الآية ١٠٣ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٣ من سورة المائدة

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 196 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٣ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال : " البحيرة " : التي يمنع درها للطواغيت ، فلا يحلبها أحد من الناس .

و " السائبة " : كانوا يسيبونها لآلهتهم ، لا يحمل عليها شيء - قال : وقال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، كان أول من سيب السوائب " - و " الوصيلة " : الناقة البكر ، تبكر في أول نتاج الإبل ، ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم ، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر .

و " الحام " : فحل الإبل يضرب الضراب المعدود ، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت ، وأعفوه عن الحمل ، فلم يحمل عليه شيء ، وسموه الحامي .

وكذا رواه مسلم والنسائي ، من حديث إبراهيم بن سعد ، به .

ثم قال البخاري : وقال لي أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : سمعت سعيدا يخبر بهذا .

وقال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه .

ورواه ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال الحاكم : أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت ، عن الزهري .

كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزني في " الأطراف " وسكت ولم ينبه عليه .

وفيما قاله الحاكم نظر ، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن الزهري نفسه .

والله أعلم .

ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني ، حدثنا حسان بن إبراهيم ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ; أن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ، ورأيت عمرا يجر قصبه ، وهو أول من سيب السوائب " .

تفرد به البخاري .

وقال ابن جرير : حدثنا هناد ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأكثم بن الجون : " يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا به منك " .

فقال أكثم : تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أول من غير دين إبراهيم ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي " .

ثم رواه عن هناد ، عن عبدة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بنحوه أو مثله .

ليس هذان الطريقان في الكتب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عمرو بن مجمع ، حدثنا إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أول من سيب السوائب ، وعبد الأصنام ، أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار " .

تفرد به أحمد من هذا الوجه .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني لأعرف أول من سيب السوائب ، وأول من غير دين إبراهيم - عليه السلام - " .

قالوا : من هو يا رسول الله؟

قال : " عمرو بن لحي أخو بني كعب ، لقد رأيته يجر قصبه في النار ، يؤذي ريحه أهل النار .

وإني لأعرف أول من بحر البحائر " .

قالوا : من هو يا رسول الله؟

قال : " رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما ، وحرم ألبانهما ، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك ، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما " .

فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة ، أحد رؤساء خزاعة ، الذين ولوا البيت بعد جرهم .

وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل ، فأدخل الأصنام إلى الحجاز ، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها ، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها ، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام ، عند قوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) [ الأنعام : 136 ] إلى آخر الآيات في ذلك .

فأما البحيرة ، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس ، فإن كان ذكرا ذبحوه ، فأكله الرجال دون النساء .

وإن كان أنثى جدعوا آذانها ، فقالوا : هذه بحيرة .

وذكر السدي وغيره قريبا من هذا .

وأما السائبة ، فقال مجاهد : هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة ، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها ، فإذا ولدت السابع ذكرا أو ذكرين ، ذبحوه ، فأكله رجالهم دون نسائهم .

وقال محمد بن إسحاق : السائبة : هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر ، سيبت فلم تركب ، ولم يجز وبرها ، ولم يحلب لبنها إلا الضيف .

وقال أبو روق : السائبة : كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته ، سيب من ماله ناقة أو غيرها ، فجعلها للطواغيت .

فما ولدت من شيء كان لها .

وقال السدي : كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عوفي من مرض أو كثر ماله سيب شيئا من ماله للأوثان ، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا .

وأما الوصيلة ، فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع ، فإن كان ذكرا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء ، وإن كان أنثى استحيوها ، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن استحيوهما وقالوا : وصلته أخته فحرمته علينا .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : ( ولا وصيلة ) قال : فالوصيلة من الإبل ، كانت الناقة تبتكر بأنثى ، ثم تثنى بأنثى ، فسموها الوصيلة ، ويقولون : وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر ، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم .

وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس ، رحمه الله .

وقال محمد بن إسحاق : الوصيلة من الغنم : إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن ، توأمين توأمين في كل بطن ، سميت الوصيلة وتركت ، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى ، جعلت للذكور دون الإناث .

وإن كانت ميتة اشتركوا فيها .

وأما الحام ، فقال العوفي عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا لقح فحله عشرا ، قيل حام ، فاتركوه .

وكذا قال أبو روق وقتادة .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وأما الحام فالفحل من الإبل ، إذا ولد لولده قالوا : حمى هذا ظهره ، فلا يحملون عليه شيئا ، ولا يجزون له وبرا ، ولا يمنعونه من حمى رعي ، ومن حوض يشرب منه ، وإن كان الحوض لغير صاحبه .

وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل ، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه .

وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية .

وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ، من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص الجشمي ، عن أبيه مالك بن نضلة قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلقان من الثياب ، فقال لي : " هل لك من مال؟

" قلت نعم .

قال : " من أي المال؟

" قال : فقلت : من كل المال ، من الإبل والغنم والخيل والرقيق .

قال : " فإذا آتاك الله مالا فلير عليك " .

ثم قال : " تنتج إبلك وافية آذانها؟

" قال : قلت : نعم .

قال : " وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟

" قال : " فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول : هذه بحير ، وتشق آذان طائفة منها ، وتقول : هذه حرم؟

" قلت : نعم .

قال : " فلا تفعل ، إن كل ما آتاك الله لك حل " ، ثم قال : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) أما البحيرة : فهي التي يجدعون آذانها ، فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها ، فإذا ماتت اشتركوا فيها .

وأما السائبة : فهي التي يسيبون لآلهتهم ، ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها ، وأما الوصيلة : فالشاة تلد ستة أبطن ، فإذا ولدت السابع جدعت وقطع قرنها ، فيقولون : قد وصلت ، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض .

هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجا في الحديث .

وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عوف بن مالك ، من قوله ، وهو أشبه .

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو ، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة ، عن أبيه ، به .

وليس فيه تفسير هذه والله أعلم .

وقوله : ( أي : ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة ، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها إليه .

وليس ذلك بحاصل لهم ، بل هو وبال عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بحر الله بحيرة, ولا سيَّب سائبة, ولا وصل وصيلة, ولا حَمَى حاميًا = ولكنكم الذين فعلتم ذلك، أيها الكفرة, فحرَّمتموه افتراء على ربكم، كالذي:- 12819 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثني أبي وشعيب بن الليث, عن الليث, عن ابن الهاد = وحدثني يونس قال ، حدثنا عبد الله بن يوسف قال ، حدثني الليث قال ، حدثني ابن الهاد =، عن ابن شهاب, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار, وكان أول من سيَّب السُّيَّب ".

(149) 12820 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا &; 11-118 &; محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث, عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم, رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدف يجرّ قُصْبه في النار, فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك!

فقال أكثم: عسَى أن يضرّني شبهه، يا رسول الله!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا إنك مؤمن وهو كافر, إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة, وسيَّب السائبة, وحمى الحامي".

(150) 12821 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس قال ، حدثني هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان, فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما وظهورَهما، وقال: هاتان لله!

ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما.

قال: فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه.

(151) 12822 - حدثنا هناد قال، حدثنا عَبْدة, عن محمد بن عمرو, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عُرِضت عليَّ النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن خندف يجرّ قصْبه في النار, وهو أوّل من غيَّر دين إبراهيم، وسيب السائبة, وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون!

فقال أكثم: يا رسول الله, أيضرني شبهه؟

قال: " لا لأنك مُسلم, وإنه كافر ".

(152) 12823 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال : رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجرّ قُصْبه في النار, وهو أوّل من سيّب السوائب.

(153) 12824 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف أوّل من سيب السوائب، وأوّل من غيَّر عهد إبراهيم!

قالوا: من هو، يا رسول الله؟

قال: عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب, لقد رأيته يجرّ قُصْبه في النار, يؤذي ريحه أهل النار.

وإني لأعرف أوّل من بحر البحائر!

قالوا: من هو، يا رسول الله؟

قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان, فجدع آذانهما، وحرّم ألبانهما, ثم شرب ألبانهما بعدَ ذلك, فلقد رأيته في النار هو، وهما يعضّانه بأفواههما, ويخبطانه بأخفافهما.

(154) و " البحيرة " الفعيلة من قول القائل: " بَحَرْت أُذن هذه الناقة "، إذا شقها," أبحرُها بحرًا ", والناقة " مبحورة ", ثم تصرف " المفعولة " إلى " فعيلة ", فيقال: " هي بحيرة ".

وأما " البَحِرُ" من الإبل فهو الذي قد أصابه داءٌ من كثرة شرب الماء, يقال منه: " بَحِر البعيرُ يبحر بَحَرًا "، (155) ومنه قول الشاعر: (156) لأعْلِطَــنَّهُ وَسْمًــا لا يُفَارَقُـهُ كَمَــا يُحَزُّ بِحَمْـيِ المِيسَمِ البَحِـرُ (157) وبنحو الذي قلنا في معنى " البحيرة ", جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

12825 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا محمد بن يزيد, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص, عن أبيه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (158) أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلَّمةً آذانُها, فتأخذ الموسى فتجْدَعها، تقول: " هذه بحيرة ", وتشق آذانها، تقولون: " هذه صَرْم "؟

قال: نعم!

قال : فإن ساعدَ الله أشدّ, وموسَى الله أحدَ!

كلّ مالك لك حلالٌ، لا يحرَّم عليك منه شيء.

(159) 12826- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال ، سمعت أبا الأحوص, عن أبيه قال أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تُنتَجُ إبل قومك صحاحًا آذانُها، فتعمد إلى الموسَى فتقطع آذانها فتقول: " هذه بُحْرٌ", وتشقها أو تشق جلودها فتقول: " هذه صُرُمٌ", فتحرّمها عليك وعلى أهلك؟

قال: نعم!

قال: فإن ما آتاك الله لك حِلّ, وساعد الله أشدّ, وموسى الله أحدّ = وربما قال: ساعدُ الله أشد من ساعدك, وموسى الله أحدّ من موساك.

(160) وأما " السائبة ": فإنها المسيَّبة المخلاة.

وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه, فيحرِّم الانتفاع به على نفسه, كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبدَه سائبةً ، فلا ينتفع به ولا بولائه.

(161) &; 11-124 &; وأخرجت " المسيَّبة " بلفظ " السائبة ", كما قيل: " عيشة راضية ", بمعنى: مرضية.

* * * وأما " الوصيلة ", فإن الأنثى من نَعَمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنًا بذكر وأنثى, قيل: " قد وصلت الأنثى أخاها ", بدفعها عنه الذبح, فسمَّوها " وَصيلة ".

* * * وأما " الحامي"، فإنه الفحل من النعم يُحْمَى ظهره من الركوب والانتفاع، بسبب تتابُعِ أولادٍ تحدُث من فِحْلته.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء، وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك.

* ذكر الرواية بما قيل في ذلك: 12827 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل, عن ابن إسحاق، (162) عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن أبا صالح السمان حدّثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعيّ: يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قُصْبه في النار, فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به، ولا به منك!

(163) فقال أكثم: أيضرّني شبهه يا نبيّ الله؟

قال: لا إنك مؤمن وهو كافر، (164) وإنه كان أوّل من غيَّر دين إسماعيل، ونصب الأوثان, وسيَّب السائبَ فيهم.

(165) = وذلك أن الناقة إذا تابعت بين عشرإناث ليس فيها ذكر، (166) سُيِّبت فلم يركب ظهرها، ولم يجزَّ وبرها، ولم يشرَب لبنها إلا ضيف.

فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقّ أذنها، ثم خلّى سبيلها مع أمها في الإبل, فلم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهي" البحيرة " ابنة " السائبة ".

و " الوصيلة "، أن الشاة إذا نَتَجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت " وصيلة "، قالوا: " وصلت ", فكان ما وَلدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، (167) إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله، ذكورُهم وإناثهم (168) .

و " الحامي" أنّ الفحل إذا نُتِج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكرٌ، حمي ظهره ولم يركب, ولم يجزّ وبره, ويخلَّى في إبله يضرب فيها, لا ينتفع به بغير ذلك.

يقول الله تعالى ذكره: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " إلى قوله: " ولا يهتدون ".

12828 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق في هذه الآية: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " = قال أبو جعفر: سقط عليّ فيما أظنّ كلام منه = قال: فأتيت علقمة فسألتُه, فقال: ما تريد إلى شيء كانت يَصنعه أهل الجاهلية.

(169) 12829 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ قال ، حدثنا أبي, عن أبيه, عن جده, عن الأعمش, عن مسلم قال : أتيت علقمة, فسألته عن قول الله تعالى: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامٍ"، فقال: وما تصنع بهذا؟

إنما هذا شيء من فعل الجاهلية!

قال: فأتيت مسروقًا فسألته, فقال: " البحيرة "، كانت الناقة إذا ولدت بطنًا خمسًا أو سبعًا, شقوا أذنها، وقالوا: " هذه بحيرة " = قال: " ولا سائبة " ، قال: كان الرجل يأخذ بعضَ ماله فيقول: " هذه سائبة " = قال: " ولا وصيلة "، قال: كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث, وإذا ولدت ذكرًا وأنثى في بطن قالوا: " وصلت أخاها ", فلا يأكلونهما.

قال: فإذا مات الذكر أكله الذكور دون الإناث = قال: " ولا حام "، قال : كان البعير إذا وَلد وولد ولده، قالوا: " قد قضى هذا الذي عليه ", فلم ينتفعوا بظهره.

قالوا: " هذا حمًى ".

(170) 12830 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش, عن مسلم بن صبيح قال : سألت علقمة عن قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، قال: ما تصنع بهذا؟

هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية.

12831 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان، ويحيى بن آدم, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص: " ما جعل الله من بحيرة " ، قال: البحيرة: التي قد ولت خمسة أبطن ثم تركت.

12832 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير بن عبد الحميد, عن مغيرة, عن الشعبي: " ما جعل الله من بحيرة ".

قال: البحيرة، المخضرمة (171) " ولا سائبة "، والسائبة: ما سُيِّب للعِدَى (172) = و " الوصيلة "، إذا ولدت بعد أربعة أبطن = فيما يرى جرير = ثم ولدت الخامس ذكرًا وأنثى، وصلتْ أخاها = و " الحام "، الذي قد ضرب أولادُ أولاده في الإبل.

12833- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي، بنحوه = إلا أنه قال: و " الوصيلة " التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرًا وأنثى، قالوا: " وصلت أخاها "، وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد.

12834 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسحاق الأزرق, عن زكريا, عن الشعبي: أنه سئل عن " البحيرة ", فقال: هي التي تجدع آذانها.

وسئل عن " السائبة ", فقال: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم، فتذهب فتختلطُ بغنم الناس، (173) فلا يشرب ألبانها إلا الرجال, فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا.

12835 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " ما جعل الله من بحيرة " وما معها: " البحيرة "، من الإبل يحرّم أهل الجاهلية وَبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال, فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها, وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها.

فإذا ضَرَب الجمل من ولد البحيرة، (174) فهو " الحامي".

و " الحامي"، اسمٌ.

(175) و " السائبة " من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد، كان على هيئتها.

فإذا ولدت في السابع ذكرًا أو أنثى أو ذكرين, ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم.

وإن توأمت أنثى وذكرًا فهي" وصيلة "، (176) لترك ذبح الذكر بالأنثى.

(177) وإن كانتا أنثيين تركتا.

12836 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، &; 11-129 &; حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، فالبحيرة، الناقة, كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن, فيعمد إلى الخامسة, ما لم تكن سَقْبًا، (178) فيبتك آذانها, ولا يجزّ لها وبرًا, ولا يذوق لها لبنًا, فتلك " البحيرة " =" ولا سائبة " ، كان الرجل يسيِّب من ماله ما شاء =" ولا وصيلة " ، فهي الشاة إذا ولدت سبعًا, عمد إلى السابع, فإن كان ذكرًا ذبح, وإن كانت أنثى تركت, وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا: " وصلت أخاها ", فيتركان جميعًا لا يذبحان.

فتلك " الوصيلة " = وقوله: " ولا حام " ، كان الرجل يكون له الفحل، فإذا لقح عشرًا قيل: " حام, فاتركوه " .

12837 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، ليسيِّبوها لأصنامهم =" ولا وصيلة "، يقول: الشاة =" ولا حام " يقول: الفحلُ من الإبل.

12838 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام "، تشديدٌ شدّده الشيطانُ على أهل الجاهلية في أموالهم, وتغليظ عليهم, فكانت " البحيرة " من الإبل، (179) إذا نتج الرجلُ خمسًا من إبله، نظر البطن الخامس, فإن كانت سقبًا ذبح فأكله الرجال دون النساء, وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم, وإن كانت حائلا = وهي الأنثى = تركت، فبتكت أذنها, فلم يجزّ لها وَبرٌ، ولم يشرب لها لبن، ولم يركب لها ظهرٌ، ولم يذكر لله عليها اسم.

وكانت " السائبة "، يسيبون ما بدا لهم من أموالهم, فلا تُمنع من حوض أن تشرع فيه، (180) ولا من حمًى أن ترتع فيه = وكانت " الوصيلة " من الشاء، من البطن السابع, إذا كان جديًا ذبح فأكله الرجال دون النساء.

وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم.

وإن جاءت بذكر وأنثى قيل: " وصلت أخاها فمنعته الذبح " = و " الحام "، كان الفحل إذا ركب من بني بنيه عشرة، أو ولد ولده, قيل: " حام حمى ظهره ", فلم يزَمَّ ولم يخطم ولم يركب.

12839- حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، فالبحيرة من الإبل، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن, إن كان الخامس سقبًا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم، وكانت أمه من عُرْض الإبل.

وإن كانت رُبَعة استحيوها, (181) وشقوا أذن أمِّها, وجزّوا وبرها, وخلوها في البطحاء, فلم تجُزْ لهم في دية, ولم يحلبوا لها لبنًا, ولم يجزّوا لها وبرًا, ولم يحملوا على ظهرها, وهي من الأنعام التي حرمت ظهورها = وأما " السائبة "، فهو الرجل يسيِّب من ماله ما شاء على وجه الشكر إن كثر ماله أو برأ من وَجع, أو ركب ناقة فأنجح, فإنه يسمي" السائبة " (182) يرسلها فلا يعرض لها أحدٌ من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا = وأما " الوصيلة ", فمن الغنم, هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة, فكان آخر ذلك جديًا، ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة, وإن كانت عناقًا استحيوها, (183) وإن كانت جديًا وعناقًا استحيوا الجدي من أجل العَناق, فإنها وصيلة وصلت أخاها = وأما " الحام "، فالفحل يضرب في الإبل عشرَ سنين = ويقال: إذا ضرب ولد ولده = قيل: " قد حمى ظهره ", فيتركونه لا يمسُّ ولا ينحرُ أبدًا, ولا يمنع من كلأ يريده, وهو من الأنعام التي حُرِّمت ظهورها.

12840 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن ابن المسيب في قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام "، قال: " البحيرة " من الإبل، التي يمنح درّها للطواغيت (184) = و " السائبة " من الإبل، كانوا يسيِّبونها لطواغيتهم = و " الوصيلة "، من الإبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى, ثم تثنى بأنثى, (185) فيسمونها " الوصيلة ", يقولون: " وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر ", فكانوا يجدعونها لطواغيتهم = أو: يذبحونها, الشك من أبي جعفر= و " الحام "، الفحل من الإبل, كان يضربُ.

الضرابَ المعدودة.

(186) فإذا بلغ ذلك قالوا: " هذا حام, قد حمى ظهره "، فترك, فسموه " الحام "= قال معمر قال قتادة، إذا ضرب عشرة.

12841- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة قال : " البحيرة " من الإبل، كانت الناقة إذا نُتِجت خمسة أبطن, فإن كان الخامس ذكرًا، (187) كان للرجال دون النساء, وإن كانت أنثى، بتكوا آذانها ثم أرسلوها, فلم ينحروا لها ولدًا، ولم يشربوا لها لبنًا, ولم يركبوا لها ظهرًا = وأما " السائبة ", فإنهم كانوا يسيِّبون بعض إبلهم, فلا تُمنع حوضًا أن تشرع فيه, ولا مرعًى أن ترتع فيه =" والوصيلة "، الشاة كانت إذا ولدت سبعة أبطن, فإن كان السابع ذكرًا، ذبح وأكله الرجال دون النساء, وإن كانت أنثى تركت.

12842 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سلمان, عن الضحاك: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، أما " البحيرة " فكانت الناقة إذا نَتَجُوها خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبًا, وإن كان رُبَعة شقُّوا أُذنها واستحيوها, وهي" بحيرة "، وأما السَّقب فلا يأكل نساؤهم منه, وهو خالص لرجالهم, فإن ماتت الناقة أو نَتَجوها ميْتًا، فرجالهم ونساؤهم فيه سواءٌ، يأكلون منه = وأما " السائبة "، فكان يسيِّب الرجل من ماله من الأنعام, فيُهْمَل في الحمى، فلا ينتفع بظهره ولا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه = وأما " الوصيلة ", فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحُوا السابع إذا كان جديًا, وإن كان عناقًا استحيوه, وإن كان جديًا وعناقًا استحيوهما كليهما, وقالوا: " إن الجدي وصلته أخته, فحرَّمته علينا " = وأما " الحامي"، فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده قالوا: " قد حمى هذا ظهره, وأحرزه أولاد ولده "، (188) فلا يركبونه, ولا يمنعونه من حِمى شجر, ولا حوض مَا شرع فيه, وإن لم يكن الحوض لصاحبه.

وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم: لا إن ركبوا, ولا إن حملوا, ولا إن حلبوا, ولا إن نتجوا, ولا إن باعوا.

ففي ذلك أنـزل الله تعالى ذكره: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة "، إلى قوله: " وأكثرهم لا يعقلون " .

12843 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد, في قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام "، قال: هذا شيء كان يعمل به أهل الجاهلية, (189) وقد ذهب.

قال: " البحيرة "، كان الرجل يجدع أذني ناقته، ثم يعتقها كما يعتق جاريته وغلامه, لا تحلب ولا تركب = و " السائبة "، يسيبها بغير تجديع = و " الحام " إذا نتج له سبع إناث متواليات, قد حمي ظهره, ولا يركب, ولا يعمل عليه = و " الوصيلة "، من الغنم: إذا ولدت سبع إناث متواليات، حمت لحمها أن يؤكل.

12844- حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا عبد الله بن يوسف قال ، حدثنا الليث بن سعد قال ، حدثني ابن الهاد, عن ابن شهاب قال ، قال سعيد بن المسيب: " السائبة " التي كانت تسيَّب فلا يحمل عليها شيء = و " البحيرة "، التي يمنح دَرُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد (190) = و " الوصيلة "، الناقة البكر تبتكر أوّل نتاج الإبل بأنثى, (191) ثم تثني بعد بأنثى, وكانوا يسمُّونها للطواغيت, يدعونها " الوصيلة ", أنْ وصلت أخواتها إحداهما بالأخرى (192) =" والحامي"، فحل الإبل، يضرب العَشْر من الإبل.

فإذا نقضَ ضِرابه (193) يدعونه للطواغيت, وأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئًا, وسموه " الحامي".

* * * قال أبو جعفر: وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام, فلا نعرف قومًا يعملون بها اليوم.

فإذا كان ذلك كذلك= وكانَ ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه (194) = إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر, ولا في الشرك، نعرفه = إلا بخبر, (195) وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلافَ الذي ذكرنا، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: أما معاني هذه الأسماء, فما بيّنا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية، وأما كيفية عمل القوم في ذلك, فما لا علم لنا به.

وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا, وغير ضائرٍ الجهلُ بذلك إذا كان المرادُ من علمه المحتاجُ إليه, موصلا إلى حقيقته, (196) وهو أن القوم كانوا يحرِّمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله، (197) اتباعًا منهم خطوات الشيطان, فوبَّخهم الله تعالى ذكره بذلك, وأخبرهم أن كل ذلك حلال.

فالحرام من كل شيء عندنا ما حرَّم الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم, بنصٍّ أو دليل، والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك.

(198) * * * القول في تأويل قوله : وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب " الذين كفروا " في هذا الموضع، والمراد بقوله: " وأكثرهم لا يعقلون " .

فقال بعضهم: المعنيّ ب " الذين كفروا " اليهود, وب " الذين لا يعقلون "، أهل الأوثان.

* ذكر من قال ذلك: 12845 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان, عن دواد بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى: " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب "، قال: أهل الكتاب =" وأكثرهم لا يعقلون " ، قال: أهل الأوثان.

(199) * * * وقال آخرون: بل هم أهل ملّة واحدة, ولكن " المفترين "، المتبوعون و " الذين لا يعقلون "، الأتباع.

* ذكر من قال ذلك: 12846 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا خارجة, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي في قوله: " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون "، هم الأتباع = وأما " الذين افتروا ", فعقلوا أنهم افتروا.

(200) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن المعنيين بقوله: " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " ، الذين بحروا البحائر, وسيَّبوا السوائب, ووصلوا الوصائل, وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله دين الحق، (201) وأضافوا إلى الله تعالى ذكره: أنه هو الذي حرّم ما حرّموا، وأحلَّ ما أحلوا, افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون, واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون، (202) فكذبهم الله تعالى ذكره في &; 11-136 &; قيلهم ذلك, وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا, فقال تعالى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة, ولكن الكفار هم الذين يفعلون ذلك، ويفترون على الله الكذب.

= (203) وأن يقال، إن المعنيين بقوله: " وأكثرهم لا يعقلون " ، هم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين, فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون, لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ, بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون.

وإنما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرَّمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى ذكره كذب وباطل.

(204) وهذا القول الذي قلنا في ذلك، نظير قول الشعبي الذي ذكرنا قبلُ.

(205) ولا معنى لقول من قال: " عني بالذي كفروا أهل الكتاب ", وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى ذكره على مشركي العرب, فالختم بهم أولى من غيرهم, إذ لم يكن عرض في الكلام ما يُصرف من أجله عنهم إلى غيرهم.

* * * وبنحو ذلك كان يقول قتادة: 12847 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وأكثرهم لا يعقلون " ، يقول: تحريمُ الشيطان الذي حرّم عليهم, (206) إنما كان من الشيطان، ولا يعقلون.

* * * --------------- (149) الأثر: 12819- رواه أبو جعفر بإسنادين: أولهما"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري" ، ثقة مضى برقم: 2377.

وأبوه: "عبد الله بن عبد الحكم بن أعين" ، الفقيه المصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، و"شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري" ، ثقة ، مضى برقم: 3034 ، 5314 وأبوه"الليث بن سعد" الإمام الجليل القدر ، مضى برقم: 186 ، 187 ، 2072 ، 2584 ، 9507.

و"ابن الهاد" هو: "يزيد بن الهاد" منسوبا إلى جده ، وهو: "يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد" ثقة ، مضى برقم: 2031 ، 3034 ، 4314.

وأما الإسناد الثاني فتفسيره: "يونس" هو"يونس بن عبد الأعلى الصدفي" ثقة مضى برقم: 1679 ، 3503 وغيرها.

و"عبد الله بن يوسف التنيسي الكلاعي" ثقة من شيوخ البخاري.

مترجم في التهذيب.

وخبر أبي هريره هذا ، من طريق الليث بن سعد ، عن يزيد بن الهاد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رواه أحمد في المسند رقم: 8773 ، وأشار إليه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 214) وقد رواه قبل من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب ، عن سعيد ، ورواه أحمد قبل ذلك منقطعا رقم: 7696 ، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة وقد استوفى أخي السيد أحمد في شرحه بيان ذلك.

وأما مسلم فقد رواه في صحيحه 17: 189 من طريق صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب عن سعيد.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 253 ، وذكر رواية البخاري الآنفة: "قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت ، عن الزهري هكذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف ، وسكت ولم ينبه عليه= قال ابن كثير: وفيما قاله الحاكم نظر ، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد عن ابن الهاد عن الزهري نفسه ، والله أعلم".

وتفسير كلام ابن كثير أن ابن الهاد قد ثبت سماعه من الزهري.

ولم يبين هو ما أراد أبو الحجاج بما قال ولم يفسره.

ولم يشر الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 214) إلى شيء مما قاله المزي.

وأما "القصب" (بضم فسكون): هي الأمعاء كلها.

وأما قوله: "سيب السيب" فإن"سيب الدابة أو الناقة أو الشيء": تركه يسيب حيث شاء ، أي يذهب حيث شاء.

وأما "السيب" (بضم السين وتشديد الياء المفتوحة) فهو جمع"سائبة" على مثال"نائحة ونوح" و"نائم ونوم" كما سلف في تعليقي على الأثر رقم: 10447 ، وشاهده رواه ابن هشام في سيرته هذا البيت (1: 93): حَــوْلَ الوَصَــائِل فِــي شُـرَيْفٍ حِقَّـــةٌ وَالحَامِيَـــاتُ ظُهُورُهــا وَالسُّيَّبُ وتجمع"سائبة" أيضًا على"سوائب" وهو القياس.

وقد جاء في إحدى روايتي صحيح مسلم (17: 189): "أول من سيب السيوب" (بضم السين والياء) وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار: "أول من سيب السوائب ، وفي الرواية الأخرى: أول من سيب السيوب" ، ولم يبين ذلك.

وبيانه أن"السيوب" جمع"سيب" (بفتح فسكون) مصدر سميت به"السائبة" وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف في يوم الشورى: "وإن الحيلة بالنطق أبلغ من السيوب في الكلم" وفسروه تفسيرين ، الأول ما في لسان العرب: "السيوب: ما سيب وخلى فساب أي ذهب" والآخر ما قاله الزمخشري في الفائق: "السيوب مصدر: ساب كان قياسا جمع"سائب" و"سائبة" على"سيوب" فإن ما جاء مصدره على"فعول" كان جمع"فاعل" منه على"فعول" مثل"شاهد وشهود" و"قاعد وقعود" و"حاضر وحضور" وقد ذكرت ذلك في تعليق سالف وانظر شرح الشافية 2: 158.

فهذا تفسير ما أغفله القاضي عياض ، والنووي في شرح صحيح مسلم.

وكان في المطبوعة: "أول من سيب السائبة" ، غير ما في المخطوطة وهو اطراح سيئ لأمانة العلم!!

وكتبه محمود محمد شاكر.

(150) الأثر: 12820-"محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي" روى له أصحاب الكتب الستة ، تابعي ثقة كثير الحديث مضى برقم: 4249.

و"أبو صالح" هو: "ذكوان السمان" ، تابعي ثقة.

مضى مرارًا.

وأما "محمد بن إسحق" ، صاحب السيرة ، فقد مضى توثيق أخي السيد أحمد له في رقم: 221 وفي غيره من كتبه.

وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره 3: 254 ، هو ورقم: 12822 ، وفي البداية والنهاية 2: 189 ، ثم قال"وليس هذان الطريقان في الكتب من هذا الوجه" يعني الصحاح وإلا فإن هذا الخبر ثابت بإسناد محمد بن إسحق في سيرة ابن هشام 1: 78 ، 79 وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد ص: 55 وذكره ابن الأثير بإسناده 1: 123 ، 124 ، وابن حجر في الإصابة (ترجمة: أكثم بن الجون) ونسبه لابن أبي عروبة وابن مندة من طريق ابن إسحق وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 338 فخلط في تخريجه تخليطا شديدا فقال: "أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه" وإنما ذلك رقم: 12822 ، الآتي بعد.

وسيأتي هذا الخبر مطولا من طريق أخرى رقم: 12827 ، وهو إسناد أبي جعفر الثاني في رواية سيرة ابن إسحق.

وقوله: "عسى أن يضرني شبهه" يعني: لعله يضرني شبهه ، يتخوف أن يكون ذلك.

وفي المطبوعة: "أخشى أن يضرني شبهه" وهو مخالف للرواية ، وإنما اختلط عليه خط ناسخ المخطوطة إذ كتبها مختلطة: "تحتي" كأنه أراد أن يكتب شيئًا ، ثم عاد عليه حتى صار"عسى" منقوطة وبمثل ما في المطبوعة ، جاءني في الدر المنثور.

وكثرة مثل ذلك دلتني على أن هذه النسخة المخطوطة التي ننشرها هي التي وقعت في يد السيوطي ، والصواب ما أثبته من السيرة ، ومن نقل عنها.

وكان في المخطوطة أيضًا: "وحمى الحمى" ، وهو خطأ محض ، صوابه من مراجع هذا الخبر.

(151) الأثر: 12821-"هشام بن سعد المدني""يتيم زيد بن أسلم" كان من أوثق الناس عن زيد وهو ثقة ، وتكلم فيه بعضهم مضى برقم: 5490.

وهذا خبر مرسل.

وسيأتي من طريق معمر ، عن زيد بن أسلم برقم: 12824.

(152) الأثر: 12822-"عبدة" هو"عبدة بن سليمان الكلابي" ثقة مضى قريبا برقم: 12729.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبيدة" وهو خطأ صوابه في تفسير ابن كثير.

و"محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي" و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضيا أيضًا في مثل هذا الإسناد رقم: 12729 وهذا إسناد رجاله ثقات.

وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 4: 605 ، من طريق أبي حاتم الرازي ، عن محمد ابن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو وفيه"فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف" مصرحا ثم قال: "وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.

وقد مر بك أن ابن كثير قال في تفسيره 3: 254 والبداية والنهاية 2: 189 ، أنه ليس في الكتب يعني الصحاح ولم يزد.

وأما الحافظ ابن حجر فخرجه في الإصابة (ترجمة أكثم بن الجون) من طريق أحمد بن حنبل ، عن محمد بن بشر العبدي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، بمثله ثم أشار إلى طريق الحاكم في المستدرك.

ولكن أعياني أن أجد خبر أحمد في المسند.

وأما الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم فقد رواه في كتاب جمهرة الأنساب ص: 223 من طريق علي بن عمر الدارقطني عن الحسين بن إسمعيل القاضي المحاملي عن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن محمد بن عمرو.

ثم قال أبو محمد بعد سياقه أحاديث البخاري ومسلم وهذا الحديث وهي أربعة هذا ثالثها: "أما الحديث الأول والثالث والرابع ، ففي غاية الصحة والثبات" فحكم لهذا الخبر بالصحة.

وفي المطبوعة هنا: "عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف""فلان" ثلاث مرات وهو مخالف لما في المخطوطة ، وخطأ بعد ذلك فإن ما بين"عمرو" و"خندف" اثنان لا ثلاثة.

وهكذا في المخطوطة والمطبوعة: "لا لأنك مسلم" ولولا اتفاقهما لرجحت أن تكون: "لا إنك مسلم" كما في رواية غيره.

(153) الأثر: 12823- هذا خبر مرسل كما ترى ، لم يرفعه عبد الرزاق.

(154) الأثر: 12824- هذا أيضًا خبر مرسل ، وهو طريق أخرى للخبر السالف رقم: 12821.

وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 214 ، 215) ثم قال: "والأول أصح" ، يعني ذكر هذا الرجل من بني مدلج ، أنه أول من بحر البحائر ، وأن الصواب ما جاء في الأخبار الصحاح قبل ، أنه عمرو بن لحي.

و"بنو مدلج" هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس ابن مضر بن نزار بن معد ليسوا من قريش.

وكانت فيهم القيافة والعيافة ، منهم"مجزز المدلجي" الذي سر النبي صلى الله عليه وسلم بقيافته (جمهرة الأنساب: 176 ، 177).

(155) هذه على وزن"فرح يفرح فرحًا".

(156) أعياني أن أجد قائله.

(157) سيأتي في التفسير 29: 19 (بولاق) لسان العرب (بحر)."علط البعير يعلطه علطًا" وسمه بالعلاط.

و"العلاط" (بكسر العين): سمة في عرض عنق البعير ، فإذا كان في طول العنق فهو"السطاع" (بكسر السين).

هذا تفسير اللغة أنه في العنق وأما أبو جعفر الطبري فقد قال في تفسيره (29: 19)"والعرب تقول: والله لأسمنك وسما لا يفارقك يريدون الأنف" ثم ذكر البيت وقال: "والنجر": داء يأخذ الإبل فتكوى على أنوفها.

وذكر هناك بالنون والجيم كما أثبته وله وجه سيأتي إلا أني أخشى أن يكون الصواب هناك ، كما هو هنا بالباء والحاء ، وقوله: "بحمى الميسم".

يقال: "حمى المسمار حميا وحموا": سخن في النار و"أحميت المسمار في النار إحماء".

و"الميسم" المكواة التي يوسم بها الدواب.

وأما "البحر" فقد فسره أبو جعفر ولكن الأزهري قال: "الداء الذي يصيب البعير فلا يروى من الماء هو النجر بالنون والجيم ، والبجر بالباء والجيم وأما البحر: فهو داء يورث السل".

وهذا البيت في هجاء رجل وإيعاده بالشر شرا يبقى أثره.

وكان في المطبوعة: "لأعطنك" بالكاف في آخره والصواب من المخطوطة ومما سيأتي في المطبوعة من التفسير (29: 19) ومن لسان العرب.

(158) في المطبوعة ، أسقط"له" وهي ثابته في المخطوطة: وهي صواب.

(159) الأثر: 12825- هذا الخبر رواه أبو جعفر بإسنادين هذا والذي يليه."عبد الحميد بن بيان القناد" شيخ أبي جعفر ، مضى مرارا.

و"محمد بن يزيد الكلاعي" الواسطي وثقه أحمد وهو من شيوخه مضى برقم: 11408.

و"إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي" ثقة مضى برقم: 5694 ، 5777.

و"أبو إسحق" هو السبيعي الإمام.

مضى مرارا.

و"أبو الأحوص" هو: "عوف بن مالك بن نضلة الجشمي" تابعي ثقة ، مضى برقم: 6172.

وأبوه: "مالك بن نضلة بن خديج الجشمي" ويقال: "مالك بن عوف بن نضلة" وبهذا ترجمه ابن سعد في الطبقات 6: 17.

وأما في التاريخ الكبير للبخاري 4/1/303 ، فإني رأيت فيه: "مالك بن يقظة الخزاعي والد أبي الأحوص له صحبة".

و"أبو الأحوص" المشهور هو"عوف بن مالك بن نضلة" فظني أن الذي في التاريخ خطأ فإني لم أجد هذا الاسم في الصحابة فيكون فيه خطأ في"يقظة" وهو"نضلة" وفي"الخزاعي" وهو: "الجشمي" والله أعلم.

وهذا الخبر جاء في المخطوطة كما أثبته وفي المطبوعة: "وتشق آذانها وتقول" بالإفراد فأثبت ما في المخطوطة.

وقوله: "مسلمة آذانها" أي: سليمة صحاحًا.

وسأشرح ألفاظه في آخر الخبر الآتي وما كان من الخطأ في المطبوعة والمخطوطة في"صرم" بعد تخريجه هناك.

(160) الأثر: 12826- هذا الخبر ، مكرر الذي قبله.

•رواه من طريق شعبة ، عن أبي إسحق مطولا أبو داود الطيالسي في مسنده: 184 رقم: 1303.

•ورواه أحمد في المسند عن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحق= ثم من طريق عفان عن شعبة في المسند 3: 473.

•ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10: 10 من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحق.

•وخرجه ابن كثير في تفسيره من رواية ابن أبي حاتم 3: 256 مطولا ولم ينسبه إلى غيره.

•وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 337 مطولا جدًا ونسبه إلى أحمد ، وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.

أما لفظه عند السيوطي فلا أدري لفظ من يكون ، فإنه ليس لفظ من ذكرت آنفا تخريج الخبر من كتبهم.

•ثم رواه أحمد في المسند 4: 136 ، 137 من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو ابن عمرو عن عمه أبي الأحوص عن أبيه بلفظ آخر مختلف كل الاختلاف.

•وهذا شرح غريب هذين الخبرين."نتج الناقة ينتجها نتجا" (على وزن: ضرب): إذا تولى نتاجها أي ولادها.

وأما قوله في الخبر الثاني: "هل تنتج إبل قومك" فهو بالبناء للمجهول.

يقال: "نتجت الناقة تنتج" (بالبناء للمجهول): إذا ولدت.

•و"جدع الأنف والأذن والشفة": إذا قطع بعض ذلك.

وأما قوله: "هذه صرم" فقد كتبت في المخطوطة والمطبوعة في الخبرين"حرم" بالحاء وكذلك وقع في تفسير ابن كثير ، والصواب من المراجع التي ذكرتها ومن بيان كتب اللغة في تفسير هذا الخبر.

•وتقرأ"صرم" في الخبر الأول بفتح فسكون و"الصرم" القطع سماها المصرومة بالمصدر كما يدل على صواب ذلك من قراءته ما جاء في شرح اللفظ في لسان العرب مادة (صرب).

وأما في الخبر الثاني فإن قوله: "هذه بحر" (بضم الباء والحاء) جمع"بحيرة" وقوله: "هذه صرم" (بضم الصاد والراء) جمع"صريمة" وهي التي قطعت أذنها وصرمت.

وهذا صريح ما قاله صاحب اللسان في مادتي"صرم" و"صرب" والزمخشري في الفائق"صرب" وروى أحمد في المسند 4: 136 ، 137: "صرماء" ولم تشر إليها كتب اللغة.

وأما الومخشري وصاحب اللسان فقد رويا: "وتقول: صربى" (على وزن سكرى).

وقال في تفسيرها: كانوا إذا جدعوا البحيرة أعفوها من الحلب إلا للضيف فيجتمع اللبن في ضرعها من قولهم: "صرب اللبن في الضرع": إذا حقنه لا يحلبه.

ورويا أنه يقال إن الباء مبدلة من الميم كقولهم"ضربة لازم ، ولازب" ، وأنه أصح التفسيرين.

(161) انظر تفسير"السائبة" فيما سلف 3: 386 تعليق: 1.

(162) في المطبوعة والمخطوطة: "عن أبي إسحق" وهو خطأ محض كما ترى في تخريجه.

(163) مضى في الأثر: 12820 ، "فما رأيت رجلا" وهذه رواية أخرى.

(164) في المطبوعة: "لا لأنك مسلم" غيرها وهي في المخطوطة وابن هشام كما أثبتها.

(165) في المطبوعة: "سيب السوائب فيهم" وأثبت ما في المخطوطة وإن كان الناسخ كتب"السائب فيهم" وصوابه من سيرة ابن هشام.

وهذا الشطر من الخبر هو حديث أبي هريرة وقد مضى آنفًا برقم: 12820 ومضى تخريجه هناك.

أما الشطر الثاني الذي وضعته في أول السطر فإنه من كلام ابن إسحق نفسه ، كما سترى في التخريج.

(166) في المطبوعة والمخطوطة: "إذاتابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيهما ذكر" إلا أن في المخطوطة: "ليس فيهم" وهما خطأ محض ، وصواب هذه العبارة هو ما أثبته من سيرة ابن هشام وغيرها إلا أنني جعلت"فيهن" مكان"بينهن" في سيرة ابن هشام لما سيأتي بعد في الخبر"فيهن" مكان"بينهن" فيما يقابلها من سيرة ابن هشام.

(167) الأثر: 12827- صدر هذا الخبر إلى قوله: "سيب السائب فيهم" هو حديث أبي هريرة السالف رقم: 12820 ، وهو في سيرة ابن هشام 1: 78 ، 79 ، وقد خرجته هناك.

وأما الشطر الثاني إلى آخر الخبر ، فهو من كلام ابن إسحق وهو في سيرة ابن هشام 1: 91 ، 92.

(168) في المطبوعة: لذكورهم دون إناثهم ، وفي المخطوطة: لذكورهم بينهم ، غير منقوطة والصواب من سيرة ابن هشام.

(169) في المطبوعة: "كانت تصنعه" والصواب من المخطوطة.

(170) الأثر: 12829-"يحيى بن إبراهيم المسعودي" شيخ الطبري هو: "يحيى ابن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى برقم: 84 ، 5379 ، 8811 ، 9744.

وأبوه: "إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى برقم: 84 ، 5379 ، 8811 ، 9744.

وأبوه"محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى في ذلك أيضا.

وجده"أبو عبيدة بن معن المسعودي" مضى أيضًا.

وكان في المطبوعة هنا: "هذا حام" وأثبت ما في المخطوطة.

(171) "المخضرمة" من النوق والشاء المقطوعة نصف الأذن أو طرف الأذن أو المقطوعة إحدى الأذنين وهي سمة الجاهلية.

وفي الحديث: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على ناقة مخضرمة".

(172) "العدي" (بكسر العين ودال مفتوحة): الغرباء يعني الأضياف كما جاء في سائر الأخبار.

هكذا هي في المخطوطة"العدي" أما المطبوعة ففيها: "للهدي" وهو تحريف وخطأ محض.

ولو كان في كتابة الناسخ خطأ فأقرب ذلك أن تكون"للمعتري" يقال: "عراه يعروه واعتراه" إذا غشيه طالبا معروفه.

ويقال: "فلان تعروه الأضياف وتعتريه" أي تغشاه وبذلك فسروا قول النابغة: أَتَيْتُــكَ عَارِيًــا خَلَقًــا ثِيَــابِيْ عَــلَى خَـوْفٍ تُظَـنَّ بِـيَ الظُّنُـون أي: ضيفًا طالبًا لرفدك.

(173) في المطبوعة: "...

عند آلهتهم لتذبح فتخلط بغنم الناس" غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا.

وقوله: "فتذهب فتختلط" ذكرت في 7: 457 تعليق: 6 أن العرب تجعل"ذهب" من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام طلبا لتصوير حركة أو بيان فعل مثل قولهم: "قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه" لا يراد بهما معنى"الذهاب" و"القعود" ومثلهما كثير في كلامهم ثم انظر هذا ص: 250ن 251 ، تعليق: 1.

(174) "ضرب" من"الضراب" (بكسر الضاد) وهو سفاد الجمل الناقة ونزوه عليها.

(175) في المطبوعة حذف قوله: "والحامي اسم" لظنه أنه زيادة لا معنى لها.

ولكنه أراد أن"الحامي" اسم لهذا الجمل من ولد البحيرة ، وليس باسم فاعل.

(176) قوله: "توأمت" هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ولم أجدهم قالوا في ذلك المعنى إلا: "أتأمت المرأة وكل حامل": إذا ولدت اثنين في بطن واحد.

فهذا حرف لا أدري ما أقول فيه إلا أنه هكذا جاء هنا.

(177) في المطبوعة والمخطوطة: "ترك" بغير لام ، والذي أثبته أشبه عندي بالصواب.

(178) في المطبوعة والمخطوطة: "فما لم يكن سقبا" وصواب ذلك ما أثبت.

و"السقب" الذكر من ولد الناقة.

قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة ولدها فولدها ساعة تضعه"سليل" قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى.

فإذا علم فإن كان ذكرا فهو"سقب".

(179) في المطبوعة والمخطوطة: "مثل الإبل" وهو خطأ لا شك فيه.

(180) في المطبوعة والمخطوطة: "فلا تمتنع" ، والصواب ما أثبت.

(181) "الربع" (بضم الراء وفتح الباء): الفصيل الذي ينتح في الربيع ، وهو أول النتاح ، والأنثى"ربعة".

(182) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "يسمى السائبة" ، وأرجح أن الصواب: "يسيب السائبة" ، (183) "العناق" (بفتح العين): الأنثى من ولد المعز.

(184) في المطبوعة والمخطوطة: "يمنع" بالعين ، وصوابه بالحاء.

(185) في المطبوعة: "تبكر" ، والصواب من المخطوطة.

ويقال: "ابتكرت الحامل" ، إذا ولدت بكرها ، و"أثنت" في الثاني ، و"ثلثت" في الثالث.

(186) في المطبوعة: "المعدود" بغير تاء في آخره ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.

(187) في المطبوعة: "فإن كان الخامس" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.

(188) في المطبوعة: "وأحرز أولاد ولده" ، صوابه من المخطوطة."أحرزه": صانه وحفظه ووقاه.

(189) في المطبوعة: "كانت تعمل به" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(190) في المطبوعة والمخطوطة: "يمنع درها" ، والصواب ما أثبت.

(191) في المطبوعة والمخطوطة هنا"تبكر" ، وانظر ما سلف ص: 131 تعليق2.

(192) حذف في المطبوعة: "أخواتها" ، ولا ضرورة لحذفها ، فالكلام مستقيم.

(193) في المطبوعة والمخطوطة: "نقص ضرابه" ، وهو لا معنى له ، والصواب: "نفض" بالنون والفاء والضاد.

يقال"نفضت الإبل وأنفضت": نتجت كلها.

قال ذو الرمة: كِـلاَ كَفْأَتَيهْـا تُنْفِضَـانِ، وَلَـمْ يَجِـدْ لَهَـا ثِيـلَ سَـقْبٍ في النِّتَاجَيْنِ لاَ مِسُ يعني: أن كل واحد من الكفأتين (يعني النتاجين) تلقى ما في بطنها من أجنتها ، فتوجد إناثًا ليس فيها ذكر.

وقوله: "نفض ضرابه" ، لم تذكر كتب اللغة هذه العبارة ، ولكن هذا هو تفسيرها: أن تلد النوق التي ضربها إناثًا متتابعات ليس بينهن ذكر ، كما سلف في الآثار التي رواها أبو جعفر.

(194) كان في المطبوعة: "لا توصل إلى عمله" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.

(195) السياق: "لا يوصل إلى عمله.

.

.

إلا بخبر".

(196) في المطبوعة: "موصلا إلى حقيقته" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب المعنى.

(197) في المطبوعة: "كانوا محرمين من أنعامهم" ، والجيد من المخطوطة.

(198) في المطبوعة: "ما أحله الله" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(199) الأثر: 12845 -"محمد بن أبي موسى" ، مضى برقم: 10556.

(200) في المطبوعة: "يعقلون أنهم افتروا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(201) في المطبوعة: "ممن سنوا لأهل الشرك ، .

.

.

وغيروا" بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، لا يرده أنه قال بعده"وأضافوا" بالجمع.

(202) في المطبوعة: "وهم يعمهون" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(203) قوله: "وأن يقال" ، معطوف على قوله في أول الفقرة: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال.

.

.".

(204) انظر تفسير"افترى" فيما سلف 6: 292/8: 451.

(205) في المطبوعة ، أسقط"قبل" ، لسوء كتابتهافي المخطوطة.

(206) في المطبوعة: "يقول: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم" ، زاد وغير ، فأفسد الجملة إفسادًا ، وهو يظن أنه يصلحها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلونفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ما جعل الله جعل هنا بمعنى سمى ، كما قال تعالى : إنا جعلناه قرآنا عربيا : أي : سميناه ، والمعنى في هذه الآية ما سمى الله ، ولا سن ذلك حكما ، ولا تعبد به شرعا ، بيد أنه قضى به علما ، وأوجده بقدرته وإرادته خلقا ; فإن الله خالق كل شيء من خير وشر ، ونفع وضر ، وطاعة ومعصية .الثانية : قوله تعالى : من بحيرة ولا سائبة من زائدة ، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي على وزن النطيحة والذبيحة ، وفي الصحيح عن سعيد بن المسيب : البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت ، فلا يحتلبها أحد من الناس ، وأما السائبة فهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ، وقيل : البحيرة لغة هي الناقة المشقوقة الأذن ; يقال : بحرت أذن الناقة أي : شققتها شقا واسعا ، والناقة بحيرة ومبحورة ، وكان البحر علامة التخلية .

قال ابن سيده : يقال البحيرة هي التي خليت بلا راع ، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة .

قال ابن إسحاق : البحيرة هي ابنة السائبة ، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر ، لم يركب ظهرها ولم وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها ، وخلي سبيلها مع أمها ، فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها ; فهي البحيرة ابنة السائبة ، وقال الشافعي : إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت ; قال :[ ص: 257 ]محرمة لا يطعم الناس لحمها ولا نحن في شيء كذاك البحائروقال ابن عزيز : البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء ، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها - أي : شقوه - وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها - وقاله عكرمة - فإذا ماتت حلت للنساء .

والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض ، أو بلغه منزله أن يفعل ذلك ، فلا تحبس عن رعي ولا ماء ، ولا يركبها أحد ; وقال به أبو عبيد ; قال الشاعر :وسائبة لله تنمن تشكرا إن الله عافى عامرا أو مجاشعاوقد يسيبون غير الناقة ، وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء ، وقيل : السائبة هي المخلاة لا قيد عليها ، ولا راعي لها ; فاعل بمعنى مفعول ، نحو عيشة راضية أي : مرضية .

من سابت الحية وانسابت ; قال الشاعر :عقرتم ناقة كانت لربي وسائبة فقوموا للعقابوأما الوصيلة والحام ; فقال ابن وهب ، قال مالك : كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يسيبونها ; فأما الحام فمن الإبل ; كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه ; وأما الوصيلة فمن الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها ، وقال ابن عزيز : الوصيلة في الغنم ; قال : كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا ; فإن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء ، وإن كان أنثى تركت في الغنم ، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تذبح لمكانها ، وكان لحمها حراما على النساء ، ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء .

والحامي الفحل إذا ركب ولد ولده .

قال :حماها أبو قابوس في عز ملكه كما قد حمى أولاد أولاده الفحلويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء ، وقال ابن إسحاق : الوصيلة الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر ، قالوا : وصلت ; فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث ، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم .الثالثة : روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت عمرو بن عامر [ ص: 258 ] الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب وفي رواية عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار ، وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون : رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم : أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله ; قال : لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أول من غير دين إسماعيل وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي وفي رواية : رأيته رجلا قصيرا أشعر له وفرة يجر قصبه في النار .

وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنه يؤذي أهل النار بريحه .

مرسل ذكره ابن العربي ، وقيل : إن أول من ابتدع ذلك جنادة بن عوف ، والله أعلم ، وفي الصحيح كفاية ، وروى ابن إسحاق : أن سبب نصب الأوثان ، وتغيير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق - ويقال عملاق - بن لاوذ بن سام بن نوح ، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟

قالوا : هذه أصنام نستمطر بها فنمطر ، ونستنصر بها فننصر ; فقال لهم : أفلا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ؟

فأعطوه صنما يقال له : ( هبل ) فقدم به مكة فنصبه ، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه ; فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب يفترون على الله الكذب بقولهم : إن الله أمر بتحريمها ، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله ، وطاعة الله إنما تعلم من قوله ، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول ، فكان ذلك مما يفترونه على الله ، وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا يعني من الولد والألبان ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة يعني إن وضعته ميتا اشترك فيه الرجال والنساء ; فذلك قوله عز وجل : فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم أي : بكذبهم العذاب في الآخرة إنه حكيم عليم أي : بالتحريم والتحليل .

وأنزل عليه : [ ص: 259 ] قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون وأنزل عليه : ثمانية أزواج وأنزل عليه : وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه الآية .الرابعة : تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس ورده الأوقاف ; بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعله من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها ، وقاس على البحيرة والسائبة والفرق بين ، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال : هذه تكون حبسا ، لا يجتنى ثمرها ، ولا تزرع أرضها ، ولا ينتفع منها بنفع ، لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة ، وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء : ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب ، وقال نحوه ابن زيد ، وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر ; وهو قول شريح إلا أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدثه ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : احبس الأصل وسبل الثمرة ، وبه يحتج كل من أجاز الأحباس ; وهو حديث صحيح قاله أبو عمر .

وأيضا فإن المسألة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف ، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة ، وروي أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد : إن الحبس لا يجوز ; فقال له مالك : هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه ، وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه ; لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم ، أو تكليف فرض عليهم في قطع طريق الانتفاع وإذهاب نعمة الله تعالى ، وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل ، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف ، ومما احتج به أبو حنيفة وزفر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال : سألت شريحا عن رجل جعل داره حبسا على الآخر من ولده فقال : لا حبس عن فرائض الله ; قالوا : فهذا شريح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك .

واحتج أيضا بما رواه ابن لهيعة عن أخيه عيسى ، عن عكرمة عن ابن عباس ، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة " النساء " وأنزل الله فيها الفرائض : ينهى عن الحبس .

قال الطبري : الصدقة التي [ ص: 260 ] يمضيها المتصدق في حياته على ما أذن الله به على لسان نبيه وعمل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله ; ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يخالف السنة ، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق ; وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة ، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره ، وأخوه غير معروف فلا حجة فيه ; قاله ابن القصار .فإن قيل : كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك ؟

قال الطحاوي يقال لهم : وما ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدا للمسلمين ، ويخلي بينهم وبينها ، وقد خرجت بذلك من ملك إلى غير مالك ، ولكن إلى الله تعالى ; وكذلك السقايات والجسور والقناطر ، فما ألزمت مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله .

والله أعلم .الخامسة : اختلف المجيزون للحبس فيما للمحبس من التصرف ; فقال الشافعي : ويحرم على الموقف ملكه كما يحرم عليه ملك رقبة العبد ، إلا أنه جائز له أن يتولى صدقته ، وتكون بيده ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه ; لأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يزل يلي صدقته - فيما بلغنا - حتى قبضه الله عز وجل .

قال : وكذلك علي وفاطمة رضي الله عنهما كانا يليان صدقاتهما ; وبه قال أبو يوسف ، وقال مالك : من حبس أرضا أو نخلا أو دارا على المساكين وكانت بيده يقوم بها ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه ، أنه ليس بحبس ما لم يجزه غيره وهو ميراث ; والربع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها ، ولا يتم حوزها ، حتى يتولاه غير من حبسه ، بخلاف الخيل والسلاح ، هذا محصل مذهبه عند جماعة أصحابه ; وبه قال ابن أبي ليلى .السادسة : لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ; لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه ، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته ; وإنما يجوز له الانتفاع إن شرط ذلك في الوقف ، أو أن يفتقر المحبس ، أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه .

ذكر ابن حبيب عن مالك قال : من حبس أصلا تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا - كانوا يوم حبس أغنياء أو فقراء - غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس ، ولكن يبقى منه سهم للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس ; ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على سبيل المسكنة ، وليس على حق لهم دون المساكين .السابعة : عتق السائبة جائز ; وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي العتق ، أو يقول : [ ص: 261 ] أعتقتك سائبة ; فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ولاءه لجماعة المسلمين ، وعتقه نافذ ; هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب وغيرهم ، وبه قال ابن وهب ; وروى ابن وهب عن مالك قال : لا يعتق أحد سائبة ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته ; قال ابن عبد البر : وهذا عند كل من ذهب مذهبه إنما هو محمول على كراهة عتق السائبة لا غير ; فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه ، وروى ابن وهب أيضا وابن القاسم عن مالك أنه قال : أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه ; فإن وقع نفذ وكان ميراثا لجماعة المسلمين ، وعقله عليهم ، وقال أصبغ : لا بأس بعتق السائبة ابتداء ; ذهب إلى المشهور من مذهب مالك ; وله احتج إسماعيل القاضي ابن إسحاق وإياه تقلد ، ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض بالمدينة لا ينكره عالم ، وأن عبد الله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا سائبة .

وروي عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزناد وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم .قلت : أبو العالية الرياحي البصري التميمي - رضي الله عنه - ممن أعتق سائبة ; أعتقته مولاة له من بني رياح سائبة لوجه الله تعالى ، وطافت به على حلق المسجد ، واسمه رفيع بن مهران ، وقال ابن نافع : لا سائبة اليوم في الإسلام ، ومن أعتق سائبة كان ولاؤه له ; وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن الماجشون ، ومال إليه ابن العربي ; واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : من أعتق سائبة فولاؤه له وبقوله : إنما الولاء لمن أعتق .

فنفى أن يكون الولاء لغير معتق ، واحتجوا بقوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة وبالحديث لا سائبة في الإسلام وبما رواه أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل قال : قال رجل لعبد الله : إني أعتقت غلاما لي سائبة فماذا ترى فيه ؟

فقال عبد الله : إن أهل الإسلام لا يسيبون ، إنما كانت تسيب الجاهلية ; أنت وارثه وولي نعمته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا ذم للمشركين الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما أحله الله، فجعلوا بآرائهم الفاسدة شيئا من مواشيهم محرما، على حسب اصطلاحاتهم التي عارضت ما أنزل الله فقال: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ } وهي: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة.

{ وَلَا سَائِبَةٍ } وهي: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئا من ماله يجعله سائبة.

{ وَلَا حَامٍ } أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم.

فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان.

وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم وعدم عقلهم، ولهذا قال: { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } فلا نقل فيها ولا عقل، ومع هذا فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل :" ما جعل الله من بحيرة "أي: ما أنزل الله ولا أمر به، " ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام "، قال ابن عباس في بيان هذه [الأوضاع]: البحيرة هي الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها، ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوها وحرم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء .

وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها ، فهي البحيرة بنت السائبة .

وقال أبو عبيد : السائبة البعير الذي يسيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال إن شفاني الله تعالى أو شفي مريض أو رد غائبي فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة .

وقال علقمه : هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث.وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما الولاء لمن أعتق" .

والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة، كقوله تعالى " ماء دافق " أي: مدفوق " عيشة راضية " .

وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكرأ ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت انثى تركوها في الغنم وإن كان ذكراً وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراماً على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا .

وأما الحام: فهو الفحل إذا ركب ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن ، قالوا حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسانعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء .

قال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمر بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار ، وكان أول من سيب السوائب " .

قوله عز وجل : ( ما جعل الله من بحيرة ) أي : ما أنزل الله ولا أمر به ، ( ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) قال ابن عباس في بيان هذه [ الأوضاع ] البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها ، أي : شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ، ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء ، وإن كان أنثى بحروا أذنها ، أي : شقوها وتركوها وحرم على النساء لبنها ومنافعها ، وكانت منافعها خاصة للرجال ، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء .

وقيل : كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، كما فعل بأمها ، فهي البحيرة بنت السائبة .

وقال أبو عبيد : السائبة البعير الذي يسيب ، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال إن شفاني الله تعالى أو شفي مريضي أو عاد غائبي ، فناقتي هذه سائبة ، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة .

وقال علقمة : هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الولاء لمن أعتق " .

والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة ، وهي المسيبة ، كقوله تعالى ( ماء دافق ) أي : مدفوق و ) ( عيشة راضية ) وأما الوصيلة : فمن الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السابع ذكرا ذبحوه ، فأكل منه الرجال والنساء ، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى ، وقالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوه ، وكان لبن الأنثى حراما على النساء ، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا .

وأما الحام : فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ، ويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن ، قالوا : حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء ، فإذا مات أكله الرجال والنساء .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس ، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء .

قال أبو هريرة : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيب السوائب " .

روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي : " يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [ بن خندق ] يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك " وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ، ووصل الوصيلة وحمى الحام ، " فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه " ، فقال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله؟

فقال : " لا إنك مؤمن وهو كافر " .

قوله عز وجل : ( ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) في قولهم الله أمرنا بها ( وأكثرهم لا يعقلون ) .

روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيميعن أبي صالح السمان عن أبي هريرة]:قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاكثم بن جون الخزاعي: "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [بن خندق] يجر قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله ؟

فقال : لا إنك مؤمن وهو كافر" .

قوله عز وجل: " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب "، في قولهم الله أمرنا بها " وأكثرهم لا يعقلون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما جعل» شرع «الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام» كما كان أهل الجاهلية يفعلونه، روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدودة فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من أن يحمل عليه شيء وَسَمَّوْه الحامي «ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب» في ذلك وفي نسبته إليه «وأكثرهم لا يعقلون» أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل، ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه، وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض الأوهام والخرافات التي كان أهل الجاهلية يتمسكون بها ، ويعتبرونها من العادات الدينية الراسخة في نفوسهم ، مع أنها لا أصل لها ، وإنما هم الذين ابتدعوها ونسبوها إلى دين الله بدون دليل أو برهان فقال - تعالى - :( مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ .

.

.

)قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها ، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها .

ولما كان الكفار يحرمون على انفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات - وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها - بين تعالى - أن ذلك باطل فقال : ( مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ )وجعل هنا بمعنى شرع ووضع ، و ( من ) زائد لتأكيد النفي والبحيرة بزنة فعيلة بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق .وكانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر ، شقوا أذنها ومنعوا ركوبها ، وتركوها لآلهتهم وامتنعوا عن نحرها وركوبها .

وسموها " البحيرة " أي : مشقوقة الأذن .وعن قتادة أنهم كانوا إذا أنجبت خمسة أبطن نظروا في الخامس فإن ذكر ذبحوه وأكلوه ، وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى دون أن يستعملها أحد في حلب أو ركوب .والسائبة بزنة فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض .

يقال ساب الماء إذا ترك يجري .قال أبو عبيدة : كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر أو شفى من مرض .

سيب ناقته وخلاها وجعلها كالبحيرة وتسمى السائبة .وقال محمد بن إسحاق : السائبة هي الناقة تلد عشرة أبطن إناث ، فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها ، ولا يشرب لبنها إلا ضيف .وعن ابن عباس : هي التي تسيب للأصنام ، فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم .والوصيلة بزنة فعيلة بمعنى فاعله .

قال الفراء هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين - أي اثنين اثنين - وإذا ولدت في آخرها انثى وذكرا .

قيل : وصلت أخاها .

فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء ، وتجري مجرى السائبة في تركها دون أن يجز وبرها .وقال الزجاج : هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت انثى كانت لهم وإذا ولدت ذكرا وانثى قالوا : وصلت أخاها فلا تذبح ويكون الذكر لآلهتهم .وقيل : هي الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بأنثى ، فكانوا يتركونها للطواغيت ، ويقولون : قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر .والحام اسم فاعل من حمى يحمي أي منع .قال الفراء : هو الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء أو مرعى .وقال أبو عبيدة : هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون : حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء أو مرعى .هذه بعض الأقوال التي ذكرها العلماء في تفسير هذه الألفاظ الأربعة ، وهناك أقوال أخرى سواها تختلف عنها .ويبدو أن الخلاف في حقيقة هذه الأربعة مرجعه إلى اختلاف القبائل في بلاد العرب واختلاف الأماكن التي يقيمون فيها ، والعادات الباطلة التي شبوا عليها وألفوها .هذا ، وقد ذكر ابن كثير بعض الروايات التي وردت في تفسيره هذه الألفاظ ، كما ذكر أول من أدخل هذه العادات الباطلة في بلاد العرب فقال ما ملخصه : " روى البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن المسيب قال .

البحيرة : هي التي تكون درها للطواغيت .

والسائبة : هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء ، والوصيلة : الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإِبل ثم تثنى بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر .

والحام : فحل الإِبل يضرب الضرائب المعدود فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت ولا يحملون عليه شيئا .وروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن أول من سيب السوائب وعبد الإِصنام أبو خزاعة عمرو بن لحي وإني رأيته يجر أمعاءه في النار " .والمعنى : ما شرع الله - تعالى - شيئاً مما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل الجاهلية أكلها والانتفاع بها من عند أنفسهم بدون علم أو برهان ، وهم في هذا التحريم إنما يفترون على الله الكذب الصريح أنفسهم بدون علم أو برهان ، وهم في هذا التحريم إنما يفترون على الله الكذب الصريح القاطع بسبب كفرهم وضلالهم وأكثرهم لا يفقهون الحق ولا يستجيبون له انقيادا لأهوائهم ورؤسائهم .والمراد بالذين كفروا في قوله ( ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب ) رؤساؤهم وزعماؤهم الذين يأتون لعوامهم الفاسدة والمزاعم الباطلة ، وينسبونها إلى دين الله كذبا وزورا .والمراد بأكثرهم في قوله : ( وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) عوامهم ودهماؤهم الذين يسيرون خلف كل ناعق بدون تفكير أو تدبر .وقد عبر - سبحانه - بقوله ( وَأَكْثَرُهُمْ ) إنصافاً للقلة العاقلة التي خالفت هذه الأوهام الباطلة ، وإستجابت للحق عند ظهوره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها، بيّن تعالى أن ذلك باطل فقال: ﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ .

المسألة الثانية: أعلم أنه يقال: فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل، وبعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً فعل، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر، وأما إنه واقع على أعمال القلوب، فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيء نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ وأما عمل فإنه أخص من فعل، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح، ولا يقع على الهم والعزم والقصد، والدليل عليه قوله عليه السلام: «نية المؤمن خير من عمله» جعل النية خيراً من العمل، فلو كانت النية عملاً، لزم كون النية خيراً من نفسها، وأما جعل فله وجوه: أحدها: الحكم ومنه قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين عَمَّ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ .

وثانيها: الخلق، ومنه قوله: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ .

وثالثها: بمعنى التصيير ومه قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءاناً عَرَبِيّاً  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ الله ﴾ أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر به.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر هاهنا أربعة أشياء: أولها: البحيرة: وهي فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعول، قال أبو عبيدة والزجاج: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسيبوها لآلهتهم، ولا يجز لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعيي لم يركبها تحريجاً.

وأما السائبة: فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال: ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، وهي المسيبة كعيشة راضية بمعنى مرضية، وذكروا فيها وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو عبيدة، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيراً، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها.

وثانيها: قال الفراء: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف.

وثالثها: قال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

ورابعها: السائبة هو العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث.

وأما الوصيلة: فقال المفسرون: إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها، وأما الحام فيقال: حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه: أحدها: الفحل إذا ركب ولد ولده.

قيل: حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذٍ تأكله الرجال والنساء.

وثانيها: إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم.

وثالثها: الحام هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها، وهو قول السدي.

فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فلم لا يجوزإعتاق هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام.

قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقب بضرب الرق عليه، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى، فكان ذلك عبادة مستحسنة، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة، فظهر الفرق، وأيضاً الإنسان إذا كان عبداً فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قال المفسرون: إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه» والقصب المعا وجمعه الاقصاب، ويروي يجر قصبه في النار.

قال ابن عباس: قوله: ﴿ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب ﴾ يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي شقوها وحرّموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيّي لم يركبها.

واسمها البحيرة.

وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة.

وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.

وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث.

وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم.

فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا من حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

ومعنى ﴿ مَّا جَعَلَ ﴾ ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا ﴿ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو أنَّهم إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها أيْ شَقُّوها وخَلَّوْا سَبِيلَها، فَلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَقُولُ: إنْ شُفِيتُ فَناقَتِي سائِبَةٌ ويَجْعَلُها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها، وإذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ وإنْ ولَدَتْهُما قالُوا وصَلَتِ الأُنْثى أخاها فَلا يُذْبَحُ لَها الذَّكَرُ، وإذا نَتَجَتْ مِن صُلِبِ الفَحْلِ عَشَرَةَ أبْطُنٍ حَرَّمُوا ظَهْرَهُ ولَمْ يَمْنَعُوهُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى وقالُوا: قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ، ومَعْنى ما جَعَلَ ما شَرَعَ ووَضَعَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو البَحِيرَةُ ومِن مَزِيدَةٌ.

﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والمُبِيحِ مِنَ المُحَرَّمِ، أوِ الآمِرَ مِنَ النّاهِي ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ كِبارَهم وفِيهِ أنَّ مِنهم مَن يَعْرِفُ بُطْلانَ ذَلِكَ ولَكِنْ يَمْنَعُهم حُبُّ الرِّياسَةِ وتَقْلِيدُ الآباءِ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} كان أهل الجاهلية إذا

نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا إذنها أى شقوها وامتنعوا عن ركوبها وذبحا ولا تطرد عن ماء ولا مرعى واسمها البحيرة وكان يقول الرجل إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها وقيل كان الرجل إذا أعتق عبداً قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع ذكراً أكله الرجال وإن كان أنثى أرسلت في الغنم وكذا إن كان ذكراً وأنثى وقالوا وصلت أخاها فالوصيلة بمعنى الواصلة وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى ومعنى ما جعل ما شرع ذلك ولا أمر به {ولكن الذين كَفَرُواْ} بتحريمهم ما حرموا {يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب} في نسبتهم هذا التحريم إليه {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الاسْمِيَّةِ أوْ لِحَذْفِ المَوْصُوفِ، قالَ الزَّجّاجُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها وشَقُّوها وامْتَنَعُوا عَنْ نَحْرِها ورُكُوبِها ولا تُطْرَدُ مِن ماءٍ ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعى وهي البَحِيرَةُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نُظِرَ في الخامِسِ فَإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ وأكَلُوهُ وإنْ كانَ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَها وتَرَكُوها تَرْعى ولا يَسْتَعْمِلُها أحَدٌ في حَلْبٍ ورَكُوبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: البَحِيرَةُ هي الأُنْثى الَّتِي تَكُونُ خامِسَ بَطْنٍ وكانُوا يُحِلُّونَ لَحْمَها ولَبَنَها لِلنِّساءِ فَإنْ ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ في أكْلِها، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ ومُجاهِدٍ أنَّها بَنْتُ السّائِبَةِ وسَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وكانَتْ تُهْمَلُ أيْضًا وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا وقِيلَ: عَشَرَةُ أبْطُنٍ وتُتْرَكُ هَمَلًا وإذا ماتَتْ حَلَّ لَحْمُها لِلرِّجالِ خاصَّةً وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها الَّتِي مُنِعَ لِبَنُها لِلطَّواغِيتِ فَلا تُحْلَبُ، وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ خَمْسَ إناثٍ فَشَقُّوا أُذُنَها وتَرَكُوها هَمَلًا، وجَعَلَها في القامُوسِ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الشّاءِ خاصَّةً، وكَما تُسَمّى بِالبَحِيرَةِ تُسَمّى بِالغَزِيرَةِ أيْضًا وقِيلَ: هي السَّقْبُ الَّذِي إذا وُلِدَ شَقُّوا أُذُنَهُ وقالُوا: اللَّهُمَّ إنْ عاشَ فَعَيِي وإنْ ماتَ فَذُكِّيَ فَإذا ماتَ أكَلُوهُ، وقِيلَ: هي الَّتِي تُتْرَكُ في المَرْعى بِلا راعٍ ﴿ ولا سائِبَةٍ ﴾ هي فاعِلَةٌ مِن سَيَّبْتُهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأهْمَلْتُهُ فَهو سائِبٌ وهي سائِبَةٌ أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.

واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي النّاقَةُ تُبْطِنُ عَشْرَةَ أبْطُنِ إناثٍ فَتُهْمَلُ ولا تُرْكَبُ ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ ونُسِبَ إلى مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ فَتُعْطى لِلسَّدَنَةِ ولا يَطْعَمُ مِن لَبَنِها إلّا أبْناءُ السَّبِيلِ ونَحْوُهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: هي البَعِيرُ يُدْرِكُ نِتاجَ نِتاجِهِ فَيُتْرَكُ ولا يِرْكَبُ، وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَعِيدٍ أوْ نَجَتْ دابَّتُهُ مِن مَشَقَّةٍ أوْ حَرْبٍ قالَ: هي سائِبَةٌ أوْ كانَ يَنْزِعُ مِن ظَهْرِها فَقّارَةً أوْ عَظْمًا وكانَتْ لا تُمْنَعُ عَنْ ماءٍ ولا كَلَإٍ ولا تُرْكَبُ، وقِيلَ: هي ما تُرِكَ لِيُحَجَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هي العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ ولا عَقْلٌ ولا مِيراثٌ ﴿ ولا وصِيلَةٍ ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ؛ وقِيلَ: مَفْعُولَةٌ والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ بَيانُ المُرادِ بِها.

واخْتُلِفَ فِيهِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ وإذا ولَدَتْ في آخِرِها عَناقًا وجَدْيًا قِيلَ: وصَلَتْ أخاها فَلا يَشْرَبُ لَبَنَ الأُمِّ إلّا الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ وتَجْرِي مَجْرى السّائِبَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا كانَ لِآلِهَتِهِمْ وإذا ولَدَتْ أُنْثى كانَتْ لَهم وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الشّاةُ تَلِدُ ذَكَرًا ثُمَّ أُنْثى فَتَصِلُ أخاها فَلا يَذْبَحُونَ أخاها مِن أجْلِها وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا قالُوا: هَذا قُرْبانٌ لِآلِهَتِنا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ يَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ إلّا أنْ تَمُوتَ فَتَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ وكَذا إنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَتُتْرَكُ مَعَهُ ولا يَنْتَفِعُ بِها إلّا الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ فَإنْ ماتَتِ اشْتَرَكُوا فِيها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ وأكَلُوا مِنهُ دُونَ النِّساءِ وقالُوا: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا مُحَرَّمَةٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى فَكَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: وهي الشّاةُ تُنْتِجُ عَشْرَةَ إناثٍ مُتَوالِياتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ فَما ولَدَتْ بَعْدَهُ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، فَإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى مَعًا قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها، وقِيلَ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ أوْ ثَلاثَةً فَإنْ كانَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ، وإنْ كانَ أُنْثى أبْقَوْها وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَصِيلَةُ مِنَ الإبِلِ وهي النّاقَةُ تُبَكِّرُ فَتَلِدُ أُنْثًى ثُمَّ تُثَنِّي بِوِلادَةِ أُنْثى أُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ فَيَتْرُكُونَها لِآلِهَتِهِمْ ويَقُولُونَ: قَدْ وصَلَتْ أُنْثًى بِأُنْثى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، وقِيلَ: هي النّاقَةُ الَّتِي وصَلَتْ بَيْنَ عَشَرَةِ أبْطُنٍ لا ذَكَرَ بَيْنَهُما ﴿ ولا حامٍ ﴾ هو الفاعِلُ مِنَ الحِمى بِمَعْنى المَنعِ.

واخْتُلِفَ فِيهِ أيْضًا فَقالَ الفَرّاءُ: هو الفَحْلُ إذْ لَقَّحَ ولَدَ ولَدِهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَيُهْمَلُ ولا يُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وابْنِ مَسْعُودٍ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ أنَّهُ الفَحْلُ يُوَلَّدُ مِن ظَهْرِهِ عَشْرَةُ أبْطُنٍ فَيَقُولُونَ: حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ومَرْعى.

وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ الفَحْلُ يَضْرِبُ في مالِ صاحِبِهِ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ فَيَحْمِي ظَهْرَهُ، وجُمِعَ بَيْنَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ في كُلِّ تِلْكَ الأنْواعِ بِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ أفْعالُهم فِيها.

والمُرادُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ.

ومَعْنى ﴿ ما جَعَلَ ﴾ ما شَرَعَ ولِذَلِكَ عَدى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو ﴿ بَحِيرَةٍ ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها و (مِن) سَيْفُ خَطِيبٍ أُتِيَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

وأنْكَرَ بَعْضُهم مَجِيءَ (جَعَلَ) بِمَعْنى شَرَعَ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وجَعَلَها هُنا لِلتَّصْيِيرِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ ما جَعَلَ البَحِيرَةَ ولا ولا مَشْرُوعَةً ولَيْسَ كَما قالَ فَإنَّ الرّاغِبَ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وهو ثِقَةٌ لا يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ ﴿ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ويَقُولُونَ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَنا بِهَذا وإمامُهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَإنَّهُ في المَشْهُورِ أوَّلُ مَن فَعَلَ تِلْكَ الأفاعِيلَ الشَّنِيعَةَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ: "يا أكْثَمُ عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ فَرَأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قَصَبَهُ في النّارِ فَما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنكَ بِهِ ولا بِهِ مِنكَ، فَقالَ أكْثَمُ: أخْشى أنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لا إنَّكَ مُؤْمِنٌ وهو كافِرٌ أنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَحَّرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ وحَمّى الحامِيَ،» وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ووَصَّلَ الوَصِيلَةَ» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ونَصَبَ النُّصُبَ وأوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أخُو بَنِي كَعْبٍ لَقَدْ رَأيْتُهُ يَجُرُّ قَصَبَهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قَصَبِهِ، وإنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحائِرَ قالَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: رَجُلٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ كانَتْ لَهُ ناقَتانِ فَجَدَعَ آذانَهُما وحَرَّمَ ألْبانَهُما وظُهُورَهُما وقالَ: هاتانِ لِلَّهِ ثُمَّ احْتاجَ إلَيْهِما فَشَرِبَ ألْبانَهُما ورَكِبَ ظُهُورَهُما فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ وهُما تَقْضِمانِهِ بِأفْواهِهِما وتَطَآنِهِ بِأخْفافِهِما»، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ هَذِهِ الأُمُورِ وهو ظاهِرٌ واسْتُنْبِطَ مِنهُ تَحْرِيمُ جَمِيعِ تَعْطِيلِ المَنافِعِ، واسْتَدَلَّ ابْنُ الماجِشُونِ بِها عَلى مَنعِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أنْتَ سائِبَةٌ، وقالَ: يُعْتَقُ بِذَلِكَ وجَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن صُوَرِ السّائِبَةِ إرْسالَ الطَّيْرِ ونَحْوِهِ، وصَرَّحَ بَعْضُ عُلَمائِنا بِأنَّهُ لا ثَوابَ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ الجاعِلَ لا يَكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ ويَدَّعِي الإثْمَ فِيهِ والنّاسُ عَنْ ذَلِكَ غافِلُونَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ 301 - أنَّ ذَلِكَ افْتِراءٌ باطِلٌ فَما تَقَدَّمَ فِعْلُ الرُّؤَساءِ وهَذا شَأْنُ الأتْباعِ، وهُمُ المُرادُ بِالأكْثَرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ، وظاهِرُ سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُمُ المُقَلِّدُونَ لِأسْلافِهِمُ المُفْتَرِينَ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ  وهَذا بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنِ الِاهْتِداءِ بِأنْفُسِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ يعني: ما جعل الله حراماً من بحيرة، لقولهم: إن الله أمرهم بتحريمها.

ونزلت في مشركي العرب، فكانت الناقة إذا ولدت البطن الخامس، فإن كان الخامس ذكراً ذبحوه للآلهة، وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن مات أكله الرجال والنساء.

وإن كان الولد الخامس أنثى شَقُّوا أذنها وهي البحيرة، ثم لا يُجَزّ لها وبر ولا يُذكر عليه اسم الله، وألبانها للرجال دون النساء.

فإذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء.

وَلا سائِبَةٍ وأما السائبة: فهي الأنثى من الأنعام كلها.

إذا قدم الرجل من سفره، أو برأ من مرضه، أو بنى بناءً، سيّب شيئاً من الأنعام للآلهة، وخرجها من ملكه، ويسلمها إلى سدنة البيت لآلهتهم، ولا يركبونها.

وكان صوفها وأولادها للرجال دون النساء.

وَلا وَصِيلَةٍ وأما الوصيلة: فهي من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن.

فإن كان الولد السابع جدياً ذبحوه لآلهتهم، وكان لحمه للرجال دون النساء وإن كانت عناقاً، كانوا يستعملونها بمنزلة سائر الغنم.

وإن كان جدياً وعناقاً، قالوا: إن الأخت قد وصلت بأخيها، فحرمتا جميعاً، وكانت المنفعة للرجال دون النساء.

وإن ماتا تشارك الرجال والنساء.

وَلا حامٍ وأما الحام: فهو الفحل من الإبل إذا ركب ولده.

قالوا: قد حمى ظهره فيهمل، ولا يحمل، ولا يركب، ولا يمنع من المياه، ولا عن المراعي، فإذا مات أكله الرجال والنساء.

وكانوا يقولون: هذه الأشياء كلها من أحكام الله تعالى.

قال الله تعالى: ما حرّم الله هذه الأشياء وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله  : «إنِّي أعْرِفُ أوَّلَ مَنْ سَيِّبَ السَّوَائِبِ، وَأَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلامُ-» .

قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: «عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ أخُو بَنِي كَعْبٍ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ يُؤْذِي ريحُهُ أهْلَ النَّارِ، وَإنِّي لأعْرِفُ مَنْ بَحَّرَ البَحَائِرَ» .

قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: «رَجُلٌ مِنْ بَنِي مدْلِج كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُما، وَحَرَّمَ ألْبَانَهُمَا، ثُمَّ شَرِبَ ألْبَانَهُمَا بَعْدَ ذلك.

فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ وَهُوَ وَهُمَا يَعضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا، وَيَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا» .

ثم قال تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ يعني: ليس لهم عقل يعقلون أن الله هو المحلل والمحرم، وليس لغيره أن يحل ويحرم.

ثم أخبر عن جهلهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعَفَا اللَّهُ عَنْها: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ...

الآية: قال الطبريُّ «١» : كقومِ صالحٍ في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلّفت.

وقوله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ...

الآية:

أي: لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك/ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمْ، يعني: الأتْبَاعَ لاَ يَعْقِلُونَ، بل يتّبعون هذه الأمور تقليدا، وجَعَلَ في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ» ، ولا بمعنى «صَيَّرَ» ، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ» .

قال ص: مَّا جَعَلَ: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ «٢» إلى أنها بمعنى: «شرع» ،

قال ابن «١» عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق» ، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر» لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان «٢» : ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً- مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى.

قُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ.

وبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ ذكَره «٣» السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين «٤» ، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر «٥» : وقيل: الحامِي: الفَحْلُ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ.

انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ» : والحامِ: فحلُ الإبلِ يضرب الضّراب المعدود، وإذا قضى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ أيْ: ما أوْجَبَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِهِ.

وَفِي "البَحِيرَةِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها النّاقَةُ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا نَحَرُوهُ، فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَها، وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لا يَنْتَفِعْنَ بِها، ولا يَذُقْنَ مِن لَبَنِها، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ خاصَّةً، فَإذا ماتَتْ، اشْتَرَكَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّها النّاقَةُ تَلِدُ خَمْسَ إناثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، فَيَعْمِدُونَ إلى الخامِسَةِ، فَيَبْتِكُونَ أُذُنَها، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّها ابْنَةُ السّائِبَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والفَرّاءُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ النّاقَةُ إذا تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ، فَإذا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُنْثى، شُقَّتْ أُذُنُها، وسُمِّيَتْ بَحِيرَةً، وخُلِّيَتْ مَعَ أُمِّها.

والرّابِعُ: أنَّها النّاقَةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وكانَ آخِرُها ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَها، أيْ: شَقُّوها، وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، وإذا لَقِيَها لَمْ يَرْكَبْها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا "السّائِبَةُ": فَهي فاعِلَةٌ بِمَعْنى: مَفْعُولَةٍ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ أيْ: مَرَضِيَّةٍ.

وفي السّائِبَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الَّتِي تُسَيَّبُ مِنَ الأنْعامِ لِلْآلِهَةِ، لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ مِنها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما شاءَ، فَيَأْتِي بِهِ خَزَنَةَ الآلِهَةِ، فَيُطْعِمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ مِن ألْبانِهِ ولُحُومِهِ إلّا النِّساءَ، فَلا يُطْعِمُونَهُنَّ شَيْئًا مِنهُ إلّا أنْ يَمُوتَ، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانُوا يَهْدُونَ لِآلِهَتِهِمُ الإبِلَ والغَنَمَ، ويَتْرُكُونَها عِنْدَ الآلِهَةِ، فَلا يَشْرَبُ مِنها إلّا رَجُلٌ، فَإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

والثّالِثُ: أنَّها النّاقَةُ إذا ولَدَتْ عَشْرَةَ أبْطُنٍ، كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ أوْ ولَدُها حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ أكَلَها الرِّجالُ والنِّساءُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّها البَعِيرُ يُسَيَّبُ بِنَذْرٍ يَكُونُ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مَن مَرَضٍ، أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ الرَّجُلُ إذا نَذَرَ لِشَيْءٍ مِن هَذا، قالَ: ناقَتِي سائِبَةٌ، فَكانَتْ كالبَحِيرَةِ في أنْ لا يُنْتَفَعَ بِها ولا تُمْنَعَ مِن ماءٍ ومَرْعًى.

والخامِسُ: أنَّهُ البَعِيرُ يُحَجُّ عَلَيْهِ الحَجَّةُ، فَيُسَيَّبُ، ولا يُسْتَعْمَلُ شُكْرًا لَنَجَحِها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ.

وفي "الوَصِيلَةِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشّاةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ أُنْثى، لَمْ يَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ إلّا أنْ تَمُوتَ، فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلُوهُ جَمِيعًا، وإنْ كانَ ذَكَرانِ وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها فَلا تُذْبَحُ، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا، ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ أُنْثى، تُرِكَتْ في النَّعَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ تُذْبَحْ، لِمَكانِها، وكانَتْ لُحُومُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، ولَبَنُ الأُنْثى حَرامًا عَلى النِّساءِ إلّا أنْ يَمُوتَ مِنها شَيْءٌ فَيَأْكُلُهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

والثّانِي: أنَّها النّاقَةُ البِكْرُ تَبْتَكِرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ بِالأُنْثى، ثُمَّ تُثَنِّي بِالأُنْثى، فَكانُوا يَسْتَبْقُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، ويَدْعُونَها الوَصِيلَةَ، أيْ: وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى، لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ.

والثّالِثُ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ عَشْرَ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ، فَيَدْعُونَها الوَصِيلَةَ، وما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والرّابِعُ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ، فَإذا ولَدَتْ في سابِعِها عَناقًا وجَدْيًا، قِيلَ: وصَلَتْ أخاها، فَجَرَتْ مَجْرى السّائِبَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والخامِسُ: أنَّ الشّاةَ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى، فَهي لَهم، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ فَإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي "الحامِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الفَحْلُ، يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الفَحْلُ يُولَدُ لِوَلَدِهِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى هَذا ظَهْرَهُ، فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ، ولا يَجُزُّونَ وبَرَهُ، ولا يَمْنَعُونَهُ ماءً، ولا مَرْعًى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الفَحْلُ يَظْهَرُ مِن أوْلادِهِ عَشْرُ إناثٍ مِن بَناتِهِ، وبَناتِ بَناتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَنْتِجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي لِصُلْبِهِ عَشْرَةٌ كُلُّها تَضْرِبُ في الإبِلِ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الفَحْلُ يَضْرِبُ في إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ سِنِينَ، فَيُخَلّى، ويُقالُ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي ذَكَرْناهُ في البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ أثْبَتُ ما رَوَيْنا عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.

وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْئًا، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ مُقاتِلٌ: وافْتِراؤُهُمْ: قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، وأمَرَنا بِهِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وأكْثَرُهم، يَعْنِي: الأتْباعَ لا يَعْقِلُونَ أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلى اللَّهِ مِنَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ حَرَّمُوا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟

أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.

ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟

ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".» والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.

والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.

وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.

وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟

وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و ﴿ "تَعالَوْا"؛ ﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و ﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و ﴿ "حَسْبُنا"؛ ﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛ ﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿ عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟

وما تَلْبَسُ؟

وأيْنَ تَسْكُنُ؟

فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي جاء فارقاً بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوّه الله به ممّا كانوا عليه من شعائر الحج، فإنّه لمّا بيّن أنّه جعل الكعبة قياماً للناس وجعل الهدْي والقلائد قياماً لهم، بيّن هنا أنّ أموراً ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيّب، فيكون كالبيان لآية ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيّب ﴾ [المائدة: 100]، فإنّ البَحيرة وما عطف عليها هنا تشبهُ الهدي في أنّها تحرّر منافعها وذواتها حيّة لأصنامهم كما تهدي الهدايا للكعبة مذكّاة، فكانوا في الجاهلية يزعمون أنّ الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ قل هلمَّ شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرَّم هذا وقال في هذه الآية: ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ .

فالتصدّي للتفرقة بين الهدي وبين البحيرة والسائبة ونحوهما، كالتصدّي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله: ﴿ إنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ [البقرة: 158] كما تقدّم هنالك.

وقد قدّمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس: أنّ ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية.

وممّا يزيدك ثقة بما ذكرته أنّ الله افتتح هذه الآية بقوله: ﴿ ما جعل الله ﴾ لتكون مقابلاً لقوله في الآية الأخرى ﴿ جعل الله الكعبة ﴾ [المائدة: 97].

ولولا ما توسّط بين الآيتين من الآي الكثيرة لكانت هذه الآية معطوفة على الأولى بحرف العطف إلاّ أنّ الفصل هنا كان أوقع ليكون به استقلال الكلام فيفيد مزيد اهتمام بما تضمّنه.

والجعل هنا بمعنى الأمر والتشريع، لأنّ أصل (جعل) إذَا تعدّى إلى مفعول واحد أن يكون بمعنى الخلق والتكوين، ثم يستعار إلى التقدير والكتْب كما في قولهم: فرض عليه جعالة، وهو هنا كذلك فيؤول إلى معنى التقدير والأمر بخلاف ما وقع في قوله: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ [المائدة: 97].

فالمقصود هنا نفي تشريع هذه الأجناس من الحقائق فإنّها موجودة في الواقع.

فنفي جعلها مُتعيّن لأن يكون المراد منه نفيَ الأمر والتشريع، وهو كناية عن عدم الرضا به والغضببِ على من جعله، كما يقول الرجل لمن فعل شيئاً: ما أمرتك بهذا.

فليس المراد إباحته والتخيير في فعله وتركه كما يستفاد من المقام، وذلك مثل قوله: ﴿ قل هلمّ شهداءكم الذين يشهدون أنّ الله حرّم هذا ﴾ [الأنعام: 150] فإنّه كناية عن الغضب على من حرّموه، وليس المراد أنّ لهم أن يجتنبوه.

وأدخلت (مِن) الزائدة بعد النفي للتنصيص على أنّ النفي نفي الجنس لا نفي أفراد معيّنة، فقد ساوى أن يقال: لاَ بحيرة ولاَ سائبةَ مع قضاء حقّ المقام من بيان أنّ هذا ليس من جعل الله وأنّه لا يَرضى به فهو حرام.

والبَحيرة بفتح الباء الموحّدة وكسر الحاء المهملة فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مبحورة، والبَحْر الشقّ.

يقال: بحرَشقّ.

وفي حديث حفر زمزم أنّ عبد المطلب بَحَرَها بَحْراً، أي شقّها ووسّعها.

فالبحيرة هي الناقة، كانوا يشقّون أذنها بنصفين طولاً علامة على تخليتها، أي أنّها لا تركب ولا تنحر ولا تمنع عن ماء ولا عن مرعى ولا يَجزرونها ويكون لبنها لطواغيتهم، أي أصنامهم، ولا يشرب لبنها إلاّ ضيف، والظاهر أنّه يشربه إذا كانت ضيافة لزيارة الصنم أو إضافة سادنه، فكلّ حيّ من أحياء العرب تكون بحائرهم لصنمهم.

وقد كانت للقبائل أصنام تدين كلّ قبيلة لصنم أو أكثر.

وإنّما يجعلونها بحيرة إذا نُتجت عشرة أبطن على قول أكثر أهل اللغة.

وقيل: إذا نُتجت خمسة أبطن وكان الخامس ذكراً.

وإذا ماتت حتف أنفها حلّ أكل لحمها للرجال وحرم على النساء.

والسائبة: البعير أو الناقة يجعل نَذراً عن شفاء من مرض أو قدوم من سفر، فيقول: أجعله لله سائبة.

فالتاء فيه للمبالغة في الوصف كتاء نسّابة، ولذلك يقال: عبد سائبة، وهو اسم فاعل بمعنى الانطلاق والإهمال، وقيل: فاعل بمعنى مفعول، أي مسيّب.

وحكم السائبة كالبحيرة في تحريم الانتفاع، فيكون ذلك كالعتق وكانوا يدفعونها إلى السدنة ليُطعموا من ألبانها أبناء السبيل.

وكانت علامتها أن تقطع قطعة من جلدة فَقار الظهر، فيقال لها: صَريم وجمعه صُرُم، وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلّهنّ إناث متتابعة سيّبوها أيضاً فهي سائبة، وما تلده السائبة يكون بحيرة في قول بعضهم.

والظاهر أنّه يكون مثلها سائبة.

والوصيلة من الغنم هي الشاة تلد أنثى بعد أنثى، فتسمّى الأمّ وصيلة لأنّها وصلت أنثى بأنثى، كذا فسّرها مالك في رواية ابن وهب عنه، فعلى هذه الرواية تكون الوصيلة هي المتقرّب بها، ويكون تسليط نفي الجعل عليها ظاهراً.

وقال الجمهور: الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطن أو سبعة (على اختلاف مصطَلَح القبائل) فالأخير إذا كان ذكراً ذبحوه لبيوت الطواغيت وإن كانت أنثى استحيوها، أي للطواغيت، وإن أتأمت استحيوهما جميعاً وقالوا: وَصَلت الأنثى أخاها فمنعته من الذبح، فعلى هذا التأويل فالوصيلة حالة من حالات نسل الغنم، وهي التي أبطلها الله تعالى، ولم يتعرّضوا لبقية أحوال الشاة.

والأظهر أنّ الوصيلة اسم للشاة التي وصلت سبعة أبطن إناثاً، جمعاً بين تفسير مالك وتفسير غيره، فالشاة تسيّب للطواغيت، وما ذكروه من ذبح ولدها أو ابنتها هو من فروع استحقاق تسييبها لتكون الآية شاملة لأحوالها كلّها.

وعن ابن إسحاق: الوصيلة الشاة تتئم في خمسة أبطن عشرة إناث فما ولدت بعد ذلك فهو للذكور منهم دون النساء إلاّ أن يموت شيء منها فيشترك في أكله الرجال والنساء.

وفي «صحيح البخاري» عن سعيد بن المسيّب: أنّ الوصيلة من الإبل إذا بكّرت الناقة في أول إنتاج الإبل بأنثى ثم تثنّي بعد بأنثى في آخر العام فكانوا يجعلونها لطواغيتهم.

وهذا قاله سعيد من نفسه ولم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في سياق البخاري إيهام اغترّ به بعض الشارحين ونبّه عليه في «فتح الباري».

وعلى الوجوه كلّها فالوصيلة فعيلة بمعنى فاعلة.

والحامي هو فحل الإبل إذا نُتجت من صلبه عشرة أبطن فيمنع من أن يركب أو يحمل عليه ولا يمنع من مرعًى ولا ماء.

ويقولون: إنّه حمى ظهره، أي كان سبباً في حمايته، فهو حام.

قال ابن وهب عن مالك، كانوا يجعلون عليه ريش الطواويس ويسيّبونه، فالظاهر أنّه يكون بمنزلة السائبة لا يؤكل حتى يموت وينتفع بوبره للأصنام.

وقوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ الاستدراك لرفع ما يتوهّمه المشركون من اعتقاد أنّها من شرع الله لتقادم العمل بها منذ قرون.

والمراد بالذين كفروا هنا جميع المشركين فإنّهم يكذّبون في نسبة هذه الأشياء إلى شعائر الله لأنّهم جميعاً يخبرون بما هو مخالف لما في الواقع.

والكذب هو الخبر المخالف للواقع.

والكفّار فريقان خاصّة وعامّة: فأمّا الخاصّة فهم الذين ابتدعوا هذه الضلالات لمقاصد مختلفة ونسبوها إلى الله، وأشهر هؤلاء وأكذبهم هو عَمْرُو بنُ عامر بن لُحَيّ بضم اللام وفتح الحاء المهملة وياء مشدّدة الخزاعي، ففي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بنَ عامر بن لُحَي الخزاعي يجُرّ قُصْبَه بضم القاف وسكون الصاد المهملة أي إمعاءه في النار، وكان أولَ من سيّب السوائب.

ومنهم جنادة بن عوف.

وعن مالك أنّ منهم رجلاً من بني مُدْلِج هو أول من بحَّر البَحيرة وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيته مع عَمرو في النار.

رواه ابن العربي.

وفي رواية أنّ عَمرو بن لحي أول من بحّر البحيرة وسيّب السائبة.

وأصحّ الروايات وأشهرها عن رسول الله: أنّ عمرو بن لحي أول من سيّب السوائب ولم يذكر البحيرة.

وأمّا العامّة فهم الذين اتّبعوا هؤلاء المضلّين عن غير بصيرة، وهم الذين أريدوا بقول: ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ .

فلمّا وصف الأكثر بعدم الفهم تعيّن أنّ الأقلّ هم الذين دبّروا هذه الضلالات وزيّنوها للناس.

والافتراء: الكذب.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ في سورة آل عمران (94).

وفي تسمية ما فعله الكفّار من هذه الأشياء افتراء وكذباً ونفي أن يكون الله أمر به ما يدلّ على أنّ تلك الأحداث لا تمتّ إلى مرضاة الله تعالى بسبب من جهتين: إحداهما:} أنّها تنتسب إلى الآلهة والأصنام، وذلك إشراك وكفر عظيم.

الثانية: أنّ ما يجعل منها لله تعالى مثل السائبة هو عمل ضرّه أكثر من نفعه، لأنّ في تسييب الحيوان إضرار به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى، وربما عدت عليه السباع، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه.

وما يحصل من درّ بعضها للضيف وابن السبيل إنّما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافّة به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ﴾ يَعْنِي ما بَحَرَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ، ولا سَيَّبَ سائِبَةً، ولا وصَلَ وصِيلَةً، ولا حَمى حامِيًا.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لِأكْثَمَ بْنِ جُونٍ: (يا أكْثَمُ رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، فَما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنكَ بِهِ، ولا بِهِ مِنكَ فَقالَ أكْثَمُ: أخْشى أنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (لا إنَّكَ مُؤْمِنٌ، وهو كافِرٌ، إنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، وبَحَرَ البَحِيرَةَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وحَمى الحامِي» .

ومَعْنى قَوْلِهِ يَجُرُّ قْصْبَهُ في النّارِ، يَعْنِي أمْعاءَهُ، والبَحِيرَةُ: الفَصْلَةُ مِن قَوْلِ القائِلِ، بَحَرْتُ أُذُنَ النّاقَةِ إذا شَقَّها، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: وأمْسى فِيكم عِمْرانُ يَمْشِي كَأنَّهُ جَمَلٌ بَحِيرٌ وَقَدْ رَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ  : (أرَأيْتَ إبِلَكَ تَكُونُ مُسَلَّمَةً آذانُها فَتَأْخُذَ المُوسى فَتَجْدَعَها تَقُولُ هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وتَشُقُّونَ آذانَها تَقُولُونَ هَذِهِ بَحِيرَةٌ قالَ: فَإنَّ ساعِدَ اللَّهِ أشُدُّ، ومُوسى اللَّهِ أحَدُّ، كُلُّ مالِكَ لَكَ حَلالٌ لا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.

» وفي البَحِيرَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ البَحِيرَةَ النّاقَةُ إذا وُلِدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا أكَلَتْهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها أيْ شَقُّوها، وتُرِكَتْ، فَلا يُشْرَبُ لَها لَبَنٌ، ولا تُنْحَرُ، ولا تُرْكَبُ، وإنْ كانَ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: البَحِيرَةُ النّاقَةُ الَّتِي تُنْجِبُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَكانَ آخِرُها مَيْتًا ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وخَلَوْا عَنْها، فَلا تُحْلَبُ ولاَ تُرْكَبُ تَحَرُّجًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ البَحِيرَةَ بِنْتُ السّائِبَةِ، قالَهُ أبُو إسْحاقَ، وأمّا السّائِبَةُ، فَإنَّها المُسَيَّبَةُ المِخْلاةُ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِبَعْضِ مَواشِيها فَتُحَرِّمُ الِانْتِفاعَ بِها عَلى أنْفُسِها تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ الشّاعِرُ عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ وسائِبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وَكَذا كانَ بَعْضُ أهْلِ الإسْلامِ يُعْتِقُ عَبْدَهُ سائِبَةً، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ ولا بِوَلائِهِ، وكانَ أبُو العالِيَةِ سائِبَةً فَلَمّا أُتِيَ مَوْلاهُ بِمِيراثِهِ فَقالَ: هو سائِبَةٌ وأبى أنْ يَأْخُذَهُ.

وَأُخْرِجَتِ المُسَيَّبَةُ بِلَفْظِ السّائِبَةِ، كَما قِيلَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ يَعْنِي مَرْضِيَّةً، وفي السّائِبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النّاقَةُ إذا تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ سُيِّبَتْ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُها ولَمْ يُجَزَّ وبَرُها ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وما نَتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن أُنْثى شُقَّ أُذُنُها، وسُمِّيَتْ بَحِيرَةً، وخُلِّيَتْ مَعَ أُمِّها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُنْذِرُونَ السّائِبَةَ عِنْدَ المَرَضِ فَيُسَيِّبُ الرَّجُلُ بَعِيرَهُ وَلا يُرْكَبُ، ولا يُجْلى عَنْ ماءٍ كالبَحِيرَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

أمّا الوَصِيلَةُ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّها مِنَ الغَنَمِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الشّاةُ إذا ولَدَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نُظِرَ في البَطْنِ السّابِعِ فَإنْ كانَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلَ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، فَقالُوا هَذا حَلالٌ لِذُكُورِنا، حَرامٌ عَلى أزْواجِنا ونِسائِنا، وإنْ كانَ عَناقًا سَرَحَتْ في غَنَمِ الحَيِّ، وإنْ كانَ جَدْيًا وعَناقًا، قالُوا وصَلَتْ أخاها فَسُمِّيَتْ وصِيلَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها الشّاةُ إذا أتْأمَتْ عَشْرَ إناثٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، جُعِلَتْ وصِيلَةً، فَقالُوا قَدْ وصَلَتْ، وكانَ ما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا ولَدَتِ الشّاةُ لَهم ذَكَرًا قالُوا هَذا لِآلِهَتِنا فَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ، وإذا ولَدَتْ أُنْثى قالُوا هَذِهِ لَنا، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَأمّا الحامُ فَفِيهِ قَوْلٌ واحِدٌ أجْمَعُوا عَلَيْهِ وهو البَعِيرُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ، فَيُقالُ حَمى ظَهْرُهُ ويُخَلّى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة.

التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء.

قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب» قال ابن المسيب: والوصيلة.

الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي: فحل الإبل، يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت واعفوه من الحمل فلم يحمل شيء وسموه الحامي.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب، فقال لي: هل لك من مال؟

قلت: نعم.

قال: من أي المال؟

قلت: من كل المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق.

قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير عليك، ثم قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟

قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك!

قال: فلعلك تأخذ موسى قتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه الصرم، قلت: نعم.

قال: فلا تفعل؛ إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴾ قال أبو الأحوص: أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته، ولا بناته، ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها، ولا أشعارها، ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها.

وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم.

وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن وتلد السابع جدياً وعناقاً، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض، وإذا ماتت كانوا فيها سواء.

والحام من الإبل إذا أدرك له عشرة من صلبه كلها تضرب حمى ظهره فسمي الحام، فلا ينتفع له بوبر، ولا ينحر، ولا يركب له ظهر، فإذا مات كانوا فيه سواء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: البحيرة.

هي الناقة، إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا: هذه بحيرة.

وأما السائبة: فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزون لها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً.

وأما الوصيلة: فالشاة، إذا أنتجت سبعة أبطن نظروا السابع، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت، اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا.

وأما الحام: فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً، ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي، ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال: البحيرة الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة فيعمد إلى الخامسة، فما لم تكن سقياً فيبتك آذانها، ولا يجز لها وبراً، ولا يذوق لها لبناً، فتلك البحيرة ﴿ ولا سائبة ﴾ كان الرجل يسيب من ماله ما شاء ﴿ ولا وصيلة ﴾ فهي الشاة إذا ولدت سبعاً عمد إلى السابع، فإن كان ذكراً ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا: وصلت أخاها فيتركان جميعاً لا يذبحان، فتلك الوصيلة ﴿ ولا حام ﴾ كان الرجل يكون له الفحل، فإذا ألقح عشراً قيل: حام فاتركوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة...

﴾ الآية.

قال: البحيرة من الإبل، كان أهل الجاهلية يحرمون وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها، فإذا ضرب من ولد البحيرة فهو الحامي، والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن توأمت أنثى وذكر فهي وصيلة ترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا أنثيين تركتا.

وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فاستأخر عن قبلته، وأعرض بوجهه، وتعوَّذ بالله، ثم دنا من قبلته حتى رأيناه يتناول بيده، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: يا نبي الله، لقد صنعت اليوم في صلاتك شيئاً ما كنت تصنعه!..

قال: نعم، عرضت عليَّ في مقامي هذا الجنة والنار، فرأيت في النار ما لا يعلمه إلا الله، ورأيت فيها الحميرية صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب، وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغيَّر دين إسماعيل، ورأيت فيها عمران الغفاري معه محجنه الذي كان يسرق به الحاج.

قال: وسمى لي الرابع فنسيته.

ورأيت الجنة فلم أر مثل ما فيها، فتناولت منها قطفاً لأريكموه فحيل بيني وبينه، فقال رجل من القوم: كيف تكون الحبة منه؟

قال: كأعظم دلو فرته أمك قط.

قال محمد بن إسحاق: فسألت عن الرابع فقال: هو صاحب ثنيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزعهما» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون: يا أكتم، عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك.

فقال أكتم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول من سيب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: عمرو بن لحي، أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي أهل النار ريح قصبه، وإني لأعرف من بحر البحائر.

قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلفه، فرأيناه تناول شيئاً فجعل يتناوله، فتأخر، فتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: يا رسول الله، رأيناك صنعت اليوم شيئاً ما كنت تصنعه في الصلاة؟

فقال: إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت قطفاً من عنبها، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه، وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخَّرت عنها، وأكثر من رأيت فيها النساء إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه؟

قال: لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في الآية قال: الآباء جعلوا هذا وماتوا، ونشأ الأبناء وظنوا أن الله هو جعل هذا، فقال الله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ الآباء فالآباء افتروا على الله الكذب، والأبناء أكثرهم لا يعقلون، يظنون الله هو الذي جعله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال: هم أهل الكتاب ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: هم أهل الأوثان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: الذين لا يعقلوهم الأتباع، وأما الذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ (١) ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا  ﴾ .

وقال بعض أصحاب المعاني: جعل أحد الكلمات المشتركات التي هن أمهات الأحداث مثل: فعل وعَمِل وجعل وطفق وأنشأ وأقبل، إلا أن بعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً "فعل"؛ لأنه يقع على كل حركة من الإنسان قولاً أو عملاً أو هماً يهم به، والدليل على أنه يقع على القول قوله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ (٢) ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ  ﴾ أي صيرناه، ومنها: (جعل): أوجب، كقرله عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا  ﴾ أي: وما أوجبنا القبلة التي أنت عليها، ومنها: (جعل): خلق، مثل قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  ﴾ أي خلق، وأما قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ أي: صيرناه؛ لأن من القرآن العبراني والسرياني، فما نقل منه إلى العرب صار عربياً (بالتصيير والنقل) (٣) ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ أي: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته، إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة، وخرجت مخرج النطيحة والذبيحة والنسيكة.

وقد مضى الكلام في النطيحة (٤) قال أكثر أهل اللغة والتفسير: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها سَقْباً (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، قال أبو عبيد (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء: قال بعضهم: السائبة: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سُيِّبت، فلم تركب، ولم يُجَزّ لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف (١١) (١٢) وقال: ابن عباس في السائبة: هي التي تسيب للأصنام، أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيُطِعْمون من لبنها أبناء السبيل (١٣) (١٤) (١٥) وقال عكرمة في السائبة: كان الرجل إذا طلب الضالة، أو تبع النادّة، وأراد الحاجة قال: كذا وكذا (١٦) (١٧) وقال علقمة: السائبة: من العبيد والنَّعَم وما نذر الرجل لئن عافاه الله من مرض أوْ ردَّه من سفر سالماً ليسيبن ناقة أو جملاً أو شاة للأصنام، فإذا سيبها حرم أكلها ، لا يجز وبرها ولا يركب ظهرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وما ولدت فهو بمنزلتها، شقت أذنها وسميت بحيرة (١٨) وقال محمد بن إسحاق في السائبة مثل ما قال الفراء في قوله: قال بعضهم، ثم قال محمد: والبحيرة ولد السائبة (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا وَصِيلَةٍ ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الوصيلة: من الغنم (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وهذا أظهر الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا حَامٍ ﴾ ، قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نُتَجَت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حُميَ ظهره وسيب لأصنامهم، فلا يحمل عليه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس والمفسرون، وروي ذلك عن النبي  : إن عمرو بن لُحي الخزاعي كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله  : "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قُصْبِه" ويروى "يجز قُصْبه في النار" (٣٠) (٣١) مُحرَمةٌ لا يأكلُ الناسُ لحمَها ...

ولا نحن في شيءٍ كذلك البحائِرُ وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شرًا: أجِدَّك أمَّا كنت في الناس ناعقًا ...

تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوصائلا وأنشدوا في السائبة: وسائبةٍ مالي تشكُّرا ...

إن (٣٢) (٣٣) وأنشدوا في الحامي: حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه ...

كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عمرو بن لُحي وأصحابه، يتقولون على الله الأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة لا الله تعالى (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ  ﴾ ، قال الشعبي وقتادة: يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام (٣٥) (٣٦) (١) "تهذيب اللغة" 1/ 616 (جعل).

(٢) في (ج)، (ش): (فعل) والظاهر أنه تصحيف، فإن هذه آية الأنعام، أما (فعل) ففي سورة النحل الآية 33 وتختلف عن هذه حيث قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

(٣) في (ج): (لتصييره النقل).

(٤) عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.

(٥) السقب: ولد الناقة، وقيل: الذكَر من ولد الناقة ..

وقيل: هو سقبٌ ساعة تضعه أمه.

"اللسان" 4/ 2035 - 2036 (سقب).

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 177.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٨) هكذا في النسختين، وفي الوسيط للمؤلف 2/ 235 (أبو عبيدة).

والظاهر أن الكلام لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 180 ونحوه في "النكت والعيون" 2/ 73.

(٩) في "غريب القرآن" ص 147.

(١٠) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب) (١١) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(١٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب).

(١٣) أخرجه الطبري 7/ 90 مختصرا من طريق علي بن أبي طلحة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس بهامش المصحف" ص 124، "زاد المسير" 2/ 437، وعزاه السيوطي إضافة إلى ابن جرير إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

"الدر المنثور" 2/ 596 بمعناه.

(١٤) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(١٥) أخرجه بنحوه البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المائدة، باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 92، والبغوي في "تفسيره" 3/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٦) في (ج): (كذى وكذى).

(١٧) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، والطبري في "تفسيره" 7/ 89 - 91، و"بحر العلوم" 1/ 462، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 371، "النكت والعيون" 1/ 463، "تفسير البغوي" 3/ 107.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 322، و"تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب)، "زاد المسير" 2/ 439.

(٢٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، و"تفسير الطبري" 7/ 90، و"معاني الزجاج" 2/ 213.

(٢١) "تفسير مقاتل" 1/ 510.

(٢٢) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٤) "تفسير الطبري" 7/ 90، و"بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235، "تفسير البغوي" 3/ 108، و"تفسير ابن كثير" 2/ 122.

(٢٥) في "مجاز القرآن" 1/ 179.

(٢٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٧) "تفسير الطبري" 7/ 86 - 93.

(٢٨) أخرجه البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 90.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٣٠) أخرجه من حديث أبي هريرة مختصرًا: البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة، ومسلم (2856) كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون.

لكن في البخاري جاءت تسميته: عمرو بن عامر، وكذا عند الإِمام أحمد في مسنده 2/ 275، وأخرجه الطبري 7/ 88 وغيرهم.

(٣١) أخرجه الطبري 7/ 90.

(٣٢) في (ش): (وإن).

(٣٣) في (ج): (عافى).

(٣٤) "تفسير الوسيط" 2/ 236، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(٣٥) "تفسير الطبري" 7/ 93، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "زاد المسير" 2/ 440، "تفسير ابن كثير" 2/ 123.

(٣٦) من: "وقوله تعالى: (وأكثرهم لا يعقلون) ..

" إلى هنا ليس في نسخة (ش).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ لما سأل قوم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية: هل تعظم لتعظيم الكعبة والهدي؟

أخبرهم الله أنه لم يجعل شيئاً من ذلك لعباده؛ أي لم يشرعه لهم، وإنما الكفار جعلوا ذلك، فأما البحيرة: فهي فعلية بمعنى مفعولة من بَحَر إذا شق، وذلك أن الناقة إذا أنتجت عشرة أبطن شقوا آذانها، وتركوها ترعى ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، وأما الوصيلة فكانوا: إذا ولدت الناقة ذكراً وأنثى في بطن واحد قالوا: وصلت الناقة أخاها فلم يذبحوها، وأما الحامي فكانوا إذا نتج من صلب الجمل عشرة بطون قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه شيء ﴿ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب ﴾ أي يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرّم الله ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ الذي يفترون على الله الكذب هم الذين اخترعوا تحريم تلك الأشياء، والذين لا يعقلون هم أبتاعهم المقلدون لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ : أي: ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون الله، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئاً مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ...

﴾ وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن له.

قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به.

ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم.

والسائبة: ما كانوا يسيبونها.

والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، [وتركوها] لآلهتهم.

قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت.

والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف.

والوصيلة من الغنم: إذا ولدت عناقين تركا، وإذا ولدت عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت [جدياً] ذبح.

والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء.

وقال مجاهد: ﴿ وَلاَ حَامٍ ﴾ : إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم.

والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمت بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا.

وقال القتبي: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله [رجالهم ونساؤهم]، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء.

والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك.

والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً [وأنثى]، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حراماً على النساء، وليست الأنثى حراماً على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء.

والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده.

ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.

كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن الله حرم ذلك علينا، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ الآية [الأنعام: 136] يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله، ثم سفه أحلامهم بقوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأياً منهم وتبحثاً؛ فاحتج الله عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ...

﴾ الآية، كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله  إلى ما أنزل اليه إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: ﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ ، [كقوله]: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال الله عز - وجل -: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئاً في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ  ﴾ تتبعون أباءكم وتقتدون بهم، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ : ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، وهو كقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54] ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما يرد وترك القبول شيء، كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وبذلك وصف الله هذه الأمة بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وعن رسول الله  قال: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَأ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَ عِنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ مِنَّا" وعن عائشة -  ا - "أن رسول الله  دخل عليَّ - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلاَ أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلاَ أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَغِيثُونِي فَلاَ أُغِيثَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلاَ أَنْصُرَكُمْ" وعن أبي بكر [الصديق] -  - قال: "يأيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله  يقول: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَراً فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهُ بِعِقَابٍ" ، وبقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ  ﴾ الآية.

ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان.

[و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكراً، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: "قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن المنكر.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرج على الوعيد والتحذير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أحل الله الأنعام، فلم يُحَرِّمْ منها ما حَرَّمَهُ المشركون على أنفسهم لأصنامهم من البَحِيرة وهي الناقة التي تُقْطَعُ أذنها إذا أنجبت عددا معينًا، والسائبة وهي الناقة التي إذا بلغت سِنًا معينة تتْرَكُ لأصنامهم، والوصِيلة وهي الناقة التي تصل إنجاب أنثى بأنثى، والحامي وهو فحل الإبل إذا نتج عدد من الإبل من صلبه، لكن الكفار زعموا كذبًا وبهتانًا أن الله حرَّم المذكورات، وأكثر الكافرين لا يميزون بين الحق والباطل والحلال والحرام.

من فوائد الآيات الأصل في شعائر الله تعالى أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية, ودفع المضار عنهم.

عدم الإعجاب بالكثرة، فإن كثرة الشيء ليست دليلًا على حِلِّه أو طِيبه، وإنما الدليل يكمن في الحكم الشرعي.

من أدب المُسْتفتي: تقييد السؤال بحدود معينة، فلا يسوغ السؤال عما لا حاجة للمرء ولا غرض له فيه.

ذم مسالك المشركين فيما اخترعوه وزعموه من محرمات الأنعام كـ: البَحِيرة، والسائبة، والوصِيلة، والحامي.

<div class="verse-tafsir" id="91.lg6qM"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل