الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٩٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ الآية.
قال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعها (١) (٢) (٣) والبيت الحرام معناه: أن الله تعالى: حرم أن يصاد عنده وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يعضد شجره وما عظم من حرمته (٤) ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم (٥) وقال سعيد بن جبير: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ صلاحًا لدينهم (٦) (٧) ويؤكد هذا التفسير قول عطاء في هذه الآية: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ ولو تركوا عامًا واحداً لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا (٨) (٩) وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعنى: القيام ههنا يراد به القِوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله حج الكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم، فاستتبت معايشهم به واستقامت أحوالهم لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة وأنواع البركة (١٠) (١١) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ في سورة النساء (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ﴾ ، ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت؛ لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته وذكرت معه.
وهذا طريق في تفسير الآية، وقال كثير من المفسرين: هذا إخبار عما جعله الله تعالى في الجاهلية من أمر الكعبة (١٤) قال ابن عباس: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ أي أمنًا للناس، وكان أهل الجاهلية يأمنون فيه، فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله ولا هيَّجه، وكانوا لا يغزون في الشهر الحرام، وكانوا ينضلون فيه الأسنة، ويبذعز (١٥) (١٦) وقال قتادة: وكان هذا في الجاهلية، لو جنى الرجل كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتل أبيه في الحرم ما مسه، ولو لقي الهدي مقلدًا وهو يأكل العصب من الجوع ما مسه (١٧) (١٨) وعلى هذا التفسير القيام مصدر، والمعنى أن الكعبة جعلها الله أمنًا للناس، بها يقومون أي يأمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا.
ذكره أبو إسحاق (١٩) وشرح عبد الله بن مسلم (٢٠) (٢١) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ ، وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرِّحَل وتوزعتهم النُّجَعُ وانبسطوا في متاجرهم فأمنوا على أموالهم وأنفسهم.
وإذا أهدى الرجل هديًا أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم أمن كيف تَصَرَّف (٢٢) (٢٣) أحدهما: أن الله امتن على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحًا لدينهم ودنياهم، وقيامًا لهما بها.
والثاني: أنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية، قال أبو بكر: والقيام يقال في تفسيره غير وجه: منها: الأمن، لأن الناس يقومون بالأمن ويصلح شأنهم من جهته، ويقال للقيام: العصمة، من قولهم: فلان يقوم على القوم إذا كان يكفل بمؤوناتهم، وهذا قول الربيع بن أنس في قوله: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قال: عصمة لهم (٢٤) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ أي صلاحًا ومعاشًا (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ ، أراد الأشهر الحرم الأربعة، وخرج مخرج الواحد؛ لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الأول لجعل، ومثل ذلك: ظننت زيدًا منطلقًا وعمرًا، وذكرنا معنى الهدي والقلائد في أول السورة (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ﴾ إلى آخرها، لم أر للمفسرين فيه شيئًا، وذكر أصحاب المعاني فيه قولين: أحدهما: أن الإشارة في قوله: (ذلك) إلى ما ذُكِر في هذه الآية من جعل الكعبة صلاحًا وأمنًا وقوامًا للناس، وهو قول ابن قتيبة (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقال أبو علي: أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والأرض، وما يجري عليه شأنهم ومعايشهم، وغير ذلك مما يصلحهم، وأن الله بكل شيء يصلحهم، ويقيمهم عليه (٣٢) وقال الزجاج في أحد القولين: إن الله جل وعز لما آمن من الخوف في البلد الحرام، والناس يقتل بعضهم بعضًا وجعل الشهر الحرام يُمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، دل بذلك أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض إذ (٣٣) (٣٤) وقال أبو بكر: جعل الله هذا الوقت يؤمن فيه، وهذا البلد لا يسفك فيه دم عند المشركين الذين لا يقرؤون كتابًا ولا يدينون بدين، فيعظمونهما غير عابدين لله عز وجل ولا مصدقين لأنبيائه، يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية في أرض ولا في سماء (٣٥) والقول الثاني: أن الإشارة في قوله: (ذلك) يعود إلى ما ذكر في هذه السورة من الأنباء والقصص، قال ابن الأنباري: إن الله تعالى خبرَّ في هذه السورة من أخبار الأنبياء وتُبَّاعهم بغيوب كثيرة، وأطع نبيه والمسلمين على أشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عنهم، مثل قوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ وغير ذلك، فلما دل على غيوب لم تكن تُعلَم قبل نزول السورة قال: (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم عن الله تعالى، ويدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه عازبة (٣٦) (٣٧) (١) أخرجه الطبري 7/ 76 عن مجاهد وعكرمة، "معاني الزجاج" 2/ 210.
(٢) "تفسيره" 1/ 507.
(٣) "النكت والعيون" 2/ 69، والبغوي 3/ 103، 104، و"اللسان" 1/ 718، 719 (كعب).
(٤) "تفسير الطبري" 7/ 76، "النكت والعيون" 2/ 69.
(٥) أخرجه الطبري 7/ 77، و"الدر المنثور" 2/ 588.
(٦) أخرجه الطبري 7/ 77، و"النكت والعيون" 2/ 69.
(٧) "تفسير الطبري" 7/ 76 - 78، "النكت والعيون" 2/ 69.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.
(١٠) انظر: الطبري 7/ 76، "بحر العلوم" 1/ 460، "الوسيط" 2/ 231، "زاد المسير" 2/ 430.
(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 231.
(١٢) الآية رقم (5) من النساء.
(١٣) "تفسير الطبري" 7/ 76.
(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 77.
(١٥) هكذا هذه الكلمة في النسختين.
وقد تكون: وينبعث.
(١٦) أخرجه الطبري 7/ 78 نحوه عن قتادة وابن زيد، "زاد المسير" 2/ 430.
(١٧) أخرجه الطبري 7/ 77 - 78 بمعناه.
(١٨) تفسيره 1/ 507.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.
(٢٠) ابن قتيبة في المشكل.
(٢١) في المشكل: السبل.
(٢٢) في (ش): يصرف.
وما أثبته من (ج) موافق لما في المشكل.
(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 73، 74.
(٢٤) لم أقف عليه.
(٢٥) "زاد المسير" 2/ 430، 431.
(٢٦) عند تفسير الآية الثانية من هذه السورة (المائدة).
(٢٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 73، 74.
(٢٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 260.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.
(٣٠) في (ش): (ومنافعهم) وما أثبته هو المطابق لما في "تأويل مشكل القرآن".
(٣١) "تأويل مشكل القرآن" ص 74.
(٣٢) "الحجة" 3/ 260.
(٣٣) في (ج): (إذا).
(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.
(٣٥) "زاد المسير" 2/ 431.
(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 210، "زاد المسير" 2/ 431.
(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.
<div class="verse-tafsir"