الآية ١٠٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٨ من سورة المائدة

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٠٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) أي : شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما ، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي .

وقوله : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) أي : يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها ، هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله ، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة ، فيحلفون ويستحقون ما يدعون ، ولهذا قال : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) ثم قال : ( واتقوا الله ) أي : في جميع أموركم ) واسمعوا ) أي : وأطيعوا ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) يعني : الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك " ، هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء = إذا ارتبتم في أمرهم، واتهمتموهم بخيانة لمالِ من أوصى إليهم، من حبسهم بعد الصلاة, واستحلافكم إيَّاهم على ما ادَّعى قِبَلهم أولياء الميت =" أدنى " لهم " أن يأتوا بالشهادة على وجهها " ، يقول: هذا الفعل، إذا فعلتم بهم، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم, (164) ولا يكتموا, ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا (165) =" أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم " ، يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله, أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب, فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم, فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

وقد تقدّمت الروايةُ بذلك عن بعضهم, نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعضِ من بَقي منهم.

12979 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ، يقول: إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا = فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ، يقول: من الأولياء, فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد, فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء.

يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها, أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم.

وليس على شُهود المسلمين أقسْام, وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين.

12980 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة " الآية, يقول: ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم, وأن يخافوا العَقِب.

(166) 12981 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " أو يخافوا أن تردَّ أيمان بعد أيمانهم " ، قال: فتبطل أيمانهم, وتؤخذ أيمانُ هؤلاء.

* * * وقال آخرون: [معنى ذلك تحبسونهما من بعد الصلاة.

ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها, على أنهما استحقا إثمًا, فآخران يقومان مقامهما].

(167) * ذكر من قال ذلك: 12982 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما, فيحلفان بالله: " لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين, أنّ صاحبكم لبهذا أوصى, وأنّ هذه لتركته ".

فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: " إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما ".

فإن قال لهما ذلك, فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.

* * * القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وخافوا الله، أيها الناس, وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله, وأن تخونوا من اتَّمنكم (168) =" واسمعوا "، يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به, فاعملوا به، وانتهوا إليه =" والله لا يهدي القوم الفاسقين "، يقول: والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه.

* * * وكان ابن زيد يقول: " الفاسق "، في هذا الموضع، هو الكاذب.

(169) 12983 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: " والله لا يهدي القومَ الفاسقين " ، الكاذبين، يحلفون على الكذب.

* * * وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ, إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق, ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ, فذلك على معاني" الفسق " كلها، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له، فيُسلِّم له.

* * * ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين, هل هو منسوخ, أو هو مُحكَم ثابت؟

فقال بعضهم: هو منسوخ * ذكر من قال ذلك: 12984 - حدثنا أبو كريب قال ، ثنا ابن إدريس, عن رجل قد سماه, عن حماد, عن إبراهيم قال : هي منسوخة.

12985 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هي منسوخة = يعني هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ، الآية.

* * * وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة.

وقد ذكرنا قولَ أكثرهم فيما مضَى.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية غيرُ منسوخ (170) وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام, من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا, أنّ من ادُّعِي عليه دَعْوى ممَّا يملكه بنو آدم، أنّ المدَّعَى عليه لا يبرئه مما ادُّعي عليه إلا اليمين، إذا لم يكن للمدَّعِي بيّنة تصحح دَعواه = وأنه إن اعترف في يَدِ المدَّعى [عليه] سلعةً له, (171) فادَّعَى أنها له دون الذي في يده, فقال الذي هي في يده: " بل هي لي، اشتريتها من هذا المدَّعِي", أنّ القول قول من زَعَم الذي هي في يده أنه اشتراها منه، دون من هي في يده مع يمينه، إذا لم يكن للذي هي في يده بيّنة تحقق به دعواه الشراءَ منه.

فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلافَ فيه بين أهل العلم, وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمرَ وصية الموصِي إلى عدلين من المسلمين، أو إلى آخرين من غيرهم, إنما ألزَم النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر عنه، الوصيَّين اليمينَ حين ادَّعَى عليهما الورثة ما ادَّعوا، ثم لم يلزم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلفا, حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفُوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم, فحينئذ ألزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ورثَة الميِّت اليمين, لأن الوصيين تحوَّلا مُدَّعِيين بدعواهما ما وجدَا في أيديهما من مال الميِّت أنه لهما، اشتريَا ذلك منه، فصارَا مُقِرَّين بالمال للميِّت، مدَّعيين منه الشراء, فاحتاجا حينئذ إلى بيِّنةٍ تصحِّح دعواهما، وصارتْ وورثة الميتِ ربِّ السلعة، (172) أولى باليمين منهما.

فذلك قوله تعالى ذكره: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، الآية.

فإذ كان تأويل ذلك كذلك، فلا وجه لدعوَى مدَّعٍ أن هذه الآية منسوخة, لأنه غير جائز أن يُقْضَى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ، إلا بخبَرٍ يقطع العذرَ: أمّا من عند الله، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم, أو بورود النَّقل المستفيض بذلك.

فأمَّا ولا خبر بذلك, ولا يدفع صحته عقل, فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ.

--------------- الهوامش : (164) انظر تفسير"أدنى" فيما سلف 6: 78/7: 548.

(165) انظر تفسير"على وجهه" فيما سلف 2: 511.

(166) في المطبوعة: "وأن يخافوا العقاب" ، والصواب ما في المخطوطة و"العقب" (بفتح فكسر): العاقبة ، وذلك عاقبة أمرهما في وبطلان أيمانهم ، وعاقبة رد الفضيحة على أنفسهم.

(167) هذه الجملة كلها مضطربة المعنى ، ولا تطابق الأثر التالي ، وظني أن في الكلام سقطًا ، أسقط الناسخ سطرًا أو نحوه ، وتركتها على حالها في المخطوطة والمطبوعة ، ولكني وضعتها بين قوسين ، شكًّا مني في صحتها.

(168) انظر ما كتبته في"اتمن" فيما سلف ص: 197 ، تعليق: 3.

(169) انظر تفسير"الفاسق" بهذا المعنى من تفسير ابن زيد ، فيما سلف رقم: 12103 في الجزء 10: 376.

ثم انظر تفسير"الفسق" فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).

(170) في المطبوعة والمخطوطة: "أن حكم الآية منسوخ" ، وهو خطأ فاحش ، فإن أبا جعفر يقول بعد ذلك أنها غير منسوخة ، كما سترى ، فالصواب ما أثبته.

(171) في المطبوعة: "وأنه إن اعترف وفي يدي المدعي سلعة" ، غير ما في المخطوطة ، وفيها: "وأنه إن اعترف في يد المدعي سلعة" ، فأثبت ذلك ، وهو الصواب ، وزدت"عليه" بين القوسين ، لأنه حق المعنى.

وقوله: "اعترف" بمعنى: عرفها وميزها ، كما سيأتي في سائر الفقرة.

(172) في المطبوعة: " .

.

.

تصحح دعواهما ، وورثة الميت رب السلعة" ، حذف قوله"وصارت" ، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها ، وهي في المخطوطة ثابتة ، إلا أن الناسخ أساء كتابتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذلك أدنى ابتداء وخبر .

أن في موضع نصب .

( يأتوا ) نصب ب أن .

( أو يخافوا ) عطف عليه .

( أن ترد ) في موضع نصب ب ( يخافوا ) .

أيمان بعد أيمانهم قيل : الضمير في يأتوا ويخافوا راجع إلى الموصى إليهما ; وهو الأليق بمساق الآية ، وقيل : المراد به الناس ، أي : أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف الفضيحة في رد اليمين على المدعي ، والله أعلم .قوله تعالى : واتقوا الله واسمعوا أمر ; ولذلك حذفت منه النون ، أي اسمعوا ما يقال لكم ، قابلين له متبعين أمر الله فيه .

والله لا يهدي القوم الفاسقين فسق يفسق ويفسق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية ، وقد تقدم ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها، وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: { ذَلِكَ أَدْنَى } أي: أقرب { أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات.

{ أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: أن لا تقبل أيمانهم، ثم ترد على أولياء الميت.

{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الذين وصْفُهم الفسق، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم.

وحاصل هذا، أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين.

فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدلا، فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما.

فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت، فليقم منهم اثنان، فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، فيستحقون منهما ما يدعون.

وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة "تميم الداري" و "عدي بن بداء" المشهورة حين أوصى لهما العدوي، والله أعلم.

ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام: منها: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.

ومنها: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتا.

ومنها: أن شهادة الوصية لابد فيها من اثنين عدلين.

ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد.

وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها.

ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور.

ومنها: جواز السفر للتجارة.

ومنها: أن الشاهدين -إذا ارتيب منهما، ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما، وأراد الأولياء- أن يؤكدوا عليهم اليمين، ويحبسوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى.

ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما، وتأكيد اليمين عليهما.

ومنها: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.

ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما، وتفريقهما لينظر عن شهادتهما.

ومنها: أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله: أن أيماننا أصدق من أيمانهما، ولقد خانا وكذبا.

ثم يدفع إليهما ما ادعياه، فتكون القرينة -مع أيمانهما- قائمة مقام البينة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) أي : ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها ، وسائر الناس أمثالهم ، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت ، ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) أي : أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على [ المدعي ] فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم ، ( واتقوا الله ) أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة ، ) ( واسمعوا ) الموعظة ، ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة «أدنى» أقرب إلى «أن يأتوا» أي الشهود أو الأوصياء «بالشهادة على وجهها» الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة «أو» أقرب إلى أن «يخافوا أن تُرد أيمان بعد أيْمانهم» على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا «واتقوا الله» بترك الخيانة والكذب «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «والله لا يهدي القوم الفاسقين» الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته.

وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به.

والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال ( ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ) .فاسم الإِشارة ( ذلك ) يعود إلى ما شرعه الله من أحكام تتعلق بالوصية التي تكون في السفر ويموت صاحبها .أي : ذلك الحكم المذكور ( أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ) أي : أقرب إلى أن يؤدي الأوصياء الشهادة في هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح .

أي : على حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من عذاب الآخرة .

فالوجه في قوله ( على وَجْهِهَآ ) بمعنى الذات والحقيقة .والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم ، وقوله : ( أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ) بيان لحكمة رد اليمين على الورثة .

وهو معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام فكأنه قيل : ذلك الذي شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتي الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح فكأنه قيل : ذلك الذي شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتي الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة ، أو يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد ، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك الكذب والخيانة .فأي الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة وإيصال الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة .فمن لم يمنعه خوف اله من أن يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة على رءوس الأشهاد .ثم قال - سبحانه ( ذلك أدنى ) أي أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل لأن معرفة الحق من كل وجوهه وجزئياته ، مرجعها إلى الله العليم بخفايا الأمور وبواطنها وبواعثها .

أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق ، وحكمه قابل للخطأ والصواب .والضمير في قوله ( يَأْتُواْ ) ( يخافوا ) ( وَأَيْمَانِهِمْ ) يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت بإيصال ما يريد إيصاله لورثته ، ثم حدث شك من الورثة في أمانتهم .وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط ، لأن المراد ما يعم هذين المذكورين وما يعم غيرهما من بقية الناس .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( واتقوا الله واسمعوا والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ) .أي : واتقوا الله في كل ما يأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ما تؤمرون به سماع إذاعان وقبول وطاعة واعلموا أن الله - تعالى - لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير والفلاح ، لأنهم آثروا الغي على الرشد واستحبوا العمى على الهدى .فهذا الخنام للآية الكريمة اشتمعل على ابلغ ألوان التحذير من معصية الله ومن مخالفة أمره .هذا؛ ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي :1 - الحث على الوصية وتأكيد أمرها ، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره ، لأن الوصية تثبت الحقوق ، وتمنع التنازل ولهذا شدد الإِسلام في ضرورة كتابة الوصية ، والشخص قوى معافي ، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " .قال ابن عمر - راوي هذا الحديث - : " ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله قال ذلك إلا وعندي وصيتي " .2 - الإِشهاد على الوصية في الحضر والسفر ، ليكون أمرها أمرها أثبت ، والرجاء في تنفيذها أقوى ، فإن عدم الإِشهاد عليها كثيراً ما يؤدي إلى التنازل وإلى التشكك في صحتها .3 - شرعية اختيار الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التي تؤثر في قلوب الشهود وفي قلوب مقسمى الأِيمان ، وتحملهم على النطق بالحق .قال صاحب المنار : ويشهد لاختيار الأوقات جعل القسم بعد الصلاة ، ومثله في ذلك اختيار المكان ومما ورد في السنة في ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود .

عن جابر مرفوعا ، " لا يحلف أحد عند منبري كاذاب إلا تبوأ مقعده من النار " .ويشهد بجواز التغليظ على الحالف على صيغة اليمين - بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف عن الكذب - ما جاء في الآيات الكريمة من قوله - تعالى - ( فَيُقْسِمَانِ بالله إِنِ ارتبتم لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قربى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين ) .4 - جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم في شهادتهم ، وقد روى عن ابن عباس أنه حلف المرأة التي شهدت في قضية رضاع بين زوجين .5 - جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة ، وقد بسط الإِمام القرطبي القول في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :الأول : أن الكاف والميم في قوله ( اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ) ضمير للمسلمين ، وفي قوله ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) للكافرين .

فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية .

وهو الأشبه بسياق مع ما تقرر من الأحاديث .وهوقول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم : أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس ، وتبعهم في ذلك جمع من التابعين ، واختاره أحمد بن حنبل وقال : شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ، كلهم يقولون : " منكم " من المؤمنين .

ومعنى ( مِنْ غَيْرِكُمْ ) يعني الكفار .القول الثاني : أن قوله - سبحانه - ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم؛ والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء .واحتجوا بقوله - تعالى - ( مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء ) وبقوله : ( وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ ) فهؤلاء زعموا أن الآية الدين من آخر ما نزل وأن فيها ( مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء ) فهو ناسخ لذلك ، ولم يكن الإِسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب .

وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم .قال القرطبي : قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجو مسلم فلا .ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ، وقد قال بالأولى ثلاثة من الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم .ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا ، حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها ، وما ادعوه من النسخ لا يصح ، فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على وجه ينافي الجمع بينهما مع تراخي الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ، فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات .القول الثالث : أن الآية لا نسخ فيها .

قاله الزهري والحسن وعكرمة ، ويكون معنى قوله ( منكم ) أي من عشيرتكم وقرابتكم .

.

ومعنى ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي : من غيرالقرابة والعشيرة .وهذا ينبي على معنى غامض في العربية ، وذلك أن معنى ( آخر ) في العربية من جنس الأول ، تقول : مررت بكريم وكريم آخر ولا تقول مررت بكريم وخسيس آخر ، فوجب على هذا أن يكون قوله ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي عدلان من غير عشيرتكم من المسلمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم ﴾ .

والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله واسمعوا والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين ﴾ والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في الأمانات واسمعوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين، وهو تهديد ووعيد لمن خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في تفسير هذه الآية التي اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً، وروى الواحدي رحمه الله في البسيط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام.

والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ عند أكثر الفقهاء والله أعلم بأسرار كلامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو ﴿ شهادة بَيْنِكُمْ ﴾ على تقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين.

أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان: وقرأ الشعبي.

﴿ شهادة بينكم ﴾ بالتنوين.

وقرأ الحسن: ﴿ شهادة ﴾ ، بالنصب والتنوين على: ليقم شهادة اثنان.

و ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾ ظرف للشهادة.

و ﴿ حِينَ الوصية ﴾ بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها.

وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ من أقاربكم.

و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من الأجانب ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح.

وقيل ﴿ منكم ﴾ من المسلمين، و ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الذمة.

وقيل: هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.

وعن مكحول: نسخها قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ وروي: أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله.

ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ تقفونهما وتصبرونهما للحلف ﴿ مِنْ بعدالصلاوة ﴾ من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس.

وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وفي حديث بديل: أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.

وقيل: هي صلاة أهل الذمّة، وهم يعظمون صلاة العصر ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه.

والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.

وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين: وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.

وعن عليّ رضي الله عنه: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقسم.

وفي ﴿ كَانَ ﴾ للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً منا، على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ [النساء: 135] .

﴿ شهادة الله ﴾ أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها.

وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمدّ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا.

وقرئ: ﴿ لملاثمين ﴾ بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله: عاد لولي: فإن قلت: ما موقع تحبسونهما؟

قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟

قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر.

ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ فإن اطلع ﴿ على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً ﴾ أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين ﴿ فَآخَرَانِ ﴾ فشاهدان آخران ﴿ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم.

معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم.

وفي قصة بديل: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما.

﴿ الأوليان ﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟

فقيل: الأوليان.

وقيل: هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران.

ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال.

وقرئ ﴿ الأوّلين ﴾ على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح.

ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها.

وقرئ: ﴿ الأولين ﴾ على التثنية، وانتصابه على المدح.

وقرأ الحسن: ﴿ الأولان ﴾ ، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي.

وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك.

فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء.

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي: وأبيّ وابن عباس؟

قلت: معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين ﴿ ذلك ﴾ الذي تقدم من بيان الحكم ﴿ أدنى ﴾ أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة ﴿ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان ﴾ أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل.

﴿ واسمعوا ﴾ سمع إجابة وقبول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ أوْ تَحْلِيفُ الشّاهِدِ.

﴿ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ﴾ عَلى نَحْوِ ما حَمَلُوها مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ وخِيانَةٍ فِيها ﴿ أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ أنْ تُرَدَّ اليَمِينُ عَلى المُدَّعِينَ.

بَعْدَ أيْمانِهِمْ فَيَفْتَضِحُوا بِظُهُورِ الخِيانَةِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ وإنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ حُكْمٌ يَعُمُّ الشُّهُودَ كُلَّهم.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا ﴾ ما تُوصُونَ بِهِ سَمْعَ إجابَةٍ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى حُجَّةٍ أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك} الذي مر ذكره من بيان الحكم {أدنى} أقرب {أَن يَأْتُواْ} أي الشهداء على نحو تلك الحادثة {بالشهادة على وَجْهِهَا} كما حملوها بلا خيانة فيها {أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم} أي تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيقتضحوا بظهور كذبهم {واتقوا الله} في الخيانة واليمين الكاذبة {واسمعوا} سمع قبول وإجابة {والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} الخارجين عن الطاعة فإن قلت ما معنى أو هنا قلت معناه ذلك أقرب من أن يؤدّوا الشهادة بالحق والصدق إما لله أو لخوف العار والافتضاح برد الأيمان وقد احتج به من يرى رد

المائدة (١٠٩ _ ١١١)

اليمين على المدعي والجواب أن الورثة قد ادّعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهما الشراء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مُسْتَتْبَعٌ لِلْمَنافِعِ وارِدٌ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والإشارَةِ إلى الحُكْمِ السّابِقِ تَفْصِيلُهُ، وقِيلَ: إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ، وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ ﴿ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ﴾ أيْ أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهادَةَ عَلى حَقِيقَتِها مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَها خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ وهَذِهِ حِكْمَةُ التَّحْلِيفِ الَّذِي تَقَدَّمَ أوَّلًا، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَأْتُوا) والثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الشَّهادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ ﴾ أيْ إلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُوا بَعْدَ أيْمانِهِمُ الَّتِي حَلَفُوها عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ مُحَقَّقَةً ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ المُحَرَّمَةِ في سائِرِ الأدْيانِ أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ الأيْمانُ إلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُوا ويَأْخُذُوا ما في أيْدِيهِمْ فَيَخْجَلُوا مِن ذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الخِيانَةِ، وهو بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ قِيامِ الآخَرِينَ فَأيُّ هَذَيْنَ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصِدُ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وقِيلَ: إنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَأْتُوا) أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ أنَّ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ وأقْرَبُ إلى خَوْفِ الفَضِيحَةِ، وجَعَلَ الشِّهابُ هَذا العَطْفَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وجَوَّزَ السَّمِينُ كَوْنَ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ كَما جَوَّزَ جَعْلَها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيها فَتَدَبَّرْ، وجَمْعُ ضَمِيرِ يَأْتُوا ويَخافُوا عَلى ما قِيلَ لِأنَّ المُرادَ ما يَعُمُّ الشّاهِدَيْنِ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِما مِن بَقِيَّةِ النّاسِ، والظَّرْفُ (بَعْدَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تُرَدَّ) كَما هو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ السَّمِينُ وهو ضَعِيفٌ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَأيْمانٍ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيِ احْفَظُوا أحْكامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ واتَّقُوا واسْمَعُوا سَمْعَ إجابَةٍ وقَبُولِ جَمِيعِ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ 801 - تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ، والمُرادُ فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا وتَسْمَعُوا كُنْتُمْ فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ واللَّهُ تَعالى لا يَهْدِي القَوْمَ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ إلى ما يَنْفَعُهم أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شَهادَةُ: رفع بالابتداء وخبره (اثنان) ومعناه: شهادتكم فيما بينكم اثنان مسلمان عدلان إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فأراد أن يشهد على وصيته، وكان مقيماً.

ولم يكن مسافراً فليُشهد على وصيته اثنين مسلمين حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كنتم في السفر ولم تقدروا على مسلمين، فأشهدوا رجلين من غيركم يعني: من غير أهل دينكم.

وروى مغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان الرجل في سفر فلم يجد المسلمين يشهدهما على وصيته، فيشهد غير أهل دينه.

فإن اتهما حبسا من بعد الصلاة فيغلظ عليهما في اليمين وإن شهد رجلان من الورثة أنهما خانا وكذبا صدقا بما قالا، وأخذ مّنَ الاخرين يعني: من الشاهدين ما ادعي عليهما.

وروي عن مجاهد أنه قال: إذا مات المؤمن في السفر لا يحضره إلا كافران أشهدهما على ذلك.

فإن رضي ورثته مما حلفا عليه من تركته فذلك.

ويحلف الشاهدان أنهما لصادقان، فإن ظهر أنهما خانا، حلف اثنان من الورثة، وأبطلا أيمان الشاهدين.

وروي عن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في السفر، ولا تجوز في السفر إلا على الوصية، وهكذا قال إبراهيم النخعي.

وبه قال ابن أبي ليلى.

واحتجوا بظاهر هذه الآية.

وقال علماؤنا: لا يجوز شهادة الذمي على المسلم في الوصية ولا في غيره.

وروي عن عكرمة أنه قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: من غير عشيرتكم.

وكذلك قال الحسن: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني: من غير قبيلتكم، كلهم من أهل العدالة.

قال: ألا ترى إلى قوله: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ وقال زيد بن أسلم: كان ذلك في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك كان في أول الإسلام، والأرض أرض الحرب، والناس كفار، إلا رسول الله  وأصحابه بالمدينة.

وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: هي منسوخة وقال الضحاك: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] ورفع اليمين عن الشهود، وأبطل شهادة أهل الذمة إلا بعضهم على بعض.

ويقال: لنزول هذه الآية قصة.

وذلك أنه ثلاثة نفر خرجوا إلى السفر: تميم الدّاري، وعدي بن زيد، وبديل بن ورقاء مولى العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص، فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلماً، وأوصى إلى تميم الدّاري وإلى عدي بن زيد وكانا نصرانيين، وأمرهما أن يسلّما أمتعته إلى أهله، وكتب أسماء الأمتعة، وأدرجه في ثيابه.

فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله، فوجد أهله الكتاب وفيه أسماء الأمتعة، وفيه جام فضة لم يسلماه إليهم.

فخاصمهما المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن العاص إلى رسول الله  .

فنزلت الآية: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ بموت بديل بن ورقاء تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ يعني: صلاة العصر.

وكان النبيّ  يقضي بين الناس بعد صلاة العصر.

فحلَّف الشاهدين، فحلفا أنهما لم يكتما شيئاً، فذلك قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: سافرتم في الأرض، فأصابتكم في السفر مصيبة الموت يعني: موت بديل بن ورقاء، تَحْبِسُونَهُما يعني: تقيمونهما من بعد الصلاة يعني: صلاة العصر عند منبر النبيّ  فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ يعني: ظننتم بالشاهدين ريبة أو شككتم في أمرهما لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يعني: باليمين.

يعني: أن الشاهدين يحلفان بالله أنهما لم يشتريا بأيمانهما ثمناً قليلاً من عرض الدنيا.

وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني: ذا قرابة معنا في الرحم.

لأن الميت كان بينه وبينهما قرابة وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إن سألنا عن ذلك.

فإن كتمناها يعني: الشهادة: إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ يعني: الفاجرين.

ثم وجد الجام أي الكأس بعد ذلك في أيديهما يبيعانه في السوق.

وقالا: إنا كنا اشتريناه منه، فاختصموا إلى رسول الله  فنزل فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يعني: خانا وكتما شيئاً من المال فَآخَرانِ من أولياء الميت يَقُومانِ مَقامَهُما يعني: مقام النصرانيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني: يحلف أولياء الميت أن المتاع متاع صاحبنا لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعني: يمين المسلمين وشهادتهما أحق يعني: أولى من شهادة الكافرين.

وَمَا اعْتَدَيْنا في الشهادة والدعوى إِنَّا إِذاً اعتدينا فحينئذٍ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

قرأ عاصم في رواية حفص: اسْتَحَقَّ بنصب التاء.

وقرأ الباقون: بضم التاء فمن قرأ بالنصب جعل الذين نعتاً للمدعين ومعناه: فآخران من المستحقين يقومان مقامهما.

ومن قرأ بالضم: جعل الذين نعتاً للمدعى عليهم.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الاولين.

وقرأ الباقون: الْأَوْلَيانِ.

فمن قرأ الأولين، يجعله خفضاً لأنه بدل من الذين.

فكأنه يقول: من الأولين اللذين استحق عليهم.

ومن قرأ: الْأَوْلَيانِ صار رفعاً على البدل مما في يَقُومانِ المعنى: فليقم الْأَوْلَيانِ بالميت.

قال القتبي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ وهما الوليان.

يقال: هذا الأولى بفلان.

ثم يحذف من الكلام بفلان فيقال: هذا الأولى وهذان الأوليان، كما يقال: هذا الأكبر وهذان الأكبران وعَلَيْهِمُ هاهنا يعني: منهم يعني: استحق منهم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: 2] يعني: من الناس يستوفون.

قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ يعني: ذلك أحرى وأجدر.

أن يأتوا بالشهادة.

يعني: يقيموا الشهادة عَلى وَجْهِها كما كانت.

يعني: يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي لا يخونا في الشهادة، ويأتيا بالشهادة على وجهها.

ثم قال: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: إذا خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما، امتنعا عن الكذب.

وقد احتج بعض الناس بهذه الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي، ولا حجة له فيه، لأن ردّ اليمين حادثة أخرى، وهو ظهور الخيانة منهما.

لأن دعوى الثاني دعوى الشرى، ودعوى الأول دعوى الكتمان.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تخونوا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: الخائنين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسند المنتخب» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العوازب أن تئوب إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ» «٢» .

انتهى من «الكوكب الدري» ، والله المستعان.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ...

الآيةَ، إلى قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩] : قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً.

قال ع «٣» : وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين.

لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنّ تميما الدّاريّ «٤» ...

وعَدِيَّ بْن بَدَّاء «١» ، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر «٢» : وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم «٣» ، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة «٤» ، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ «٥» .

قال ع «٦» : واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعض المتأخّرين، ولا وجه

عندي لذكْره في الصَّحابة.

وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه/ شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم «١» ، قالوا: ومعنى قوله:

مِنْكُمْ، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من الكافرين.

قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم أنها منسوخةٌ بقوله:

وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ.

قال ع «٢» : ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيد لأن الناس خلطوا في تفسيره هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان.

فقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، هي الشهادةُ «٣» التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء،

والخَبَرُ في قوله: اثْنانِ، وقوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة» ، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ» ، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذ المعنى: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه حَضَرَ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا» ، وقوله: ذَوا عَدْلٍ: صفة لقوله: اثْنانِ، ومِنْكُمْ: صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله: مِنْ غَيْرِكُمْ: صفة ل آخَرانِ وقوله:

تَحْبِسُونَهُما: صفة ل آخَرانِ أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إلى الْمَوْتُ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ» لِمَا تقدَّم من قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس:

إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين «١» ، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله:

فَيُقْسِمانِ: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ لأن المعنى تَمَّ في قوله: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، وقوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن:

لاَ نَشْتَرِي بِهِ: عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله: لاَ نَشْتَرِي جوابٌ يقتضيه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله:

ثَمَناً، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» - بالتنوين-، «اللَّه» - بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ-، وقال أيضاً:

يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: / «آللَّهِ» - بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن-، أعني: بسكون الهاء من «شهادة» ، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة» ، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها.

وقوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ: استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه، واسْتَحَقَّا إِثْماً: معناه: استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له لأنهما ظَلَمَا وخَانَا.

وقوله تعالى: فَآخَرانِ، أي: إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ «١» وغيره: «استحق» - مضمومةَ التاءِ-، «والأَوْلَيَانِ» على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «استحق» - بفتح التاء- وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم.

وفي قوله: اسْتَحَقَّ: استعارة لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ:

«هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه» ، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه.

وقرأ حمزة «٢» وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «استحق» - بضم التاء-، «الأَوَّلِينَ» : على جَمْعِ أوَّل ومعناها: من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، ثم بعد ذلك قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقوله: فَيُقْسِمانِ، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: لَشَهادَتُنا أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة- أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، وَمَا اعْتَدَيْنا في قولنا هذا، وقولهما:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أنْ تَحْلِفُوا كاذِبِينَ، أوْ تَخُونُوا أمانَةً، واسْمَعُوا المَوْعِظَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى جَمِيعِ ما حَدَّ اللهُ قَبْلُ؛ مِن حَبْسِ الشاهِدَيْنِ؛ مِن بَعْدِ الصَلاةِ؛ لِلْيَمِينِ؛ ثُمَّ إنْ عُثِرَ عَلى جَوْرِهِما؛ رُدَّتِ اليَمِينَ؛ وغُرِّما؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَلاةِ؛ ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ؛ ورَدَّ اليَمِينِ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ السُدِّيِّ أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ"؛ إنَّما هي إلى الحَبْسِ مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَقَطْ؛ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ ﴾ ؛ بِإزاءِ: ﴿ فَإنْ عُثِرَ  ﴾ ؛ اَلْآيَةِ.

وجُمِعَ الضَمِيرِ في "يَأْتُوا"؛ و"يَخافُوا"؛ إذِ المُرادُ صِنْفٌ ونَوْعٌ مِنَ الناسِ؛ و"أو"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ السُدِّيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "تَجِيئُنِي يا زَيْدُ أو تُسْخِطَنِي"؛ كَأنَّكَ تُرِيدُ: "وَإلّا أسْخَطْتَنِي"؛ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: "ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها؛ وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ"؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فالمَعْنى: "ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا؛ وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى وجْهِها ﴾ ؛ مَعْناهُ: "عَلى جِهَتِها القَوِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ؛ ولا حُرِّفَتْ".

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى؛ الَّتِي هي الِاعْتِصامُ بِاللهِ ؛ وبِالسَمْعِ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُنْجِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ؛ وإلّا فَهو تَعالى يَهْدِيهِمْ إذا تابُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ "اَلْفاسِقِينَ"؛ عامًّا؛ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن لا يَتُوبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ويَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ ؛ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ العامِلَ في "يَوْمَ"؛ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: "لا يَهْدِي"؛ وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ ورَصْفُ الآيَةِ وبَراعَتُها إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنِفًا؛ والعامِلُ مُقَدَّرًا؛ إمّا: "اُذْكُرُوا"؛ وإمّا: "تَذَكَّرُوا"؛ وإمّا: "اِحْذَرُوا"؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ؛ لِعِلْمِ السامِعِ.

والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وخُصَّ الرُسُلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ؛ وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ؛ وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا.

و ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ؛ مِن إيمانٍ؛ أو كُفْرٍ؛ وطاعَةٍ؛ أو عِصْيانٍ؟"؛ وهَذا السُؤالُ لِلْأنْبِياءِ الرُسُلِ؛ إنَّما هو لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الأُمَمِ؛ ويُبْتَدَأ حِسابُهم عَلى الواضِحِ المُسْتَبِينِ لِكُلِّ مَفْطُورٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -: ﴿ "لا عِلْمَ لَنا"؛ ﴾ فَقالَ الطَبَرِيُّ: ذَهِلُوا عَنِ الجَوابِ؛ لِهَوْلِ المَطْلَعِ؛ وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا مِن هَوْلٍ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وعَنِ السُدِّيِّ: نَزَلُوا مُنْزَلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ؛ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ ثُمَّ نَزَلُوا مُنْزَلًا آخَرَ شَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ؛ وعن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَفْزَعُونَ؛ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَضَعَّفَ بَعْضُ الناسِ هَذا المَنزَعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ ؛ والأنْبِياءُ في أشَدِّ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ وحالَةِ جَوازِ الصِراطِ يَقُولُونَ: سَلِّمْ؛ سَلِّمْ؛ وحالُهم أعْظَمُ؛ وفَضْلُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْهَلَ عُقُولُهم حَتّى يَقُولُوا ما لَيْسَ بِحَقٍّ في نَفْسِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْنى الآيَةِ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسَنٌ؛ كَأنَّ المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ": ﴾ "ماذا عَمِلُوا بِعْدَكُمْ؟

وما أحْدَثُوا؟"؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ؛ لَكِنَّ لَفْظَةَ "أُجِبْتُمْ"؛ لا تُساعِدُ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ إلّا عَلى كُرْهٍ؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ هَذِهِ المَناحِي؛ لِأنَّهُ يُتَخَرَّجُ عَلى التَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى؛ ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ؛ إذْ قَوْلُهُ: ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛ ﴾ لا عِلْمَ عِنْدَهم في جَوابِهِ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ؛ ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وكَذَلِكَ يَنْقُصُهم ما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَّتِهِمْ؛ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَفْصِيلِ؛ والكَمالِ؛ فَرَأوُا التَسْلِيمَ لَهُ والخُضُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ماذا أجَبْتُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استؤنفت هذه الآي استئنافاً ابتدائياً لشرع أحكام التوثّق للوصية لأنّها من جملة التشريعات التي تضمّنتها هذه السورة، تحقيقاً لإكمال الدين، واستقصاء لما قد يحتاج إلى علمه المسلمون وموقعها هنا سنذكره.

وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة (180) ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ﴾ وتقدّم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك.

وحرص رسول الله على الوصية وأمر بها، فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام.

وكانت معروفة في الجاهلية كما تقدّم في سورة البقرة.

وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية والحرص على إنفاذها حفظاً لحقّ الميّت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقّه، فلذلك استغنى القرآن عن شرع التوثّق لها بالإشهاد، خلافاً لما تقدّم به من بيان التوثّق في التبايع بآية ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ [البقرة: 282] والتوثّق في الدين بآية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ [البقرة: 282] الخ فأكملت هذه الآية بيان التوثّق للوصية اهتماماً بها ولجدارة الوصية بالتوثيق لها لضعف الذياد عنها لأنّ البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما انعقد فيها ويذُبّان عن مصالحهما فيتّضح الحقّ من خلال سعيهما في إحقاق الحقّ فيها بخلاف الوصية فإنّ فيها جانباً واحداً وهو جانب الموصى له لأنّ الموصي يكون قد ماتَ وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك، فكانت معرّضة للضياع كلّها أو بعضها.

وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع عند الموصي خَبَرَ عزمه.

فقد أوصى نزارُ بن مَعَدّ وصية موجزة وأحال أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبيّن لهم تفصيل مراده منها.

وقد حدثت في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية.

ولعلّ حدوثها كان مقارناً لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه الآية عقبها في هذا الموضع من السورة.

ذلك أنّه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداريُّ اللخمي والآخر عدي بن بدّاء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل (دارِين) وكانا يتّجران بين الشام ومكةَ والمدينة.

فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سَهم وكان مسلماً بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق برّاً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوّص بالذهب قاصداً به ملكَ الشام، فلمّا اشتدّ مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليه من بني سهم.

وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي، فولاؤه بعد موته لابن عمرو بن العاصي.

وبعض المفسّرين يقول: إنّ ولاء بُديل لعَمرو بن العاصي والمطلب بن وداعة.

ويؤيّد قولهم أنّ المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أنّ الجام لبديل بن أبي مريم.

فلمّا رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا مَا لِبديل إلى مواليه.

فلمّا نشروه وجدوا الصحيفة، فقالوا لتميم وعدي: أين الجَامُ فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاماً.

ثم وُجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنّه ابتاعه من تميم وعديّ.

وفي رواية أنّ تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثّم ممّا صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له الخمسمائة الدرهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه.

وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية.

وقد ساقه البخاري تعليقاً في كتاب الوصايا.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: ليس إسناده بصحيح.

وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقّى بالقبول، وقد أسنده البخاري في «تاريخه».

واتّفقت الروايات على أنّ الفريقين تفاضَوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عَمرُو بن العاصي والمطّلب بن أبي وَدَاعة على أنّ تميماً وعدياً أخفيا الجام وأنّ بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده.

ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذٍ نصراني.

وعدي هذا قيل: أسلم، وعدّه ابن حبّان وابن منده في عداد الصحابة، وقيل: مات نصرانياً، ورجّح ذلك ابن عطية، وهو قول أبي نعيم، ويروى عن مقاتل، ولم يذكره ابن عبد البر في الصحابة.

واحتمل أن يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية الجام، وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية لتكون تشريعاً لما يحدث من أمثال تلك القضية.

و ﴿ بينكم ﴾ أصل (بين) اسم مكان مبهم متوسّط بين شيئين يبيّنه ما يضاف هو إليه، وهو هنا مجاز في الأمر المتعلّق بعدّة أشياء، وهو مجرور بإضافة ﴿ شهادةُ ﴾ إليه على الاتّساع.

وأصله (شهادةٌ) بالتنوين والرفع «بينكم» بالنصب على الظرفية.

فخرج (بين) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج عنها في قوله تعالى: ﴿ لقد تقطّع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة جماعة من العشرة برفع ﴿ بينكم ﴾ .

وارتفع ﴿ شهادةُ ﴾ على الابتداء، وخبره ﴿ اثنان ﴾ .

و ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ ظرف زمان مستقبل.

وليس في (إذا) معنى الشرط، والظرف متعلّق ب ﴿ شهادة ﴾ لما فيه من معنى الفعل، أي ليشهدْ إذا حضر أحدكم الموتُ اثنان، يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يَشهدا لقوله تعالى: ﴿ ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دُعوا ﴾ [البقرة: 282].

و ﴿ حين الوصية ﴾ بدَل من ﴿ إذا حضر أحدكم الموتُ ﴾ بَدَلاً مطابقاً، فإنّ حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي فيه الناس غالباً.

جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلّص بهذا البدل إلى المقصود وهو الوصية.

وقد كان العرب إذا راوا علامة الموت على المريض يقولون: أوص، وقد قالوا ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أنّ جرحه في أمعائه.

ومعنى حضور الموت حضور علاماته لأن تلك حالة يتخيّل فيها المرءُ أنّ الموت قد حضر عنده ليصيّره ميتاً، وليس المراد حصول الغرغرة لأنّ ما طُلب من الموصي أن يعمله يستدعي وقتاً طويلاً، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ﴾ في سورة البقرة (180).

وقوله: اثنان } خبر عن ﴿ شهادةُ ﴾ ، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه، والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز.

فماصْدقُ ﴿ اثنان ﴾ شاهدان، بقرينة قوله ﴿ شهادة بينكم ﴾ ، وقولِه: ﴿ ذوا عدل ﴾ .

وهذان الشاهدان هما وصيّان من الميّت على صفة وصيّته وإبلاغها، إلاّ أن يجعل الموصي وصياً غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك.

والعدل والعدالة متّحدان، أي صاحبا اتّصَاف بالعدالة.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ من المؤمنين، كما هو مقتضى الخطاب بقوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا ﴾ ، لأنّ المتكلّم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدلّ على بعضه كان معناه أنّه بعض أصحاب الوصف، كما قال الأنصار يوم السقيفة: مِنَّا أمير ومِنْكم أمير.

فالكلام على وصية المؤمنين.

وعلى هذا درج جمهور المفسّرين، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، والأئمة الأربعة.

وهو الذي يجب التعويل عليه، وهو ظاهر الوصف بكلمة ﴿ منكم ﴾ في مواقعها في القرآن.

وقال الزهري، والحسن، وعكرمة: معنى قوله ﴿ منكم ﴾ من عشيرتكم وقرابتكم.

ويترتّب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو ﴿ من غيركم ﴾ أنّه من غير أهل ملّتكم.

فذهب فريق ممّن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصّة، وخصّوا ذلك بالذميّ، وهو قول أحمد، والثوري، وسعيد بن المسيّب، ونُسب إلى ابن عبّاس، وأبي موسى.

وذهب فريق إلى أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2]، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ونسب إلى زيد بن أسلم.

وقد تمّ الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله: ﴿ ذوَا عدل منكم ﴾ .

وقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ الآيات..

تفصيل للحالة التي تعرض في السفر.

و(أو) للتقسيم لا للتخيير، والتقسيمُ باعتبار اختلاف الحالين: حاللِ الحاضر وحال المسافر، ولذلك اقترن به قوله: ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ ، فهو قيد لقوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وجواب الشرط في قوله: ﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ، والتقدير: إنْ أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخَرَيْننِ من غيركم، فالمصيرُ إلى شهادة شاهدَين من غير المسلمين عند من يراه مقيّد بشرط ﴿ إنْ أنتم ضربتم في الأرض ﴾ .

والضرب في الأرض: السير فيها.

والمراد به السفر، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ في سورة آل عمران (156).

ومعنى: فأصابتكم مصيبة الموت } حلّت بكم، والفِعْل مستعمل في معنى المشارفة والمقاربة، كما في قوله تعالى: ﴿ وليَخْشَ الذين لو تركوا من خَلْفهم ذرّيَّة ﴾ [السناء: 9]، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة.

وهذا استعمال من استعمال الأفعال.

ومنه قولهم في الإقامة: قد قامت الصلاة.

وعُطف قولُه ﴿ فأصابتكم ﴾ على ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ ، فكانَ من مضمون قوله قبله ﴿ إذا حضر أحدَكم الموت ﴾ .

أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فَصَل بينه من الظروف والشروط.

وضمير الجمع في ﴿ أصابتكم ﴾ كضمير الجمع في ﴿ ضربتم في الأرض ﴾ .

والمصيبة: الحادثة التي تحلّ بالمرء من شرّ وضرّ، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ في سورة النساء (72).

وجملة تحبسونهما } حال من ﴿ آخران ﴾ عند من جعل قوله ﴿ من غيركم ﴾ بمعنى من غير أهل دينكم.

وأمّا عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم فإنّه حال من ﴿ اثنان ﴾ ومن ﴿ آخران ﴾ لأنّهما متعاطفان ب (أو).

فهما أحد قسمين، ويكون التحليف عند الاسْترابة.

والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين.

وضمير الجمع في ﴿ تحبسونهما ﴾ كضميري ﴿ ضربتم وأصابتكم ﴾ .

وكلّها مستعملة في الجمع البدَلي دون الشمولي، لأنّ جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا الحكم وإنّما يحلّ ببعضهم.

فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مُقتضَى الظاهر كلُّها.

وإنّما جاءت بصيغة الجمع لإفادة العموم، دفعاً لأن يتوهّم أنّ هذا التشريع خاصّ بشخصين معيّنين لأنّ قضية سبب النزول كانت في شخصين؛ أو الخطاب والجمع للمسلمين وحكّامهم.

والحَبس: الإمساك، أي المنع من الانصراف.

فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد.

ومنه ما يكون بمعنى الانتظار، كما في حديث عتبان بن مالك ﴿ فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على خزير صنعناه ﴾ ، أي أمسكناه.

وهذا هو المراد في الآية، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادِرَانِكم حتّى يتحمّلا الوصية.

وليس المرادّ به السجن أو ما يقرب منه، لأنّ الله تعالى قال: ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282].

وقوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ توقيت لإحضارهما وإمساكهما لأداء هذه الشهادة.

والإتيانُ ب (مِن) الابتدائية لتقريب البَعديّة، أي قرب انتهاء الصلاة.

وتحتمل الآية أنّ المراد بالصلاة صلاة من صلوات المسلمين، وبذلك فسّرها جماعة من أهل العلم، فمنهم من قال: هي صلاة العصر.

وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحْلف تميماً الداري وعَدي بنَ بدّاء في قضية الجام بعد العصر، وهو قول قتادة، وسعيد، وشريح، والشعبي.

ومنهم من قال: الظهر، وهو عن الحسن.

وتحتمل من بعد صلاة دينهما على تأويل من غيركم بمعنى من غير أهل دينكم.

ونقل عن السديّ، وابن عبّاس، أي تُحضرونهما عقب أدائهما صلاتهما لأنّ ذلك قريب من إقبالهما على خشية الله والوقوف لعبادته.

وقوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ عطف على ﴿ تحبسونهما ﴾ فعلم أنّ حبسهما بعد الصلاة لأجل أن يقسما بالله.

وضمير ﴿ يقسمان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ آخران ﴾ .

فالحلف يحلفه شاهدا الوصية اللذان هما غير مسلمين لزيادة الثقة بشهادتهما لعدم الاعتداد بعدالة غير المسلم.

وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ تظافرت أقوال المفسّرين على أنّ هذا شرط متّصل بقوله ﴿ تحبسونهما ﴾ وما عطف عليه.

واستغني عن جواب الشرط لدلالة ما تقدّم عليه ليتأتّى الإيجاز، لأنّه لو لم يقدّم لقيل: أو آخران من غيركم فإن ارتبتم فيهما تحبسونهما إلى آخره.

فيقتضي هذا التفسير أنّه لو لم تَحصل الريبة في صدقهما لما لزم إحْضارهما من بعد الصلاة وقسمهما، فصار ذلك موكولاً لِخيَرة الولي.

وجملة الشرط معترضة بين فعل القسم وجوابه.

والوجه عندي أن يكون قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من جملة الكلام الذي يقوله الشاهدان، ومعناه أنّ الشاهدين يقولان: إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة، أي يقولان ذلك لاطمئنان نفس المُوصي، لأنّ العدالة مظنّة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ممّا لا يُطّلع عليه فأكّدت مظنّة الصدق بالحلف؛ فيكون شُرع هذا الكلام على كلّ شاهد ليسْتوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال حَرجاً على الشاهدين الذين توجّهت عليهما اليمينُ من أنّ اليمين تعريض بالشكّ في صدقهما، فكان فرض اليمين من قِبَل الشرع دافعاً للتحرّج بينهما وبين الوليّ، لأنّ في كون اليمين شرطاً من عند الله معذرة في المطالبة بها، كما قال جمهور فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجّه على من يثبت حقّاً على ميّت أو غائب من أنّها لازمة قبل الحكم مطلقاً ولو أسقطها الوارث الرشيد.

ولم أقف على مَن عرّج على هذا المعنى من المفسّرين إلاّ قول الكواشي في «تلخيص التفسير»: «وبعضُهم يقف على ﴿ يقسمان ﴾ ويبتدئ ﴿ بالله ﴾ قسماً ولا أحبّه»، وإلاّ ما حكاه الصفاقسي في «مُعربَه» عن الجرجاني «أنّ هنا قولاً محذوفاً تقديره: فيقسمان بالله ويَقُولان».

ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعَا الجرجاني لِتقدير هذا القول.

ولا أراه حمله عليه إلاّ جَعْلُ قوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ من كلام الشاهديْن.

وجوابُ الشرط محذوف يدلّ عليه جواب القسم، فإنّ القسم أولى بالجواب لأنّه مقدّم على الشرط.

وقوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ الخ، ذلك هو المقسم عليه.

ومعنى ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمناً، أي عوضاً، فضمير به، عائد إلى القسم المفهوم من ﴿ يقسمان ﴾ .

وقد أفاد تنكير ﴿ ثمناً ﴾ في سياق النفي عمومَ كلّ ثمن.

والمراد بالثمن العوَض، أي لا نبدّل ما أقسمنا عليه بعوض كائناً ما كان العوضُ، ويجوز أن يكون ضمير ﴿ به ﴾ عائداً إلى المقسم عليه وهو ما استشهدا عليه من صيغة الوصي بجميع ما فيها.

وقوله: ﴿ ولو كان ذا قُربى ﴾ حال من قوله ﴿ ثمناً ﴾ الذي هو بمعنى العوض، أي ولو كان العوض ذا قربى، أي ذا قربى منّا، و«لو» شرط يفيد المبالغة فإذا كان ذا القربى لا يَرْضيانه عوّضاً عن تبديل شهادتهما فأوْلى ما هو دون ذلك.

وذلك أنّ أعظم ما يدفع المرء إلى الحيف في عرف القبائل هو الحميّة والنصرة للقريب، فذلك تصغر دونه الرّشى ومنافع الذات.

والضمير المسْتتر في ﴿ كان ﴾ عائد إلى قوله ﴿ ثَمناً ﴾ .

ومعنى كون الثمن، أي العوض، ذَا قربى أنّه إرضاء ذي القربى ونفعه فالكلام على تقدير مضاف، وهو من دلالة الاقتضاء لأنّه لا معنى لجعل العوض ذات ذي القربى، فتعيّن أنّ المراد شيء من علائقه يعيّنه المقام.

ونظيره ﴿ حُرِّمت عليكم أمّهاتكم ﴾ [النساء: 23].

وقد تقدّم وجه دلالة مثل هذا الشرط ب (لو) وتسميتها وصلية عند قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ من سورة آل عمران (91).

وقوله ولا نكتم } عطف على ﴿ لا نشتري ﴾ ، لأنّ المقصود من إحلافهما أن يؤدّيا الشهادة كما تلقّياها فلا يغيّرا شيئاً منها ولا يكتماها أصلاً.

وإضافة الشهادة إلى اسم الجلالة تعظيم لخطرها عند الشهادة وغيره لأنّ الله لمّا أمر بأدائها كما هي وحَضّ عليها أضافها إلى اسمه حفظاً لها من التغيير، فالتصريح باسمه تعالى تذكير للشاهد به حينَ القسم.

وفي قوله ﴿ ولا نكتم ﴾ دليل على أنّ المراد بالشهادة هنا معناها المتعارف، وهو الإخبار عن أمر خاصّ يعرِض في مثله الترافعُ.

وليس المراد بها اليمين كما توهّمه بعض المفسّرين فلا نطيل بردّه فقد ردّه اللفظ.

وجملة ﴿ إنَّا إذاً لمن الآثمين ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّها جواب سؤال مقدّر بدليل وجود ﴿ إذنْ ﴾ ، فإنّه حرفُ جواب: استشعر الشاهدان سؤالاً من الذي حَلفا له بقولهما: لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله، يقول في نفسه: لعلّكما لا تَبِرّان بما أقسمتما عليه، فأجابا: إنّا إذَنْ لَمِن الآثمين، أي إنّا نَعلم تبعة عدم البرّ بما أقسمنا عليه أن نكون من الآثمين، أي ولا نرضى بذلك.

والآثمُ: مرتكب الإثم.

وقد علم أنّ الإثم هو الحنث بوقوع الجملة استئنافاً مع «إذن» الدالّة على جواب كلام يختلج في نفس أولياء الميّت.

5 وقوله: ﴿ فإن عُثر على أنّهما استحقّا إثماً فآخران ﴾ الآية، أي إن تبيَّنَ أنّهما كتما أو بدّلا وحنثا في يمينهما، بطلت شهادتهما، لأنّ قوله ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ فرع عن بطلان شهادتهما، فحذف ما يعبّر عن بطلان شهادتهما إيجازاً كقوله: ﴿ اضرِبْ بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت.

ومعنى ﴿ عُثِر ﴾ اطُّلِع وتَبيّن ذلك، وأصل فعل عَثَر أنّه مصادفة رِجْللِ الماشي جسماً ناتئاً في الأرض لم يترقّبه ولم يَحْذر منه فيختلّ به اندفاعُ مَشْيه، فقد يسقط وقد يتزلزل.

ومصدره العِثَار والعُثور، ثم استعمل في الظَفَر بشيء لم يكن مترقّباً الظفَر به على سبيل الاستعارة.

وشاع ذلك حتّى صار كالحقيقة، فخصّوا في الاستعمال المعنى الحقيقي بأحد المصدرين وهو العِثار، وخصّوا المعنى المجازي بالمصدر الآخر، وهو العثور.

ومعنى ﴿ استَحقَّا إثماً ﴾ ثبت أنّهما ارتكبا ما يأثمان به، فقد حقّ عليهما الإثم، أي وقع عليهما، فالسين والتاء للتأكيد.

والمراد بالإثم هو الذي تبرّءا منه في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ﴾ .

فالإثم هو أحد هذين بأن يظهر أنّهما استبدلا بما استؤمنا عليه عوضاً لأنفسهما أو لغيرهما، أو بأن يظهر أنّهما كتما الشهادة، أي بعضها.

وحاصل الإثم أن يتّضح ما يقدح في صدقهما بموجب الثبوت.

وقوله ﴿ فآخران ﴾ أي رجلان آخران، لأنّ وصف آخر يطلق على المغاير بالذات أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدّث عنه، والمتحدث عنه هنا ﴿ اثنان ﴾ .

فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية.

ومعنى يقومان مقامهما، أي يعوّضان تلك الشهادة.

فإنّ المقام هو محلّ القيام، ثم يراد به محلّ عمل مّا، ولو لم يكن فيه قيام، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع في محلّ يقوم فيه العامل، وذلك في العمل المهمّ.

قال تعالى: ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري ﴾ [يونس: 71].

فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الذين استحقّ عليهم ﴾ تبعيضية، أي شخصان آخران يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم.

والاستحقاق كون الشيء حقيقاً بشيء آخر، فيتعدّى إلى المفعول بنفسه، كقوله: ﴿ استحقّا إثماً ﴾ ، وهو الشيء المستحق.

وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدّى الفعل إلى المحقوق ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلا بمعنى اللزوم له وإن كره، كأنّهم ضمّنوه معنى وجَب كقوله تعالى: ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحق ﴾ [الأعراف: 105].

ويقال: استحقّ زيد على عمرو كذا، أي وجب لزيد حقّ على عمرو، فأخذه منه.

وقرأ الجمهور ﴿ استُحقّ عليهم ﴾ بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله ﴿ استُحقّ عليهم هو مستحِقّ مّا، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة، فنال من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغَلَبَ وارثَ الموصي بذلك.

فالذين استُحقّ عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم مالُه بوجه من وجوه الإرثثِ فحُرموا بَعضه.

وقوله عليهم ﴾ قائم مقام نائب فاعل ﴿ استحقّ ﴾ .

وقوله: ﴿ الأوليان ﴾ تثنية أوْلَى، وهو الأجدر والأحقّ، أي الأجدران بقبول قولهما.

فماصْدقه هو مَاصْدق ﴿ الآخران ﴾ ومرجعه إليه فيجوز، أن يجعل خبراً عن ﴿ آخران ﴾ ، فإنّ ﴿ آخران ﴾ لمّا وصف بجملة ﴿ يقومان مقامهما ﴾ صحّ الابتداء به، أي فشخصان آخران هما الأوْلَيَان بقبول قولهما دون الشاهدين المتّهمين.

وإنّما عرّف باللاّم لأنّه معهود للمخاطب ذهناً لأنّ السامع إذا سمع قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقَّا إثماً ﴾ ترقّب أن يعرف من هو الأولى بقبول قوله في هذا الشأن، فقيل له: آخران هما الأوليان بها.

ويجوز أن يكون ﴿ الأوليان ﴾ مبتدأ و ﴿ آخران يقومان ﴾ خبره.

وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة، لأنّ السامع يترقّب الحكم بعد قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ فإنّ ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما، فكيف يكون القضاء في ذلك، فعجّل الجواب.

ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ آخران ﴾ أو من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان.

ونكتة التعريف هيَ هي على الوجوه كلّها.

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف، ﴿ الأوّلين ﴾ بتشديد الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون التحتية جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدّم والمبتدأ به.

فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي حيث استحقّ الموصى له الوصية من مال التركة الذي كان للأولياء، أي الورثة لولا الوصية، وهو مجرور نعت (للذين استحقّ عليهم).

وقرأ حفص عن عاصم ﴿ استحَقّ ﴾ بصيغة البناء للفاعل فيكون ﴿ الأوليان ﴾ هو فاعل ﴿ استحقّ ﴾ ، وقوله ﴿ فيقسمان بالله ﴾ تفريع على قوله ﴿ يقومان مقامهما ﴾ .

ومعنى ﴿ لشهادتنا أحقّ من شهادتهما ﴾ أنّهما أولى بأن تقبل شهادتهما من اللذيْن عثِر على أنّهما استحقّا إثماً.

ومعنى ﴿ أحقّ ﴾ أنّها الحقّ، فصيغة التفضيل مسلوبة المفاضلة.

وقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ توكيد للأحقّيّة، لأنّ الأحقّيّة راجعة إلى نفعهما بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت باطلاً واعتداء منهما على مال مبلّغي الوصية.

والمعنى: وما اعتدينا على الشاهدين في اتّهامهما بإخفاء بعض التركة.

وقوله ﴿ إنّا إذن لمنَ الظالمين ﴾ أي لو اعتدينا لكنّا ظالمَين.

والمقصود منه الإشعار بأنّهما متذكّران ما يترتّب على الاعتداء والظلم، وفي ذلك زيادة وازع.

وقد تضمّن القسم على صدق خبرهما يميناً على إثبات حقّهما فهي من اليمين التي يثبت بها الحقّ مع الشاهد العرفي، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في الشاهدين اللذين يبلّغان الوصية.

والكلام في «إذن» هنا مثل الكلام في قوله: ﴿ إنّا إذن لمن الآثمين ﴾ .

والمعنى أنّه إن اختلّت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء كان الموصى له واحداً أم متعدّداً.

وإنّما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة للقضية التي نزلت فيها، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء، فإنّ ورثة صاحب التركة كانا اثنين هما: عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة، وكلاهما من بني سهم، وهما مَوْليا بُديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام.

فبعض المفسّرين يذكر أنهما مَوْليا بُديل.

وبعضهم يقول: إنّ مولاه هو عمرو بن العاصي.

والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أنّ له ولاء من بديل، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين.

فإن كان صاحب الحقّ واحداً حلف وحده وإن كان أصحاب الحقّ جماعة حلفوا جميعاً واستحقّوا.

ولم يقل أحد أنّه إن كان صاحب الحقّ واحداً يحلف معه من ليس بمستحقّ، ولا إن كان صاحب الحقّ ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقّون كلّهم.

فالاقتصار على اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصّة سبب النزول، فتكون الآية على هذا خاصّة بتلك القضية.

ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في الشريعة في الاستحقاق والتهم.

وهذا القول يقتضي أنّ الآية نزلت قبل حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية بُديل بن أبي مريم.

وذلك ظاهر بعض روايات الخبر، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ الآية نزلت بعد أن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحينئذٍ يتعيّن أن تكون تشريعاً لأمثال تلك القضية ممّا يحدث في المستقبل، فيتعيّن المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين اثنين إن أمكن.

وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضَر إلاّ واحداً من المسلمين، أو واحداً من غير المسلمين، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم.

وكلّ ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلّها من يمين من قام له شاهد أو يمين المنكر.

والمشار إليه في قوله: «ذلك أدنى» إلى المذكور من الحكم من قوله ﴿ تحبسوهما من بعد الصلاة ﴾ إلى قوله إنَّا إذن لمنَ الظالمين.

و ﴿ أدنى ﴾ بمعنى أقرب، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظنّ، أي أقوى إلى الظنّ بالصدق.

وضمير ﴿ يأتوا ﴾ عائد إلى «الشهداء» وهم: الآخران من غيركم، والآخران اللذان يقومان مقامهما، أي أن يأتي كلّ واحد منهم.

فجمع الضمير على إرادة التوزيع.

والمعنى أنّ ما شرع الله من التوثيق والضبط، ومن ردّ الشهادة عند العثور على الريبة أرجى إلى الظنّ بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا الفريقين ممّا ينفي الغفلة والتساهل، بله الزور والجور مع توقّي سوء السمعة.

ومعنى ﴿ أن يأتوا بالشهادة ﴾ : أن يؤدّوا الشهادة.

جعل أداؤها والإخبار بها كالإتيان بشيء من مكان.

ومعنى قوله ﴿ على وجهها ﴾ ، أي على سنّتها وما هو مقوّم تمامها وكمالها، فاسم الوجه في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيهاً بوجه الإنسان، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره.

ولمّا أريد منه معنى الاستعمارة لهذا المعنى، وشاع هذا المعنى في كلامهم، قالوا: جاء بالشيء الفلاني على وجهه، فجعلوا الشيء مأتيّاً به، ووصفوه بأنه أتي به متمكّناً من وجهه، أي من كمال أحواله.

فحرف (على) للاستعلاء المجازي المراد منه التمكّن، مثل ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5].

والجارّ والمجرور في موضع الحال من ﴿ الشهادة ﴾ ، وصار ذلك قرينة على أنّ المراد من الوجه غير معناه الحقيقي.

وسنّة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبّت فيها والتنبّه لما يغفل عنه من مختلف الأحوال التي قد يستخفّ بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيِّع الحقوق، أي ذلك يعلّمهم وجه التثبّت في التحمّل والأداء وتوخّي الصدق، وهو يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد.

وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذاء في الشهادة بالطعن أو المعارضة، فإنّ في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبّت في مطابقة شهادتهم، للواقع لأنّ المعارضة والإعذار يكشفان عن الحقّ.

وقوله ﴿ أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم ﴾ عطف على قوله ﴿ أن يأتوا ﴾ باعتبار ما تعلّق به من المجرورات، وذلك لأنّ جملة ﴿ يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود، ولذلك قدّرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة.

فأفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم، وأفادت الجملة المعطوفة وازعاً هو توقّع ظهور كذبهم.

ومعنى ﴿ أن تردّ أيمان ﴾ أن تُرَجَّع أيمان إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين.

فالردّ هنا مجاز في الانتقال، مثل قولهم: قلب عليه اليمين، فيعيَّروا به بين الناس؛ فحرف (أوْ) للتقسيم، وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله: ﴿ ذلك أدنى ﴾ الخ...

وجمع ﴿ الأيمان ﴾ باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من جنسها، على أنّ العرب تعدل عن التثنية كثيراً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] وذيّل هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمّة فقال: ﴿ واتّقوا الله ﴾ الآية.

وقوله ﴿ واسمعوا ﴾ أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازاً، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إذ قلتم سمعنا وأطعنا ﴾ في هذه السورة (7).

وقوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } تحريض على التقوى والطاعة لله فيما أمر ونهى، وتحذير من مخالفة ذلك، لأنّ في اتّباع أمر الله هُدى وفي الإعراض فسقاً.

﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي المعرضين عن أمر الله، فإنّ ذلك لا يستهان به لأنّه يؤدّي إلى الرين على القلب فلا ينفذ إليه الهدى من بعدُ فلا تكونُوهم وكونوا من المهتدين.

هذا تفسير الآيات توخّيتُ فيه أوضح المعاني وأوفقها بالشريعة، وأطلت في بيان ذلك لإزالة ما غمض من المعاني تحت إيجازها البليغ.

وقد نقل الطيبي عن الزجّاج أنّ هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب.

وقال الفخر: رَوَى الواحدي عن عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام.

وقال ابن عطية عن مكّي بن أبي طالب: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً.

قال ابن عطية: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها.

وذلك بيّن من كتابه.

ولقصد استيفاء معاني الآيات متتابعة تجنّبت التعرّض لما تفيده من الأحكام واختلاف علماء الإسلام فيها في أثناء تفسيرها.

وأخّرت ذلك إلى هذا الموضع حين انتهيت من تفسير معانيها.

وقد اشتملت على أصلين: أحدهما الأمر بالإشهاد على الوصية، وثانيهما فصل القضاء في قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء مع أولياء بديل بن أبي مريم.

فالأصل الأول: من قوله تعالى: ﴿ شهادة بينكم ﴾ إلى قوله ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ .

والأصل الثاني: من قوله: ﴿ فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً ﴾ إلى قوله ﴿ بعد أيمانهم ﴾ .

ويحصل من ذلك معرفة وجه القضاء في أمثال تلك القضية ممّا يتّهم فيه الشهود.

وقوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية بيان لكيفية الشهادة، وهو يتضمّن الأمر بها، ولكن عدل عن ذكر الأمر لأنّ الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محلّ ثقتهم.

وأهمّ الأحكام التي تؤخذ من الآية ثلاثة: أحدها: استشهاد غير المسلمين في حقوق المسلمين، على رأي من جعله المراد من قوله ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وثانيها: تحليف الشاهد على أنّه صادق في شهادته.

وثالثها: تغليظ اليمين بالزمان.

فأمّا الحكم الأول: فقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ .

وقد بيّنا أنّ الأظهر أنّ الغيرية غيرية في الدين.

وقد اختلف في قبول شهادة غير المسلمين في القضايا الجارية بين المسلمين؛ فذهب الجمهور إلى أنّ حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ [الطلاق: 2] وقوله ﴿ ممّن ترْضَوْن من الشهداء ﴾ [البقرة: 282] وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.

وذهب جماعة إلى أنّ الآية محكمة، فمنهم من جعلها خاصّة بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون.

وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه، أيام قضائه بالكوفة، وقال: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيّب، وابن جبير، وشريح، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسدّي، وسفيان الثوري، وجماعة، وهم يقولون: لا منسوخ في سورة المائدة، تبعاً لابن عباس.

ومنهم من تأوّل قوله ﴿ من غيركم ﴾ على أنّه من غير قبيلتكم، وهو قول الزهري، والحسن، وعكرمة.

وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة الوصية، فقال بأنّ شهادة أهل الذمّة على المسلمين في السفر ماضية، وزاد فجعلها بدون يمين.

والأظهر عندي أنّ حكم الآية غير منسوخ، وأنّ قبول شهادة غير المسلمين خاصّ بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة، وأنّ وجه اختصاص الوصية بهذا الحكم أنّها تعرض في حالة لا يستعدّ لها المرء من قبلُ فكان معذوراً في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات، بخلاف غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثّق لها بغير ذلك؛ فكان هذا الحكم رخصة.

والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلاّ في الضرورة، عند من رأى إعمالها في الضرورة، أنّ قبول الشهادة تزكية وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مَقطَعاً للحقوق.

فقد كان بعض القضاة من السلف يقول للشهود: اتّقوا الله فينا فأنتم القضاة ونحن المنفّذون.

ولمّا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس إلى اتّباع دينه فأعرض عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلاً لأن تزكّيهم أمّته وتسمهم بالصدق وهم كذّبوا رسولنا، ولأنّ من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب في خبره، ولا لمجال التضييق والتوسّع في أعماله الناشئة عن معتقداته، إذ لعلّ في دينه ما يبيح له الكذب، وبخاصّة إذا كانت شهادته في حقّ لمن يخالفه في الدين، فإنّنا عهدنا منهم أنّهم لا يتوخّون الاحتياط في حقوق من لم يكن من أهل دينهم.

قال تعالى حكاية عنهم «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين (أي المسلمين) سبيل» فمن أجل ذلك لم يكن مظنّة للعدالة ولا كان مقدارها فيه مضبوطاً.

وهذا حال الغالب منهم، وفيهم من قال الله في شأنه ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ﴾ [آل عمران: 75] ولكن الحكم للغالب.

وأمّا حكم تحليف الشاهد على صدقه في شهادته: فلم يرد في المأثور إلاّ في هذا الموضع؛ فأمّا الذين قالوا بنسخ قبول شهادة الكافر فتحليف شاهدي الوصية الكافرين منسوخ تبعاً، وهو قول الجمهور.

وأمّا الذين جعلوه محكَماً فقد اختلفوا، فمنهم من خصّ اليمين بشاهدي الوصية من غير المسلمين، ومنهم من اعتبر بعلّة مشروعية تحليف الشاهدين من غير المسلمين، فقاس عليه تحليف الشاهدين إذا تطرّقت إليهما الريبة ولو كانا مسلمين.

وهذا لا وجه له إذ قد شرط الله فيهما العدالة وهي تنافي الريبة، نعم قد يقال: هذا إذا تعذّرت العدالة أو ضعفت في بعض الأوقات ووقع الاضطرار إلى استشهاد غير العدول كما هي حالة معظم بلاد الإسلام اليومَ، فلا يبعد أن يكون لتحيلف الشاهد المستور الحال وجهٌ في القضاء.

والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.

وأمّا حكم تغليظ اليمين: فقد أخذ من الآية أنّ اليمين تقع بعد الصلاة، فكان ذلك أصلاً في تغليظ اليمين في نظر بعض أهل العلم، ويجيء في تغليظ اليمين أن يكون بالزمان والمكان واللفظ.

وفي جميعها اختلاف بين العلماء.

وليس في الآية ما يتمسّك به بواحد من هذه الثلاثة إلاّ قوله: ﴿ من بعد الصلاة ﴾ وقد بيّنتُ أنّ الأظهر أنّه خاصّ بالوصية، وأمّا التغليظ بالمكان وباللفظ فتفصيله في كتب الخلاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِالحُقُوقِ عِنْدَ الحُكّامِ.

والثّانِي: أنَّها شَهادَةُ الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ، ومَعْنى ذَلِكَ أيْمانٌ بَيْنَكم، فَعَبَّرَ عَنِ اليَمِينِ بِالشَّهادَةِ كَما قالَ في أيْمانِ المُتَلاعِنِينَ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِن حَيِّ المُوصِي، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةُ وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما شاهِدانِ يَشْهَدانِ عَلى وصِيَّةِ المُوصِي.

والثّانِي: أنَّهُما وصِيّانِ.

﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن غَيْرِ دِينِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم وعَشِيرَتِكم، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعُبَيْدَةُ.

وَفي ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ في قَبُولِ اثْنَيْنِ مِنّا أوْ آخَرِينَ مِن غَيْرِنا.

والثّانِي: أنَّها لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ، وإنَّ مَعْنى الكَلامِ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا، مِنكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

﴿ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي سافَرْتُمْ.

﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ ﴾ يَعْنِي تَسْتَوْقِفُونَهُما لِلْأيْمانِ وهَذا خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ، وفي هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، قالَهُ شُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما ومِلَّتِهِما مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

﴿ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ مَعْناهُ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الوَصِيّانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما في الخِيانَةِ أحْلَفَهُما الوَرَثَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما الشّاهِدانِ إنِ ارْتَبْتُمْ بِهِما، ولَمْ تُعْرَفْ عَدالَتُهُما، ولا جَرْحُهُما، أحْلَفَهُما الحاكِمُ لِيَزُولَ عَنْهُ الِارْتِيابُ بِهِما، وهَذا إنَّما جَوَّزَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نَأْخُذُ عَلَيْهِ رِشْوَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا نَعْتاضُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ أيْ لا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ، والشَّهادَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَنا فِيما أوْجَبَهُ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ يَعْنِي فَإنْ ظَهَرَ عَلى أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَعَبَّرَ عَنِ الكَذِبِ بِالخِيانَةِ والإثْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُما.

وَفي الَّذِينَ: ﴿ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما الشّاهِدانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما الوَصِيّانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ فَآخَرانِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الوَرَثَةِ.

﴿ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ في اليَمِينِ، حِينَ ظَهَرَتِ الخِيانَةُ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مِنَ الوَرَثَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الأوْلَيانِ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ.

وَكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، وقالُوا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا: ﴿ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴾ وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ » ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ هاتِينِ الآيَتَيْنِ هَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ ثابِتٌ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ حُكْمُهُما مَنسُوخٌ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَكُنِ الإسْلامُ إلّا بِالمَدِينَةِ فَجازَتْ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ وهو اليَوْمُ طِبْقَ الأرْضِ.

وَقالَ الحَسَنُ: حُكْمُهُما ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: «برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.

قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره.

قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ إلى قوله: ﴿ أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء» .

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله: ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام وفيه نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: «كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات، فتحا متاعه، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا، فقالوا لهما: هذا كتابه بيده!

قالوا: ما كتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ إلى قوله: ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، ثم قال: يا رسول الله، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها، فهب لي قريتين من بيت لحم- وهي القرية التي ولد فيها عيسى- فكتب له بها كتاباً، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أنا حاضر ذلك فدفعها إليه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ شهادة بينكم ﴾ مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هذا لمن مات وعنده المسلمون، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال: ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله تعالى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، فتترك شهادة الكافرين، ويحكم بشهادة الأوليان، فليس على شهود المسلمين أقسام، إنما الأقسام إذا كانا كافرين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل الإسلام ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير أهل الإسلام، وفي قوله: ﴿ فيقسمان بالله ﴾ يقول: يحلفان بالله بعد الصلاة.

وفي قوله: ﴿ فآخران يقومان مقامهما ﴾ قال: من أولياء الميت فيحلفان ﴿ بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ يقول: فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان.

وفي قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله، وتبطل شهادة الكافرين.

وهي منسوخة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة: أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً، فإذا حلف برئ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله: ﴿ ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ قال: أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر قال: وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير المسلمين من أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من أهل دينكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي.

أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها وصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ شهادة بينكم ﴾ الآية.

كلها قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها.

وأخرج ابن جرير عن الزبير قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من المسلمين من غير حيه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه ﴿ إثنان ذوا عدل منكم ﴾ قال: من قبيلتكم ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ قال: من غير قبيلتكم، ألا ترى أنه يقول ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ كلهم من المسلمين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال: سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت: أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟

ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟

قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه مختلف فيها رأيهم، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي أن المسلمين ﴿ يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله: ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال: صلاة العصر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا نشتري به ثمناً ﴾ قال: لا نأخذ به رشوة ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ وإن كان صاحبها بعيداً.

وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ ولا نكتم شهادة ﴾ يعني بقطع الكلام منوّناً ﴿ الله ﴾ بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ يقول هو القسم.

وأخرج عن عاصم ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ مضاف بنصب شهادة، ولا ينون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ بفتح التاء.

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ قال عمر: كذبت.

قال: أنت أكذب.

فقال الرجل: تكذب أمير المؤمنين!

قال: أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله.

فقال عمر: صدق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها ﴿ الأوليان ﴾ وقال: هما الوليان.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ من الذين استحق عليهم الأولين ﴾ ويقول: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ﴿ من الذين استحق ﴾ برفع التاء وكسر الحاء ﴿ عليهم الأولين ﴾ مشددة على الجماع.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ الأوليان ﴾ قال: الميت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ يقول: وأن يخافوا العنت.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ واتقوا الله واسمعوا ﴾ قال: يعني القضاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ قال: الكاذبين الذين يحلفون على الكذب.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ﴾ ، أشار بقوله: (ذلك) إلى ما حكم به في هذه القصة وبينه من رد اليمين، والمعنى: ذلك الذي حكمنا به أدنى إلى الإتيان بالشهادة وأقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على ما كانت، يعني تميمًا وصاحبه وكل من قام مقامهما من الخصوم، ولهذا المعنى جمع.

وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَخَافُوا ﴾ ، أي: أقرب إلى أن يخافوا (١) ﴿ أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ ﴾ على أولياء الميت (٢) ﴿ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا وُيغرّموا، فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم (٣) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، أن تحلفوا أيمانًا كاذبة وتخونوا أمانة (٤) ﴿ وَاسْمَعُوا ﴾ ، الموعظة (٥) ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يرشد من كان على معصيته (٦) (١) "معاني الزجاج" 2/ 217، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، الطبري 7/ 122، "زاد المسير" 2/ 453.

(٣) "تفسير الطبري" 7/ 122 - 123، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 123، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 123، "تفسير الوسيط" 2/ 243.

(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ﴾ .

قال مكي: هذه الآية أشكل آية من القرآن إعراباً، ومعنى، وحكماً، ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها أنّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجل آخر بتجارة، فمرض في الطريق فكتب كتاباً قيد فيه كل ما معه، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفعا رحله إلى ورثته، فوجودوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لا ندري هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي الأمر مدّة، ثم عثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وجده عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا، فمعنى الآية: إذا حضر الموت أحد في السفر، فليشهد عدلين بما معه، فإن وقعت ريبة في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدّلا، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما إعراب الآية، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره: اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو مقيم ضهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن يكون بمنزلة حين لا تحتاج جواباً، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها فإنّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، فينبغي أن يشهد حين الوصية، ظرف العامل فيه حصر، ويكون بدلاً من إذا ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ صفة للشاهدين منكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قيل: معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ومن غيركم، من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور: منكم أي من المسلمين، ومن غيركم من الكفار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفار أصلاً؟

وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي محكمة، وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في السفر، وهو قول ابن عباس ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ أي سافرتم، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعتراض بين الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض، وحلول الموت في السفر، وقال الزمخشري: تحبسونهما استئناف كلام ﴿ مِن بَعْدِ الصلاة ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان، وقال: من حلف على سلعة بعد صلاة العصر، وكان التحليف بعدها معروف عندهم، وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يعظمان صلاة العصر ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله ﴾ أي يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد استحلفهما عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ أي شككتم في صدقهما أو أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف يدل عليه يقسمان ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ هذا هو المقسوم عليه، والضمير في به للقسم، وفي كان للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم ﴿ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها إلى الله تعظيماً لها ﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً ﴾ أي إن طلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما، والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ أي اثنان من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في اليمين ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم أو المال ومعناه من الذي جنى عليهم وهم أولياء الميت ﴿ الأوليان ﴾ تثية أولى بمعنى أحق: أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما، والأحقان بالمال: لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان، وأجازه ابن عطية، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل، فالأوليان فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه، والأوليان على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة، وقرئ الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم، أو منصوباً بإضمار فعل ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق الشهادة ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما ﴾ اي يحلف هذان الآخران أن شهادتهما أحق: أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن اعتدينا، فإنا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين ﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾ الإشارة بذلك إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى وجهها أي كما وقعت من غير تغيير ولا تبديل أو يخافوا ﴿ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أيمانهم ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ...

﴾ الآية.

اختلف فيه: عن قتادة قال: رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: عندها تصبر الأيمان.

﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ ، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين.

﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ من المسلمين، ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الكتاب إذا كان ببلد لا يجد إلا هؤلاء.

وعن الحسن قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ : أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان.

فإن قال قائل: خاطب الله - عز وجل - المؤمنين جملة بقوله: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من غير عشيرتكم، وكيف لا؟

انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟

فنقول سبحان الله!!

ما أعظم هذا القول!!

يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل لله بالولد والشريك، هذا مما لا يحتمل.

وقال - أيضاً -: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي لها بقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً  ﴾ دل أنه لا يحتمل ما ذكروا.

وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قال: إذا حضر المسلم الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته فاتهموا حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا وأخذوه.

وبعض الناس يجيزون النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية.

وقال مجاهد: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ : من غير ملتكم.

وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى [الأشعري]، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله ما اشتريتما به ثمناً قليلا، ولا كتما شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين.

ثم قال أبو موسى [الأشعري]: والله، إن هذه لقصة ما قضي بها منذ مات رسول الله  إلى اليوم.

قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعاً، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إلى من أشهد على ما قبضتما.

فلم يجدا أحداً من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناساً من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما به.

فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا.

ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثماً، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود -  -: ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾ .

ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا بالله: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى [حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى].

وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان.

فإن ثبت هذا عن ابن مسعود -  - فهو خلاف ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي عَلَيْهِ" وهو - أيضاً - غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود،  .

وعن ابن عباس قال: كان رجل يقال له: تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة، فاستحلفهما رسول الله  ما كتمتما ولا اطلعتما.

ثم عُرِفَ الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيه نزلت هذه الآية.

وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس في الآية نسخ، ولا فيها [ما يخالف] الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئاً، كان سبيل الكفار كذلك.

وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانيين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ فمعنى الآية على هذا التأويل، - والله أعلم - أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ على هذا التأويل هو المدعى عليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

يريد - والله أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم [بشيء] جحداه: أنه من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - والله أعلم - أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء الله - معنى ما روي عن ابن عباس -  - وإن لم يذكر تفسير قوله: ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ وهو - والله أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة.

وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك.

ويمكن أن يكون تأويل الآية: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ  ﴾ الآية، هذا في السفر والحضر.

وفي الدين وغير الدين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ .

فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ ﴾ ؟

[المائدة: 108].

قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: [قد] ردت ما كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان أحرى أن يقول حذراً من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفاً من الإثم في اليمين فتبين خيانته.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؟

قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل الخصم ذلك.

أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ابن عباس،  - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك تغليظاً عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذا كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

قال بعضهم: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين.

قال القتبي: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: ظهر.

وقال: أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثراً [وقوله]، وكذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ويقال: أعثرت فلانا على سرّ فلان، أي: أعلمته.

ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: ﴿ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ ﴾ مواعظه ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبداً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك المذكور من تحليف الشاهدَيْن بعد الصلاة عند الشك في شهادتهما، ومِنْ ردِّ شهادتهما وأقرب إلى إتيانهما بالشهادة على الوجه الشرعي للإتيان بها، فلا يحرفان الشهادة أو يبدلانها أو يخونان، وأقرب إلى أن يخافا أن ترد أيمان الورثة بعد أيمانهما، فيحلفون على خلاف ما شهدا به فَيَفْتَضِحَان، واتقوا الله بترك الكذب والخيانة في الشهادة واليمين، واسمعوا ما أُمِرْتُمْ به سماعًا يصحبه قبول، والله لا يوفق الخارجين عن طاعته.

من فوائد الآيات إذا ألزم العبد نفسه بطاعة الله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بحسب طاقته، فلا يضره بعد ذلك ضلال أحد، ولن يُسْأل عن غيره من الناس، وخاصة أهل الضلال منهم.

الترغيب في كتابة الوصية، مع صيانتها بإشهاد العدول عليها.

بيان الصورة الشرعية لسؤال الشهود عن الوصية.

<div class="verse-tafsir" id="91.BdLB1"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل