الآية ١٠٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٤ من سورة المائدة

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٠٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) أي : إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه ، قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك ، قال الله تعالى ( أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ) أي : لا يفهمون حقا ، ولا يعرفونه ، ولا يهتدون إليه ، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟

لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم ، وأضل سبيلا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيِّبون السوائب؟

الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى ذكره يفترون على الله الكذب: تعالوا إلى تنـزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله, ليتبين لكم كذبُ قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريمكم ما تحرِّمون من هذه الأشياء (1) = أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءَنا يعملون به, ويقولون: " نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة, وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل ".

(2) قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أوَ لو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئًا؟

يقول: لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كذبٌ وفريةٌ على الله, لا حقيقة لذلك ولا صحة، لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك، افتراءً على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ذكره ما يضيفون = ولا كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب, (3) بل كانوا على ضلالة وخطأ.

------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف 6: 474 ، 483 ، 485/8: 513.

(2) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 4: 244/7: 405.

(3) في المطبوعة: "ما كانوا فيما هم به عاملون" ، وفي المخطوطة: "كانوا" بغير"ما" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، لأنه معطوف على قوله آنفاً: "يقول: لم يكونوا يعلمون.

.

."

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون[ ص: 262 ] قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية .

تقدم معناها والكلام عليها في " البقرة " فلا معنى لإعادتها .قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملونفيه أربع مسائل :الأولى : قال علماؤنا : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن يحذر منه ، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه ، وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان ، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاول الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : عليكم أنفسكم معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي ; تقول عليك زيدا بمعنى الزم زيدا ; ولا يجوز عليه زيدا ، بل إنما يجري هذا في المخاطبة في ثلاثة ألفاظ ; عليك زيدا أي : خذ زيدا ، وعندك عمرا أي : حضرك ، ودونك زيدا أي : قرب منك ; وأنشد :يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكاوأما قوله : عليه رجلا ليسني ، فشاذ .الثالثة : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس قال : خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ; قال إسحاق بن إبراهيم سمعت عمرو بن علي يقول : [ ص: 263 ] سمعت وكيعا يقول : لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حديث واحد ، قلت : ولا إسماعيل عن قيس ، قال : إن إسماعيل روى عن قيس موقوفا .

قال النقاش : وهذا إفراط من وكيع ; رواه شعبة عن سفيان وإسحاق عن إسماعيل مرفوعا ; وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟

فقال : أية آية ؟

قلت : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أياما ، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ، وفي رواية قيل : يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم ؟

قال : بل أجر خمسين منكم .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

قال ابن عبد البر قوله : ( بل منكم ) هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها ، وقد تقدم ، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا قال : هذا حديث غريب ، وروي عن ابن مسعود أنه قال : ليس هذا بزمان هذه الآية ; قولوا الحق ما قبل منكم ، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم ، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن : لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ؟

فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ليبلغ الشاهد الغائب ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم ، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل .

في رواية عن ابن عمر بعد قوله : ليبلغ الشاهد الغائب فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم ، وقالابن المبارك قوله تعالى : عليكم أنفسكم خطاب لجميع المؤمنين ، أي : عليكم أهل دينكم ; كقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم فكأنه قال : ليأمر بعضكم بعضا ; ولينه بعضكم بعضا ، فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب ; وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدم ; وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير وقال سعيد بن المسيب : معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال ابن خويز منداد : تضمنت الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه ، وتركه التعرض لمعائب الناس ، والبحث عن أحوالهم فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا [ ص: 264 ] كقوله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك ، ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فينكر بقلبه ، ويشتغل بإصلاح نفسه .قلت : قد جاء حديث غريب رواه ابن لهيعة : قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك .

قال علماؤنا : إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان ، وفساد الأحوال ، وقلة المعينين ، وقال جابر بن زيد : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب ; عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم ; قال : وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت ; فأنزل الله الآية بسبب ذلك وقيل : الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ ; فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون ، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم ، وقيل : نزلت في الأسارى الذين عذبهم المشركون حتى ارتد بعضهم ، فقيل لمن بقي على الإسلام : عليكم أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم ، وقال سعيد بن جبير : هي في أهل الكتاب - وقال مجاهد : في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم ; يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية ، وقيل : هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; قاله المهدوي .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف ولا يعلم قائله .قلت : قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال : ليس في كتاب الله تعالى آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية .

قال غيره : الناسخ منها قوله : إذا اهتديتم والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والله أعلم .الرابعة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رجي القبول ، أو رجي رد الظالم ولو بعنف ، ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته ، أو فتنة يدخلها على المسلمين ; إما بشق عصا ، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس ; فإذا خيف هذا ف عليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده ، ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلا كما تقدم ; وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإذا دعوا { إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } أعرضوا فلم يقبلوا، و { قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } من الدين، ولو كان غير سديد، ولا دينًا ينجي من عذاب الله.

ولو كان في آبائهم كفاية ومعرفة ودراية لهان الأمر.

ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا، أي: ليس عندهم من المعقول شيء، ولا من العلم والهدى شيء.

فتبا لمن قلد من لا علم عنده صحيح، ولا عقل رجيح، وترك اتباع ما أنزل الله، واتباع رسله الذي يملأ القلوب علما وإيمانا, وهدى, وإيقانا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ) في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام ، ( قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) من الدين ، قال الله تعالى : ( أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول» أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم «قالوا حسبنا» كافينا «ما وجدنا عليه آباءنا» من الدين والشريعة قال تعالى: «أ» حسبهم ذلك «ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون» إلى الحق والاستفهام للإنكار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام، قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل، أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه؟

فكيف يتبعونهم، والحالة هذه؟

فإنه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء العوام المقلدون من جمود وخضوع للباطل فقال .

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ) .أي : وإذا قال قائل - على سبيل النصح والإِرشاد إلى الخير - لهؤلاء المقلدين المنقادين انقيادا أعمى للأوهام إذا قال لهم هذا القائل : تعالوا أي : أقبلوا واستجيبوا لما أنزل الله في كتابه ، ولما أنزل على رسوله من هدايات لتسعدوا وتفوزوا قالوا : بعناد وغباء - ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ) : كافينا في هذا الشأن ما وجدوا عليه آباءنا من عقائد وتقاليد وعادات .

فلا نلتفت إلى ما سواه .وهذه حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه بغير تعقل ولا تدبر .

إنه يترك معاني العزة والكرامة وإعمال الفكر ليعيش أسير ذلته للأوهام التي شب عليها وسار خلفها مقلداً غيره ومنقاداً له انقياد الخانعين الأذلاء .ولم يذكر - سبحانه - القائل في قوله : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) للإِشارة إلى أن الذين يدعونهم إلى طريق الحق متعددون ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ، والمؤمنون يدعونهم .

والأدلة الدالة على صدق هذا الدين تدعوهم .

ومع كل ذلك فهم في ضلالهم سادرون ، وتحت سلطان سادتهم خانعون .وقوله - تعالى - ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) رد عليهم بأسلوب التأنيب والتعجيب من جهالاتهم وخضوعهم للباطل بدون مراجعة أو تفكير .والواو في قوله ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ) وأو الحال .

والهمزة التي دخلت عليها للانكار والتعجب من ضلالهم .والمعنى : أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا .

ويغلقون على أنفسهم باب الهداية ليبقوا في ظلمات الضلالة ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً من الحق ولا يهتدون إليه لانطماس بصيرتهم .وليس المراد أن آباءهم لو كانوا يعلمون شيئاً أو يهتدون إلى شيء لجاز لهم ترك ما أنزل الله وإنما المراد هنا تسجيل الواقع المظلم الذي كانوا عليه وكان عليه آباؤهم من قبلهم .

فآباؤهم كانوا كذلك يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم بدون تأمل أو تفكير .فالآية الكريمة زيادة في توبيخهم وتوبيخ آبائهم؛ لأنهم جميعا مشتركون في الانغماس في الضلال والجهل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة.

وأعلم أن الواو في قوله: ﴿ أولو كان آباؤهم ﴾ واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون.

وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي، وإنما يكون عالماً مهتدياً إذا بنى قوله على الحجة والدليل، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالماً مهتدياً، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الواو في قوله: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ ﴾ واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار.

وتقديره: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ والمعنى أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وأنْ لا سَنَدَ لَهم سِواهُ.

﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ الواوُ لِلْحالِ والهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلَيْها لِإنْكارِ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ الحالِ، أيْ أحْسَبُهم ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِمَن عُلِمَ أنَّهُ عالِمٌ مُهْتَدٍ وذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالحُجَّةِ فَلا يَكْفِي التَّقْلِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول} أي هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي كافينا ذلك حسبنا مبتدأ والخبر ما وجدنا وما بمعنى الذى والواو فى {أولو كان آباؤهم} للحال قد دخلت عليها همزة الإنكار وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأكْثَرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ: ﴿ تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ لِلْحَلالِ والحَرامِ والإيمانِ بِهِ ﴿ وإلى الرَّسُولِ ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِتَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وتُمَيِّزُوا الحَرامَ مِنَ الحَلالِ، و ﴿ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ في هَذا الشَّأْنِ فَلا نَلْتَفِتُ لِغَيْرِهِ، بَيانٌ لِعِنادِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الهادِي إلى الحَقِّ وانْقِيادِهِمْ لِلدّاعِي إلى الضَّلالِ و(ما) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والوِجْدانُ المُصادَفَةُ وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَلَمِ و(عَلَيْهِ) عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ 401 - ذَهَبَ الرّاغِبُ إلى أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى شَرْطِيَّةٍ أُخْرى مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها والهَمْزَةُ لِلتَّعَجُّبِ وهي داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ في الحَقِيقَةِ أيْ أيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ أيَكْفِيهِمْ ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم كائِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ كَوْنُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الإنْشائِيَّةِ حالًا لِيَحْتاجَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ في هَذا البابِ لِذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى زَيْدٍ، ولَوْ أساءَ إلَيْكَ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ المانِعِ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى وجَوابُ لَوْ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ انْفِهامِهِ مِمّا سَبَقَ وقَدَّرَهُ ”يَتْبَعُونَهُمْ“.

ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ حَسْبُهم ذَلِكَ أوْ يَقُولُونَ وما في لَوْ مِن مَعْنى الِامْتِناعِ والِاسْتِبْعادِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَعْمِهِمْ لا في نَفْسِ الأمْرِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُرادُ نَفْيُ صِحَّةِ الِاقْتِداءِ بِالجاهِلِ الضّالِّ، والحالُ ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ كائِنِينَ عَلى هَذا الحالِ المَفْرُوضِ فَما قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا الواوَ لِلْحالِ ولَيْسَ ما دَخَلَتْهُ الواوُ حالًا مِن جِهَةِ المَعْنى بَلْ ما دَخَلَتْهُ لَوْ أيْ ولَوْ كانَ الحالُ أنَّ آباءَهم لا يَعْلَمُونَ فَيَفْعَلُونَ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهم ولا يَهْتَدُونَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن حالِ ذَلِكَ القائِلِ وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّهم هَلْ يَكْفِيهِمْ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ولَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ أيْ هَلْ يَكْفِيهِمُ الجَهْلُ والضَّلالُ اللَّذانِ كانَ عَلَيْهِما آباؤُهُمْ؟

ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ فِيما يَلِيقُ بِالتَّنْزِيلِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِمَن عُلِمَ أنَّهُ عالِمٌ مُهْتَدٍ وذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالحُجَّةِ فَلا يَكْفِي التَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لِمَن قَلَّدَهُ حُجَّةً صَحِيحَةً عَلى ما قَلَّدَهُ فِيهِ حَتّى قالُوا: إنَّ لِلْمُقَلِّدِ دَلِيلًا إجَمالِيًّا وهو دَلِيلُ مَن قَلَّدَهُ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بيّن رسوله.

ويقال: تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله قالُوا حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين والسنة.

قال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ يعني: أيتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالاً، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ معناه: الزموا أنفسكم كما تقول: عليك زيداً، معناه: الزم زيداً.

معناه: الزموا أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم.

لاَ يَضُرُّكُمْ وأصل اللغة: لا يضرركم.

فأدغم أحد الراءين في الثاني، وضمت الثانية لالتقاء الساكنين.

وهذا جواب الشرط وموضعه الجزم.

وروي عن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا رأيتم شُحًّا مطاعاً، وهوًى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكم بخويصة أنفسكم.

وروى عمر بن جارية اللخمي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله  فقال: «يَا أبَا ثَعْلَبَةَ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.

فَإِذَا رَأَيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً، وَشُحّاً مُطاعاً، وَإعْجَابَ كل ذي رأي برأيه، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ.

فَإنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ المُتَمِسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلاً» .

قالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملاً منهم قال: «لا بَلْ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلاً مِنْكُمْ» .

وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيُّها النَّاسُ إنكم تتلون هذه الآية على غير تأويلها.

إنه كان رجال طعموا بالإسلام، وذاقوا حلاوته، وكانت لهم قرابة من المشركين.

فأرادوا أن يذيقوهم حلاوة الإسلام، وأن يدخلوهم في الإسلام.

فنزل عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.

والذي نفس أبي بكر بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعقاب من عنده.

وروي عن أبي العالية أنه قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود، فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف؟

فقال بعضهم: عليك نفسك إن الله تعالى يقول: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ يقول: لا يضركم ضلالة من ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال ابن مسعود: مه لم يجىء تأويل هذه الآية، بعد.

فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإذا اختلفت القلوب والأهواء فعند ذلك جاء تأويلها.

وقوله تعالى: لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ يقول: لا يضركم ضلالة من ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إذا ثبتم على الحق إِلَى اللَّهِ تعالى مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

وقال في رواية الكلبي نزلت في «منذر بن عمرو» بعثه رسول الله  إلى أهل هجر ليدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام، فوضع عليهم الجزية فقال: لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من أهل هجر، وأقر بالجزية إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إلى الله يعني آمنتم بالله.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعَفَا اللَّهُ عَنْها: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ...

الآية: قال الطبريُّ «١» : كقومِ صالحٍ في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلّفت.

وقوله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ...

الآية:

أي: لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك/ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمْ، يعني: الأتْبَاعَ لاَ يَعْقِلُونَ، بل يتّبعون هذه الأمور تقليدا، وجَعَلَ في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ» ، ولا بمعنى «صَيَّرَ» ، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ» .

قال ص: مَّا جَعَلَ: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ «٢» إلى أنها بمعنى: «شرع» ،

قال ابن «١» عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق» ، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر» لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان «٢» : ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً- مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى.

قُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ.

وبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ ذكَره «٣» السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين «٤» ، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر «٥» : وقيل: الحامِي: الفَحْلُ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ.

انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ» : والحامِ: فحلُ الإبلِ يضرب الضّراب المعدود، وإذا قضى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: إذا قِيلَ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ: تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن تَحْلِيلِ ما حَرَّمْتُمْ عَلى أنْفُسِكم، قالُوا: ﴿ حَسْبُنا ﴾ أيْ: يَكْفِينا ﴿ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ مِنَ الدِّينِ والمِنهاجِ ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿ وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ لَهُ، أيَتَّبِعُونَهم في خَطَئِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟

أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.

ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟

ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".» والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.

والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.

وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.

وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟

وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و ﴿ "تَعالَوْا"؛ ﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و ﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و ﴿ "حَسْبُنا"؛ ﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛ ﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿ عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟

وما تَلْبَسُ؟

وأيْنَ تَسْكُنُ؟

فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو للحال.

والجملة حال من قوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ [المائدة: 103]، أي أنّهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذباً، وإذا دعوا إلى اتّباع ما أمر الله به حقّاً أو التدبّر فيه أعرضوا وتمسّكوا بما كان عليه آباؤهم.

فحالهم عجيبة في أنّهم يقبلون ادّعاء آبائهم أنّ الله أمرهم بما اختلقوا لهم من الضلالات، مثل البحيرة والسائبة وما ضاهاهما، ويعرضون على دعوة الرسول الصادق بلا حجّة لهم في الأولى، وبالإعراض عن النظر في حجة الثانية أو المكابرة فيها بعد علمها.

والأمر في قوله ﴿ تعالَوْا ﴾ مستعمل في طلب الإقبال، وفي إصغاء السمع، ونظر الفكر، وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الصدّ عنه، فهو مستعمل في حقيقته ومجازه.

وتقدّم الكلام على فعل (تعالَ) عند الكلام على نظير هذه الآية في سورة النساء.

و ﴿ ما أنزل الله ﴾ : هو القرآنُ.

وعطف ﴿ والى الرسول ﴾ لأنّه يرشدهم إلى فهم القرآن.

وأعيد حرف (إلى) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلّقي ﴿ تعالوا ﴾ فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي ﴿ تعالوا ﴾ الحقيقي والمجازي.

وقوله ﴿ قالوا حسبنا ﴾ أي كافينا، إذا جُعلت (حَسْب) اسماً صريحاً و ﴿ ما وجدنا ﴾ هو الخبر، أو كفانا إذا جُعلت (حسب) اسمَ فعل و ﴿ ما وجدنا ﴾ هو الفاعلَ.

وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ في سورة آل عمران (173).

و (على) في قوله: ما وجدنا عليه ءاباءنا } مجاز في تمكّن التلبّس، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5].

وقوله: ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعلمون ﴾ الخ، تقدّم القول على نظيره في سورة البقرة (170) عند قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤكم ﴾ الآية.

وليس لهذه الآية تعلّق بمسألة الاجتهاد والتقليد كما توهّمه جمع من المفسّرين، لأنّ هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل الله وأهل الافتراء على الله، فأمّا الاجتهاد والتقليد في فروع الإسلام فذلك كلّه من اتّباع ما أنزل الله.

فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذا المعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ﴾ يَعْنِي ما بَحَرَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ، ولا سَيَّبَ سائِبَةً، ولا وصَلَ وصِيلَةً، ولا حَمى حامِيًا.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لِأكْثَمَ بْنِ جُونٍ: (يا أكْثَمُ رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، فَما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنكَ بِهِ، ولا بِهِ مِنكَ فَقالَ أكْثَمُ: أخْشى أنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (لا إنَّكَ مُؤْمِنٌ، وهو كافِرٌ، إنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، وبَحَرَ البَحِيرَةَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وحَمى الحامِي» .

ومَعْنى قَوْلِهِ يَجُرُّ قْصْبَهُ في النّارِ، يَعْنِي أمْعاءَهُ، والبَحِيرَةُ: الفَصْلَةُ مِن قَوْلِ القائِلِ، بَحَرْتُ أُذُنَ النّاقَةِ إذا شَقَّها، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: وأمْسى فِيكم عِمْرانُ يَمْشِي كَأنَّهُ جَمَلٌ بَحِيرٌ وَقَدْ رَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ  : (أرَأيْتَ إبِلَكَ تَكُونُ مُسَلَّمَةً آذانُها فَتَأْخُذَ المُوسى فَتَجْدَعَها تَقُولُ هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وتَشُقُّونَ آذانَها تَقُولُونَ هَذِهِ بَحِيرَةٌ قالَ: فَإنَّ ساعِدَ اللَّهِ أشُدُّ، ومُوسى اللَّهِ أحَدُّ، كُلُّ مالِكَ لَكَ حَلالٌ لا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.

» وفي البَحِيرَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ البَحِيرَةَ النّاقَةُ إذا وُلِدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا أكَلَتْهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها أيْ شَقُّوها، وتُرِكَتْ، فَلا يُشْرَبُ لَها لَبَنٌ، ولا تُنْحَرُ، ولا تُرْكَبُ، وإنْ كانَ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: البَحِيرَةُ النّاقَةُ الَّتِي تُنْجِبُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَكانَ آخِرُها مَيْتًا ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وخَلَوْا عَنْها، فَلا تُحْلَبُ ولاَ تُرْكَبُ تَحَرُّجًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ البَحِيرَةَ بِنْتُ السّائِبَةِ، قالَهُ أبُو إسْحاقَ، وأمّا السّائِبَةُ، فَإنَّها المُسَيَّبَةُ المِخْلاةُ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِبَعْضِ مَواشِيها فَتُحَرِّمُ الِانْتِفاعَ بِها عَلى أنْفُسِها تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ الشّاعِرُ عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ وسائِبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وَكَذا كانَ بَعْضُ أهْلِ الإسْلامِ يُعْتِقُ عَبْدَهُ سائِبَةً، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ ولا بِوَلائِهِ، وكانَ أبُو العالِيَةِ سائِبَةً فَلَمّا أُتِيَ مَوْلاهُ بِمِيراثِهِ فَقالَ: هو سائِبَةٌ وأبى أنْ يَأْخُذَهُ.

وَأُخْرِجَتِ المُسَيَّبَةُ بِلَفْظِ السّائِبَةِ، كَما قِيلَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ يَعْنِي مَرْضِيَّةً، وفي السّائِبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النّاقَةُ إذا تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ سُيِّبَتْ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُها ولَمْ يُجَزَّ وبَرُها ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وما نَتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن أُنْثى شُقَّ أُذُنُها، وسُمِّيَتْ بَحِيرَةً، وخُلِّيَتْ مَعَ أُمِّها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُنْذِرُونَ السّائِبَةَ عِنْدَ المَرَضِ فَيُسَيِّبُ الرَّجُلُ بَعِيرَهُ وَلا يُرْكَبُ، ولا يُجْلى عَنْ ماءٍ كالبَحِيرَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

أمّا الوَصِيلَةُ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّها مِنَ الغَنَمِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الشّاةُ إذا ولَدَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نُظِرَ في البَطْنِ السّابِعِ فَإنْ كانَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلَ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، فَقالُوا هَذا حَلالٌ لِذُكُورِنا، حَرامٌ عَلى أزْواجِنا ونِسائِنا، وإنْ كانَ عَناقًا سَرَحَتْ في غَنَمِ الحَيِّ، وإنْ كانَ جَدْيًا وعَناقًا، قالُوا وصَلَتْ أخاها فَسُمِّيَتْ وصِيلَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها الشّاةُ إذا أتْأمَتْ عَشْرَ إناثٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، جُعِلَتْ وصِيلَةً، فَقالُوا قَدْ وصَلَتْ، وكانَ ما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا ولَدَتِ الشّاةُ لَهم ذَكَرًا قالُوا هَذا لِآلِهَتِنا فَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ، وإذا ولَدَتْ أُنْثى قالُوا هَذِهِ لَنا، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَأمّا الحامُ فَفِيهِ قَوْلٌ واحِدٌ أجْمَعُوا عَلَيْهِ وهو البَعِيرُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ، فَيُقالُ حَمى ظَهْرُهُ ويُخَلّى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة.

التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء.

قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب» قال ابن المسيب: والوصيلة.

الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي: فحل الإبل، يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت واعفوه من الحمل فلم يحمل شيء وسموه الحامي.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب، فقال لي: هل لك من مال؟

قلت: نعم.

قال: من أي المال؟

قلت: من كل المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق.

قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير عليك، ثم قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟

قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك!

قال: فلعلك تأخذ موسى قتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه الصرم، قلت: نعم.

قال: فلا تفعل؛ إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴾ قال أبو الأحوص: أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته، ولا بناته، ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها، ولا أشعارها، ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها.

وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم.

وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن وتلد السابع جدياً وعناقاً، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض، وإذا ماتت كانوا فيها سواء.

والحام من الإبل إذا أدرك له عشرة من صلبه كلها تضرب حمى ظهره فسمي الحام، فلا ينتفع له بوبر، ولا ينحر، ولا يركب له ظهر، فإذا مات كانوا فيه سواء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: البحيرة.

هي الناقة، إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا: هذه بحيرة.

وأما السائبة: فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزون لها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً.

وأما الوصيلة: فالشاة، إذا أنتجت سبعة أبطن نظروا السابع، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت، اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا.

وأما الحام: فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً، ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي، ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال: البحيرة الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة فيعمد إلى الخامسة، فما لم تكن سقياً فيبتك آذانها، ولا يجز لها وبراً، ولا يذوق لها لبناً، فتلك البحيرة ﴿ ولا سائبة ﴾ كان الرجل يسيب من ماله ما شاء ﴿ ولا وصيلة ﴾ فهي الشاة إذا ولدت سبعاً عمد إلى السابع، فإن كان ذكراً ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا: وصلت أخاها فيتركان جميعاً لا يذبحان، فتلك الوصيلة ﴿ ولا حام ﴾ كان الرجل يكون له الفحل، فإذا ألقح عشراً قيل: حام فاتركوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة...

﴾ الآية.

قال: البحيرة من الإبل، كان أهل الجاهلية يحرمون وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها، فإذا ضرب من ولد البحيرة فهو الحامي، والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن توأمت أنثى وذكر فهي وصيلة ترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا أنثيين تركتا.

وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فاستأخر عن قبلته، وأعرض بوجهه، وتعوَّذ بالله، ثم دنا من قبلته حتى رأيناه يتناول بيده، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: يا نبي الله، لقد صنعت اليوم في صلاتك شيئاً ما كنت تصنعه!..

قال: نعم، عرضت عليَّ في مقامي هذا الجنة والنار، فرأيت في النار ما لا يعلمه إلا الله، ورأيت فيها الحميرية صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب، وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغيَّر دين إسماعيل، ورأيت فيها عمران الغفاري معه محجنه الذي كان يسرق به الحاج.

قال: وسمى لي الرابع فنسيته.

ورأيت الجنة فلم أر مثل ما فيها، فتناولت منها قطفاً لأريكموه فحيل بيني وبينه، فقال رجل من القوم: كيف تكون الحبة منه؟

قال: كأعظم دلو فرته أمك قط.

قال محمد بن إسحاق: فسألت عن الرابع فقال: هو صاحب ثنيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزعهما» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون: يا أكتم، عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك.

فقال أكتم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول من سيب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: عمرو بن لحي، أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي أهل النار ريح قصبه، وإني لأعرف من بحر البحائر.

قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلفه، فرأيناه تناول شيئاً فجعل يتناوله، فتأخر، فتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: يا رسول الله، رأيناك صنعت اليوم شيئاً ما كنت تصنعه في الصلاة؟

فقال: إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت قطفاً من عنبها، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه، وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخَّرت عنها، وأكثر من رأيت فيها النساء إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه؟

قال: لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في الآية قال: الآباء جعلوا هذا وماتوا، ونشأ الأبناء وظنوا أن الله هو جعل هذا، فقال الله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ الآباء فالآباء افتروا على الله الكذب، والأبناء أكثرهم لا يعقلون، يظنون الله هو الذي جعله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال: هم أهل الكتاب ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: هم أهل الأوثان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: الذين لا يعقلوهم الأتباع، وأما الذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الآية، قال ابن عباس: يعني: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم ﴿ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ من الدين والمنهاج (١) وقوله تعالى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ ، مضى الكلام في نظيره في سورة البقرة (٢) (١) انظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "تفسير البغوي" 3/ 109، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ أي يكفينا دين آبائنا ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ قال الزمخشري: الواو واو الحال، دخلت عليها همزة الإنكار، كأنه قيل: أحشبهم هذا وآباؤهم لا يعقلون، قال ابن عطية: ألف التوقيف الاستفهام دخلت على واو العطف، وقول الزمخشري أحسن في المعنى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ : أي: ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون الله، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئاً مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ...

﴾ وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن له.

قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به.

ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم.

والسائبة: ما كانوا يسيبونها.

والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، [وتركوها] لآلهتهم.

قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت.

والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف.

والوصيلة من الغنم: إذا ولدت عناقين تركا، وإذا ولدت عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت [جدياً] ذبح.

والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء.

وقال مجاهد: ﴿ وَلاَ حَامٍ ﴾ : إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم.

والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمت بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا.

وقال القتبي: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله [رجالهم ونساؤهم]، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء.

والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك.

والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً [وأنثى]، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حراماً على النساء، وليست الأنثى حراماً على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء.

والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده.

ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.

كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن الله حرم ذلك علينا، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ الآية [الأنعام: 136] يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله، ثم سفه أحلامهم بقوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأياً منهم وتبحثاً؛ فاحتج الله عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ...

﴾ الآية، كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله  إلى ما أنزل اليه إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: ﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ ، [كقوله]: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال الله عز - وجل -: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئاً في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ  ﴾ تتبعون أباءكم وتقتدون بهم، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ : ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، وهو كقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54] ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما يرد وترك القبول شيء، كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وبذلك وصف الله هذه الأمة بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وعن رسول الله  قال: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَأ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَ عِنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ مِنَّا" وعن عائشة -  ا - "أن رسول الله  دخل عليَّ - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلاَ أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلاَ أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَغِيثُونِي فَلاَ أُغِيثَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلاَ أَنْصُرَكُمْ" وعن أبي بكر [الصديق] -  - قال: "يأيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله  يقول: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَراً فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهُ بِعِقَابٍ" ، وبقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ  ﴾ الآية.

ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان.

[و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكراً، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: "قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن المنكر.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرج على الوعيد والتحذير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء المفترين على الله الكذب بتحريم بعض الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله من القرآن، وإلى سُنَّة الرسول  لتعرفوا الحلال من الحرام، قالوا: يكفينا ما أخذناه ثناه عن أسلافنا من الاعتقادات والأقوال والأفعال، كيف يكفيهم ذلك وقد كان أسلافهم لا يعلمون شيئًا، ولا يهتدون إلى الحق؟!

فلا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا، فهم جهلة ضالون.

<div class="verse-tafsir" id="91.4gnr6"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله