام بما يُصْلحها، لا يضركم من ضل من الناس ولم يستجب لكم، إذا اهتديتم أنتم، ومن اهتدائكم أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر، إلى الله وحده رجوعكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.OjgND"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر