الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٧ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 239 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) أي : فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين ، أنهما خانا أو غلا شيئا من المال الموصى به إليهما ، وظهر عليهما بذلك ( فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ) هذه قراءة الجمهور : " استحق عليهم الأوليان " .
وروي عن علي وأبي والحسن البصري أنهم قرؤوها : ( استحق عليهم الأوليان ) .
وقد روى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي ، عن سليمان بن بلال ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ : ( من الذين استحق عليهم الأوليان ) ثم قال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
وقرأ بعضهم ، ومنهم ابن عباس : " من الذين استحق عليهم الأولين " .
وقرأ الحسن : " من الذين استحق عليهم الأولان " ، حكاه ابن جرير .
فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك : أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما ، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ( فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) أي : لقولنا : إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ) وما اعتدينا ) أي : فيما قلنا من الخيانة ( إنا إذا لمن الظالمين ) أي : إن كنا قد كذبنا عليهما .
وهذا التحليف للورثة ، والرجوع إلى قولهما والحالة هذه ، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل ، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم ، كما هو مقرر في باب " القسامة " من الأحكام .
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن باذان - يعني : أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب - عن ابن عباس ، عن تميم الداري في هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء .
وكانا نصرانيين ، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم ، يقال له : بديل بن أبي مريم ، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك ، وهو عظم تجارته .
فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله - قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام ، فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء .
فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا .
وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره - قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) إلى قوله : ( فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا ، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، عن محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، به فذكره - وعنده : فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) إلى قوله : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر ، فحلفا .
فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .
ثم قال : هذا حديث غريب ، وليس إسناده بصحيح وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، وقد تركه أهل العلم بالحديث ، وهو صاحب التفسير ، سمعت محمد بن إسماعيل يقول : محمد بن السائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، ثم قال : ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ ، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه .
حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن ابن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم ، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووجدوا الجام بمكة ، فقيل : اشتريناه من تميم وعدي .
فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ، وأن الجام لصاحبهم .
وفيهم نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) وكذا رواه أبو داود ، عن الحسن بن علي ، عن يحيى بن آدم ، به .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، وهو حديث ابن أبي زائدة .
ومحمد بن أبي القاسم ، كوفي ، قيل : إنه صالح الحديث ، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم : عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة .
وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر رواه ابن جرير .
وكذا ذكرها مرسلة : مجاهد والحسن والضحاك .
وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها .
ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا زكريا ، عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ، قال : فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب .
قال : فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري - يعني : أبا موسى الأشعري ، رضي الله عنه - فأخبراه وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فأحلفهما بعد العصر : بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ، وإنها لوصية الرجل وتركته .
قال : فأمضى شهادتهما .
ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس ، عن أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن مغيرة الأزرق ، عن الشعبي ; أن أبا موسى قضى بدقوقا .
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي ، عن أبي موسى الأشعري .
فقوله : " هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء ، قد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ، - رضي الله عنه - ، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا ، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام ، والله أعلم .
وقال أسباط ، عن السدي : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ) قال : هذا في الوصية عند الموت ، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه ، قال : هذا في الحضر ( أو آخران من غيركم ) في السفر ( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) هذا الرجل يدركه الموت في سفره ، وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما ، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به ، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [ مال صاحبهم ] تركوا الرجلين ، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان .
فذلك قوله تعالى : ( تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم ) قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ، ففتح الصحيفة ، فأنكر أهل الميت وخونوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت له : إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، فيحلفان : بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين : أن صاحبهم لبهذا أوصى ، وأن هذه لتركته .
فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ، ولم تجز لكما شهادة ، وعاقبتكما .
فإذا قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها .
رواه ابن جرير .
وقال ابن جرير : حدثنا الحسين ، حدثنا هشيم ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير ، أنهما قالا في هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) الآية ، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر ، فليشهد رجلين من المسلمين ، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته ، فإن صدقهما الورثة قبل قولهما ، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر : بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية : فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا .
فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد ، فذلك قوله : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ( فآخران يقومان مقامهما ) يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد ، فنرد شهادة الكافرين ، وتجوز شهادة الأولياء .
وهكذا روى العوفي ، عن ابن عباس .
رواهما ابن جرير .
وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ، رضي الله عنهم ، وهو مذهب الإمام أحمد ، رحمه الله .
فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان القول في تأويل قوله تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } يعني تعالى ذكره بقوله : { فإن عثر } فإن اطلع منهما , أو ظهر .
وأصل العثر : الوقوع على الشيء والسقوط عليه , ومن ذلك قولهم : عثرت إصبع فلان بكذا : إذا صدمته وأصابته , ووقعت عليه ; ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس : بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا يعني بقوله : " عثرت " : أصاب ميسم خفها حجر أو غيره , ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيا , كقولهم : " عثرت على الغزل بأخرة , فلم تدع بنجد قردة " , بمعنى : وقعت .
وأما قوله : { على أنهما استحقا إثما } فإنه يقول تعالى ذكره : فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله : لا نشتري بأيماننا ثمنا , ولو كان ذا قربى , ولا نكتم شهادة الله على أنهما استحقا إثما , يقول : على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما , وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنا , ولا بدلنا , ولا غيرنا , فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا , أو غيرا وصيته , أو بدلا , فأثما بذلك من حلفهما بربهما ; { فآخران يقومان مقامهما } يقول : يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : 10084 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير : { أو آخران من غيركم } قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب , فإنهما يحلفان بعد العصر , فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئا , حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا , ثم استحقوا .
10085 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم , بمثله .
10086 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , في قوله : { أو آخران من غيركم } من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة , فإن ارتيب في شهادتهما , استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا ; فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما , قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة , وإنا لم نعتد ; فذلك قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا , { فآخران يقومان مقامهما } يقول : من الأولياء , فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة , وإنا لم نعتد .
فترد شهادة الكافرين , وتجوز شهادة الأولياء .
10087 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما .
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثما .
فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام , وذلك أن يشهدا أنه أوصى بماله كله , أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله ذكر من قال ذلك : 10088 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } إلى قوله : { ذوا عدل منكم } من أهل الإسلام , { أو آخران من غيركم } من غير أهل الإسلام , { إن أنتم ضربتم في الأرض } إلى : { فيقسمان بالله } يقول : فيحلفان بالله بعد الصلاة , فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة , يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام , فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت , فيحلفان بالله : ما كان صاحبنا ليوصي بهذا , أو : إنهما لكاذبان , ولشهادتنا أحق من شهادتهما .
10089 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما , يحلفان بالله : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله , إنا إذن لمن الآثمين إن صاحبكم لبهذا أوصى , وإن هذه لتركته !
فإذا شهدا , وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا , قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما , فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحدا يطعن عليهما رددنا شهادتهما !
فينطلق الأولياء فيسألون , فإن وجدوا أحدا يطعن عليهما أو هما غير مرضيين عندهم , أو اطلع على أنهما خانا شيئا من المال وجدوه عندهما , فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله : لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحق من شهادتهما بما شهدا , وما اعتدينا .
فذلك قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين ; لأنهما ادعيا أنه أوصى لهما ببعض المال .
وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما ذكر من قال ذلك : 10090 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن يحيى بن يعمر في قوله : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } قال : زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا , { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } أي بدعواهما لأنفسهما , { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } أن صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان .
والصواب من القول في ذلك عندنا , أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله , ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ , ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما , وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما , فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه , أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادعى عليهما الوارث أو بجميعه , ثم دعواهما في الذي أقرا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة , ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة , فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت .
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة ; لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها , فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك .
ولم نجد ذلك كذلك صح بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة , لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى , فيكون أصلا مسلما .
والمقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة , كان واضحا فساده .
وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا , فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدعيا لو ادعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم , دون قول مدعي ذلك مع يمينه , وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة .
وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما , وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت , إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم ; فمعلوم بذلك فساد قول من قال : ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله , على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم ذكر من قال ذلك : 10091 - حدثني ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن آدم , عن يحيى بن أبي زائدة , عن محمد بن أبي القاسم , عن عبد الملك بن سعيد بن جبير , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : .
خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء , فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم , فلما قدما بتركته , فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب , فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم وجد الجام بمكة , فقالوا : اشتريناه من تميم الداري وعدي بن بداء .
فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا : لشهادتنا أحق من شهادتهما , وأن الجام لصاحبهم .
قال : وفيهم أنزلت : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } .
10092 - حدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن أبي النضر , عن زاذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب , عن ابن عباس , عن تميم الداري في هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء , وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام , فأتيا الشام لتجارتهما , وقدم عليهما مولى لبني سهم , يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة , ومعه جام فضة يريد به الملك , وهو عظم تجارته , فمرض , فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله .
قال تميم : فلما مات , أخذنا ذلك الجام , فبعناه بألف درهم فقسمناه أنا وعدي بن بداء , فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا , وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا : ما ترك غير هذا , وما دفع إلينا غيره .
قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك , فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر , وأديت إليهم خمسمائة درهم , وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها , فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم , فسألهم البينة فلم يجدوا , فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه , فحلف , فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } إلى قوله : { أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فقام عمرو بن العاص , ورجل آخر منهم , فحلفا , فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .
10093 - حدثنا القاسم : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن قتادة وابن سيرين وغيره .
قال : وثنا الحجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة , دخل حديث بعضهم في بعض : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } الآية , قال : كان عدي وتميم الداري - وهما من لخم - نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية .
فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حولا متجرهما إلى المدينة , فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة , وهو يريد الشام تاجرا .
فخرجوا جميعا , حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية , فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه , ثم أوصى إليهما .
فلما مات , فتحا متاعه , فأخذا ما أرادا .
ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا , ففتح أهله متاعه , فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به , وفقدوا شيئا فسألوهما عنه , فقالوا : هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا !
قال لهما أهله : فباع شيئا أو ابتاعه ؟
قالا : لا .
قالوا : فهل استهلك من متاعه شيئا ؟
قالا : لا .
قالوا : فهل تجر تجارة ؟
قالا : لا .
قالوا : فإنا قد فقدنا بعضه !
فاتهما , فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فنزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } إلى قوله : { إنا إذا لمن الآثمين } قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر : بالله الذي لا إله إلا هو , ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا !
قال : فمكثنا ما شاء الله أن نمكث , ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب , فقال أهله : هذا من متاعه , قالا : نعم , ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا , فكرهنا أن نكذب أنفسنا !
فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فنزلت الآية الأخرى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه .
ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يقول : صدق الله ورسوله , أنا أخذت الإناء .
10094 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم } الآية كلها , قال : هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة , وكانت الأرض كلها كفرا , فقال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم } من المسلمين , { أو آخران من غيركم } من غير أهل الإسلام , { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } قال : كان الرجل يخرج مسافرا والعرب أهل كفر , فعسى أن يموت في سفره فيسند وصيته إلى رجلين منهم , فيقسمان بالله إن ارتبتم في أمرهما إذا قال الورثة : كان مع صاحبنا كذا وكذا , فيقسمان بالله : ما كان معه إلا هذا الذي قلنا .
{ فإن عثر على أنهما استحقا إثما } إنما حلفا على باطل وكذب .
{ فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } بالميت ; { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا , قال هؤلاء : لم يكن معه .
قال : ثم عثر على بعض المتاع عندهما , فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه , فأقسما , ثم ضمن هذان .
قال الله تعالى : { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان } فتبطل أيمانهم , { واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين } الكاذبين الذين يحلفون على الكذب .
وقال ابن زيد : قدم تميم الداري وصاحب له , وكانا يومئذ مشركين ولم يكونا أسلما , فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجل , وجاءا بتركته , فقال أولياء الميت : كان مع صاحبنا كذا وكذا , وكان معه إبريق فضة ; وقال الآخران : لم يكن معه إلا الذي جئنا به .
فحلفا خلف الصلاة .
ثم عثر عليهما بعد والإبريق معهما ; فلما عثر عليهما ردت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم , ثم ضمنها الذي حلف عليه الأوليان .
10095 - حدثنا الربيع , قال : ثنا الشافعي , قال : أخبرنا سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري , عن بكير بن معروف , عن مقاتل بن حيان , قال بكر : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله : { اثنان ذوا عدل منكم } أن رجلين نصرانيين من أهل دارين , أحدهما تميمي والآخر يماني , صاحبهما مولى لقريش في تجارة , فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة .
فمرض القرشي , فجعل وصيته إلى الداريين , فمات .
وقبض الداريان المال والوصية , فدفعاه إلى أولياء الميت , وجاءا ببعض ماله .
وأنكر القوم قلة المال , فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به , فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟
أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟
قالا : لا .
قالوا : فإنكما خنتمانا !
فقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } إلى آخر الآية .
فلما نزل : أن يحبسا من بعد الصلاة , أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة , فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به , وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا ولو كان ذا قربى , ولا نكتم شهادة الله , إنا إذن لمن الآثمين !
فلما حلفا خلي سبيلهما .
ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت , فأخذ الداريان فقالا : اشتريناه منه في حياته !
وكذبا , فكلفا البينة فلم يقدرا عليها .
فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى : { فإن عثر } يقول : فإن اطلع على أنهما استحقا إثما , يعني الداريين إن كتما حقا , فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان , فيقسمان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا , وإن الذي يطلب قبل الداريين لحق , وما اعتدينا , إنا إذن لمن الظالمين .
هذا قول الشاهدين أولياء الميت , ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها , يعني : الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك .
قال أبو جعفر : ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين على الشاهدين في هذا الموضع , إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسند إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما , أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدعي ذلك قبله إلا بيمين , وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت , بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقا إثما في أيمانهما , ثم ظهر على كذبهما فيها , إن القوم ادعوا فيما صح أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك , مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدعى , وتكون البينة فيها على المدعي ; وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل .
وفيها أيضا البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين , كما قال الله تعالى في مواضع أخر : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين } , فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل : أشهد بالله إنه لمن الصادقين , وكذلك معنى قوله : { شهادة بينكم } إنما هو قسم بينكم , { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } أن يقسم { اثنان ذوا عدل منكم } إن كانا ائتمنا على ما قال , فارتيب بهما , أو اؤتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما .
وذلك أن الله تعالى لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين , قال : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } ومعلوم أن أولياء الميت المدعين قبل اللذين ظهر على خيانتهما , غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعى عليه لمدع ; لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه , ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان .
فإذا كان معلوما أن قوله : { لشهادتنا أحق من شهادتهما } إنما معناه : قسمنا أحق من قسمهما , وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله : { أحق من شهادتهما } صح أن معنى قوله : { شهادة بينكم } بمعنى الشهادة في قوله : { لشهادتنا أحق من شهادتهما } وأنها بمعنى القسم .
واختلفت القراء في قراءة قوله : { من الذين استحق عليهم الأوليان } فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام : " من الذين استحق عليهم الأوليان " بضم التاء .
وروي عن علي وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك : { من الذين استحق عليهم } بفتح التاء .
واختلفت أيضا في قراءة قوله : { الأوليان } فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشام والبصرة : { الأوليان } , وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " الأولين " .
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " من الذين استحق عليهم الأولان " .
وأولى القراءتين بالصواب في قوله : " من الذين استحق عليهم " قراءة من قرأ بضم التاء , لإجماع الحجة من القراء عليه , مع مساعدة عامة أهل التأويل على صحة تأويله , وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله : فآخران من أهل الميت الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم , يقومان مقام المستحق الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت .
وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل , ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك .
10096 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى : { شهادة بينكم } أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم , فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك , وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان , فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة , فاستحقا , وأبطلا أيمان الشاهدين .
وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء , أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى : فآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحق على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت .
وكذلك كانت قراءة من رويت هذه القراءة عنه , فقرأ ذلك : { من الذين استحق } بفتح التاء على معنى : الأوليان بالميت وماله .
وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها , غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القراء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين .
10097 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن آدم , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبي عبد الرحمن وكريب عن علي , أنه كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " .
10098 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , عن حماد بن زيد , عن وائل مولى أبي عبيد , عن يحيى بن عقيل , عن يحيى بن يعمر , عن أبي بن كعب , أنه كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " .
وأما أولى القراءات بالصواب في قوله : { الأوليان } عندي , فقراءة من قرأ : { الأوليان } بصحة معناها وذلك لأن معنى : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم , ثم حذف " الإثم " وأقيم مقامه " الأوليان " , لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت , كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم , وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل .
ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة , وهو قوله : { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان } ومعناه : أن يشهد اثنان , وكما قال : { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا } فقال " به " , فعاد بالهاء على اسم " الله " ; وإنما المعنى : لا نشتري بقسمنا بالله , فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر , والمراد به : لا نشتري بالقسم بالله ; استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم .
وكذلك اجتزئ بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها , إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته , وذلك قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } وأما الذين قرءوا ذلك " الأولين " فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن " الذين " , فأخرجوا ذلك على وجه الجمع , إذ كان " الذين " جمعا وخفضا , إذ كان " الذين " مخفوضا .
وذلك وجه من التأويل , غير أنه إنما يقال للشيء أول إذا كان له آخر هو له أول , وليس للذين استحق عليهم الإثم آخرهم له أول , بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثما قبل إيمانهم , فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرا أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أولين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها .
وأما القراءة التي حكيت عن الحسن , فقراءة عن قراءة الحجة من القراء شاذة , وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بعدها من الصواب .
واختلف أهل العربية في الرافع لقوله : { الأوليان } إذا قرئ كذلك , فقال بعض نحويي البصرة : يزعم أنه رفع ذلك بدلا من " آخران " في قوله : { فآخران يقومان مقامهما } وقال : إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة , لأنه حين قال : { يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم } كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى , فقال : " الأوليان " , فأجرى المعرفة عليهما بدلا .
قال : ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير .
واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز : علي يوم يملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا وبادنا مقلدا منحورا قال : فجعله " علي واجب " ; لأنه في المعنى قد أوجب .
وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول : لا يجوز أن يكون " الأوليان " بدلا من " آخران " من أجل أنه قد نسق " فيقسمان " على " يقومان " في قوله : { فآخران يقومان } فلم يتم الخبر عند من قال : لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر , كما قال : غير جائز " مررت برجل قام زيد وقعد " وزيد بدل من رجل .
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : " الأوليان " مرفوعان بما لم يسم فاعله , وهو قوله : " استحق عليهم " وأنهما موضع الخبر عنهما , فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما ; وذلك أن معنى الكلام : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة , فوضع " الأوليان " موضع " الإثم " كما قال تعالى في موضع آخر : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } ومعناه : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر ؟
وكما قال : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } , وكما قال بعض الهذليين : يمشي بيننا حانوت خمر من الخرس الصراصرة القطاط وهو يعني صاحب حانوت خمر , فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي , ولكن لما كان معلوما عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب , واجتزأ بذكر الحانوت منه , فكذلك قوله : " من الذين استحق عليهم الأوليان " إنما هو من الذين استحق فيهم خيانتهما , فحذفت " الخيانة " وأقيم " المختانان " مقامها , فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر .
وأما قوله : " عليهم " في هذا الموضع , فإن معناها : فيهم , كما قال تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } يعني : في ملك سليمان , وكما قال : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } ف " في " توضع موضع " على " , و " على " في موضع " في " كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام , ومنه قول الشاعر : متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيث وقد تأولت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى : " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " أنهما رجلان آخران من المسلمين , أو رجلان أعدل من المقسمين الأولين ذكر من قال ذلك : 10099 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود بن أبي هند , عن عامر , عن شريح في هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } قال : إذا كان الرجل بأرض غربة , ولم يجد مسلما يشهده على وصيته , فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا , فشهادتهم جائزة .
فإن جاء رجلان مسلمان , فشهدا بخلاف شهادتهم , أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين .
10100 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فإن عثر } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما , فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا , أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين .
10101 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن عبد الملك , عن عطاء , قال : كان ابن عباس يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " قال : كيف يكون " الأوليان " , أرأيت لو كان الأوليان صغيرين .
* - حدثنا هناد وابن وكيع , قال : ثنا عبدة , عن عبد الملك , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " قال : وقال : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين , كيف يقومان مقامهما .
قال الإمام أبو جعفر : فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة , من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانيين , أو عدلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين .
وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة , دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى : { فآخران يقومان مقامهما } أولى به .
وأما قوله { الأوليان } فإن معناه عندنا : الأولى - بالميت من المقسمين الأولين - فالأولى , وقد يحتمل أن يكون معناه : الأولى باليمين منهما فالأولى , ثم حذف " منهما " ; والعرب تفعل ذلك فتقول : فلان أفضل , وهي تريد أفضل منك , وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر .
وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام , فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى , فقالوا : هذا الأفضل , وهذا الأشرف ; يريدون هو الأشرف منك .
وقال ابن زيد : معنى ذلك : الأوليان بالميت .
10102 - حدثني يونس , عن ابن وهب , عنه .فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما القول في تأويل قوله تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } يقول تعالى ذكره : فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين : { لشهادتهما أحق من شهادتهما } يقول : لأيماننا أحق من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا , وكذا في أيمانهما التي حلفا بها .وما اعتدينا قول : وما تجاوزنا الحق في أيماننا .
وقد بينا أن معنى الاعتداء : المجاوزة في الشيء حده .إنا إذا لمن الظالمين يقول : إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا , فحلفنا مبطلين فيها كاذبين , { لمن الظالمين } يقول : لمن عداد من يأخذ ما ليس له أخذه , ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس .
قوله تعالى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما قال عمر : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام ، وقال الزجاج : أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله : من الذين استحق عليهم الأوليان .
عثر على كذا أي اطلع عليه ; يقال : عثرت منه على خيانة أي اطلعت ، وأعثرت غيري عليه ، ومنه قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم ; لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفي عليهم موضعهم ، وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء ; ومنه قولهم : عثر الرجل يعثر عثورا إذا وقعت إصبعه بشيء صدمته ، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه ، وعثر الفرس عثارا ; قال الأعشى :بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعاوالعثير الغبار الساطع ; لأنه يقع على الوجه ، والعثير الأثر الخفي لأنه يوقع عليه من خفاء ، والضمير في أنهما يعود على الوصيين اللذين ذكرا في قوله عز وجل : اثنان عن سعيد بن جبير ، وقيل : على الشاهدين ; عن ابن عباس .
و ( استحقا ) أي استوجبا إثما يعني بالخيانة ، وأخذهما ما ليس لهما ، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة ، وقال أبو علي : الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ ; لأن آخذه بأخذه آثم ، فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة ، وقال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك ; فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر وهو الجام .قوله تعالى : فآخران يقومان مقامهما يعني في الأيمان أو في الشهادة ; وقال آخران بحسب أن الورثة كانا اثنين .
وارتفع ( آخران ) بفعل مضمر .
( يقومان ) في موضع نعت .
( مقامهما ) مصدر ، وتقديره : مقاما مثل مقامهما ، ثم أقيم النعت مقام المنعوت ، والمضاف مقام المضاف إليه .قوله تعالى : من الذين استحق عليهم الأوليان قال ابن السري : [ ص: 276 ] المعنى استحق عليهم الإيصاء ; قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه ; لأنه لا يجعل حرف بدلا من حرف ; واختاره ابن العربي ; وأيضا فإن التفسير عليه ; لأن المعنى عند أهل التفسير : من الذين استحقت عليهم الوصية .
و ( الأوليان ) بدل من قوله : فآخران قاله ابن السري ، واختاره النحاس وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز ، وقيل : النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد ذكرها صارت معرفة ; كقوله تعالى : كمشكاة فيها مصباح ثم قال : المصباح في زجاجة ثم قال : الزجاجة ، وقيل : وهو بدل من الضمير في يقومان كأنه قال : فيقوم الأوليان أو خبر ابتداء محذوف ; التقدير : فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان ، وقال ابن عيسى : " الأوليان " مفعول " استحق " على حذف المضاف ; أي استحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين فعليهم بمعنى فيهم مثل على ملك سليمان أي : في ملك سليمان ، وقال الشاعر :متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيثأي : في أقطارها ، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " الأولين " جمع أول على أنه بدل من اللذين أو من الهاء والميم في عليهم وقرأ حفص : استحق بفتح التاء والحاء ، وروي عن أبي بن كعب ، وفاعله الأوليان والمفعول محذوف ، والتقدير : من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها ، وقيل : استحق عليهم الأوليان رد الأيمان ، وروي عن الحسن : " الأولان " وعن ابن سيرين : " الأولين " قال النحاس : والقراءتان لحن ; لا يقال في مثنى ; مثنان ، غير أنه قد روي عن الحسن " الأولان " .قوله تعالى : فيقسمان بالله أي : يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين ( أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق ، وأن المال الذي وصى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته ، وأنكما خنتما ) فذلك قوله : لشهادتنا أحق من شهادتهما أي : يميننا أحق من يمينهما ; فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين ، ومنه قوله تعالى : فشهادة أحدهم أربع شهادات .
وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : قام رجلان من أولياء الميت فحلفا .
[ ص: 277 ] لشهادتنا أحق ابتداء وخبر .
وقوله : وما اعتدينا أي : تجاوزنا الحق في قسمنا .
إنا إذا لمن الظالمين أي : إن كنا حلفنا على باطل ، وأخذنا ما ليس لنا .
{ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا } أي: الشاهدين { اسْتَحَقَّا إِثْمًا } بأن وجد من القرائن ما يدل على كذبهما وأنهما خانا { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه.
{ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } أي: أنهما كذبا، وغيرا وخانا.
{ وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي: إن ظلمنا واعتدينا، وشهدنا بغير الحق.
( فإن عثر ) أي : اطلع على خيانتهما ، وأصل العثور : الوقوع على الشيء ، ) ( على أنهما ) يعني : الوصيين ) ( استحقا ) استوجبا ، ) ( إثما ) بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة ، ) ( فآخران ) من أولياء الميت ، ) ( يقومان مقامهما ) يعني : مقام الوصيين ، ( من الذين استحق ) بضم التاء على المجهول ، هذه قراءة العامة ، يعني : الذين استحق ، ) ( عليهم ) أي فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم و ( على ) بمعنى في ، كما قال الله ( على ملك سليمان ) ( البقرة ، 102 ) أي : في ملك سليمان ، وقرأ حفص ( استحق ) بفتح التاء والحاء ، وهي قراءة علي والحسن ، أي : حق ووجب عليهم الإثم ، يقال : حق واستحق بمعنى واحد ، ) ( الأوليان ) نعت للآخران ، أي : فآخران الأوليان ، وإنما جاز ذلك و ) ( الأوليان ) معرفة والآخران نكرة لأنه لما وصف ال " آخران " ، فقال ) ( من الذين ) صار كالمعرفة و ) ( الأوليان ) تثنية الأولى ، والأولى هو الأقرب ، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب " الأولين " بالجمع فيكون بدلا من الذين ، والمراد منهم أيضا أولياء الميت .
ومعنى الآية : إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت ، ( فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) يعني : يميننا أحق من يمينهما ، نظيره قوله تعالى في اللعان : ( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) ( النور - 6 ) .
والمراد بها الأيمان ، فهو كقول القائل : أشهد بالله ، أي : أقسم بالله ، ) ( وما اعتدينا ) في أيماننا ، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما ، ( إنا إذا لمن الظالمين ) فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان ، فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت ، وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء ، فأتوب إلى الله وأستغفره ، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه .
والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال : إنه أوصى لي به حلف الوارث ، إذا أنكر ذلك ، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي ، حلف المدعي أنه لم يبعها منه .
ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري قال : كنا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي ، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي ، ورددت أنا الخمسمائة .
«فإن عُثر» اطُّلع بعد حلفهما «على أنهما استحقا إثما» أي فعلا ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتُّهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به «فآخران يقومان مقامهما» في توجيه اليمين عليهما «من الذين استحق عليهم» الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران «الأوليان» بالميت أي الأقربان إليه وفي قراءة الأَوَّلينَ جمع أوَّل صفة أو بدل من الذين «فيقسمان بالله» على خيانة الشاهدين ويقولان «لشهادتنا» يمننا «أحق» أصدق «من شهادتهما» يمينهما «وما اعتدينا» تجاوزنا الحق في اليمين «إنا إذا لمن الظالمين» المعنى ليشهد المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحو فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصي له به فليحلفا إلى آخره فإن اطلع على أمارة تكذيبهما فادعيا دافعا له حلف أقرب الورثة على كذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهدين وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة واعتبار صلاة العصر للتغليظ وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بداء أي وهما نصرانيان فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فرفعا إلى النبي صلىالله عليه وسلم فنزلت فأحلفهما ثم وجد الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدى فنزلت الآية الثانية فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا، وفي الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وكان أقرب إليه، وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي.
فإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية فليقم مقامهما في الشهادة اثنان من أولياء الميت فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة، وما تجاوزنا الحق في شهادتنا، إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما الموصى ما له لم يكونا أمينين فقال : ( فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الأوليان ) .وقوله : ( عثر ) أي : اطلع .
يقال عثر الرجل على الشيء عثورا إذا اطلع عليه .
ويقال : عثرت منه على خيانة أي : اطلعت .وقوله : ( الأوليان ) تثنية أولى بمعنى أقرب .
فالمراد بقوله ( الأوليان ) أي : الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت .والمعنى : فإن اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما ( استحقآ إِثْماً ) أي : فعلا ما يوجب الإِثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبههما ( فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ) أي : فرجلان آخران يقومان مقام الذين اطلع على خيانتهما : أي يقفان موقفهما في الحبس بعد الصلاة والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران ( مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الأوليان ) .قال القرطبي : قال ابن السدي : أي من الذين استحق عليهم الإِيصاء واختاره ابن العربي؛ وأيضاً فإن التفسير عليه ، لأن المعنى عند أهل التفسير : من الذين استحقت عليهم الوصية .وقال بعض العلماء : قوله ( مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الأوليان ) أي : من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أي : الأقربان إلى الميت؛ الوارثان له .
الأحقان بالشهادة ، أي : اليمين .
فقوله ( الأوليان ) فاعل ( استحق ) .ومفعول ( استحق ) محذوف ، قدره بعضهم " وصيتهما " وقدره ابن عطية " ما لهم وتركتهم " وقدره الزمخشري ، أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهر بهما كذب الكاذبين .وقرئ ( استحق ) على البناء للمفعول .
أي من الذين استحق عليهم الإِثم أي " جنى عليهم " ، وهم أهل الميت وعشيرته .
وعليه فقوله : ( الأوليان ) هو بدل من الضمير في ( يقومان ) أو من ( آخران ) .وقوله : ( فَيُقْسِمَانِ بالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعتدينآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ) بيان لكيفية اليمين التي يحلفها هذان الأوليان .أي : فيحلف بالله هذان الأوليان - أي الأقربان إلى الميت - قائلان ( لشهاداتنا ) أي : ليميننا ( أحق ) بالقبول ( مِن شَهَادَتِهِمَا ) أي : من يمينهما ( وَمَا اعتدينآ ) أي : وما تجاوزنا الحق في يميننا وفيما نسبناه إليهما من خيانة ( إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ) أي إنا إذا اعتدينا وقلنا فيهما خلاف الحق لنكونن في زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين لسخط الله وعقابه .قال الآلوسي : وقوله ( فَيُقْسِمَانِ بالله ) معطوف على ( يقومان ) في قوله : ( فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ) والسببية ظاهرة وقوله : ( لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا ) جواب القسم .والمراد بالشهادة هنا - عند الكثيرين - اليمين كما في قوله - تعالى - ( فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله ) وصيغة التفضيل ( أحق ) إنما هي لإِمكان قبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقهما في إدعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما .
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً ﴾ قال الليث رحمه الله: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره.
وأعثرت فلاناً على أمري أي أطلعته عليه، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء، قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفياً عليه قد عثر عليه، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي اطلعنا، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثماً أي حنثاً في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا.
وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منّا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل: وجد بمكة.
وقيل: لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتما لا؟
فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت.
وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال: حلفت كاذباً وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن.
ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا ﴾ أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله: ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان ﴾ المراد به موالي الميت، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف، والأصح عندي فيه وجه واحد، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.
المسألة الثالثة: أما قوله: ﴿ الأوليان ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير: هما الأوليان وذلك لأنه لما قال: ﴿ فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا ﴾ فكأنه قيل: ومن هما فقيل الأوليان: والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان، والثالث: أجاز الأخفش أن يكون قوله: ﴿ الاوليان ﴾ صفة لقوله: ﴿ فَآخَرَانِ ﴾ وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة، كقوله تعالى: ﴿ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ فمصباح نكرة قم قال: ﴿ المصباح ﴾ ثم قال في ﴿ زُجَاجَةٍ ﴾ ثم قال: ﴿ الزجاجة ﴾ ، وهذا مثل قولك رأيت رجلاً، ثم يقول إنسان من الرجل، فصار بالعود إلى ذكره معرفة.
الرابع: يجوز أن يكون قوله: ﴿ الاوليان ﴾ بدلاً من قوله آخران، وإبدال المعرفة من النكرة كثير.
المسألة الرابعة: إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين: الأول: معنى الأوليان الأقربان إلى الميت.
الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك، فكان اليمين حقاً لهما، وهذا كما أن إنساناً أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.
المسألة الخامسة: القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء، والأوليان تثنية الأولى، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله: ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم ﴿ يِأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذَوَا عَدْلٍ ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان، ووجهه ظاهر مما تقدم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما وَمَا اعتدينا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ .
والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال، وفي نسبتهم إلى الخيانة.
وقوله: ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل.
<div class="verse-tafsir"
ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو ﴿ شهادة بَيْنِكُمْ ﴾ على تقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين.
أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان: وقرأ الشعبي.
﴿ شهادة بينكم ﴾ بالتنوين.
وقرأ الحسن: ﴿ شهادة ﴾ ، بالنصب والتنوين على: ليقم شهادة اثنان.
و ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾ ظرف للشهادة.
و ﴿ حِينَ الوصية ﴾ بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها.
وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ من أقاربكم.
و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من الأجانب ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح.
وقيل ﴿ منكم ﴾ من المسلمين، و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الذمة.
وقيل: هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.
وعن مكحول: نسخها قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ وروي: أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله.
ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ تقفونهما وتصبرونهما للحلف ﴿ مِنْ بعدالصلاوة ﴾ من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس.
وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.
وفي حديث بديل: أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.
وقيل: هي صلاة أهل الذمّة، وهم يعظمون صلاة العصر ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه.
والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.
وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين: وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.
وعن عليّ رضي الله عنه: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقسم.
وفي ﴿ كَانَ ﴾ للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً منا، على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ [النساء: 135] .
﴿ شهادة الله ﴾ أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها.
وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمدّ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.
وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا.
وقرئ: ﴿ لملاثمين ﴾ بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله: عاد لولي: فإن قلت: ما موقع تحبسونهما؟
قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟
قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر.
ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ فإن اطلع ﴿ على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً ﴾ أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين ﴿ فَآخَرَانِ ﴾ فشاهدان آخران ﴿ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم.
معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم.
وفي قصة بديل: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما.
﴿ الأوليان ﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟
فقيل: الأوليان.
وقيل: هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران.
ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال.
وقرئ ﴿ الأوّلين ﴾ على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح.
ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها.
وقرئ: ﴿ الأولين ﴾ على التثنية، وانتصابه على المدح.
وقرأ الحسن: ﴿ الأولان ﴾ ، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي.
وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك.
فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء.
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي: وأبيّ وابن عباس؟
قلت: معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين ﴿ ذلك ﴾ الذي تقدم من بيان الحكم ﴿ أدنى ﴾ أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة ﴿ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان ﴾ أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل.
﴿ واسمعوا ﴾ سمع إجابة وقبول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ عُثِرَ ﴾ فَإنِ اطُّلِعَ.
﴿ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ أيْ فِعْلًا ما أوْجَبَ إثْمًا كَتَحْرِيفٍ.
﴿ فَآخَرانِ ﴾ فَشاهِدانِ آخَرانِ.
﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ مِنَ الَّذِينَ جَنى عَلَيْهِمْ وهُمُ الوَرَثَةُ.
وقَرَأ حَفْصٌ اسْتَحَقَّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو الأوْلَيانِ.
﴿ الأوْلَيانِ ﴾ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وهو خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ: هُما الأوْلَيانِ أوْ خَبَرُ آخَرانِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ آخَرانِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُما أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أيْ مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ.
وقُرِئَ «الأوْلَيْنِ» عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ والأوَّلانِ وإعْرابُهُ إعْرابُ الأوْلَيانِ.
﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ أصْدَقُ مِنها وأوْلى بِأنْ تُقْبَلَ.
﴿ وَما اعْتَدَيْنا ﴾ وما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ.
﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ الواضِعِينَ الباطِلَ مَوْضِعَ الحَقِّ، أوِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إنِ اعْتَدَيْنا.
ومَعْنى الآيَتَيْنِ أنَّ المُحْتَضَرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ عَلى وصِيَّتِهِ، أوْ يُوصِي إلَيْهِما احْتِياطًا فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ نِزاعٌ وارْتِيابٌ أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّهُما كَذَّبا بِأمارَةٍ أوْ مَظِنَّةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، والحُكْمُ مَنسُوخٌ إنْ كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ لا يُخْلِفُ الشّاهِدَ ولا يُعارِضُ يَمِينَهُ بِيَمِينِ الوارِثِ وثابِتٌ إنْ كانا وصِيَّيْنِ ورَدَّ اليَمِينَ إلى الوَرَثَةِ إمّا لِظُهُورِ خِيانَةِ الوَصِيَّيْنِ فَإنَّ تَصْدِيقَ الوَصِيِّ بِاليَمِينِ لِأمانَتِهِ أوْ لِتَغْيِيرِ الدَّعْوى.
إذْ رُوِيَ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ ومَعَهُما بُدَيْلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرَضَ بُدَيْلٌ فَدَوَّنَ ما مَعَهُ في صَحِيفَةٍ وطَرَحَها في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِهِ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً مِن فِضَّةٍ فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ فَغَيَّباهُ، فَأصابَ أهْلُهُ الصَّحِيفَةَ فَطالَبُوهُما بِالإناءِ فَجَحَدا فَتَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ، فَحَلَّفَهُما رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ وجَدَ الإناءَ في أيْدِيهِما فَأتاهُما بَنُو سَهْمٍ في ذَلِكَ فَقالا: قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ فَإنْ عُثِرَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا واسْتَحَقّاهُ.» ولَعَلَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ فِيهِما لِخُصُوصِ الواقِعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَإِنْ عُثِرَ} فإن اطلع {على أَنَّهُمَا استحقا إثما} فعلا ما أوجب إثماً واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين {فآخران} فشاهدان آخران {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ} أي من الذين استحق عليهم الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف رجلا من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما احق من شهادتهما {الأوليان} الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو
معرفتهما وارتفاعهما على هما الأوليان كأنه قيل ومن هما فقيل الأوليان أو هما يدل منن الضمير في يقومان أو من آخران استحق عليهم الأوليان حفص أي من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهرا بهما كذب الكاذبين الأوَّلين حمزة وأبو بكر على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرورو أو منصوب على المدح وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله شهادة بينكم {فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما} أي ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين {وَمَا اعتدينا} وما تجاوزنا الحق في يميننا {إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ الظالمين} أي إن حلقنا كاذبين
﴿ فَإنْ عُثِرَ ﴾ أيِ اطُّلِعَ يُقالُ عَثَرَ الرَّجُلُ عَلى الشَّيْءِ عُثُورًا إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وقالَ الغُورِيُّ: تَقُولُ عَثَرْتُ إذا اطَّلَعْتُ عَلى ما كانَ خَفِيًّا وهو مَجازٌ بِحَسْبِ الأصْلِ مِن قَوْلِهِمْ: عَثَرَ إذا كَبا.
وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ عِثارِهِ فَيَعْرِفُهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وقالَ اللَّيْثُ: إنَّ مَصْدَرَ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ العُثُورُ وبِمَعْنى كَبا العِثارُ، وحِينَئِذٍ لا يَخْفى القَوْلُ بِالمَجازِ لِأنَّ اخْتِلافَ المَصْدَرِ يُنافِيهِ فَلا تَتَأتّى تِلْكَ الدَّعْوى إلّا عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ مِنِ اتِّحادِ المَصْدَرَيْنِ، وفي القامُوسِ عَثَرَ كَضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ وكَرُمَ عَثْرًا أوْ عَثِيرًا أوْ عِثارًا كَبا.
والعُثُورُ الِاطِّلاعُ كالعَثْرِ.
وظاهِرُ هَذا أنْ لا مَجازَ.
ويُفْهَمُ مِنهُ أيْضًا الِاتِّحادُ في بَعْضِ المَصادِرِ فافْهَمْ، والمُرادُ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ ﴿ عَلى أنَّهُما ﴾ أيِ الشّاهِدَيْنِ الحالِفَيْنِ ﴿ اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ أيْ فَعَلا ما يُوجِبُهُ مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقالَ الجَبائِيُّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اسْتَحَقّا عُقُوبَةَ إثْمٍ ﴿ فَآخَرانِ ﴾ أيْ فَرَجُلانِ آخَرانِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ والفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي إحْدى مَصُوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
ولا مَحْذُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَإ وصِفَتِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، وجُمْلَةُ (يَقُومانِ) صِفَتُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ أُخْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وقِيلَ: هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِفَتُهُ وضَمِيرُ (مَقامَهُما) في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَحِقٌّ لِلَّذِينِ اسْتَحَقّا.
ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ و(اسْتَحَقَّ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ وبِها قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفاعِلُهُ (الأوْلَيانِ)، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أهْلُ المَيِّتِ ومِنَ الأوْلَيَيْنِ الأقْرَبانِ إلَيْهِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقُرْبِهِما واطِّلاعِهِما وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ ضَمِيرِهِما لِلتَّنْبِيهِ عَلى وصْفِهِما بِهَذا الوَصْفِ ومَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) مَحْذُوفٌ واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ لِيُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ وصِيَّتَهُما، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ما لَهم وتَرِكَتَهُمْ وقالَ الإمامُ: أنَّ المُرادَ بِـ (الأوْلَيانِ) الوَصِيّانِ اللَّذانِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما.
وسَبَبُ أوْلَوِيَّتِهِما أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوَصِيَّةِ فَمَعْنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ خانَ في مالِهِمْ وجَنى عَلَيْهِمُ الوَصِيّانِ اللَّذانِ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما.
وعَلى هَذا لا ضَرُورَةَ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المَفْعُولِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ بِبِناءِ اسْتَحَقَّ لِلْمَفْعُولِ.
واخْتَلَفُوا في مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ والأكْثَرُونَ أنَّهُ الإثْمُ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الوَرَثَةُ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الإثْمِ عَلَيْهِمْ كِنايَةً عَنِ الجِنايَةِ عَلَيْهِمْ ولاشَكَّ أنَّ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ وارْتُكِبَ الذَّنْبُ بِالقِياسِ إلَيْهِمْ هُمُ الوَرَثَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ الإيصاءُ، وقِيلَ: الوَصِيَّةُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: المالُ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وكَذا اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) فَقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آخَرانِ) أيِ الأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ وهو مِمّا اتُّفِقَ عَلى مَنعِهِ في مِثْلِهِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما الآخَرانِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (آخَرانِ)، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ ويَلْزَمُهُ عَدَمُ اتِّفاقِ البَيانِ والمُبِينِ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ مَعَ أنَّهم شَرَطُوهُ فِيهِ حَتّى جُوِّزَ تَنْكِيرُهُ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ نَزْرٍ عَدَمُ الِاشْتِراطِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ (يَقُومانِ) وكَوْنُ المُبْدَلِ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ لَيْسَ مِن كُلِّ الوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ خُلُوُّ تِلْكَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا أوْ صِفَةً عَنِ الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ لَوْ طُرِحَ وقامَ هَذا مَقامَهُ كانَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ رابِطًا، وقِيلَ: هو صِفَةُ (آخَرانِ) وفِيهِ وصْفُ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ، والأخْفَشُ أجازَهُ هُنا لِأنَّ النَّكِرَةَ بِالوَصْفِ قَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، قِيلَ: وهَذا عَلى عَكْسٍ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَإنَّهُ يُؤَوَّلُ فِيهِ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ، وهَذا أُوِّلَ فِيهِ النَّكِرَةُ بِالمَعْرِفَةِ أوْ جُعِلَتْ في حُكْمِها لِلْوَصْفِ، ويُمْكِنُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ يَجْعَلَ (الأوْلَيانِ) لِعَدَمِ تَعْيِينِهِما كالنَّكِرَةِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (اسْتَحَقَّ) والمُرادُ عَلى هَذا (اسْتَحَقَّ) عَلَيْهِمُ انْتِدابُ (الأوْلَيَيْنِ) مِنهم لِلشَّهادَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ كَما قِيلَ وهو تَثْنِيَةُ الأوْلى قُلِبَتْ ألِفُهُ ياءً عِنْدَها، وفي (عَلى) في (عَلَيْهِمْ) أوْجُهٌ الأوَّلُ أنَّها عَلى بابِها، والثّانِي أنَّها بِمَعْنى (فِي)، والثّالِثُ أنَّهُما بِمَعْنى (مِن)، وفَسَّرَ (اسْتَحَقَّ) بِطَلَبِ الحَقِّ وبِحَقٍّ وغَلَبَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وخَلَفٌ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الأوَّلِينَ) بِبِناءِ (اسْتُحِقَّ) لِلْمَفْعُولِ والأوَّلِينَ جَمْعُ أوَّلَ المُقابِلِ لِلْآخَرِ وهو مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ (الَّذِينَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ، وقِيلَ: التَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ لِدُخُولِهِمْ في (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) .
وقَرَأ الحَسَنُ الأوْلانِ بِالرَّفْعِ وهو كَما قَدَّمْنا في (الأوْلَيانِ) وقُرِئَ (الأوَّلَيْنِ) بِالتَّثْنِيَةِ والنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (الأوْلَيَيْنِ) بِياءَيْنِ تَثْنِيَةُ أوْلى مَنصُوبًا وقُرِئَ (الأوْلَيْنِ) بِسُكُونِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ أوْلى كَأعْلَيْنِ وإعْرابُ ذَلِكَ ظاهِرٌ (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ) عُطِفَ عَلى (يَقُومانِ) والسَّبَبِيَّةُ ظاهِرَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ جَوابُ القَسَمِ والمُرادُ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اليَمِينُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ ﴾ وسُمِّيَتِ اليَمِينُ شَهادَةً عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِأنَّ اليَمِينَ كالشَّهادَةِ عَلى ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَذَلِكَ أيْ لِيَمِينِنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الِاسْتِحْقاقِ مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها أوْلى بِالقَبُولِ مِن يَمِينِهِما مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِ يَمِينِهِما في الجُمْلَةِ بِاعْتِبارِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما، وقِيلَ: إنَّ الشَّهادَةَ عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ عِنْدَ الِإطْلاقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ غَيْرُ ذَلِكَ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ وما اعْتَدَيْنا ﴾ عُطِفَ عَلى الجَوابِ أيْ ما تَجاوَزْنا في شَهادَتِنا الحَقَّ وما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ 701 - اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ إنّا إذا اعْتَدَيْنا فِيما ذُكِرَ لِمَنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ أوْ لِمَنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى الآيَتَيْنِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحْتَضِرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي دِينِهِ أوْ نَسَبِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ في صِدْقِهِما أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنَّ اطَّلَعَ عَلى كَذِبِهِما بِأمارَةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أهْلِ المَيِّتِ، وادُّعِيَ أنَّ الحُكْمَ مَنسُوخٌ إذا كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ يَحْلِفُ الشّاهِدُ ولا يُعارَضُ يَمِينُهُ بِيَمِينِ الوارِثِ، وقِيلَ: إنَّ التَّحْلِيفَ لَمْ يُنْسَخْ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالرِّيبَةِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما، وفي بَعْضِ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الشّاهِدَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُزَكِّيهِ يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ احْتِياطًا، وهَذا خِلافُ المُفْتى بِهِ كَما بُسِطَ في مَحِلِّهِ، وكَذا ادَّعى البَعْضُ النَّسْخَ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدَيْنِ في السَّفَرِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ لِأنَّ شَهادَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ورَوى حَدِيثَ النَّسْخِ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ بَعْضُهم: لا نَسْخَ وأجازَ شَهادَةَ الذِّمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ ورُوِيَ عَنِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ حَكَمَ لَمّا كانَ والِيًا عَلى الكُوفَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِشَهادَةِ ذِمِّيَّيْنِ بَعْدَ تَحْلِيفِهِما في وصِيَّةِ مُسْلِمٍ في السَّفَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقالَ آخَرُونَ: الِاثْنانِ وصِيّانِ وحُكْمُ تَحْلِيفِهِما إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّهم مُدَّعُونَ وقَدْ ظَهَرَتْ خِيانَةُ الوَصِيَّيْنِ فَرُدَّتِ اليَمِينُ عَلَيْهِما خِلافًا لِلشّافِعِيِّ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهم صارُوا مُدَّعًى عَلَيْهِمْ لِانْقِلابِ الدَّعْوى فَإنَّ الوَصِيَّ المُدَّعى عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ مُدَّعِيًا لِلْمِلْكِ والوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في التَّأْرِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرُ وخَلْقٌ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بِداءٍ وقِيلَ نِداءٍ بِالنُّونِ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ تَعالى ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما ثُمَّ وجَدَ الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءَ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لَشَهادَتُهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ وأخَذَ الجامَ وفِيهِمْ نَزَلَتْ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ» هَذا وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الشَّهادَةَ هَهُنا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْناها المُتَبادِرِ بِوَجْهٍ ولا تُتَصَوَّرَ لِأنَّ شَهادَتَهُما إمّا عَلى المَيِّتِ ولا وجْهَ لَها بَعْدَ مَوْتِهِ وانْتِقالِ الحَقِّ إلى الوَرَثَةِ وحُضُورِهِمْ أوْ عَلى الوارِثِ المُخاصِمِ، وكَيْفَ يَشْهَدُ الخَصْمُ عَلى خَصْمِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وذُكِرَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ تُحْمَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ عَلى الحُضُورِ أوِ الإحْضارِ أيْ إذا حَضَرَ المَوْتُ المُسافِرَ فَلْيَحْضُرْ مَن يُوصِي إلَيْهِ بِإيصالِ مالِهِ لِوارِثِهِ مُسْلِمًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَكافِرًا، والِاحْتِياطُأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ فَإذا جاءا بِما عِنْدَهُما وحَصَلَ رِيبَةٌ في كَتْمِ بَعْضِهِ فَلْيَحْلِفا لِأنَّهُما مُوَدَّعانِ مُصَدَّقانِ بِيَمِينِهِما فَإنْ وجَدَ ما خانا فِيهِ وادَّعَيا أنَّهُما تَمَلَّكاهُ مِنهُ بِشِراءٍ ونَحْوِهِ ولا بَيِّنَةَ لَهُما عَلى ذَلِكَ يَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَيْهِ عَلى عَدَمِ العِلْمِ بِما ادَّعَياهُ مِنَ التَّمَلُّكِ، وأنَّهُ مَلَكَ لِمُورِثِهِما لا نَعْلَمُ انْتِقالَهُ عَنْ مِلْكِهِ والشَّهادَةُ الثّانِيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ المُشاهَدِ أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ لِأنَّ الشَّهادَةَ المُعايَنَةُ، فالتَّجَوُّزُ بِها عَنِ العِلْمِ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ والشَّهادَةُ الثّالِثَةُ إمّا بِهَذا المَعْنى أوْ بِمَعْنى اليَمِينِ وعَلى هَذا وهو مِمّا أفاضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ بِبَرَكَةِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ، ولا إشْكالَ وما ذَكَرُوهُ كُلَّهُ تَكَلُّفٌ لَمْ يَصْفُ مِنَ الكَدَرِ لِذَوْقِ ذائِقٍ وسَبَبُ النُّزُولِ وفِعْلُ الرَّسُولِ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ انْتَهى ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْلِفانِ بِأحَقِّيَّةِ شَهادَتِهِما عَلى ما قِيلَ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ وإلّا فَإنْ كانَ الوارِثُ واحِدًا حَلَفَ، وإنْ تَعَدَّدَ حَلَفَ المُتَعَدِّدُ كَما بُيِّنَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إلَخْ مُبِينٌ لِما قَرَّرَهُ فِيهِ بَعْضُ خَفاءٍ إذْ لَيْسَ في الخَبَرِ أنَّ الوارِثَيْنِ حَلَفا عَلى عَدَمِ العِلْمِ وفي غَيْرِهِ ما هو نَصٌّ في الحَلِفِ عَلى الثَّباتِ فَقَدْ رُوِيَ في خَبَرٍ أطْوَلَ مِمّا تَقَدَّمَ «أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيَّيْنِ قاما فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما أيْ تَمِيمًا وعَدِيًّا كَذَبا وخانا نَعَمْ،» قالَ التِّرْمِذِيُّ في الجامِعِ بَعْدَ رِوايَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ: إنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ولَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ وأيْضًا في حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ خَفاءٌ وادَّعى هو نَفْسُهُ أنَّ حَمْلَ الشَّهادَةِ عَلى اليَمِينِ بَعِيدٌ لِأنَّها إذا أُطْلِقَتْ فَهي المُتَعارَفَةُ فَتَأمَّلْ فَقَدْ قالالزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ وقالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ وقالَ الإمامُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، وقالَ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْعَبُ ما في القُرْءانِ حُكْمًا وإعْرابًا ونَظْمًا وقالَ الشِّهابُ: أعْلَمُ أنَّهم قالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ أعْظَمُ إشْكالًا وحُكْمًا وإعْرابًا وتَفْسِيرًا مِن هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها يَعْنِي (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ وقَوْلُهُ تَعالى: (فَإنْ عُثِرَ) إلَخْ حَتّى صَنَّفُوا فِيها تَصانِيفَ مُفْرَدَةً، قالُوا: ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِن عُهْدَتِها، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الآيَتَيْنِ مَن أعْوَصِ القُرْآنِ حُكْمًا ومَعْنًى وإعْرابًا، وافْتَخَرَ بِما أُتِيَ فِيهِما ولَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، وسُبْحانَ الخَبِيرِ بِحَقائِقِ <div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شَهادَةُ: رفع بالابتداء وخبره (اثنان) ومعناه: شهادتكم فيما بينكم اثنان مسلمان عدلان إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فأراد أن يشهد على وصيته، وكان مقيماً.
ولم يكن مسافراً فليُشهد على وصيته اثنين مسلمين حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كنتم في السفر ولم تقدروا على مسلمين، فأشهدوا رجلين من غيركم يعني: من غير أهل دينكم.
وروى مغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان الرجل في سفر فلم يجد المسلمين يشهدهما على وصيته، فيشهد غير أهل دينه.
فإن اتهما حبسا من بعد الصلاة فيغلظ عليهما في اليمين وإن شهد رجلان من الورثة أنهما خانا وكذبا صدقا بما قالا، وأخذ مّنَ الاخرين يعني: من الشاهدين ما ادعي عليهما.
وروي عن مجاهد أنه قال: إذا مات المؤمن في السفر لا يحضره إلا كافران أشهدهما على ذلك.
فإن رضي ورثته مما حلفا عليه من تركته فذلك.
ويحلف الشاهدان أنهما لصادقان، فإن ظهر أنهما خانا، حلف اثنان من الورثة، وأبطلا أيمان الشاهدين.
وروي عن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في السفر، ولا تجوز في السفر إلا على الوصية، وهكذا قال إبراهيم النخعي.
وبه قال ابن أبي ليلى.
واحتجوا بظاهر هذه الآية.
وقال علماؤنا: لا يجوز شهادة الذمي على المسلم في الوصية ولا في غيره.
وروي عن عكرمة أنه قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: من غير عشيرتكم.
وكذلك قال الحسن: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني: من غير قبيلتكم، كلهم من أهل العدالة.
قال: ألا ترى إلى قوله: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ وقال زيد بن أسلم: كان ذلك في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك كان في أول الإسلام، والأرض أرض الحرب، والناس كفار، إلا رسول الله وأصحابه بالمدينة.
وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: هي منسوخة وقال الضحاك: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] ورفع اليمين عن الشهود، وأبطل شهادة أهل الذمة إلا بعضهم على بعض.
ويقال: لنزول هذه الآية قصة.
وذلك أنه ثلاثة نفر خرجوا إلى السفر: تميم الدّاري، وعدي بن زيد، وبديل بن ورقاء مولى العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص، فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلماً، وأوصى إلى تميم الدّاري وإلى عدي بن زيد وكانا نصرانيين، وأمرهما أن يسلّما أمتعته إلى أهله، وكتب أسماء الأمتعة، وأدرجه في ثيابه.
فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله، فوجد أهله الكتاب وفيه أسماء الأمتعة، وفيه جام فضة لم يسلماه إليهم.
فخاصمهما المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن العاص إلى رسول الله .
فنزلت الآية: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ بموت بديل بن ورقاء تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ يعني: صلاة العصر.
وكان النبيّ يقضي بين الناس بعد صلاة العصر.
فحلَّف الشاهدين، فحلفا أنهما لم يكتما شيئاً، فذلك قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: سافرتم في الأرض، فأصابتكم في السفر مصيبة الموت يعني: موت بديل بن ورقاء، تَحْبِسُونَهُما يعني: تقيمونهما من بعد الصلاة يعني: صلاة العصر عند منبر النبيّ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ يعني: ظننتم بالشاهدين ريبة أو شككتم في أمرهما لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يعني: باليمين.
يعني: أن الشاهدين يحلفان بالله أنهما لم يشتريا بأيمانهما ثمناً قليلاً من عرض الدنيا.
وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني: ذا قرابة معنا في الرحم.
لأن الميت كان بينه وبينهما قرابة وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إن سألنا عن ذلك.
فإن كتمناها يعني: الشهادة: إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ يعني: الفاجرين.
ثم وجد الجام أي الكأس بعد ذلك في أيديهما يبيعانه في السوق.
وقالا: إنا كنا اشتريناه منه، فاختصموا إلى رسول الله فنزل فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يعني: خانا وكتما شيئاً من المال فَآخَرانِ من أولياء الميت يَقُومانِ مَقامَهُما يعني: مقام النصرانيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني: يحلف أولياء الميت أن المتاع متاع صاحبنا لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعني: يمين المسلمين وشهادتهما أحق يعني: أولى من شهادة الكافرين.
وَمَا اعْتَدَيْنا في الشهادة والدعوى إِنَّا إِذاً اعتدينا فحينئذٍ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
قرأ عاصم في رواية حفص: اسْتَحَقَّ بنصب التاء.
وقرأ الباقون: بضم التاء فمن قرأ بالنصب جعل الذين نعتاً للمدعين ومعناه: فآخران من المستحقين يقومان مقامهما.
ومن قرأ بالضم: جعل الذين نعتاً للمدعى عليهم.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الاولين.
وقرأ الباقون: الْأَوْلَيانِ.
فمن قرأ الأولين، يجعله خفضاً لأنه بدل من الذين.
فكأنه يقول: من الأولين اللذين استحق عليهم.
ومن قرأ: الْأَوْلَيانِ صار رفعاً على البدل مما في يَقُومانِ المعنى: فليقم الْأَوْلَيانِ بالميت.
قال القتبي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ وهما الوليان.
يقال: هذا الأولى بفلان.
ثم يحذف من الكلام بفلان فيقال: هذا الأولى وهذان الأوليان، كما يقال: هذا الأكبر وهذان الأكبران وعَلَيْهِمُ هاهنا يعني: منهم يعني: استحق منهم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: 2] يعني: من الناس يستوفون.
قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ يعني: ذلك أحرى وأجدر.
أن يأتوا بالشهادة.
يعني: يقيموا الشهادة عَلى وَجْهِها كما كانت.
يعني: يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي لا يخونا في الشهادة، ويأتيا بالشهادة على وجهها.
ثم قال: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: إذا خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما، امتنعا عن الكذب.
وقد احتج بعض الناس بهذه الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي، ولا حجة له فيه، لأن ردّ اليمين حادثة أخرى، وهو ظهور الخيانة منهما.
لأن دعوى الثاني دعوى الشرى، ودعوى الأول دعوى الكتمان.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تخونوا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: الخائنين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسند المنتخب» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العوازب أن تئوب إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ» «٢» .
انتهى من «الكوكب الدري» ، والله المستعان.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ...
الآيةَ، إلى قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩] : قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً.
قال ع «٣» : وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين.
لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنّ تميما الدّاريّ «٤» ...
وعَدِيَّ بْن بَدَّاء «١» ، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر «٢» : وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم «٣» ، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة «٤» ، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ «٥» .
قال ع «٦» : واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعض المتأخّرين، ولا وجه
عندي لذكْره في الصَّحابة.
وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه/ شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم «١» ، قالوا: ومعنى قوله:
مِنْكُمْ، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من الكافرين.
قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم أنها منسوخةٌ بقوله:
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ.
قال ع «٢» : ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيد لأن الناس خلطوا في تفسيره هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان.
فقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، هي الشهادةُ «٣» التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء،
والخَبَرُ في قوله: اثْنانِ، وقوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة» ، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ» ، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذ المعنى: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه حَضَرَ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا» ، وقوله: ذَوا عَدْلٍ: صفة لقوله: اثْنانِ، ومِنْكُمْ: صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله: مِنْ غَيْرِكُمْ: صفة ل آخَرانِ وقوله:
تَحْبِسُونَهُما: صفة ل آخَرانِ أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إلى الْمَوْتُ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ» لِمَا تقدَّم من قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس:
إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين «١» ، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله:
فَيُقْسِمانِ: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ لأن المعنى تَمَّ في قوله: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، وقوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن:
لاَ نَشْتَرِي بِهِ: عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله: لاَ نَشْتَرِي جوابٌ يقتضيه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله:
ثَمَناً، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» - بالتنوين-، «اللَّه» - بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ-، وقال أيضاً:
يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: / «آللَّهِ» - بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن-، أعني: بسكون الهاء من «شهادة» ، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة» ، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها.
وقوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ: استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه، واسْتَحَقَّا إِثْماً: معناه: استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له لأنهما ظَلَمَا وخَانَا.
وقوله تعالى: فَآخَرانِ، أي: إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ «١» وغيره: «استحق» - مضمومةَ التاءِ-، «والأَوْلَيَانِ» على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «استحق» - بفتح التاء- وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم.
وفي قوله: اسْتَحَقَّ: استعارة لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ:
«هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه» ، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه.
وقرأ حمزة «٢» وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «استحق» - بضم التاء-، «الأَوَّلِينَ» : على جَمْعِ أوَّل ومعناها: من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، ثم بعد ذلك قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقوله: فَيُقْسِمانِ، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: لَشَهادَتُنا أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة- أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، وَمَا اعْتَدَيْنا في قولنا هذا، وقولهما:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، «دَعا رَسُولُ اللَّهِ عَدِيًّا وتَمِيمًا، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ: أنَّهُما لَمْ يَخُونا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ إلَيْهِما، فَحَلَفا، وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ ظَهَرَ الإناءُ الَّذِي كَتَماهُ، فَرَفَعَهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ » ومَعْنى "عُثِرَ": اطُّلِعَ، أيْ: إنْ عَثَرَ أهْلُ المَيِّتِ، أوْ مَن يَلِي أمْرَهُ، عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما آخَرانِ مِن غَيْرِنا ﴿ اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ لِمَيْلِهِما عَنِ الِاسْتِقامَةِ في شَهادَتِهِما ﴿ فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ أيْ: مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "اسْتُحِقَّ" بِضَمِّ التّاءِ، "الأوْلَيانِ" عَلى التَّثْنِيَةِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما الذِّمِّيّانِ.
والثّانِي: الوَلِيّانِ، فَعَلى الأوَّلِ في مَعْنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الإيصاءُ، اسْتَحَقَّهُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّتِ الوَصِيَّةُ أوِ الإيصاءُ عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ الظُّلْمُ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الأوْلَيانِ، فَحَذَفَ الظُّلْمَ، وأقامَ الأوْلَيَيْنِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخُرُوجُ مِمّا قاما بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ، لِظُهُورِ خِيانَتِهِما.
والرّابِعُ: أنَّهُ الإثْمُ، والمَعْنى: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمُ، ونابَتْ "عَلى" عَنْ "مَن" كَقَوْلِهِ: ﴿ عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ \[المُطَفِّفِينَ ٢\] أيْ: مِنهم.
وقالَ الفَرّاءُ: "عَلى" بِمَعْنى "فِي" كَقَوْلِهِ: ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ: في مُلْكِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَفْعُولُ "اسْتَحَقَّ" مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الأوْلَيانِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: جَنى عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
فَأمّا "الأوْلَيانِ"، فَقالَ الأخْفَشُ: الأوْلَيانِ: اثْنانِ، واحِدُهُما: الأوْلى، والجَمْعُ: الأوْلَوْنَ.
ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الزَّجّاجُ: " الأوْلَيانِ " في قَوْلِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ يَرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِ مِمّا في "يَقُومانِ" والمَعْنى: فَلْيَقُمِ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَخْلُو الأوْلَيانِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، أوْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، هُما الأوْلَيانِ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ" .
والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "الأوْلَيانِ": هُما الذِّمِّيّانِ، والمَعْنى: أنَّهُما الأوْلَيانِ بِالخِيانَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَقُومانِ، إلّا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ.
قالَ الشّاعِرُ: فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ.
ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وعاصِمٌ: "اسْتَحَقَّ" بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ "الأوْلَيانِ" عَلى التَّثْنِيَةِ، والمَعْنى: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ وصِيَّتَهُ الَّتِي أوْصى بِها، فَحَذَفَ المَفْعُولَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "اسْتُحِقَّ" بِرَفْعِ التّاءِ، وكَسْرِ الحاءِ، "الأوَّلِينَ" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ النُّونِ عَلى الجُمَعِ، والتَّقْدِيرِ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الإثْمَ، أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ.
ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ "الأوَّلَيْنِ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِها، وفَتْحِ اللّامِ، وسُكُونِ الياءِ، وكَسْرِ النُّونِ، وهي تَثْنِيَةُ: أوَّلَ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "اسْتَحَقَّ" بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، "الأوَّلُونَ" تَثْنِيَةُ "أوَّلَ" عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَآخَرانِ ﴾ .
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشْبَهُ الأقْوالِ بِالآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يُعَرِّفَنا كَيْفَ يُشْهَدُ بِالوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فَقالَ: ﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ: عَدْلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ [تُشْهِدُونَهُما عَلى الوَصِيَّةِ]، وعَلِمَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُسافِرُ فَيَصْحَبُهُ في سَفَرِهِ أهْلُ الكِتابِ دُونَ المُسْلِمِينَ، ويَنْزِلُ القَرْيَةَ الَّتِي لا يَسْكُنُها غَيْرُهم، ويَحْضُرُهُ المَوْتُ، فَلا يَجِدُ مِن يُشْهِدُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ، أيْ: مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم، [ ( إذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ) أيْ: سافَرْتُمْ ﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وتَمَّ الكَلامُ.
فالعَدْلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْحَضَرِ والسَّفَرِ خاصَّةً إنْ أمْكَنَ إشْهادُهُما في السَّفَرِ] والذِّمِّيّانِ في السَّفَرِ خاصَّةً إذا لَمْ يُوجَدُ غَيْرُهُما [ثُمَّ قالَ] ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أرادَ: تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِهِما، وخَشِيتُمْ أنْ يَكُونا قَدْ خانا، أوْ بَدَّلا، فَإذا حَلَفا، مَضَتْ شَهادَتُهُما.
فَإنْ عُثِرَ [بَعْدَ هَذِهِ اليَمِينِ] أيْ: ظَهَرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا، أيْ: حَنِثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ [فِي قَوْلٍ] أوْ خِيانَةٍ [فِي ودِيعَةٍ]، فَآخَرانِ، أيْ: قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الأوْلَيانِ، وهُما الوَلِيّانِ، يُقالُ: هَذا الأوْلى بِفُلانٍ، ثُمَّ يُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ "بِفُلانٍ"، فَيُقالُ: هَذا الأوْلى، وهَذانِ الأوْلَيانِ، و "عَلَيْهِمْ" بِمَعْنى: "مِنهُمْ" .
فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ: لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ، وكَذِبِهِما، وما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما، ولَشَهادَتُنا أصَحُّ، لِكُفْرِهِما وإيمانِنا، فَيَرْجِعُ عَلى الذِّمِّيَّيْنِ بِما اخْتانا، ويُنْقَضُ ما مَضى مِنَ الحُكْمِ بِشَهادَتِهِما تِلْكَ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَشَهادَتُنا، أيْ: لَيَمِينُنا أحَقُّ، وسُمِّيَتِ اليَمِينُ شَهادَةً، لِأنَّها كالشَّهادَةِ عَلى ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَذَلِكَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ، والمَطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ، فَحَلَفا بِاللَّهِ، ودَفَعَ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أو آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتُ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةُ اللهِ إنّا إذا لَمِنَ الآثِمِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأولَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنَ شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ؛ إعْرابًا؛ ومَعْنًى؛ وحُكْمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَلَجُ في تَفْسِيرِها؛ وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وبِهِ نَسْتَعِينُ.
لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدارِيَّ ؛ وعَدِيَّ بْنَ بِدّاءٍ؛ كانا نَصْرانِيَّيْنِ؛ سافَرا إلى المَدِينَةِ يُرِيدانِ الشامَ لِتِجارَتِهِما؛ قالَ الواقِدِيُّ: وهُما أخَوانِ؛ وقَدِمَ المَدِينَةَ أيْضًا ابْنُ أبِي مارِيَةَ؛ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ يُرِيدُ الشامَ تاجِرًا؛ فَخَرَجُوا رَفاقَةً؛ فَمَرِضَ ابْنُ أبِي مارِيَةَ في الطَرِيقِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَكَتَبَ وصِيَّةً بِيَدِهِ؛ ودَسَّها في مَتاعِهِ؛ وأوصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ أنْ يُودِيا رَحْلَهُ؛ فَأتَيا بَعْدَ مُدَّةٍ المَدِينَةَ بِرَحْلِهِ فَدَفَعاهُ؛ ووَجَدَ أولِياؤُهُ مِن بَنِي سَهْمٍ وصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةً؛ فَفَقَدُوا أشْياءَ قَدْ كَتَبَها؛ فَسَألُوهُما عنها؛ فَقالا: ما نَدْرِي؛ هَذا الَّذِي قَبَضْناهُ لَهُ؛ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى؛ فاسْتَحْلَفَهُما رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ العَصْرِ؛ فَبَقِيَ الأمْرُ مُدَّةً؛ ثُمَّ عُثِرَ بِمَكَّةَ مِن مَتاعِهِ عَلى إناءٍ عَظِيمٍ مِن فِضَّةٍ؛ مُخَوَّصٍ بِالذَهَبِ؛ فَقِيلَ لِمَن وُجِدَ عِنْدَهُ: مِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الإناءُ؟
فَقالُوا: اِبْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدارِيِّ ؛ وعَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ فارْتُفِعَ في الأمْرِ إلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِن أولِياءِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ؛ واسْتَحَقّا.» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «عن تَمِيمٍ الدارِيِّ أنَّهُ قالَ: بَرِئَ الناسُ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ وذَكَرَ القِصَّةَ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ مَعَهُ جامُ فِضَّةٍ - يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ - فَأخَذْتُهُ أنا وعَدِيٌّ؛ فَبِعْناهُ بِألْفٍ؛ وقَسَمْنا ثَمَنَهُ؛ فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ؛ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ؛ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةٍ؛ فَوَثَبُوا إلى عَدِيٍّ ؛ فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ؛ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ؛ ونُزِعَتْ مِن عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: تَخْتَلِفُ ألْفاظُ هَذِهِ القِصَّةِ في الدَواوِينِ؛ وما ذَكَرْتُهُ هو عَمُودُ الأمْرِ؛ ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ - فِيما عَلِمْتُ - ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ؛ وقَدْ صَنَّفَهُ في الصَحابَةِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ وضَعَّفَ أمْرَهُ؛ ولا وجْهَ عِنْدِي لِذِكْرِهِ في الصَحابَةِ.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَهو أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ حُكْمَهُ في الشَهادَةِ عَلى المُوصِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أنْ تَكُونَ شَهادَةَ عَدْلَيْنِ؛ فَإنْ كانَ في سَفَرٍ - وهو الضَرْبُ في الأرْضِ - ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أحَدٌ؛ فَلْيُشْهِدْ شاهِدَيْنِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ؛ فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَلاةِ أنَّهُما ما كَذَبا؛ ولا بَدَّلا؛ وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ؛ ما كَتَما فِيهِ شَهادَةَ اللهِ ؛ وحُكِمُ بِشَهادَتِهِما؛ فَإنْ عُثِرَ - بَعْدَ ذَلِكَ - عَلى أنَّهُما كَذَبا؛ أو خانا؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو إثْمٌ؛ حَلَفَ رَجُلانِ مِن أولِياءِ المُوصِي في السَفَرِ؛ وغُرِّمَ الشاهِدانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما؛ هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يَقُولُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: "مِنكُمْ": مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ومَعْنى: "مِن غَيْرِكُمْ": مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يُسافِرُونَ في التِجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وعَبَدَةِ الأوثانِ؛ وأنْواعِ الكَفَرَةِ.
واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ المَذْكُورَةُ؛ فَمَذْهَبُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وغَيْرِهِما أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الشَعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ بِدَقُوقا؛ ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ؛ فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقَدِما الكُوفَةَ؛ فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَأخْبَراهُ؛ وقَدِما بِتَرِكَتِهِ؛ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ثُمَّ أحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وأمْضى شَهادَتَهُما.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ النَصْرانِيِّ؛ واليَهُودِيِّ؛ عَلى مُسْلِمٍ ؛ إلّا في الوَصِيَّةِ؛ ولا تَجُوزُ أيْضًا في الوَصِيَّةِ إلّا إذا كانُوا في سَفَرٍ.
ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِمَّنْ ذُكِرَ؛ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ ؛ وبِما اسْتَنَدَ إلَيْهِ إجْماعُ جُمْهُورِ الناسِ عَلى أنَّ شَهادَةَ الكافِرِ لا تَجُوزُ.
وتَأوَّلَ الآيَةَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ عَلى غَيْرِ هَذا كُلِّهِ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنكُمْ"؛ يُرِيدُ مِن عَشِيرَتِكُمْ؛ وقَرابَتِكُمْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ مِن غَيْرِ القَرابَةِ؛ والعَشِيرَةِ؛ وقالَ بِهَذا عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ قالُوا: أمَرَ اللهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ هم ألْحَنُ بِحالِ الوَصِيَّةِ؛ وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ؛ ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ؛ أُشْهِدَ أجْنَبِيّانِ؛ فَإذا شَهِدا فَإنْ لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ مَضَتِ الشَهادَةُ؛ وإنِ ارْتِيبَ أنَّهُما مالا بِالوَصِيَّةِ إلى أحَدٍ؛ أو زادا أو نَقَصا؛ حَلَفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ ومَضَتْ شَهادَتُهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَبْدِيلٍ مِنهُما؛ واسْتِحْقاقِ إثْمٍ؛ حَلَفَ ولِيّانِ مِنَ القَرابَةِ؛ وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْآيَةُ مَنسُوخَةٌ؛ ولا يَحْلِفُ شاهِدٌ؛ ويُذْكَرُ هَذا عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وكافَّةِ الفُقَهاءِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّ هَذا التَحالُفَ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ التَداعِي؛ وذَلِكَ أنَّ الشاهِدَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما يَحْلِفانِ إذا ارْتِيبَ؛ وإذا ارْتِيبَ فَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِما دَعْوى؛ فَتَلْزَمُهُما اليَمِينُ؛ لَكِنَّ هَذا الِارْتِيابَ إنَّما يَكُونُ في خِيانَةٍ مِنهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا نُظِرَ؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا غُرِّما دُونَ يَمِينِ ولِيَّيْنِ؛ وإنْ كانَ بِشاهِدٍ واحِدٍ؛ أو بِدَلائِلَ تَقْتَضِي خِيانَتَهُما؛ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كالشاهِدِ؛ حُمِلَ عَلى الظالِمِ؛ وحَلَفَ المُدَّعِيانِ مَعَ ما قامَ لَهُما مِن شاهِدٍ؛ أو دَلِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذا هو الِاخْتِلافُ في مَعْنى الآيَةِ؛ وصُورَةِ حُكْمِها؛ ولْنَرْجِعِ الآنَ إلى الإعْرابِ؛ والكَلامِ عَلى لَفْظَةٍ لَفْظَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ ولْنَقْصِدِ القَوْلَ المُفِيدَ؛ لِأنَّ الناسَ خَلَطُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَخْلِيطًا شَدِيدًا؛ وذِكْرُ ذَلِكَ والرَدُّ عَلَيْهِ يَطُولُ؛ وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الَّذِي تَتَلَقّاهُ الأذْهانُ بِالقَبُولِ مُقْنِعٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.
قَوْلُهُ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛ ﴾ قالَ قَوْمٌ: اَلشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى: "اَلْحُضُورُ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلشَّهادَةُ بِمَعْنى: "اَلْيَمِينُ"؛ ولَيْسَتْ بِالَّتِي تُؤَدّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ والصَوابُ أنَّها الشَهادَةُ الَّتِي تُحْفَظُ لِتُؤَدّى؛ ورَفْعُهُما بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "اِثْنانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّقْدِيرُ: "شَهادَةُ بَيْنِكم في وصاياكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا؛ كَأنَّهُ قالَ: "مُقِيمُ شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ".
وأُضِيفَتِ الشَهادَةُ إلى "بَيْنِ"؛ اِتِّساعًا في الظَرْفِ؛ بِأنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ .
وقَرَأ الأعْرَجُ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ والحَسَنُ: "شَهادَةٌ" بِالتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ قِراءَةِ السَبْعَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأبِي حَيْوَةَ: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: اَلتَّقْدِيرُ: "لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: إذا قَرُبَ الحُضُورُ؛ وإلّا فَإذا حَضَرَ المَوْتُ لَمْ يَشْهَدْ مَيِّتٌ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ؛ وهَذا كَثِيرٌ؛ والعامِلُ في "إذا": اَلْمَصْدَرُ الَّذِي هو "شَهادَةُ"؛ وهَذا عَلى أنْ تَجْعَلَ "إذا" بِمَنزِلَةِ "حِينَ"؛ لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ "إذا" - في هَذِهِ الآيَةِ - المُحْتاجَةَ إلى الجَوابِ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ عن جَوابِها بِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛ ﴾ إذِ المَعْنى: "إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "حِينَ الوَصِيَّةِ" ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ في "حَضَرَ"؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن "إذا"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكَ أنْ تُعَلِّقَهُ بِـ "اَلْمَوْتُ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ "شَهادَةُ" لِأنَّها إذا عَمِلَتْ في ظَرْفٍ مِنَ الزَمانِ لَمْ تَعْمَلْ في ظَرْفٍ آخَرَ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَوا عَدْلٍ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ "اِثْنانِ"؛ و"مِنكُمْ": صِفَةٌ أيْضًا؛ بَعْدَ صِفَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن غَيْرِكُمْ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ و ﴿ "ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "سافَرْتُمْ لِلتِّجارَةِ"؛ تَقُولُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" أيْ: سافَرْتُ لِلتِّجارَةِ؛ و"ضَرَبْتُ الأرْضَ": ذَهَبْتُ فِيها لِقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ؛ وهَذا السَفَرُ كانَ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَعْدِمَ فِيهِ المُؤْمِنُ مُؤْمِنَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّ سَفَرَ الجِهادِ لا يَكادُ يَعْدِمُ فِيهِ مُؤْمِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: ﴿ "تَحْبِسُونَهُما"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِفَةِ بِقَوْلِهِ: "إنْ أنْتُمْ"؛ إلى "اَلْمَوْتِ"؛ وأفادَ الِاعْتِراضُ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرانِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ؛ أوِ القَرابَةِ؛ حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ؛ إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَفَرِ؛ وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ؛ واسْتُغْنِيَ عن جَوابِ "إنْ"؛ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ .
وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَلاةُ هُنا: صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتَ اجْتِماعِ الناسِ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيمَن حَلَفَ عَلى سِلْعَتِهِ؛ وأمَرَ بِاللِعانِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّما هي بَعْدَ صَلاةِ الذِمِّيِّينَ؛ وأمّا العَصْرُ فَلا حُرْمَةَ لَها عِنْدَهُما.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ"؛ ﴾ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِ الصَلاةِ ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ عاطِفَةَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ ولَكِنْ تَجْعَلُهُ جَزاءً؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: إذا حَسِرَ بَدا؛ فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما أقْسَما.
وَقَوْلُهُ: ﴿ "إنِ ارْتَبْتُمْ"؛ ﴾ شَرْطٌ لا يُتَوَجَّهُ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ إلّا بِهِ؛ ومَتى لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ ولا اخْتِلافٌ فَلا يَمِينٌ؛ أما إنَّهُ يَظْهَرُ مِن حُكْمِ أبِي مُوسى تَحْلِيفُ الذِمِّيِّينَ أنَّهُ بِاليَمِينِ تَكْمُلُ شَهادَتُهُما وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ لِأهْلِها؛ وإنْ لَمْ يُرْتَبْ؛ وهَذِهِ الرِيبَةُ - عِنْدَ مَن لا يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً - تَتَرَتَّبُ في الخِيانَةِ؛ وفي الِاتِّهامِ بِالمَيْلِ إلى بَعْضِ المُوصى لَهُما دُونَ بَعْضٍ؛ وتَقَعُ مَعَ ذَلِكَ اليَمِينُ عِنْدَهُ؛ وأمّا مَن يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً فَلا يَقَعُ تَحْلِيفٌ إلّا بِأنْ يَكُونَ الِارْتِيابُ في خِيانَةٍ؛ أو تَعَدٍّ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي؛ فَيَكُونَ التَحْلِيفُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الدَعْوى عَلى مُنْكِرٍ؛ لا عَلى أنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِ الحالِفَيْنِ: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ ؛ عائِدٌ عَلى القَسَمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعُودُ عَلى تَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "لا نَشْتَرِي"؛ ﴾ جَوابُ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ بِاللهِ"؛ ﴾ لِأنَّ القَسَمَ ونَحْوَهُ يُتَلَقّى بِما تُتَلَقّى بِهِ الأيْمانُ؛ وتَقْدِيرُ "بِهِ ثَمَنًا"؛ أيْ: ذا ثَمَنٍ؛ لِأنَّ الثَمَنَ لا يُشْتَرى؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ؛ مَعْناهُ: ذا ثَمَنٍ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَشْتَرِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "نَبِيعُ"؛ لِأنَّ المَعْنى يُبْطِلُهُ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في اللُغَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِكْرِ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ الناسِ إلى قَراباتِهِمْ؛ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ ﴾ ؛ أضافَ "شَهادَةَ"؛ إلَيْهِ تَعالى؛ مِن حَيْثُ هو الآمِرُ بِإقامَتِها؛ الناهِي عن كِتْمانِها.
وقَرَأ الحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "وَلا نَكْتُمْ"؛ بِجَزْمِ المِيمِ؛ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ؛ والشَعْبِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "شَهادَةً"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "اَللَّهَ"؛ نُصِبَ بِـ "نَكْتُمُ"؛ كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا نَكْتُمُ اللهَ شَهادَةً"؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَلا نَكْتُمُ شَهادَةً واللهِ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ؛ ونُصِبَ الفِعْلُ إيجازًا؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: "شَهادَةً"؛ "أللَّهِ"؛ بِقَطْعِ الألِفِ؛ دُونَ مَدٍّ؛ وخَفْضِ الهاءِ؛ وَرُوِيَتْ أيْضًا عَنِ الشَعْبِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ بِالسُكُونِ؛ ثُمَّ يَقْطَعُ الألِفَ المَكْتُوبَةَ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "آللَّهِ"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الوَجْهَيْنِ؛ أعْنِي بِسُكُونِ الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ وتَحْرِيكِها مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً؛ ورُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي هي تَنْوِينُ الشَهادَةِ؛ ومَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا تَسْكِينُ هاءِ "شَهادَةْ"؛ والوَقْفُ عَلَيْها؛ واسْتِئْنافُ القَسَمِ؛ فَوَجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَ القَسَمِ في أوَّلِ الكَلامِ أوقَرُ لَهُ وأشَدُّ هَيْبَةً أنْ يُدْرَجَ في عَرْضِ القَوْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ؛ والحَسَنُ البَصْرِيُّ - فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ -: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ؛ "آللَّهِ"؛ بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ "آنّا"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا؛ دَخَلَتْ لِتَوْقِيفٍ أو تَقْرِيرٍ لِنُفُوسِ المُقْسِمَيْنِ؛ أو لِمَن خاطَباهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَمِلّاثِمِينَ"؛ بِالإدْغامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنْ عُثِرَ"؛ ﴾ اِسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ؛ اتِّفاقًا؛ وبَعْدَ أنْ لَمْ يُرْجَ؛ ولَمْ يُقْصَدْ؛ وهَذا كَما يُقالُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"؛ و"وَقَعْتَ عَلى كَذا؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإثْمُ هُنا: اسْمُ الشَيْءِ المَأْخُوذِ؛ لِأنَّ آخِذَهُ بِأخْذِهِ آثِمٌ؛ فَسُمِّيَ آثِمًا؛ كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ "مَظْلَمَةً"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والَّذِي يَظْهَرُ هُنا أنَّ الإثْمَ عَلى بابِهِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ لَهُما؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَتَحَصَّلانِ فِيها بَعْدَ مُواقَعَتِهِما لِتَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ أو لِأخْذِ ما لَيْسَ لَهُما؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ.
و"اِسْتَحَقّا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَوْجَباهُ مِنَ اللهِ؛ وكانا أهْلًا لَهُ؛ فَهَذا اسْتِحْقاقٌ عَلى بابِهِ؛ إنَّهُ اسْتِيجابُ حَقِيقَةٍ؛ ولَوْ كانَ الإثْمُ الشَيْءَ المَأْخُوذَ لَمْ يُقَلْ فِيهِ "اِسْتَحَقّا"؛ لِأنَّهُما ظَلَما؛ وخانا فِيهِ؛ فَإنَّما اسْتَحَقّا مَنزِلَةَ السُوءِ وحُكْمَ العِصْيانِ؛ وذَلِكَ هو الإثْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآخَرانِ"؛ ﴾ أيْ: فَإذا عُثِرَ عَلى فَسادِهِما؛ فالأولَيانِ بِاليَمِينِ وإقامَةِ القَضِيَّةِ آخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هم وُلاةُ المَيِّتِ؛ واسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ حَظُّهُمْ؛ أو ظُهُورُهُمْ؛ أو مالُهُمْ؛ أو ما شِئْتَ مِن هَذِهِ التَقْدِيراتِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اِسْتُحِقَّ" مَضْمُومَةَ التاءِ؛ وَ"اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ لِـ "أولى"؛ ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ؛ وكَذَلِكَ رَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "اِسْتُحِقَّ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ "اَلْأوَّلِينَ"؛ عَلى جَمْعِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأوَّلانِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "اَلْأوَّلَيْنِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ ونَصْبُهُما عَلى تَقْدِيرِ: اَلْأوَّلَيْنِ فالأوَّلَيْنِ؛ في الرُتْبَةِ والقُرْبى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ومَن مَعَهُ -: لا يَخْلُو ارْتِفاعُ "اَلْأولَيانِ"؛ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَكَأنَّهُ في التَقْدِيرِ: "واَلْأولَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ"؛ فَيَجِيءُ الكَلامُ كَقَوْلِهِمْ: "تَمِيمِيٌّ أنا"؛ أو يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ: "فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما هُما اَلْأولَيانِ"؛ أو يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ"؛ أو يَكُونَ مُسْنَدًا إلى "اِسْتُحِقَّ"؛ وأجازَ أبُو الحَسَنِ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" صِفَةً لِـ "فَآخَرانِ"؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ؛ فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ - بَعْدَ كَلامِهِ هَذا -: فَأمّا ما يُسْنَدُ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الأنْصِباءَ؛ أوِ الوَصِيَّةَ؛ أوِ الإثْمَ؛ وسُمِّيَ المَأْخُوذُ "إثْمًا"؛ كَما يُقالُ لِما يُؤْخَذُ مِنَ المَظْلُومِ: "مَظْلَمَةٌ"؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ كَلامٍ -: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" إلى "اَلْأولَيانِ"؟
فالقَوْلُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ؛ أو شَيْئًا مِنها؛ وأمّا اَلْأولَيانِ بِالمَيِّتِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقّا؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلَيْهِما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ؛ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلى "اَلْأولَيانِ"؛ وذَلِكَ أنَّ أبا عَلِيٍّ حَمَلَ لَفْظَةَ الِاسْتِحْقاقِ عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ؛ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ؛ إلّا حَيْثُ يَصِحُّ الِاسْتِحْقاقُ الحَقِيقِيُّ في النازِلَةِ؛ وإنَّما يُسْتَحَقُّ حَقِيقَةً النَصِيبُ ونَحْوُهُ؛ ولَفْظَةُ الِاسْتِحْقاقِ في الآيَةِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِمَعْنى "اِسْتَحَقّا إثْمًا"؛ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ هُنا حَقِيقَةٌ؛ وفي قَوْلِهِ: "اِسْتُحِقَّ"؛ مُسْتَعارٌ؛ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِحْقاقِ إلّا الغَلَبَةُ عَلى الحالِ؛ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ؛ وعَدَمِهِ لِقَرابَتِهِ؛ أو لِأهْلِ دِينِهِ؛ فَـ "اِسْتُحِقَّ"؛ هُنا؛ كَما تَقُولُ لِظالِمٍ يَظْلِمُكَ: "هَذا قَدِ اسْتُحِقَّ عَلَيَّ مالِي؛ أو مَنزِلِي؛ بِظُلْمِهِ"؛ فَتُشَبِّهُهُ؛ بِالمُسْتَحَقِّ حَقِيقَةً؛ إذْ قَدْ تَسَوَّرَ تَسَوُّرَهُ؛ وتَمَلَّكَ تَمَلُّكَهُ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: "فُلانٌ قَدِ اسْتَحَقَّ مِنهُ زَمَنُهُ شُغْلَ كَذا"؛ إذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ قَدْ غَلَبَهُ عَلى أوقاتِهِ؛ وهَكَذا هي "اِسْتُحِقَّ"؛ في الآيَةِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ أُسْنِدَتْ إلى الأنْصِباءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "اِسْتُحِقَّ"؛ صِلَةٌ لِـ "اَلَّذِينَ"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ واقِعٌ عَلى الصِنْفِ المُناقِضِ لِلشّاهِدَيْنِ الجائِرَيْنِ؛ فالشاهِدانِ ما اسْتَحَقّا قَطُّ في هَذِهِ النازِلَةِ شَيْئًا حَقِيقَةَ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما تَسَوَّرا تَسَوُّرَ المُسْتَحِقِّ؛ فَلَنا أنْ نُقَدِّرَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" - عَلى هَذا - إلى المالِ؛ أوِ النَصِيبِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ وكَذَلِكَ إذا كانَ "اَلْأولَيانِ" خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ وكَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ"؛ وعَلى الصِفَةِ؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ؛ ولَنا أنْ نُقَدِّرَ الكَلامَ بِمَعْنى: مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ؛ وكانَ حَقُّهُما؛ والمُبْتَغى أنْ يَحْضُرَ ولِيُّها؛ فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي؛ اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالُ - وهَذانِ الشاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِينِ - الوِلايَةَ؛ وأمْرَ الأولَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ؛ ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا؛ ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ تَعَدّى الفِعْلُ بِـ "عَلى"؛ لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ؛ وحَمْلُ هَيْئَتِهِ عَلى الحالِ؛ ولا يُقالُ: "اِسْتُحِقَّ مِنهُ؛ أو فِيهِ"؛ إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ؛ وأمّا "اِسْتُحِقَّ عَلَيْهِ"؛ فَيُقالُ في الحَمْلِ؛ والغَلَبَةِ؛ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ - عَلى كُلِّ حالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى الجَماعَةِ الَّتِي تُناقِضُ شاهِدَيِ الزُورِ الآثِمَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصِنْفِ الَّذِينَ مِنهم شاهِدُ الزُورِ؛ عَلى ما نُبَيِّنُهُ الآنَ - إنْ شاءَ اللهُ - في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ.
وأمّا رِوايَةُ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ أو خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ ويَكُونَ المَعْنى: "فِي الجَمْعِ أوِ القَبِيلِ الَّذِي اسْتَحَقَّ القَضِيَّةَ عَلى هَذا الصِنْفِ الشاهِدِ بِالزُورِ"؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى صِنْفِ شاهِدَيِ الزُورِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْوِيلٌ؛ وتَحْلِيقٌ؛ وصَنْعَةٌ في "اَلَّذِينَ"؛ وعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَلامُ أبِي عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ القِيامُ"؛ والصَوابَ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أنَّ الضَمِيرَ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ "اَلْأولَيانِ"؛ رُفِعَ بِـ "اِسْتَحَقَّ"؛ وذَلِكَ مُتَخَرَّجٌ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مالُهُمْ؛ وتَرِكَتُهُمْ: شاهِدا الزُورِ؛ فَسَمّى شاهِدَيِ الزُورِ "أولَيَيْنِ"؛ مِن حَيْثُ جَعَلَتْهُما الحالُ الأُولى كَذَلِكَ؛ أيْ صَيَّرَهم عَدَمُ الناسِ أولى بِهَذا المَيِّتِ؛ وتَرِكَتِهِ؛ فَجارا فِيها.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَماعَةِ: اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأولَيانِ؛ فَـ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ و"وَجَبَ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا بِناءٌ قَدِ اسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ ونَحْوِهِ.
والمَعْنى الثالِثُ أنْ يُجْعَلَ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى "سَعى"؛ و"اِسْتَوْجَبَ"؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "فَآخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أولَيانِ مِنهُمْ؛ فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ"؛ أيْ: اِسْتَحَقّا لَهُمْ؛ وسَعَيا فِيهِ؛ واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما؛ وقُرْباهُما؛ ونَحْوُ هَذا المَعْنى الَّذِي يُعْطِيهِ التَعَدِّي بِـ "عَلى"؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعِي وكَذَلِكَ في الحَدِيثِ: « "كُنْتُ أرْعى عَلَيْهِمُ الغَنَمَ"؛» في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ أحَدُهم بِرَّهُ بِأبَوَيْهِ؛ حِينَ انْحَطَّتْ عَلَيْهِمُ الصَخْرَةُ.
وَأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ فَمَعْناها: "مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ"؛ أيْ: غُلِبُوا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ: في الذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿ أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ﴾ ؛ يَعْنِي الآخَرَيْنِ اللَذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَ شاهِدَيِ التَحْرِيفِ؛ وقَوْلُهُما: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ ؛ أيْ: "لَما أخْبَرْنا نَحْنُ بِهِ؛ وذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القَضِيَّةِ؛ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا؛ وحَرَّفا فِيهِ؛ ﴿ "وَما اعْتَدَيْنا"؛ ﴾ نَحْنُ في قَوْلِنا هَذا؛ ولا زِدْنا عَلى الحَدِّ".
وقَوْلُهُما: ﴿ إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ ؛ تَبَرٍّ في صِيغَةِ الِاسْتِعْظامِ والِاسْتِقْباحِ لِلظُّلْمِ؛ والظُلْمُ: وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
استؤنفت هذه الآي استئنافاً ابتدائياً لشرع أحكام التوثّق للوصية لأنّها من جملة التشريعات التي تضمّنتها هذه السورة، تحقيقاً لإكمال الدين، واستقصاء لما قد يحتاج إلى علمه المسلمون وموقعها هنا سنذكره.
وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة (180) ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ﴾ وتقدّم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك.
وحرص رسول الله على الوصية وأمر بها، فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام.
وكانت معروفة في الجاهلية كما تقدّم في سورة البقرة.
وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية والحرص على إنفاذها حفظاً لحقّ الميّت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقّه، فلذلك استغنى القرآن عن شرع التوثّق لها بالإشهاد، خلافاً لما تقدّم به من بيان التوثّق في التبايع بآية ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ [البقرة: 282] والتوثّق في الدين بآية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ [البقرة: 282] الخ فأكملت هذه الآية بيان التوثّق للوصية اهتماماً بها ولجدارة الوصية بالتوثيق لها لضعف الذياد عنها لأنّ البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما انعقد فيها ويذُبّان عن مصالحهما فيتّضح الحقّ من خلال سعيهما في إحقاق الحقّ فيها بخلاف الوصية فإنّ فيها جانباً واحداً وهو جانب الموصى له لأنّ الموصي يكون قد ماتَ وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك، فكانت معرّضة للضياع كلّها أو بعضها.
وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع عند الموصي خَبَرَ عزمه.
فقد أوصى نزارُ بن مَعَدّ وصية موجزة وأحال أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبيّن لهم تفصيل مراده منها.
وقد حدثت في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية.
ولعلّ حدوثها كان مقارناً لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه الآية عقبها في هذا الموضع من السورة.
ذلك أنّه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداريُّ اللخمي والآخر عدي بن بدّاء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل (دارِين) وكانا يتّجران بين الشام ومكةَ والمدينة.
فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سَهم وكان مسلماً بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق برّاً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوّص بالذهب قاصداً به ملكَ الشام، فلمّا اشتدّ مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليه من بني سهم.
وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي، فولاؤه بعد موته لابن عمرو بن العاصي.
وبعض المفسّرين يقول: إنّ ولاء بُديل لعَمرو بن العاصي والمطلب بن وداعة.
ويؤيّد قولهم أنّ المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أنّ الجام لبديل بن أبي مريم.
فلمّا رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا مَا لِبديل إلى مواليه.
فلمّا نشروه وجدوا الصحيفة، فقالوا لتميم وعدي: أين الجَامُ فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاماً.
ثم وُجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنّه ابتاعه من تميم وعديّ.
وفي رواية أنّ تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثّم ممّا صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له الخمسمائة الدرهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه.
وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية.
وقد ساقه البخاري تعليقاً في كتاب الوصايا.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: ليس إسناده بصحيح.
وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقّى بالقبول، وقد أسنده البخاري في «تاريخه».
واتّفقت الروايات على أنّ الفريقين تفاضَوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عَمرُو بن العاصي والمطّلب بن أبي وَدَاعة على أنّ تميماً وعدياً أخفيا الجام وأنّ بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده.
ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذٍ نصراني.
وعدي هذا قيل: أسلم، وعدّه ابن حبّان وابن منده في عداد الصحابة، وقيل: مات نصرانياً، ورجّح ذلك ابن عطية، وهو قول أبي نعيم، ويروى عن مقاتل، ولم يذكره ابن عبد البر في الصحابة.
واحتمل أن يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية الجام، وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية لتكون تشريعاً لما يحدث من أمثال تلك القضية.
و ﴿ بينكم ﴾ أصل (بين) اسم مكان مبهم متوسّط بين شيئين يبيّنه ما يضاف هو إليه، وهو هنا مجاز في الأمر المتعلّق بعدّة أشياء، وهو مجرور بإضافة ﴿ شهادةُ ﴾ إليه على الاتّساع.
وأصله (شهادةٌ) بالتنوين والرفع «بينكم» بالنصب على الظرفية.
فخرج (بين) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج عنها في قوله تعالى: ﴿ لقد تقطّع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة جماعة من العشرة برفع ﴿ بينكم ﴾ .
وارتفع ﴿ شهادةُ ﴾ على الابتداء، وخبره ﴿ اثنان ﴾ .
و ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ ظرف زمان مستقبل.
وليس في (إذا) معنى الشرط، والظرف متعلّق ب ﴿ شهادة ﴾ لما فيه من معنى الفعل، أي ليشهدْ إذا حضر أحدكم الموتُ اثنان، يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يَشهدا لقوله تعالى: ﴿ ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دُعوا ﴾ [البقرة: 282].
و ﴿ حين الوصية ﴾ بدَل من ﴿ إذا حضر أحدكم الموتُ ﴾ بَدَلاً مطابقاً، فإنّ حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي فيه الناس غالباً.
جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلّص بهذا البدل إلى المقصود وهو الوصية.
وقد كان العرب إذا راوا علامة الموت على المريض يقولون: أوص، وقد قالوا ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أنّ جرحه في أمعائه.
ومعنى حضور الموت حضور علاماته لأن تلك حالة يتخيّل فيها المرءُ أنّ الموت قد حضر عنده ليصيّره ميتاً، وليس المراد حصول الغرغرة لأنّ ما طُلب من الموصي أن يعمله يستدعي وقتاً طويلاً، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ﴾ في سورة البقرة (180).
وقوله: اثنان } خبر عن ﴿ شهادةُ ﴾ ، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه، والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز.
فماصْدقُ ﴿ اثنان ﴾ شاهدان، بقرينة قوله ﴿ شهادة بينكم ﴾ ، وقولِه: ﴿ ذوا عدل ﴾ .
وهذان الشاهدان هما وصيّان من الميّت على صفة وصيّته وإبلاغها، إلاّ أن يجعل الموصي وصياً غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك.
والعدل والعدالة متّحدان، أي صاحبا اتّصَاف بالعدالة.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ من المؤمنين، كما هو مقتضى الخطاب بقوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا ﴾ ، لأنّ المتكلّم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدلّ على بعضه كان معناه أنّه بعض أصحاب الوصف، كما قال الأنصار يوم السقيفة: مِنَّا أمير ومِنْكم أمير.
فالكلام على وصية المؤمنين.
وعلى هذا درج جمهور المفسّرين، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، والأئمة الأربعة.
وهو الذي يجب التعويل عليه، وهو ظاهر الوصف بكلمة ﴿ منكم ﴾ في مواقعها في القرآن.
وقال الزهري، والحسن، وعكرمة: معنى قوله ﴿ منكم ﴾ من عشيرتكم وقرابتكم.
ويترتّب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو ﴿ من غيركم ﴾ أنّه من غير أهل ملّتكم.
فذهب فريق ممّن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصّة، وخصّوا ذلك بالذميّ، وهو قول أحمد، والثوري، وسعيد بن المسيّب، ونُسب إلى ابن عبّاس، وأبي موسى.
وذهب فريق إلى أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2]، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ونسب إلى زيد بن أسلم.
وقد تمّ الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله: ﴿ ذوَا عدل منكم ﴾ .
وقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ الآيات..
تفصيل للحالة التي تعرض في السفر.
و(أو) للتقسيم لا للتخيير، والتقسيمُ باعتبار اختلاف الحالين: حاللِ الحاضر وحال المسافر، ولذلك اقترن به قوله: ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ ، فهو قيد لقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .
وجواب الشرط في قوله: ﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ، والتقدير: إنْ أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخَرَيْننِ من غيركم، فالمصيرُ إلى شهادة شاهدَين من غير المسلمين عند من يراه مقيّد بشرط ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ .
والضرب في الأرض: السير فيها.
والمراد به السفر، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ في سورة آل عمران (156).
ومعنى: فأصابتكم مصيبة الموت } حلّت بكم، والفِعْل مستعمل في معنى المشارفة والمقاربة، كما في قوله تعالى: ﴿ وليَخْشَ الذين لو تركوا من خَلْفهم ذرّيَّة ﴾ [السناء: 9]، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة.
وهذا استعمال من استعمال الأفعال.
ومنه قولهم في الإقامة: قد قامت الصلاة.
وعُطف قولُه ﴿ فأصابتكم ﴾ على ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ ، فكانَ من مضمون قوله قبله ﴿ إذا حضر أحدَكم الموت ﴾ .
أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فَصَل بينه من الظروف والشروط.
وضمير الجمع في ﴿ أصابتكم ﴾ كضمير الجمع في ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ .
والمصيبة: الحادثة التي تحلّ بالمرء من شرّ وضرّ، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ في سورة النساء (72).
وجملة تحبسونهما } حال من ﴿ آخران ﴾ عند من جعل قوله ﴿ من غيركم ﴾ بمعنى من غير أهل دينكم.
وأمّا عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم فإنّه حال من ﴿ اثنان ﴾ ومن ﴿ آخران ﴾ لأنّهما متعاطفان ب (أو).
فهما أحد قسمين، ويكون التحليف عند الاسْترابة.
والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين.
وضمير الجمع في ﴿ تحبسونهما ﴾ كضميري ﴿ ضربتم وأصابتكم ﴾ .
وكلّها مستعملة في الجمع البدَلي دون الشمولي، لأنّ جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا الحكم وإنّما يحلّ ببعضهم.
فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مُقتضَى الظاهر كلُّها.
وإنّما جاءت بصيغة الجمع لإفادة العموم، دفعاً لأن يتوهّم أنّ هذا التشريع خاصّ بشخصين معيّنين لأنّ قضية سبب النزول كانت في شخصين؛ أو الخطاب والجمع للمسلمين وحكّامهم.
والحَبس: الإمساك، أي المنع من الانصراف.
فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد.
ومنه ما يكون بمعنى الانتظار، كما في حديث عتبان بن مالك ﴿ فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على خزير صنعناه ﴾ ، أي أمسكناه.
وهذا هو المراد في الآية، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادِرَانِكم حتّى يتحمّلا الوصية.
وليس المرادّ به السجن أو ما يقرب منه، لأنّ الله تعالى قال: ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282].
وقوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ توقيت لإحضارهما وإمساكهما لأداء هذه الشهادة.
والإتيانُ ب (مِن) الابتدائية لتقريب البَعديّة، أي قرب انتهاء الصلاة.
وتحتمل الآية أنّ المراد بالصلاة صلاة من صلوات المسلمين، وبذلك فسّرها جماعة من أهل العلم، فمنهم من قال: هي صلاة العصر.
وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحْلف تميماً الداري وعَدي بنَ بدّاء في قضية الجام بعد العصر، وهو قول قتادة، وسعيد، وشريح، والشعبي.
ومنهم من قال: الظهر، وهو عن الحسن.
وتحتمل من بعد صلاة دينهما على تأويل من غيركم بمعنى من غير أهل دينكم.
ونقل عن السديّ، وابن عبّاس، أي تُحضرونهما عقب أدائهما صلاتهما لأنّ ذلك قريب من إقبالهما على خشية الله والوقوف لعبادته.
وقوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ عطف على ﴿ تحبسونهما ﴾ فعلم أنّ حبسهما بعد الصلاة لأجل أن يقسما بالله.
وضمير ﴿ يقسمان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ آخران ﴾ .
فالحلف يحلفه شاهدا الوصية اللذان هما غير مسلمين لزيادة الثقة بشهادتهما لعدم الاعتداد بعدالة غير المسلم.
وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ تظافرت أقوال المفسّرين على أنّ هذا شرط متّصل بقوله ﴿ تحبسونهما ﴾ وما عطف عليه.
واستغني عن جواب الشرط لدلالة ما تقدّم عليه ليتأتّى الإيجاز، لأنّه لو لم يقدّم لقيل: أو آخران من غيركم فإن ارتبتم فيهما تحبسونهما إلى آخره.
فيقتضي هذا التفسير أنّه لو لم تَحصل الريبة في صدقهما لما لزم إحْضارهما من بعد الصلاة وقسمهما، فصار ذلك موكولاً لِخيَرة الولي.
وجملة الشرط معترضة بين فعل القسم وجوابه.
والوجه عندي أن يكون قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من جملة الكلام الذي يقوله الشاهدان، ومعناه أنّ الشاهدين يقولان: إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة، أي يقولان ذلك لاطمئنان نفس المُوصي، لأنّ العدالة مظنّة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ممّا لا يُطّلع عليه فأكّدت مظنّة الصدق بالحلف؛ فيكون شُرع هذا الكلام على كلّ شاهد ليسْتوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال حَرجاً على الشاهدين الذين توجّهت عليهما اليمينُ من أنّ اليمين تعريض بالشكّ في صدقهما، فكان فرض اليمين من قِبَل الشرع دافعاً للتحرّج بينهما وبين الوليّ، لأنّ في كون اليمين شرطاً من عند الله معذرة في المطالبة بها، كما قال جمهور فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجّه على من يثبت حقّاً على ميّت أو غائب من أنّها لازمة قبل الحكم مطلقاً ولو أسقطها الوارث الرشيد.
ولم أقف على مَن عرّج على هذا المعنى من المفسّرين إلاّ قول الكواشي في «تلخيص التفسير»: «وبعضُهم يقف على ﴿ يقسمان ﴾ ويبتدئ ﴿ بالله ﴾ قسماً ولا أحبّه»، وإلاّ ما حكاه الصفاقسي في «مُعربَه» عن الجرجاني «أنّ هنا قولاً محذوفاً تقديره: فيقسمان بالله ويَقُولان».
ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعَا الجرجاني لِتقدير هذا القول.
ولا أراه حمله عليه إلاّ جَعْلُ قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من كلام الشاهديْن.
وجوابُ الشرط محذوف يدلّ عليه جواب القسم، فإنّ القسم أولى بالجواب لأنّه مقدّم على الشرط.
وقوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ الخ، ذلك هو المقسم عليه.
ومعنى ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمناً، أي عوضاً، فضمير به، عائد إلى القسم المفهوم من ﴿ يقسمان ﴾ .
وقد أفاد تنكير ﴿ ثمناً ﴾ في سياق النفي عمومَ كلّ ثمن.
والمراد بالثمن العوَض، أي لا نبدّل ما أقسمنا عليه بعوض كائناً ما كان العوضُ، ويجوز أن يكون ضمير ﴿ به ﴾ عائداً إلى المقسم عليه وهو ما استشهدا عليه من صيغة الوصي بجميع ما فيها.
وقوله: ﴿ ولو كان ذا قُربى ﴾ حال من قوله ﴿ ثمناً ﴾ الذي هو بمعنى العوض، أي ولو كان العوض ذا قربى، أي ذا قربى منّا، و«لو» شرط يفيد المبالغة فإذا كان ذا القربى لا يَرْضيانه عوّضاً عن تبديل شهادتهما فأوْلى ما هو دون ذلك.
وذلك أنّ أعظم ما يدفع المرء إلى الحيف في عرف القبائل هو الحميّة والنصرة للقريب، فذلك تصغر دونه الرّشى ومنافع الذات.
والضمير المسْتتر في ﴿ كان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ ثَمناً ﴾ .
ومعنى كون الثمن، أي العوض، ذَا قربى أنّه إرضاء ذي القربى ونفعه فالكلام على تقدير مضاف، وهو من دلالة الاقتضاء لأنّه لا معنى لجعل العوض ذات ذي القربى، فتعيّن أنّ المراد شيء من علائقه يعيّنه المقام.
ونظيره ﴿ حُرِّمت عليكم أمّهاتكم ﴾ [النساء: 23].
وقد تقدّم وجه دلالة مثل هذا الشرط ب (لو) وتسميتها وصلية عند قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ من سورة آل عمران (91).
وقوله ولا نكتم } عطف على ﴿ لا نشتري ﴾ ، لأنّ المقصود من إحلافهما أن يؤدّيا الشهادة كما تلقّياها فلا يغيّرا شيئاً منها ولا يكتماها أصلاً.
وإضافة الشهادة إلى اسم الجلالة تعظيم لخطرها عند الشهادة وغيره لأنّ الله لمّا أمر بأدائها كما هي وحَضّ عليها أضافها إلى اسمه حفظاً لها من التغيير، فالتصريح باسمه تعالى تذكير للشاهد به حينَ القسم.
وفي قوله ﴿ ولا نكتم ﴾ دليل على أنّ المراد بالشهادة هنا معناها المتعارف، وهو الإخبار عن أمر خاصّ يعرِض في مثله الترافعُ.
وليس المراد بها اليمين كما توهّمه بعض المفسّرين فلا نطيل بردّه فقد ردّه اللفظ.
وجملة ﴿ إنَّا إذاً لمن الآثمين ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّها جواب سؤال مقدّر بدليل وجود ﴿ إذنْ ﴾ ، فإنّه حرفُ جواب: استشعر الشاهدان سؤالاً من الذي حَلفا له بقولهما: لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله، يقول في نفسه: لعلّكما لا تَبِرّان بما أقسمتما عليه، فأجابا: إنّا إذَنْ لَمِن الآثمين، أي إنّا نَعلم تبعة عدم البرّ بما أقسمنا عليه أن نكون من الآثمين، أي ولا نرضى بذلك.
والآثمُ: مرتكب الإثم.
وقد علم أنّ الإثم هو الحنث بوقوع الجملة استئنافاً مع «إذن» الدالّة على جواب كلام يختلج في نفس أولياء الميّت.
5 وقوله: ﴿ فإن عُثر على أنّهما استحقّا إثماً فآخران ﴾ الآية، أي إن تبيَّنَ أنّهما كتما أو بدّلا وحنثا في يمينهما، بطلت شهادتهما، لأنّ قوله ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ فرع عن بطلان شهادتهما، فحذف ما يعبّر عن بطلان شهادتهما إيجازاً كقوله: ﴿ اضرِبْ بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت.
ومعنى ﴿ عُثِر ﴾ اطُّلِع وتَبيّن ذلك، وأصل فعل عَثَر أنّه مصادفة رِجْللِ الماشي جسماً ناتئاً في الأرض لم يترقّبه ولم يَحْذر منه فيختلّ به اندفاعُ مَشْيه، فقد يسقط وقد يتزلزل.
ومصدره العِثَار والعُثور، ثم استعمل في الظَفَر بشيء لم يكن مترقّباً الظفَر به على سبيل الاستعارة.
وشاع ذلك حتّى صار كالحقيقة، فخصّوا في الاستعمال المعنى الحقيقي بأحد المصدرين وهو العِثار، وخصّوا المعنى المجازي بالمصدر الآخر، وهو العثور.
ومعنى ﴿ استَحقَّا إثماً ﴾ ثبت أنّهما ارتكبا ما يأثمان به، فقد حقّ عليهما الإثم، أي وقع عليهما، فالسين والتاء للتأكيد.
والمراد بالإثم هو الذي تبرّءا منه في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ﴾ .
فالإثم هو أحد هذين بأن يظهر أنّهما استبدلا بما استؤمنا عليه عوضاً لأنفسهما أو لغيرهما، أو بأن يظهر أنّهما كتما الشهادة، أي بعضها.
وحاصل الإثم أن يتّضح ما يقدح في صدقهما بموجب الثبوت.
وقوله ﴿ فآخران ﴾ أي رجلان آخران، لأنّ وصف آخر يطلق على المغاير بالذات أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدّث عنه، والمتحدث عنه هنا ﴿ اثنان ﴾ .
فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية.
ومعنى يقومان مقامهما، أي يعوّضان تلك الشهادة.
فإنّ المقام هو محلّ القيام، ثم يراد به محلّ عمل مّا، ولو لم يكن فيه قيام، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع في محلّ يقوم فيه العامل، وذلك في العمل المهمّ.
قال تعالى: ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري ﴾ [يونس: 71].
فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية.
و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الذين استحقّ عليهم ﴾ تبعيضية، أي شخصان آخران يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم.
والاستحقاق كون الشيء حقيقاً بشيء آخر، فيتعدّى إلى المفعول بنفسه، كقوله: ﴿ استحقّا إثماً ﴾ ، وهو الشيء المستحق.
وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدّى الفعل إلى المحقوق ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلا بمعنى اللزوم له وإن كره، كأنّهم ضمّنوه معنى وجَب كقوله تعالى: ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحق ﴾ [الأعراف: 105].
ويقال: استحقّ زيد على عمرو كذا، أي وجب لزيد حقّ على عمرو، فأخذه منه.
وقرأ الجمهور ﴿ استُحقّ عليهم ﴾ بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله ﴿ استُحقّ عليهم هو مستحِقّ مّا، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة، فنال من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغَلَبَ وارثَ الموصي بذلك.
فالذين استُحقّ عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم مالُه بوجه من وجوه الإرثثِ فحُرموا بَعضه.
وقوله عليهم ﴾ قائم مقام نائب فاعل ﴿ استحقّ ﴾ .
وقوله: ﴿ الأوليان ﴾ تثنية أوْلَى، وهو الأجدر والأحقّ، أي الأجدران بقبول قولهما.
فماصْدقه هو مَاصْدق ﴿ الآخران ﴾ ومرجعه إليه فيجوز، أن يجعل خبراً عن ﴿ آخران ﴾ ، فإنّ ﴿ آخران ﴾ لمّا وصف بجملة ﴿ يقومان مقامهما ﴾ صحّ الابتداء به، أي فشخصان آخران هما الأوْلَيَان بقبول قولهما دون الشاهدين المتّهمين.
وإنّما عرّف باللاّم لأنّه معهود للمخاطب ذهناً لأنّ السامع إذا سمع قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقَّا إثماً ﴾ ترقّب أن يعرف من هو الأولى بقبول قوله في هذا الشأن، فقيل له: آخران هما الأوليان بها.
ويجوز أن يكون ﴿ الأوليان ﴾ مبتدأ و ﴿ آخران يقومان ﴾ خبره.
وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة، لأنّ السامع يترقّب الحكم بعد قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ فإنّ ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما، فكيف يكون القضاء في ذلك، فعجّل الجواب.
ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ آخران ﴾ أو من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان.
ونكتة التعريف هيَ هي على الوجوه كلّها.
وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف، ﴿ الأوّلين ﴾ بتشديد الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون التحتية جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدّم والمبتدأ به.
فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي حيث استحقّ الموصى له الوصية من مال التركة الذي كان للأولياء، أي الورثة لولا الوصية، وهو مجرور نعت (للذين استحقّ عليهم).
وقرأ حفص عن عاصم ﴿ استحَقّ ﴾ بصيغة البناء للفاعل فيكون ﴿ الأوليان ﴾ هو فاعل ﴿ استحقّ ﴾ ، وقوله ﴿ فيقسمان بالله ﴾ تفريع على قوله ﴿ يقومان مقامهما ﴾ .
ومعنى ﴿ لشهادتنا أحقّ من شهادتهما ﴾ أنّهما أولى بأن تقبل شهادتهما من اللذيْن عثِر على أنّهما استحقّا إثماً.
ومعنى ﴿ أحقّ ﴾ أنّها الحقّ، فصيغة التفضيل مسلوبة المفاضلة.
وقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ توكيد للأحقّيّة، لأنّ الأحقّيّة راجعة إلى نفعهما بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت باطلاً واعتداء منهما على مال مبلّغي الوصية.
والمعنى: وما اعتدينا على الشاهدين في اتّهامهما بإخفاء بعض التركة.
وقوله ﴿ إنّا إذن لمنَ الظالمين ﴾ أي لو اعتدينا لكنّا ظالمَين.
والمقصود منه الإشعار بأنّهما متذكّران ما يترتّب على الاعتداء والظلم، وفي ذلك زيادة وازع.
وقد تضمّن القسم على صدق خبرهما يميناً على إثبات حقّهما فهي من اليمين التي يثبت بها الحقّ مع الشاهد العرفي، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في الشاهدين اللذين يبلّغان الوصية.
والكلام في «إذن» هنا مثل الكلام في قوله: ﴿ إنّا إذن لمن الآثمين ﴾ .
والمعنى أنّه إن اختلّت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء كان الموصى له واحداً أم متعدّداً.
وإنّما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة للقضية التي نزلت فيها، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء، فإنّ ورثة صاحب التركة كانا اثنين هما: عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة، وكلاهما من بني سهم، وهما مَوْليا بُديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام.
فبعض المفسّرين يذكر أنهما مَوْليا بُديل.
وبعضهم يقول: إنّ مولاه هو عمرو بن العاصي.
والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أنّ له ولاء من بديل، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين.
فإن كان صاحب الحقّ واحداً حلف وحده وإن كان أصحاب الحقّ جماعة حلفوا جميعاً واستحقّوا.
ولم يقل أحد أنّه إن كان صاحب الحقّ واحداً يحلف معه من ليس بمستحقّ، ولا إن كان صاحب الحقّ ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقّون كلّهم.
فالاقتصار على اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصّة سبب النزول، فتكون الآية على هذا خاصّة بتلك القضية.
ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في الشريعة في الاستحقاق والتهم.
وهذا القول يقتضي أنّ الآية نزلت قبل حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية بُديل بن أبي مريم.
وذلك ظاهر بعض روايات الخبر، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ الآية نزلت بعد أن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحينئذٍ يتعيّن أن تكون تشريعاً لأمثال تلك القضية ممّا يحدث في المستقبل، فيتعيّن المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين اثنين إن أمكن.
وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضَر إلاّ واحداً من المسلمين، أو واحداً من غير المسلمين، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم.
وكلّ ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلّها من يمين من قام له شاهد أو يمين المنكر.
والمشار إليه في قوله: «ذلك أدنى» إلى المذكور من الحكم من قوله ﴿ تحبسوهما من بعد الصلاة ﴾ إلى قوله إنَّا إذن لمنَ الظالمين.
و ﴿ أدنى ﴾ بمعنى أقرب، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظنّ، أي أقوى إلى الظنّ بالصدق.
وضمير ﴿ يأتوا ﴾ عائد إلى «الشهداء» وهم: الآخران من غيركم، والآخران اللذان يقومان مقامهما، أي أن يأتي كلّ واحد منهم.
فجمع الضمير على إرادة التوزيع.
والمعنى أنّ ما شرع الله من التوثيق والضبط، ومن ردّ الشهادة عند العثور على الريبة أرجى إلى الظنّ بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا الفريقين ممّا ينفي الغفلة والتساهل، بله الزور والجور مع توقّي سوء السمعة.
ومعنى ﴿ أن يأتوا بالشهادة ﴾ : أن يؤدّوا الشهادة.
جعل أداؤها والإخبار بها كالإتيان بشيء من مكان.
ومعنى قوله ﴿ على وجهها ﴾ ، أي على سنّتها وما هو مقوّم تمامها وكمالها، فاسم الوجه في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيهاً بوجه الإنسان، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره.
ولمّا أريد منه معنى الاستعمارة لهذا المعنى، وشاع هذا المعنى في كلامهم، قالوا: جاء بالشيء الفلاني على وجهه، فجعلوا الشيء مأتيّاً به، ووصفوه بأنه أتي به متمكّناً من وجهه، أي من كمال أحواله.
فحرف (على) للاستعلاء المجازي المراد منه التمكّن، مثل ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5].
والجارّ والمجرور في موضع الحال من ﴿ الشهادة ﴾ ، وصار ذلك قرينة على أنّ المراد من الوجه غير معناه الحقيقي.
وسنّة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبّت فيها والتنبّه لما يغفل عنه من مختلف الأحوال التي قد يستخفّ بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيِّع الحقوق، أي ذلك يعلّمهم وجه التثبّت في التحمّل والأداء وتوخّي الصدق، وهو يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد.
وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذاء في الشهادة بالطعن أو المعارضة، فإنّ في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبّت في مطابقة شهادتهم، للواقع لأنّ المعارضة والإعذار يكشفان عن الحقّ.
وقوله ﴿ أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم ﴾ عطف على قوله ﴿ أن يأتوا ﴾ باعتبار ما تعلّق به من المجرورات، وذلك لأنّ جملة ﴿ يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود، ولذلك قدّرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة.
فأفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم، وأفادت الجملة المعطوفة وازعاً هو توقّع ظهور كذبهم.
ومعنى ﴿ أن تردّ أيمان ﴾ أن تُرَجَّع أيمان إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين.
فالردّ هنا مجاز في الانتقال، مثل قولهم: قلب عليه اليمين، فيعيَّروا به بين الناس؛ فحرف (أوْ) للتقسيم، وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله: ﴿ ذلك أدنى ﴾ الخ...
وجمع ﴿ الأيمان ﴾ باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من جنسها، على أنّ العرب تعدل عن التثنية كثيراً.
ومنه قوله تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] وذيّل هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمّة فقال: ﴿ واتّقوا الله ﴾ الآية.
وقوله ﴿ واسمعوا ﴾ أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازاً، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إذ قلتم سمعنا وأطعنا ﴾ في هذه السورة (7).
وقوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } تحريض على التقوى والطاعة لله فيما أمر ونهى، وتحذير من مخالفة ذلك، لأنّ في اتّباع أمر الله هُدى وفي الإعراض فسقاً.
﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي المعرضين عن أمر الله، فإنّ ذلك لا يستهان به لأنّه يؤدّي إلى الرين على القلب فلا ينفذ إليه الهدى من بعدُ فلا تكونُوهم وكونوا من المهتدين.
هذا تفسير الآيات توخّيتُ فيه أوضح المعاني وأوفقها بالشريعة، وأطلت في بيان ذلك لإزالة ما غمض من المعاني تحت إيجازها البليغ.
وقد نقل الطيبي عن الزجّاج أنّ هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب.
وقال الفخر: رَوَى الواحدي عن عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام.
وقال ابن عطية عن مكّي بن أبي طالب: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً.
قال ابن عطية: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها.
وذلك بيّن من كتابه.
ولقصد استيفاء معاني الآيات متتابعة تجنّبت التعرّض لما تفيده من الأحكام واختلاف علماء الإسلام فيها في أثناء تفسيرها.
وأخّرت ذلك إلى هذا الموضع حين انتهيت من تفسير معانيها.
وقد اشتملت على أصلين: أحدهما الأمر بالإشهاد على الوصية، وثانيهما فصل القضاء في قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء مع أولياء بديل بن أبي مريم.
فالأصل الأول: من قوله تعالى: ﴿ شهادة بينكم ﴾ إلى قوله ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ .
والأصل الثاني: من قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ إلى قوله ﴿ بعد أيمانهم ﴾ .
ويحصل من ذلك معرفة وجه القضاء في أمثال تلك القضية ممّا يتّهم فيه الشهود.
وقوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية بيان لكيفية الشهادة، وهو يتضمّن الأمر بها، ولكن عدل عن ذكر الأمر لأنّ الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محلّ ثقتهم.
وأهمّ الأحكام التي تؤخذ من الآية ثلاثة: أحدها: استشهاد غير المسلمين في حقوق المسلمين، على رأي من جعله المراد من قوله ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .
وثانيها: تحليف الشاهد على أنّه صادق في شهادته.
وثالثها: تغليظ اليمين بالزمان.
فأمّا الحكم الأول: فقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .
وقد بيّنا أنّ الأظهر أنّ الغيرية غيرية في الدين.
وقد اختلف في قبول شهادة غير المسلمين في القضايا الجارية بين المسلمين؛ فذهب الجمهور إلى أنّ حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2] وقوله ﴿ ممّن ترْضَوْن من الشهداء ﴾ [البقرة: 282] وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.
وذهب جماعة إلى أنّ الآية محكمة، فمنهم من جعلها خاصّة بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون.
وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه، أيام قضائه بالكوفة، وقال: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيّب، وابن جبير، وشريح، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسدّي، وسفيان الثوري، وجماعة، وهم يقولون: لا منسوخ في سورة المائدة، تبعاً لابن عباس.
ومنهم من تأوّل قوله ﴿ من غيركم ﴾ على أنّه من غير قبيلتكم، وهو قول الزهري، والحسن، وعكرمة.
وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة الوصية، فقال بأنّ شهادة أهل الذمّة على المسلمين في السفر ماضية، وزاد فجعلها بدون يمين.
والأظهر عندي أنّ حكم الآية غير منسوخ، وأنّ قبول شهادة غير المسلمين خاصّ بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة، وأنّ وجه اختصاص الوصية بهذا الحكم أنّها تعرض في حالة لا يستعدّ لها المرء من قبلُ فكان معذوراً في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات، بخلاف غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثّق لها بغير ذلك؛ فكان هذا الحكم رخصة.
والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلاّ في الضرورة، عند من رأى إعمالها في الضرورة، أنّ قبول الشهادة تزكية وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مَقطَعاً للحقوق.
فقد كان بعض القضاة من السلف يقول للشهود: اتّقوا الله فينا فأنتم القضاة ونحن المنفّذون.
ولمّا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس إلى اتّباع دينه فأعرض عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلاً لأن تزكّيهم أمّته وتسمهم بالصدق وهم كذّبوا رسولنا، ولأنّ من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب في خبره، ولا لمجال التضييق والتوسّع في أعماله الناشئة عن معتقداته، إذ لعلّ في دينه ما يبيح له الكذب، وبخاصّة إذا كانت شهادته في حقّ لمن يخالفه في الدين، فإنّنا عهدنا منهم أنّهم لا يتوخّون الاحتياط في حقوق من لم يكن من أهل دينهم.
قال تعالى حكاية عنهم «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين (أي المسلمين) سبيل» فمن أجل ذلك لم يكن مظنّة للعدالة ولا كان مقدارها فيه مضبوطاً.
وهذا حال الغالب منهم، وفيهم من قال الله في شأنه ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ﴾ [آل عمران: 75] ولكن الحكم للغالب.
وأمّا حكم تحليف الشاهد على صدقه في شهادته: فلم يرد في المأثور إلاّ في هذا الموضع؛ فأمّا الذين قالوا بنسخ قبول شهادة الكافر فتحليف شاهدي الوصية الكافرين منسوخ تبعاً، وهو قول الجمهور.
وأمّا الذين جعلوه محكَماً فقد اختلفوا، فمنهم من خصّ اليمين بشاهدي الوصية من غير المسلمين، ومنهم من اعتبر بعلّة مشروعية تحليف الشاهدين من غير المسلمين، فقاس عليه تحليف الشاهدين إذا تطرّقت إليهما الريبة ولو كانا مسلمين.
وهذا لا وجه له إذ قد شرط الله فيهما العدالة وهي تنافي الريبة، نعم قد يقال: هذا إذا تعذّرت العدالة أو ضعفت في بعض الأوقات ووقع الاضطرار إلى استشهاد غير العدول كما هي حالة معظم بلاد الإسلام اليومَ، فلا يبعد أن يكون لتحيلف الشاهد المستور الحال وجهٌ في القضاء.
والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.
وأمّا حكم تغليظ اليمين: فقد أخذ من الآية أنّ اليمين تقع بعد الصلاة، فكان ذلك أصلاً في تغليظ اليمين في نظر بعض أهل العلم، ويجيء في تغليظ اليمين أن يكون بالزمان والمكان واللفظ.
وفي جميعها اختلاف بين العلماء.
وليس في الآية ما يتمسّك به بواحد من هذه الثلاثة إلاّ قوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ وقد بيّنتُ أنّ الأظهر أنّه خاصّ بالوصية، وأمّا التغليظ بالمكان وباللفظ فتفصيله في كتب الخلاف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِالحُقُوقِ عِنْدَ الحُكّامِ.
والثّانِي: أنَّها شَهادَةُ الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ، ومَعْنى ذَلِكَ أيْمانٌ بَيْنَكم، فَعَبَّرَ عَنِ اليَمِينِ بِالشَّهادَةِ كَما قالَ في أيْمانِ المُتَلاعِنِينَ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: مِن حَيِّ المُوصِي، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةُ وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما شاهِدانِ يَشْهَدانِ عَلى وصِيَّةِ المُوصِي.
والثّانِي: أنَّهُما وصِيّانِ.
﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن غَيْرِ دِينِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وشُرَيْحٌ.
والثّانِي: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم وعَشِيرَتِكم، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعُبَيْدَةُ.
وَفي ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ في قَبُولِ اثْنَيْنِ مِنّا أوْ آخَرِينَ مِن غَيْرِنا.
والثّانِي: أنَّها لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ، وإنَّ مَعْنى الكَلامِ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا، مِنكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي سافَرْتُمْ.
﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ يَعْنِي تَسْتَوْقِفُونَهُما لِلْأيْمانِ وهَذا خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ، وفي هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، قالَهُ شُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما ومِلَّتِهِما مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.
﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ مَعْناهُ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الوَصِيّانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما في الخِيانَةِ أحْلَفَهُما الوَرَثَةُ.
والثّانِي: أنَّهُما الشّاهِدانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، ولَمْ تُعْرَفْ عَدالَتُهُما، ولا جَرْحُهُما، أحْلَفَهُما الحاكِمُ لِيَزُولَ عَنْهُ الِارْتِيابُ بِهِما، وهَذا إنَّما جَوَّزَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نَأْخُذُ عَلَيْهِ رِشْوَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: لا نَعْتاضُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ.
﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ أيْ لا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ، والشَّهادَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَنا فِيما أوْجَبَهُ عَلَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ يَعْنِي فَإنْ ظَهَرَ عَلى أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَعَبَّرَ عَنِ الكَذِبِ بِالخِيانَةِ والإثْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُما.
وَفي الَّذِينَ: ﴿ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الشّاهِدانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُما الوَصِيّانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ فَآخَرانِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الوَرَثَةِ.
﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ في اليَمِينِ، حِينَ ظَهَرَتِ الخِيانَةُ.
﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مِنَ الوَرَثَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: الأوْلَيانِ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ.
وَكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، وقالُوا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ » ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ هاتِينِ الآيَتَيْنِ هَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ ثابِتٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ حُكْمُهُما مَنسُوخٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَكُنِ الإسْلامُ إلّا بِالمَدِينَةِ فَجازَتْ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ وهو اليَوْمُ طِبْقَ الأرْضِ.
وَقالَ الحَسَنُ: حُكْمُهُما ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: «برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.
قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره.
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ إلى قوله: ﴿ أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء» .
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله: ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام وفيه نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: «كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات، فتحا متاعه، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا، فقالوا لهما: هذا كتابه بيده!
قالوا: ما كتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ إلى قوله: ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، ثم قال: يا رسول الله، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها، فهب لي قريتين من بيت لحم- وهي القرية التي ولد فيها عيسى- فكتب له بها كتاباً، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أنا حاضر ذلك فدفعها إليه» .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ شهادة بينكم ﴾ مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هذا لمن مات وعنده المسلمون، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله تعالى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، فتترك شهادة الكافرين، ويحكم بشهادة الأوليان، فليس على شهود المسلمين أقسام، إنما الأقسام إذا كانا كافرين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل الإسلام ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير أهل الإسلام، وفي قوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ يقول: يحلفان بالله بعد الصلاة.
وفي قوله: ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ قال: من أولياء الميت فيحلفان ﴿ بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ يقول: فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان.
وفي قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله، وتبطل شهادة الكافرين.
وهي منسوخة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة: أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً، فإذا حلف برئ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله: ﴿ ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر قال: وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير المسلمين من أهل الكتاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل دينكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي.
أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها وصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية.
كلها قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها.
وأخرج ابن جرير عن الزبير قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من المسلمين من غير حيه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه ﴿ إثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من قبيلتكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير قبيلتكم، ألا ترى أنه يقول ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ كلهم من المسلمين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال: سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت: أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟
ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟
قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه مختلف فيها رأيهم، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي أن المسلمين ﴿ يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله: ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال: صلاة العصر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ قال: لا نأخذ به رشوة ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ وإن كان صاحبها بعيداً.
وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ ولا نكتم شهادة ﴾ يعني بقطع الكلام منوّناً ﴿ الله ﴾ بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ يقول هو القسم.
وأخرج عن عاصم ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ مضاف بنصب شهادة، ولا ينون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ بفتح التاء.
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ قال عمر: كذبت.
قال: أنت أكذب.
فقال الرجل: تكذب أمير المؤمنين!
قال: أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله.
فقال عمر: صدق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها ﴿ الأوليان ﴾ وقال: هما الوليان.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأولين ﴾ ويقول: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ﴿ من الذين استحق ﴾ برفع التاء وكسر الحاء ﴿ عليهم الأولين ﴾ مشددة على الجماع.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ الأوليان ﴾ قال: الميت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يقول: وأن يخافوا العنت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ واتقوا الله واسمعوا ﴾ قال: يعني القضاء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ قال: الكاذبين الذين يحلفون على الكذب.
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فنزل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ الآية (١) قال الليث: عثر الرجل يعثرُ عُثُورًا: إذا هجم على أمرِ لم يهجُم عليه غيره، وأعثرت فلانًا على أمري، أي: أطلعته، وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، إذا وقع على شيء (٢) قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع، من العثرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، ثم إذا عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًا عنه: قد عثر عليه.
وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم، ومعنى الآية: فإن ظُهِر أنهما أتيا خيانة واستحقا الإثم أي: استوجباه بقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة، ولم يتحريا الحق وحنثا في اليمين، ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ، أي: مقام الشاهدين الذين هما من غيرنا.
وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ﴾ ، قال الزجاج: هذا موضع من أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله ﴿ مِنَ الَّذِينَ ﴾ صفة للآخرين، وقوله: ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ صلة الذين.
ومعنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: استحقت الوصية عليهم، أو استحق الإيصاء عليهم، وهم ورثة الميت.
ويجوز أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم الإثم، كأن المعنى من الذين جنى عليهم الإثم (٣) ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ وقال بعضهم: معنى (على) معنى (من) كأنه قيل: من الذين استحق منهم الإثم، وكانت (على) بمنزلة (من) كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ﴾ أي: من الناس (٤) قال صاحب النظم مختارًا لهذا القول: ﴿ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: نيل منهم ظلم بالخيانة وهم ورثة المتوفى الموصي.
انتهى كلامه، والمسند إليه استحق الإيصاء والإثم على ما بينا، وحذف ذلك لتقدم ذكر الوصية والإثم في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ الْأَوْلَيَانِ ﴾ لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أُخِّر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر (٥) (٦) (٧) وقد أجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران) لأنه لما وُصف (آخران) اختص بما وُصفَ به فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له بما يوصف به المعارف (٨) وقال صاحب النظم: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة كقوله عز وجل: ﴿ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ فمصباح نكرة، ثم قال: ﴿ الْمِصْبَاحُ ﴾ ثم قال: ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ثم قال ﴿ الزُّجَاجَةُ ﴾ وهذا مثل قولك: رأيت رجلاً، فاستفهمك إنسان فقال: من الرجل؟
فصار العود إلى ذكره معرفة، قال: ويجوز أن يكون (الأوليان) بدلاً من قوله: (آخران) وإبدال المعرفة من النكرة سائغ كثير، ومعنى الأوليان: أي: الأقربان إلى الميت.
ويجوز أن يكون المعنى: الأوليان باليمين (٩) (١٠) (١١) ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ وتقديره: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم.
وإنما قيل لهم: الأولين فمن حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى قد تقدم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ وكذلك: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: (أو آخران من غيركم) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد ليميننا أحق من يمينهما (١٥) وهذا ملتقى به ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ لأن معناه: فيقولان: والله لشهادتنا، وسميت اليمين ههنا شهادة؛ لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف أنه كذلك، وقد يقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم عليه.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اعْتَدَيْنَا ﴾ ، قال ابن عباس: أي: فيما طلبنا من حقنا (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال عبد الله بن مسلم في ذكر معنى هذه الآية على سياق واحد موافق لما قدمنا: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ بعد ما حلف الوصيان ﴿ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ أي: حنثًا في اليمين بكذبٍ في قولٍ أو خيانةٍ في وديعةٍ، قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله لقد ظُهِر على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما (٢٠) رجعنا إلى قصة تميم وعدي، قالوا: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو ابن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وغرم تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه، فكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (٢١) أنه قال هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (٢٢) (١) "تفسير الطبري" 7/ 117، "تفسير البغوي" 3/ 113.
(٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2327 (عثر).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216، 217.
(٤) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 217.
(٥) في (ج): (بالأمر).
(٦) في (ج): (عثرا).
(٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 267، و"معاني الزجاج" 2/ 216،217.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" للأخفش 2/ 479، و"الحجة" لأبي علي 3/ 267.
(٩) انظر: "الحجة" 3/ 268.
(١٠) في (ش): (الجازم) والأقرب ما أثبته.
"تفسير الطبري" 7/ 115، و"الإصابة" 1/ 184.
والمقصود بالجام ما أخذه تميم وأخوه من مال الميت وهو الإناء، والجام قال الأزهري في تعريفه: "عن ابن الأعرابي: الجام الفاثور من اللجين".
"تهذيب اللغة" 1/ 525 (جام).
والفاثور: الخوان أو المائدة.
قال محقق الطبري 11/ 185: (ط.
شاكر) "الجام إناء من فضة، وهو عربي فصيح مخوص بالذهب".
(١١) "تفسير الطبري" 7/ 114، و"الحجة" 3/ 260، والنشر في القراءات العشر 2/ 256.
(١٢) انظر: "الحجة" 3/ 169، و"حجة القراءات" ص 238.
(١٣) أخرجه الفراء في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 381، و"حجة القراءات" ص 238.
(١٤) فى رواية حفص عنه ، "الحجة" 3/ 260 - 261.
و"حجة القراءات" ص 238، و"النشر" 2/ 256.
(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.
(١٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.
(١٧) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.
(١٨) انظر: "الحجة" 3/ 261 - 270.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214 - 217.
(٢٠) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379، 380 باختصار.
(٢١) أخرجه الطبري 7/ 115 - 116 عن عكرمة، وكذا ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 603.
(٢٢) "القرطبي" 6/ 358.
<div class="verse-tafsir"
﴿ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ﴾ .
قال مكي: هذه الآية أشكل آية من القرآن إعراباً، ومعنى، وحكماً، ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها أنّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجل آخر بتجارة، فمرض في الطريق فكتب كتاباً قيد فيه كل ما معه، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفعا رحله إلى ورثته، فوجودوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لا ندري هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي الأمر مدّة، ثم عثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وجده عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا، فمعنى الآية: إذا حضر الموت أحد في السفر، فليشهد عدلين بما معه، فإن وقعت ريبة في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدّلا، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما إعراب الآية، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره: اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو مقيم ضهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن يكون بمنزلة حين لا تحتاج جواباً، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها فإنّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، فينبغي أن يشهد حين الوصية، ظرف العامل فيه حصر، ويكون بدلاً من إذا ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ صفة للشاهدين منكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قيل: معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ومن غيركم، من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور: منكم أي من المسلمين، ومن غيركم من الكفار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفار أصلاً؟
وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي محكمة، وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في السفر، وهو قول ابن عباس ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ أي سافرتم، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعتراض بين الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض، وحلول الموت في السفر، وقال الزمخشري: تحبسونهما استئناف كلام ﴿ مِن بَعْدِ الصلاة ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان، وقال: من حلف على سلعة بعد صلاة العصر، وكان التحليف بعدها معروف عندهم، وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يعظمان صلاة العصر ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله ﴾ أي يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد استحلفهما عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ أي شككتم في صدقهما أو أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف يدل عليه يقسمان ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ هذا هو المقسوم عليه، والضمير في به للقسم، وفي كان للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم ﴿ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها إلى الله تعظيماً لها ﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً ﴾ أي إن طلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما، والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ أي اثنان من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في اليمين ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم أو المال ومعناه من الذي جنى عليهم وهم أولياء الميت ﴿ الأوليان ﴾ تثية أولى بمعنى أحق: أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما، والأحقان بالمال: لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان، وأجازه ابن عطية، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل، فالأوليان فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه، والأوليان على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة، وقرئ الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم، أو منصوباً بإضمار فعل ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق الشهادة ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما ﴾ اي يحلف هذان الآخران أن شهادتهما أحق: أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن اعتدينا، فإنا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين ﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾ الإشارة بذلك إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى وجهها أي كما وقعت من غير تغيير ولا تبديل أو يخافوا ﴿ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أيمانهم ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.
الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.
﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.
سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.
الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.
الباقون بالرفع.
الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.
﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.
﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.
فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟
فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟
فأعرض عنه رسول الله حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟
فقال: في النار" .
ولما اشتد غضب الرسول قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً.
فأنزل الله هذه الآية.
فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.
وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى تمام الآية.
وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.
وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".
وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".
وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.
ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.
والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.
فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله فاقبلوه.
وقال أبو ثعلبة إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.
ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.
فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.
وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.
وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.
وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.
والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.
وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.
والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.
ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.
ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.
والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.
وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.
قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.
وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.
يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.
وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.
وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.
وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.
وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.
قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.
فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟
فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.
وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.
﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
وقال رسول الله في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.
ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.
فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.
قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.
ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.
تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.
وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.
فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .
وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.
وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.
وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.
وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.
ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .
وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.
ثم إنه لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.
عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.
فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.
ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي فنزلت.
ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.
وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.
وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.
وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.
والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.
وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.
وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.
قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.
فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.
والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.
وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.
وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.
ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله وعلى رسله.
وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.
وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟
فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.
وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.
وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.
وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.
وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.
ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.
والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.
ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.
وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.
والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.
وفي التفسير الكبير أنه المال.
وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.
وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟
فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.
وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.
ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.
ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.
روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.
وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.
فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟
فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.
فرفعوا القصة إلى رسول الله فأنزل الله ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.
وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله .
وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.
والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.
قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.
وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.
ثم إنه ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.
و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.
وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.
ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ الآية مشكل.
فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.
ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.
وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟
فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.
وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.
وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.
وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.
وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.
وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.
ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله، باتخاذ الصاحبة والولد.
وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.
ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.
وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.
﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.
وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.
﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله برفعه إلى السماء.
﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.
واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.
وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله .
وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.
وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟
ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟
وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.
ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟
ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.
ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟
يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.
قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.
وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.
وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.
وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.
قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.
وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله فإنه يعطيكم.
وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.
وقرىء بالجزم جواباً للأمر.
كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.
والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.
وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.
فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.
وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.
اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.
وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.
وقيل: قردة.
وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.
﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.
واختلف في أن عيسى سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.
أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.
وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.
روي أن عيسى لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.
فقام عيسى فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.
فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟
قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.
فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.
ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وقيل إن عيسى كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.
والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.
﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.
قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى وأمه مع القول بنفي إلهية الله .
وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.
وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.
أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.
ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.
ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.
وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.
أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".
وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.
فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.
﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله لا يغفر الشرك؟
والجواب أن قوله لعيسى ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.
أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.
قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.
وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.
والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.
وفي هذا الكلام تصديق من الله لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ { م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.
﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.
واعلم أنه افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!
وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.
وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله أعلم بأسرار كتابه.
التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ وقال : "أرنا الأشياء كما هي" .
وقال الخضر لموسى ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.
وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.
﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.
﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.
فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.
﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.
﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.
﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.
﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.
﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.
إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.
ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.
﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟
﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.
ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
قوله - عز وجل -: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ...
﴾ الآية.
اختلف فيه: عن قتادة قال: رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: عندها تصبر الأيمان.
﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ ، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين.
﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ من المسلمين، ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الكتاب إذا كان ببلد لا يجد إلا هؤلاء.
وعن الحسن قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ : أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان.
فإن قال قائل: خاطب الله - عز وجل - المؤمنين جملة بقوله: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من غير عشيرتكم، وكيف لا؟
انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟
فنقول سبحان الله!!
ما أعظم هذا القول!!
يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل لله بالولد والشريك، هذا مما لا يحتمل.
وقال - أيضاً -: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي لها بقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ دل أنه لا يحتمل ما ذكروا.
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قال: إذا حضر المسلم الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته فاتهموا حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا وأخذوه.
وبعض الناس يجيزون النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية.
وقال مجاهد: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ : من غير ملتكم.
وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى [الأشعري]، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله ما اشتريتما به ثمناً قليلا، ولا كتما شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين.
ثم قال أبو موسى [الأشعري]: والله، إن هذه لقصة ما قضي بها منذ مات رسول الله إلى اليوم.
قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعاً، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما.
وعن عبد الله بن مسعود - - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إلى من أشهد على ما قبضتما.
فلم يجدا أحداً من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناساً من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما به.
فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا.
ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثماً، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود - -: ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾ .
ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا بالله: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى [حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى].
وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان.
فإن ثبت هذا عن ابن مسعود - - فهو خلاف ما روي عن رسول الله أنه قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي عَلَيْهِ" وهو - أيضاً - غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود، .
وعن ابن عباس قال: كان رجل يقال له: تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة، فاستحلفهما رسول الله ما كتمتما ولا اطلعتما.
ثم عُرِفَ الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيه نزلت هذه الآية.
وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس في الآية نسخ، ولا فيها [ما يخالف] الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئاً، كان سبيل الكفار كذلك.
وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانيين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن الله - - قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ فمعنى الآية على هذا التأويل، - والله أعلم - أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ على هذا التأويل هو المدعى عليهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .
يريد - والله أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم [بشيء] جحداه: أنه من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - والله أعلم - أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء الله - معنى ما روي عن ابن عباس - - وإن لم يذكر تفسير قوله: ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ وهو - والله أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة.
وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك.
ويمكن أن يكون تأويل الآية: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ الآية، هذا في السفر والحضر.
وفي الدين وغير الدين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ .
فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ ﴾ ؟
[المائدة: 108].
قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: [قد] ردت ما كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان أحرى أن يقول حذراً من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفاً من الإثم في اليمين فتبين خيانته.
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؟
قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل الخصم ذلك.
أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ابن عباس، - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك تغليظاً عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذا كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .
قال بعضهم: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين.
قال القتبي: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: ظهر.
وقال: أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثراً [وقوله]، وكذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ويقال: أعثرت فلانا على سرّ فلان، أي: أعلمته.
ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: ﴿ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ ﴾ مواعظه ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبداً.
<div class="verse-tafsir"
فإن تَبيَّن بعد التحليف كذبهما في الشهادة أو اليمين، أو ظهرت خيانتهما، فليشهد أو يحلف اثنان يقومان مقامهما من أقرب الناس إلى الميت على ما هو حق، فيحلفان بالله لشهادتنا على كذبهما وخيانتهما أحق من شهادتهما على صدقهما وأمانتهما، وما حلفنا زورًا، إنا إن شهدنا زورًا لمن الظالمين المتجاوزين لحدود الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.KwQz9"