الآية ٩٧ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩٧ من سورة المائدة

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، (94) ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم=" والشهر الحرام والهدي والقلائد "، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض, إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره, وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم.

* * * و " الكعبة "، سميت فيما قيل " كعبة " لتربيعها.

* * * * ذكر من قال ذلك: 12780 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إنما سميت " الكعبة "، لأنها مربعة.

12781 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هاشم بن القاسم, عن أبي سعيد المؤدب, عن النضر بن عربي, عن عكرمة قال : إنما سميت " الكعبة "، لتربيعها.

(95) * * * وقيل " قيامًا للناس " بالياء, وهو من ذوات الواو, لكسرة القاف، وهي" فاء " الفعل, فجعلت " العين " منه بالكسرة " ياء ", كما قيل في مصدر: " قمت "" قيامًا " و " صمت "" صيامًا ", فحوّلت " العين " من الفعل: وهي" واو "" ياء " لكسرة فائه.

وإنما هو في الأصل: " قمت قوامًا ", و " صمت صِوَامًا "، وكذلك قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، فحوّلت، واوها ياء, إذ هي" قوام ".

(96) وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله قال الراجز: (97) قَِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين (98) فجاء به بالواو على أصله.

* * * وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهرَ الحرام والهديَ والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظّمه، (99) بمنـزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تُبَّاعه.

وأما " الكعبة "، فالحرم كله.

وسمّاها الله تعالى " حرامًا "، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها، أو يُعْضد شجرها، (100) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل.

(101) * * * وقوله: " والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يقول تعالى ذكره: وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضًا قيامًا للناس, كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قيامًا.

* * * و " الناس " الذين جعل ذلك لهم قيامًا، مختلفٌ فيهم.

فقال بعضهم: جعل الله ذلك في الجاهلية قيامًا للناس كلهم.

* * * وقال بعضهم: بل عنى به العربَ خاصة.

* * * وبمثل الذي قلنا في تأويل " القوام "، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، القوام، على نحو ما قلنا.

12782 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا من سمع خُصَيفًا يحدث، عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قوامًا للناس.

12783 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن خصيف, عن سعيد بن جبير: " قيامًا للناس "، قال: صلاحًا لدينهم.

12784- حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا داود, عن ابن جريج, عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: حين لا &; 11-92 &; يرْجون جنة ولا يخافون نارًا, فشدّد الله ذلك بالإسلام.

12785- حدثني هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جبير قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: شدةً لدينهم.

12786- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جيير, مثله.

12787 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قيامها، أن يأمن من توجَّه إليها.

12788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يعني قيامًا لدينهم, ومعالم لحجهم.

12789 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، جعل الله هذه الأربعةَ قيامًا للناس, هو قوام أمرهم.

* * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، (102) فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن " القوام " للشيء، هو الذي به صلاحه, كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، (103) لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم.

وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية, وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 12790 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، (104) فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب.

وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه.

وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس.

وكان إذا نفر تقلَّد قلادة من الإذْخِر أو من لِحَاء السمُر, فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، (105) حواجزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.

12791- حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، قال: كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض.

قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض, فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به, والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد.

قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له.

وهذا كله قد نُسِخ.

12792 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والقلائد "، كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ, فيعرفون بذلك.

* * * وقد أتينا على البيان عن ذكر: " الشهر الحرام "= و " الهدي"= و " القلائد "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(106) * * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد.

يقول تعالى ذكره: صيرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم, علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم, ولتعلموا أنه بكل شيء " عليم ", لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم, وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته.

(107) ----------------- الهوامش : (94) انظر تفسير"جعل" فيما سلف 3: 18.

(95) الأثر: 12781-"هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي""أبو النضر" الإمام الحافظ مضى برقم: 184 ، 8239.

و"أبو سعيد المؤدب" هو: "محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي" ثقة مأمون مضى برقم 8239 ، 12310.

(96) انظر تفسير"قيام" فيما سلف 7: 568 ، 569.

(97) هو حميد الأرقط.

(98) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 177.

(99) في المطبوعة: "يحترم ذلك" وصوابه من المخطوطة وفي المخطوطة: "ويعطيه" وصوابه ما في المطبوعة.

(100) "الخلي": الرطب الرقيق من النبات.

و"اختلى الخلي": جزه وقطعه ونزعه.

و"عضد الشجرة" قطعها.

(101) انظر ما سلف 3: 45- 51.

(102) في المخطوطة والمطبوعة: "من قائلها" بالإفراد وما أثبته أولى بالصحة.

(103) في المطبوعة: "كالملك" والصواب الجيد ما في المخطوطة.

(104) عندي أن الصواب"ألقاها الله" باللام في هذا الموضع ، والذي يليه ، ولكن هكذا هي في المخطوطة.

(105) "الإذخر": حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ويطحن فيدخل في الطيب.

و"اللحاء" قشر الشجر.

و"السمر" (بفتح السين وضم الميم): شجر من الطلح.

(106) انظر تفسير"الشهر الحرام" فيما سلف 3: 575- 579/4: 299 ، 300 وما بعدها/9: 466= وتفسير"الهدي" فيما سلف 4: 24 ، 25/9: 466/11: 22= وتفسير"القلائد" فيما سلف 9: 467- 470.

(107) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليمفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم ، وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة وقيل : إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها ، فكل ناتئ بارز كعب ، مستديرا كان أو غير مستدير ، ومنه كعب القدم وكعوب القناة ، وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها ، والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار ، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن ، وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه ; قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله .الثانية : قوله تعالى : قياما للناس أي : صلاحا ومعاشا ، لأمن الناس بها ; وعلى هذا يكون قياما بمعنى يقومون بها .

وقيل : قياما أي : يقومون بشرائعها .وقرأ ابن عامر وعاصم " قيما " وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، وقد قيل : " قوام " .

قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس ، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر ، والسلب والغارة والقتل والثأر ، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية ، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه [ ص: 248 ] الحال ووازع يحمد معه المآل .

قال الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة فأمرهم الله سبحانه بالخلافة ، وجعل أمورهم إلى واحد يزعهم عن التنازع ، ويحملهم على التآلف من التقاطع ، ويرد الظالم عن المظلوم ، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه .

روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن ; ذكره أبو عمر رحمه الله .

وجور السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة ; فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة ، لتجري على رأيه الأمور ، ويكف الله به عادية الجمهور ; فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه .

قال الله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم .

قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ، ولا يناله كل خائف جعل الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي :الثالثة : وهو اسم جنس ، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب ، فقرر الله في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أي : نفسا - ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه .

واقتطعوا فيها ثلث الزمان ، ووصلوا منها ثلاثة متوالية ، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة ، وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام ، وهو شهر رجب الأصم ويسمى مضر ، وإنما قيل له : رجب الأصم ; لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ، ويسمى منصل الأسنة ; لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ، وهو شهر قريش ، وله يقول عوف بن الأحوص :وشهر بني أمية والهدايا إذا سيقت مضرجها الدماءوسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله ; أي : شهر آل الله ، وكان يقال لأهل الحرم : آل الله ، ويحتمل أن يريد شهر الله ; لأن الله متنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه ، وسيأتي في " براءة " أسماء الشهور إن شاء الله .

ثم يسر لهم الإلهام ، وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد وهي :الرابعة : فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما ، أو علقوا عليه نعلا ، أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد على - ما تقدم بيانه أول السورة - لم يروعه أحد حيث لقيه ، وكان الفيصل بينه [ ص: 249 ] وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام ، فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق إلى نصابه ، فأسندت الإمامة إليه ، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية ، وقد مضى في " البقرة " أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها .الخامسة : قوله تعالى : ذلك لتعلموا ذلك إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما ; والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه جعل { الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ } يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم - من أجله - الأهوال.

ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية.

قال تعالى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } ومن أجل كون البيت قياما للناس قال من قال من العلماء: إن حج بيت الله فرض كفاية في كل سنة.

فلو ترك الناس حجه لأثم كل قادر، بل لو ترك الناس حجه لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة.

وقوله: { وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ } أي: وكذلك جعل الهدي والقلائد -التي هي أشرف أنواع الهدي- قياما للناس، ينتفعون بهما ويثابون عليهما.

{ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فمن علمه أن جعل لكم هذا البيت الحرام، لما يعلمه من مصالحكم الدينية والدنيوية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام ) قال مجاهد : سميت كعبة لتربيعها ، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ، قال مقاتل : سميت كعبة لانفرادها من البناء ، وقيل : سميت كعبة لارتفاعها من الأرض ، وأصلها من الخروج والارتفاع ، وسمي الكعب كعبا لنتوئه ، وخروجه من جانبي القدم ، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها : تكعبت .

وسمي البيت الحرام : لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض " ( قياما للناس ) قرأ ابن عامر ( قيما ) بلا ألف ، والآخرون : " قياما " بالألف ، أي : قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم ، أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك ، وأما الدنيا فيما يجبى إليه من الثمرات ، وكانوا يأمنون فيه من النهار والغارة فلا يتعرض لهم أحد في الحرم ، قال الله تعالى : ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ( العنكبوت ) ( والشهر الحرام ) أراد به الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها القتال ، ( والهدي والقلائد ) أراد أنهم كانوا يؤمنون بتقليد الهدي ، فذلك القوام فيه .

( ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ) فإن قيل : أي اتصال لهذا الكلام بما قبله ؟

قيل : أراد أن الله عز وجل جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض ، وقال الزجاج : قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن الأسرار ، مثل قوله ( سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ) ، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك ، فقوله ( ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) راجع إليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«جعل الله الكعبة البيت الحرام» المحرم «قياما للناس» يقوم به أمر دينهم بالحج إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه، وفي قراءة قيما بلا ألف مصدر قام غير معل «والشهر الحرام» بمعنى الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قياما لهم بأمنهم من القتال فيها «والهدي والقلائد» قياما لهم بأمن صاحبهما من التعرض له «ذلك» الجعل المذكور «لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم» فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

امتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم؛ وذلك حيث آمنوا بالله ورسوله وأقاموا فرائضه، وحرَّم العدوان والقتال في الأشهر الحرم (وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) فلا يعتدي فيها أحد على أحد، وحرَّم تعالى الاعتداء على ما يُهدَى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحرَّم كذلك الاعتداء على القلائد، وهي ما قُلِّد إشعارًا بأنه بقصد به النسك؛ ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض، وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا النهي الشديد للمحريمن عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين - سبحانه - المنزلة السامية للكعبة التي هي أشرف مكان ، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم كما بين - سبحانه - مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم - فقال - تعالى - :( جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً .

.

.

)قال الفخر الرازي : " اعلم أن اتصال هذه الآي - ( جَعَلَ الله الكعبة ) بما قبلها هو أن الله - تعالى - حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم .

فبين أن الحرم أنه سبب لأمن الوحش والطير .

فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة .والكعبة في اللغة : البيت المكعب أي المربع .

وقيل المرتفع .قال القرطبي : وقد سميت الكعبة كعبة ، لأنها مربعة .

.

وقيل : إنما سميت كبعة لنتوئها وبروزها ، فكل نأتئ بارز كعب ، ومنه كعب القدم وكعوب الفتاة ، وكعب ثدى المرأة إذا ظهر في صدرها .وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين أولهما الكعبة وثانيهما قياما ويحتمل أن يكون بمعنى خالق أو شرع فيتعدى لواحد وهو الكعبة ويكون قوله : ( قياما ) حال من البيت الحرام .والبيت الحرام : بدل من الكعبة أو عطف بيان جيء به على سبيل المدح والتعظيم ووصف بالحرام إيذانا بحرمته وإشعاراً بشرفه ، حيث حرم - سبحانه - القتل فيه ، وجعله مكان أمان الناس واطمئنانهم .وقوله ( قياما ) أصله قواماً فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .والقيام والقوام ما به صلاح الشيء ، كما يقال : الملك العادل قوام رعيته .

لأنه يدبر أمرهم ويردع ظالمهم ، ويحجز قويهم عن ضعيفهم ، ومسيئتهم عن محسنهم .والمراد بالشهر الحرام : الأشهر الحرم على إرادة الجنس وهي : ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب .وقيل المراد به شهر ذي الحجة فحسب ، لأنه هو الذي تؤدي فيه فريضة الحج ، فالتعريف للعهد وليس للجنس .والهدى : اسم لما يهدي إلى الحرم من حيوان ليتقرب بذبحه إلى الله تعالى - وهو جمع هدية - بسكون الدال - .والقلائد جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدي إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء .فالمراد بالقلائد هنا الحيوانات ذوات القلائد التي تساق إلى الحرم لذبحها فيه ، فيكون ذكر القلائد بعد الهدى من باب التخصيص بالذكر على سبيل الاهتمام بشأنها ، لأن الثواب فيها أكثر .وقيل المراد بها : ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من غيره في أعناقهم عندما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء .وقوله : ( والشهر الحرام والهدي والقلائد ) معطوف على ما قبله وهو الكعبة .والمعنى : اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده أن يصير الكعبة التي هي البيت الحرام ( قِيَاماً لِّلنَّاسِ ) أي قوامهم في إصلاح أمورهم دينا ودنيا ، وكذلك جعل الأشهرا الحرم والهدى وخصوصاً ما يقلد منه قياماً للناس أيضاً .وذلك لأن البيت الحرام الذي يأتي الناس إليه من كل فج عميق ، يجدون في رحابه ما يقوى إيمانهم ، ويرفع درجاتهم ، ويغسل سيئاتهم ، ويصلح من شئون دنياهم عن طريق تبادل المنافع ، وبذل الأموال ، والشعور بالأمان والاطمئنان ، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التي ترضي الله - تعالى - ، وتجعلهم أهلا لفضله ورحمته .ولأن الأشهر الحرم تأتي للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها ، فتهدأ نفوسهم ، ويحصل التآلف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادي ولأن الهدى والقلائد التي يسوقها المحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء .

وإشاعة روح المحبة والتسامح والإِخاء .ورحم الله الإِمام القرطبي حيث يقول : " والحكمة في جعل الله - تعالى - هذه الأشياء قياما للناس ، أن الله - سبحانه - خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب والغارة .

فلم يكن بد في الحكمة الإِلهية من وازع يزعهم - أي يزجرهم - عن التنازع ، ويحملهم على التآلف ، ويرد الظالم عن المظلوم ، فقد روى مالك أن عمثان بن عفان كان يقول : " ما يزع الإِمام أكثر مما يزع القرآن " .فجعل - سبحانه - الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه .ولما كان لهذا البيت موضعا مخصوصا - ومكانا معينا - لا يدركه كل مظلوم ، فقد جعل - سبحانه - الأشهر الحرم ملجأ آخر .

وقرر في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعن فيها سربا - أي نفسا - ولا يطلبون فيها دما ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه .

ثم شرع لهم الهدى والقلائد ، فكانوا إذا أخذوا بعيرا وأشعروه دما ، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه .

لم يروعه أحد حيث لقيه .واسم الإِشارة في قوله : ( ذلك لتعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) .يعود على الجعل المذكور الذي هو تصيير البيت الحرام وما عطف عليه قياما للناس ، أي؛ صلاحا لأحوالهم الدينية والدنيوية .والمعنى : فعل الله - تعالى - ذلك لتعلموا أنه - سبحانه - يعلم علما تاما شاملا ما في السموات وما في الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم ، وهتاف أرواحهم .

لأن التشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه - سبحانه - يعلم ما في السموات وما في الأرض .

وعلى أنه بكل شيء عليم دون أن تخفى عليه خافية مما في هذا الكون : وكرر - سبحانه - " ما .

وفي " في المعطوف والمعطوف عليه للإِشارة إلى دقة العلم وشموله ، وأنه - سبحانه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .وقوله : ( وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) تعميم إثر تخصيص .

للتأكيد وقدم الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام .قال الجمل : واسم الإِشارة ( ذلك ) فيه ثلاثة أوجه :أحدها أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير .والثاني : أنه مبتدأ وخبره محذوف أي : ذلك الحكم هو الحق لا غيره .والثالث : أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق .

أي : شرع الله ذلك .

وهذا أقواها ، لتعلق لام العلة به .

وقوله ( لتعلموا ) منصوب بإضمار أن بعد لام كي .

وقوله : ( وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) معطوف على ما قبله وهو ( أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لّلنَّاسِ والشهر الحرام والهدى والقلائد ﴾ .

اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أن الله تعالى حرّم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ﴿ قَيِّماً ﴾ بغير ألف، ومعناه المبالغة في كونه قائماً بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى: ﴿ دِينًا قِيَمًا  ﴾ والباقون بالألف، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء.

المسألة الثانية: ﴿ جَعَلَ ﴾ فيه قولان: الأول: أنه بين وحكم.

الثاني: أنه صير، فالأول بالأمر والتعريف، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه.

المسألة الثالثة: سميت الكعبة كعبة لارتفاعها، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب، وكعب الإنسان يسمى كعباً لنتوه من الساق، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ قِيَاماً لّلنَّاسِ ﴾ أصله قوام لأنه من قام يقوم، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح، ثم ذكروا هاهنا في كون الكعبة سبباً لقوام مصالح الناس وجوهاً: الأول: أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلية، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات، فصار ذلك سبباً لاسباغ النعم على أهل مكة.

الثاني: أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ الثالث: أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم.

الرابع: أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة، وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيآت، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات.

واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع، فلما كانت الكعبة سبباً لحصول هذه الأقسام الأربعة، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس.

المسألة الخامسة: المراد بقوله: ﴿ قِيَاماً لّلنَّاسِ ﴾ أي لبعض الناس وهم العرب، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم.

المسألة السادسة: اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سبباً لقيام الناس وقوامهم.

الأول: الكعبة وقد بينا معنى كونها سبباً لقيام الناس، وأما الثاني: فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سبباً لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضاً في سائر الأشهر، ويغير بعضهم على بعض، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سبباً لقوام معيشتهم في الدنيا أيضاً.

فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج.

واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبّر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس.

وأما الثالث: فهو الهدي وهو إنما كان سبباً لقيام الناس، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكاً للمهدي وقواماً لمعيشة الفقراء.

وأما الرابع: فهو القلائد، والوجه في كونها قياماً للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده من غير الشهر الحرام ومعه هدي، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلداً، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة، ولم يتعرض لها صاحبها أيضاً، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمناً من جميع الآفات والمخافات، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سبباً لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام، فكان ذلك دليلاً على عظمة هذا البيت وغاية شرفه.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَأَنَّ الله بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ .

والمعنى: أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية، دبر في ذلك تدبيراً لطيفاً، وهو أنه ألقى في قلوبهم اعتقاداً قوياً في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه، فصار ذلك سبباً لحصول الأمن في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان، وفي هذا المكان، فاستقامت مصالح معاشهم، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالماً بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سبباً لحصول الأمان في بعض الأمكنة، وفي بعض الأزمنة، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان، وفي ذلك الزمان، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالماً، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح، وكل من كان كذلك كان عالماً، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سبباً لحصول الأمن في بعض الأمكنة، وفي بعض الأزمنة، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة، فعل في غاية الاتقان والاحكام، فيكون ذلك دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات، فلا جرم قال ذلك ﴿ لّتَعْلَمُواْ ﴾ أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن، فتعلموا ﴿ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ثم إذا عرفتم ذلك، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود، وما كان كذلك، امتنع أن يكون مخصوصاً بالبعض دون البعض، فوجب كونه متعلقاً بجميع المعلومات، وإذا كان كذلك، كان الله سبحانه عالماً بجميع المعلومات، فلذلك قال: ﴿ وَأَنَّ الله بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ البيت الحرام ﴾ عطف بيان على جهة المدح، لا على جهة التوضيح، كما تجيء الصفة كذلك ﴿ قِيَاماً لّلنَّاسِ ﴾ انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم.

وعن عطاء ابن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا ﴿ والشهر الحرام ﴾ الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد عرّفه الله تعالى.

وقيل: عنى به جنس الأشهر الحرم ﴿ والهدى والقلائد ﴾ والمقلد منه خصوصاً وهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره ﴿ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ ﴾ كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعكشم مما أمركم به وكلفكم ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن حافظ عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ ﴾ صَيَّرَها، وإنَّما سُمِّيَ البَيْتُ كَعْبَةً لِتَكَعُّبِهِ.

﴿ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ انْتِعاشًا لَهم أيْ سَبَبَ انْتِعاشِهِمْ في أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ يَلُوذُ بِهِ الخائِفُ ويَأْمَنُ فِيهِ الضَّعِيفُ، ويَرْبَحُ فِيهِ التُّجّارُ ويَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُجّاجُ والعُمّارُ، أوْ ما يَقُومُ بِهِ أمْرُ دِينِهِمْ ودُنْياهم.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «قِيَمًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى فِعَلٍ كالشِّبَعِ أُعِلَّ عَيْنُهُ كَما أُعِلَّ في فِعْلِهِ ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ.

﴿ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها والمُرادُ بِالشَّهْرِ الشَّهْرُ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِقُرَنائِهِ وقِيلَ الجِنْسُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ، أوْ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ.

﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَإنَّ شَرْعَ الأحْكامِ لِدَفْعِ المَضارِّ قَبْلَ وُقُوعِها وجَلْبِ المَنافِعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها، دَلِيلُ حِكْمَةِ الشّارِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ومُبالَغَةٌ بَعْدَ إطْلاقٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{جَعَلَ الله الكعبة} أي صير {البيت الحرام} بدل أو

المائدة (٩٧ _ ١٠١)

عطف بيان {قِيَاماً} مفعول ثانٍ أو جعل بمعنى خلق وقياما حال {لِلنَّاسِ} أي انتعاشاً لهم في أمر دينهم ونهوضا إلى أعراضهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم قبل لو تركوه عاماً لم ينظروا ولم يؤخروا {والشهر الحرام} والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد علمه الله أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم {والهدى} ما يهدى إلى مكة {والقلائد} والمقلد منه خصوصاً وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر {ذلك} إشارة إلى جعل الكعبة قياماً أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا في الأرض وأن الله بكل شيء} أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ ﴾ أيْ صَيَّرَها وسُمِّيَتْ كَعْبَةٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ وتُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ، وقَدْ يُقالُ: التَّكْعِيبُ لِلِارْتِفاعِ، قِيلَ: ومِنهُ سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِكَوْنِها مُرْتَفِعَةً، ومِن ذَلِكَ كَعْبُ الإنْسانِ لِارْتِفاعِهِ ونُتُوءِهِ، وكَعَّبَتِ المَرْأةُ إذا نَتَأ ثَدْيُها وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِانْفِرادِها مِنَ البِناءِ ورَدَّهُ الكِرْمانِيُّ إلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ المُنْفَرِدَ مِنَ البِناءِ ناتٌّ مِنَ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لِأنَّهُ عُرِفَ بِالتَّعْظِيمِ عِنْدَهم فَصارَ في مَعْنى المُعْظَّمِ أوْ لِأنَّهُ وُصِفَ بِالحَرامِ المُشْعِرِ بِحُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وذِكْرُ البَيْتِ كالتَّوْطِئَةِ لَهُ فالِاعْتِراضُ بِالجُمُودِ مِنَ الجُمُودِ دُونَ التَّوْضِيحِ، وقِيلَ: جِيءَ بِهِ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّهُ كانَ لِخَثْعَمَ بَيْتٌ يُسَمُّونَهُ بِالكَعْبَةِ اليَمانِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ ويَرُدُّهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَلْ هَذا هو المَفْعُولُ الثّانِي وقِيلَ: جَعَلَ بِمَعْنى خَلَقَ فَتَعَدّى لِواحِدٍ وهَذا حالٌ ومَعْنى كَوْنُهُ قِيامًا لَهم أنَّهُ سَبَبُ إصْلاحِ أُمُورِهِمْ وجَبْرِها دِينًا ودُنْيا حَيْثُ كانَ مَأْمَنًا لَهم ومَلْجَأً ومَجْمَعًا لِتِجارَتِهِمْ يَأْتُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ولِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَن أتى هَذا البَيْتَ يُرِيدُ شَيْئًا لِلدُّنْيا والآخِرَةِ أصابَهُ، ومِن ذَلِكَ أخَذَ بَعْضُهم أنَّ التِّجارَةَ في الحَجِّ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ النّاسُ كُلُّهم فِيهِمْ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ولَمْ يَكُنْ في العَرَبِ مُلُوكٌ كَذَلِكَ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا يَدْفَعُ بِهِ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ فَلَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ أوِ ابْنَهُ عِنْدَهُ ما قَتَلَهُ، فالمُرادُ مِنَ النّاسِ عَلى هَذا العَرَبُ خاصَّةً، وقِيلَ: مَعْنى كَوْنُهُ قِيامًا لِلنّاسِ كَوْنُهُ أمْنًا لَهم مِنَ الهَلاكِ فَما دامَ البَيْتُ يَحُجُّ إلَيْهِ النّاسُ لَمْ يَهْلَكُوا فَإنْ هُدِمَ وتُرِكَ الحَجُّ هَلَكُوا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ قِيَمًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَشِيَعٍ وكانَ القِياسُ أنْ لا تُقْلَبُ واوُهُ ياءً لَكِنَّها لَمّا قُلِبَتْ في فِعْلِهِ ألِفًا تَبِعَهُ المَصْدَرُ في إعْلالِ عَيْنِهِ ﴿ والشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ أيِ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ وهو ذُو الحِجَّةِ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ قُرَنائِهِ؛ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ إرادَةَ الجِنْسِ عَلى ما هو الأصْلُ والقَرِينَةُ المَعْهُودَةُ لا تُعَيِّنُ العَهْدَ، والمُرادُ الأشْهُرُ الحُرُمُ وهي أرْبَعَةٌ واحِدٌ فَرْدٌ وثَلاثَةٌ سَرْدٌ فالفَرْدُ رَجَبٌ والسَّرْدُ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهو وما بَعْدَهُ عُطِفَ عَلى الكَعْبَةِ فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما مَرَّ أيْ وجَعَلَ الشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ أيْضًا قِيامًا لَهُمْ، والمُرادُ بِالقَلائِدِ ذَواتُ القَلائِدِ وهي البَدَنُ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الثَّوابَ فِيها أكْثَرُ والحَجُّ بِها أظْهَرُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أحْرَمَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ أحَدٌ فَإذا حَجَّ وقَضى حَجَّهُ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن إذْخِرٍ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يُقَلِّدُ بَعِيرَهُ أوْ نَفْسَهُ قِلادَةً مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ فَلا يَخافُ مِن أحَدٍ ولا يَتَعَرَّضُ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ وكانُوا يُغَيِّرُونَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ ويَنْصُلُونَ فِيها الأسِنَّةَ ويَهْرَعُ النّاسُ فِيها إلى مَعايِشِهِمْ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا، وقَدْ تَوارَثُوا -عَلى ما قِيلَ- ذَلِكَ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الجَعْلِ المَذْكُورِ خاصَّةً أوْ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ.

ومَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ وبِهِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ فِيما بَعْدُ، وقِيلَ: مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيِ الحُكْمُ الَّذِي قَرَّرْناهُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ هو الحَقُّ والحُكْمُ الأوَّلُ هو الأقْرَبُ، والتَّقْدِيرُ شَرَعَ ذَلِكَ ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَإنَّ تَشْرِيعَ هَذِهِ الشَّرائِعِ المُسْتَتْبَعَةِ لِدَفْعِ المَضارِّ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ قَبْلَ الوُقُوعِ وجَلْبِ المَنافِعِ الأوَّلِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى حِكْمَةِ الشّارِعِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ واجِبًا كانَ أوْ مُمْتَنِعًا أوْ مُمْكِنًا ﴿ عَلِيمٌ ﴾ 79 - كامِلُ العِلْمِ وهَذا تَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ وقَدَّمَ الخاصَّ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى ما بَعْدُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما في السَّمَواتِ والأرْضِ الأعْيانُ المَوْجُودَةُ فِيهِما وبِكُلِّ شَيْءٍ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ المَوْجُوداتِ مِنَ العَوارِضِ والأحْوالِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ المَعانِي والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ يعني: لجأ إلى الحرم آمناً للناس.

كان الرجل إذا أصاب ذنباً أو قتل قتيلاً ثم لجأ إلى الحرم آمناً بذلك.

ويقال: قياماً للناس يعني قواماً لمعايشهم.

قرأ ابن عامر: قِياماً على جهة المصدر وقرأ الباقون: قِياماً على جهة الاسم والمصدر.

وإنما سميت الكعبة كعبة لارتفاعها.

ولهذا سمي الكعبان.

ويقال للجارية: إذا نهدت ثدياها قد كعبت ثدياها وهي كاعب كما قال: وَكَواعِبَ أَتْراباً [النبأ: 33] .

ثم قال: وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ يعني: جعل الشهر الحرام والهديَ والقلائد آمناً للناس وقواماً لمعايشهم، لأنهم كانوا إذا توجهوا إلى مكة، وقلّدوا الهدي، أمنوا.

ويقال: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ يعني: معالم للناس.

وقال مقاتل بن حيان: يعني: علماً لقبلتهم يصلون إليها.

وقال سعيد بن جبير: صلاحاً لدينهم.

وحرم عليهم الغارة في الشهر الحرام.

وأخذ الهدي والقلائد في الشهر الحرام.

ذلِكَ الذي جعل الله من الأمن لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: لتعلموا أن الله يعلم صلاح ما في السموات وما في الارض.

وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول: عليم بكل شيء من صلاح الخلق ويقال: هو مردود إلى ما أنبأ الله تعالى على لسان نبيه في هذه السورة من أخبار المنافقين، وإظهار أسرارهم.

فقال: ذلك الذي ذكر الله تعالى لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وإن الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ من السر والعلانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...

الآية: الصَّيْد:

مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» «١» ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره:

معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه «٢» ، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم

مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له.

وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد:

القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه «١» ، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع «٢» وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ» ، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ «٣» وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس.

قال ابنُ وهْب في «العتبية» : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة» : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟

فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.

وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ.

واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة «١» ، والصوم حيث شِئْتَ.

وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه:

عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ...

الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة «٢» ، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر.

قال ع «٣» : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه) ، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ «٤» كما قال اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من خاف أدلج «٥» ، ومن

أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» «١» ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ...

الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك.

ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله «٣» ، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح «٤» لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم «٥» .

ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر» ، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ:

معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض.

انتهى من «الهداية» .

والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ ﴾ "جَعَلَ" بِمَعْنى: صَيَّرَ، وفي تَسْمِيَةِ "الكَعْبَةِ" كَعْبَةً قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: لِعُلُوِّها ونُتُوئِها، يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، وهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.

ومَعْنى تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِأنَّهُ حَرامٌ: أنَّهُ حَرُمَ أنْ يُصادَ عِنْدَهُ، وأنْ يُخْتَلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَلا، وأنْ يُعَضَدَ شَجَرُهُ، وعَظُمَتْ حُرْمَتُهُ.

والمُرادُ بِتَحْرِيمِ البَيْتِ سائِرُ الحَرَمِ، كَما قالَ: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ وأرادَ: الحَرَمَ.

والقِيامُ: بِمَعْنى: القِوامُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: قِيَمًا بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُهُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ جَعْلَهُ مَصْدَرًا، كالشِّبَعِ، أوْ حَذَفَ الألِفَ وهو يُرِيدُها، كَما يُقْصَرُ المَمْدُودُ.

وفي مَعْنى الكَلامِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قِيامًا لِلدِّينِ، ومَعالِمَ لِلْحَجِّ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قِيامًا لِأمْرِ مِن تَوَجَّهَ إلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ، ثُمَّ لَجَأ إلَيْها، لَمْ يُتَناوَلْ، [وَلَمْ يُقْرَبْ.

وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ، فَأحْمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِن لِحاءِ السَّمُرِ فَمَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ.

حَواجِزُ ألْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ] .

والثّالِثُ: قِيامًا لِبَقاءِ الدِّينِ، فَلا يَزالُ في الأرْضِ دِينٌ ما حُجَّتْ واسْتُقْبِلَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: قِوامُ دُنْيا وقِوامُ دِينٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: قِيامًا لِلنّاسِ، أيْ: مِمّا أُمَرُوا أنْ يَقُومُوا بِالفَرْضِ فِيهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: قِيامًا لِمَعايِشِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ بِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ التِّجارَةِ عِنْدَها، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

فَأمّا الشَّهْرُ الحَرامُ، فالمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ، كانُوا يَأْمَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فِيها، فَكانَ ذَلِكَ قِوامًا لَهم، وكَذَلِكَ إذا أهْدى الرَّجُلُ هَدْيًا أوْ قَلَّدَ بَعِيرَهُ أمِنَ كَيْفَ تَصَرَّفَ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ عِصْمَةً لِلنّاسِ بِما جَعَلَ في صُدُورِهِمْ مِن تَعْظِيمِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ أرْبَعَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِغُيُوبٍ كَثِيرَةٍ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وأطْلَعَ عَلى أشْياءَ مِن أحْوالِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، فَقالَ: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، أيْ: ذَلِكَ الغَيْبُ الَّذِي أنْبَأْتُكم بِهِ عَنِ اللَّهِ يَدُلُّكم عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ، ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَسْفِكُ الدِّماءَ بِغَيْرِ حِلِّها، وتَأْخُذُ الأمْوالَ بِغَيْرِ حَقِّها، ويَقْتُلُ أحَدُهم غَيْرَ القاتِلِ، فَإذا دَخَلُوا البَلَدَ الحَرامَ، أوْ دَخْلَ الشَّهْرُ الحَرامُ، كَفُّوا عَنِ القَتْلِ.

والمَعْنى: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ أمْنًا، والشَّهْرَ الحَرامَ أمْنًا، إذْ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْجاهِلِيَّةِ وقْتًا يَزُولُ فِيهِ الخَوْفُ لَهَلَكُوا، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ قُلُوبَ الخَلْقِ إلى مَكَّةَ في الشُّهُورِ المَعْلُومَةِ فَإذا وصَلُوا إلَيْها عاشَ أهْلُها مَعَهم، ولَوْلا ذَلِكَ ماتُوا جُوعًا، لِعِلْمِهِ بِما في ذَلِكَ مِن صَلاحِهِمْ، ولِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ.

والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ مَكَّةَ أمْنًا، وكَذَلِكَ الشَّهْرُ الحَرامُ، فَإذا دَخَلَ الظَّبْيُ الوَحْشِيُّ الحَرَمَ، أنِسَ بِالنّاسِ، ولَمْ يَنْفِرْ مِنَ الكَلْبِ، ولَمْ يَطْلُبْهُ الكَلْبُ، فَإذا خَرَجا عَنْ حُدُودِ الحَرَمِ، طَلَبَهُ الكَلْبُ، وذُعِرَ هو مِنهُ، والطّائِرُ يَأْنَسُ بِالنّاسِ في الحَرَمِ، ولا يَزالُ يَطِيرُ حَتّى يَقْرُبَ مِنَ البَيْتِ، فَإذا قَرُبَ مِنهُ عَدَلَ عَنْهُ، ولَمْ يَطِرْ فَوْقَهُ إجْلالًا لَهُ، فَإذا لَحِقَهُ وجَعٌ طَرَحَ نَفْسَهُ عَلى سَقْفِ البَيْتِ اسْتِشْفاءً بِهِ، فَهَذِهِ الأعاجِيبُ في ذَلِكَ المَكانِ، وفي ذَلِكَ الشَّهْرِ قَدْ دَلَلْنَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا حُكْمٌ بِتَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ؛ وهو كُلُّ ما صِيدَ مِن حِيتانِهِ؛ وهَذا التَحْلِيلُ هو لِلْمُحْرِمِ؛ ولِلْحَلالِ؛ والصَيْدُ هُنا أيْضًا يُرادُ بِهِ المَصِيدُ؛ وأُضِيفَ إلى البَحْرِ لِما كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ والبَحْرُ: اَلْماءُ الكَثِيرُ؛ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا؛ وكُلُّ نَهْرٍ كَبِيرٍ بَحْرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَطَعامُهُ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهُمْ: هو ما قَذَفَ بِهِ؛ وما طَفا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَعامٌ؛ لا صَيْدٌ؛ وسَألَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عن حِيتانٍ طَرَحَها البَحْرُ؛ فَنَهاهُ عنها؛ ثُمَّ قَرَأ المُصْحَفَ فَقالَ لِنافِعٍ: اِلْحَقْهُ؛ فَمُرْهُ بِأكْلِها؛ فَإنَّها طَعامُ البَحْرِ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "هُوَ الطَهُورُ ماؤُهُ؛ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ: "طَعامُهُ": كُلُّ ما مَلَحَ مِنهُ؛ وبَقِيَ؛ وتِلْكَ صَنائِعُ تَدْخُلُهُ؛ فَتَرُدُّهُ طَعامًا؛ وإنَّما الصَيْدُ الغَرِيضُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "طَعامُهُ": مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ؛ ونَحْوِهِ.

وكَرِهَ قَوْمٌ خِنْزِيرَ الماءِ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْتُمْ تَقُولُونَ: "خِنْزِيرٌ"؛ ومَذْهَبُهُ إباحَتُهُ.

وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هو أرْجَحُ الأقْوالِ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ: "وَطُعْمُهُ"؛ بِضَمِّ الطاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ دُونَ ألِفٍ.

و"مَتاعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والمَعْنى: "مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ"؛ و"لَكُمْ"؛ يُرِيدُ حاضِرِي البَحْرِ؛ ومُدُنَهُ؛ "وَلِلسَّيّارَةِ": اَلْمُسافِرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أهْلُ القُرى هُمُ المُخاطَبُونَ؛ والسَيّارَةُ: أهْلُ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يُرِيدُ أهْلَ قُرى البَحْرِ؛ وأنَّ السَيّارَةَ مِن أهْلِ الأمْصارِ غَيْرِ تِلْكَ القُرى يَجْلِبُونَهُ إلى الأمْصارِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ ؛ فَتَلَقّاهُ بَعْضُهم عَلى العُمُومِ؛ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ فَقالُوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَصِيدَ؛ ولا أنْ يَأْمُرَ بِصَيْدٍ؛ ولا أنْ يَأْكُلَ صَيْدًا صِيدَ مِن أجْلِهِ؛ ولا مِن غَيْرِ أجْلِهِ؛ ولَحْمُ الصَيْدِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُثْمانَ حَجَّ؛ وحَجَّ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَأُتِيَ عُثْمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ؛ فَأكَلَ مِنهُ؛ ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ؛ فَقالَ عُثْمانُ: واللهِ ما صِدْنا؛ ولا أمَرْنا؛ ولا أشَرْنا؛ فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ اسْتَعْمَلَ عَلى العَرُوضِ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ ؛ فَصادَ يَعاقِيبَ؛ فَجَعَلَها في حَظِيرَةٍ؛ فَمَرَّ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَطَبَخَهُنَّ؛ وقَدَّمَهُنَّ إلَيْهِ؛ وجاءَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَنَهاهم عَنِ الأكْلِ؛ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ؛ قالَ: ثُمَّ لَمّا كانُوا بِمَكَّةَ أُتِيَ عُثْمانُ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ في عَلِيٍّ؟

أُهْدِيَ لَهُ تَصْفِيفُ حِمارٍ فَهو يَأْكُلُ مِنهُ؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُثْمانُ ؛ فَسَألَهُ عن أكْلِهِ التَصْفِيفَ؛ وقالَ لَهُ: "أمّا أنْتَ فَتَأْكُلُ؛ وأمّا نَحْنُ فَتَنْهانا"؛ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: "إنَّهُ صِيدَ عامَ أوَّلَ؛ وأنا حَلالٌ؛ فَلَيْسَ عَلَيَّ بِأكْلِهِ بَأْسٌ؛ وصِيدَ ذَلِكَ - يَعْنِي اليَعاقِيبَ - وأنا مُحْرِمٌ؛ وذُبِحْنَ وأنا حَرامٌ"؛ ورُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ ؛ وطاوُسٍ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَرى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ الصَيْدِ الَّذِي صادَهُ الحَلالُ لِحَلالٍ مِثْلِهِ؛ ولِنَفْسِهِ؛ وسُئِلَ أبُو هُرَيْرَةَ عن هَذِهِ النازِلَةِ؛ فَأفْتى بِالإباحَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عُمَرَ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَقالَ لَهُ: لَوْ أفْتَيْتَ بِغَيْرِ هَذا لَأوجَعْتُ رَأْسَكَ بِهَذِهِ الدِرَّةِ؛ وسَألَ أبُو الشَعْثاءِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عن هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ لَهُ: كانَ عُمَرُ يَأْكُلُهُ؛ قالَ: قُلْتُ: فَأنْتَ؟

قالَ: كانَ عُمَرُ خَيْرًا مِنِّي؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: ما صِيدَ أو ذُبِحَ وأنْتَ حَلالٌ فَهو لَكَ حَلالٌ؛ وما صِيدَ أو ذُبِحَ وأنْتَ حَرامٌ فَهو عَلَيْكَ حَرامٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثْلُ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.

ورَوى عَطاءٌ عن كَعْبٍ قالَ: أقْبَلْتُ في ناسٍ مُحْرِمِينَ؛ فَوَجَدْنا لَحْمَ حِمارٍ وحْشِيٍّ؛ فَسَألُونِي عن أكْلِهِ فَأفْتَيْتُهم بِأكْلِهِ؛ فَقَدِمْنا عَلى عُمَرَ فَأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَقالَ: قَدْ أمَّرْتُهُ عَلَيْكم حَتّى تَرْجِعُوا؛ وقالَ بِمِثْلِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ ؛ وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكَلَ مِنَ الحِمارِ الَّذِي صادَهُ أبُو قَتادَةَ وهو حَلالٌ؛ والنَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مُحْرِمٌ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّما حُرِّمَ عَلى المُحْرِمِ أنْ يَصِيدَ؛ فَأمّا أنْ يَشْتَرِيَ الصَيْدَ مِن مالِكٍ لَهُ فَيَذْبَحَهُ؛ فَيَأْكُلَهُ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَحْمَنِ اشْتَرى قِطًّا؛ وهو بِالعَرْجِ؛ فَأكَلَهُ؛ فَعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الناسُ.

ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - يُجِيزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَأْكُلَ ما صادَهُ الحَلالُ وذَبَحَهُ؛ إذا كانَ لَمْ يَصِدْهُ مِن أجْلِ المُحْرِمِ؛ فَإنْ صِيدَ مِن أجْلِهِ فَلا يَأْكُلْهُ؛ وكَذَلِكَ قالَ الشافِعِيُّ ؛ ثُمَّ اخْتَلَفا إنْ أكَلَ؛ فَقالَ مالِكٌ: عَلَيْهِ الجَزاءُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "وَحَرَّمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والراءِ مُشَدَّدَةً؛ "صَيْدَ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "ما دُمْتُمْ حَرَمًا"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ المَعْنى: "وَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ"؛ و"حَرَمًا"؛ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ؛ والواحِدِ؛ كَـ "رِضًا"؛ وما أشْبَهَهُ؛ والمَعْنى: "ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ"؛ فَهي بِالمَعْنى كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِضَمِّ الحاءِ؛ والراءِ.

وَلا يُخْتَلَفُ في أنَّ ما لا زَوالَ لَهُ مِنَ الماءِ أنَّهُ صَيْدُ بَحْرٍ؛ وفِيما لا زَوالَ لَهُ مِنَ البَرِّ أنَّهُ صَيْدُ بَرٍّ؛ واخْتُلِفَ فِيما يَكُونُ في أحَدِهِما وقَدْ يَعِيشُ ويَحْيا في الآخَرِ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وعَطاءٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: كُلُّ ما يَعِيشُ في البَرِّ ولَهُ فِيهِ حَياةٌ فَهو مِن صَيْدِ البَرِّ؛ إنْ قَتَلَهُ المُحْرِمُ وداهُ؛ وذَكَرَ أبُو مِجْلَزٍ في ذَلِكَ الضَفادِعَ؛ والسَلاحِفَ؛ والسَرَطانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِن هَذِهِ أنْواعٌ لا زَوالَ لَها مِنَ الماءِ؛ فَهي لا مَحالَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ؛ وعَلى هَذا خَرَجَ جَوابُ مالِكٍ في الضَفادِعِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ فَإنَّهُ قالَ: اَلضَّفادِعُ مِن صَيْدِ البَحْرِ؛ ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ خِلافَ ما ذَكَرْناهُ؛ وهو أنَّهُ راعى أكْثَرَ عَيْشِ الحَيَوانِ؛ سُئِلَ عَنِ ابْنِ الماءِ؛ أصَيْدُ بَرٍّ أمْ صَيْدُ بَحْرٍ؟

فَقالَ: حَيْثُ يَكُونُ أكْثَرَ فَهو مِنهُ؛ وحَيْثُ يُفْرِخُ فَهو مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ في ابْنِ ماءٍ أنَّهُ صَيْدُ بَرٍّ؛ طائِرٌ يَرْعى؛ ويَأْكُلُ الحَبَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ ؛ تَشْدِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَقِبَ هَذا التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ؛ ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأمْرِ الحَشْرِ والقِيامَةِ؛ مُبالَغَةً في التَحْذِيرِ.

ولَمّا بانَ في هَذِهِ الآياتِ تَعْظِيمُ الحَرَمِ؛ والحُرْمَةِ بِالإحْرامِ؛ مِن أجْلِ الكَعْبَةِ؛ وأنَّها بَيْتُ اللهِ وعُنْصُرُ هَذِهِ الفَضائِلِ؛ ذَكَرَ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلَ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ما سَنَّهُ في الناسِ؛ وهَداهم إلَيْهِ؛ وحَمَلَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةَ الجَهْلاءِ؛ مِنَ التِزامِهِمْ أنَّ الكَعْبَةَ قِوامٌ؛ والهَدْيَ قِوامٌ؛ والقَلائِدَ قِوامٌ؛ أيْ أمْرٌ يَقُومُ لِلنّاسِ بِالتَأْمِينِ؛ وحِلِّ الحَرْبِ؛ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ الَّذِينَ هم قِوامُ العالَمِ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ لا مَلِكَ لَها؛ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الأشْياءَ كالمَلِكِ لَها؛ وأعْلَمَ تَعالى أنَّ التِزامَ الناسِ لِذَلِكَ هو مِمّا شَرَعَهُ وارْتَضاهُ؛ ويَدُلُّ عَلى مِقْدارِ هَذِهِ الأُمُورِ في نُفُوسِهِمْ «أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لَما بَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةَ الحُلَيْسَ؛ فَلَمّا رَآهُ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: "هَذا رَجُلٌ يُعَظِّمُ الحُرْمَةَ؛ فالقَوْهُ بِالبُدْنِ مُشْعِرَةً"؛ فَلَمّا رَآها الحُلَيْسُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وقالَ: ما يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّ هَؤُلاءِ؛ ورَجَعَ عن رِسالَتِهِمْ.» وَ"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ و"اَلْكَعْبَةُ"؛ بَيْتُ مَكَّةَ؛ وسُمِّيَ "كَعْبَةً"؛ لِتَرْبِيعِهِ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: كُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ فَهو مُكَعَّبٌ؛ وكَعْبَةٌ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: أهْلُ الخَوَرْنَقِ والسَدِيرِ وبارِقٍ ∗∗∗ والبَيْتِ ذِي الكَعَباتِ مِن سِنْدادِ قالُوا: كانَتْ فِيهِ بُيُوتٌ مُرَبَّعَةٌ؛ وفي كِتابِ سِيَرِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ كانَ في خَثْعَمَ بَيْتٌ يُسَمُّونَهُ "كَعْبَةَ اليَمانِيَّةِ"؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَتْ "كَعْبَةً"؛ لِنُتُوئِها؛ ونُشُوزِها عَلى الأرْضِ؛ ومِنهُ " كَعَبَ ثَدْيُ الجارِيَةِ"؛ ومِنهُ: " كَعْبُ القَدَمِ"؛ ومِنهُ: "كُعُوبُ القَناةِ".

و"قِيامًا"؛ مَعْناهُ: أمْرٌ يَقُومُ لِلنّاسِ بِالأمَنَةِ؛ والمَنافِعِ؛ كَما المَلِكُ قِوامُ الرَعِيَّةِ؛ وقِيامُهُمْ؛ يُقالُ ذَلِكَ بِالياءِ؛ كَـ "اَلصِّيامُ"؛ ونَحْوِهِ؛ وذَلِكَ لِخِفَّةِ الياءِ؛ فَتُسْتَعْمَلُ أشْياءُ مِن ذَواتِ الواوِ بِها؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ القِوامُ عَلى الأصْلِ؛ قالَ الراجِزُ: قِوامُ دُنْيا وقِوامُ دِينِ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ ؛ أيْ: مَوْضِعَ وُجُوبِ قِيامٍ بِالمَناسِكِ؛ والتَعَبُّداتِ؛ وضَبْطِ النُفُوسِ في الشَهْرِ الحَرامِ؛ ومَعَ الهَدْيِ والقَلائِدِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "قِيَمًا"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهَذا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَـ "اَلشِّبَعُ"؛ ونَحْوِهِ؛ وأُعِلَّ فَلَمْ يُجْرَ مُجْرى "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ مِن حَيْثُ أُعَلِّ فِعْلُهُ؛ وقَدْ تُعَلُّ الجُمُوعُ لِاعْتِلالِ الآحادِ؛ فَأحْرى أنْ تُعَلَّ المَصادِرُ لِاعْتِلالِ أفْعالِها؛ ويَحْتَمِلُ "قِيَمًا" أنْ تُحْذَفَ الألِفُ؛ وهي مُرادَةٌ؛ وحُكْمُ هَذا أنْ يَجِيءَ في شِعْرٍ؛ وغَيْرِ سَعَةٍ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ.

و"والشَهْرَ"؛ هُنا اسْمُ جِنْسٍ؛ والمُرادُ الأشْهُرُ الثَلاثَةُ؛ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ؛ وشَهْرُ مُضَرَ؛ وهو "رَجَبٌ"؛ اَلْأصَمُّ ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ الحَدِيدِ؛ وسَمَّوْهُ مُنْصِلَ الأسِنَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْزِعُونَ فِيهِ أسِنَّةَ الرِماحِ؛ وهو شَهْرُ قُرَيْشٍ؛ ولَهُ يَقُولُ عَوْفُ بْنُ الأحْوَصِ: وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا سِيقَتْ مُضَرِّجُها الدِماءُ وسَمّاهُ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - "شَهْرَ اللهِ"؛ أيْ "شَهْرَ آلِ اللهِ"؛ وكانَ يُقالُ لِأهْلِ الحَرَمِ: "آلُ اللهِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمّى "شَهْرَ اللهِ"؛ لِأنَّ اللهَ سَنَّهُ؛ وشَدَّدَهُ؛ إذْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ لا يَراهُ.

وأمّا الهَدْيُ فَكانَ أمانًا لِمَن يَسُوقُهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ في عِبادَةٍ؛ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ؛ وأمّا القَلائِدُ فَكَذَلِكَ؛ كانَ الرَجُلُ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِن لِحاءِ السَمُرِ؛ أو غَيْرِهِ شَيْئًا؛ فَكانَ ذَلِكَ أمانًا لَهُ؛ وكانَ الأمْرُ في نُفُوسِهِمْ عَظِيمًا؛ مَكَّنَهُ اللهُ ؛ حَتّى كانُوا لا يَقْدِرُ مَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ أنْ يَتَقَلَّدَ شَيْئًا؛ خَوْفًا مِنَ اللهِ ؛ وكَذَلِكَ إذا انْصَرَفُوا تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلنّاسِ"؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ العَرَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الأُمُورَ لِلنّاسِ؛ وهم لا يَرْجُونَ جَنَّةً؛ ولا يَخافُونَ نارًا؛ ثُمَّ شَدَّدَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى أنْ جَعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ قِيامًا؛ والمَعْنى: "فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أُمُورِ السَماواتِ والأرْضِ؛ ويَعْلَمُ مَصالِحَكم أيُّها الناسُ؛ قَبْلُ؛ وبَعْدُ؛ فانْظُرُوا لُطْفَهُ بِالعِبادِ عَلى حالِ كُفْرِهِمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؛ عامٌّ عُمُومًا تامًّا في الجُزْئِيّاتِ؛ ودَقائِقِ المَوْجُوداتِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها  ﴾ ؛ والقَوْلُ بِغَيْرِ هَذا إلْحادٌ في الدِينِ وكُفْرٌ.

ثُمَّ خَوَّفَ تَعالى عِبادَهُ؛ ورَجّاهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَكَذا هو الأمْرُ في نَفْسِهِ؛ حَرِيٌّ أنْ يَكُونَ العَبْدُ خائِفًا؛ عامِلًا بِحَسَبِ الخَوْفِ؛ مُتَّقِيًا؛ مُتَأنِّسًا بِحَسَبِ الرَجاءِ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأنّه يحصل به جواب عمّا يخطر في نفس السامع من البحث عن حكمة تحريم الصيد في الحرم وفي حال الإحرام، بأنّ ذلك من تعظيم شأن الكعبة التي حُرّمت أرضُ الحرم لأجل تعظيمها، وتذكيرٌ بنعمة الله على سكّانه بما جعل لهم من الأمن في علائقها وشعائرها.

والجعل يطلق بمعنى الإيجاد، فيتعدّى إلى مفعول واحد، كما في قوله تعالى: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ، في سورة الأنعام (1)، ويطلق بمعنى التصيير فتعدّى إلى مفعولين، وكلا المعنيين صالح هنا.

والأظهر الأول فإنّ الله أوجد الكعبة، أي أمر خليله بإيجادها لتكون قياماً للناس.

فقوله: قياماً } منصوب على الحال، وهي حال مقدّرة، أي أوجدها مقدّراً أن تكون قياماً.

وإذا حمل ﴿ جعل ﴾ على معنى التصيير كان المعنى أنّها موجودة بيتَ عبادة فصيّرها الله قياماً للناس لطفاً بأهلها ونسلهم، فيكون ﴿ قياماً ﴾ مفعولاً ثانياً ل ﴿ جعل ﴾ .

وأمّا قوله: ﴿ البيت الحرام ﴾ يصحّ جعله مفعولاً.

والكعبة علم على البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام بمكة بأمر الله تعالى ليكون آية للتوحيد.

وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ إنّ أوّل بيتتٍ وضع للناس للذي ببكة ﴾ في سورة آل عمران (96).

قالوا: إنّه علم مشتقّ من الكَعَب، وهو النتوء والبروز، وذلك محتمل.

ويحتمل أنّهم سمّوا كلّ بارز كعبة، تشبيهاً بالبيت الحرام، إذ كان أول بيت عندهم، وكانوا من قبله أهل خيام، فصار البيت مثلاً يمثّل به كلّ بارز.

وأمّا إطلاق الكعبة على (القليس) الذي بناه الحبشة في صنعاء، وسمّاه بعض العرب الكعبة اليمانية، وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في قوله: فَكعْبَةُ نَجرَان حَتْم عليكِ *** حتى تُناخي بأبوابها فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه، كما سمّى بنو حنيفة مسَليمة رحمان.

وقوله: البيت الحرام } بيان للكعبة.

قصد من هذا البيان التنويه والتعظيم، إذ شأن البيان أن يكون موضّحاً للمبيّن بأن يكون أشهر من المبيّن.

ولمّا كان اسم الكعبة مساوياً للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبّر به عن الكعبة في قوله تعالى: ﴿ ولا آمِّين البيت الحرام ﴾ [المائدة: 2] فتعيّن أنّ ذكر البيان للتعظيم، فإنّ البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ومدح ونحو ذلك.

ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى الوصف بالحرام قبل التغليب.

وذكر البيت هنا لأنّ هذا الموصوف مع هذا الوصف صارا علماً بالغلبة على الكعبة.

والحرام في الأصل مصدر حَرُم إذا مُنِع، ومصدره الحرام، كالصلاح من صلُح، فوصف شيء بحرام مبَالغة في كونه ممنوعاً.

ومعنى وصف البيت بالحرام أنّه ممنوع من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة.

وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه، وقد تقدّم أنّه يقال رجل حرام عند قوله تعالى: {غير محلّي الصيد وأنتم حُرُم في هذه السورة (1)، وأنّه يقال: شهر حرام، عند قوله تعالى: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ [المائدة: 2] فيها أيضاً، فيحمل هذا الوصف على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه، وهو في كلّ موصوف يدلّ على أنّه ممّا يتجنّب جانبه، فيكون تجنّبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك، فيكون وصفَ مدح، ويكون تجنّبه للتنزّه عنه فيكون وصف ذمّ، كما تقول: الخمر حرام.

وقرأ الجمهور ﴿ قياماً ﴾ بألف بعد الياء.

وقرأه ابن عامر ﴿ قيماً ﴾ بدون ألف بعد الياء.

والقيام في الأصل مصدر قام إذا استقلّ على رجليه، ويستعار للنشاط، ويستعار من ذلك للتدبير والإصلاح، لأنّ شأن من يعمل عملاً مهمّاً أن ينهض له، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في سورة البقرة (3).

ومن هذا الاستعمال قيل للناظر في أمور شيء وتدبيره: هو قيّم عليه أو قائم عليه، فالقيام هنا بمعنى الصلاح والنفع.

وأمّا قراءة ابن عامر قيما } فهو مصدر (قام) على وزن فِعَل بكسر ففتح مثل شِبَع.

وقد تقدّم أنّه أحد تأويلين في قوله تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما ﴾ في سورة النساء.

وإنّما أعلّت واوه فصارت ياء لشدّة مناسبة الياء للكسرة.

وهذا القلب نادر في المصادر التي على وزن فِعَل من الواوي العين.

وإثباته للكعبة من الإخبار بالمصدر للمبالغة، وهو إسناد مجازي، لأنّ الكعبة لمّا جعلها الله سبباً في أحكام شرعية سابقة كان بها صلاح أهل مكة وغيرهم من العرب وقامت بها مصالحهم، جُعلت الكعبة هي القائمة لهم لأنّها سبب القيام لهم.

والناس هنا ناس معهودون، فالتعريف للعهد.

والمراد بهم العرب، لأنّهم الذين انتفعوا بالكعبة وشعائرها دون غيرهم من الأمم كالفرس والروم.

وأمّا ما يحصل لهؤلاء من منافع التجارة ونحوها من المعاملة فذلك تبع لوجود السّكان لا لكون البيت حراماً، إلاّ إذا أريد التسبّب البعيد، وهو أنّه لولا حرمة الكعبة وحرمة الأشهر في الحجّ لساد الخوف في تلك الربوع فلم تستطع الأمم التجارة هنالك.

وإنّما كانت الكعبة قياماً للناس لأنّ الله لمّا أمر إبراهيم بأن يُنزل في مكة زوجه وابنه إسماعيل، وأراد أن تكون نشأة العرب المستعربة (وهم ذرية إسماعيل) في ذلك المكان لينشأوا أمّة أصيلة الآراء عزيزة النفوس ثابتة القلوب، لأنّه قدّر أن تكون تلك الأمّة هي أول من يتلقّى الدين الذي أراد أن يكون أفضل الأديان وأرسخها، وأن يكون منه انبثاث الإيمان الحقّ والأخلاق الفاضلة.

فأقام لهم بلداً بعيداً عن التعلّق بزخارف الحياة؛ فنشأوا على إباء الضيم، وتلقّوا سيرة صالحة نشأوا بها على توحيد الله تعالى والدعوة إليه؛ وأقام لهم فيه الكعبة معلماً لتوحيد الله تعالى، ووضع في نفوسهم ونفوس جيرتهم تعظيمه حرمته.

ودعا مجاوريهم إلى حجّه ما استطاعوا، وسخّر الناس لإجابة تلك الدعوة، فصار وجود الكعبة عائداً على سكان بلدها بفوائد التأنّس بالوافدين، والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق، وبما يجلب التجّار في أوقات وفود الناس إليه؛ فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوع ولا عراء.

وجعل في نفوس أهله القناعة فكان رزقهم كفاناً.

وذلك ما دعا به إبراهيم في قوله: ﴿ ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون ﴾ [إبراهيم: 37].

فكانت الكعبة قياماً لهم يقوم به أوَد معاشهم.

وهذا قيام خاصّ بأهله.

ثم انتشرت ذرّية إسماعيل ولحقت بهم قبائل كثيرة من العرب القحطانيين وأهِلت بلاد العرب.

وكان جميع أهلها يدين بدين إبراهيم؛ فكان من انتشارهم ما شأنه أن يَحدُث بين الأمّة الكثيرة من الاختلاف والتغالب والتقاتل الذي يفضي إلى التفاني، فإذا هم قد وجدوا حرمة أشهر الحج الثلاثة وحرمة شهر العمرة، وهو رجب الذي سنَّتْهُ مُضَرُ (وهم معظم ذرية إسماعيل) وتبعهم معظم العرب.

وجدوا تلك الأشهر الأربعة ملجئة إيّاهم إلى المسالمة فيها فأصبح السلم سائداً بينهم مدة ثلث العام، يصلحون فيها شؤونهم، ويستبقون نفوسهم، وتسعى فيها سادتهم وكبراؤهم وذوو الرأي منهم بالصلح بينهم، فيما نجم من تِراتتٍ وإحَننٍ.

فهذا من قيام الكعبة لهم، لأنّ الأشهر الحرم من آثار الكعبة إذ هي زمن الحج والعمرة للكعبة.

وقد جعل إبراهيم للكعبة مكاناً متّسعاً شاسعاً يحيط بها من جوانبها أميالاً كثيرة، وهو الحرم، فكان الداخل فيه آمناً.

قال تعالى: ﴿ أوَ لم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً ويتخطَّف الناس مِنْ حولهم ﴾ [العنكبوت: 67].

فكان ذلك أمناً مستمراً لسكّان مكة وحرمها، وأمناً يلوذ إليه من عراه خوف من غير سكانها بالدخول إليه عائذاً، ولتحقيق أمنه أمَّن الله وحوشه ودوابّه تقوية لحرمته في النفوس، فكانت الكعبة قياماً لكلّ عربي إذا طرقه ضيم.

وكان أهل مكة وحرمها يسيرون في بلاد العرب آمنين لا يتعرّض لهم أحد بسوء، فكانوا يتّجرون ويدخلون بلاد قبائل العرب، فيأتونهم بما يحتاجونه ويأخذون منهم ما لا يحتاجونه ليبلّغوه إلى من يحتاجونه، ولولاهم لما أمكن لتاجر من قبيلة أن يسير في البلاد، فلتعطّلت التجارة والمنافع.

ولذلك كان قريش يوصفون بين العرب بالتجّار، ولأجل ذلك جعلوا رحلتي الشتاء والصيف اللَّتين قال الله تعالى فيهما: ﴿ لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الستاء والصيف ﴾ [قريش: 1، 2].

وبذلك كلّه بقيت أمّه العرب محفوظة الجبلّة التي أراد الله أن يكونوا مجبولين عليها، فتهيّأت بعد ذلك لتلقّي دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وحملِها إلى الأمم، كما أراد الله تعالى وتمّ بذلك مراده.

وإذا شئت أن تعدو هذا فقل: إنّ الكعبة كانت قياماً للناس وهم العرب، إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتهم كلّها لم يعدموا عوائد نفعها.

فلمّا جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال، وبه تكفّر الذنوب، فكانت الكعبة من هذا قياماً للناس في أمور أخراهم بمقدار ما يتمسّكون به ممّا جعلت الكعبة له قياماً.

وعَطْفُ ﴿ الشهرَ الحرامَ ﴾ على ﴿ الكعبةَ ﴾ شبْه عطف الخاصّ على العامّ باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها، فإنّ الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلاّ من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت.

فالتعريف في ﴿ الشهر ﴾ للجنس كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ [المائدة: 2].

ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر.

وكذلك عطف ﴿ الهدي ﴾ و ﴿ القلائد ﴾ .

وكون الهدي قياماً للناس ظاهر، لأنّه ينتفع ببيعه للحاج أصحابُ المواشي من العرب، وينتفع بلحومه من الحاج فقراءُ العرب، فهو قيام لهم.

وكذلك القلائد فإنّهم ينتفعون بها؛ فيتّخذون من ظفائرها مادّة عظيمة للغزل والنسج، فتلك قيام لفقرائهم، ووجه تخصيصها بالذكر هنا، وإن كانت هي من أقلّ آثار الحج، التنبيهُ على أنّ جميع علائق الكعبة فيها قيام للناس، حتى أدنى العلائق، وهو القلائد، فكيف بما عداها من جِلال البدْن ونعالها وكسوة الكعبة، ولأنّ القلائد أيضاً لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجِلال والنعال.

ونظير هذا قول أبي بكر «والله لو منعوني عِقالاً» إلخ...

وقوله: ﴿ ذلك لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ الآية، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله ﴿ لتعلموا ﴾ .

وتوسّط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه، وهو الجعل المأخوذ من قوله: ﴿ جعل الله الكعبة ﴾ ، فتوسّط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسّط ضمير الفصل، فلذلك كان الكلام شبيهاً بالمستأنف وما هو بمستأنف، لأنّ ماصْدَقَ اسم الإشارة هو الكلام السابق، ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل، والتعليل اتّصال وليس باستئناف، لأنّ الاستئناف انفصال.

وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلّق به لام التعليل إلاّ قوله ﴿ جعل ﴾ .

وليست الإشارة إلاّ للجعل المأخوذ من قوله ﴿ جعل ﴾ .

والمعنى: جعل الله الكعبة قياماً للناس لتعلموا أن الله يعلم الخ..، أي أنّ من الحكمة التي جعل الكعبة قياماً للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم.

فَجَعْل الكعبة قياماً مقصود منه صلاح الناس بادئ ذي بدء لأنّه المجعولة عليه، ثم مقصود منه عِلم الناس بأنّه تعالى عليم.

وقد تكون فيه حكم أخرى لأنّ لام العلّة لا تدلّ على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدّد العلل للفعل الواحد، لأنّ هذه علل جعلية لا إيجادية، وإنّما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدّة الاهتمام بها، لأنّها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمّة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك.

فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياماً لأجلها.

والمقصود أنّه يعلم ما في السموات وما في الأرض قبل وقوعه لأنّه جعل التعليل متعلّقاً بجعل الكعبة وما تبعها قياماً للناس.

وقد كان قيامها للناس حاصلاً بعد وقت جعلها بمدّة، وقد حصل بعضُه يتلُو بعضاً في أزمنة متراخية كما هو واضح.

وأمّا كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنّه أولى، ولأنّ كثيراً من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها.

ووجه دلالة جَعْل الكعبة قياماً للناس وما عطف عليها، على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، أنّه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم، فلم يدر أحد يومئذٍ إلاّ أنّ إبراهيم اتّخذها مسجداً، ومكة يومئذٍ قليلة السكّان، ثم إنّ الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين إليها، ووقّت للناس أشهراً القصد فيها، وهدايا يسوقونها إليها فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضارّ كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة، كما بيّنّاه آنفاً.

فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام.

فلا شك أنّ الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمّة كبيرة، وأن ستحمد تلك الأمّة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها.

وكان ذلك تمهيداً لما علمه مِن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم، وجعلِهم حملة شريعته إلى الأمم، وما عقب ذلك من عِظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام.

ثم هو يعلم ما في الأرض وليس هو في الأرض بدليل المشاهدة، أو بالترفّع عن النقص فلا جرم أن يكون عالماً بما في السماواة، لأنّ السموات إمّا أن تكون مساوية للأرض في أنّه تعالى ليس بمستقرّ فيها، ولا هي أقرب إليه من الأرض، كما هو الاعتقاد الخاصّ، فثبت له العلم بما في السماوات بقياس المساواة؛ وإمّا أن يكون تعالى في أرفع المكان وأشرف العوالم، فيكون علمه بما في السماوات أحرى من علمه بما في الأرض، لأنّها أقرب إليه وهو بها أعني، فيتمّ الاستدلال للفريقين.

وأمّا دلالة ذلك على أنّه بكلّ شيء عليم فلأنّ فيما ثبت من هذا العلم الذي تقرّر من علمه بما في السماوات وما في الأرض أنواعاً من المعلومات جليلة ودقيقة؛ فالعلم بها قبل وقوعها لا محالة، فلو لم يكن يعلم جميع الأشياء لم يخل من جهل بعضها، فيكون ذلك الجهل معطّلاً لعلمه بكثير ممّا يتوقّف تدبيره على العلم بذلك المجهول فهو ما دبر جعل الكعبة قياماً وما نشأ عن ذلك إلاّ عن عموم علمه بالأشياء ولولا عمومه ما تمّ تدبير ذلك المقدّر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ يَعْنِي صَيْدَ الماءِ سَواءٌ كانَ مِن بَحْرٍ أوْ نَهْرٍ أوْ عَيْنٍ أوْ بِئْرٍ فَصَيْدُهُ حَلالٌ لِلْمُحْرِمِ والحَلالِ في الحُرُمِ والحِلِّ.

﴿ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ ﴾ في طَعامِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: طافِيهِ وما لَفَظَهُ البَحْرُ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: مَمْلُوحَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ ﴾ يَعْنِي مَنفَعَةً لِلْمُسافِرِ والمُقِيمِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي مُدْلِجٍ، وكانُوا يَنْزِلُونَ بِأسْيافِ البَحْرِ، سَألُوا عَمّا نَضَبَ عَنْهُ الماءُ مِنَ السَّمَكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ في تَسْمِيَتِها كَعْبَةً قَوْلانِ: أحَدُهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْبِيعِها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعُلُوِّها ونُتُوئِها مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ كَعِبَ ثَدْيُ المَرْأةِ إذا عَلا ونَتَأ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى لَها أنْ يُصادَ صَيْدُها، أوْ يُخْتَلى خَلاها، أوْ يُعَضَّدُ شَجَرُها.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي صَلاحًا لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: تَقُومُ بِهِ أبْدانُهم لِأمْنِهِمْ بِهِ في التَّصَرُّفِ لِمَعايِشِهِمْ.

والثّالِثُ: قِيامًا في مَناسِكِهِمْ ومُتَعَبَّداتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إنما سميت الكعبة لتربيعها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ قال: قياماً لدينهم ومعالم لحجهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: قيامها أن يأمن من توجه إليها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: قواماً للناس.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: صلاحاً لدينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: شدة لدينهم.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: عصمة في أمر دينهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً يدفع بعضهم عن بعض به ﴿ والشهر الحرام ﴾ كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد، ويلقي الرجل قاتل أبيه أو ابن عمه فلا يعرض له، وهذا كله قد نسخ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: جعل الله البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا يخاف بعضهم بعضاً حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم أو في الشهر الحرام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ﴾ قال: حواجز أبقاها الله في الجاهلية بين الناس، فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر فمنعته من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن.

أنه تلا هذه الآية ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ قال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: جعل الله هذه الأربعة قياماً للناس هي قوام أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده في قوله: ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: تعظيمهم إياها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان ﴿ قياماً للناس ﴾ يقول: قواماً علماً لقبلتهم، وأمناً هم فيه آمنون.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم ﴿ قياماً للناس ﴾ قال: أمنا.

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن مسلم بن هرمز قال: حدثني من أصدق قال: تنصب الكعبة يوم القيامة للناس تخبرهم بأعمالهم فيها.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مجلز.

أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد، فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر فقال الله: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء الخراساني في الآية قال: كانوا إذا دخل الشهر الحرام وضعوا السلاح، ومشى بعضهم إلى بعض.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في الآية قال: كانت العرب في جاهليتها جعل الله هذا لهم شيئاً بينهم يعيشون به، فمن انتهك شيئاً من هذا أو هذا لم يناظره الله حتى بعد ذلك ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ﴾ .

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ الآية.

قال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعها (١) (٢) (٣) والبيت الحرام معناه: أن الله تعالى: حرم أن يصاد عنده وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يعضد شجره وما عظم من حرمته (٤) ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم (٥) وقال سعيد بن جبير: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ صلاحًا لدينهم (٦) (٧) ويؤكد هذا التفسير قول عطاء في هذه الآية: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ ولو تركوا عامًا واحداً لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا (٨) (٩) وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعنى: القيام ههنا يراد به القِوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله حج الكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم، فاستتبت معايشهم به واستقامت أحوالهم لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة وأنواع البركة (١٠) (١١) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ في سورة النساء (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ﴾ ، ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت؛ لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته وذكرت معه.

وهذا طريق في تفسير الآية، وقال كثير من المفسرين: هذا إخبار عما جعله الله تعالى في الجاهلية من أمر الكعبة (١٤) قال ابن عباس: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ أي أمنًا للناس، وكان أهل الجاهلية يأمنون فيه، فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله ولا هيَّجه، وكانوا لا يغزون في الشهر الحرام، وكانوا ينضلون فيه الأسنة، ويبذعز (١٥) (١٦) وقال قتادة: وكان هذا في الجاهلية، لو جنى الرجل كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتل أبيه في الحرم ما مسه، ولو لقي الهدي مقلدًا وهو يأكل العصب من الجوع ما مسه (١٧) (١٨) وعلى هذا التفسير القيام مصدر، والمعنى أن الكعبة جعلها الله أمنًا للناس، بها يقومون أي يأمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا.

ذكره أبو إسحاق (١٩) وشرح عبد الله بن مسلم (٢٠) (٢١) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ ، وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرِّحَل وتوزعتهم النُّجَعُ وانبسطوا في متاجرهم فأمنوا على أموالهم وأنفسهم.

وإذا أهدى الرجل هديًا أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم أمن كيف تَصَرَّف (٢٢) (٢٣) أحدهما: أن الله امتن على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحًا لدينهم ودنياهم، وقيامًا لهما بها.

والثاني: أنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية، قال أبو بكر: والقيام يقال في تفسيره غير وجه: منها: الأمن، لأن الناس يقومون بالأمن ويصلح شأنهم من جهته، ويقال للقيام: العصمة، من قولهم: فلان يقوم على القوم إذا كان يكفل بمؤوناتهم، وهذا قول الربيع بن أنس في قوله: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قال: عصمة لهم (٢٤) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا  ﴾ أي صلاحًا ومعاشًا (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ ، أراد الأشهر الحرم الأربعة، وخرج مخرج الواحد؛ لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الأول لجعل، ومثل ذلك: ظننت زيدًا منطلقًا وعمرًا، وذكرنا معنى الهدي والقلائد في أول السورة (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ﴾ إلى آخرها، لم أر للمفسرين فيه شيئًا، وذكر أصحاب المعاني فيه قولين: أحدهما: أن الإشارة في قوله: (ذلك) إلى ما ذُكِر في هذه الآية من جعل الكعبة صلاحًا وأمنًا وقوامًا للناس، وهو قول ابن قتيبة (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقال أبو علي: أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والأرض، وما يجري عليه شأنهم ومعايشهم، وغير ذلك مما يصلحهم، وأن الله بكل شيء يصلحهم، ويقيمهم عليه (٣٢) وقال الزجاج في أحد القولين: إن الله جل وعز لما آمن من الخوف في البلد الحرام، والناس يقتل بعضهم بعضًا وجعل الشهر الحرام يُمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، دل بذلك أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض إذ (٣٣) (٣٤) وقال أبو بكر: جعل الله هذا الوقت يؤمن فيه، وهذا البلد لا يسفك فيه دم عند المشركين الذين لا يقرؤون كتابًا ولا يدينون بدين، فيعظمونهما غير عابدين لله عز وجل ولا مصدقين لأنبيائه، يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية في أرض ولا في سماء (٣٥) والقول الثاني: أن الإشارة في قوله: (ذلك) يعود إلى ما ذكر في هذه السورة من الأنباء والقصص، قال ابن الأنباري: إن الله تعالى خبرَّ في هذه السورة من أخبار الأنبياء وتُبَّاعهم بغيوب كثيرة، وأطع نبيه  والمسلمين على أشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عنهم، مثل قوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ  ﴾ وغير ذلك، فلما دل على غيوب لم تكن تُعلَم قبل نزول السورة قال: (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم عن الله تعالى، ويدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه عازبة (٣٦) (٣٧) (١) أخرجه الطبري 7/ 76 عن مجاهد وعكرمة، "معاني الزجاج" 2/ 210.

(٢) "تفسيره" 1/ 507.

(٣) "النكت والعيون" 2/ 69، والبغوي 3/ 103، 104، و"اللسان" 1/ 718، 719 (كعب).

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 76، "النكت والعيون" 2/ 69.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 77، و"الدر المنثور" 2/ 588.

(٦) أخرجه الطبري 7/ 77، و"النكت والعيون" 2/ 69.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 76 - 78، "النكت والعيون" 2/ 69.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(١٠) انظر: الطبري 7/ 76، "بحر العلوم" 1/ 460، "الوسيط" 2/ 231، "زاد المسير" 2/ 430.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 231.

(١٢) الآية رقم (5) من النساء.

(١٣) "تفسير الطبري" 7/ 76.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 77.

(١٥) هكذا هذه الكلمة في النسختين.

وقد تكون: وينبعث.

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 78 نحوه عن قتادة وابن زيد، "زاد المسير" 2/ 430.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 77 - 78 بمعناه.

(١٨) تفسيره 1/ 507.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٢٠) ابن قتيبة في المشكل.

(٢١) في المشكل: السبل.

(٢٢) في (ش): يصرف.

وما أثبته من (ج) موافق لما في المشكل.

(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 73، 74.

(٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) "زاد المسير" 2/ 430، 431.

(٢٦) عند تفسير الآية الثانية من هذه السورة (المائدة).

(٢٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 73، 74.

(٢٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 260.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٣٠) في (ش): (ومنافعهم) وما أثبته هو المطابق لما في "تأويل مشكل القرآن".

(٣١) "تأويل مشكل القرآن" ص 74.

(٣٢) "الحجة" 3/ 260.

(٣٣) في (ج): (إذا).

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٣٥) "زاد المسير" 2/ 431.

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 210، "زاد المسير" 2/ 431.

(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ أي أمراً يقوم للناس بالأمن والمنافع، وقيل: موضع قيام بالمناسك ولفظ الناس هنا عام، وقيل: أراد العرب خاصة، لأنهم الذين كانوا يعظمون الكعبة ﴿ والشهر الحرام ﴾ يريد جنس الأشهر الحرم الأربعة، لأنهم كانوا يكفون فيها عن القتال ﴿ والهدي ﴾ يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب ﴿ والقلائد ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئاً من السمر، وإذا رجع تقلد شيئاً من أشجار الحرم، ليعلم أنه كان في عبادة، فلا يتعرض له أحد بشيء، فالقلائد هنا هو ما تقلده المحرم من الشجر، وقيل: أراد قلائد الهدي، قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وشدّد في الإسلام ﴿ ذلك لتعلموا ﴾ الإشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياماً للناس، والمعنى جعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل الأمور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.

الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان  ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.

﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.

﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.

﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.

﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.

قال المفسرون: "جلس رسول الله  يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله  فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟

قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.

فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.

ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‍‍!

أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟

فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.

فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه  قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.

ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.

فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.

والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.

ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه  هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.

قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله  وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.

أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.

ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.

ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.

أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.

وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.

ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.

والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.

فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.

وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.

أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه  قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي  أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.

فقال الرجل: ما أجد.

فأتى النبي  بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي  : أطعم هذا.

وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.

ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.

وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.

وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.

أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.

ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.

وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.

وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.

وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.

قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.

وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.

والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.

قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.

وعن مجاهد: ثوب جامع.

وقال الحسن: ثوبان أبيضان.

و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.

ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.

ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.

وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.

وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.

﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.

تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.

وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.

ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي  أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟

فقال رسول الله  : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟

قال: بلى.

قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .

وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي  قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .

ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.

هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.

والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.

جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.

﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.

وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.

ثم إنه  استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.

واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله  منها قصة علي بن أبي طالب  وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله  أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله  واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.

فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟

قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي  : فانطلقت حتى دخلت على النبي  وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله  الذي أتيت له فقال: ما لك؟

فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!

عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.

قال: فدعا رسول الله  بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.

فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله  يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله  ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟

فعرف رسول الله  أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.

قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.

ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.

قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون  ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.

ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.

ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.

ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.

والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.

ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.

ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.

وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.

وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.

ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟

ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.

إذ فهموا التحريم المؤكد.

ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.

ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.

عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.

فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله  ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله  ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.

ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.

والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.

وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع  ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.

والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.

روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟

فنزلت.

وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.

ثم أنه  شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.

فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.

وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.

وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.

وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.

ثم إنه  استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد  بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.

قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.

قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.

و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.

عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.

أما الأول فلقوله  بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله  ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.

وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.

وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي  : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.

وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.

﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.

وقيل: وقد دخلتم الحرم.

وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.

ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.

قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.

وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.

قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.

وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.

ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.

وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.

وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.

قال  "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.

أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.

ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.

حجة الشافعي قوله  ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي  أنه حكم في الضبع بكبش.

وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.

فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.

والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.

وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.

والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.

وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.

(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.

فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.

وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.

الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.

وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.

الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.

وقال المزني: عليه شاة.

وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.

الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.

حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.

حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.

والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.

فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.

قوله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.

ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.

عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟

قال الله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.

قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه  قضى في الضبع بكبش.

وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.

وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.

وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟

إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.

وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.

فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.

فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.

فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.

وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.

ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.

ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.

قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.

وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.

وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.

والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.

قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.

وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.

قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.

ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.

وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.

ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.

ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.

وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.

وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.

فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.

والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.

وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.

فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.

وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.

ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.

ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.

وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.

ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.

وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.

وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟

أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.

أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.

والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.

والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.

وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.

﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.

ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.

فقال أبو حنيفة: حرام.

وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.

قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.

وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.

فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.

وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.

قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال  ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله  في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.

وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.

وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.

واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي  أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله  قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله  : هل أشرتم؟

هل أعنتم؟

فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟

قالوا معنا رجله.

فأخذها النبي  فأكلها.

هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وقال في الكشاف.

أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.

ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.

ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.

وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم  .

﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.

وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.

وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.

وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.

وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.

وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله  أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.

ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!

ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.

وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه  يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي  قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟

فقال له النبي  : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله  وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.

التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.

﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.

﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.

ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.

أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.

﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.

﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.

﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.

﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.

والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.

﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ .

أخبر الله -  - أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم، ثم اختلف أهل التأويل في تأويله.

قال بعضهم: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف في البحر"، كذلك روي عن عمر -  - أنه قال: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف".

وعن أبي بكر وابن عباس -  ما - قالا: "طعامه: ما قذف".

وقال بعضهم: صيده: ما أخذ طريّاً، وطعامه: مليحة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ : أي: منفعة لكم، أي: للحاضر ﴿ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ : أي: للمسافر.

وعن بعضهم: صيده: ما صدت طريا، وطعامه: ما تزودت في سفرك مليحا.

ثم يجيء على قول أصحاب الظاهر: أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحاً بظاهر قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ...

﴾ الآية، وكذلك ما روي عن نبي الله  قال: "الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" أنه لم يخص ميتة دون ميتة، ولا طعاماً دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك خاصة؛ لما روي عنه  قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ والسَّمَكُ..." دل الخبر أن المراد من الآية والخبر رجع إلى السمك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ عن ابن عباس -  - قال: مبهمة، لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله.

وروي عن علي -  - وهو محرم أنه دعي إلى طعام، فقرب إليه يعاقيب وحجل، فلما رأي ذلك علي قام، وقام معه ناس؛ فقيل لصاحب الطعام: ما قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك؛ فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما كرهت من هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا ولا صدنا.

قال علي -  -: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" ثم انطلق.

وعن عثمان -  - مثله أو قريباً منه.

وأما عندنا: فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده هو ولا صيد له؛ لما روي عن أبي قتادة -  - "أنه كان مع النبي  حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطاً، فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذه، ثم اشتد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحابه، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله  فسألوه عن ذلك، فقال: إِنَّمَا هِي طُعْمَةٌ أَطَعَمَكُمُوهَا اللهُ سُبْحَانَهُ، وقال: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ" وفي خبر أخر عن جابر بن عبد الله -  - قال: عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول الله  .

وفي خبر آخر عن أبي قتادة -  - قال: "إني أصبت حمار وحش، فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش وعندي منه، فقال للقوم: كُلُوا، وهم محرمون" .

وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  لهم: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ، رخص النبي  في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْهُ ولم يُصَدْ له، وبذلك أخذ أصحابنا.

وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، وقال: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فمعناه - والله أعلم -: اصطياده؛ ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل لحمه محظور؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في الاصطياد لا في أكل لحمه؛ لأن لحم الصيد قد خرج من أن يصاد؛ فالتحريم غير واقع عليه، ليس كالبيض؛ لأن البيض قد يصير صيداً، واللحم ليس كذلك، ولأن المحرم لو أتلف البيض غرم قيمته، ولو أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئاً، فما لزمه الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم التناول من لحم صيد صاده حلال، لوجب أن يحرم على أهل مكة التناول منه؛ إذ هم أهل حرم الله، وذلك بعيد؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بما روينا من الأخبار عن رسول الله  من حديث أبي قتادة وغيره، وبما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما،  م.

فإن قيل: روي عن ابن عباس -  - عن زيد بن أرقم أن النبي  نهى المحرم عن لحم الصيد.

وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم -  - قال: "أهدي لرسول الله  عضواً من لحم صيد، فرده، وقال: إِنَّا حُرُمٌ لاَ نَأْكُلُهُ" وروي في خبر آخر أنه "سئل النبي  عن محرم أتى بلحم صيد؟

قال: لاَ تَأْكُلْ مِنْهُ" لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيد بعد أن أحرم [أو] أن يكون صيد من أجله، وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله؛ دليله من خبر عثمان -  -: "ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي"، وخبر جابر -  - عن رسول الله  قال: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر: قال بعضهم: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصيدوه، وما كان حياته في الماء فذاك البحري.

وقال آخرون: أكثر ما يكون [في الماء حتى يفرخ].

وقال غيرهم: صيد البر هو الذي إن أخذه الصائد حَيّاً فمات في يده لم يحل، ولا يحل إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، فكل ما كانت هذه صفته فهو [صيد البر]، وإن كان [قد] يعيش في الماء.

وما كان الصائد إذا أخذه حيّاً وهو يعيش في الماء فمات في يده أكله، فذلك صيد البحر، وذلك السمك.

وفي ذلك وجه آخر: وهو أن كل ما ألقاه البحر وقذفه فمات فحل لنا أكله، فذلك طعامه، وإن لم يحل أكله فليس بطعامه، فما كان طعامه وألقاه فمات فهو إذن صيد البحر، وما لا يحل أكله إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد؛ لأن الله أباح صيد البحر وطعامه، فما ليس بطعامه إذا ألقاه فمات فليس بصيد إذا أخذ حيّاً، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في استحلال قتل الصيد في الحرم، أو اتقوا الله في أخذ الصيد في حال الإحرام بعد النهي، أو اتقوا الله في كل ما لا يحل ﴿ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فتجزون بأعمالكم: إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أي: إلى حكمه تصيرون؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ...

﴾ الآية: اختلف فيه: قال بعضهم قوله -  -: ﴿ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي ثباتا للناس ودواماً؛ لأن الله -  - جعلها موضعاً لإقامة العبادات، من نحو: الحج، والطواف، والصلاة، وإراقة الدماء، والهدايا، وغير ذلك من العبادات، ثم إن تلك العبادات جعلها ثابتة دائمة لا تبدل ولا تنسخ أبداً؛ فذلك معنى القيام للناس، والله أعلم.

وقال بعضهم: قياماً بمعنى: قواماً، أي: جعلها قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ لأنه جعلها مأمناً لهم وملجأ؛ حتى أن من ارتكب كبيرة أو جرم جريمة [ثم لجأ إليه]، لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا يتناول منه، وكانوا إذا وجدوا هدياً مقلداً لم يتعرضوا له وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ذكره.

وجعل فيها عبادات ومقصداً ما لم يجعل في غيرها من البقاع: من قضاء المناسك وغيرها، وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمناً لهم إذا دخلوا فيه، يأمنون من كل خوف كان بهم، وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها؛ فكان في ذلك قواماً لهم في معاشهم ومعادهم.

وعن سعيد بن جبير: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ : شدة لدينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ذلك الأمن وما ذكرنا من جعل الكعبة قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ ﴿ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: على علم جعل هكذا قبل أن يكون أنه يكون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغييرها وتبديل نعته  وصفته، أي: على علم منه بالتحريف والتبديل خلقكم، لا عن جهل؛ ليمتحنكم؛ لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن، بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع إلى المؤمن.

وقوله - عز جل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ ، أي: اعلموا أنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، على ما علمتم أنه عن علم منه كان جميع ما كان.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ واعلموا - أيضاً - أن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب إليه، وشديد العقاب؛ لأن من العقوبات ما ليس بشديد، وخاصة عقوبة الآخرة أنه يعاقب بالنار، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار؛ فإنه لا يحتملها أحد، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء، وعذاب الآخرة لا انقضاء له ولا فناء؛ لذلك وصف بالشدة، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جعل الله الكعبة البيت المُحَرَّم قيامًا للناس، به تقوم مصالحهم الدينية من الصلاة والحج والعمرة، ومصالحهم الدنيوية بالأمن في الحرم وجباية ثمرات كل شيء إليه، وجعل الأشهر الحرم وهي: (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) قيامًا لهم بأمنهم فيها من قتال غيرهم لهم، والهدي والقلائد المُشْعَرَة بأنها مسوقة إلى الحرم قيامًا لهم بأمن أصحابها من التعرض لهم بأذى، ذلك الذي منّ الله به عليكم لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شيء عليم فإن تشريعه لذلك -لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل حصولها- دليل على علمه بما يصلح للعباد.

<div class="verse-tafsir" id="91.jdRBz"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله