الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩٦ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 196 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس - في رواية عنه - وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وغيرهم في قوله : يعني : ما يصطاد منه طريا ) وطعامه ) ما يتزود منه مليحا يابسا .
وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه : صيده ما أخذ منه حيا ) وطعامه ) ما لفظه ميتا .
وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ، رضي الله عنهم .
وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري .
قال سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن أبي بكر الصديق أنه قال : ( وطعامه ) كل ما فيه .
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك قال : حدثت عن ابن عباس قال : خطب أبو بكر الناس فقال : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ) وطعامه ما قذف .
قال : وحدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس في قوله : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) قال ) وطعامه ) ما قذف .
وقال عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( وطعامه ) ما لفظ من ميتة .
ورواه ابن جرير أيضا .
وقال سعيد بن المسيب : طعامه ما لفظه حيا ، أو حسر عنه فمات .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال : إن البحر قد قذف حيتانا كثيرا ميتا أفنأكله؟
فقال : لا تأكلوه .
فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة ، فأتى هذه الآية ( وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) فقال : اذهب فقل له فليأكله ، فإنه طعامه .
وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه ، قال : وقد روي في ذلك خبر ، وإن بعضهم يرويه موقوفا .
حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ) قال : طعامه ما لفظه ميتا " .
ثم قال : وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة : حدثنا هناد ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة في قوله : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) قال : طعامه : ما لفظه ميتا .
وقوله : ( متاعا لكم وللسيارة ) أي : منفعة وقوتا لكم أيها المخاطبون ) وللسيارة ) وهو جمع سيار .
قال عكرمة : لمن كان بحضرة البحر ، وللسيارة : السفر .
وقال غيره : الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر ، و ) طعامه ) ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد زادا للمسافرين والنائين عن البحر .
وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم .
وقد استدل جمهور العلماء على حل ميتة البحر بهذه الآية الكريمة ، وبما رواه الإمام مالك بن أنس ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، وهم ثلاثمائة ، قال : وأنا فيهم .
قال : فخرجنا ، حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع ذلك كله ، فكان مزودي تمر ، قال : فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة .
فقلت : وما تغني تمرة؟
فقال : فقد وجدنا فقدها حين فنيت ، قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب ، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة .
ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثم أمر براحلة فرحلت ، ومرت تحتهما فلم تصبهما .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر .
وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير ، عن جابر : فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها : العنبر قال : قال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : لا نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا .
ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ، ونقتطع منه الفدر كالثور ، أو : كقدر الثور ، قال : ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها ، وتزودنا من لحمه وشائق .
فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فذكرنا ذلك له ، فقال : " هو رزق أخرجه الله لكم ، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟
" قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله .
وفي بعض روايات مسلم : أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة .
فقال بعضهم : هي واقعة أخرى ، وقال بعضهم : بل هي قضية واحدة ، ولكن كانوا أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة ، فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة ، والله أعلم .
وقال مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة - من آل ابن الأزرق : أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أخبره ، أنه سمع أبا هريرة يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل ، وأهل السنن الأربعة ، وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان ، وغيرهم .
وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، من طرق ، عن حماد بن سلمة : حدثنا أبو المهزم - هو يزيد بن سفيان - سمعت أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج - أو عمرة - فاستقبلنا رجل جراد ، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن ، فأسقط في أيدينا ، فقلنا : ما نصنع ونحن محرمون؟
فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا بأس بصيد البحر " أبو المهزم ضعيف ، والله أعلم .
وقال ابن ماجه : حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله عن علاثة ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال : " اللهم أهلك كباره ، واقتل صغاره ، وأفسد بيضه ، واقطع دابره ، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا ، إنك سميع الدعاء " .
فقال خالد : يا رسول الله ، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟
فقال : " إن الجراد نثرة الحوت في البحر " .
قال هاشم : قال زياد : فحدثني من رأى الحوت ينثره .
تفرد به ابن ماجه .
وقد روى الشافعي ، عن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم .
وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ، ولم يستثن من ذلك شيئا .
وقد تقدم عن الصديق أنه قال : ( طعامه ) كل ما فيه .
وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها ; لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن قتل الضفدع " .
وللنسائي ، عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع ، وقال : نقيقها تسبيح .
وقال آخرون : يؤكل من صيد البحر السمك ، ولا يؤكل الضفدع .
واختلفوا فيما سواهما ، فقيل : يؤكل سائر ذلك ، وقيل : لا يؤكل .
وقيل : ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر ، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل .
وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي ، رحمه الله .
قال أبو حنيفة ، رحمه الله : لا يؤكل ما مات في البحر ، كما لا يؤكل ما مات في البر ; لعموم قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) [ المائدة : 3 ] .
وقد ورد حديث بنحو ذلك ، فقال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع - حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان قالا : حدثنا الحسين بن زيد الطحان ، حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن أبي ذئب ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه ، وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه " .
ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، عن جابر به .
وهو منكر .
وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، بحديث " العنبر " المتقدم ذكره ، وبحديث : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ، وقد تقدم أيضا .
وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالحوت والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .
ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي .
وله شواهد ، وروي موقوفا ، والله أعلم .
وقوله : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) أي : في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد .
ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم ، أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله ; لأنه في حقه كالميتة ، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي - في أحد قوليه - وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ، وغيرهم .
فإن أكله أو شيئا منه ، فهل يلزمه جزاء؟
فيه قولان للعلماء : أحدهما : نعم ، قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : إن ذبحه ثم أكله فكفارتان ، وإليه ذهب طائفة .
والثاني : لا جزاء عليه بأكله .
نص عليه مالك بن أنس .
قال أبو عمر بن عبد البر : وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار ، وجمهور العلماء .
ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ ثم وطئ ثم وطئ قبل أن يحد ، فإنما عليه حد واحد .
وقال أبو حنيفة : عليه قيمة ما أكل .
وقال أبو ثور : إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه ، وحلال أكل ذلك الصيد ، إلا أنني أكرهه للذي قتله ، للخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صيد البر لكم حلال ، ما لم تصيدوه أو يصد لكم " .
وهذا الحديث سيأتي بيانه .
وقوله بإباحته للقاتل غريب ، وأما لغيره ففيه خلاف .
قد ذكرنا المنع عمن تقدم .
وقال آخرون .
بإباحته لغير القاتل ، سواء المحرمون والمحلون ; لهذا الحديث .
والله أعلم .
وأما إذا صاد حلال صيدا فأهداه إلى محرم ، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقا ، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا .
حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر ، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء - في رواية - وسعيد بن جبير .
قال : وبه قال الكوفيون .
قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، أن سعيد بن المسيب حدثه ، عن أبي هريرة ; أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال ، أيأكله المحرم؟
قال : فأفتاهم بأكله .
ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره ، فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك .
وقال آخرون : لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية ، ومنعوا من ذلك مطلقا ; لعموم هذه الآية الكريمة .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس وعبد الكريم بن أبي أمية ، عن طاوس ، عن ابن عباس ; أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم .
وقال : هي مبهمة .
يعني قوله : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .
قال : وأخبرني معمر ، عن الزهري ، عن ابن عمر ; أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال .
قال معمر : وأخبرني أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مثله .
قال ابن عبد البر : وبه قال طاوس وجابر بن زيد ، وإليه ذهب الثوري وإسحاق ابن راهويه - في رواية - وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب ، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .
وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه - في رواية - والجمهور : إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد ، لم يجز للمحرم أكله ; لحديث الصعب بن جثامة : أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء - أو : بودان - فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ، وله ألفاظ كثيرة قالوا : فوجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظن أن هذا إنما صاده من أجله ، فرده لذلك .
فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه ; لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش ، كان حلالا لم يحرم ، وكان أصحابه محرمين ، فتوقفوا في أكله .
ثم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هل كان منكم أحد أشار إليها ، أو أعان في قتلها؟
" قالوا : لا .
قال : " فكلوا " .
وأكل منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وقال قتيبة في حديثه : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - يقول : " صيد البر لكم حلال - قال سعيد : وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يصد لكم " .
وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة .
وقال الترمذي : لا نعرف للمطلب سماعا من جابر .
ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، من طريق عمرو بن أبي عمرو ، عن مولاه المطلب ، عن جابر ثم قال : وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس .
وقال مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج ، وهو محرم في يوم صائف ، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ، ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه : كلوا ، فقالوا : أولا تأكل أنت؟
فقال : إني لست كهيئتكم ، إنما صيد من أجلي .
أحل لكم صيد البحر القول في تأويل قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } يقول تعالى ذكره : { أحل لكم } أيها المؤمنون { صيد البحر } وهو ما صيد طريا .
كما : 9876 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد منه .
9877 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر .
قال : فصيده : ما أخذ .
9878 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد منه .
9879 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده الطري .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال , قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس { أحل لك صيد البحر } قال : الطري .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن عكرمة بن الجعفي - أو الحسين , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس يقول : صيد البحر : ما اصطاده .
9880 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لك صيد البحر } قال : الطري .
9881 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن الحجاج , عن العلاء بن بدر , عن أبي سلمة , قال : صيد البحر : ما صيد .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لكم صيد البحر } قال : الطري .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير مثله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لكم صيد البحر } قال : السمك الطري .
9882 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أحل لكم صيد البحر } أما صيد البحر : فهو السمك الطري , هي الحيتان .
9883 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , قال : صيده : ما اصطدته طريا .
قال معمر : وقال قتادة : صيده : ما اصطدته .
9884 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { أحل لك صيد البحر } قال : حيتانه .
9885 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة , قال : سئل سعيد عن صيد البحر , فقال : قال مكحول : قال زيد بن ثابت : صيده : ما اصطدت .
9886 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { أحل لك صيد البحر وطعامه متاعا لك وللسيارة } قال : يصطاد المحرم والمحل من البحر , ويأكل من صيده .
9887 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : قال أبو بكر : طعام البحر : كل ما فيه .
وقال جابر بن عبد الله : ما حسر عنه فكل .
وقال : كل ما فيه ; يعني : جميع ما صيد .
9888 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر : { وطعامه متاعا لك وللسيارة } قال : هو كل ما فيه .
وعنى بالبحر في هذا الموضع : الأنهار كلها ; والعرب تسمي الأنهار بحارا , كما قال تعالى ذكره : { ظهر الفساد في البر والبحر } .
فتأويل الكلام : أحل لكم أيها المؤمنون طري سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حلكم وحرمكم , وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رمى به إلى ساحله .وطعامه واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { وطعامه } فقال بعضهم : عنى بذلك : ما قذف به إلى ساحله ميتا , نحو الذي قلنا في ذلك .
ذكر من قال ذلك : 9889 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم , وطعامه : ما قذف .
9890 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : كنت بالبحرين , فسألوني عما قذف البحر , قال : فأفتيتهم أن يأكلوا .
فلما قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه , ذكرت ذلك له , فقال لي : بم أفتيتهم ؟
قال : قلت : أفتيتهم أن يأكلوا , قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة .
قال : ثم قال : إن الله تعالى قال في كتابه : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } فصيده : ما صيد منه , وطعامه : ما قذف .
9891 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما قذف .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : طعامه : ما قذف .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , مثله .
9892 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن زائدة , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : طعامه : كل ما ألقاه البحر .
9893 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن علي - أو الحسين بن على الجعفي , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما لفظ من ميتته .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال .
قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال .
طعامه : ما وجد على الساحل ميتا .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما قذف به .
9894 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر رضي الله عنه : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : هو كل ما فيه .
9895 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار عن عكرمة مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ميتته .
قال عمرو : وسمع أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : .
{ وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ميتته .
9896 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن عثمان , عن عكرمة : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما قذف .
9897 - حدثنا بن عبد الأعلى , قال : ثنا معمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , قال : جاء عبد الرحمن إلى عبد الله , فقال : البحر قد ألقى حيتانا كثيرة ؟
قال : فنهاه عن أكلها , ثم قال : يا نافع هات المصحف !
فأتيته به , فقرأ هذه الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : قلت : طعامه : هو الذي ألقاه .
قال : فالحقه , فمره بأكله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر , فقال : إن البحر قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها ؟
قال : لا تأكلوها !
فلما رجع عبد الله إلى أهله , أخذ المصحف , فقرأ سورة المائدة , فأتى على هذه الآية : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : اذهب , فقل له فليأكله , فإنه طعامه .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , عن ابن عمر , بنحوه .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , عن عكرمة , مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : { وطعامه متاعا لكم } قال : ميتته , قال عمرو : سمعت أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه : إلا مالحه .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر , أميتة هي ؟
قال : نعم !
فنهاه عنها .
ثم دخل البيت , فدعا بالمصحف , فقرأ تلك الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : كل شيء أخرج منه فكله فليس به بأس , وكل شيء فيه يؤكل ميتا أو بساحله .
9898 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , قال قتادة : طعامه : ما قذف منه .
9899 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن ليث , عن شهر , عن أبي أيوب , قال : ما لفظ البحر فهو طعامه , وإن كان ميتا .
9900 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن ليث , عن شهر , قال : سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا } قال : هو ما لفظ البحر .
وقال آخرون : عنى بقوله : { وطعامه } المليح من السمك .
فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم : أحل لكم سمك البحر ومليحه في كل حال , إحلالكم وإحرامكم .
ذكر من قال ذلك : 9901 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس : { وطعامه } قال : طعامه المالح منه .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم } يعني بطعامه : مالحه , وما قذف البحر من مالحه .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لك } وهو المالح .
9902 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن مجمع التيمي , عن عكرمة , في قوله : { متاعا لكم } قال : المليح .
9903 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سالم الأفطس وأبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : المليح .
9904 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { وطعامه متاعا لكم } قال : المليح وما لفظ .
9905 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن سالم , عن سعيد بن جبير , في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : " أطعموني " , فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : " أطعموني من طعامكم " , أطعموه من سمكهم المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل : عن عطاء , عن سعيد : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : المنبوذ , السمك المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { وطعامه } قال : المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { وطعامه } قال : هو مالحه .
ثم قال : ما قذف .
9906 - حدثنا ابن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وطعامه } قال : مملوح السمك .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني الثوري , عن منصور , قال : كان إبراهيم يقول : طعامه : السمك المليح .
ثم قال بعد : ما قذف به .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : { طعامه } المليح .
9907 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا إسرائيل , عن عبد الكريم , عن مجاهد , قال : { طعامه } السمك المليح .
9908 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { وطعامه متاعا لكم } قال : الصير .
قال شعبة : فقلت لأبي بشر : ما الصير ؟
قال : المالح .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هشام بن الوليد , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قوله : { وطعامه متاعا لكم } قال : الصير .
قال : قلت : ما الصير ؟
قال : المالح .
9909 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وطعامه متاعا لكم } قال : أما طعامه فهو المالح .
9910 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما تزودت مملوحا في سفرك .
9911 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي , قالا : ثنا سفيان عن عمرو , قال : قال جابر بن زيد : كنا نتحدث أن طعامه مليحه , ونكره الطافي منه .
وقال آخرون : { طعامه } ما فيه ذكر من قال ذلك : 9912 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : طعام البحر : ما فيه .
9913 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حريث , عن عكرمة : { وطعامه متاعا لكم } قال : ما جاء به البحر بوجه .
9914 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد , قال : طعامه : كل ما صيد منه .
وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا , قول من قال : طعامه : ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتا على ساحله .
وذلك أن الله تعالى ذكر قبله صيد الذي يصاد , فقال : { أحل لكم صيد البحر } فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه , فقال : أحل لكم صيد ما صدتموه من البحر وما لم تصيدوه منه .
وأما المليح , فإنه ما كان منه ملح بعد الاصطياد , فقد دخل في جملة قوله : { أحل لكم صيد البحر } فلا وجه لتكريره , إذ لا فائدة فيه .
وقد أعلم عباده تعالى إحلاله ما صيد من البحر بقوله { أحل لكم صيد البحر } فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك : ومليحه الذي صيد حلال لكم ; لأن ما صيد منه فقد بين تحليله طريا كان أو مليحا بقوله : { أحل لكم صيد البحر } والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا خبر , وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقله عنه من الصحابة , وذلك ما : 9915 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو سلمة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : " طعامه : ما لفظه ميتا فهو طعامه " .
وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة .
9916 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن محمد بن عمرو , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : طعامه : ما لفظه ميتا .متاعا لكم وللسيارة القول في تأويل قوله تعالى : { متاعا لكم وللسيارة } يعني تعالى ذكره بقوله : { متاعا لكم } منفعة لمن كان منكم مقيما أو حاضرا في بلده يستمتع بأكله وينتفع به .
{ وللسيارة } يقول : ومنفعة أيضا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض , ومسافرين يتزودونه في سفرهم مليحا .
والسيارة : جمع سيار .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 9917 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني أبو إسحاق , عن عكرمة , أنه قال في قوله : { متاعا لكم وللسيارة } قال : لمن كان بحضرة البحر , { وللسيارة } السفر .
9918 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , في قوله : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } ما قذف البحر , وما يتزودون في أسفارهم من هذا المالح .
يتأولها على هذا .
* - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع عن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } مملوح السمك ما يتزودون في أسفارهم .
9919 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا مسكين بن بكير , قال : ثنا عبد السلام بن حبيب النجاري , عن الحسن في قوله : { وللسيارة } قال : هم المحرمون .
9920 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } أما طعامه : فهو المالح منه , بلاغ يأكل منه السيارة في الأسفار .
9921 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : طعامه : مالحه وما قذف البحر منه يتزوده المسافر .
وقال مرة أخرى : مالحه وما قذف البحر , فمالحه يتزوده المسافر .
9922 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } يعني المالح فيتزوده .
وكان مجاهد يقول في ذلك بما : 9923 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وطعامه متاعا لكم } قال : أهل القرى , { وللسيارة } أهل الأمصار .
* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله : { متاعا لكم } قال لأهل القرى , { وللسيارة } قال : أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم .
وهذا الذي قاله مجاهد من أن السيارة هم أهل الأمصار لا وجه له مفهوم , إلا أن يكون أراد بقوله هم أهل الأمصار : هم المسافرون من أهل الأمصار , فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى , فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم .وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما القول في تأويل قوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } يعني تعالى ذكره : وحرم عليكم أيها المؤمنون صيد البر ما دمتم حرما , يقول : ما كنتم محرمين لم تحلوا من إحرامكم .
ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : { وحرم عليكم صيد البر } فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرم علينا كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك .
ذكر من قال ذلك : 9924 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث , عن نوفل , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج علي معه .
قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه ولم يأكل علي , فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا !
فقال علي : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } .
9925 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن سماك , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض , فنزل قديدا , فمر به رجل من أهل الشام معه باز وصقر , فاستعاره منه , فاصطاد به من اليعاقيب , فجعلهن في حظيرة .
فلما مر به عثمان طبخهن , ثم قدمهن إليه , فقال عثمان : كلوا !
فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب .
فلما جاء فرأى ما بين أيديهم , قال علي : إنا لن نأكل منه !
فقال عثمان : مالك لا تأكل ؟
فقال : هو صيد , ولا يحل أكله وأنا محرم .
فقال عثمان : بين لنا !
فقال علي : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟
فقرأ عليه : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما } .
9926 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد , قالا : أخبرنا أبو إسحاق الأزرق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض .
ثم ذكر نحوه , وزاد فيه : .
قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث , ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه !
فأرسل إليه عثمان وسأله عن أكل الصفيف , فقال : أما أنت فتأكل , وأما نحن فتنهانا ؟
فقال : إنه صيد عام أول , وأنا حلال , فليس علي بأكله بأس , وصيد ذلك - يعني اليعاقيب - وأنا محرم , وذبحن وأنا حرام .
9927 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا يونس , عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم , وكرهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
9928 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .
9929 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليا أتيا بلحم , فأكل عثمان ولم يأكل علي , فقال عثمان : أنحن صدنا أو صيد لنا ؟
فقرأ علي هذه الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } .
9930 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج معه علي , فأتي بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه وهو محرم , ولم يأكل منه علي , فقال عثمان : إنه صيد قبل أن نحرم .
فقال له علي : ونحن قد بدا لنا وأهالينا لنا حلال , أفيحللن لنا اليوم .
9931 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن عبد الكريم , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليا أتي بشق عجز حمار وهو محرم , فقال : إني محرم .
9932 - حدثنا ابن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن يعلى بن حكيم , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ما كان محرما .
9933 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام , أخذ له أو لم يؤخذ له , وشيقة وغيرها .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , عن عبد الله , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيد وهو محرم وإن صاده الحلال .
9934 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أن طاوسا كان ينهى الحرام عن أكل الصيد وشيقة وغيرها صيد له أو لم يصد له .
9935 - حدثنا عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , قال : قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرم لم يأكل من لحمه حتى يحل .
فإن أكل منه وهو محرم لم ير الحسن عليه شيئا .
9936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام وهارون عن عنبسة , عن سالم , قال : سألت سعيد بن جبير , عن الصيد يصيده الحلال , أيأكل منه المحرم ؟
فقال : سأذكر لك من ذلك , إن الله تعالى قال : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فنهى عن قتله , ثم قال : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } ثم قال تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : أطعموني !
فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : أطعموني من طعامكم !
أطعموه من سمكهم المالح .
ثم قال : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وهو عليك حرام , صدته أو صاده حلال .
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه , أو استحدث له ذلك في تلك الحال .
فأما ما ذبحه حلال وللحلال فلا بأس بأكله للمحرم , وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه فغير محرم عليه إمساكه .
ذكر من قال ذلك : 9937 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , قال : ثنا قتادة , أن سعيد بن المسيب حدثه , عن أبي هريرة , أنه سئل عن صيد صاده حلال أيأكله المحرم ؟
قال : فأفتاه هو بأكله , ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره , فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك !
9938 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : ثنا أبو عوانة , عن عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : نزل عثمان بن عفان العرج وهو محرم , فأهدى صاحب العرج له قطا , قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد على اسمي !
قال : فأكلوا ولم يأكل .
9939 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالربذة , فسألوه عن لحم صيد صاده حلال .
ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , عن عمر , نحوه .
9940 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يهديه الحلال إلى الحرام , فقال : أكله عمر , وكان لا يرى به بأسا .
قال : قلت : تأكله ؟
قال : عمر خير مني .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن شعبة , قال : ثنا أبو إسحاق .
عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ؟
قال : كان عمر يأكله .
قال : قلت : فأنت ؟
قال : كان عمر خيرا مني .
9941 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن هشام , عن يحيى , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال : استفتاني رجل من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم , فأمرته أن يأكله .
فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم .
قال : فما أفتيته ؟
قال : قلت : أفتيته أن يأكله .
قال : فوالذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة !
وقال عمر : إنما نهيت أن تصطاده .
9942 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا خارجة عن زيد بن أسلم , عن عطاء , عن كعب , قال : أقبلت في أناس محرمين , فأصبنا لحم حمار وحش , فسألني الناس عن أكله , فأفتيتهم بأكله وهم محرمون .
فقدمنا على عمر , فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون , فقال عمر : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا .
9943 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , قال : مررت بالربذة , فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال , فأفتيتهم أن يأكلوه .
فلقيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , قال : فبم أفتيتهم ؟
قال : أفتيتهم أن يأكلوا .
قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك .
9944 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , عن يونس , عن أبي الشعثاء الكندي , قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد , فإما باعوهم وإما أطعموهم ؟
فقال : حلال .
9945 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا محمد بن سعيد , قال : ثنا هشام , يعني ابن عروة , قال : ثنا عروة , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى نزلوا بالروحاء , فقرب إليهم طير وهم محرمون , فقال لهم عثمان : كلوا فإني غير آكله !
فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا ؟
فقال عثمان : إني لولا أظن أنه صيد من أجلي لأكلت .
فأكل القوم .
9946 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن هشام بن عروة , عن أبيه : أن الزبير كان يتزود لحوم الوحش وهو محرم .
9947 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال , وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام , وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال .
9948 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله ما دام حراما , وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال , وإن صاده حرام لحلال فلا يحل له أكله .
9949 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال , قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يحرم أكل منه , وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه .
9950 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : كان عطاء يقول إذا سئل في العلانية أيأكل الحرام الوشيقة والشيء اليابس ؟
يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبين لك في مجلس , إن ذبح قبل أن يحرم فكل , وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع .
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وحرم عليكم اصطياده .
قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله بعد أن يكون ملكه إياه على غير وجه الاصطياد له وبيعه وشراؤه جائز .
قالوا : والنهي من الله تعالى عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني ذكر من قال ذلك : 9951 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا يحيى بن أيوب , قال : أخبرني يحيى , أن أبا سلمة اشترى قطا وهو بالعرج وهو محرم ومعه محمد بن المنكدر , فأكله .
فعاب عليه ذلك الناس .
والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم تحريم كل معاني صيد البر على المحرم في حال إحرامه من غير أن يخص من ذلك شيئا دون شيء , فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حراما بيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانيه , إلا أن يجده مذبوحا قد ذبحه حلال لحلال , فيحل له حينئذ أكله , للثابت من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي : 9952 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج .
وحدثني عبد الله بن أبي زياد , قال : ثنا مكي بن إبراهيم , قال : ثنا عبد الملك بن جريج , قال : أخبرني محمد بن المنكدر , عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان , عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان , قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم , فأهدي لنا طائر , فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل .
فلما استيقظ طلحة وفق من أكل , وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جثامة : أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش يقطر دما , فرده فقال : " إنا حرم " .
وفيما روي عن عائشة : " أن وشيقة ظبي أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , فردها " , وما أشبه ذلك من الأخبار ؟
قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد من ذلك ما رد وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه , وهو حلال لحلال , ثم أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فرده وقال : إنه لا يحل لنا لأنا حرم ; وإنما ذكر فيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد فرده , وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , وقد بين خبر جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لحم صيد البر للمحرم حلال , إلا ما صاد أو صيد له " .
معنى ذلك كله .
فإن كان كلا الخبرين صحيحا مخرجهما , فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه , وأن يقال رده ما رد من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله , وإذنه في كل ما أذن في أكله منه من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم , فيصح معنى الخبرين كليهما .
واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : { وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما } فقال بعضهم : صيد البر : كل ما كان يعيش في البر والبحر ; وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه ذكر من قال ذلك : 9953 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } قال : ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده , وما كان حياته في الماء فذاك 34 .
9954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء , قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه , نحو السلحفاة والسرطان والضفادع .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن الحجاج , عن عطاء , قال : كل شيء عاش في البر والبحر , فأصابه المحرم فعليه الكفارة .
9955 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا يزيد بن أبي زياد , عن عبد الملك , عن سعيد بن جبير , قال : خرجنا حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء , فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا !
9956 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت يزيد بن أبي زياد , قال : ثنا حجاج , عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ; لأن له أصلا في البر .
وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر ذكر من قال ذلك : 9957 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ابن جريج : أخبرناه , قال : سألت عطاء عن ابن الماء , أصيد بر , أم بحر ؟
وعن أشباهه , فقال : حيث يكون أكثر فهو صيده .
9958 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن عطاء بن أبي رباح , قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ , فهو منه .واتقوا الله الذي إليه تحشرون القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه , يقول تعالى : واخشوا الله أيها الناس , واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام , وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم , وفي غيرها , فإن لله مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إياه , ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له .
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِهذا حكم بتحليل صيد البحر , وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد , وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب , وقد مضى القول في البحر في " البقرة " والحمد لله .و " متاعا " نصب على المصدر أي متعتم به متاعا .وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْالطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم , ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده , والبر وحده , والتمر وحده , واللبن وحده , وقد يطلق على النوم كما تقدم ; وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه ; أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول الله عز وجل : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " الآية صيده ما صيد وطعامه ما لفظ البحر , وروي عن أبي هريرة مثله ; وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين , وروي عن ابن عباس ميتته وهو في ذلك المعنى , وروي عنه أنه قال : طعامه ما ملح منه وبقي ; وقاله معه جماعة , وقال قوم : طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره .قال أبو حنيفة : لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك , ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه , وكره الحسن أكل الطافي من السمك .وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه , وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح ; ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال : الجراد والحيتان ذكي ; فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر أنه كرهه , وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد , واحتجوا بعموم قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] , وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه ) .قال الدارقطني : تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر , وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به .وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ; قال الدارقطني : لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع والعدنيان , وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم ; رووه عن الثوري موقوفا وهو الصواب , وكذلك رواه أيوب السختياني , وعبيد الله بن عمر وابن جريج , وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا قال أبو داود : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال الدارقطني : وروي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا , ولا يصح رفعه , رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره , وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية الأشجعي : يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب , وسائر ما في البحر من الحيوان , وسواء اصطيد أو وجد ميتا , واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له : ( العنبر ) وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان , وفيه : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : ( هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ) فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ; لفظ مسلم وأسند الدارقطني عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها , وأسند عنه أيضا أنه قال : أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء , وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه , فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال : أطيبة هي لم تتغير ؟
قالوا : نعم قال : فكلوها وارفعوا نصيبي منها ; وكان صائما , وأسند عن جبلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال : أهدوها إلي , وقال عمر بن الخطاب : الحوت ذكي والجراد ذكي كله ; رواه عنه الدارقطني فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية , وهو حجة للجمهور ; إلا أن مالكا كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال : أنتم تقولون خنزيرا !
وقال الشافعي : لا بأس بخنزير الماء وقال الليث : ليس بميتة البحر بأس .قال : وكذلك كلب الماء وفرس الماء .قال : ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء .اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا ؟
فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم : كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر , إن قتله المحرم وداه , وزاد أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان .الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع , واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك , والصحيح أكل ذلك كله ; لأنه نص على الخنزير في جواز أكله , وهو له شبه في البر مما لا يؤكل , ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين , وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب .قال ابن عطية : ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر , وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في " المدونة " فإنه قال : الضفادع من صيد البحر , وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه , وهو أنه يراعى أكثر عيش الحيوان ; سئل عن ابن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر ؟
فقال : حيث يكون أكثر فهو منه , وحيث يفرخ فهو منه ; وهو قول أبي حنيفة , والصواب في ابن الماء أنه صيد بر يرعى ويأكل الحب .قال ابن العربي : الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه ; لأنه تعارض فيه دليلان , دليل تحليل ودليل تحريم , فيغلب دليل التحريم احتياطا , والله أعلم .وَلِلسَّيَّارَةِفيه قولان : أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم , فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام , كما أحله لمن سافر .الثاني : أن السيارة هم الذين يركبونه , كما جاء في حديث مالك والنسائي : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء , فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) قال ابن العربي قاله علماؤنا : فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم ) لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش ; لأن الجواب مرتبط بالسؤال , فكان يكون محالا عليه , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة , وبيان الشرع فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .قلت : وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم , لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع , إلا ما نص بالتخصيص عليه , كقوله لأبي بردة في العناق : ( ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك ) .وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًافيه سبع مسائل : الأولى : التحريم ليس صفة للأعيان , إنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : " وحرم عليكم صيد البر " أي فعله الصيد , وهو المنع من الاصطياد , أو يكون الصيد بمعنى المصيد , على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدم , وهو الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له , ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه , ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ; لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي .الثانية : اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق , وهو الصحيح عن عثمان بن عفان : إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له , ولا من أجله , لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) قال أبو عيسى : هذا أحسن حديث في الباب ; وقال النسائي : عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث , وإن كان قد روى عنه مالك .فإن أكل من صيد صيد من أجله فداه , وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي , واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه , والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صيد لمحرم معين أو غير معين ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم : كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي ; وبه قالت طائفة من أهل المدينة , وروي عن مالك , وقال أبو حنيفة وأصحابه : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال , سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى : " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " فحرم صيده وقتله على المحرمين , دون ما صاده غيرهم .واحتجوا بحديث البهزي - واسمه زيد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق , من حديث مالك وغيره .وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ( إنما هي طعمة أطعمكموها الله ) , وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه , وأبي هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير , وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال , سواء صيد من أجله أو لم يصد ; لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " .قال ابن عباس : هي مبهمة وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء وروي ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق .واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الليثي , أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا , وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ; قال : فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال : ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) خرجه الأئمة واللفظ لمالك .قال أبو عمر : وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه , أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش ; وقال سعيد بن جبير في حديثه : عجز حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت ; وقال مقسم في حديثه رجل حمار وحش .وقال عطاء في حديثه : أهدى له عضد صيد فلم يقبله وقال : ( إنا حرم ) وقال طاوس في حديثه : عضدا من لحم صيد ; حدث به إسماعيل عن علي بن المديني , عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج , عن الحسن بن مسلم , عن طاوس , عن ابن عباس , إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم .قال إسماعيل : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم , ولولا ذلك لكان أكله جائزا ; قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث : فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت .قال إسماعيل : إنما تأول سليمان هذا الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل ; فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل ; لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه ; قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها إن شاء الله تعالى .الثالثة : إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك : إن كان في يده فعليه إرساله , وإن كان في أهله فليس عليه إرساله , وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل , وقال الشافعي في أحد قوليه : سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله , وبه قال أبو ثور , وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحارث مثله وروي عن مالك , وقال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي في القول الآخر : عليه أن يرسله , سواء كان في بيته أو في يده فإن لم يرسله ضمن , وجه القول بإرساله قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وهذا عام في الملك والتصرف كله , ووجه القول بإمساكه : أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملكه , أصله النكاح .الرابعة : فإن صاده الحلال في الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه , وأكل لحمه , وقال أبو حنيفة : لا يجوز .ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد فجاز في الحرم للحلال , كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها .الخامسة : إذا دل المحرم حلا على صيد فقتله الحلال اختلف فيه , فقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه , وهو قول ابن الماجشون , وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين : عليه الجزاء ; لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض ; فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة .السادسة : واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر ; فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء , وقال مالك والشافعي وأبو ثور : الجزاء على المحرم القاتل ; لقوله تعالى : " ومن قتله منكم متعمدا " فعلق وجوب الجزاء بالقتل , فدل على انتفائه بغيره ; ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم , وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي قتادة : ( هل أشرتم أو أعنتم ) ؟
وهذا يدل على وجوب الجزاء , والأول أصح , والله أعلم .السابعة : إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء ; لأنه أخذ في الحرم وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين : الجزاء نظرا إلى الأصل , ونفيه نظرا إلى الفرع .وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَتشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم , ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير , والله أعلم .
ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري، استثنى تعالى الصيد البحري فقال: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } أي: أحل لكم -في حال إحرامكم- صيد البحر، وهو الحي من حيواناته، وطعامه، وهو الميت منها، فدل ذلك على حل ميتة البحر.
{ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } أي: الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم وانتفاع رفقتكم الذين يسيرون معكم.
{ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } ويؤخذ من لفظ "الصيد" أنه لا بد أن يكون وحشيا، لأن الإنسي ليس بصيد.
ومأكولا، فإن غير المأكول لا يصاد ولا يطلق عليه اسم الصيد.
{ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي: اتقوه بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، واستعينوا على تقواه بعلمكم أنكم إليه تحشرون.
فيجازيكم، هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل، أم لم تقوموا بها فيعاقبكم؟.
قوله عز وجل : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) والمراد بالبحر جميع المياه ، قال عمر رضي الله عنه : " صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به " .
وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة : طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا .
وقال قوم : هو المالح منه وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي .
وقال مجاهد : صيده : طريه ، وطعامه : مالحه ، متاعا لكم أي : منفعة لكم ، وللسيارة يعني : المارة .
وجملة حيوانات الماء على قسمين : سمك وغيره ، أما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان [ ودمان : الميتتان ] الحوت والجراد ، والدمان : [ الكبد والطحال ] ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب ، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك .
أما غير السمك فقسمان : قسم يعيش في البر كالضفدع والسرطان ، فلا يحل أكله ، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح ، فاختلف القول فيه ، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك ، وهو معنى قول أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ ميت الماء كلها حلال ] لأن كلها سمك ، وإن اختلفت صورها ، [ كالجريث ] يقال له حية الماء ، وهو على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق ، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة ، وبه قال شريح والحسن وعطاء ، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي .
وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل ، فميتته من حيوانات البحر حلال ، مثل بقر الماء ونحوه ، وما لا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات البحر ، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها .
وقال الأوزاعي كل شيء عيشه في الماء فهو حلال ، قيل : فالتمساح؟
قال نعم .
وقال الشعبي : لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم ، وقال سفيان الثوري : أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا .
وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر ، وكذلك الحديث .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن صفوان بن [ سلمان ] عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب في البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عمر أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول : غزوت جيش الخبط وأمر أبو عبيدة ، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله ، يقال له العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر ، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه ، فمر الراكب تحته .
وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول : قال أبو عبيدة : كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " كلوا رزقا أخرجه الله إليكم ، أطعمونا إن كان معكم " فأتاه بعضهم بشيء منه فأكلوه .
قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) صيد البحر حلال للمحرم ، كما هو حلال لغير المحرم ، أما صيد البر فحرام على المحرم وفي الحرم ، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله ، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام ، وللمحرم أخذه وقتله ، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل ، كالمتولد بين الذئب والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم ، لأن فيه جزاء من الصيد .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " .
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقتل المحرم السبع العادي " وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس قتلهن حلال في الحرم : الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور " .
وقال سفيان بن عيينة : الكلب العقور كل سبع يعقر ، ومثله عن مالك ، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه ، من الفهد والنمر والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر ، وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه الكفارة ، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه لأن الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير ، لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [ الهوام ] وإنما هي حيوان مستخبث اللحم ، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه .
«أُحل لكم» أيها الناس حلالا كنتم أو محرمين «صيد البحر» أن تأكلوه وهو ما لا يعيش إلا فيه كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البر كالسرطان «وطعامُه» ما يقذفه ميتا «متاعا» تمتيعا «لكم» تأكلونه «وللسيَّارة» المسافرين منكم يتزودونه «وحرِّم عليكم صيد البر» وهو ما يعيش فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه «ما دمتم حرما» فلو صاده حَلاَل فللمحرم أكله كما بينته السنة «واتقوا الله الذي إليه تحشرون».
أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا، وطعامه: وهو الميت منه؛ من أجل انتفاعكم به مقيمين أو مسافرين، وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة.
واخشوا الله ونفذوا جميع أوامِره، واجتنبوا جميع نواهيه؛ حتى تظفَروا بعظيم ثوابه، وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تحشرون للحساب والجزاء.
ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتلعق بالصيد فقال - تعالى - :( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ .
.
.
)المراد بصيد البحر : ما توالده ومثواه في الماء .
والمراد بالبحر : ما يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما .والمراد بالصيد : الاصطياد أو ما يصاد منه .والمراد بطعامه : ما يطعم من صيده .
وهو عطف على ( صيد ) من عطف الخاص على العام ، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإِنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل؛ فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل ، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه .ويرى ابن أبي ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدري ، وقدر مضافا في صيد الحبر ، وجعل الضمير في ( طعامه ) يعود إليه لا إلى البحر ، فيكون المعنى :أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه .
فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر .وقيل : بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة ، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو انحسر عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة .وقوله : ( متاعا ) مفعول لأجله .وقوله : ( وللسيارة ) متعلق بأحل .
وهو جمع سيار باعتبار الجماعة .والمراد بالسيارة : القوم المسافرون .والمعنى : أحل الله لكم أيها المحرومون صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه ، لأجل تمتعكم وانتفاعكم بذلك في حال إقامتكم وفي حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين ، وذلك يقتضي منكم الشكر لله لكي يزيديكم من هذه النعم .قال ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة - قال : وأنا فيهم - قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد .
قال : ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير .
فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة .
فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : هو رزق أخرجه الله لكم .
هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟
قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله " .وأخرج الإِمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعي عن أبي هريرة : " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله!!
إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء .
فإن توضأنا به عطشنا أنتوضأ بماء البحر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " " .وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتن : فالحوت والجراد ، وأما الدمان : فالكبد والطحال " .رواه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدراقطني والبيهقي وله شواهد .وقد احتج بهذه الآية أيضاً من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا .
وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها .وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله - تعالى - : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ) ثم أكد - سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال : ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) والمراد بصيد البر : ما كان توالده ومأواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته .وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل ، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط ، وأما الأكل منه - أي من المصيد - بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية .وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذلك الصيد .
وعليه فتكون الآية تقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل .أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإِجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا اصطياده ، ولا ستحدث ملكه بوجه من الوجوه .وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد ، فقال مالك والشافعي وأحمد .
إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله ، لما رواه الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لصيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم " .وقال أبو حنيفة : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذ اصطاده الحلال - سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله - تعالى - ( لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم .وروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم كل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد .
لحديث الصعب بن جثامة الليثي ، " أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواه فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " خرجه الأئمة واللفظ لمالك .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال : ( واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) .أي : واتقوا الله في كل أحوالكم ، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها ، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده ، وسيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها في دنياكم .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت للمحرم صيد البحر - فضلا من الله ورحمة -؛ لأن البحر بعيد عن الحرم ، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار فتحريم صيد البحر عليه قد يؤدي إلى تعبه وإجهاده دون أن تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم .أما الحكمة من وراء تحريم الصيد البري على المحرمين فمنها : أن البيت الحرام بواد غير زرع ، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد ، فلو أبيح الصيد للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق .
.
لأدى ذلك إلى قتل الكثير من الصيد البري الذي هو مصدر انتفاع للقاطنين في تلك المناطق .
وفضلا عن كل ذلك ففي تحريم الصيد البري الذي يعيش في مناطق الحرم ، تكريم لهذه المناطق ، وتشريف لها ، وإعلاء لشأنها ومكانتها .
فهي أماكن الأمان والاطمئنان والسلام .
لا للبشر وحدهم ، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات الله التي نهت شريعته عن التعرض لها بسوء .
قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالصيد المصيد، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس، الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، واختلفوا فيما سوى هذين.
فقال أبو حنيفة رحمه الله إنه حرام.
وقال ابن أبي ليلى والأكثرون إنه حلال، وتمسكوا فيه بعموم هذه الآية، والمراد بالبحر جميع المياه والأنهار.
المسألة الثانية: أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي المغايرة وذكروا فيه وجوهاً: الأول: وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع.
والوجه الثاني: أن صيد البحر هو الطري، وأما طعام البحر فهو الذي جعل مملحاً، لأنه لما صار عتيقاً سقط اسم الصيد عنه، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحاً فقد كان طرياً وصيداً في أول الأمر فيلزم التكرار.
والثالث: أن الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل التغاير بين الاصطياد من البحر وبين الأكل من طعام البحر والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: السمكة الطافية في البحر محللة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله محرّمة: حجة الشافعي القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه يمكن أكله فيكون طعاماً فوجب أن يحل لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ ﴾ وأما الخبر فقوله عليه السلام في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ للسيارة ﴾ يعني أحلّ لكم صيد البحر للمقيم والمسافر، فالطري للمقيم، والمالح للمسافر.
المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ وجهان: الأول: قال الزجاج انتصب لكونه مصدراً مؤكداً إلا أنه لما قيل: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ﴾ كان دليلاً على أنه منعم به، كما أنه لما قيل ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ كان دليلاً على أنه كتب عليهم ذلك فقال: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ الثاني: قال صاحب الكشاف انتصب لكونه مفعولاً له، أي أحل لكم تمتيعاً لكم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة من قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ ومن قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ .
المسألة الثانية: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، فعلى هذا السلحفاة، والسرطان، والضفدع، وطير الماء، كل ذلك من صيد البر، ويجب على قاتله الجزاء.
المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد، واختلفوا في الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم فيه أربعة أقوال: الأول: وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس، وذكره الثوري وإسحاق أنه يحرم عليه بكل حال، وعولوا فيه على قوله: ﴿ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال، وكل ذلك صيد البر، وروى أبو داود في سننه عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبدالله بن الحرث عن أبيه قال: كان الحرث خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاماً وصنع فيه الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي: أطعمونا قوتاً حلالاً فإنا حرم، ثم قال علي عليه السلام أنشد الله من كان هاهنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم.
والقول الثاني: أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له، وهو قول الشافعي رحمه الله، والحجة فيه ما روى أبو داود في سننه عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم».
والقول الثالث: أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال: «هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا.
فقال: هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم الإشارة والاعانة من غير تفصيل».
واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، والثاني في غاية الضعف.
ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظباً على الطاعة محترزاً عن المعصية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ صَيْدُ البحر ﴾ مصيدات البحر مما يؤكل وما لا يؤكل ﴿ وَطَعَامُهُ ﴾ وما يطعم من صيده والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة.
وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ مفعول له، أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ [الأنبياء: 72] في باب الحال، لأن قوله: ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ مفعول له مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب، يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً لتنائكم يأكلونه طرياً، ولسيارتكم يتزوّدونه قديداً، كما تزوّد موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام.
وقرئ: ﴿ وطعمه ﴾ .
وصيد البر: ما صيد فيه.
وهو ما يفرّخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات، كطير الماء عند أبي حنيفة.
واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباس، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير: أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله، إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله: لا يباح له ما صيد لأجله.
فإن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: صيد البر؟
قلت قد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله: ﴿ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ وحرّم عليكم صيد البرّ ﴾ ، أي الله عزّ وجلّ.
وقرئ ﴿ ما دمتم ﴾ بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ ما صِيدَ مِنهُ مِمّا لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، وهو حَلالٌ كُلُّهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ مِنهُ إلّا السَّمَكُ.
وقِيلَ يَحِلُّ السَّمَكُ وما يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ في البَرِّ.
وطَعامُهُ ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلصَّيْدِ وطَعامُهُ أكْلُهُ.
﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ تَمْتِيعًا لَكم نُصِبَ عَلى الغَرَضِ.
﴿ وَلِلسَّيّارَةِ ﴾ أيْ ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا.
﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ﴾ أيْ ما صِيدَ فِيهِ، أوِ الصَّيْدُ فِيهِ فَعَلى الأوَّلِ يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ أيْضًا ما صادَهُ الحَلالُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، والجُمْهُورُ عَلى حِلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلالٌ لَكُمْ، ما لَمْ تَصْطادُوهُ أوْ يُصَدْ لَكُمْ».» ﴿ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ أيْ مُحْرِمِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مِن دامَ يَدامُ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر} مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل {وَطَعَامُهُ} وما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده {متاعا لَّكُمْ} مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم {وَلِلسَّيَّارَةِ} وللمسافرين والمعنى أحل لكم طعامه تمتيعاً لتُنّائكم يأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر} ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه يرى لأنه يتولد في البر والبحر له مرعى كما للناس متجر {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} محرمين {واتقوا الله} في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام {الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تبعثون فيجزيكم على أعمالكم
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ أيُّها المُحْرِمُونَ صَيْدُ البَحْرِ أيْ ما يُصادُ في الماءِ بَحْرًا كانَ أوْ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا، وهو ما يَكُونُ تَوالُدُهُ ومَثْواهُ في الماءِ مَأْكُولًا كانَ أوْ غَيْرَهُ كَما في البَدائِعِ، وفي مَناسِكِ الكِرْمانِيِّ الَّذِي رَخَّصَ مِن صَيْدِ البَحْرِ لِلْمُحْرِمِ هو السَّمَكَ خاصَّةً، وأمّا نَحْوُ طَيْرِهِ فَلا رُخْصَةَ فِيهِ لَهُ، والأوَّلُ هو الأصَحُّ ﴿ وطَعامُهُ ﴾ أيْ ما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ صَيْدُ ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والمَعْنى أحَلَّ لَكُمُ التَّعَرُّضَ لِجَمِيعِ ما يُصادُ في المِياهِ والِانْتِفاعَ بِهِ وأكْلَ ما يُؤْكَلُ مِنهُ وهو السُّمْكُ عِنْدَنا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى الصَّيْدُ والطَّعامُ عَلى مَعْناهُما المَصْدَرِيِّ وقَدَّرَ مُضافًا في صَيْدِ البَحْرِ وجَعَلَ ضَمِيرَ طَعامِهِ راجِعًا إلَيْهِ لا إلى البَحْرِ أيْ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ وأنْ تَطْعَمُوهُ وتَأْكُلُوهُ فَيَحِلُّ عِنْدَهُ أكْلُ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ مِن حَيْثُ أنَّها حَيَواناتُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِصَيْدِ البَحْرِ ما صِيدَ ثُمَّ ماتَ وبِطَعامِهِ ما قَذَفَهُ البَحْرُ مَيِّتًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنِ عُمَرَ وقَتادَةَ وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ الطَّرِيُّ وبِالثّانِي المَمْلُوحُ وسُمِّيَ طَعامًا لِأنَّهُ يُدَّخَرُ لِيُطْعَمَ فَصارَ كالمُقْتاتِ بِهِ مِنَ الأغْذِيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وابْنِ جَرِيرٍ ومُجاهِدٍ وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفِيهِ بُعْدٌ وأبْعَدُ مِنهُ كَوْنُ المُرادِ بِطَعامِهِ ما يَنْبُتُ بِمائِهِ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمارِ، وقُرِئَ (وطُعْمُهُ ﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ (لِأُحِلَّ) أيْ تَمْتِيعًا، وجَعَلَهُ في الكَشّافِ مُخْتَصًّا بِالطَّعامِ كَما أنَّ (نافِلَةً) في بابِ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً ﴾ مُخْتَصٌّ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الشِّهابُ مَذْهَبُهُ وهو مَذْهَبُ إمامِنا الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ صَيْدَ البَحْرِ يَنْقَسِمُ إلى ما يُؤْكَلُ وإلى ما لا يُؤْكَلُ، وأنَّ طَعامَهُ هو المَأْكُولُ مِنهُ إلّا أنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ الفِعْلَ الواحِدَ المُسْنَدَ إلى فاعِلَيْنِ مُتَعاطِفَيْنِ يَكُونُ المَفْعُولُ لَهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُما لِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ؛ كَقامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو إجْلالًا لَكَ عَلى أنَّ الإجْلالَ مُخْتَصٌّ بِقِيامِ أحَدِهِما وفِيهِ إلْباسٌ، وأمّا الحالُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ فَلَيْسَتْ نَظِيرَةً لِهَذا لِأنَّ فِيهِ قَرِينَةً عَقْلِيَّةً ظاهِرَةً لِأنَّ النّافِلَةَ ولَدُ الوَلَدِ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِإسْحاقَ لِأنَّهُ ولَدُ صُلْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وعَلى غَيْرِ مَذْهَبِ الإمامِ لا اخْتِصاصَ لِلْمَفْعُولِ لَهُ بِأحَدِهِما وهو ظاهِرٌ جَلِيٌّ وقِيلَ: نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى (أُحِلَّ) فَإنَّهُ في قُوَّةِ ”مَتَّعَكم بِهِ تَمْتِيعًا“ كَقَوْلِهِ: ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وقِيلَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ: إنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن طَعامٍ أيْ مُسْتَمْتَعًا بِهِ لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا وهو مُؤَنَّثُ (سَيّارٍ) بِاعْتِبارِ الجَماعَةِ كَما قالَ الرّاغِبُ ﴿ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ﴾ وهو ما تَوالَدَ ومَثْواهُ البَرُّ مِمّا هو مُمْتَنِعٌ لِتَوَحُّشِهِ الكائِنِ في أصْلِ الخِلْقَةِ فَيَدْخُلُ الظَّبْيُ المُسْتَأْنَسُ، ويَخْرُجُ البَعِيرُ والشّاةُ المُتَوَحِّشانِ لِعُرُوضِ الوَصْفِ لَهُما، وكَوْنُ ذَكاةِ الظَّبْيِ المُسْتَأْنَسِ بِالذَّبْحِ والأهْلِيِّ المُتَوَحِّشِ بِالعُقْرِ يُنافِيهِ لِأنَّ الذَّكاةَ بِالذَّبْحِ والعُقْرِ دائِرانِ مَعَ الإمْكانِ وعَدَمِهِ لا مَعَ الصَّيْدِيَّةِ وعَدَمِها واسْتَثْنى رَسُولُ اللَّهِ خَمْسًا فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ لَيْسَ عَلى المُحْرِمِ في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ العَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ والغُرابُ والحِدَأةُ»، وقَدْ تَقَدَّمَ ما في رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ وجاءَ تَسْمِيَتُهُنَّ فَواسَقَ وفي فَتْحِ القَدِيرِ، ويُسْتَثْنى مِن صَيْدِ البَرِّ بَعْضُهُ كالذِّئْبِ والغُرابِ والحِدَأةِ، وأمّا باقِي الفَواسِقِ فَلَيْسَتْ بِصُيُودٍ، وأمّا باقِي السِّباعِ فالمَنصُوصُ عَلَيْهِ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ عَدَمُ الِاسْتِثْناءِ وأنَّهُ يَجِبَ بِقَتْلِها الجَزاءُ ولا يُجاوِزُ شاةً إنِ ابْتَدَأها المُحْرِمُ وإنِ ابْتَدَأتْهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كالأسَدِ والفَهْدِ والنَّمِرِ والصَّقْرِ والبازِيِّ، وأمّا صاحِبُ البَدائِعِ فَيُقَسِّمُ البَرِّيَّ إلى مَأْكُولٍ وغَيْرِهِ والثّانِي إلى ما يَبْتَدِئُ بِالأذى غالِبًا كالأسَدِ والذِّئْبِ والنَّمِرِ إلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ كالضَّبْعِ والفَهْدِ والثَّعْلَبِ فَلا يَحِلُّ قَتْلُ الأوَّلِ والأخِيرِ إلّا أنْ يَصُولَ ويَحِلُّ قَتْلُ الثّانِي ولا شَيْءَ فِيهِ وإنْ لَمْ يَصُلْ، وجَعَلَ وُرُودَ النَّصِّ في الفَواسِقِ وُرُودًا فِيهِ دَلالَةٌ ولَمْ يَحْكِ خِلافًا، لَكِنْ في الخانِيَةِ وعَنْ أبِي يُوسُفَ الأسَدُ بِمَنزِلَةِ الذِّئْبِ وفي ظاهِرِ الرِّوايَةِ السُّباعُ كُلُّها صَيْدٌ إلّا الكَلْبَ والذِّئْبَ ولَعَلَّ اسْتِثْناءَ الذِّئْبِ لِذِكْرِهِ في المُسْتَثْنَياتِ عَلى ما أخْرَجَهُ أبُو شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ والطَّحاوِيُّ وقِيلَ: لِأنَّهُ المُرادُ بِالكَلْبِ العَقُورِ في الخَبَرِ السّابِقِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ بِمَعْناهُ فَيَلْحَقُ بِمَعْناهُ فَيَلْحَقُ بِهِ دَلالَةً، وأمّا الكَلْبُ فَقَدْ جاءَ اسْتِثْناؤُهُ في الحَدِيثِ إلّا أنَّهُ وُصِفَ فِيهِ بِالعَقُورِيَّةِ، ولَعَلَّ الإمامَ إنَّما يَعْتَبِرُ الجِنْسَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ يُفْضِي إلى إبْطالِ الوَصْفِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْقَيْدِ بَلْ لِإظْهارِ نَوْعِ إيذائِهِ فَإنَّ ذَلِكَ طَبْعٌ فِيهِ، وقالَ سَعْدِيٌّ جَلْبِي: لَوْ صَحَّ هَذا النَّظَرُ يَلْزَمُ اعْتِبارُ مَفْهُومِ الصِّفَةِ بَلْ سائِرِ المَفاهِيمِ وهو خِلافُ أُصُولِنا، وأمّا كَوْنُ السِّباعِ كُلِّها صَيْدًا إلّا ما اسْتُثْنِيَ فَفِيهِ خِلافُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا فَعِنْدَهُ هي داخِلَةٌ في الفَواسِقِ المُسْتَثْنَياتِ قِياسًا أوْ مُلْحَقَةٌ بِها دَلالَةً أوْ لِأنَّ الكَلْبَ العَقُورَ يَتَناوَلُها لُغَةً وأجابَ بَعْضُ الأصْحابِ بِأنَّ القِياسَ عَلى الفَواسِقِ مِمّا تَعْدُو عَلَيْنا لِلْقُرْبِ مِنّا والسَّبُعُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنّا فَلا يَكُونُ في مَعْنى الفَواسِقِ لِيَلْحَقَ بِها، واسْمُ الكَلْبِ وإنْ تَناوَلَهُ لُغَةً لَمْ يَتَناوَلْهُ عُرْفًا والعُرْفُ أقْوى وأرْجَحُ في هَذا المَوْضِعِ كَما في الإيمانِ لِبِنائِهِ عَلى الِاحْتِياطِ وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَتَأمَّلَ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (حَرُمَ عَلَيْكم صَيْدُ) بِبِناءِ (حَرُمَ) لِلْفاعِلِ ونَصْبِ صَيْدٍ أيْ وحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم صَيْدَ البَرِّ ﴿ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ أيْ مُحْرِمِينَ وقُرِئَ (دِمْتُمْ) بِكَسْرِ الدّالِ كَخِفْتُمْ مِن دامَ يَدامُ وذَلِكَ لُغَةٌ فِيها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (حَرَمًا) بِفَتْحَتَيْنِ أيْ ذَوِي حَرَمٍ بِمَعْنى إحْرامٍ أوْ عَلى المُبالَغَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ حُرْمَةَ ما صادَهُ الحَلالُ عَلى المُحْرِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُدْخَلٌ فِيهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، واحْتُجَّ لَهُ أيْضًا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ اللِّيثِيِّ «أنَّهُ أهْدى لِرَسُولِ اللَّهِ حِمارًا وحْشِيًّا، وفي رِوايَةٍ حِمارَ وحْشٍ، وفي رِوايَةٍ مِن لَحْمِ حِمارِ وحْشٍ، وفي رِوايَةٍ مِن رِجْلِ حِمارِ وحْشٍ، وفي رِوايَةٍ عَجُزَ حِمارِ وحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا، وفي رِوايَةٍ شِقَّ حِمارِ وحْشٍ، وفي أُخْرى عُضْوًا مِن لَحْمِ صَيْدٍ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالأبْواءِ أوْ بِوَدّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما في وجْهِي قالَ:”إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلّا أنّا حُرُمٌ“» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ورَواهُ الطَّحاوِيُّ عَنْ عُمَرَ وطَلْحَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أكْلُ ما صادَهُ الحَلالُ وإنْ صادَهُ لِأجْلِهِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ولَمْ يُشِرْ إلَيْهِ ولا أمَرَهُ بِصَيْدِهِ.
وكَذا ما ذَبَحَهُ قَبْلَ إحْرامِهِ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما اخْتارَهُ الطَّحاوِيُّ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُحْرِمِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحُرِّمَ عَلَيْكم ما صِدْتُمْ في البَرِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ مَصِيدُ غَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: أنَّ المُرادَ صَيْدُهم حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وصُورَةُ الدَّلالَةِ أوِ الأمْرِ مِنَ الشِّقِّ الثّانِي.
وعَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وداوُدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى يُباحُ ما صِيدَ لَهُ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلّالٌ لَكم وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصادُ لَكم»“ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ قَدْ رَوى مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «تَذاكَرْنا لَحْمَ الصَّيْدِ يَأْكُلُهُ المُحْرِمُ والنَّبِيُّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نائِمٌ فارْتَفَعَتْ أصْواتُنا فاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ فَقالَ: فِيمَ تَتَنازَعُونَ؟
فَقُلْنا: في لَحْمِ الصَّيْدِ يَأْكُلُهُ المُحْرِمُ فَأمَرَنا بِأكْلِهِ» ورَوى الحافِظُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الزُّبَيْرِ ابْنِ العَوّامِ قالَ: «كُنّا نَحْمِلُ لَحْمَ الصَّيْدِ صَفِيفًا وكُنّا نَتَزَوَّدُهُ وكُنّا نَأْكُلُهُ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: ”«خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ حاجًّا وخَرَجْنا مَعَهُ فَصَرَفَ نَفَرًا مِن أصْحابِهِ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ فَقالَ: خُذُوا ساحِلَ البَحْرِ حَتّى تَلْقَوْنِي قالَ: فَأخَذُوا ساحِلَ البَحْرِ فَلَمّا انْصَرَفُوا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ أحْرَمُوا كُلُّهم إلّا أبُو قَتادَةَ فَإنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَما هم يَسِيرُونَ إذْ رَأوْا حُمُرَ وحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْها أبُو قَتادَةَ فَعَقَرَ مِنها أتانًا فَنَزَلُوا فَأكَلُوا مِن لَحْمِها قالَ فَقالُوا: أكَلْنا لَحْمًا ونَحْنُ مُحْرِمُونَ قالَ: فَحَمَلُوا ما بَقِيَ مِن لَحْمِ الأتانِ فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا أحْرَمْنا وكانَ أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأيْنا حُمُرَ وحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْها أبُو قَتادَةَ فَعَقَرَ مِنها أتانًا فَنَزَلْنا فَأكَلْنا مِن لَحْمِها فَقُلْنا: نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ مَعَكم أحَدٌ أمَرَهُ أوْ أشارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ قالُوا: لا قالَ: فَكُلُوا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها“» وفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أنَّهُ قالَ: ”هَلْ عِنْدَكم مِنهُ شَيْءٌ؟
قالُوا: مَعَنا رِجْلُهُ فَأخَذَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ فَأكَلَها“» وحَدِيثُ جابِرٍ مُؤَوَّلٌ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ كَوْنُ اللّامِ لِلْمِلْكِ والمَعْنى أنْ يُصادَ ويُجْعَلَ لَهُ فَيَكُونُ مُفادُهُ تَمْلِيكَ عَيْنِ الصَّيْدِ مِنَ المُحْرِمِ وهو مُمْتَنِعٌ أنْ يَتَمَلَّكَهُ فَيَأْكُلَ مِن لَحْمِهِ، والثّانِي الحَمْلُ عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يُصادَ بِأمْرِهِ وهَذا لِأنَّ الغالِبَ في عَمَلِ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ أنْ يَكُونَ بِطَلَبٍ مِنهُ والتِزامُ التَّأْوِيلِ دَفْعًا لِلتَّعارُضِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ الهُمامِ وقَدْ يُقالُ: القَواعِدُ تَقْتَضِي أنْ يُحْكَمَ بِالتَّعارُضِ بَيْنَ حَدِيثِ جابِرٍ وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِن هَذِهِ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ قَوْلَ طَلْحَةَ: فَأمَرَنا بِأكْلِهِ مُقَيِّدٌ عِنْدَنا بِما إذا لَمْ يَدُلُّهُ المُحْرِمُ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الجُرْجانِيِّ ولا أمَرَهُ بِقَتْلِهِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي قَتادَةَ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِما إذا لَمْ يُصَدْ لِلْمُحْرِمِ بِالحَدِيثِ الآخَرِ وحَدِيثُ الزُّبَيْرِ حاصِلُهُ نَقْلُ وقائِعِ أخْبارٍ وهي لا عُمُومَ لَها فَيَجُوزُ كَوْنُ ما كانُوا يَحْمِلُونَهُ مِن لُحُومِ الصَّيْدِ لِلتَّزَوُّدِ ما لَمْ يُصَدْ لِأجْلِ المُحْرِمِينَ بَلْ هو الظّاهِرُ لِأنَّهم يَتَزَوَّدُونَهُ مِنَ الحَضَرِ ظاهِرًا والإحْرامُ بَعْدَ الخُرُوجِ إلى المِيقاتِ فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى أصْلِ المَطْلُوبِ بِحَدِيثِ أبِي قَتادَةَ المَذْكُورِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَإنَّهُ أفادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهم حَتّى سَألَهم عَنْ مَوانِعِ الحِلِّ أكانَتْ مَوْجُودَةً أمْ لا فَلَوْ كانَ مِنَ المَوانِعِ أنْ يُصادَ لَهم لَنَظَمَهُ في سِلْكِ ما يَسْألُ عَنْهُ مِنها في التَّفَحُّصِ عَنِ المَوانِعِ لِيُجِيبَ بِالحَلِّ عِنْدَ خُلُوِّهِ عَنْها وهَذا المَعْنى كالصَّرِيحِ في نَفْيِ كَوْنِ الِاصْطِيادِ مانِعًا فَيُعارِضُ حَدِيثَ جابِرٍ و يُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ ثُبُوتِهِ إذْ هو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ بِخِلافِ ذَلِكَ بَلْ قِيلَ في حَدِيثِ جابِرٍ انْقِطاعٌ لِأنَّ المَطْلَبَ في سَنَدِهِ لَمْ يُسْمَعْ مِن جابِرٍ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ، وكَذا في رِجالِهِ مَن فِيهِ لِينٌ، وبَعْدَ ثُبُوتِ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ بِما ذَكَرْنا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلِ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في حَدِيثِ جابِرٍ أيْضًا شَيْئًا مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ بَقِيَ أنَّ حَدِيثَ الصَّعْبِ بِظاهِرِهِ يُعارِضُ ما اسْتَدَلَّ بِهِ أهْلُ المَذْهَبَيْنِ الأخِيرَيْنِ، واخْتارَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ في الجَوابِ بِأنَّ فِيهِ اضْطِرابًا لَيْسَ مِثْلُهُ في حَدِيثِ قَتادَةَ حَتّى رَوى عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ عَنْ أبِيهِ أنَّ الصَّعْبَ «أهْدى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَجُزَ حِمارِ وحْشٍ بِالجَحْفَةِ فَأكَلَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأكَلَ القَوْمُ» فَكانَ حَدِيثُ قَتادَةَ أوْلى وقَدْ وقَعَ ما وقَعَ فِيهِ في الحَجِّ كَما تَحْكِيهِ الرِّوايَةُ الَّتِي ذَكَرْناها ومَعْلُومٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلّا حِجَّةَ الوَداعِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَوابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ أنَّهُ صِيدَ لَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلا يُعارِضُ حَدِيثَ جابِرٍ، وتَعْلِيلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّدُّ بِأنَّهُ مُحْرِمٌ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ صِيدَ لَهُ لِأنَّهُ إنَّما يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلى الإنْسانِ إذا صِيدَ لَهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ جابِرًا إنَّما أهْدى حِمارًا فَرَدَّهُ لِامْتِناعِ تُمَلُّكِ المُحَرَّمِ الصَّيْدَ، ولا يَخْفى أنَّ الرِّواياتِ الدّالَّةَ عَلى البَعْضِيَّةِ أكْثَرُ ولا تَعارُضَ بَيْنَها فَتُحْمَلُ رِوايَةُ أنَّهُ أهْدى حِمارًا عَلى أنَّهُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ ويَمْتَنِعُ هُنا العَكْسُ إذْ إطْلاقُ الرَّجُلِ مَثَلًا عَلى كُلِّ الحَيَوانِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عَلى زَيْدٍ أصْبَعُ ونَحْوُهُ لِأنَّ شَرْطَ إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ التَّلازُمُ كالرَّقَبَةِ والرَّأْسِ عَلى الإنْسانِ فَإنَّهُ لا إنْسانَ دُونَهُما بِخِلافٍ نَحْوَ الرَّجُلِ والظُّفْرِ، وأمّا إطْلاقُ العَيْنِ عَلى الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ بَلْ مِن حَيْثُ هو رَقِيبٌ وهو مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَتَحَقَّقُ بِلا عَيْنٍ أوْ هو أحَدُ مَعانِي المُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ كَما عَدَّهُ كَثِيرٌ مِنها فَلْيُتَيَقَّظْ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ أوْ في جَمِيعِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ 69 - لا إلى غَيْرِهِ حَتّى يُتَوَهَّمَ الخَلاصُ مِن أخْذِهِ تَعالى بِالِالتِجاءِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إيمانًا عِلْمِيًّا ﴿ لا تُحَرِّمُوا ﴾ بِتَقْصِيرِكم في السُّلُوكِ ﴿ طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ مِن مُكاشَفاتِ الأحْوالِ وتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ ولا تَعْتَدُوا ﴾ بِظُهُورِ النَّفْسِ بِصِفاتِها ﴿ وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيِ اجْعَلُوا ما مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْكم مِن عُلُومِ التَّجَلِّياتِ ومَواهِبَ الأحْوال والمَقاماتِ غِذاءَ قُلُوبِكم ﴿ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في حُصُولِ ذَلِكَ لَكم بِأنْ تَرُدُّوها مِنهُ ولَهُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ هَذا خِطابًا لِلْواصِلِينَ مِن أرْبابِ السُّلُوكِ حَيْثُ أرادُوا الرُّجُوعَ إلى أهْلِ البِداياتِ مِنَ المُجاهَداتِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا بِأكْلِ الحَلالِ الطَّيِّبِ وفَسَّرُوا الحَلالَ بِما وصَلَ إلى المَعارِفِ مِن خَزائِنِ الغَيْبِ بِلا كُلْفَةٍ، والطَّيِّبُ ما يُقَوِّي القَلْبَ في شَوْقِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ جَلالِهِ، وقِيلَ: الحَلالُ الطَّيِّبُ ما يَأْكُلُ عَلى شُهُودٍ وإلّا فَعَلى ذِكْرٍ، فَإنَّ الأكْلَ عَلى الغَفْلَةِ حَرامٌ في شَرْعِ السُّلُوكِ، وقالَ آخَرُونَ: الحَلالُ الطَّيِّبُ هو الَّذِي يَراهُ العارِفُ في خِزانَةِ القَدَرِ فَيَأْخُذَهُ مِنها بِوَصْفِ الرِّضا والتَّسْلِيمِ، والحَرامُ ما قُدِّرَ لِغَيْرِهِ وهو يَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ لِنَفْسِهِ ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ وهو الحَلِفُ لِمَلالَةِ النَّفْسِ وكَلالَةِ القُوى وغَلَبَةِ سُلْطانِ الهَوى وعَدُّوا مِنَ اللَّغْوِ في اليَمِينِ الأقْسامَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِجَمالِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ غَلَبَةِ الشَّوْقِ ووِجْدانِ الذَّوْقِ أنْ يَرْزُقَهُ شَيْئًا مِن إقْبالِهِ عَزَّ وجَلَّ ووِصالِهِ فَإنَّ ذَلِكَ (لَغْوٌ) في شَرِيعَةِ الرِّضا ومَذْهَبِ التَّسْلِيمِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أُرِيدُ وِصالَهُ ويُرِيدُ هَجْرِي فَأتْرُكُ ما أُرِيدُ لِما يُرِيدُ لَكِنْ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الحالِفَ لِعِلْمِهِ بِضَعْفِ حالِهِ وعَدُّوا مِن ذَلِكَ أيْضًا ما يَجْرِي عَلى لِسانِ السّالِكِينَ في غَلَبَةِ الوُجْدِ مِن تَجْدِيدِ العَهْدِ وتَأْكِيدِ العَقْدِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: وحَقُّكَ لا نَظَرْتُ إلى سِواكًا بِعَيْنِ مَوَدَّةٍ حَتّى أراكًا فَإنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّوْحِيدَ، وهَلْ في الدّارِ دِيارٌ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَدْتُمُ الأيْمانَ وذَلِكَ إذا عَزَمْتُمْ عَلى الهِجْرانِ وتَعَرَّضْتُمْ لِلْخِذْلانِ عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ ﴿ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ﴾ وهي عَلى ما قالَ البَعْضُ الحَواسَّ الخَمْسَ الظّاهِرَةَ والحَواسَّ الخَمْسَ الباطِنَةَ ﴿ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ﴾ وهُمُ القَلْبُ والسِّرُّ والرُّوحُ الخَفِيُّ وطَعامُهُمُ الشَّوْقُ والمَحَبَّةُ والصِّدْقُ والإخْلاصُ والتَّفْوِيضُ والتَّسْلِيمُ والرِّضا والأُنْسُ والهَيْبَةُ والشُّهُودُ والكُشُوفُ والأوْسَطُ الذِّكْرِ والفِكْرِ والشَّوْقِ والتَّوَكُّلِ والتَّعَبُّدِ والخَوْفِ والرَّجاءِ وإطْعامِ الحَواسِّ ذَلِكَ أنْ يَشْغَلَها بِهِ ﴿ أوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ لِباسَ التَّقْوى ﴿ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ النَّفْسِ فَيُحَرِّرَها مِن عُبُودِيَّةِ الحِرْصِ والهَوى ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ ولَمْ يَسْتَطِعْ ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ﴾ فَيُمْسِكُ في اليَوْمِ الأوَّلِ عَمّا عَزَمَ عَلَيْهِ، وفي اليَوْمِ الثّانِي عَمّا لا يَعْنِيهِ، وفي اليَوْمِ الثّالِثِ عَنِ العَوْدَةِ إلَيْهِ وقِيلَ كَنّى سُبْحانَهُ بِصِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ عَنِ التَّوْبَةِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْها ما دامَتِ الدُّنْيا فَقَدْ قِيلَ: الدُّنْيا ثَلاثَةُ أيّامٍ يَوْمٌ مَضى ويَوْمٌ أنْتَ فِيهِ ويَوْمٌ لا تَدْرِي ما اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضٍ فِيهِ، ﴿ وأطِيعُوا اللَّهَ ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ واحْذَرُوا ﴾ ظُهُورَ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى نُفُوسِكم ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ ﴾ ولَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ فالقُصُورُ مِنكم ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالتَّقْلِيدِ ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ ﴿ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ مِنَ المُباحاتِ ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ شِرْكَ الأنانِيَّةِ ﴿ وآمَنُوا ﴾ بِالهُوِيَّةِ ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ هَذا الشِّرْكَ وهو الفَناءُ ﴿ وأحْسَنُوا ﴾ بِالبَقاءِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا الإيمانَ العَيْنِيَّ بِتَوْحِيدِ الأفْعالِ وعَمِلُوا بِمُقْتَضى إيمانِهِمْ أعْمالًا تُخْرِجُهم عَنْ حَجْبِ الأفْعالِ وتُصْلِحُهم لِرُؤْيَةِ أفْعالِ الحَقِّ جُناحٌ وضِيقٌ فِيما تَمَتَّعُوا بِهِ مِن أنْواعِ الحُظُوظِ إذا ما اجْتَنَبُوا بَقايا أفْعالِهِمْ واتَّخَذُوا اللَّهَ تَعالى وِقايَةً في صُدُورِ الأفْعالِ مِنهم وآمَنُوا بِتَوْحِيدِ الصِّفاتِ وعَمِلُوا ما يُخْرِجُهم عَنْ حَجْبِها ويُصْلِحُهم لِمُشاهَدَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ بِالمَحْوِ فِيها ثُمَّ اتَّقَوْا بَقايا صِفاتِهِمْ واتَّخَذُوا اللَّهَ تَعالى وِقايَةً في ظُهُورِ صِفاتِهِ عَلَيْهِمْ وآمَنُوا بِتَوْحِيدِ الذّاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا بَقِيَّةَ ذَواتِهِمْ واتَّخَذُوا اللَّهَ تَعالى وِقايَةً في وُجُودِهِمْ بِالفَناءِ المَحْضِ والِاسْتِهْلاكِ في عَيْنِ الذّاتِ وأحْسَنُوا بِشُهُودِ التَّفْصِيلِ في عَيْنِ الجَمْعِ والِاسْتِقامَةِ في البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ الباقِينَ في فَنائِهِمْ أوِ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْدَةِ في عَيْنِ الكَثْرَةِ المُراعِينَ لِحُقُوقِ التَّفاصِيلِ في عَيْنِ الجَمْعِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالغَيْبِ ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ﴾ في أثْناءِ السَّيْرِ والإحْرامِ لِزِيارَةِ كَعْبَةِ الوُصُولِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أيِ الحُظُوظِ والمَقاصِدِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ أيْ يَتَيَسَّرُ لَكم ويَتَهَيَّأُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ وقِيلَ: ما تَنالُهُ الأيْدِي اللَّذّاتُ البَدَنِيَّةُ وما تَنالُهُ الرِّماحُ اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ العِلْمَ الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ ﴿ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ في حالِ الغَيْبَةِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالغَيْبِ لِتَعَلُّقِهِ بِالعِقابِ الَّذِي هو مِن بابِ الأفْعالِ، وأمّا في الحُضُورِ فالخَشْيَةُ والهَيْبَةُ دُونَ الخَوْفِ والأُولى بِتَجَلِّي صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ والعَظْمَةِ والثّانِيَةُ بِتَجَلِّي الذّاتِ فالخَوْفُ كَما قِيلَ مِن صِفاتِ النَّفْسِ، والخَشْيَةُ مِن صِفاتِ القَلْبِ والهَيْبَةُ مِن صِفاتِ الرُّوحِ ﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بِتَناوُلِ شَيْءٍ مِنَ الحُظُوظِ ﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ أيْ في حالِ الإحْرامِ الحَقِيقِيِّ ﴿ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ بِأنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ قَصْدًا ﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ﴾ بِأنْ يَقْهَرَ تِلْكَ القُوَّةَ الَّتِي ارْتَكَبَ بِها مِن قُوى النَّفْسِ البَهِيمِيَّةِ بِأمْرٍ يُماثِلُ ذَلِكَ الحَظَّ ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ وهُما القُوَّتانِ النَّظَرِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ الحَقِيقِيَّةِ وذَلِكَ بِإفْنائِها في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ أيْ أوْ بِسَتْرِ تِلْكَ القُوَّةِ بِصَدَقَةٍ أوْ صِيامٍ ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ وهو ما في العالِمِ الرَّوْحانِيِّ مِنَ المَعارِفِ ﴿ وطَعامُهُ ﴾ وهو العِلْمُ النّافِعُ مِنَ المُعامَلاتِ والأخْلاقِ ﴿ مَتاعًا ﴾ أيْ تَمْتِيعًا ﴿ لَكُمْ ﴾ أيُّها السّالِكُونَ بِطَرِيقِ الحَقِّ ﴿ ولِلسَّيّارَةِ ﴾ المُسافِرِينَ سَفَرَ الآخِرَةِ ﴿ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ﴾ وهو في العالَمِ الجُسْمانِيِّ مِنَ المَحْسُوساتِ والحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في سَيْرِكم ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ بِالفَناءِ فاجْتَهِدُوا في السُّلُوكِ ولا تَقِفُوا مَعَ المَوانِعِ وهو اللَّهُ تَعالى المُيَسِّرُ لِلرَّشادِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمُعادُ <div class="verse-tafsir"
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ يعني: في الإحرام وغير الإحرام وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ يعني: للمقيمين والمسافرين.
وهي السمكة المالحة.
ويقال: وَطَعامُهُ ما نضب الماء عنه فأخذ بغير صيد ميتاً.
ويقال: كل ما سقاه الماء فأنبت من الأرض فهو طعام البحر.
قال الفقيه: حدّثنا الفضل بن أبي حفص.
قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي.
قال: حدثنا محمد بن خزيمة قال: حدّثنا حجاج بن المنهال قال: حدّثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: كنت في البحرين، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك، فقلت: كلوه.
فلما رجعت إلى المدينة سألت عن ذلك عمر بن الخطاب فقال: ما أمرتهم به؟
فقلت: أمرتهم بأكله فقال: لو أمرتهم بغير ذلك لضربتك بالدرة.
ثم قرأ عمر: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ فصيده ما صيد وطعامه: ما رمي به.
ثم قال: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً يعني: ما دمتم محرمين فلا تأخذوا الصيود وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تأخذوه في إحرامكم الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجزيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...
الآية: الصَّيْد:
مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» «١» ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره:
معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه «٢» ، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم
مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له.
وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد:
القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه «١» ، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع «٢» وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ» ، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ «٣» وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس.
قال ابنُ وهْب في «العتبية» : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة» : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟
فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.
وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ.
واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة «١» ، والصوم حيث شِئْتَ.
وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه:
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ...
الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة «٢» ، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر.
قال ع «٣» : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه) ، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ «٤» كما قال اللَّه تعالى.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من خاف أدلج «٥» ، ومن
أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» «١» ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» «٢» .
انتهى.
وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ...
الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك.
ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله «٣» ، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح «٤» لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم «٥» .
ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر» ، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ:
معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض.
انتهى من «الهداية» .
والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ قالَ أحْمَدُ: يُؤْكَلُ كُلُّ ما في البَحْرِ إلّا الضِّفْدَعَ والتِّمْساحَ، لِأنَّ التِّمْساحَ يَأْكُلُ النّاسَ يَعْنِي: أنَّهُ يَفْرِسُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: لا يُباحُ مِنهُ إلّا السَّمَكَ.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، ومالِكٌ: يُباحُ كُلُّ ما فِيهِ مِن ضِفْدَعٍ وغَيْرِهِ.
فَأمّا طَعامُهُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما نَبَذَهُ البَحْرَ مَيِّتًا، قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو أيُّوبَ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَلِيحُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ النَّخْعِيِّ، فَرُوِيَ عَنْهُ كالقَوْلَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَقالَ: طَعامُهُ المَلِيحُ وما لَفَظَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما نَبَتَ بِمِائِهِ مِن زُرُوعِ البَرِّ، وإنَّما قِيلَ لِهَذا: طَعامُ البَحْرِ، لِأنَّهُ يَنْبُتُ بِمائِهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
وفي المَتاعِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَنفَعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الحِلُّ، قالَهُ النَّخْعِيُّ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَتاعًا لَكم، يَعْنِي: المُقِيمِينَ، ولِلسَّيّارَةِ، يَعْنِي: المُسافِرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ أمّا الِاصْطِيادُ، فَمُحَرَّمٌ عَلى المُحْرِمِ، فَإنْ صِيدَ لِأجْلِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ أكْلُهُ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنْ أكْلَ فَعَلَيْهِ الضَّمانُ خِلافًا لِأحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
فَإنْ ذَبَحَ المُحْرِمُ صَيْدًا، فَهو مَيْتَةٌ خِلافًا لِأحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ أيْضًا.
فَإنْ ذَبَحَ الحَلالُ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَهو مَيْتَةٌ أيْضًا، خِلافًا لِأكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا حُكْمٌ بِتَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ؛ وهو كُلُّ ما صِيدَ مِن حِيتانِهِ؛ وهَذا التَحْلِيلُ هو لِلْمُحْرِمِ؛ ولِلْحَلالِ؛ والصَيْدُ هُنا أيْضًا يُرادُ بِهِ المَصِيدُ؛ وأُضِيفَ إلى البَحْرِ لِما كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ والبَحْرُ: اَلْماءُ الكَثِيرُ؛ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا؛ وكُلُّ نَهْرٍ كَبِيرٍ بَحْرٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَطَعامُهُ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهُمْ: هو ما قَذَفَ بِهِ؛ وما طَفا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَعامٌ؛ لا صَيْدٌ؛ وسَألَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عن حِيتانٍ طَرَحَها البَحْرُ؛ فَنَهاهُ عنها؛ ثُمَّ قَرَأ المُصْحَفَ فَقالَ لِنافِعٍ: اِلْحَقْهُ؛ فَمُرْهُ بِأكْلِها؛ فَإنَّها طَعامُ البَحْرِ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "هُوَ الطَهُورُ ماؤُهُ؛ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ: "طَعامُهُ": كُلُّ ما مَلَحَ مِنهُ؛ وبَقِيَ؛ وتِلْكَ صَنائِعُ تَدْخُلُهُ؛ فَتَرُدُّهُ طَعامًا؛ وإنَّما الصَيْدُ الغَرِيضُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "طَعامُهُ": مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ؛ ونَحْوِهِ.
وكَرِهَ قَوْمٌ خِنْزِيرَ الماءِ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْتُمْ تَقُولُونَ: "خِنْزِيرٌ"؛ ومَذْهَبُهُ إباحَتُهُ.
وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هو أرْجَحُ الأقْوالِ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ: "وَطُعْمُهُ"؛ بِضَمِّ الطاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ دُونَ ألِفٍ.
و"مَتاعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والمَعْنى: "مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ"؛ و"لَكُمْ"؛ يُرِيدُ حاضِرِي البَحْرِ؛ ومُدُنَهُ؛ "وَلِلسَّيّارَةِ": اَلْمُسافِرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أهْلُ القُرى هُمُ المُخاطَبُونَ؛ والسَيّارَةُ: أهْلُ الأمْصارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يُرِيدُ أهْلَ قُرى البَحْرِ؛ وأنَّ السَيّارَةَ مِن أهْلِ الأمْصارِ غَيْرِ تِلْكَ القُرى يَجْلِبُونَهُ إلى الأمْصارِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ ؛ فَتَلَقّاهُ بَعْضُهم عَلى العُمُومِ؛ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ فَقالُوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَصِيدَ؛ ولا أنْ يَأْمُرَ بِصَيْدٍ؛ ولا أنْ يَأْكُلَ صَيْدًا صِيدَ مِن أجْلِهِ؛ ولا مِن غَيْرِ أجْلِهِ؛ ولَحْمُ الصَيْدِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ.
وَرُوِيَ أنَّ عُثْمانَ حَجَّ؛ وحَجَّ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَأُتِيَ عُثْمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ؛ فَأكَلَ مِنهُ؛ ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ؛ فَقالَ عُثْمانُ: واللهِ ما صِدْنا؛ ولا أمَرْنا؛ ولا أشَرْنا؛ فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ اسْتَعْمَلَ عَلى العَرُوضِ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ ؛ فَصادَ يَعاقِيبَ؛ فَجَعَلَها في حَظِيرَةٍ؛ فَمَرَّ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَطَبَخَهُنَّ؛ وقَدَّمَهُنَّ إلَيْهِ؛ وجاءَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَنَهاهم عَنِ الأكْلِ؛ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ؛ قالَ: ثُمَّ لَمّا كانُوا بِمَكَّةَ أُتِيَ عُثْمانُ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ في عَلِيٍّ؟
أُهْدِيَ لَهُ تَصْفِيفُ حِمارٍ فَهو يَأْكُلُ مِنهُ؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُثْمانُ ؛ فَسَألَهُ عن أكْلِهِ التَصْفِيفَ؛ وقالَ لَهُ: "أمّا أنْتَ فَتَأْكُلُ؛ وأمّا نَحْنُ فَتَنْهانا"؛ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: "إنَّهُ صِيدَ عامَ أوَّلَ؛ وأنا حَلالٌ؛ فَلَيْسَ عَلَيَّ بِأكْلِهِ بَأْسٌ؛ وصِيدَ ذَلِكَ - يَعْنِي اليَعاقِيبَ - وأنا مُحْرِمٌ؛ وذُبِحْنَ وأنا حَرامٌ"؛ ورُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ ؛ وطاوُسٍ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَرى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ الصَيْدِ الَّذِي صادَهُ الحَلالُ لِحَلالٍ مِثْلِهِ؛ ولِنَفْسِهِ؛ وسُئِلَ أبُو هُرَيْرَةَ عن هَذِهِ النازِلَةِ؛ فَأفْتى بِالإباحَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عُمَرَ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَقالَ لَهُ: لَوْ أفْتَيْتَ بِغَيْرِ هَذا لَأوجَعْتُ رَأْسَكَ بِهَذِهِ الدِرَّةِ؛ وسَألَ أبُو الشَعْثاءِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عن هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ لَهُ: كانَ عُمَرُ يَأْكُلُهُ؛ قالَ: قُلْتُ: فَأنْتَ؟
قالَ: كانَ عُمَرُ خَيْرًا مِنِّي؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: ما صِيدَ أو ذُبِحَ وأنْتَ حَلالٌ فَهو لَكَ حَلالٌ؛ وما صِيدَ أو ذُبِحَ وأنْتَ حَرامٌ فَهو عَلَيْكَ حَرامٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثْلُ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ورَوى عَطاءٌ عن كَعْبٍ قالَ: أقْبَلْتُ في ناسٍ مُحْرِمِينَ؛ فَوَجَدْنا لَحْمَ حِمارٍ وحْشِيٍّ؛ فَسَألُونِي عن أكْلِهِ فَأفْتَيْتُهم بِأكْلِهِ؛ فَقَدِمْنا عَلى عُمَرَ فَأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَقالَ: قَدْ أمَّرْتُهُ عَلَيْكم حَتّى تَرْجِعُوا؛ وقالَ بِمِثْلِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ ؛ وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكَلَ مِنَ الحِمارِ الَّذِي صادَهُ أبُو قَتادَةَ وهو حَلالٌ؛ والنَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مُحْرِمٌ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّما حُرِّمَ عَلى المُحْرِمِ أنْ يَصِيدَ؛ فَأمّا أنْ يَشْتَرِيَ الصَيْدَ مِن مالِكٍ لَهُ فَيَذْبَحَهُ؛ فَيَأْكُلَهُ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَحْمَنِ اشْتَرى قِطًّا؛ وهو بِالعَرْجِ؛ فَأكَلَهُ؛ فَعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الناسُ.
ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - يُجِيزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَأْكُلَ ما صادَهُ الحَلالُ وذَبَحَهُ؛ إذا كانَ لَمْ يَصِدْهُ مِن أجْلِ المُحْرِمِ؛ فَإنْ صِيدَ مِن أجْلِهِ فَلا يَأْكُلْهُ؛ وكَذَلِكَ قالَ الشافِعِيُّ ؛ ثُمَّ اخْتَلَفا إنْ أكَلَ؛ فَقالَ مالِكٌ: عَلَيْهِ الجَزاءُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "وَحَرَّمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والراءِ مُشَدَّدَةً؛ "صَيْدَ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "ما دُمْتُمْ حَرَمًا"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ المَعْنى: "وَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ"؛ و"حَرَمًا"؛ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ؛ والواحِدِ؛ كَـ "رِضًا"؛ وما أشْبَهَهُ؛ والمَعْنى: "ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ"؛ فَهي بِالمَعْنى كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِضَمِّ الحاءِ؛ والراءِ.
وَلا يُخْتَلَفُ في أنَّ ما لا زَوالَ لَهُ مِنَ الماءِ أنَّهُ صَيْدُ بَحْرٍ؛ وفِيما لا زَوالَ لَهُ مِنَ البَرِّ أنَّهُ صَيْدُ بَرٍّ؛ واخْتُلِفَ فِيما يَكُونُ في أحَدِهِما وقَدْ يَعِيشُ ويَحْيا في الآخَرِ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وعَطاءٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: كُلُّ ما يَعِيشُ في البَرِّ ولَهُ فِيهِ حَياةٌ فَهو مِن صَيْدِ البَرِّ؛ إنْ قَتَلَهُ المُحْرِمُ وداهُ؛ وذَكَرَ أبُو مِجْلَزٍ في ذَلِكَ الضَفادِعَ؛ والسَلاحِفَ؛ والسَرَطانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِن هَذِهِ أنْواعٌ لا زَوالَ لَها مِنَ الماءِ؛ فَهي لا مَحالَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ؛ وعَلى هَذا خَرَجَ جَوابُ مالِكٍ في الضَفادِعِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ فَإنَّهُ قالَ: اَلضَّفادِعُ مِن صَيْدِ البَحْرِ؛ ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ خِلافَ ما ذَكَرْناهُ؛ وهو أنَّهُ راعى أكْثَرَ عَيْشِ الحَيَوانِ؛ سُئِلَ عَنِ ابْنِ الماءِ؛ أصَيْدُ بَرٍّ أمْ صَيْدُ بَحْرٍ؟
فَقالَ: حَيْثُ يَكُونُ أكْثَرَ فَهو مِنهُ؛ وحَيْثُ يُفْرِخُ فَهو مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ في ابْنِ ماءٍ أنَّهُ صَيْدُ بَرٍّ؛ طائِرٌ يَرْعى؛ ويَأْكُلُ الحَبَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ ؛ تَشْدِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَقِبَ هَذا التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ؛ ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأمْرِ الحَشْرِ والقِيامَةِ؛ مُبالَغَةً في التَحْذِيرِ.
ولَمّا بانَ في هَذِهِ الآياتِ تَعْظِيمُ الحَرَمِ؛ والحُرْمَةِ بِالإحْرامِ؛ مِن أجْلِ الكَعْبَةِ؛ وأنَّها بَيْتُ اللهِ وعُنْصُرُ هَذِهِ الفَضائِلِ؛ ذَكَرَ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلَ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ما سَنَّهُ في الناسِ؛ وهَداهم إلَيْهِ؛ وحَمَلَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةَ الجَهْلاءِ؛ مِنَ التِزامِهِمْ أنَّ الكَعْبَةَ قِوامٌ؛ والهَدْيَ قِوامٌ؛ والقَلائِدَ قِوامٌ؛ أيْ أمْرٌ يَقُومُ لِلنّاسِ بِالتَأْمِينِ؛ وحِلِّ الحَرْبِ؛ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ الَّذِينَ هم قِوامُ العالَمِ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ لا مَلِكَ لَها؛ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الأشْياءَ كالمَلِكِ لَها؛ وأعْلَمَ تَعالى أنَّ التِزامَ الناسِ لِذَلِكَ هو مِمّا شَرَعَهُ وارْتَضاهُ؛ ويَدُلُّ عَلى مِقْدارِ هَذِهِ الأُمُورِ في نُفُوسِهِمْ «أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لَما بَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةَ الحُلَيْسَ؛ فَلَمّا رَآهُ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: "هَذا رَجُلٌ يُعَظِّمُ الحُرْمَةَ؛ فالقَوْهُ بِالبُدْنِ مُشْعِرَةً"؛ فَلَمّا رَآها الحُلَيْسُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وقالَ: ما يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّ هَؤُلاءِ؛ ورَجَعَ عن رِسالَتِهِمْ.» وَ"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ و"اَلْكَعْبَةُ"؛ بَيْتُ مَكَّةَ؛ وسُمِّيَ "كَعْبَةً"؛ لِتَرْبِيعِهِ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: كُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ فَهو مُكَعَّبٌ؛ وكَعْبَةٌ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: أهْلُ الخَوَرْنَقِ والسَدِيرِ وبارِقٍ ∗∗∗ والبَيْتِ ذِي الكَعَباتِ مِن سِنْدادِ قالُوا: كانَتْ فِيهِ بُيُوتٌ مُرَبَّعَةٌ؛ وفي كِتابِ سِيَرِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ كانَ في خَثْعَمَ بَيْتٌ يُسَمُّونَهُ "كَعْبَةَ اليَمانِيَّةِ"؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَتْ "كَعْبَةً"؛ لِنُتُوئِها؛ ونُشُوزِها عَلى الأرْضِ؛ ومِنهُ " كَعَبَ ثَدْيُ الجارِيَةِ"؛ ومِنهُ: " كَعْبُ القَدَمِ"؛ ومِنهُ: "كُعُوبُ القَناةِ".
و"قِيامًا"؛ مَعْناهُ: أمْرٌ يَقُومُ لِلنّاسِ بِالأمَنَةِ؛ والمَنافِعِ؛ كَما المَلِكُ قِوامُ الرَعِيَّةِ؛ وقِيامُهُمْ؛ يُقالُ ذَلِكَ بِالياءِ؛ كَـ "اَلصِّيامُ"؛ ونَحْوِهِ؛ وذَلِكَ لِخِفَّةِ الياءِ؛ فَتُسْتَعْمَلُ أشْياءُ مِن ذَواتِ الواوِ بِها؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ القِوامُ عَلى الأصْلِ؛ قالَ الراجِزُ: قِوامُ دُنْيا وقِوامُ دِينِ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ ؛ أيْ: مَوْضِعَ وُجُوبِ قِيامٍ بِالمَناسِكِ؛ والتَعَبُّداتِ؛ وضَبْطِ النُفُوسِ في الشَهْرِ الحَرامِ؛ ومَعَ الهَدْيِ والقَلائِدِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "قِيَمًا"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهَذا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَـ "اَلشِّبَعُ"؛ ونَحْوِهِ؛ وأُعِلَّ فَلَمْ يُجْرَ مُجْرى "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ مِن حَيْثُ أُعَلِّ فِعْلُهُ؛ وقَدْ تُعَلُّ الجُمُوعُ لِاعْتِلالِ الآحادِ؛ فَأحْرى أنْ تُعَلَّ المَصادِرُ لِاعْتِلالِ أفْعالِها؛ ويَحْتَمِلُ "قِيَمًا" أنْ تُحْذَفَ الألِفُ؛ وهي مُرادَةٌ؛ وحُكْمُ هَذا أنْ يَجِيءَ في شِعْرٍ؛ وغَيْرِ سَعَةٍ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ.
و"والشَهْرَ"؛ هُنا اسْمُ جِنْسٍ؛ والمُرادُ الأشْهُرُ الثَلاثَةُ؛ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ؛ وشَهْرُ مُضَرَ؛ وهو "رَجَبٌ"؛ اَلْأصَمُّ ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ الحَدِيدِ؛ وسَمَّوْهُ مُنْصِلَ الأسِنَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْزِعُونَ فِيهِ أسِنَّةَ الرِماحِ؛ وهو شَهْرُ قُرَيْشٍ؛ ولَهُ يَقُولُ عَوْفُ بْنُ الأحْوَصِ: وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا سِيقَتْ مُضَرِّجُها الدِماءُ وسَمّاهُ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - "شَهْرَ اللهِ"؛ أيْ "شَهْرَ آلِ اللهِ"؛ وكانَ يُقالُ لِأهْلِ الحَرَمِ: "آلُ اللهِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمّى "شَهْرَ اللهِ"؛ لِأنَّ اللهَ سَنَّهُ؛ وشَدَّدَهُ؛ إذْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ لا يَراهُ.
وأمّا الهَدْيُ فَكانَ أمانًا لِمَن يَسُوقُهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ في عِبادَةٍ؛ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ؛ وأمّا القَلائِدُ فَكَذَلِكَ؛ كانَ الرَجُلُ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِن لِحاءِ السَمُرِ؛ أو غَيْرِهِ شَيْئًا؛ فَكانَ ذَلِكَ أمانًا لَهُ؛ وكانَ الأمْرُ في نُفُوسِهِمْ عَظِيمًا؛ مَكَّنَهُ اللهُ ؛ حَتّى كانُوا لا يَقْدِرُ مَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ أنْ يَتَقَلَّدَ شَيْئًا؛ خَوْفًا مِنَ اللهِ ؛ وكَذَلِكَ إذا انْصَرَفُوا تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلنّاسِ"؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ العَرَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الأُمُورَ لِلنّاسِ؛ وهم لا يَرْجُونَ جَنَّةً؛ ولا يَخافُونَ نارًا؛ ثُمَّ شَدَّدَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى أنْ جَعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ قِيامًا؛ والمَعْنى: "فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أُمُورِ السَماواتِ والأرْضِ؛ ويَعْلَمُ مَصالِحَكم أيُّها الناسُ؛ قَبْلُ؛ وبَعْدُ؛ فانْظُرُوا لُطْفَهُ بِالعِبادِ عَلى حالِ كُفْرِهِمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؛ عامٌّ عُمُومًا تامًّا في الجُزْئِيّاتِ؛ ودَقائِقِ المَوْجُوداتِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ ؛ والقَوْلُ بِغَيْرِ هَذا إلْحادٌ في الدِينِ وكُفْرٌ.
ثُمَّ خَوَّفَ تَعالى عِبادَهُ؛ ورَجّاهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَكَذا هو الأمْرُ في نَفْسِهِ؛ حَرِيٌّ أنْ يَكُونَ العَبْدُ خائِفًا؛ عامِلًا بِحَسَبِ الخَوْفِ؛ مُتَّقِيًا؛ مُتَأنِّسًا بِحَسَبِ الرَجاءِ.
استئناف بياني نشأ عن قوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95] فإنّه اقتضى تحريم قتل الصيد على المحرم وجعل جزاء فعله هدي مثل ما قتَل من النعم، فكان السامع بحيث يسأل عن صيد البحر لأنّ أخذه لا يسمّى في العرف قتلاً، وليس لما يصاد منه مثل من النعم ولكنّه قد يشكّ لعلّ الله أراد القتل بمعنى التسبّب في الموت، وأراد بالمثل من النعم المقاربَ في الحجم والمقدار، فبيّن الله للناس حكم صيد البحر وأبقاه على الإباحة، لأنّ صيد البحر ليس من حيوان الحرم، إذ ليس في شيء من أرض الحرم بحر.
وقد بينّا عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95] أنّ أصل الحكمة في حرمة الصيد على المحرم هي حفظ حرمة الكعبة وحرمها.
ومعنى ﴿ أحلّ لكم صيد البحر ﴾ إبقاء حلّيّته لأنّه حلال من قبللِ الإحرام.
والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للذين آمنوا.
والصيد هنا بمعنى المصيد ليجري اللفظ على سنن واحد في مواقعه في هذه الآيات، أي أحلّ لكم قتله، أي إمساكه من البحر.
والبحر يشمل الأنهار والأودية لأنّ جميعها يسمّى بحراً في لسان العرب.
وقد قال الله تعالى: ﴿ وما يستوي البحران هذا عذب فرات ﴾ الآية.
وليس العذب إلاّ الأنهار كدجلة والفرات.
وصيد البحر: كلّ دوابّ الماء التي تصاد فيه، فيكون إخراجها منه سبب موتها قريباً أو بعيداً.
فأمّا ما يعيش في البرّ وفي الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة، ولا خلاف في هذا.
أمّا الخلاف فيما يؤكل من صيد البحر وما لا يؤكل منه، عند من يرى أنّ منه ما لا يؤكل، فليس هذا موضع ذكره، لأنّ الآية ليست بمثبتة لتحليل أكل صيد البحر ولكنّها منّبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام.
وقوله: ﴿ وطعامه ﴾ عطف على ﴿ صيد البحر ﴾ .
والضمير عائد إلى ﴿ البحر ﴾ ، أي وطعام البحر، وعطفه اقتضى مغايرته للصيد.
والمعنى: والتقاط طعامه أو وإمساكُ طعامه.
وقد اختلف في المراد من «طعامه».
والذي روي عن جلّة الصحابة رضي الله عنهم: أنّ طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن سبب موته إمساك الصائد له.
ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر غير هذا ممّا لا يلائم سياق الآية.
وهؤلاء هم الذين حرّموا أكل ما يخرجه البحر ميّتاً، ويردّ قولهم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في البحر: " هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته " وحديث جابر في الحوت المسمّى العنبر، حين وجدوه ميّتاً، وهم في غزوة، وأكلوا منه، وأخبروا رسول الله، وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على الحال.
والمتاع: ما يتمتّع به.
والتمتّع: انتفاع بما يلذّ ويسرّ.
والخطاب في قوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ للمخاطبين بقوله: ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ باعتبار كونهم متناولين الصيد، أي متاعاً للصائدين وللسيّارة.
والسيّارة: الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة، مؤنث سيّار، والتأنيث باعتبار الجماعة.
قال تعالى: ﴿ وجاءت سيّارة ﴾ [يوسف: 19].
والمعنى أحلّ لكم صيد البحر تتمتّعون بأكله ويتمتّع به المسافرون، أي تبيعونه لمن يتّجرون ويجلبونه إلى الأمصار.
وقوله: ﴿ وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً ﴾ زيادة تأكيد لتحريم الصيد، تصريحاً بمفهوم قوله ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95]، ولبيان أنّ مدّة التحريم مدّة كونهم حُرُماً، أي محرمين أو مارّين بحرم مكة.
وهذا إيماء لتقليل مدّة التحريم استئناساً بتخفيف، وإيماء إلى نعمة اقتصار تحريمه على تلك المدّة، ولو شاء الله لحرّمه أبداً.
وفي «الموطأ»: أنّ عائشة قالت لعروة بن الزبير: يا بن أختي إنّما هي عشر ليال (أي مدّة الإحرام) فإن تخلَّجَ في نفسك شيء فدعه.
تعني أكل لحم الصيد.
وذيّل ذلك بقوله: ﴿ واتّقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ .
وفي إجراء الوصف بالموصول وتلك الصلة تذكير بأنّ المرجع إلى الله ليعدّ الناس ما استطاعوا من الطاعة لذلك اللقاء.
والحشر: جمع الناس في مكان.
والصيد مراد به المصيد، كما تقدّم.
والتحريم متعلّق بقتله لقوله قبله ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95] فلا يقتضي قوله: ﴿ وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً ﴾ تحريم أكل صيد البرّ على المحرم إذا اشتراه من بائع أو ناوله رجل حلال إيّاه، لأنّه قد علم أنّ التحريم متعلّق بمباشرة المحرم قتله في حال الإصابة.
وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمار الذي صاده أبو قتادة، كما في حديث «الموطأ» عن زيد بن أسلم.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقسمة الحمار الذي صاده زيد البهزي بين الرفاق وهم محرمون.
وعلى ذلك مضى عمل الصحابة، وهو قول.
وأمّا ما صيد لأجل المحرم فقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ردّ على الصعب بن جَثّامة حماراً وحشياً أهداه إليه وقال له: " إنّا لم نردّه عليك إلاّ أنّا حُرُم " وقد اختلف الفقهاء في محل هذا الامتناع.
فقيل: يحرم أن يأكله مَن صِيدَ لأجله لا غير.
وهذا قول عثمان بن عفّان، وجماعة من فقهاء المدينة، ورواية عن مالك، وهو الأظهر، لأنّ الظاهر أنّ الضمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّما لم نردّه عليك إلاّ أنّا حرم " أنّه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لقوله «لم نردّه»، وإنّما ردّه هو وحده.
وقيل: يحرم على المحرم أكل ما صيد لمحرم غيره، وهو قول بعض أهل المدينة، وهو المشهور عن مالك.
وكأنّ مستندهم في ذلك أنّه الاحتياط وقيل: لا يأكل المحرم صيداً صِيد في مدّة إحرامه ويأكل ما صِيد قبل ذلك، ونسب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس، وقيل: يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقاً، وإنّما حرّم الله قتل الصيد، وهو قول أبي حنيفة.
والحاصل أنّ التنزّه عن أكل الصيد الذي صيد لأجل المحرم ثابت في السنّة بحديث الصعب بن جَثَّامة، وهو محتمل كما علمت.
والأصل في الامتناع الحِرمة لأنّه، لو أراد التنزّه لقال: أمّا أنا فلا آكله، كما قال في حديث خالد بن الوليد في الضبّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ يَعْنِي صَيْدَ الماءِ سَواءٌ كانَ مِن بَحْرٍ أوْ نَهْرٍ أوْ عَيْنٍ أوْ بِئْرٍ فَصَيْدُهُ حَلالٌ لِلْمُحْرِمِ والحَلالِ في الحُرُمِ والحِلِّ.
﴿ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ ﴾ في طَعامِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: طافِيهِ وما لَفَظَهُ البَحْرُ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: مَمْلُوحَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ ﴾ يَعْنِي مَنفَعَةً لِلْمُسافِرِ والمُقِيمِ.
وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي مُدْلِجٍ، وكانُوا يَنْزِلُونَ بِأسْيافِ البَحْرِ، سَألُوا عَمّا نَضَبَ عَنْهُ الماءُ مِنَ السَّمَكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ في تَسْمِيَتِها كَعْبَةً قَوْلانِ: أحَدُهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْبِيعِها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعُلُوِّها ونُتُوئِها مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ كَعِبَ ثَدْيُ المَرْأةِ إذا عَلا ونَتَأ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى لَها أنْ يُصادَ صَيْدُها، أوْ يُخْتَلى خَلاها، أوْ يُعَضَّدُ شَجَرُها.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي صَلاحًا لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: تَقُومُ بِهِ أبْدانُهم لِأمْنِهِمْ بِهِ في التَّصَرُّفِ لِمَعايِشِهِمْ.
والثّالِثُ: قِيامًا في مَناسِكِهِمْ ومُتَعَبَّداتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم ﴾ قال: ما لفظه ميتاً فهو طعامه» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفاً.
مثله.
وأخرج أبو الشيخ من طريق قتادة عن أنس عن أبي بكر الصديق في الآية قال: صيده ما حويت عليه، وطعامه ما لفظ إليك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة.
أن أبا بكر الصديق قال في قوله: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما لاثه البحر.
وفي لفظ: طعامه كل ما فيه، وفي لفظ: طعامه ميتته.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: صيد البحر حلال وماؤه طهور.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزبير عن عبد الرحمن مولى بني مخزوم قال: ما في البحر شيء إلا قد ذكَّاه الله لكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم ﴾ قال: وطعامه ما قذف به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قدمت البحرين، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك؟
فقلت لهم: كلوا، فلما رجعت سألت عمر بن الخطاب عن ذلك، فقال: بم أفتيتهم؟!
قال: أفتيتهم أن يأكلوا.
قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة، ثم قال: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ فصيده ما صيد منه، وطعامه ما قذف.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: صيده ما صيد، وطعامه ما لفظ به البحر، وفي رواية ما قذف به، يعني ميتاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق أخرى عن ابن عباس في الآية قال: صيده الطري، وطعامه المالح، للمسافر والمقيم.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال: صيده ما اصطدت.
وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال: ما حسر عنه فكل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: صيده ما اضطرب، وطعامه ما قذف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ يعني طعامه مالحه، وما حسر عنه الماء، وما قذفه، فهذا حلال لجميع الناس محرم وغيره.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان ألقاها البحر، فقال ابن عمر: أميتة هي؟
قال: نعم.
فنهاه، فلما رجع عبدالله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى على هذه الآية ﴿ وطعامه متاعاً لكم ﴾ فقال: طعامه هو الذي ألقاه فألحقه، فمره يأكله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي أيوب قال: ما لفظ البحر فهو طعامه وإن كان ميتاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: صيده ما اصطدت طرياً، وطعامه ما تزوّدت مملوحاً في سفرك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: ما نعلمه حرم من صيد البحر شيئاً غير الكلاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون الكردي.
أن ابن عباس كان راكباً فمر عليه جراد فضربه، فقيل له: قتلت صيداً وأنت محرم؟
فقال: إنما هو من صيد البحر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء بن يسار قال: قال كعب الأحبار لعمر: والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين.
يعني الجراد.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الآية قال: ما كان من صيد البحر يعيش في البر والبحر فلا يصيده، وما كان حياته في الماء فذلك له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ متاعاً لكم ﴾ لمن كان يحضره البحر ﴿ وللسيارة ﴾ قال: السفر.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وطعامه ﴾ قال: حيتانه ﴿ متاعاً لكم ﴾ لأهل القرى ﴿ وللسيارة ﴾ أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن ﴿ وللسيارة ﴾ قال: هم المحرمون.
وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ وللسيارة ﴾ قال: المسافر يتزوّد منه ويأكل.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال: هي مبهمة، لا يحل لك أكل لحم الصيد وأنت محرم، ولفظ ابن أبي حاتم قال: هي مبهمة صيده، وأكله حرام على المحرم.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال: قلت لمجاهد: فإنه صيد اصطيد بهمذان قبل أن يحرم الرجل بأربعة أشهر.
فقال: لا، كان ابن عباس يقول: هي مبهمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحارث بن نوفل قال: حج عثمان بن عفان، فأتى بلحم صيد صاده حلال، فأكل منه عثمان ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن.
أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأساً بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره، وكرهه علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب.
أن علياً كره لحم الصيد للمحرم على كل حال.
وأخرج عن ابن عباس.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر.
أنه كان لا يأكل الصيد وهو محرم، وإن صاده الحلال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل قال: سألت الشعبي عنه فقال: قد اختلف فيه، فلا تأكل منه أحب إليَّ.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة.
أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟
قال: نعم.
ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره، فقال: لو أفتيت بغير هذا لعلوتك بالدرة، إنما نهيت أن تصطاده.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فجعل الصيد حراماً على المحرم صيده وأكله حراماً، وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال، وإن صاده حرام للحلال فلا يحل أكله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عبد الرحمن بن عثمان قال: «كنا مع طلحة بن عبيدالله ونحن حرم، فأهدي لنا طائر، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ طلحة وافق من أكل وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: اقرأها كما تقرؤها، فإن الله ختم الآية بحرام قال أبو عبيد: يعني ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ يقول: فهذا يأتي معناه على قتله وعلى أكل لحمه.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمها، فقالوا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟
فحملنا ما بقي من لحمها.
قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟
قالوا: لا.
قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصد لكم» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: «يا زيد بن أرقم، أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن؟
قال: نعم.» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند ضعيف عن أبي هريرة: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة، فاستقبلنا رحل جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن، فأسقط في أيدينا فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟
فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس بصيد البحر» .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم فعليه الكفارة.
قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: يريد بصيده ما أصاب من داخل البحر (١) وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس: الحيتان وأنواعها، وكلها حلال، والضفادع وأنواعها، وكلها حرام (٢) واختلفوا فيما سوى هذين، فقال بعضهم: إنه حرام وهو مذهب أبي حنيفة (٣) (٤) ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُهُ ﴾ ، اختلفوا في طعام البحر ما هو، فقال عطاء عن ابن عباس: هو ما لفظه البحر، وقال أيضًا: هو ما حسر عنه الماء وألقاه إلى الساحل (٧) (٨) (٩) وقال أبو بكر الصديق: طعامه ميتته (١٠) (١١) (١٢) : "أحلت لنا ميتتان ودمان" (١٣) (١٤) وقال سعيد بن جبير وإبراهيم وابن المسيب ومقاتل وقتادة: (صيد البحر) الطبري (وطعامه) المليح منه (١٥) ليكون قد أعذر إليهم في الانتقام ممن عاد فيما حرم (عليه) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ ، قال عطاء: يريد منافع لكم تأكلون وتبيعون ويتزود عابر السبيل (١٩) (٢٠) قال أبو إسحاق: و (مَتَاعًا) منصوب مصدر مؤكد؛ لأنه لما قيل: (أحل لكم) (كان دليلًا على متعتم به) (٢١) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ ، كان دليلًا على أنه كتب عليهم ذلك فقال: ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ ، ذكر في هذه السورة تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع: قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ (٢٢) (٢٣) ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ (٢٤) (٢٥) قال: "صيد البحر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم" (٢٦) وكرهه بعضهم لحديث الصَّعْب بن جَثًامة، حيث أهدى للنبي رِجْلَ حمار وحشي، فرده وقال: إنا محرمون (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، قال عطاء: يريد خافوا الله الذي إليه تبعثون (٢٨) (٢٩) (١) أخرجه الطبري 7/ 63 بمعناه من طرق أخرى.
(٢) "تفسير البغوي" 3/ 100، 101، وعند مالك يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره.
"زاد المسير" 2/ 428.
(٣) "تفسير البغوي" 3/ 101، "زاد المسير" 2/ 428.
(٤) وهذا قول الجمهور.
"تفسير البغوي" 3/ 101.
(٥) "تفسير الطبري" 7/ 64.
(٦) "تفسير الطبري" 7/ 64.
(٧) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري 7/ 65، و"تفسير البغوي" 3/ 100، و"الدر المنثور" 2/ 586.
(٨) "النكت والعيون" 2/ 69، و "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.
(٩) أخرجه الطبري 7/ 66.
(١٠) أخرجه الطبري 7/ 65، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ.
"الدر المنثور" 2/ 585.
(١١) "تفسير البغوي" 3/ 100، والقرطبي 6/ 318.
(١٢) هذا هو المرجح.
وانظر: البغوي 3/ 101، والقرطبي 6/ 319، وابن كثير 2/ 114 - 116.
(١٣) أخرجه الإمام أحمد 2/ 97، وابن ماجه (3218) كتاب: الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد ولفظه "أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد"، والبغوي في "شرح السنة" 11/ 244.
(١٤) أخرجه أبو داوود (83) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والترمذي (69) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، (386) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر.
وصححه الألباني: "صحيح الجامع" 6/ 61 رقم 6925.
(١٥) "تفسير الطبري" 7/ 66 - 68، "النكت والعيون" 2/ 69، البغوي 3/ 100.
(١٦) ساقطة من (ج).
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 209، "زاد المسير" 2/ 428.
(١٨) "تفسير الطبري" 7/ 68، "بحر العلوم" 1/ 459، 460.
(١٩) "الوسيط" 2/ 231.
(٢٠) "تفسير الطبري" 7/ 69، "النكت والعيون" 2/ 69.
(٢١) هكذا في النسختين، وفي "معاني الزجاج" 2/ 209: (كان دليلاً على أنه قد متعهم به).
(٢٢) الآية الآولى من السورة.
(٢٣) الآية السابقة (95).
(٢٤) هذه الآية التي يفسرها.
(٢٥) "تفسير البغوي" 3/ 99.
(٢٦) أخرجه أبو داود (1851) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي (846) كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، كتاب: الحج، باب: 25 ما جاء في أكل الصيد للمحرم 3/ 195 رقم 846، والنسائي 5/ 187، كتاب: الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد.
(٢٧) أخرجه البخاري (1825) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا ولفظه: "إنا لم نرده إلا أنا حرم"، وكذا مسلم (1193)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم وغيرهما.
(٢٨) انظر: "الوسيط" 2/ 231.
(٢٩) "تفسير الطبري" 7/ 75.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر ﴾ أحلّ الله بهذه الآية صيد البحر للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر هو الماء الكثير: سواء كان ملحاً أو عذباً، كالبرك ونحوها، وطعامه هو ما يطفو على الماء وما قذف به البحر لأنّ ذلك طعام وليس بصيد، قاله أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وقال ابن عباس: طعامه ما ملح منه وبقي ﴿ متاعا لَّكُمْ وللسيارة ﴾ الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة المسافرون أي هو متاع ما تدومون به ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ الصيد هنا يحتمل أن يراد به المصدر أو الشيء المصيد أو كلاهما، فنشأ من هذا أن ما صاده المحرم فلا يحلّ له أكله بوجه، ونشأ الخلاف فيما صاد غيره، فإذا اصطاد حلال، فقيل: يجوز للمحرم أكله، وقيل: لا يجوز إن اصطاده لمحرم، والأقوال الثلاثة مروية عن مالك، وإن اصطاد حرام محرم لم يجز لغيره أكله عند مالك خلافاً للشافعي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.
الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.
﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.
﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.
﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.
﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.
قال المفسرون: "جلس رسول الله يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟
قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.
فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.
ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا!
أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟
فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.
فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.
ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.
فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.
والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.
ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.
قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.
أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.
ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.
أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.
وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.
ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.
والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.
فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.
وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.
أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.
فقال الرجل: ما أجد.
فأتى النبي بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي : أطعم هذا.
وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.
ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.
وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.
وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.
أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.
ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.
وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.
وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.
وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.
قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.
وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.
والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.
قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.
وعن مجاهد: ثوب جامع.
وقال الحسن: ثوبان أبيضان.
و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.
ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.
ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.
وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.
وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.
ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.
﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.
تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.
وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.
ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.
وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟
فقال رسول الله : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟
قال: بلى.
قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .
وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .
ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.
والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.
جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.
﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.
وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.
ثم إنه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.
واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله منها قصة علي بن أبي طالب وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.
فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال علي : فانطلقت حتى دخلت على النبي وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله الذي أتيت له فقال: ما لك؟
فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!
عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.
قال: فدعا رسول الله بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.
فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟
فعرف رسول الله أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.
قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.
ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.
قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.
ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.
ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.
ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.
والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.
ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.
ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.
وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.
وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.
ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟
ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.
إذ فهموا التحريم المؤكد.
ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.
ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.
عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.
قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.
فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.
ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.
والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.
وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.
والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.
روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟
فنزلت.
وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
ثم أنه شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.
فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.
وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.
وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.
وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.
ثم إنه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.
قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.
قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.
و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.
عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.
﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.
أما الأول فلقوله بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.
وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.
وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.
وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.
﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.
وقيل: وقد دخلتم الحرم.
وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.
ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.
قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.
وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.
قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.
وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.
ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.
وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.
وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.
قال "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.
أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.
ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.
حجة الشافعي قوله ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي أنه حكم في الضبع بكبش.
وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.
فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.
والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.
وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.
والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.
وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.
(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.
فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.
وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.
الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.
وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.
الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.
وقال المزني: عليه شاة.
وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.
الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.
حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.
حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.
الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.
والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.
فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.
قوله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.
وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.
ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.
عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟
قال: عليه شاة.
قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.
قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.
قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟
قال الله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.
قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه قضى في الضبع بكبش.
وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.
وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.
وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟
إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.
وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.
فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.
فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.
فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.
وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.
ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.
قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.
وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.
وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.
والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.
ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.
قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.
وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.
قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.
ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.
وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.
ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.
ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.
وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.
وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.
فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.
والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.
وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.
فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.
وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.
ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.
ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.
ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.
وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.
ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.
وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.
وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟
أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.
أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.
والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.
والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.
وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.
﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.
ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.
فقال أبو حنيفة: حرام.
وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.
قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.
فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.
وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.
قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.
وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.
وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.
واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.
وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله : هل أشرتم؟
هل أعنتم؟
فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟
قالوا معنا رجله.
فأخذها النبي فأكلها.
هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
وقال في الكشاف.
أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.
ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.
ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.
ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.
وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم .
﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.
وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.
وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.
وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.
وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.
وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.
ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!
ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.
وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .
ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.
فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟
فقال له النبي : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.
التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.
﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.
﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.
ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.
﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.
﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.
﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.
﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.
والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.
﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ .
أخبر الله - - أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم، ثم اختلف أهل التأويل في تأويله.
قال بعضهم: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف في البحر"، كذلك روي عن عمر - - أنه قال: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف".
وعن أبي بكر وابن عباس - ما - قالا: "طعامه: ما قذف".
وقال بعضهم: صيده: ما أخذ طريّاً، وطعامه: مليحة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ : أي: منفعة لكم، أي: للحاضر ﴿ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ : أي: للمسافر.
وعن بعضهم: صيده: ما صدت طريا، وطعامه: ما تزودت في سفرك مليحا.
ثم يجيء على قول أصحاب الظاهر: أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحاً بظاهر قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ...
﴾ الآية، وكذلك ما روي عن نبي الله قال: "الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" أنه لم يخص ميتة دون ميتة، ولا طعاماً دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك خاصة؛ لما روي عنه قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ والسَّمَكُ..." دل الخبر أن المراد من الآية والخبر رجع إلى السمك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ عن ابن عباس - - قال: مبهمة، لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله.
وروي عن علي - - وهو محرم أنه دعي إلى طعام، فقرب إليه يعاقيب وحجل، فلما رأي ذلك علي قام، وقام معه ناس؛ فقيل لصاحب الطعام: ما قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك؛ فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما كرهت من هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا ولا صدنا.
قال علي - -: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" ثم انطلق.
وعن عثمان - - مثله أو قريباً منه.
وأما عندنا: فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده هو ولا صيد له؛ لما روي عن أبي قتادة - - "أنه كان مع النبي حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطاً، فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذه، ثم اشتد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحابه، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله فسألوه عن ذلك، فقال: إِنَّمَا هِي طُعْمَةٌ أَطَعَمَكُمُوهَا اللهُ سُبْحَانَهُ، وقال: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ" وفي خبر أخر عن جابر بن عبد الله - - قال: عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول الله .
وفي خبر آخر عن أبي قتادة - - قال: "إني أصبت حمار وحش، فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش وعندي منه، فقال للقوم: كُلُوا، وهم محرمون" .
وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله لهم: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ، رخص النبي في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْهُ ولم يُصَدْ له، وبذلك أخذ أصحابنا.
وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله - -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، وقال: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فمعناه - والله أعلم -: اصطياده؛ ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل لحمه محظور؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في الاصطياد لا في أكل لحمه؛ لأن لحم الصيد قد خرج من أن يصاد؛ فالتحريم غير واقع عليه، ليس كالبيض؛ لأن البيض قد يصير صيداً، واللحم ليس كذلك، ولأن المحرم لو أتلف البيض غرم قيمته، ولو أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئاً، فما لزمه الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم التناول من لحم صيد صاده حلال، لوجب أن يحرم على أهل مكة التناول منه؛ إذ هم أهل حرم الله، وذلك بعيد؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بما روينا من الأخبار عن رسول الله من حديث أبي قتادة وغيره، وبما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما، م.
فإن قيل: روي عن ابن عباس - - عن زيد بن أرقم أن النبي نهى المحرم عن لحم الصيد.
وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم - - قال: "أهدي لرسول الله عضواً من لحم صيد، فرده، وقال: إِنَّا حُرُمٌ لاَ نَأْكُلُهُ" وروي في خبر آخر أنه "سئل النبي عن محرم أتى بلحم صيد؟
قال: لاَ تَأْكُلْ مِنْهُ" لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيد بعد أن أحرم [أو] أن يكون صيد من أجله، وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله؛ دليله من خبر عثمان - -: "ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي"، وخبر جابر - - عن رسول الله قال: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر: قال بعضهم: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصيدوه، وما كان حياته في الماء فذاك البحري.
وقال آخرون: أكثر ما يكون [في الماء حتى يفرخ].
وقال غيرهم: صيد البر هو الذي إن أخذه الصائد حَيّاً فمات في يده لم يحل، ولا يحل إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، فكل ما كانت هذه صفته فهو [صيد البر]، وإن كان [قد] يعيش في الماء.
وما كان الصائد إذا أخذه حيّاً وهو يعيش في الماء فمات في يده أكله، فذلك صيد البحر، وذلك السمك.
وفي ذلك وجه آخر: وهو أن كل ما ألقاه البحر وقذفه فمات فحل لنا أكله، فذلك طعامه، وإن لم يحل أكله فليس بطعامه، فما كان طعامه وألقاه فمات فهو إذن صيد البحر، وما لا يحل أكله إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد؛ لأن الله أباح صيد البحر وطعامه، فما ليس بطعامه إذا ألقاه فمات فليس بصيد إذا أخذ حيّاً، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في استحلال قتل الصيد في الحرم، أو اتقوا الله في أخذ الصيد في حال الإحرام بعد النهي، أو اتقوا الله في كل ما لا يحل ﴿ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فتجزون بأعمالكم: إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر.
ويحتمل قوله: ﴿ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أي: إلى حكمه تصيرون؛ كقوله - -: ﴿ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ...
﴾ الآية: اختلف فيه: قال بعضهم قوله - -: ﴿ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي ثباتا للناس ودواماً؛ لأن الله - - جعلها موضعاً لإقامة العبادات، من نحو: الحج، والطواف، والصلاة، وإراقة الدماء، والهدايا، وغير ذلك من العبادات، ثم إن تلك العبادات جعلها ثابتة دائمة لا تبدل ولا تنسخ أبداً؛ فذلك معنى القيام للناس، والله أعلم.
وقال بعضهم: قياماً بمعنى: قواماً، أي: جعلها قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ لأنه جعلها مأمناً لهم وملجأ؛ حتى أن من ارتكب كبيرة أو جرم جريمة [ثم لجأ إليه]، لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا يتناول منه، وكانوا إذا وجدوا هدياً مقلداً لم يتعرضوا له وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ذكره.
وجعل فيها عبادات ومقصداً ما لم يجعل في غيرها من البقاع: من قضاء المناسك وغيرها، وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمناً لهم إذا دخلوا فيه، يأمنون من كل خوف كان بهم، وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها؛ فكان في ذلك قواماً لهم في معاشهم ومعادهم.
وعن سعيد بن جبير: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ : شدة لدينهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ذلك الأمن وما ذكرنا من جعل الكعبة قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ ﴿ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: على علم جعل هكذا قبل أن يكون أنه يكون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغييرها وتبديل نعته وصفته، أي: على علم منه بالتحريف والتبديل خلقكم، لا عن جهل؛ ليمتحنكم؛ لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن، بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع إلى المؤمن.
وقوله - عز جل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ ، أي: اعلموا أنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، على ما علمتم أنه عن علم منه كان جميع ما كان.
﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ واعلموا - أيضاً - أن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب إليه، وشديد العقاب؛ لأن من العقوبات ما ليس بشديد، وخاصة عقوبة الآخرة أنه يعاقب بالنار، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار؛ فإنه لا يحتملها أحد، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء، وعذاب الآخرة لا انقضاء له ولا فناء؛ لذلك وصف بالشدة، والله أعلم.
أحلَّ الله لكم صيد الحيوانات المائية، وما يقذفه البحر لكم حيًّا أو ميتًا منفعة لمن كان منكم مقيمًا أو مسافرًا يتزود به، وحَرَّمَ عليكم صيد البر أما دومتم محرمين بحج أو عمرة واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الذي إليه وحده ترجعون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.WlWKe"