الآية ٩٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩٥ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 343 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ، ونهي عن تعاطيه فيه .

وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره ، فأما غير المأكول من حيوانات البر ، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها .

والجمهور على تحريم قتلها أيضا ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أم المؤمنين ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور " .

وقال مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور " .

أخرجاه .

ورواه أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مثله .

قال أيوب ، قلت لنافع : فالحية؟

قال : الحية لا شك فيها ، ولا يختلف في قتلها .

ومن العلماء - كمالك وأحمد - من ألحق بالكلب العقور الذئب ، والسبع ، والنمر ، والفهد ; لأنها أشد ضررا منه ، فالله أعلم .

وقال سفيان بن عيينة وزيد بن أسلم : الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها .

واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال : " اللهم سلط عليه كلبك بالشام " فأكله السبع بالزرقاء ، قالوا : فإن قتل ما عداهن فداها كالضبع والثعلب وهر البر ونحو ذلك .

قال مالك : وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها ، وصغار الملحق بها من السباع العوادي .

وقال الشافعي [ رحمه الله ] يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه ، ولا فرق بين صغاره وكباره .

وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل .

وقال أبو حنيفة : يقتل المحرم الكلب العقور والذئب ; لأنه كلب بري ، فإن قتل غيرهما فداه ، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه .

وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي .

وقال زفر بن الهذيل : يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه .

وقال بعض الناس : المراد بالغراب هاهنا الأبقع وهو الذي في بطنه وظهره بياض ، دون الأدرع وهو الأسود ، والأعصم وهو الأبيض ; لما رواه النسائي ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن يحيى القطان ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خمس يقتلهن المحرم : الحية ، والفأرة ، والحدأة ، والغراب الأبقع ، والكلب العقور " .

والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك ; لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه .

وقال مالك ، رحمه الله : لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه .

وقال مجاهد بن جبر وطائفة : لا يقتله بل يرميه .

ويروى مثله عن علي .

وقد روى هشيم : حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه سئل عما يقتل المحرم ، فقال : " الحية ، والعقرب ، والفويسقة ، ويرمي الغراب ولا يقتله ، والكلب العقور ، والحدأة ، والسبع العادي " .

رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل والترمذي ، عن أحمد بن منيع ، كلاهما عن هشيم .

وابن ماجه ، عن أبي كريب ، عن محمد بن فضيل ، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف ، به .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب قال : نبئت عن طاوس قال : لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ ، إنما يحكم على من أصابه متعمدا .

وهذا مذهب غريب عن طاوس ، وهو متمسك بظاهر الآية .

وقال مجاهد بن جبير : المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد ، الناسي لإحرامه .

فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه ، فذاك أمره أعظم من أن يكفر ، وقد بطل إحرامه .

رواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما ، عنه .

وهو قول غريب أيضا .

والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه .

قال الزهري : دل الكتاب على العامد ، وجرت السنة على الناسي ، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله : ( ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ) وجاءت السنة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ ، كما دل الكتاب عليه في العمد ، وأيضا فإن قتل الصيد إتلاف ، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان ، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم .

وقوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأها : " فجزاؤه مثل ما قتل من النعم " .

وفي قوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد ، والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم ، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي ، خلافا لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي ، قال : وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه ، وإن شاء اشترى به هديا .

والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع ، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة ، وفي بقرة الوحش ببقرة ، وفي الغزال بعنز ، وذكر قضايا الصحابة ، وأسانيدها مقرر في كتاب " الأحكام " ، وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه ، يحمل إلى مكة .

رواه البيهقي .

وقوله : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) يعني أنه يحكم بالجزاء في المثل ، أو بالقيمة في غير المثل ، عدلان من المسلمين ، واختلف العلماء في القاتل : هل يجوز أن يكون أحد الحكمين ؟

على قولين : أحدهما : " لا ; لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه ، وهذا مذهب مالك .

والثاني : نعم ; لعموم الآية .

وهو مذهب الشافعي وأحمد .

واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكوما عليه في صورة واحدة .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا جعفر - هو ابن برقان - عن ميمون بن مهران أن أعرابيا أتى أبا بكر قال : قتلت صيدا وأنا محرم ، فما ترى علي من الجزاء؟

فقال أبو بكر ، رضي الله عنه ، لأبي بن كعب وهو جالس عنده : ما ترى فيما قال؟

فقال الأعرابي : أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك ، فإذا أنت تسأل غيرك؟

فقال أبو بكر : وما تنكر؟

يقول الله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ) فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به .

وهذا إسناد جيد ، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق ، ومثله يحتمل هاهنا .

فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة ، لما رآه أعرابيا جاهلا وإنما دواء الجهل التعليم ، فأما إذا كان المعترض منسوبا إلى العلم ، فقد قال ابن جرير : حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا وكيع بن الجراح ، عن المسعودي ، عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال : خرجنا حجاجا ، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث ، قال : فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي - أو : برح - فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ خشاءه فركب ردعه ميتا ، قال : فعظمنا عليه ، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر رضي الله عنه ، قال : فقص عليه القصة قال : وإلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه قال : ثم أقبل على الرجل فقال : أعمدا قتلته أم خطأ؟

قال الرجل : لقد تعمدت رميه ، وما أردت قتله .

فقال عمر : ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها .

قال : فقمنا من عنده ، فقلت لصاحبي : أيها الرجل ، عظم شعائر الله ، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه : اعمد إلى ناقتك فانحرها ، ففعل ذاك .

قال قبيصة : ولا أذكر الآية من سورة المائدة : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) قال : فبلغ عمر مقالتي ، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرة .

قال : فعلا صاحبي ضربا بالدرة ، وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفهت الحكم؟

قال : ثم أقبل علي فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني ، قال : يا قبيصة بن جابر ، إني أراك شاب السن ، فسيح الصدر ، بين اللسان ، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة ، فإياك وعثرات الشباب .

وقد روى هشيم هذه القصة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة ، بنحوه .

ورواها أيضا عن حصين ، عن الشعبي ، عن قبيصة ، بنحوه .

وذكرها مرسلة عن عمر : بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، أخبرني أبو جرير البجلي قال : أصبت ظبيا وأنا محرم ، فذكرت ذلك لعمر ، فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك .

فأتيت عبد الرحمن وسعدا ، فحكما علي بتيس أعفر .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن عيينة ، عن مخارق عن طارق قال : أوطأ أربد ظبيا فقتلته وهو محرم فأتى عمر ; ليحكم عليه ، فقال له عمر : احكم معي ، فحكما فيه جديا ، قد جمع الماء والشجر .

ثم قال عمر : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين ، كما قاله الشافعي وأحمد ، رحمهما الله .

واختلفوا : هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم ، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل ، وإن كان قد حكم من قبله الصحابة ، أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة؟

على قولين ، فقال الشافعي وأحمد : يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة وجعلاه شرعا مقررا لا يعدل عنه ، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين .

وقال مالك وأبو حنيفة : بل يجب الحكم في كل فرد فرد ، سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا ; لقوله تعالى : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) وقوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) أي : واصلا إلى الكعبة ، والمراد وصوله إلى الحرم ، بأن يذبح هناك ، ويفرق لحمه على مساكين الحرم .

وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة .

وقوله : ( أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) أي : إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال ، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وأحد قولي الشافعي ، والمشهور عن أحمد رحمهم الله ، لظاهر الآية " أو " فإنها للتخيير .

والقول الآخر : أنها على الترتيب .

فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة ، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم .

وقال الشافعي : يقوم مثله من النعم لو كان موجودا ، ثم يشترى به طعام ويتصدق به ، فيصرف لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز ، واختاره ابن جرير .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : يطعم كل مسكين مدين ، وهو قول مجاهد .

وقال أحمد : مد من حنطة ، أو مدان من غيره .

فإن لم يجد ، أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يوما .

وقال ابن جرير : وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما .

كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه ، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يطعم فرقا بين ستة ، أو يصوم ثلاثة أيام ، والفرق ثلاثة آصع .

واختلفوا في مكان هذا الإطعام ، فقال الشافعي : محله الحرم ، وهو قول عطاء .

وقال مالك : يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد ، أو أقرب الأماكن إليه .

وقال أبو حنيفة : إن شاء أطعم في الحرم ، وإن شاء أطعم في غيره .

ذكر أقوال السلف في هذا المقام : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس في قوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم ، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به .

وإن لم يجد نظر كم ثمنه ، ثم قوم ثمنه طعاما ، فصام مكان كل نصف صاع يوما ، قال : ( أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) قال : إنما أريد بالطعام الصيام ، أنه إذ وجد الطعام وجد جزاؤه .

ورواه ابن جرير ، من طريق جرير .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) إذا قتل المحرم شيئا من الصيد ، حكم عليه فيه .

فإن قتل ظبيا أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة .

فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .

فإن قتل إبلا أو نحوه ، فعليه بقرة .

فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا .

فإن لم يجد صام عشرين يوما .

وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه ، فعليه بدنة من الإبل .

فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا .

فإن لم يجد صام ثلاثين يوما .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وزاد : والطعام مد ؛ مد تشبعهم .

وقال جابر الجعفي ، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد : ( أو عدل ذلك صياما ) قالوا : إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي .

رواه ابن جرير .

وكذا روى ابن جريج ، عن مجاهد وأسباط ، عن السدي أنها على الترتيب .

وقال عطاء وعكرمة ومجاهد - في رواية الضحاك - وإبراهيم النخعي : هي على الخيار .

وهو رواية الليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

واختار ذلك ابن جرير ، رحمه الله تعالى .

وقوله : ( ليذوق وبال أمره ) أي : أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ( عفا الله عما سلف ) أي : في زمان الجاهلية ، لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله ، ولم يرتكب المعصية .

ثم قال : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) أي : ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام قال ابن جريج ، قلت لعطاء : ما ( عفا الله عما سلف ) قال : عما كان في الجاهلية .

قال : قلت : وما ( ومن عاد فينتقم الله منه ) ؟

قال : ومن عاد في الإسلام ، فينتقم الله منه ، وعليه مع ذلك الكفارة قال : قلت : فهل في العود حد تعلمه؟

قال : لا .

قال : قلت : فترى حقا على الإمام أن يعاقبه؟

قال : لا هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ، عز وجل ، ولكن يفتدي .

رواه ابن جرير .

وقيل معناه : فينتقم الله منه بالكفارة .

قاله سعيد بن جبير وعطاء .

ثم الجمهور من السلف والخلف ، على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ، ولا فرق بين الأولى والثانية وإن تكرر ما تكرر ، سواء الخطأ في ذلك والعمد .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : من قتل شيئا من الصيد خطأ ، وهو محرم ، يحكم عليه فيه كلما قتله ، وإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة ، فإن عاد يقال له : ينتقم الله منك كما قال الله عز وجل .

وقال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي جميعا ، عن هشام - هو ابن حسان - عن عكرمة عن ابن عباس فيمن أصاب صيدا فحكم عليه ثم عاد ، قال : لا يحكم عليه ، ينتقم الله منه .

وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي .

رواهن ابن جرير ، ثم اختار القول الأول .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن يزيد العبدي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن زيد أبي المعلى ، عن الحسن البصري ; أن رجلا أصاب صيدا ، فتجوز عنه ، ثم عاد فأصاب صيدا آخر ، فنزلت نار من السماء فأحرقته فهو قوله : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) وقال ابن جرير في قوله : ( والله عزيز ذو انتقام ) يقول عز ذكره : والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع ; لأن الخلق خلقه ، والأمر أمره ، له العزة والمنعة .

وقوله : ( ذو انتقام ) يعني : أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { لا تقتلوا الصيد } الذي بينت لكم , وهو صيد البر دون صيد البحر ; { وأنتم حرم } يقول : وأنتم محرمون بحج أو عمرة والحرم : جمع حرام , والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد , تقول : هذا رجل حرام وهذه امرأة حرام , فإذا قيل محرم , قيل للمرأة محرمة .

والإحرام : هو الدخول فيه , يقال : أحرم القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام , أو في الحرم .

فتأويل الكلام : لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة .

وقوله : { ومن قتله منكم متعمدا } فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدا .

ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد .

فقال بعضهم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله , وقال : إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله .

قالوا : وهذا أجل أمرا من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة .

ذكر من قال ذلك : 9782 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد .

{ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } من قتله منكم ناسيا لإحرامه متعمدا لقتله , فذلك الذي يحكم عليه .

فإن قتله ذاكرا لحرمه متعمدا لقتله , لم يحكم عليه .

* - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا , وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله , قال : لا يحكم عليه , ولا حج له .حرم ومن قتله منكم وقوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : هو العمد المكفر , وفيه الكفارة والخطأ أن يصيبه , وهو ناس إحرامه , متعمدا لقتله , أو يصيبه وهو يريد غيره , فذلك يحكم عليه مرة .

* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره , فقد حل وليست له رخصة .

ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر .

* - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه .

* - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا الفضيل بن عياض , عن ليث , عن مجاهد , قال : العمد هو الخطأ المكفر .

* - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا يونس بن محمد , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا ليث قال : قال مجاهد : قول الله : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : فالعمد الذي ذكر الله تعالى أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه , فهذا العمد المكفر ; فأما الذي يصيبه غير ناس ولا مريد لغيره , فهذا لا يحكم عليه , هذا أجل من أن يحكم عليه .

* - حدثنا ابن وكيع , ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن الهيثم , عن الحكم , عن مجاهد , أنه قال في هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : يقتله متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , قال : ثنا شعبة , عن الهيثم , عن الحكم , عن مجاهد , مثله .

9783 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : قال ابن جريج : { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره , فقد حل وليست له رخصة .

ومن قتله ناسيا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر .

9784 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا سهل بن يوسف , عن عمرو , عن الحسن : { ومن قتله منكم متعمدا } للصيد ناسيا لإحرامه , { فمن اعتدى بعد ذلك } متعمدا للصيد يذكر إحرامه .

* - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا محمد بن أبي عدي , قال : ثنا إسماعيل بن مسلم , قال : كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدا ذاكرا لإحرامه : لم يحكم عليه .

قال إسماعيل , وقال حماد عن إبراهيم , مثل ذلك .

9785 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عفان بن مسلم , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } .

الآية , فسألته , فقال : كان عطاء يقول : هو بالخيار أي ذلك شاء فعل , إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام .

فأخبرت به جعفرا , وقلت : ما سمعت فيه ؟

فتلكأ ساعة ثم جعل يضحك , ولا يخبرني , ثم قال : كان سعيد بن جبير يقول : يحكم عليه من النعم هديا بالغ الكعبة , فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه , فقوم طعاما فتصدق به , فإن لم يجد عليه حكم الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة .

* - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال أخبرني ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره فقد حل وليست له رخصة , ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر .

9786 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : أما الذي يتعمد فيه للصيد وهو ناس لحرمه أو جاهل أن قتله غير محرم , فهؤلاء الذين يحكم عليهم .

فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله وهو يعرف أنه محرم وأنه حرام , فذلك يوكل إلى نقمة الله , وذلك الذي حمل الله عليه النقمة .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه .

وقال آخرون : بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصيد ذاكرا لحرمه .

ذكر من قال ذلك : 9787 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان .

9788 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن جريج , وحدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قال طاوس : والله ما قال الله إلا : { ومن قتله منكم متعمدا } .

9789 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني بعض أصحابنا عن الزهري أنه قال : نزل القرآن بالعمد , وجرت السنة في الخطأ .

يعني في المحرم يصيب الصيد .

9790 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } قال : إن قتله متعمدا أو ناسيا حكم عليه , وإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة , إلا أن يعفو الله .

9791 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الأعمش , عن عمرو بن مرة , عن سعيد بن جبير , قال : إنما جعلت الكفارة في العمد , ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا .

* - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو معاوية ووكيع , قالا : ثنا الأعمش , عن عمرو بن مرة , عن سعيد بن جبير , نحوه .

* - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : كان طاوس يقول : والله ما قال الله إلا : { ومن قتله منكم متعمدا } .

والصواب من القول في ذلك عندنا , أن يقال : إن الله تعالى حرم قتل صيد البر على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما , بقوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد } ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله , ولم يخصص به المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه , ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه , بل عم في التنزيل بإيجاب الجزاء كل قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا .

وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه .

فإذ كان ذلك كذلك , فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه , أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه , أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه , في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو : { مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل } من المسلمين { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما , دون القول الذي قاله مجاهد .

وأما ما يلزم بالخطأ قاتله , فقد بينا القول فيه في كتابنا وكتاب لطيف القول في أحكام الشرائع " بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع .

وليس هذا الموضع موضع ذكره ; لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل , وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه .متعمدا فجزاء مثل ما قتل من وأما قوله : { فجزاء مثل ما قتل } يعني بذلك : جزاء الصيد المقتول ; يقول تعالى ذكره : فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول مثل ما قتل من النعم .

وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " فجزاؤه مثل ما قتل من النعم " .

وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء المدينة وبعض البصريين : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل .

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين " الجزاء " ورفع " المثل " بتأويل : فعليه جزاء مثل ما قتل .

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين الجزاء .

ورفع المثل , لأن الجزاء هو المثل , فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه .

وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة , رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزي مثله من الصيد بمثل من النعم ; وليس ذلك كالذي ذهبوا إليه , بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتول نظيره من النعم .

وإذ كان ذلك كذلك , فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد , ولن يضاف الشيء إلى نفسه , ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه بالتنوين ونصب المثل .

ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء , كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله : { أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة } وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله : { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا } إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات .

وكذلك الجزاء , لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا نون الجزاء , ولكن ذلك ضاق فلم يقرأه أحد بتنوين الجزاء ونصب المثل , إذ كان المثل هو الجزاء , وكان معنى الكلام : ومن قتله منكم متعمدا , فعليه جزاء هو مثل ما قتل من النعم .

ثم اختلف أهل العلم في صفة الجزاء , وكيف يجزي قاتل الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم .

فقال بعضهم : ينظر إلى أشبه الأشياء به شبها من النعم , فيجزيه به ويهديه إلى الكعبة .

ذكر من قال ذلك : 9792 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط عن السدي , قوله : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : أما جزاء مثل ما قتل من النعم , فإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة , وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه بقرة , أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة .

وإن قتل ضبا أو حرباء أو يربوعا , فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن .

9793 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن أبي مجاهد , قال : سئل عطاء : أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره ؟

قال : أليس يقول الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } .

9794 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : عليه من النعم مثله .

9795 - حدثنا هناد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا أصاب المحرم الصيد وجب عليه جزاؤه من النعم , فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به , فإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم ثم قوم الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما .

قال : وإنما أريد بالطعام الصوم , فإذا وجد طعاما وجد جزاء .

* - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم , فإن لم يجد نظر كم ثمنه - قال ابن حميد : نظر كم قيمته - فقوم عليه ثمنه طعاما , فصام مكان كل نصف صاع يوما , أو كفارة طعام مساكين , أو عدل ذلك صياما .

قال : إنما أريد بالطعام : الصيام , فإذا وجد الطعام وجد جزاءه .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد هديا , قوم الهدي عليه طعاما وصام عن كل صاع يومين .

* - حدثنا هناد .

قال : ثنا عبد بن حميد , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس في هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } قال : إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه , فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعاما ثم صام لكل نصف صاع يوما .

9796 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : ابتدرت وصاحب لي ظبيا في العقبة , فأصبته .

فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له , فأقبل على رجل إلى جنبه , فنظرا في ذلك , فقال : اذبح كبشا .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , قال : أخبرني قبيصة بن جابر نحوا مما حدث به عبد الملك .

9797 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن المسعودي , عن عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : قتل صاحب لي ظبيا وهو محرم , فأمره عمر أن يذبح شاة فيتصدق بلحمها ويسقي إهابها .

9798 - حدثني هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن داود بن أبي هند , عن بكر بن عبد الله المزني , قال : قتل رجل من الأعراب وهو محرم ظبيا , فسأل عمر , فقال له عمر : أهد شاة .

9799 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن حصين , وحدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا ابن فضيل , قال : ثنا حصين , عن الشعبي , قال : قال قبيصة بن جابر : أصبت ظبيا وأنا محرم , فأتيت عمر فسألته عن ذلك , فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف , فقلت : يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من ذلك !

قال : فضربني بالدرة حتى سابقته عدوا .

قال : ثم قال : قتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمص الفتيا ؟

قال : فجاء عبد الرحمن , فحكما شاة .

9800 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه , فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة , فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين , فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام , فإن قتل أيلا أو نحوه فعليه بقرة ; وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل .

9801 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : أرأيت إن قتلت صيدا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص أغرم مثله ؟

قال : نعم , إن شئت .

قلت : أوفي أحب إليك ؟

قال : نعم .

وقال عطاء : وإن قتلت ولد الظبي ففيه ولد شاة , وإن قتلت ولد بقرة وحشية ففيه ولد بقرة إنسية مثله , فكل ذلك على ذلك .

9802 - حدثني عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة فعليه مثله من الإبل , وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو أيل فجزاؤه من البقر , وما كان من ظبي فمن الغنم مثله , وما كان من أرنب ففيها ثنية , وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير , وما كان من جرادة أو نحوها ففيه قبضة من طعام , وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه , وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما .

وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير .

غير أنه قد ذكر في بيض النعام إذا أصابها المحرم أن يحمل الفحل على عدة من أصاب من البيض على بكارة الإبل , فما لقح منها أهداه إلى البيت , وما فسد منها فلا شيء فيه .

9803 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : أخبرني ابن جريج , قال : قال مجاهد : من قتله - يعني الصيد - ناسيا , أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر , فعليه مثله هديا بالغ الكعبة , فإن لم يجد ابتاع بثمنه طعاما , فإن لم يجد صام عن كل مد يوما .

وقال عطاء : فإن أصاب إنسان نعامة , كان له إن كان ذا يسار ما شاء , إن شاء يهدي جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما , أيهن شاء ; من أجل قوله : { فجزاء } أو كذا قال : فكل شيء في القرآن أو أو , فليختر منه صاحبه ما شاء .

9804 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : أخبرني ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم , قال : من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاة فصاعدا , فذلك الذي قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } وأما { كفارة طعام مساكين } فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي , العصفور يقتل فلا يكون فيه .

قال : أو عدل ذلك صياما , عدل النعامة , أو عدل العصفور , أو عدل ذلك كله .

وقال آخرون : بل يقوم الصيد المقتول قيمته من الدراهم , ثم يشتري القاتل بقيمته ندا من النعم , ثم يهديه إلى الكعبة ذكر من قال ذلك : 9805 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبدة , عن إبراهيم , قال : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , قال : سمعت إبراهيم يقول : في كل شيء من الصيد ثمنه .

وأولى القولين في تأويل الآية , ما قال عمر وابن عباس ومن قال بقولهما : إن المقتول من الصيد يجزي بمثله من النعم , كما قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم وقد قال الله تعالى : { من النعم } لأن الدراهم ليست من النعم في شيء .

فإن قال قائل : فإن الدراهم وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد , فإنه يشتري بها المثل من النعم , فيهديه القاتل , فيكون بفعله ذلك كذلك جازيا بما قتل من الصيد مثلا من النعم ؟

قيل له : أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا أو سليما , أو كان المقتول من الصيد كبيرا أو سليما بقيمته من النعم إلا صغيرا أو معيبا , أيجوز له أن يشتري بقيمته خلافه وخلاف صفته فيهديه , أم لا يجوز ذلك له , وهو لا يجوز إلا خلافه ؟

فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله , ترك قوله في ذلك ; لأن أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته ذلك فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا , وإذا أجازوا شرى مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرا معيبا , أجازوا في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي , وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلاف لظاهر التنزيل ; وذلك أن الله تعالى أوجب على قاتل الصيد من المحرمين عمدا المثل من النعم إذا وجدوه , وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم وهو إلى ذلك واجد سبيلا .

ويقال لقائل ذلك : أرأيت إن قال قائل آخر : ما على قاتل ما لا تبلغ من الصيد قيمته ما يصاب به من النعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام ; لأن الله تعالى إنما خير قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه , فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل سقط عنه فرض الآخرين ; لأن الخيار إنما كان له وله إلى الثلاثة سبيل ; فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيل بطل فرض الجزاء عنه ; لأنه ليس ممن عني بالآية ; نظير الذي قلت أنت إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا , فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه , وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام ; هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير ؟

فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ القول في تأويل قوله تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } يقول تعالى ذكره : يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم , يعني : فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل .

{ هديا } يقول : يقضي بالجزاء ذوا عدل أن يهدى فيبلغ الكعبة .

والهاء في قوله " يحكم به " عائدة على الجزاء , ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه , فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم , فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا حكما عليه من الضأن بكبير , وإن كان الذي أصاب حمار وحش حكما عليه ببقرة إن كان الذي أصاب كبيرا من البقر , وإن كان صغيرا فصغيرا , وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر , وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى , ثم كذلك ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبها من النعم فيحكمان عليه به كما قال تعالى .

وبمثل الذي قلنا في ذلك , قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك بينهم .

ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه : 9806 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا داود بن أبي هند , عن بكر بن عبد الله المزني , قال : كان رجلان من الأعراب محرمين , فأحاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر , فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف , فقال له عمر : وما ترى ؟

قال : شاة .

قال : وأنا أرى ذلك , اذهبا فأهديا شاة فلما مضيا , قال أحدهما لصاحبه : ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه .

فسمعها عمر , فردهما فقال : هل تقرآن سورة المائدة ؟

فقالا : لا .

فقرأها عليهما : { يحكم به ذوا عدل منكم } ثم قال : استعنت بصاحبي هذا .

9807 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة , فأصبته .

فأتيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , فأقبل على رجل إلى جنبه , فنظرا في ذلك .

قال : فقال : اذبح كبشا !

قال يعقوب في حديثه : فقال لي اذبح شاة .

فانصرفت فأتيت صاحبي , قلت : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول !

فقال صاحبي : انحر ناقتك !

فسمعها عمر بن الخطاب , فأقبل علي ضربا بالدرة , وقال : تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا !

إن الله تعالى يقول في كتابه : { يحكم به ذوا عدل منكم } هذا ابن عوف وأنا عمر .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , قال : أخبرني قبيصة بن جابر , بنحو ما حدث به عبد الملك .

9808 - حدثنا هناد وأبو هشام , قالا : ثنا وكيع , عن المسعودي , عن عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة , اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث .

قال : فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح , فرماه رجل منا بحجر , فما أخطأ خششاءه , فركب ردعه ميتا .

قال : فعظمنا عليه ; فلما قدمنا مكة , خرجت معه حتى أتينا عمر , فقص عليه القصة , قال : وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت إلى صاحبه فكلمه ; قال : ثم أقبل على الرجل , قال : أعمدا قتلته أم خطأ ؟

قال الرجل : لقد تعمدت رميه , وما أردت قتله .

فقال عمر : ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ , اعمد إلى شاة فاذبحها , وتصدق بلحمها , وأسق إهابها !

قال : فقمنا من عنده , فقلت : أيها الرجل عظم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه , اعمد إلى ناقتك فانحرها !

ففعل ذاك .

قال قبيصة : ولا أذكر الآية من سورة المائدة : { يحكم به ذوا عدل منكم } قال : فبلغ عمر مقالتي , فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة , قال : فعلا صاحبي ضربا بالدرة , وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفهت الحكم !

قال : ثم أقبل علي فقلت : يا أمير المؤمنين , لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني .

قال : يا قبيصة بن جابر , إني أراك شاب السن فسيح الصدر بين اللسان , وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ , فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة , فإياك وعثرات الشباب !

9809 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن مخارق , عن طارق , قال : .

أوطأ أربد ضبا فقتله وهو محرم , فأتى عمر ليحكم عليه , فقال له عمر : احكم معي !

فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر , ثم قال عمر : { يحكم به ذوا عدل منكم } .

9810 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدا , فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك وعنده عبد الله بن صفوان , فقال ابن عمر لابن صفوان : إما أن أقول فتصدقني , وإما أن تقول فأصدقك !

فقال ابن صفوان : بل أنت فقل !

فقال ابن عمر , ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان .

9811 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا هشام , عن ابن سيرين , عن شريح , أنه قال : لو وجدت حكما عدلا لحكمت في الثعلب جديا , وجدي أحب إلي من الثعلب .

9812 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكير , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي مجلز : أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهو محرم , وعنده ابن صفوان , فقال له ابن عمر : إما أن تقول فأصدقك , أو أقول فتصدقني !

قال : قل وأصدقك .

9813 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا شعبة , عن منصور , عن أبي وائل , قال : أخبرني ابن جرير البجلي , قال : أصبت ظبيا وأنا محرم , فذكرت ذلك لعمر , فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك !

فأتيت عبد الرحمن وسعدا , فحكما علي تيسا أعفر .

قال أبو جعفر : الأعفر : الأبيض .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن منصور بإسناده عن عمر , مثله .

9814 - حدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن أشعث بن سوار , عن ابن سيرين , قال : كان رجل على ناقة وهو محرم , فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة , فقال : لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي ؟

فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها .

فأتى عمر , فذكر ذلك له , فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء .

قال : وهي البيضاء .

9815 - يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن محمد : أن رجلا أوطأ ظبيا وهو محرم .

فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف , فأقبل على عبد الرحمن فكلمه , ثم أقبل على الرجل , فقال : أهد عنزا عفراء !

9816 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة , استقبل به , فيحكم فيه ذوا عدل .

9817 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن يعلى , عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال : فيه ولد ماعز فيما أرى أنا .

ثم قال لي : أكذاك ؟

فقلت : أنت أعلم مني .

فقال : قال الله تعالى : { يحكم له ذوا عدل منكم } .

9818 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , وسهل بن يوسف , عن حميد , عن بكر : أن رجلين أبصرا ظبيا وهما محرمان , فتراهنا , وجعل كل واحد منهما لمن سبق إليه .

فسبق إليه أحدهما , فرماه بعصاه فقتله .

فلما قدما مكة , أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرحمن بن عوف .

فذكرا ذلك له , فقال عمر : هذا قمار , ولا أجيزه !

ثم نظر إلى عبد الرحمن , فقال : ما ترى ؟

قال : شاة .

فقال عمر : وأنا أرى ذلك .

فلما قفى الرجلان من عند عمر , قال أحدهما لصاحبه : ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل !

فردهما عمر فقال : إن الله تعالى لم يرض بعمر وحده فقال : { يحكم به ذوا عدل منكم } وأنا عمر , وهذا عبد الرحمن بن عوف .

وقال آخرون : بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول فيقومانه قيمته دراهم , ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا .

فالحاكمان في قول هؤلاء بالقيمة , وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه .

وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته , وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين .

وأما قوله : { هديا } فإنه مصدر على الحال من الهاء التي في قوله : { يحكم به } , وقوله : { بالغ الكعبة } من نعت الهدي وصفته .

وإنما جاز أن ينعت به وهو مضاف إلى معرفة ; لأنه في معنى النكرة , وذلك أن معنى قوله : { بالغ الكعبة } يبلغ الكعبة , فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين ; لأنه بمعنى الاستقبال , وهو نظير قوله : { هذا عارض ممطرنا } فوصف بقوله : " ممطرنا " عارضا ; لأن في " ممطرنا " معنى التنوين ; لأن تأويله الاستقبال , فمعناه : هذا عارض يمطرنا , فكذلك ذلك في قوله : { هديا بالغ الكعبة } .الكعبة أو كفارة طعام القول في تأويل قوله تعالى : { أو كفارة طعام مساكين } يقول تعالى ذكره : أو عليه كفارة طعام مساكين .

والكفارة معطوفة على " الجزاء " في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } واختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة : { أو كفارة طعام مساكين } بالإضافة .

وأما قراء أهل العراق , فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفارة ورفع الطعام : { أو كفارة طعام مساكين } وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب , قراءة من قرأ بتنوين الكفارة ورفع الطعام , للعلة التي ذكرناها في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { أو كفارة طعام مساكين } فقال بعضهم : معنى ذلك أن القاتل وهو محرم صيدا عمدا , لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى من مثل المقتول هديا بالغ الكعبة , أو طعام مسكين كفارة لما فعل , أو عدل ذلك صياما ; لأنه مخير في أي ذلك شاء فعل , .

أنه بأيها كان كفر فقد أدى الواجب عليه ; وإنما ذلك إعلام من الله تعالى عباده أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثلاثة .

قالوا : فحكمه إن كان على المثل قادرا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النعم , لا يجزيه غير ذلك ما دام للمثل واجدا .

قالوا : فإن لم يكن له واجدا , أو لم يكن للمقتول مثل من النعم , فكفارته حينئذ إطعام مساكين .

ذكر من قال ذلك : 9819 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره } قال : إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه , فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة .

فإن لم يجدها , فإطعام ستة مساكين .

فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .

وإن قتل أيلا أو نحوه , فعليه بقرة .

فإن لم يجد , أطعم عشرين مسكينا , فإن لم يجد صام عشرين يوما .

وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه , فعليه بدنة من الإبل .

فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا , فإن لم يجد صام ثلاثين يوما .

والطعام مد مد يشبعهم .

9820 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } إلى قوله : { يحكم به ذوا عدل منكم } فالكفارة من قتل ما دون الأرنب إطعام .

9821 - حدثنا هناد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم , فإن وجد جزاء ذبحه فتصدق به , وإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم , ثم قومت الدراهم حنطة , ثم صام مكان كل صاع يوما .

قال : إنما أريد بالطعام : الصوم , فإذا وجد طعاما وجد جزاء .

9822 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن زهير , عن جابر , عن عطاء ومجاهد وعامر : { أو عدل ذلك صياما ليذوق } قال : إنما الطعام لمن لم يجد الهدي .

9823 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم أنه كان يقول : إذا أصاب المحرم شيئا من الصيد عليه جزاؤه من النعم , فإن لم يجد قوم الجزاء دراهم , ثم قومت الدراهم طعاما , ثم صام لكل نصف صاع يوما .

9824 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , قال : إذا أصاب المحرم الصيد فحكم عليه , فإن فضل منه ما لا يتم نصف صاع صام له يوما , ولا يكون الصوم إلا على من لم يجد ثمن هدي فيحكم عليه الطعام .

فإن لم يكن عنده طعام يتصدق به , حكم عليه الصوم , فصام مكان كل نصف صاع يوما .

{ كفارة طعام مساكين } قال : فيما لا يبلغ ثمن هدي .

{ أو عدل ذلك صياما } من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديا , أو ما يتصدق به , مما لا يبلغ ثمن هدي , حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما .

9825 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : عليه من النعم مثله هديا بالغ الكعبة , ومن لم يجد ابتاع بقيمته طعاما , فيطعم كل مسكين مدين , فإن لم يجد صام عن كل مدين يوما .

9826 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ومن قتله منكم متعمدا } إلى قوله : { ومن عاد فينتقم الله منه } قال : إذا قتل صيدا فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النعم , فإن لم يجد ما حكم عليه قوم الفداء كم هو درهما , وقدر ثمن ذلك بالطعام على المسكين , فصام عن كل مسكين يوما , ولا يحل طعام المسكين ; لأن من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء .

9827 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قال لي الحسن بن مسلم : من أصاب الصيد مما جزاؤه شاة , فذلك الذي قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } وما كان من كفارة طعام مسكين مثل العصفورة يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي { أو عدل ذلك صياما } قال عدل النعامة أو العصفور , أو عدل ذلك كله .

فذكرت ذلك لعطاء , فقال : كل شيء في القرآن " أو أو " , فلصاحبه أن يختار ما شاء .

9828 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا سفيان بن حسين , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , في قوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد جزاء , قوم عليه الجزاء طعاما ثم صاع لكل صاع يومين .

وقال آخرون : معنى ذلك : أن للقاتل صيدا عمدا وهو محرم الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث وهي الجزاء بمثله من النعم والطعام والصوم .

قالوا : وإنما تأويل قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } فعليه أن يجزي بمثله من النعم , أو يكفر بإطعام مساكين أو بعدل الطعام من الصيام .

ذكر من قال ذلك : 9829 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , عن عطاء , في قول الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم له ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال : إن أصاب إنسان محرم نعامة , فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما .

قال : كل شيء في القرآن " أو أو " , فليختر منه صاحبه ما شاء .

9830 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء , في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : " ما كان في القرآن أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار , أي ذلك شاء فعل .

9831 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أسباط وعبد الأعلى , عن داود , عن عكرمة , قال : ما كان في القرآن " أو أو " , فهو فيه بالخيار , وما كان " فمن لم يجد " فالأول , ثم الذي يليه .

9832 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن عمرو , عن الحسن , مثله .

9833 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ليث , عن عطاء ومجاهد , أنهما قالا في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قالا : ما كان في القرآن " أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار أي ذلك شاء فعل .

9834 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك : ما كان في القرآن " أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار , أي ذلك شاء فعل .

9834 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو حمزة , عن الحسن .

قال : وأخبرنا عبيدة , عن إبراهيم قالا : كل شيء في القرآن " أو أو " , فهو بالخيار , أي ذلك شاء فعل .

9836 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص , عن ليث , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : كل شيء في القرآن " أو أو " فصاحبه مخير فيه , وكل شيء فمن لم يجد فالأول , ثم الذي يليه .

واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي , فقال بعضهم : إذا اختار التكفير بذلك , فإن الواجب عليه أن يقوم المثل من النعم طعاما , ثم يصوم مكان كل مد يوما ذكر من قال ذلك : 9837 - حدثنا هناد , قال : أخبرنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : ما { أو عدل ذلك صياما } ؟

قال : إن أصاب ما عدله شاة أقيمت الشاة طعاما , ثم جعل مكان كل مد يوما يصومه .

وقال آخرون : بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم , أن يقوم الصيد المقتول طعاما , ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصدقة , وإن اختار الصوم صام .

ثم اختلفوا أيضا في الصوم , فقال بعضهم : يصوم لكل مد يوما .

وقال آخرون : يصوم مكان كل نصف صاع يوما .

وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما .

ذكر من قال : المتقوم لإطعام هو الصيد المقتول : 9838 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن قتادة : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد } الآية , قال : كان قتادة يقول : يحكمان في النعم , فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك , نظروا ثمنه فقوموه طعاما , ثم صام مكان كل صاع يومين .

وقال آخرون : لا معنى للتكفير بالإطعام ; لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام , فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا , ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره .

قالوا : وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع ليدل على صفة التكفير بالصوم لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد , وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل .

وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } أن يكون مرادا به : فعلى قاتله متعمدا مثل الذي قتل من النعم , لا القيمة إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم ; وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل , والله تعالى إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم .

وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله .

{ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } أن يكون تخييرا , وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأي هذه الكفارات الثلاث شاء ; لأن الله تعالى جعل ما أوجب في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله , وتكفيرا لذنبه في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراما عليه إتلافه في حال إحرامه , وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه , كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه , وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه , ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد , ثم جعل عليه إن حلقه جزاء من حلقه إياه , فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير في تكفيره , فعليه ذلك بأي الكفارات الثلاث شاء , فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين , وأنه مخير في تكفيره قتله الصيد بأي الكفارات الثلاث شاء , لا فرق بين ذلك .

ومن أبى ما قلنا فيه , قيل له : حكم الله تعالى على قاتل الصيد بالمثل من النعم , أو كفارة طعام مساكين ; أو عدله صياما , كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك , فزعمت أن أحدهما مخير في تكفير ما جعل منه , عوض لأي الثلاث شاء , وأنكرت أن يكون ذلك للآخر , فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيار فيه حيث أبيت وأبى حيث جعلته له فرق من أصل أو نظير ؟

فلن يقول في أحدهما قولا , إلا ألزم في الآخر مثله .

ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام , فقال بعضهم : يقوم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه , وهو قول إبراهيم النخعي , وحماد , وأبي حنيفة , وأبي يوسف , ومحمد , وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك , وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه .

وقال آخرون : بل يقوم ذلك بسعر الأرض التي يكفر بها .

ذكر من قال ذلك : 9839 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا إسرائيل , عن جابر , عن عامر , قال في محرم أصاب صيدا بخراسان , قال : يكفر بمكة أو بمنى , وقال : يقوم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها .

9840 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو يمان , عن إسرائيل , عن جابر , عن الشعبي , في رجل أصاب صيدا بخراسان , قال : يحكم عليه بمكة .

والصواب من القول في ذلك عندنا , أن قاتل الصيد إذا جزاه بمثله من النعم , فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبها من الأنعام , فإذا جزاه بالإطعام قومه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه ; لأنه هنالك وجب عليه التكفير بالإطعام , ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه وإن شاء بمكة وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء ; لأن الله تعالى إنما شرط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه , فللجازي بغير الهدي أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض .

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم .

ذكر من قال ذلك : 9841 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم قال : ما كان من دم فبمكة , وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء .

وقد خالف ذلك مخالفون , فقالوا : لا يجزئ الهدي والإطعام إلا بمكة , فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض .

ذكر من قال ذلك : 9842 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حماد بن سلمة , عن قيس بن سعد , عن عطاء , قال : الدم والطعام بمكة , والصيام حيث شاء .

9843 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مالك بن مغول , عن عطاء , قال : كفارة الحج بمكة .

9844 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : أين يتصدق بالطعام إن بدا له ؟

قال : بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي , قال : { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو هديا بالغ الكعبة } من أجل أنه أصابه في حرم - يريد البيت - فجزاؤه عند البيت .

فأما الهدي , فإنه جراء ما قتل من الصيد , فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة طيبا , وينحره أو يذبحه , ويتصدق به على مساكين الحرم .

ويعني بالكعبة في هذا الموضع : الحرم كله , ولمن قدم بهديه الواجب من جزاء الصيد أن ينحره في كل وقت شاء قبل يوم النحر وبعده , ويطعمه ; وكذلك إن كفر بالطعام فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب , وإن كفر بالصوم فكذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل , خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى .

ذكر من قال ذلك : 9845 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { أو عدل ذلك صياما } هل لصيامه وقت ؟

قال : لا , إذ شاء وحيث شاء , وتعجيله أحب إلي .

9846 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : رجل أصاب صيدا في الحج أو العمرة , فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرم أو غيره من الشهور , أيجزئ عنه ؟

قال : نعم ثم قرأ : { هديا بالغ الكعبة } قال هناد : قال يحيى : وبه نأخذ .

9847 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم , عن عطاء , قال : إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره , فإن الله تعالى يقول : { هديا بالغ الكعبة } إلا أن يقدم في العشر , فيؤخر إلى يوم النحر .

9848 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن جريج , عن عطاء , قال : يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة , فإن الله تعالى يقول : { هديا بالغ الكعبة } .مساكين أو عدل ذلك القول في تأويل قوله تعالى : { أو عدل ذلك صياما } يعني تعالى ذكره بذلك : أو على قاتل الصيد محرما عدل الصيد المقتول من الصيام , وذلك أن يقوم الصيد حيا غير متقول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم , ثم يصوم مكان كل مد يوما ; وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل المد من الطعام بصوم يوم في كفارة المواقع في شهر رمضان .

فإن قال قائل : فهلا جعلت مكان كل صاع في جزاء الصيد صوم يوم قياسا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في نظيره , وذلك حكمه على كعب بن عجرة , إذ أمره أن يطعم إن كفر بالإطعام فرقا من طعام وذلك ثلاثة آصع بين ستة مساكين , فإن كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام , فجعل الأيام الثلاثة في الصوم عدلا من إطعام ثلاثة آصع , فإن ذلك بالكفارة في جزاء الصيد أشبه من الكفارة في قتل الصيد بكفارة المواقع امرأته في شهر رمضان ؟

قيل : إن القياس إنما هو رد الفروع المختلف فيها إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها , ولا خلاف بين الجميع من الحجة , أنه لا يجزئ مكفرا كفر في قتل الصيد بالصوم , أن يعدل صوم يوم بصاع طعام .

فإن كان ذلك كذلك , وكان غير جائز خلافها فيما حدث به من الدين مجمعة عليه صح بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعام في قتل الصيد مخالف حكم معادلته إياه في كفارة الحلق , إذا كان غير جائز , وداخل على آخر قياسا ; وإنما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل , وسواء قال قائل : هلا رددت حكم الصوم في كفارة قتل الصيد على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطعام ; وآخر قال : هلا رددت حكم الصوم في الحلق على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يعدل به من الطعام , فتوجب عليه مكان كل مد , أو مكان كل نصف صاع صوم يوم .

وقد بينا فيما مضى قبل أن العدل في كلام العرب بالفتح , وهو قدر الشيء من غير جنسه , وأن العدل هو قدره من جنسه .

وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : العدل مصدر من قول القائل : عدلت بهذا عدلا حسنا .

قال : والعدل أيضا بالفتح : المثل , ولكنهم فرقوا بين العدل في هذا وبين عدل المتاع , بأن كسروا العين من عدل المتاع , وفتحوها من قولهم : { ولا يقبل منها عدل } وقول الله عز وجل : { أو عدل ذلك صياما } كما قالوا : امرأة رزان , وحجر رزين .

وقال بعضهم : العدل : هو القسط في الحق , والعدل بالكسر : المثل , وقد بينا ذلك بشواهد فيما مضى .

وأما نصب " الصيام " فإنه ع

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام .فيه ثلاثون مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى ، وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد الآية ، وروي أن أبا اليسر واسمه عمرو بن مالك الأنصاري كان محرما عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت فيه لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم .الثانية : قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد ) القتل هو كل فعل يفيت الروح ، وهو أنواع : منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه ; فحرم الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتا للروح .[ ص: 229 ] الثالثة : من قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله ; وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : عليه جزاء ما أكل ; يعني قيمته ، وخالفه صاحباه فقالا : لا شيء عليه سوى الاستغفار ; لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتة أخرى ; ولهذا لو أكلها محرم آخر لا يلزمه إلا الاستغفار ، وحجة أبي حنيفة أنه تناول محظور إحرامه ; لأن قتله كان من محظورات الإحرام ، ومعلوم أن المقصود من القتل هو التناول ، فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود - محظور إحرامه - موجبا عليه الجزاء فما هو المقصود كان أولى .الرابعة : لا يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد ، لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله ; وبه قال أبو حنيفة .

وقال الشافعي : ذبح المحرم للصيد ذكاة ; وتعلق بأنه ذبح صدر من أهله وهو المسلم ، مضاف إلى محله وهو الأنعام ; فأفاد مقصوده من حل الأكل ; أصله ذبح الحلال .

قلنا : قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل لذبح الصيد ; إذ الأهلية لا تستفاد عقلا ، وإنما يفيدها الشرع ; وذلك بإذنه في الذبح ، أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح ، والمحرم منهي عن ذبح الصيد ; لقوله : لا تقتلوا الصيد فقد انتفت الأهلية بالنهي ، وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحل له أكله ، وإنما يأكل منه غيره عندكم ; فإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره ، لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه ; فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله .الخامسة : قوله تعالى : الصيد مصدر عومل معاملة الأسماء ، فأوقع على الحيوان المصيد ; ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بري وبحري حتى جاء قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فأباح صيد البحر إباحة مطلقة ; على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى .السادسة : اختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه ; فقال مالك : كل شيء لا يعدو من السباع مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم ، وإن قتله فداه .

قال : وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم ، فإن قتلها فداها ; وهي مثل فراخ الغربان ، ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب ; مثل الأسد والذئب والنمر والفهد ; وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحدأة .

قال إسماعيل : إنما [ ص: 230 ] ذلك لقوله عليه السلام : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحديث ; فسماهن فساقا ; ووصفهن بأفعالهن ; لأن الفاسق فاعل للفسق ، والصغار لا فعل لهن ، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقر ; فلا تدخل في هذا النعت .

قال القاضي إسماعيل : الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس .

قال : ومن ذلك الحية والعقرب ; لأنه يخاف منهما ، وكذلك الحدأة والغراب ; لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس .

قال ابن بكير : إنما أذن في قتل العقرب لأنها ذات حمة ; وفي الفأرة لقرضها السقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر ، وفي الغراب لوقوعه على الظهر ونقبه عن لحومها ; وقد روي يطعم قاتله شيئا ; وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه ، وقال أصحاب الرأي : لا شيء على قاتل هذه كلها .

وقال أبو حنيفة : لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب العقور والذئب خاصة ، سواء ابتدآه أو ابتدأهما ; وإن قتل غيره من السباع فداه .

قال : فإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله فلا شيء عليه ; قال : ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب والحدأة ، هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر ; وبه قال الأوزاعي والثوري والحسن ; واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دوابا بأعيانها وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها ; فلا وجه أن يزاد عليها إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها .قلت : العجب من أبي حنيفة رحمه الله يحمل التراب على البر بعلة الكيل ، ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق والعقر ، كما فعل مالك والشافعي رحمهما الله !

وقال زفر بن الهذيل : لا يقتل إلا الذئب وحده ، ومن قتل غيره وهو محرم فعليه الفدية ، سواء ابتدأه أو لم يبتدئه ; لأنه عجماء فكان فعله هدرا ; وهذا رد للحديث ومخالفة له ، وقال الشافعي : كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن يقتله ; وصغار ذلك وكباره سواء ، إلا السمع وهو المتولد بين [ ص: 231 ] الذئب والضبع ، قال : وليس في الرخمة والخنافس والقردان والحلم وما لا يؤكل لحمه شيء ; لأن هذا ليس من الصيد ، لقوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فدل أن الصيد الذي حرم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالا ; حكى عنه هذه الجملة المزني والربيع ; فإن قيل : فلم تفدى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل ؟

قيل له : ليس تفدى إلا على ما يفدى به الشعر والظفر ولبس ما ليس له لبسه ; لأن في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته ، فكأنه أماط بعض شعره ; فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي ، وقول أبي ثور في هذا الباب كقول الشافعي ; قاله أبو عمر .السابعة : روى الأئمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور .

اللفظ للبخاري ; وبه قال أحمد وإسحاق ، وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ، وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا : لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة ; لأنه تقييد مطلق .

وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ويرمي الغراب ولا يقتله ، وبه قال مجاهد ، وجمهور العلماء على القول بحديث ابن عمر ، والله أعلم ، وعند أبي داود والترمذي : والسبع العادي ; وهذا تنبيه على العلة .الثامنة : قوله تعالى : وأنتم حرم عام في النوعين من الرجال والنساء ، الأحرار والعبيد ; يقال : رجل حرام وامرأة حرام ، وجمع ذلك حرم ; كقولهم : قذال وقذل .

وأحرم الرجل دخل في الحرم ; كما يقال : أسهل دخل في السهل ، وهذا اللفظ يتناول الزمان والمكان وحالة الإحرام بالاشتراك لا بالعموم .

يقال : رجل حرام إذا دخل في الأشهر الحرم أو في الحرم ، أو تلبس بالإحرام ; إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبرا ، وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف ; قاله ابن العربي .التاسعة : حرم المكان حرمان ، حرم المدينة وحرم مكة وزاد الشافعي الطائف ، فلا يجوز عنده قطع شجره ، ولا صيد صيده ، ومن فعل ذلك فلا جزاء عليه فأما حرم المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة ، فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما ، وقال ابن أبي ذئب : عليه الجزاء ، وقال سعد : جزاؤه أخذ سلبه ، وروي عن الشافعي .

وقال أبو حنيفة : صيد المدينة غير محرم ، وكذلك قطع شجرها ، واحتج [ ص: 232 ] له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا سلبه ، وأخذ سعد سلب من فعل ذلك .

قال : وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ سلب من صاد في المدينة ، فدل ذلك على أنه منسوخ ، واحتج لهم الطحاوي أيضا بحديث أنس - ما فعل النغير ; فلم ينكر صيده وإمساكه - وهذا كله لا حجة فيه .

أما الحديث الأول فليس بالقوي ، ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة ، فكم من محرم ليس عليه عقوبة في الدنيا ، وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم ، وكذلك حديث عائشة ; أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر ، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض ، فلم يترمرم كراهية أن يؤذيه ، ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين لابتيها حرام فقول أبي هريرة ما ذعرتها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة ، كما لا يجوز ترويعه في حرم مكة ، وكذلك نزع زيد بن ثابت النهس - وهو طائر - من يد شرحبيل بن سعد كان صاده بالمدينة ; دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم صيد المدينة ، فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملك ما يصطاد .

ومتعلق ابن أبي ذئب قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة ومثله معه لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولأنه حرم منع الاصطياد فيه فتعلق الجزاء به كحرم مكة .

قال القاضي عبد الوهاب : وهذا قول أقيس عندي على أصولنا ، لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة ، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ، ومن حجة مالك والشافعي في ألا يحكم عليه بجزاء ولا أخذ سلب - في المشهور من قول الشافعي - عموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا فأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر كفارة .

وأما ما ذكر عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به ; لما روي عنه في الصحيح أنه ركب إلى قصره بالعقيق ، فوجد عبدا يقطع شجرا - أو يخبطه - فسلبه ، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ [ ص: 233 ] من غلامهم ; فقال : معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى أن يرد عليهم ; فقوله : ( نفلنيه ) ظاهره الخصوص ، والله أعلم .العاشرة : قوله تعالى : ومن قتله منكم متعمدا ذكر الله سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطئ والناسي ; والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام ، والمخطئ هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا ، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه ، واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال : الأول : ما أسنده الدارقطني عن ابن عباس قال : إنما التكفير في العمد ، وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا .

الثاني : أن قوله : " متعمدا " خرج على الغالب ، فألحق به النادر كأصول الشريعة .

الثالث : أنه لا شيء على المخطئ والناسي ; وبه قال الطبري وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، وبه قال طاوس وأبو ثور ، وهو قول داود ، وتعلق أحمد بأن قال : لما خص الله سبحانه المتعمد بالذكر ، دل على أن غيره بخلافه ، وزاد بأن قال : الأصل براءة الذمة فمن ادعى شغلها فعليه الدليل .

الرابع : أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان ; قاله ابن عباس ، وروي عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم والزهري ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم .

قال الزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة ; قال ابن العربي : إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر فنعما هي ، وما أحسنها أسوة .

الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه - وهو قول مجاهد - لقوله تعالى بعد ذلك : ومن عاد فينتقم الله منه .

قال : ولو كان ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة ، قال : فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه ; قال مجاهد : فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه ، فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة ، أو أحدث فيها ; قال : ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه ، ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد ، ولا فرق بين أن يكون ذاكرا للإحرام أو ناسيا له ، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان ; وقد روي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمدا ، ويستغفر الله ، وحجه تام ; وبه قال ابن زيد ، ودليلنا على داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضبع فقال : هي صيد وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا ، ولم يقل عمدا ولا خطأ .

وقال ابن بكير من علمائنا : قوله سبحانه : متعمدا لم يرد به التجاوز عن الخطأ ، وإنما أراد متعمدا ليبين أنه ليس كابن آدم الذي لم يجعل في قتله متعمدا كفارة ، وأن الصيد فيه كفارة ، ولم يرد به إسقاط الجزاء في قتل الخطأ ، والله أعلم .الحادية عشرة : فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حكم عليه كلما قتله في قول مالك [ ص: 234 ] والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ; لقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرما فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له ، وروي عن ابن عباس قال : لا يحكم عليه مرتين في الإسلام ، ولا يحكم عليه إلا مرة واحدة ، فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه ، ويقال له : ينتقم الله منك ; لقوله تعالى : ومن عاد فينتقم الله منه ، وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهد وشريح ، ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تمادي التحريم في الإحرام ، وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام .الثانية عشرة : قوله تعالى : متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فيه أربع قراءات ; " فجزاء مثل " برفع ( جزاء ) وتنوينه ، و " مثل " على الصفة ، والخبر مضمر ، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النعم ، وهذه القراءة تقتضي أن يكون المثل هو الجزاء بعينه .

و " جزاء " بالرفع غير منون و " مثل " بالإضافة أي : فعليه جزاء مثل ما قتل ، و " مثل " مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك ، وأنت تقصد أنا أكرمك ، ونظير هذا قوله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات التقدير كمن هو في الظلمات ; وقوله : ليس كمثله شيء أي : ليس كهو شيء ، وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل ; إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه ، وقال أبو علي : إنما يجب عليه جزاء المقتول ، لا جزاء مثل المقتول ، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول .

وهو قول الشافعي على ما يأتي ، وقوله : من النعم صفة لجزاء على القراءتين جميعا ، وقرأ الحسن " من النعم " بإسكان العين وهي لغة ، وقرأ عبد الرحمن " فجزاء " بالرفع والتنوين " مثل " بالنصب ; قال أبو الفتح : " مثل " منصوبة بنفس الجزاء ; والمعنى أن يجزى مثل ما قتل ، وقرأ ابن مسعود والأعمش " فجزاؤه مثل " بإظهار ( هاء ) ; ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل .الثالثة عشرة : الجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه كما قال تعالى ، وفي ( المدونة ) : من اصطاد طائرا فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار ، قال : لا جزاء عليه .

قال وكذلك لو قطع يد صيد أو رجله أو شيئا من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء عليه ، وقيل : عليه من الجزاء بقدر ما نقصه .

ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه جزاؤه ، ولو زمن الصيد ولم يلحق الصيد ، أو تركه مخوفا عليه فعليه جزاؤه كاملا .[ ص: 235 ] الرابعة عشرة : ما يجزى من الصيد شيئان : دواب وطير ; فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفي الظبي شاة ; وبه قال الشافعي ، وأقل ما يجزي عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية ; وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه ، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام ، وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة ; فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك ، والدبسي والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام ، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة ; قال : وكذلك حمام الحرم ; قال : وفي حمام الحل حكومة ، وقال أبو حنيفة : إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة ، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه ، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ; فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء ، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات يقوم المثل ، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء ; فإن المثل هو الأصل في الوجوب ; وهذا بين وعليه تخرج قراءة الإضافة " فجزاء مثل " .

احتج أبو حنيفة فقال : لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا ، في النعامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة ، لما أوقفه على عدلين يحكمان به ; لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ; وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه ، ويضطرب وجه النظر عليه .

ودليلنا عليه قول الله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم الآية .

فالمثل يقتضي بظاهرة المثل الخلقي الصوري دون المعنى ، ثم قال : من النعم فبين جنس المثل ; ثم قال : يحكم به ذوا عدل منكم وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم ; لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه ; ثم قال : هديا بالغ الكعبة والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية ; فصح ما ذكرناه ، والحمد لله ، وقولهم : لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين ; فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر ، وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص .الخامسة عشرة : من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة .

قال مالك : وفي صغار الصيد مثل ما في كباره ; وهو قول عطاء ، ولا يفدى عند مالك شيء بعناق ولا جفرة ; قال مالك : وذلك مثل الدية ; الصغير والكبير فيها سواء ، وفي الضب [ ص: 236 ] عنده واليربوع قيمتهما طعاما ، ومن أهل المدينة من يخالفه في صغار الصيد ، وفي اعتبار الجذع والثني ، ويقول بقول عمر : في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ; رواه مالك موقوفا ، وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة قال : والجفرة التي قد ارتعت ، وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير : وما الجفرة ؟

قال : التي قد فطمت ورعت .

خرجه الدارقطني ، وقال الشافعي : في النعامة بدنة ، وفي فرخها فصيل ، وفي حمار الوحش بقرة ، وفي سخله عجل ; لأن الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة ، والصغر والكبر متفاوتان فيجب اعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفات .

قال ابن العربي : وهذا صحيح وهو اختيار علمائنا ; قالوا : ولو كان الصيد أعورا أو أعرجا أو كسيرا لكان المثل على صفته لتتحقق المثلية ، فلا يلزم المتلف فوق ما أتلف ، ودليلنا قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم ولم يفصل بين صغير وكبير ، وقوله : هديا يقتضي ما يتناوله اسم الهدي لحق الإطلاق ، وذلك يقتضي الهدي التام ، والله أعلم .السادسة عشرة : في بيض النعامة عشر ثمن البدنة عند مالك ، وفي بيض الحمامة المكية عنده عشر ثمن الشاة .

قال ابن القاسم : وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر ; فإن استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء الكبير من ذلك الطير .

قال ابن المواز : بحكومة عدلين ، وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة .

روى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه ; خرجه الدارقطني ، وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين .السابعة عشرة : وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو عدله من الطعام ، دون ما يراد له من الأغراض ; لأن المراعى فيما له مثل وجوب مثله ، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره ، ولأن الناس قائلان - أي : على مذهبين - معتبر للقيمة في جميع الصيد ; ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم ; فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له ، وأما الفيل فقيل : فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان ; وهي بيض خراسانية ، فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما ، فيكون عليه ذلك ، والعمل فيه أن [ ص: 237 ] يجعل الفيل في مركب ، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء ، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه ، وهذا عدله من الطعام ، وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر .الثامنة عشرة : قوله تعالى : يحكم به ذوا عدل منكم روى مالك عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية ، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى ؟

فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت ; فحكما عليه بعنز ; فولى الرجل وهو يقول : هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه ، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله ، هل تقرأ سورة " المائدة " ؟

فقال : لا ; قال : هل تعرف الرجل الذي حكم معي ؟

فقال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة " المائدة " لأوجعتك ضربا ، ثم قال : إن الله سبحانه يقول في كتابه : يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وهذا عبد الرحمن بن عوف .التاسعة عشرة : إذا اتفق الحكمان لزم الحكم ; وبه قال الحسن والشافعي ، وإن اختلفا نظر في غيرهما ، وقال محمد بن المواز : لا يأخذ بأرفع من قوليهما ; لأنه عمل بغير تحكيم ، وكذلك لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام ; لأنه أمر قد لزم ; قاله ابن شعبان ، وقال ابن القاسم : إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ففعلا ، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز ، وقال ابن وهب رحمه الله في ( العتبية ) : من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد ، كما خيره الله في أن يخرج هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي ; وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه ، أو يصوم مكان كل مد يوما ; وكذلك قال مالك في ( المدونة ) .الموفية عشرين : ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض ، ولو اجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا ، وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه من الحكومة ، ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم .[ ص: 238 ] الحادية والعشرون : لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي في أحد قوليه : يكون الجاني أحد الحكمين ; وهذا تسامح منه ; فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر ، وإفساد للمعنى ; لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز ، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن غيره ; لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على استئناف الحكم برجلين .الثانية والعشرون : إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة : على كل واحد جزاء كامل .

وقال الشافعي : عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن ، وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها ، فوقع في أنفسهم ، فأتوا ابن عمر فذكروا له فقال : عليكم كلكم كبش ; قالوا : أو على كل واحد منا كبش ; قال : إنكم لمعزز بكم ، عليكم كلكم كبش .

قال اللغويون : لمعزز بكم أي : لمشدد عليكم ، وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعا قال : عليهم كبش يتخارجونه بينهم ، ودليلنا قول الله سبحانه : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وهذا خطاب لكل قاتل ، وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفسا على التمام والكمال ، بدليل قتل الجماعة بالواحد ، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص ، وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم ; فثبت ما قلناه .الثالثة والعشرون : قال أبو حنيفة : إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم محلون ، عليهم جزاء واحد ، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل والحرم ; فإن ذلك لا يختلف ، وقال مالك : على كل واحد منهم جزاء كامل ، بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله الحرم ، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام ، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي ، فهو هاتك لها في الحالتين .

السابعة : وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي قال : السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة ، وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه ، وإذا قتل المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة ; فإن كل واحد منهم قاتل دابة ، ويشتركون في القيمة .

قال ابن العربي : وأبو حنيفة أقوى منا ، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإشعار والتقليد ، ويرسل من الحل إلى مكة ، وينحر ويتصدق به فيها ; لقوله : هديا بالغ الكعبة ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها ، إذ هي في [ ص: 239 ] المسجد ، وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا ، وقال الشافعي : لا يحتاج الهدي إلى الحل بناء على أن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد ، فإنه يبتاع في الحرم ويهدى فيه .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي .

قال ابن وهب قال مالك : أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه ، أنه يقوم الصيد الذي أصاب ، فينظر كم ثمنه من الطعام ، فيطعم لكل مسكين مدا ، أو يصوم مكان كل مد يوما ، وقال ابن القاسم عنه : إن قوم الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه ; والصواب الأول ، وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله قال عنه : وهو في هذه الثلاثة بالخيار ; أي ذلك فعل أجزأه موسرا كان أو معسرا ، وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء ; لأن أو للتخيير قال مالك : كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا أو كذا فصاحبه مخير في ذلك أي ذلك أحب أن يفعل فعل ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إذا قتل المحرم ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة ; فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام ; وإن قتل إيلا أو نحوه فعليه بقرة ، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا ، فإن لم يجد صام عشرين يوما ; وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة ، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما ، والطعام مد مد لشبعهم .

وقال إبراهيم النخعي وحماد بن سلمة ، قالوا : والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي ، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه ، فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدق به ، وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه بدراهم ، ثم قومت الدراهم حنطة ، ثم صام مكان كل نصف صاع يوما ; وقال : إنما أريد بالطعام تبيين أمر الصيام ، فمن لم يجد طعاما ، فإنه يجد جزاءه ، وأسنده أيضا عن السدي ، ويعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره .السادسة والعشرون : اختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلف ; فقال قوم : يوم الإتلاف ، وقال آخرون : يوم القضاء ، وقال آخرون : يلزم المتلف أكثر القيمتين ، من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم .

قال ابن العربي : واختلف علماؤنا كاختلافهم ، والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف ; والدليل على ذلك أن الوجود كان حقا للمتلف عليه ، فإذا أعدمه المتلف لزمه إيجاده بمثله ، وذلك في وقت العدم .السابعة والعشرون : أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة ; لقوله تعالى : هديا بالغ الكعبة ، وأما الإطعام فاختلف فيه قول مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة ; وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي ، وقال عطاء : ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء ; وهو [ ص: 240 ] قول مالك في الصوم ، ولا خلاف فيه .

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام ، وقال حماد وأبو حنيفة : يكفر بموضع الإصابة مطلقا ، وقال الطبري : يكفر حيث شاء مطلقا ، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر ، ولا أثر فيه .

وأما من قال يصوم حيث شاء ; فلأن الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها .

وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة ; فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له ، والهدي حق لمساكين مكة ، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره ، وأما من قال إنه يكون بكل موضع ; فاعتبار بكل طعام وفدية ، فإنها تجوز بكل موضع ، والله أعلم .الثامنة والعشرون : قوله تعالى : أو عدل ذلك صياما العدل والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل ; قاله الكسائي ، وقال الفراء : عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه ، وبفتح العين مثله من غير جنسه ، ويؤثر هذا القول عن الكسائي ، تقول : عندي عدل دراهمك من الدراهم ، وعندي عدل دراهمك من الثياب ; والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان ، وهو قول البصريين ، ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد قال مالك : يصوم عن كل مد يوما ، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة ; وبه قال الشافعي ، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا : إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فعرف العدد ، ثم يقال : كم من الطعام يشبع هذا العدد ; فإن شاء أخرج ذلك الطعام ، وإن شاء صام عدد أمداده ، وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة ; فبهذا النظر يكثر الإطعام ، ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين ; قالوا : لأنها أعلى الكفارات ، واختاره ابن العربي ، وقاله أبو حنيفة رحمه الله : يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى .التاسعة والعشرون : قوله تعالى : ليذوق وبال أمره الذوق هنا مستعار كقوله تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ، وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان ، وهي في هذا كله مستعارة ومنه الحديث ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا .

الحديث .

والوبال سوء العاقبة ، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله ، وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ; ومنه قوله :[ ص: 241 ]فمرت كهاة ذات خيف جلالة عقيلة شيخ كالوبيل يلنددوعبر بأمره عن جميع حاله .الموفية ثلاثين : قوله تعالى : عفا الله عما سلف يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد ; قاله عطاء بن أبي رباح وجماعة معه ، وقيل : قبل نزول الكفارة .

ومن عاد يعني للمنهي فينتقم الله منه أي : بالكفارة ، وقيل : المعنى فينتقم الله منه يعني في الآخرة إن كان مستحلا ; ويكفر في ظاهر الحكم ، وقال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة ، فإذا عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : اذهب ينتقم الله منك ، أي : ذنبك أعظم من أن يكفر ، كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها ، والمتورعون يتقون النقمة بالتكفير ، وقد روي عن ابن عباس : يملأ ظهره سوطا حتى يموت ، وروي عن زيد بن أبي المعلى : أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته ; وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية .قوله تعالى : والله عزيز ذو انتقام عزيز أي : منيع في ملكه ، ولا يمتنع عليه ما يريده .

ذو انتقام ممن عصاه إن شاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم صرح بالنهي عن قتل الصيد في حال الإحرام، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي: محرمون في الحج والعمرة، والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدمات القتل، وعن المشاركة في القتل، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام ذلك أنه ينهى المحرم عن أكل ما قُتل أو صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام.

وقوله: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } أي: قتل صيدا عمدا { فـ } عليه { جزاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أي: الإبل، أو البقر، أو الغنم، فينظر ما يشبه شيئا من ذلك، فيجب عليه مثله، يذبحه ويتصدق به.

والاعتبار بالمماثلة أن { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي: عدلان يعرفان الحكم، ووجه الشبه، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث قضوا بالحمامة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش -على اختلاف أنواعه- بقرة، وهكذا كل ما يشبه شيئا من النعم، ففيه مثله، فإن لم يشبه شيئا ففيه قيمته، كما هو القاعدة في المتلفات، وذلك الهدي لا بد أن يكون { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } أي: يذبح في الحرم.

{ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ } أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين.

قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره.

{ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ } الطعام { صِيَامًا } أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما.

{ لِيَذُوقَ } بإيجاب الجزاء المذكور عليه { وَبَالَ أَمْرِهِ } { وَمَنْ عَادَ } بعد ذلك { فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد، مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخطيء، كما هو القاعدة الشرعية -أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة، فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق، لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمد.

وأما المخطئ فليس عليه عقوبة، إنما عليه الجزاء، هذا جواب الجمهور من هذا القيد الذي ذكره الله.

وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص الجزاء بالمتعمد وهو ظاهر الآية.

والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين وأموالهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) أي : محرمون بالحج والعمرة ، وهو جمع حرام ، يقال : رجل حرام وامرأة حرام ، وقد يكون [ من ] دخول الحرم ، يقال : أحرم الرجل إذا عقد الإحرام ، وأحرم إذا دخل الحرم .

نزلت في رجل يقال له أبو اليسر شد على حمار وحش وهو محرم فقتله .

قوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا ) اختلفوا في هذا العمد فقال قوم : هو العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام ، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه ، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة ، وهو قول مجاهد والحسن .

وقال آخرون : هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة .

واختلفوا فيما لو قتله خطأ ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة ، قال الزهري : على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة ، وقال سعيد بن [ جبير ] لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ ، بل يختص بالعمد .

قوله عز وجل : ( فجزاء مثل ) قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منون ، ) ( مثل ) رفع على البدل من الجزاء ، وقرأ الآخرون بالإضافة ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم ، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة .

( يحكم به ذوا عدل منكم ) أي : يحكم بالجزاء رجلان عدلان ، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به ، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النعم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس ، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم ، يحكم حاكم في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة ، وفي حمار الوحش ببقرة [ وهي لا تساوي بقرة ] وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشا ، فدل على أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث الخلقة [ لا من حيث القيمة ] وتجب في الحمام شاة ، وهو كل ما عب وهدر من الطير ، كالفاختة والقمري .

وروي عن عمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة بشاة ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة .

قوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) أي : يهدي تلك الكفارة إلى الكعبة ، فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم ، ( أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) قال الفراء رحمه الله : العدل بالكسر : المثل من جنسه ، والعدل بالفتح : المثل من غير جنسه ، وأراد به : أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم ، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم ، وبين أن يقوم المثل دراهم ، والدراهم طعاما ، فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم ، أو يصوم عن كل مد من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين .

وقال مالك : إن لم يخرج المثل يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به ، أو يصوم .

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجب المثل من النعم ، بل يقوم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم ، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به ، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما .

وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب ، والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير .

قوله تعالى : ( ليذوق وبال أمره ) أي : جزاء معصيته ، ( عفا الله عما سلف ) يعني : قبل التحريم ، ونزول الآية ، قال السدي : عفا الله عما سلف في الجاهلية ، ( ومن عاد فينتقم الله منه ) في الآخرة .

( والله عزيز ذو انتقام ) وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأل هل قتلت قبله شيئا من الصيد؟

فإن قال نعم لم يحكم عليه ، وقيل له : اذهب ينتقم الله منك ، وإن قال لم أقتل قبله شيئا حكم عليه ، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه ، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا ، وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وج وهو واد بالطائف .

واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد أو لا؟

فذهب قوم إلى أنه لا يحل له بحال ، ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول طاوس وبه قال سفيان الثوري ، واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بودان ، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي ، قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " .

وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد لأجله أو بإشارته ، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة ، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من أجله .

والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة ، تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله ، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك ، فقال : " إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى " .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ، ما لم تصيدوه أو يصد لكم " قال أبو عيسى : المطلب لا نعرف له سماعا من جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر دون الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام ، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما ، واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا هو من صيد البحر ، روي ذلك عن كعب الأحبار ، والأكثرون على أنها لا تحل ، فإن أصابها فعليه صدقة ، قال عمر : في الجراد تمرة ، وروي عنه وعن ابن عباس : قبضة من طعام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم» محرمون بحج أو عمرة «ومن قتله منكم متعمِّدا فجزاءٌ» بالتنوين ورفع ما بعده أي فعليه جزاء هو «مثلُ ما قتل من النعم» أي شبهه في الخلقة وفي قراءة بإضافة جزاء «يحكم به» أي بالمثل رجلان «ذوا عدل منكم» لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلى رضي الله عنهم في النعامة ببدنة، وابن عباس وأبوعبيدة في بقر الوحش وحماره ببقره وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العَبِّ «هديا» حال من جزاء «بالغ الكعبة» أي يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان ونصبه نعتا لما قبله وإن أضيف لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته «أو» عليه «كفارةٌ» غير الجزاء وإن وجده هي «طعامُ مساكين» من غالب قوت البلد ما يساوى قيمته الجزاء لكل مسكين مد، وفي قراءة بإضافة كفارة لما بعده وهي للبيان «أو» عليه «عدل» مثل «ذلك» الطعام «صياما» يصومه عن كل مد يوما وإن وجده وجب ذلك عليه «ليذوق وبال» ثقل جزاء «أمره» الذي فعله «عفا الله عما سلف» من قتل الصيد قبل تحريمه «ومن عاد» إليه «فينتقم الله منه والله عزيز» غالب على أمره «ذو انتقام» ممن عصاه، والحق بقتله متعمداً فيما ذكر الخطأ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام، فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء؛ ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله.

والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه.

والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبي : قوله - تعالى - ( ياأيها الذين ) خطاب عام لكل مسلم ، وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد ) .

.

الآية وروى أن أبا اليسر - واسمه عمرو بن مالك الأنصاري - كان محرماً عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت هذه الآية .والمراد بالصيد هنا المصيد ، لأنه هو الذي يقع عليه القتل .وقوله ( حرم ) جمع حرام .

وهذا اللفظ المحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما وإن كان في الحل ، كما يتناول من كان في الحرم وإن كان حلالا .قال ابن جرير : والحرم جمع حرام ، يقال : هذا رجل حرام ، وهذه أمرأة حرام ، فإذا قيل محرم ، قيل للمرأة محرمة والإِحرام : هو الدخول فيه .

يقال : أحرم القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام أو في الحرم ، فتأويل الكلام : " لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون " .والصيد المهي عن قتله هنا : صيد البر ، لأن صيد البحر قد أحله الله بعد ذلك بقوله : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ ) الآية .والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأي طريق من طرق الإِزهاق ، يتناول - أيضاً - قتله بطريق التسبب كالإِشارة إليه مثلا .

ويتناول كذلك حظر الصيد نفسه ، لقوله - تعالى - في مطلع هذه السورة : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) ولقوله - تعالى - بعد هذه الآية التي معنا : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) فالنهي في قوله - تعالى - ( لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) يتناول القتل عن طريق المباشرة أو التسبب كما يتناول أي عمل يؤدي إلى صيد الحيوان .وإنما كان النهي في الآية منصبا على القتل ، لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية الصيد إذ الصائد يريد قتل المصيد لكي يأكله في الغالب .هذا ، وقد اختلف الفقهاء في المصيد الذي يحرم صيده على المحرم .فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقاً سواء أكان مأكولا أم غير مأكول ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه ، وذلك لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول .وبهذا الرأي قال الأحناف ومن وافقهم من الفقهاء .ويرى الشافعية أن المراد به المأكول فقط ، لأن الصيد إنما يطلق على ما يحل أكله فحسب .وقد انبنى على هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعاً ، فالأحناف يرون أنه يجب عليه الجزاء الذي فصلته الآية .

والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - ( لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) .هذا تحريم منه - تعالى - لقتل الصيد في حال الإِحرام ، ونهي عن تعاطيه فيه .

وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره ، فأما غير المأكول من حيوانات البر ، فعند الشافعي يجوز قتلها ، والجمهور على تحريم قتلها أيضاً ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الغراب والحدأت والعقرب والفأرة والكلب والعقور " - وفي وراية الحية بدل العقرب - ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور : " الذئب والسبع والنمر والفهد ، لأنها أشد ضررا منه " .وقوله : ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ) بيان لما يجب على المحرم في حال قتله للصيد .قال الآلوسي ما ملخصه : والمعنى ( وَمَن قَتَلَهُ ) كائنا ( منكم ) حال كونه ( متعمدا ) أي : ذاكرا لإِحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله ، ومثله من قتله خطأ .والفاء في قوله ( فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ) جزائية إذا اعتبرنا ( من ) شرطية وهو الظاهر ، وإذا اعتبرناها موصولة تكون زائدة لشبه المبتدأ بالشرط .وقد خرجت هذه القراءة بتخريجات منها : أن تعتبر الإِضافة بيانية أي : جزاء هو مثل ما قتل .وظاهر الآية يفيد ترتيب الجزاء على القتل العمد ، إلا أنهم اختلفوا هنا على أقوال ذكرها القرطبي فقال ما ملخصه :قوله - تعالى - ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ) ذكر - سبحانه - المتعمد ولم يذكر المخخطئ ولا الناسي ، والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإِحرام .

والمخطئ هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا .

والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه .

واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال :الأول : ما أسنده الدارقطني عن ابن عباس قال : إنما التكفير في العمد ، وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا .الثاني : أن قوله ( متعمدا ) خرج على الغالب ، فألحق به النادر كأصول الشريعة .الثالث : أنه لا شيء على المخطئ والناسي به قال الطبري وأحمد - في إحدى روايته - وطاووس وداود وأبو ثور .الرابع : أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم .قال الزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة .

فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضيع فقال : " هي صيد " وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا ، ولم يقل عمدا ولا خطأ .الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإِحرامه - وهو قول مجاهد - ، لقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ) قال : ولو كان ذاكرا لإِحرامه لوجبت عليه العقوبة الأول مرة .قال : فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإِحرامه .ويبدو لنا أن القول الرابع الذي قال به الأئمة أبو حنيفة والشافعي ، ومالك أقرب إلى الصواب ، لأن تخصيص العمد بالذكر في الآية ، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود ، لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات ، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ في غير الحرم فعليه جزاؤه ، فهذا حكم عام في جميع المتلفات وما دام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتا على المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدا أم خطأ .وقد اختلف العلماء - أيضا في المراد بالمثل في قوله - تعالى - ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ) .فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير .

أي أن الجزاء يكون بالمماثلة بين الصيد المتقول وبين حيوان يقاربه في الحجم والمنظر من النعم وهي الإِبل والبقر والغنم .ومن حججهم أن الله أوجب مثل المصيد المقتول مقيد بكونه من النعم ، فلابد أن يكون الجزاء مثلا من النعم ، وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم .قال ابن كثير : وفي قوله - تعالى - : ( فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ) دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإِنسي ، خلافا لأبي حنيفة حيث أوجب القيمة سواء أكان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلى .

قال : وهو خير إن شاء تصدق بثمنه .

وإن شاء اشترى به هديا .والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع ، فإنهم حكموا في النعامة ببدنه ، وفي بقرة الوحش ببقرة ، وفي الغزال بعنز .

وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمن يحمل إلى مكة .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك طريق معرفة الجزاء ، ومآله ، وأنواعه ، فقال - تعالى - ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكعبة أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ) .والضمير في قوله ( به ) يعود على الجزاء المماثل للمصيد المقتول .وقوله : ( هديا ) حال من جزاء ، أو منصوب على المصدرية .

أي يهديه هدياً .والهدى : اسم لما يذبح في الحج لاهدائه إلى فقراء مكة .وقوله : ( بَالِغَ الكعبة ) صفة لقوله ( هدياً ) لأنه إضافته لفظية :وقوله : ( أو كفارة ) معطوف على جزاء .

وأو للتخيير ، وكذلك في قوله ( أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ) .والعدل - بالفتح - ما عادل الشيء من غير جنسه .

وأما بالكسر فما عادله من جنسه .

وقيل هما سيان ومعناهما المثل مطلقا .والمعنى الإِجمالي للآية الكريمة : يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، لا تقتلو الصيد وأنتم محرمون ، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعلية جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول ومقارب له في الخلقة والمنظر ، أو في القيمة ، وهذا الجزاء المماثل للصيد المقتول يحكم به رجلان منكم تتوافر فيهما العدالة والخبرة حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب ، ويكون هذا الجزاء الواجب على قاتل الصيد ( هَدْياً بَالِغَ الكعبة ) أي : يصل إلى الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ، أو يكون على قاتل الصيد ( كَفَّارَةٌ ) هي ( طَعَامُ مَسَاكِينَ ) بأن يطعمهم من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد المقتول بحيث يعطي لكل مسكين نصف صاغ من بر أو صاعا من غيره ، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صياما ، بأن يصوم عن طعام كل مسكين يوما ، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا .وإذا لم يجد للصيد المقتول مماثلا كالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته ، يشتري بها طعاما لكل مسكين مد ، أو يصوم عن كل مد يوما .وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم مماثل للصيد المقتول في الخلقة والمنظر أو عليه ما يساوي قيمة هذا الجزاء طعاما ، أو عليه ما يعادل هذا الطعام صياما .

وهذا ما يقول به جمهور الفقهاء أما أبو حنيفة فيرى - كما سبق أن أشرنا - أن المماثلة إنما تعتبر ابتداء بحسب القيمة ، فيقوم الصيد المقتول من حيث هو ، فإن بلغت قيمته هدى يخير الجاني بين أن يشتري بها هديا يهدي إلى الكعبة ويذبح في الحرم ويتصدق بلحمه على الفقراء ، وبين أن يشتري بها طعاماً للمساكين .

وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما .والمراد من الكعبة هنا الحرم؛ وإن خصت بالذكر تعظيما لها .قال بعض العلماء : ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته ، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة على كل رتبة ، فالأصل بلا ريب شراء هدى وذبحه في الحرام ، فإن تعذر ذلك كان الطعام ، فإن تعذر كان الصيام .هذا هو الظاهر عند الحنفية ، وروى عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت القيمة بين الذبح عند الكعبة وبين إطعام المساكين ، وبين الصوم .وعندي أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر .والمذاهب الأخرى تتلقى في الجملة مع الذهب الحنفي بيد أنها تعتبر المماثلة في الأوصاف .وعندي أن المذهب الحنفي أوضح وأسهل تطبيقاً ، وأدق في تعرف المثل وقد اضطروا إليه عند استبدال الطعام بالذبح ، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا بمعرفة القيمة .هذا ، وقوله - تعالى - ( لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) تعليل لأيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد .وقوله ( ليذوق ) من الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما فيها من حلاوة أو مرارة أو غير ذلك .والمراد به هنا : إدراك ألم العذاب على سبيل الاستعارة .والوبال في الأصل : الثقل والشدة والوخامة .

ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا على المعدة .ومرعى وبيل وهو الذي يتأذى به بعد أكله .والمراد به هنا : سوء عاقبة فعله .والمعنى : شرعنا ما شعرنا من جزاء على المحرم في حالة قتله للصيد ، ليدرك سوء عاقبة قتله وفعله السيء ، وليعلم أن مخالفته لأمر الله تؤدي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة .قال الإِمام الرازي : وإنما سمي الله - تعالى - ذلك وبالا ، لأنه خيره بيبن ثلاثة أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال - وهو ثقيل على الطبع - وهما : الجزاء بالمثل والإِطعام .

والثالث : يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع .والمعنى أنه - تعالى - أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإِحرام .وقوله : ( عَفَا الله عَمَّا سَلَف ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم ، لأنه - سبحانه - لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل تحريمها والنهي عنها .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتهديد شديد لمن تتكرر منه المخالفة لأوامر الله ونواهيه فقال : ( وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ) .أي : ومن عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهي عن ذلك فإن الله - تعالى - ينتقم منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو - سبحانه - العزيز الذي لا يغالب ولا يقاوم ، المنتقم الذي لا يدفع انتقامه بأي وسيلة من الوسائل .هذا وجمهور العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه في قتل الصيد بتكرر وأن عقوبة الآخرة - وهي انتقام الله من الجاني - لا تمنع وجوب الجزاء عليه في الدنيا .قال ابن كثير .

ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد .وقال علي بن طلحة عن ابن عباس قال : من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله .

فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة .

فإن عاد يقال له ينتقم الله منك .وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد في حالة إحرامهم ، وبينت الجزاء المترتب على من يفعل ذلك ، وهددت من يستهين بحدود الله بالعذاب الشديد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالصيد قولان.

الأول: أنه الذي توحش سواء كان مأكولاً أو لم يكن، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن ولا يجب به قيمة شاة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال زفر: يجب بالغاً ما بلغ.

والقول الثاني: أن الصيد هو ما يؤكل لحمه، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في قتل السبع، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً  ﴾ فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الاحرام، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيداً، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضموناً، لأن الأصل عدم الضمان، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية، فبقي فيما ليس بصيد على وفق الأصل، وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: «خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور».

وفي رواية أخرى: «والسبع الضاري»، والاستدلال به من وجوه: أحدها: أن قوله: «والسبع الضاري» نص في المسألة.

وثانيها: أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلالاً بذلك الوصف، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الايذاء في السباع أقوى فوجب جواز قتلها.

وثالثها: أن الشارع خصها بإباحة القتل، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها بمزيد الايذاء، وصفة الايذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها.

وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول.

حجة أبي حنيفة رحمه الله: أن السبع صيد فيدخل تحت قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر: ليث تربى ربية فاصطيدا *** ولقول علي عليه السلام: صيد الملوك أرانب وثعالب *** وإذا ركبت فصيدي الأبطال والجواب: قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد، وذلك لا يعارضه شعر مجهول، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد، لأن عندنا الثعلب حلال.

المسألة الثانية: حرم جمع حرام، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: قيل حرم أي محرمون بالحج، وقيل: وقد دخلتم الحرم، وقيل: هما مرادان بالآية، وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة فيه خلاف.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ﴾ يفيد المنع من القتل ابتداء، والمنع منه تسبباً، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرماً لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم، وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد في الحرم، وإذا قلنا ﴿ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ يتناول الأمرين أعني من كان محرماً ومن كان داخلاً في الحرم كانت الآية دالة على كل هذه الأحكام.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين؛ ومثل بالرفع والمعنى فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله: ﴿ فَجَزَاء ﴾ قال ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل.

ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل، في الحقيقة إنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النعم ﴾ يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي جزاء؛ والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل، وأما سائر القراء فهم قرؤا ﴿ فَجَزَاء مّثْلُ ﴾ على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا: إنه وإن كان الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم يقولون: أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك ونظيره قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والتقدير: ليس هو كشيء، وقال: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات  ﴾ والتقدير: كمن هو في الظلمات وفيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي خاتم من فضة.

المسألة الثانية: قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء وهو قول داود وقال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ حجة داود أن قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً ﴾ مذكور في معرض الشرط، وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية قال: والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ المراد منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً  ﴾ ولما كان ذلك حراماً بالاحرام صار فعله محظوراً بالاحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ أو عمداً فكذا هاهنا وأيضاً يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم، وقول الصحابة في الظبي شاة، وليس فيه ذكر العمد.

أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول، إلا أنهم اختلفوا في المثل، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل، ومنه ما لا مثل له، فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له يضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة.

وحجة الشافعي: القرآن، والخبر، والإجماع، والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ والاستدلال به من وجوه أربعة: الأول: أن جماعة من القراء قرؤا ﴿ فَجَزَاء ﴾ بالتنوين، ومعناه: فجزاء من النعم مماثل لما قتل، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص.

وثانيها: أن قوماً آخرين قرؤا ﴿ فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ ﴾ بالإضافة، والتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم، فمن لم يوجبه فقد خالف النص، ثالثها: قراءة ابن مسعود ﴿ فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ وذلك صريح فيما قلناه:.

ورابعها: أن قوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم، يجب أن يكون هدياً بالغ الكعبة.

فإن قيل: إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى.

قلنا: النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هدياً وأنتم تقولون: الواجب هو القيمة، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هدياً يهدي إلى الكعبة، وإن شاء لم يفعل، فكان ذلك على خلاف النص، وأما الخبر: فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، أصيد هو؟

فقال: نعم، وفيه كبش إذا أخذه المحرم، وهذا نص صريح.

وأما الاجماع: فهو أن الشافعي رحمه الله قال: تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى: أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بجفرة، وفي رواية بعناق، وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول.

وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الايجب أولى.

حجة ابي حنيفة رحمه الله تعالى: لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله: ﴿ فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ هو القيمة في هذه الصورة، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد.

والجواب: أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة.

المسألة الرابعة: جماعة محرمون قتلوا صيداً.

قال الشافعي رحمه الله: لا يجب عليهم إلا جزاء واحداً، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري رحمهم الله: يجب على كل واحد منهم جزاء واحد.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الآية دلت على وجوب المثل، ومثل الواحد واحد وأكد هذا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمثل قولنا: حجة أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهم قاتل فوجب أن يجب على كل وحد منهم جزاء كامل، بيان الأول أن جماعة لو حلف كل واحد منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كل واحد منهم كفارة، وكذلك القصاص المتعلق بالقتل يجب على جماعة يقتلون واحداً، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل وجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل لقوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ فقوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً ﴾ صيغة عموم فيتناول كل القاتلين.

أجاب الشافعي رحمه الله: بأن القتل شيء واحد فيمتنع حصوله بتمامه بأكثر من فاعل واحد فإذا اجتمعوا حصل بمجموع أفعالهم قتل واحد وإذا كان كذلك امتنع كون كل واحد منهم قاتلاً في الحقيقة وإذا ثبت أن كل واحد منهم ليس بقاتل لم يدخل تحت هذه الآية وأما قتل الجماعة بالواحد فذاك ثبت على سبيل التعبد وكذا القول في إيجاب الكفارات المتعددة.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: المحرم إذا دل غيره على صيد، فقتله المدلول عليه لم يضمن الدال الجزاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يضمن حجة الشافعي أن وجوب الجزاء معلق بالقتل في هذه الآية والدلالة ليست بقتل فوجب أن لا يجب الضمان ولأنه بدل المتلف فلا يجب بالدلالة ككفارة القتل والدية، وكالدلالة على مال المسلم.

حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه سئل عمر عن هذه المسألة فشاور عبد الرحمن بن عوف فأجمعا على أن عليه الجزاء وعن ابن عباس أنه أوجب الجزاء على الدال، أجاب الشافعي رحمه الله: بأن نص القرآن خير من أثر بعض الصحابة.

المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: إن جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة، وقال داود لا يضمن ألبتة سوى القتل، وقال المزني عليه شاة.

حجة داود أن الآية دالة على أن شرط وجوب الجزاء هو القتل، فإذا لم يوجد القتل: وجب أن لا يجب الجزاء ألبتة، وجوابه أن المعلق على القتل، وجوب مثل المقتول، وعندنا أن هذا لا يجب عند عدم القتل فسقط قوله.

المسألة السابعة: إذا رمى من الحل والصيد في الحل، فمر في السهم طائفة من الحرم، قال الشافعي رحمه الله: يحرم وعليه والجزاء، وقال أبو حنيفة: لا يحرم.

حجة الشافعي: أن سبب الذبح مركب من أجزاء، بعضها مباح وبعضها محرم، وهو المرور في الحرم، وما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال، لا سيما في الذبح الذي الأصل فيه الحرمة.

وحجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهى له عن الاصطياد حال كونه في الحرم، فلما لم يوجد واحد من هذين الأمرين وجب أن لا تحصل الحرمة.

المسألة الثامنة: الحلال إذا اصطاد صيداً وأدخله الحرم لزمه الارسال وإن ذبحه حرم ولزمه الجزاء وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي رحمه الله يحل، وليس عليه ضمان.

حجة الشافعي: قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ  ﴾ وحجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهى عن قتل الصيد حال كونه محرماً، وهذا يتناول الصيد الذي اصطاده في الحل، والذي اصطاده في الحرم.

المسألة التاسعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه، ثم قتل صيداً آخر لزمة جزاء آخر، وقال داود: لا يجب حجة الجمهور: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ ظاهره يقتضي أن علة وجوب الجزاء هو القتل، فوجب أن يتكرر الحكم عند تكرر العلة.

فإن قيل: إذا قال الرجل لنسائه، من دخل منكن الدار فهي طالق، فدخلت واحدة مرتين لم يقع إلا طلاق واحد.

قلنا: الفرق أن القتل علة لوجوب الجزاء، فيلزم تكرر الحكم عند تكرر العلة.

أما هاهنا: دخول الدار شرط لوقوع الطلاق، فلم يلزم تكرر الحكم عند تكرر الشرط.

حجة داود: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

المسألة العاشرة: قال الشافعي رحمه الله: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله، والصحيح أحب إليّ، وعلى هذا الكبير أولى من الصغير، ويفدى الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى، والأولى أن لايغير، لأن نص القرآن إيجاب المثل، والأنثى وإن كانت أفضل من الذكر من حيث إنها تلد، فالذكر أفضل من الأنثى لأن لحمه أطيب وصورته أحسن.

ثم قال تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: يريد يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان ذوا عدل منكم أي من أهل ملتكم ودينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشباه به من النعم فيحكمان به، واحتج به من نصر قول أبي حنيفة رحمه الله في إيجاب القيمة، فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة، فظاهرة مشاهدة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد.

وجوابه: أن وجوه المشابهة بين النعم وبين الصيد مختلفة وكثيرة، فلابد من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف، والذي يدل على صحة ما ذكرنا أنه قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر رضي الله عنه أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك، وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: وما أنكرت من ذلك، قال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به، وعن قبيصة بن جابر: أنه حين كان محرماً ضرب ظبياً فمات، فسأل عمر بن الخطاب رضي لله عنه، وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فقال: إذهب فاهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت له إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم، قال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: الذي له مثل ضربان فما حكمت فيه الصحابة بحكم لا يعدل عنه إلى غيره، لأنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة، وفيما لم تحكم به حجة الشافعي رحمه الله الآية دلت على أنه يجب أن يحكم به ذوا عدل، فإذا حكم به إثنان من الصحابة، فقد دخل تحت الآية، ثم ذاك أولى لما ذكرنا أنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين إذا كان أخطأ فيه، فإن تعمد لا يجوز، لأنه يفسق به، وقال مالك: لا يجوز كما في تقويم المتلفات.

حجة الشافعي رحمه الله: أنه تعالى أوجب أن يحكم به ذوا عدل، وإذا صدر عنه القتل خطأ كان عدلاً، فإذا حكم به هو وغيره فقد حكم به ذوا عدل، وأيضاً روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً، فسأل عمر عنه، فقال عمر: احكم فقال: أنت عدل يا أمير المؤمنين فاحكم، فقال عمر رضي الله عنه: إنما أمرتك أن تحكم وما أمرتك أن تزكيني، فقال: أرى فيه جدياً جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى، وعلى هذا التقدير قال أصحابنا: يجوز أن يكونا قاتلين.

المسألة الرابعة: لو حكم عدلان بمثل، وحكم عدلان آخران بمثل آخر، فيه وجهان: أحدهما: يتخير، والثاني: يأخذ بالأغلظ.

المسألة الخامسة: قال بعض مثبتي القياس: دلت الآية على أن العمل بالقياس والاجتهاد جائز لأنه تعالى فوّض تعيين المثل إلى اجتهاد الناس وظنونهم وهذا ضعيف لأنه لا شك أن الشارع تعبدنا بالعمل بالظن في صور كثيرة.

منها: الاجتهاد في القبلة، ومنها: العمل بشهادة الشاهدين ومنها: العمل بتقويم المقومين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، ومنها: العمل بتحكيم الحكام في تعيين مثل المصيد المقتول، كما في هذه الآية، ومنها: عمل العامي بالفتوى.

ومنها: العمل بالظن في مصالح الدنيا.

إلا أنا نقول: إن ادعيتم أن تشبيه صورة شرعية بصورة شرعية في الحكم الشرعي هو عين هذه المسائل التي عددناها فذلك باطل في بديهة العقل، وإن سلمتم المغايرة لم يلزم، من كون الظن حجة في تلك الصور، كونه حجة في مسألة القياس، إلا إذا قسنا هذه المسألة على تلك المسائل وذلك يقتضي إثبات القياس بالقياس، وهو باطل.

وأيضاً فالفرق ظاهر بين البابين، لأن في جميع الصور المذكورة الحكم إنما ثبت في حق شخص واحد في زمان واحد في واقعة واحدة.

وأما الحكم الثابت بالقياس فإنه شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والتنصيص على أحكام الأشخاص الجزئية متعذر.

وأما التنصيص على الأحكام الكلية والشرائع العامة الباقية إلى آخر الدهر غير متعذر.

فظهر الفرق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان: الأول: أن المعنى يحكمان به هدياً يساق إلى الكعبة فينحر هناك، وهذا يؤكد قول من أوجب المثل من طريق الخلقة لأنه تعالى لم يقل يحكمان به شيئاً يشتري به هدي وإنما قال يحكمان به هدياً وهذا صريح في أنهما يحكمان بالهدي لا غير.

الثاني: أن يكون المعنى يحكمان به شيئاً يشتري به ما يكون هدياً، وهذا بعيد عن ظاهر اللفظ، والحق هو الأول.

وقوله: ﴿ هَدْياً ﴾ نصب على الحال من الكناية في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ والتقدير يحكم بذلك المثل شاة أو بقرة أو بدنة فالضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ عائد إلى المثل والهدي حال منه، وعند التفطن لهذين الاعتبارين فمن الذي يرتاب في أن الواجب هو المثل من طريق الخلقة والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بالغ الكعبة ﴾ صفة لقوله: ﴿ هَدْياً ﴾ لأن إضافته غير حقيقية، تقديره بالغا الكعبة لكن التنوين قد حذف استخفافاً ومثله ﴿ عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  ﴾ .

المسألة الثالثة: سميت الكعبة كعبة لارتفاعها وتربعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة والكعبة إنما أريد بها كل الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في الكعبة ولا عندها ملازقاً لها ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق  ﴾ .

المسألة الرابعة: معنى بلوغه الكعبة، أن يذبح بالحرم فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز بل يجب عليه ذبحه في الحرم، وإذا ذبحه في الحرم.

قال الشافعي رحمه الله: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يتصدق به حيث شاء، وسلم الشافعي أن له أن يصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم.

حجة الشافعي: أن نفس الذبح إيلام، فلا يجوز أن يكون قربة، بل القربة هي إيصال اللحم إلى الفقراء، فقوله: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ يوجب إيصال تلك الهدية إلى أهل الحرم والكعبة.

وحجة أبي حنيفة رحمه الله: أنها لما وصلت إلى الكعبة فقد صارت هدياً بالغ الكعبة، فوجب أن يخرج عن العهدة.

ثم قال تعالى: ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ ﴾ على إضافة الكفارة إلى الطعام، والباقون ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ ﴾ بالرفع والتنوين طعام بالرفع من غير التنوين، أما وجه القراءة الأولى: فهي أنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء: الهدي، والصيام، والطعام، حسنت الإضافة، فكأنه قيل كفارة طعام لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام، فاستقامت الإضافة لكون الكفارة من هذه الأشياء، وأما وجه قراءة من قرأ ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ ﴾ بالتنوين، فهو أنه عطف على قوله: ﴿ فَجَزَاء ﴾ و ﴿ طَعَامُ مساكين ﴾ عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة ولم تضف الكفارة إلى الطعام، لأن الكفارة ليست للطعام، وإنما الكفارة لقتل الصيد.

المسألة الثانية: قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله: كلمة ﴿ أَوْ ﴾ في هذه الآية للتخيير، وقال أحمد وزفر: إنها للترتيب.

حجة الأولين أن كلمة (أو) في أصل اللغة للتخيير، والقول بأنها للترتيب ترك للظاهر.

حجة الباقين: أن كلمة (أو) قد تجيء لا لمعنى للتخيير، كما في قوله تعالى: ﴿ أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف  ﴾ فإن المراد منه تخصيص كل واحد من هذه الأحكام بحالة معينة، فثبت أن هذا اللفظ يحتمل الترتيب، فنقول: والدليل دل على أن المراد هو الترتيب، لأن الواجب هاهنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله: ﴿ لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

والجواب: أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام، فالتخيير لا يقدح في القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل.

المسألة الثالثة: إذا قتل صيداً له مثل قال الشافعي رحمه الله: هو مخير بين ثلاثة أشياء: إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قوم المثل بدراهم، ويشتري بها طعاماً ويتصدق به، وإن شاء صام، وأما الصيد الذي لا مثل له، فهو مخير فيه بين شيئين، بين أن يقوم الصيد بالدراهم ويشتري بتلك الدراهم طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصوم، فعلى ما ذكرنا الصيد الذي له مثل إنما يشتري الطعام بقيمة مثله.

وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: إنما يشتري الطعام بقيمته: حجة الشافعي أن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه فيعدل به كما يعدل عن الصوم بالطعام، وأيضاً تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من تقويم نفس الصيد، وحجة أبي حنيفة رحمه الله: أن مثل المتلف إذا وجب اعتبر بالمتلف لا بغيره ما أمكن، والطعام إنما وجب مثلاً للمتلف فوجب أن يقدر به.

المسألة الرابعة: اختلفوا في موضع التقويم: فقال أكثر الفقهاء: إنما يقوم في المكان الذي قتل الصيد فيه.

وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها.

المسألة الخامسة: قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل المثل، تقول عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كان عندك غلام يعدل غلاماً أو شاة تعدل شاة، أما إذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت عدل.

وقال أبو الهيثم: العدل المثل، والعدل القيمة، والعدل اسم حمل معدول بحمل آخر مسوى به، والعدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه.

وقال الزجاج وابن الأعرابي: العدل والعدل سواء وقوله: ﴿ صِيَاماً ﴾ نصب على التمييز، كما تقول عندي رطلان عسلا، وملء بيت قتا، والأصل فيه إدخال حرف من فيه، فإن لم يذكر نصبته.

تقول: رطلان من العسل وعدل ذلك من الصيام.

المسألة السادسة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنه يصوم لكل مد يوماً وهو قول عطاء ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً، والأصل في هذه المسألة أنهما توافقا على أن الصوم مقدر بطعام يوم، إلا أن طعام اليوم عند الشافعي مقدر بالمد، وعند أبي حنيفة رحمه الله مقدر بنصف صاع على ما ذكرناه في كفارة اليمين.

المسألة السابعة: زعم جمهور الفقهاء أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد.

وقال محمد بن الحسن رحمه الله إلى الحكمين: حجة الجمهور أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة على التخيير، فوجب أن يكون قاتل الصيد مخيراً بين أيها شاء، وحجة محمد رحمه الله أنه تعالى جعل الخيار إلى الحكمين فقال: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً ﴾ أي كذا وكذا.

وجوابنا: أن تأويل الآية ﴿ فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم...

أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ وأما الذي يحكم به ذوا عدل فهو تعيين المثل، إما في القيمة أو في الخلقة.

ثم قال تعالى: ﴿ لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوبال في اللغة: عبارة عما فيه من الثقل والمكروه.

يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وماء وبيل إذا لم يستمر، أو الطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم، قال تعالى: ﴿ فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً  ﴾ أي ثقيلا.

المسألة الثانية: إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة أشياء: اثنان منها توجب تنقيص المال، وهو ثقيل على الطبع، وهما الجزاء بالمثل والاطعام، والثالث: يوجب إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضاً ثقيل على الطبع، والمعنى: أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام.

ثم قال تعالى: ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية وجهان: الأول: عفا الله عما مضى في الجاهلية وعما سلف قبل التحريم في الإسلام.

القول الثاني: وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى، أما في المرة الثانية فإنه لا يوجب الجزاء عليه ويقول إنه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء، فعلى هذا المراد: عفا الله عما سلف في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء، ومن عاد إليه مرة ثانية فلا كفارة لجرمه بل ينتقم الله منه.

وحجة هذا القول: أن الفاء في وقوله: ﴿ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ فاء الجزاء، والجزاء هو الكافي، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب، وكونه كافياً يمنع من وجوب شيء آخر، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه.

المسألة الثانية: قال سيبويه في قوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً  ﴾ وفي قوله: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ  ﴾ إن في هذه الآيات إضماراً مقدراً والتقدير: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف، وبالجملة فلابد من إضمار مبتدأ يصير ذلك الفعل خبراً عنه، والدليل عليه: أن الفعل يصير بنفسه جزاء، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير إدخال حرف الفاء على الفعل لغواً أما إذا أضمرنا المبتدأ احتجنا إلى إدخال حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغواً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَرَّمَ ﴾ محرمون، جمع حرام، كردح في جمع رداح.

والتعمد: أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيداً فهو مخطئ.

فإن قلت: فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطاً في الآية؟

قلت: لأن مورد الآية فيمن تعمد؛ فقد روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ.

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ وعن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط العمد في الآية.

وعن الحسن روايتان ﴿ فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ ﴾ برفع جزاء ومثل جميعاً، بمعنى: فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوّم حيث صيد.

فإن بلغت قيمته ثمن هدى، تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً، فيعطي كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاع من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً، فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوماً أو تصدّق به.

وعند محمد والشافعي رحمهما الله مثله نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله.

فإن قلت: فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله: ﴿ مِنَ النعم ﴾ وهو تفسير للمثل، وبقوله: هدياً بالغ الكعبة؟

قلت: قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم، كما خير الله تعالى في الآية.

فكان قوله: ﴿ مِنَ النعم ﴾ بياناً للهدى المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم.

على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوّم ونظر بعد التقويم أيّ الثلاثة يختار، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير- فإذا كان شيئاً لا نظير له قوّم حينئذٍ، ثم يخير بين الإطعام والصوم- ففيه نبوّ عما في الآية.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ كيف خير بين الأشياء الثلاثة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم.

وقرأ عبد الله: فجزاؤه مثل ما قتل، وقرئ: فجزاء مثل ما قتل، على الإضافة، وأصله.

فجزاء مثل ما قتل، بنصب مثل بمعنى: فعليه أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت من ضرب زيد، وقرأ السلميّ على الأصل وقرأ محمد بن مقاتل، فجزاء مثل ما قتل، بنصبهما، بمعنى: فليجز جزاء مثل ما قتل.

وقرأ الحسن: من النعم.

بسكون العين، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ﴾ بمثل ما قتل ﴿ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ حكمان عادلان من المسلمين.

قالوا: وفيه دليل على أن المثل القيمة، لأنّ التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة.

وعن قبيصة أنه أصاب ظبياً وهو محرم فسأل عمر، فشاور عبد الرحمن بن عوف، ثم أمره بذبح شاة، فقال قبيصة لصاحبه: والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضرباً بالدرّة وقال: أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم.

قال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن.

وقرأ محمد بن جعفر (ذو عدل منكم)، أراد يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة.

وقيل أراد الإمام ﴿ هَدْياً ﴾ حال عن جزاء فيمن وصفه بمثل، لأنّ الصفة خصصته فقرّبته من المعرفة، أو بدل عن مثل فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جرّه.

ويجوز أن ينتصب حالاً عن الضمير في به.

ووصف هدياً ب ﴿ بالغ الكعبة ﴾ لأن إضافته غير حقيقية.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فأما التصدّق به فحيث شئت عند أبي حنيفة، وعند الشافعي في الحرم.

فإن قلت: بم يرفع ﴿ كَفَّارَةٌ ﴾ من ينصب جزاء؟

قلت: يجعلها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة.

أو يقدر: فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة.

فيعطفها على أن يجزي.

وقرئ: أو كفارة طعام مساكين على الإضافة، وهذه الإضافة مبينة، كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضة، بمعنى خاتم من فضة.

وقرأ الأعرج: أو كفارة طعام مسكين.

وإنما وحد، لأنه واقع موقع التبيين، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس.

وقرئ: أو عدل ذلك، بكسر العين.

والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه، كالصوم والإطعام.

وعدله ما عدل به في المقدار، ومنه عدلا الحمل، لأن كل واحد منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية المصدر، والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل.

و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الطعام ﴿ وصياماً ﴾ تمييز للعدل كقولك: لي مثله رجلاً.

والخيار في ذلك إلى قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف.

وعند محمد إلى الحكمين ﴿ لّيَذُوقَ ﴾ متعلق بقوله: (فجزاء) أي فعليه أن يجازي أو يكفر، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام.

والوبال: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، كقوله تعالى: ﴿ فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ [المزمل: 16] ثقيلاً.

والطعام الوبيل: الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف ﴾ لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألوه عن جوازه.

وقيل: عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي ﴿ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ ينتقم: خبر مبتدأ محذوف تقديره.

فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء.

ونحوه ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ﴾ [الحجر: 13] يعني ينتقم منه في الآخرة.

واختلف في وجوب الكفارة على العائد، فعن عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن: وجوبها، وعليه عامة العلماء.

وعن ابن عباس وشريح: أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر، وأنه لم يذكر الكفارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ أيْ مُحْرِمُونَ جَمْعُ حَرامٍ كَرَداحٍ ورُدُحٍ، ولَعَلَّهُ ذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذَّكاةِ لِلتَّعْمِيمِ، وأرادَ بِالصَّيْدِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيهِ عُرْفًا ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحُرُمِ، الحِدَأةُ والغُرابُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» .

وفي رِوايَةٍ أُخْرى «الحَيَّةُ» بَدَلَ «العَقْرَبِ»، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى جَوازِ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ، واخْتُلِفَ في أنَّ هَذا النَّهْيَ هَلْ يَلْغِي حُكْمَ الذَّبْحِ فَيَلْحَقُ مَذْبُوحُ المُحْرِمِ بِالمَيْتَةِ ومَذْبُوحِ الوَثَنِيِّ أوْ لا فَيَكُونُ كالشّاةِ المَغْصُوبَةِ إذا ذَبَحَها الغاصِبُ.

﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عالِمًا بِأنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِ قَبْلَ ما يَقْتُلُهُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ وُجُوبِ الجَزاءِ فَإنَّ إتْلافَ العامِدِ والمُخْطِئِ واحِدٌ في إيجابِ الضَّمانِ، بَلْ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ ولِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن تَعَمَّدَ إذْ رُوِيَ: أنَّهُ عَنَّ لَهم في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حِمارُ وحْشٍ فَطَعَنَهُ أبُو اليُسْرِ بِرُمْحِهِ فَقَتَلَهُ.

فَنَزَلَتْ.

﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ بِرَفْعِ الجَزاءِ، والمِثْلُ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِمَعْنى فَعَلَيْهِ أيْ فَواجَبَهُ جَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، وعَلَيْهِ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِجَزاءٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالصِّفَةِ فَإنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ كالصِّلَةِ لَهُ فَلا يُوصَفُ ما لَمْ يَتِمَّ بِها، وإنَّما يَكُونُ صِفَتَهُ وقَرَأ الباقُونَ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وإقْحامِ مِثْلُ كَما في قَوْلِهِمْ مِثْلِي لا يَقُولُ كَذا، والمَعْنى فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى مِثْلَ ما قَتَلَ.

وقُرِئَ «فَجَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ»، بِنَصْبِهِما عَلى فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً يُماثِلُ ما قَتَلَ وفَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والقِيمَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: يَقُومُ الصَّيْدُ حَيْثُ صِيدَ فَإنْ بَلَغَتِ القِيمَةُ ثَمَنَ هَدْيٍ تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَهْدِيَ ما قِيمَتُهُ قِيمَتُهُ وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وإنْ لَمْ تَبْلُغْ تَخَيَّرَ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ واللَّفْظُ لِلْأوَّلِ أوْفَقُ.

﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ صِفَةُ جَزاءٍ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ في خَبَرِهِ أوْ مِنهُ إذا أضَفْتَهُ، أوْ وصَفْتَهُ ورَفَعْتَهُ بِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ لِمَن وكَما أنَّ التَّقْوِيمَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ واجْتِهادٍ يَحْتاجُ إلى المُماثَلَةِ في الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ إلَيْها، فَإنَّ الأنْواعَ تَتَشابَهُ كَثِيرًا.

وَقُرِئَ «ذُو عَدْلٍ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الإمامِ.

﴿ هَدْيًا ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في بِهِ أوْ مِن جَزاءٌ وإنْ نُوِّنَ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بَدَلٌ مِن مِثْلُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ أوْ لَفْظِهِ فِيمَن نَصَبَهُ.

﴿ بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ وصَفَ بِهِ هَدْيًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ والتَّصَدُّقِ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْبَحُ بِالحَرَمِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شاءَ.

﴿ أوْ كَفّارَةٌ ﴾ عُطِفَ عَلى جَزاءٌ إنْ رَفَعْتَهُ وإنْ نَصَبْتَهُ فَخَبَرُ مَحْذُوفٍ.

﴿ طَعامُ مَساكِينَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هي طَعامٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ كَفّارَةٌ طَعامٌ بِالإضافَةِ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِكَ: خاتَمٌ فِضَّةٌ، والمَعْنى عِنْدَ الشّافِعِيِّ أوْ أنْ يُكَفِّرَ بِإطْعامِ مَساكِينَ ما يُساوِي قِيمَةَ الهَدْيِ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا.

﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ أوْ ما ساواهُ مِنَ الصَّوْمِ فَيَصُومُ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ.

وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو ما عَدَلَ بِالشَّيْءِ في المُقَدَّرِ كَعَدْلَيِ الحِمْلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطَّعامِ، وصِيامًا تَمْيِيزُ لِلْعَدْلِ.

﴿ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ أوِ الطَّعامُ أوِ الصَّوْمُ لِيَذُوقَ ثِقَلَ فِعْلِهِ وسُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، أوِ الثِّقْلَ الشَّدِيدَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأصْلُ الوَبْلِ الثِّقْلُ ومِنهُ الطَّعامُ الوَبِيلُ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ مُحْرِمًا في الجاهِلِيَّةِ أوْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أوْ في هَذِهِ المَرَّةِ.

﴿ وَمَن عادَ ﴾ إلى مِثْلِ هَذا.

﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَمْنَعُ الكَفّارَةَ عَلى العائِدِ كَما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ.

﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ مِمّا أصَرَّ عَلى عِصْيانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقْتُلُواْ الصيد} أي المصيد إذ القتل إنما يكون فيه {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أي محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل في تقتلوا {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً} حال من ضمير الفاعل أى ذاكرا لا حرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه فإن قتله ناسياً لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ لأن مورده الآية فيمن تعمد فقد رُوي أنه عَنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فقلنه فقيل له إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الاصل فعل المتعمدة والخطأ ملحق به للتغليظ وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ {فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ} كوفي أي فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يقوم حيث صيد فإن بلغت فيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشترى يقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى مثله نظيره من النعم فإن لم يوجد له نظير من النعم فكما مر فجزاء مثل على الإضافة غيرهم وأصله فجزاء مثل ما قتل أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل ثم أضيف كما تقول عجبت من ضرب زيداً ثم من ضرب زيد مِنَ النعم حال من

الضمير في قتل إذا المقتول يكون من النعم أو صفة لجزاء يَحْكُمُ بِهِ بمثل ما قتل {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} حكمان عادلان من المسلمين وفيه دليل على أن المثل القيمة لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة ولأن المثل المطلق في الكتاب والسنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى أو بالمعنى لا بالصورة أو بالصورة بلا معنى والقيمة أريدت فيما لا مثل له صورة إجماعاً فلم يبق غيرها مراداً إذ لا عموم للمشترك فإن قلت قوله من النعم ينافي تفسير المثل بالقيمة قلت من أوجب القيمة خُير بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية فكان من النعم بياناً للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه فقد جرى بمثل ما قتل من النعم على أن التخيير الذي في الآية بين أن يُجزي بالهدي أو يكفر بالطعام أو الصوم إنما يستقيم إذا قوم ونظر بعد التقويم أي

الثلاثة يختار فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير فإذا كان شيئاً لا نظير له قُوِّم حينئذ ثم تخير بين الطعام والصيام ففيه بنو عما في الآية ألا ترى إلى قوله أو كفارة طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم {هَدْياً} حال من الهاء في به أي يحكم به في حال الهدى {بالغ الكعبة أو}

صفة لهديا لأن إضافته غير حقيقية ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالمحرم فأما التصدق به فحيث شئت وعند الشافعي رحمه الله فى الرحم {أَوْ كَفَّارَةٌ} معطوف على جزاء {طَعَامٌ} بدل من كفارة أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام أو كفارة طعام على الإضافة مدني وشامي وهذه الإضافة لتبيين المضاف كأنه قيل أو كفارة من طعام {مساكين} كما تقول خاتم فضة أي خاتم من فضة {أو عدل} وقرئ بكسر العين قال القراء العدل ما عدل الشئ من غير جنسه كالصوم والإطعام والعدل مثله من جنسه ومنه عدلا الحمل يقال عندي غلام عدل غلامك بالكسر إذا كان من جنسه قان أريد أن قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل هو عَدل غلامك

بالفتح {ذلك} إشارة إلى الطعام {صِيَاماً} تمييز نحو لي مثله رجلاً والخيار في ذلك إلى القاتل وعند محمد رحمه الله إلى الحكمين {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} متعلق بقوله فجزاء أى فعليه أى يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى {فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً} أي ثقيلاً شديداً والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ {عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ} لكم من الصيد قبل التحريم {وَمَنْ عَادَ} إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام {فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} بالجزاء وهو خبر مبتدأ فحذوف تقديره فهو ينتقم الله منه {والله عَزِيزٌ} بإلزام الأحكام {ذُو انتقام} لمن جاوز حدود الإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ شَرَعَ في بَيانِ ما يُتَدارَكُ بِهِ الِاعْتِداءُ مِنَ الأحْكامِ إثْرَ بَيانِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ العَذابِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ والتَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا لاسِيَّما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ لِتَأْكِيدِ الحُرْمَةِ وتَرْتِيبِ ما يَعْقُبُهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في (الصَّيْدِ) لِلْعَهْدِ حَسْبَما سَلَفَ، وإطْلاقُهُ عَلى غَيْرِ المَأْكُولِ شائِعٌ، وإلى التَّعْمِيمِ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ وأنْشَدُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: صَيْدُ المُلُوكِ ثَعالِبٌ وأرانِبٌ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ وخَصَّهُ الشّافِعِيَّةُ بِالمَأْكُولِ قالُوا: لِأنَّهُ الغالِبُ فِيهِ عُرْفًا، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ ( «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ الحِدَأةُ والغُرابُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» ) وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ والحَيَّةُ بَدَلُ العَقْرَبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ البَحْثِ.

والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ كَرُدُحٍ جَمْعُ رَداحٍ والحَرامُ والمُحَرَّمُ بِمَعْنًى والمُرادُ بِهِ مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ وإنْ كانَ في الحِلِّ وفي حُكْمِهِ مَن كانَ في الحَرَمِ وإنْ كانَ حَلالًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَن كانَ في الحَرَمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِنُسُكٍ وفي حُكْمِهِ المُحَرِمُ وإنْ كانَ في الحِلِّ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجَبائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ بِنُسُكٍ أيْنَما كانَ وعَلى مَن في الحَرَمِ كَيْفَما كانَ مَعًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: لا تَدُلُّ إلّا عَلى تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى الأوَّلِ خاصَّةً، ولَعَلَّ الحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ لا مَعَ أبِيهِ، وذِكْرُ القَتْلِ دُونَ الذَّبْحِ ونَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الصَّيْدَ وإنْ ذُبِحَ في حُكْمِ المَيْتَةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ وأحْمَدُ ومالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وهو القَوْلُ الجَدِيدُ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي القَدِيمِ يَكُونُ في حُكْمِ المَيْتَةِ ويَحِلُّ أكْلُهُ لِلْغَيْرِ ويَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ ﴿ ومَن قَتَلَهُ ﴾ كائِنًا ﴿ مِنكُمْ ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿ مُتَعَمِّدًا ﴾ أيْ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عالِمًا بِحُرْمَةِ قَتْلِ ما يَقْتُلُهُ ومِثْلُهُ مَن قَتَلَهُ خَطَأً لِلسُّنَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالعَمْدِ وجَرَتِ السُّنَّةُ في الخَطَإ وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: رَأيْتُ النّاسَ أجْمَعِينَ يُغَرِّمُونَ في الخَطَإ وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْيِيدُ بِهِ بِالعَمْدِ لِأنَّهُ الأصْلُ والخَطَأُ مُلْحَقٌ بِهِ قِياسًا واعْتُرِضَ بِأنَّ القِياسَ في الكَفّاراتِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ والحَنَفِيَّةُ لا تَراهُ، وقِيلَ: التَّقْيِيدُ بِهِ لِأنَّهُ المَوْرِدُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم حِمارٌ وحْشِيٌّ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليُسْرِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الخَبَرَ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ مِن أبِي اليُسْرِ كانَ عَنْ قَصْدٍ وهو غَيْرُ العَمْدِ بِالمَعْنى السّابِقِ إذْ قَدْ أخَذَ فِيهِ العِلْمَ بِالتَّحْرِيمِ، وفِعْلُ أبِي اليُسْرِ خالٍ عَنْ ذَلِكَ بِشَهادَةِ الخَبَرِ، إذْ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ حُرْمَةَ قَتْلِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ عُلِمَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ أبا اليُسْرِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالحُرْمَةِ إذْ ذاكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ الصَّيْدَ كانَ حَرامًا في الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا يَضْرِبُونَ مَن قَتَلَ صَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا، والمَعْلُومُ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ ذَلِكَ مِن شَرْعِنا، وقِيلَ: إنَّ العِلْمَ بِالحُرْمَةِ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ ولَعَلَّهُ أوْلى وعَنْ داوُدَ أنَّهُ لا شَيْءَ في الخَطَإ أخْذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، ورَوى ابْنُ المُنْذِرِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وابْنُ جَرِيرٍ وطاوُسٌ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: مَن قَتَلَهُ ناسِيًا لِإحْرامِهِ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ ومَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ غَيْرَ ناسٍ لِإحْرامِهِ فَذاكَ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ و (مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ﴾ جَزائِيَّةُ عَلى الأوَّلِ زائِدَةٌ لِشِبْهِ المُبْتَدَإ بِالشَّرْطِ الثّانِي و(جَزاءٌ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ مُبْتَدَأٌ و (مِثْلُ) مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَتُهُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَواجِبُهُ أوْ فالواجِبُ عَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (مِثْلُ) بَدَلًا، والزُّجاجُ أنْ يَكُونَ (جَزاءٌ) مُبْتَدَأً و (مِثْلُ) خَبَرَهُ، إذِ التَّقْدِيرُ جَزاءُ ذَلِكَ الفِعْلِ أوِ المَقْتُولِ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ وبِهَذا قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِرَفْعِ (جَزاءٌ) مُضافًا إلى (مِثْلُ) واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الواحِدِيُّ بَلْ قالَ: يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ الجَزاءَ الواجِبَ لِلْمَقْتُولِ لا لِمِثْلِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا طَعْنٌ في المَنقُولِ المُتَواتِرِ عَنِ النَّبِيِّ  وذَلِكَ غايَةٌ في الشَّناعَةِ، وما ذَكَرَ مُجابٌ عَنْهُ أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ (جَزاءً) كَما قِيلَ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ الثّانِي أيْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى مِثْلُ ما قَتَلَ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ المَقْتُولَ مِنَ الصَّيْدِ مِثْلَهُ ثُمَّ حُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الثّانِي، وقَدْ يُقالُ لا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ هَذِهِ المُؤْنَةِ بِأنْ يَجْعَلَ مَصْدَرًا مُضافًا إلى مَفْعُولِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ آخَرَ عَلى أنَّ مَعْنى أنْ يُجْزى مِثْلَ أنْ يُعْطى المُثُلُ جَزاءً، وأمّا ثانِيًا فَبِأنْ تُجْعَلَ الإضافَةُ بَيانِيَّةً أيْ جَزاءٌ هو مِثْلُ ما قَتَلَ وأمّا ثالِثًا فَبِأنْ يَكُونَ (مِثْلُ) مُقْحَمًا كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ اشْتِراطَ المُماثَلَةِ بَيْنَ الجَزاءِ والمَقْتُولِ وكَوْنِ جَزائِهِ المَحْكُومِ بِهِ ما يُقاوِمُهُ ويُعادِلُهُ وهو يَقْتَضِي المُماثَلَةَ مِمّا يَكادُ يُسَلَّمُ انْفِهامُهُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ كَما لا يَخْفى وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ بِتَنْوِينِ (جَزاءٌ) ونَصْبِهِ ونَصْبِ (مِثْلُ) أيْ فَلْيُجْزِ جَزاءً أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ السِّلْمِيُّ بِرَفْعِ (جَزاءٌ) مَنَوَّنًا ونَصْبِ (مِثْلُ) أمّا رَفْعُ (جَزاءٌ) فَظاهِرٌ وأمّا نَصْبُ (مِثْلُ) فَبِجَزاءٍ أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ (جَزاءٌ) عَلَيْهِ أيْ يُخْرِجُ أوْ يُؤَدِّي مِثْلَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ بِرَفْعِ (جَزاءٍ) مُضافًا إلى الضَّمِيرِ، ورَفْعُ (مِثْلُ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ.

والمُرادُ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ وأبِي يُوسُفَ المِثْلُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ مِن حَيْثُ أنَّهُ صَيْدٌ لا مِن حَيْثُ ما زادَ عَلَيْهِ بِالصُّنْعِ في المَكانِ الَّذِي أصابَهُ المُحْرِمُ فِيهِ أوْ في أقْرَبِ الأماكِنِ إلَيْهِ مِمّا يُباعُ فِيهِ ويُشْرى وكَذا يُعْتَبَرُ الزَّمانُ الَّذِي أصابَهُ فِيهِ لِاخْتِلافِ القِيَمِ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ هَدْيٍ يُخَيَّرُ الجانِي بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها ما قِيمَتُهُ قِيمَةُ الصَّيْدِ فَيُهْدِيهِ إلى الحَرَمِ وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُطَعِمَ مِسْكِينًا أقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ ولا يَمْنَعُ أنْ يُعْطِيَهُ أكْثَرَ ولَوْ كانَ كُلَّ الطَّعامِ غَيْرَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ أجْزَأ عَنْ إطْعامِ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ وعَلَيْهِ أنْ يُكْمِلَ بِحِسابِهِ ويَقَعَ الباقِي تَطَوُّعًا وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا فَإنَّ فَضْلَ ما لا يَبْلُغُ طَعامَ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ بِهِ أوْ صامَ عَنْهُ يَوْمًا كامِلًا لِأنَّ الصَّوْمَ أقَلُّ مِن يَوْمٍ لَمْ يُعْهَدْ في الشَّرْعِ وإنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ هَدْيٍ، فَإنْ بَلَغَتْ ما يُشْتَرى بِهِ طَعامُ مِسْكِينٍ يُخَيَّرُ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ وإنْ لَمْ تَبْلُغْ إلّا ما يَشْتَرِي بِهِ مَدًّا مِنَ الحِنْطَةِ مَثَلًا يُخَيِّرُ بَيْنَ أنْ يُطْعِمَ ذَلِكَ المِقْدارَ وبَيْنَ أنْ يَصُومَ يَوْمًا كامِلًا لِما قُلْنا فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (مِنَ النَّعَمِ) تَفْسِيرًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ التَّخْيِيرِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جُزِيَ بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، ونَظَرَ فِيهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ لِأنَّ قِراءَةَ رَفْعِ (جَزاءٌ) و(مِثْلُ) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مُماثِلًا مِنَ النَّعَمِ لِلصَّيْدِ فَإنْ كانَ الجَزاءُ القِيمَةَ فَلَيْسَ مُماثِلًا لَهُ مِنها بَلِ الجَزاءُ قِيمَةٌ يُشْتَرى بِها مُماثِلٌ، وأجابَ في الكَشْفِ أنَّ ما يُشْتَرى بِالجَزاءِ جَزاءٌ أيْضًا فَإنَّ طَعامَ المَساكِينِ جَزاءٌ بِالإجْماعِ وهو مُشْتَرًى بِالقِيمَةِ والحاصِلُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَزاءٌ وأنَّهُ اشْتَرى بِالجَزاءِ ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما، وادَّعى صاحِبُ الهِدايَةِ أنَّ (مِنَ النَّعَمِ) بَيانٌ لِما قَتَلَ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَجَزاءٌ هو قِيمَةُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ بِمَعْنى القِيمَةِ، وحَمْلُ النَّعَمِ عَلى النَّعَمِ الوَحْشِيِّ لِأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ بِقَتْلِهِ لا بِقَتْلِ الحَيَوانِ الأهْلِيِّ، وقَدْ ثَبَتَ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيُّ أنَّ النَّعَمَ كَما تُطْلَقُ عَلى الأهْلِيِّ في اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلى الوَحْشِيِّ وكانَ كَلامُ أبِي البَقاءِ حَيْثُ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِنَ النَّعَمِ) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قَتَلَ) لِأنَّ المَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ مَبْنِيًّا عَلى هَذا وهو مَعَ بُعْدِ إرادَتِهِ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ خِلافُ المُتَبادِرِ إلى نَفْسِهِ فَإنَّ المَشْهُورَ أنَّ النَّعَمَ في اللُّغَةِ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ دُونَ ما ذُكِرَ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ وذَكَرَ أنَّهُ إذا أُفْرِدَتِ الإبِلُ قِيلَ لَها نَعَمٌ أيْضًا، وإنْ أُفْرِدَتِ البَقَرُ والغَنَمُ تُسَمّى نَعَمًا وقالَ مُحَمَّدٌ ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ ومالِكٍ والإمامِيَّةِ أيْضًا: المُرادُ بِالمِثْلِ والنَّظِيرِ في المَنظَرِ فِيما لَهُ نَظِيرٌ في ذَلِكَ لا في القِيمَةِ فَفي الظَّبْيِ شاةٌ وفي الضَّبْعِ شاةٌ وفي الأرْنَبِ عَناقٌ وفي اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ وفي النَّعامَةِ بَدَنَةٌ وفي حِمارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ مِثْلَ المَقْتُولِ مُقَيَّدًا بِالنَّعَمِ فَمَنِ اعْتَبَرَ بِالقِيمَةِ فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَعَمٍ ولِأنَّ الصَّحابَةَ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وعُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ أوْجَبُوا في النَّعامَةِ بَدَنَةً، وفي حِمارِ الوَحْشِ بَقَرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ وجاءَ عَنِ النَّبِيِّ  كَما رَواهُ أبُو داوُدَ: «الضَّبْعُ صَيْدٌ وفِيهِ شاةٌ» وما لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ مِن حَيْثُ الخِلْقَةِ مِثْلُ العُصْفُورِ والحَمامِ تَجِبُ فِيهِ القِيمَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَما هو عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ وصاحِبِهِ وعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ يَعْتَبِرُ المُماثَلَةَ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ فَأوْجَبَ في الحَمامِ شاةً لِمُشابَهَةٍ بَيْنِهِما مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَعُبُّ ويَهْدِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ مَن فَدى طَيْرَ الحَرَمِ بِشاةٍ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولِأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ المَثَلَ والمَثَلُ المُطْلَقُ هو المَثَلُ صُورَةً ومَعْنى وهو المُشارِكُ في النَّوْعِ وهو غَيْرُ مُرادٍ هُنا بِالإجْماعِ فَبَقِيَ أنْ يُرادَ المَثَلُ مَعْنًى وهو القِيمَةُ وهَذا لِأنَّ المَعْهُودَ في الشَّرْعِ في إطْلاقِ لَفْظِ المَثَلِ أنْ يُرادَ المُشارِكُ في النَّوْعِ أوِ القِيمَةِ فَقَدْ قالَ تَعالى في ضَمانِ العُدْوانِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ والمُرادُ الأعَمُّ مِنها أعْنِي المُماثِلَ في النَّوْعِ إذا كانَ المُتْلَفُ مِثْلِيًّا والقِيمَةُ إذا كانَ قِيمِيًّا بِناءً عَلى أنَّهُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ، والحَيْواناتُ مِنَ القِيماتِ شَرْعًا إهْدارًا لِلْماثَلَةِ الكائِنَةِ في تَمامِ الصُّورَةِ فِيها تَغْلِيبًا لِلِاخْتِلافِ الباطِنِيِّ في أبْناءِ نَوْعٍ واحِدٍ فَما ظَنُّكَ إذا انْتَفى المُشارَكَةُ في النَّوْعِ أيْضًا فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُشاكَلَةً في بَعْضِ الصُّورَةِ كَطُولِ العُنُقِ والرِّجْلَيْنِ في النَّعامَةِ مَعَ البَدَنَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ في غَيْرِهِ، فَإذا حَكَمَ الشَّرْعُ بِانْتِفاءِ اعْتِبارِ المُماثَلَةِ مَعَ المُشاكَلَةِ في تَمامِ الصُّورَةِ ولَمْ يَضْمَنِ المُتْلَفُ بِما شارَكَهُ في تَمامِ نَوْعِهِ بَلْ بِالمِثْلِ المَعْنِيِّ فَعِنْدَ عَدَمِها وكَوْنِ المُشاكَلَةِ في بَعْضِ الهَيْئَةِ انْتِفاءَ الِاعْتِبارِ أظْهَرُ إلّا أنْ لا يُمْكِنُ وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُحَمَّلٌ يُمْكِنُ سِواهُ فالواجِبُ إذا عُهِدَ المُرادُ بِلَفْظٍ في الشَّرْعِ وتَرَدَّدَ فِيهِ في مَوْضِعٍ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ المَعْهُودِ وغَيْرِهِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ وما نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ وأنْ يُحْمَلَ ما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ  وعَنْ صَحابَتِهِ الكِرامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ الحُكْمِ بِالنَّظِيرِ عَلى أنَّهُ كانَ بِاعْتِبارِ التَّقْدِيرِ بِالقِيمَةِ إلّا أنَّ النّاسَ إذْ ذاكَ لَمّا كانُوا أرْبابَ مَواشٍ كانَ الأداءُ عَلَيْهِمْ مِنها أيْسَرَ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ وحَدِيثُ التَّقْيِيدِ بِالنَّعَمِ قَدْ عَلِمْتَ الجَوابَ عَنْهُ وذَكَرَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ المُوجِبَ الأصْلِيَّ لِلْجِنايَةِ والجَزاءَ المُماثِلَ لِلْمَقْتُولِ إنَّما هو قِيمَتُهُ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنَّ الجانِيَ يَعْمَدُ إلَيْها فَيَصْرِفُها إلى المَصارِفِ ابْتِداءً بَلْ بِاعْتِبارِ أنْ يَجْعَلَها مِعْيارًا فَيُقَدَّرُ بِها إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ فَيُقِيمُها مَقامَها فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِثْلُ ما قَتَلَ ﴾ وصْفٌ لازِمٌ لِلْجَزاءِ غَيْرُ مُفارِقٍ عَنْهُ بِحالٍ.

وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ النَّعَمِ ﴾ فَوَصْفٌ لَهُ مُعْتَبَرٌ في ثانِي الحالِ بِناءً عَلى وصْفِهِ الأوَّلِ الَّذِي هو المِعْيارُ لَهُ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الطَّعامِ والصِّيامِ فَحَقُّهُما أنْ يُعْطَفا عَلى الوَصْفِ المُفارِقِ لا عَلى الوَصْفِ اللّازِمِ فَضْلًا عَنِ العَطْفِ عَلى المَوْصُوفِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومِمّا يُرْشِدُ إلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ هو القِيمَةُ هو قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ حُكْمانِ عَدْلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ التَّقْوِيمَ هو الَّذِي يَحْتاجُ إلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ دُونَ المُماثَلَةِ في الصُّورَةِ الَّتِي يَسْتَوِي في مَعْرِفَتِها كُلُّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ.

وهَذا ظاهِرُ الوُرُودِ عَلى ظاهِرِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُرْشِدَةٌ إلى ما قُلْنا أيْضًا عَلى رَأْيِ مَن يَجْعَلُ مَدارَ المُماثِلَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ والنَّعَمِ المُشاكَلَةَ والمُضاهاةَ في بَعْضِ الأوْصافِ والهَيْئاتِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّبايُنِ بَيْنَهُما في بَقِيَّةِ الأحْوالِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَهْتَدِي إلَيْهِ مِن أساطِينِ أئِمَّةِ الِاجْتِهادِ وصَنادِيدِ أهْلِ الهِدايَةِ والرَّشادِ إلّا المُؤَيَّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ.

ألا يُرى أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومَن أسْلَفْنا ذِكْرَهُ أوْجَبُوا في قَتْلِ الحَمامَةِ شاةً بِناءً عَلى ما أُثْبِتَ بَيْنَهُما مِنَ المُماثَلَةِ في العَبِّ والهَدِيرِ مَعَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُما مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ كَما بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ بَلِ السَّمَكِ والسَّمّاكِ فَكَيْفَ يُفَوَّضُ مُعْرِفَةُ هَذِهِ الدَّقائِقِ العَوِيصَةِ إلى رَأْيِ عَدْلَيْنِ مِن آحادِ النّاسِ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا المَعْنى إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأنْواعِ لا بِالأشْخاصِ فَبَعْدَ ما عُيِّنَ بِمُقابَلَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الصَّيْدِ نَوْعٌ مِنَ النَّعَمِ يَتِمُّ الحُكْمُ ولا يَبْقى عِنْدَ وُقُوعِ خُصُوصِيّاتِ الحَوادِثِ حاجَةٌ إلى حُكْمٍ أصْلًا وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ذُو عَدْلٍ) وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى إرادَةِ الإمامِ، وقِيلَ: إنَّ ذُو تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالُ مِن لِلتَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ ولَيْسَ المُرادُ بِها هُنا لِلْوَحْدَةِ بَلْ لِلتَّعَدُّدِ ويُرادُ مِنهُ اثْنانِ لِأنَّهُ أقَلُّ مَراتِبِهِ، وفي الهِدايَةِ قالُوا: والعَدْلُ الواحِدُ يَكْفِي والمُثَنّى أوْلى لِأنَّهُ أحْوَطُ وأبْعَدُ مِنَ الغَلَطِ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى حَمْلِ ذُو عَلى المُتَعَدِّدِ ولا عَلى الإمامِ بَلِ المُرادُ مِنها الواحِدُ إمامًا كانَ أوْ غَيْرَهُ ومَنِ اشْتَرَطَ الِاثْنَيْنِ حَمَلَ العَدَدَ في الآيَةِ عَلى القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ عَلى الأوْلَوِيَّةِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِجَزاءٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِهِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: حالٌ مِنهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ الهُمامِ عَلى قِراءَةِ رَفْعِ (جَزاءٍ) وإضافَتِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمِثْلٍ كَما أنْ تَكُونَ صِفَةً لِجَزاءٍ لِأنَّ مِثْلًا لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ فَجازَ وصْفُها ووَصْفُ ما أُضِيفَ إلَيْها بِالجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَدْيًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) كَما قالَ الفارِسِيُّ أوْ مِن (جَزاءٌ) بِناءً عَلى أنَّهُ خَبَرٌ أوْ مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً في رَأْيٍ أوْ بَدَلٌ مِن (مِثْلُ) فِيمَن نَصَبَهُ أوْ مِن مَحَلِّهِ فِيمَن جَرَّهُ أوْ نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ يَهْدِيهِ هَدْيًا والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِجَزاءٍ ﴿ بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ صِفَةٌ لَهَدْيًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ﴿ أوْ كَفّارَةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِجَزاءٍ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طَعامُ مَساكِينَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ عِنْدَ مَن يَراهُ كالفارِسِيِّ في النَّكِراتِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي طَعامُ مَساكِينَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ عَطَفٌ عَلى (طَعامُ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلَيْهِ و (صِيامًا) تَمْيِيزٌ.

وخُلاصَةُ الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ أوْ فالواجِبُ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِلْمَقْتُولِ هو مِنَ النَّعَمِ أوْ طَعامُ مَساكِينَ أوْ صِيامٌ بِعَدَدِهِمْ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ المُماثَلَةُ وصْفًا لازِمًا لِلْجَزاءِ يُقَدَّرُ بِهِ الهَدْيُ والطَّعامُ والصِّيامُ أمّا الأوَّلانِ فَبِلا واسِطَةٍ وأمّا الثّالِثُ فَبِواسِطَةِ الثّانِي فَيَخْتارُ الجانِي كُلًّا مِنها بَدَلًا عَنِ الآخَرِينَ وكَوْنُ الِاخْتِيارِ لِلْجانِي هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَعِنْدَهُما إذا ظَهَرَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِحُكْمِ الحَكَمَيْنِ وهي تَبْلُغُ هَدْيًا فَلَهُ الخِيارُ في أنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا أوْ طَعامًا أوْ صَوْمًا لِأنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَن عَلَيْهِ فَيَكُونُ الخِيارُ إلَيْهِ لِيَرْتَفِقَ بِما يَخْتارُ كَما في كَفّارَةِ اليَمِينِ.

وقالَ مُحَمَّدٌ وحَكاهُ أصْحابُنا عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا: إنَّ الخِيارَ إلى الحَكَمَيْنِ في تَعْيِينِ أحَدِ الأشْياءِ فَإنْ حَكَما بِالهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلى ما مَرَّ وإنْ حَكَما بِالطَّعامِ أوِ الصِّيامَ فَعَلى ما قالَهُ الإمامُ وصاحِبُهُ مِنِ اعْتِبارِ القِيمَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى واسْتُدِلَّ كَما قِيلَ عَلى ذَلِكَ بِالآيَةِ ووَجْهُهُ أنَّهُ ذَكَرَ الهَدْيَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ المُبْهَمِ العائِدِ عَلى (مِثْلُ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ ﴾ سَواءٌ كانَ حالًا مِنهُ كَما قَدَّمْنا أوْ تَمْيِيزًا عَلى ما قِيلَ فَيُثْبِتُ أنَّ المِثْلَ إنَّما يَصِيرُ هَدْيًا بِاخْتِيارِهِما وحُكْمِهِما أوْ هو مَفْعُولٌ لِحُكْمِ الحاكِمِ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ مَحْمُولًا عَلى مَحَلِّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ التَّعْيِينَ إلى الحَكَمَيْنِ.

ثُمَّ لَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ في الهَدْيِ ثَبَتَ في الطَّعامِ والصِّيامِ لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَطَفَهُما عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ (أوْ) وهي عِنْدَ غَيْرِ الشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في رِوايَةِ التَّخْيِيرِ فَيَكُونُ الخِيارُ إلَيْهِما، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِنا بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ كَفّارَةً مَعْطُوفَةً عَلى (هَدْيًا) ولَيْسَ كَذَلِكَ لِاخْتِلافِ إعْرابِهِما وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (فَجَزاءٌ) بِدَلِيلِ أنَّهُ مَرْفُوعٌ وكَذا قَوْلُهُ: (أوْ عَدْلُ) إلَخْ فَلَمْ يَكُنْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِيارٍ لِلْحَكَمَيْنِ في الطَّعامِ والصِّيامِ وإذا لَمْ يَثْبُتِ الخِيارُ فِيهِما لِلْحَكَمَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ في الهَدْيِ لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ وإنَّما يُرَجَّحُ إلَيْهِما في تَقْدِيمِ المُتْلَفِ لا غَيْرَ، ثُمَّ الِاخْتِيارُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى مَن عَلَيْهِ رِفْقًا بِهِ عَلى أنَّ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما قالَهُ أكْمَلُ الدِّينِ في العِنايَةِ إشْكالًا لِأنَّ ذِكْرَ الطَّعامِ والصِّيامِ بِكَلِمَةٍ أوْ يُفِيدُ المَطْلُوبَ إلّا إذا كانَ (كَفّارَةٌ) مَنصُوبًا عَلى ما هو قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ وهي شاذَّةٌ، والشّافِعِيُّ لا يَرى الِاسْتِدْلالَ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ لا مِن حَيْثُ أنَّها كِتابٌ ولا مِن حَيْثُ أنَّها خَبَرٌ كَما عُرِفَ في الأُصُولِ واعْتَرَضَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ عَلى عَطْفِ (كَفّارَةٌ) عَلى (جَزاءٌ) وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ بِأنَّهُ يَبْقى حِينَئِذٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يُقَدَّرُ بِهِ الطَّعامُ والصِّيامُ، والِالتِجاءُ إلى القِياسِ عَلى الهَدْيِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وقَدْ عَلِمْتَ ما اخْتارَهُ، والآيَةُ عَلَيْهِ أيْضًا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى مُدَّعِي الخَصْمِ كَما هو ظاهِرٌ عَلى أنَّ الظّاهِرَ مِنها كَما قالَهُ ابْنُ الهُمامِ أنَّ الِاخْتِيارَ لِمَن عَلَيْهِ، فَإنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ المَحْذُوفِ مِنَ الخَبَرِ أوْ مُتَعَلِّقِ المُبْتَدَإ إلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ إذا وقَعَ الِاخْتِيارُ عَلى الهَدْيِ ما يَجْزِيهِ في الأُضْحِيَّةِ وهو الجَذَعُ الكَبِيرُ مِنَ الضَّأْنِ أوِ الثَّنِيِّ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لِأنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الهَدْيِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَما في هَدْيِ المُتْعَةِ والقِرانِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ اسْمَ الهَدْيِ قَدْ يَنْصَرِفُ إلى غَيْرِهِ كَما إذا قالَ: إذا فَعَلْتُ كَذا فَثَوْبِي هَذا هَدْيٌ فَلْيَكُنْ في مَحَلِّ النِّزاعُ كَذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ في مُطْلَقِ الهَدْيِ وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ إلى الثَّوْبِ قَيَّدَتْهُ وعِنْدَ مَحْمُودٍ يُجْزِئُ صِغارُ النَّعَمِ لِأنَّ الصَّحابَةَ كَما تَقَدَّمَ أوْجَبُوا عَناقًا وجَفْرَةً فَدَلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في بابِ الهَدْيِ وعَنْ أبِي يُوسُفَ رِوايَتانِ رِوايَةٌ كَقَوْلِ الإمامِ وأُخْرى كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وهي الَّتِي في المَبْسُوطِ والأسْرارِ وغَيْرِهِما وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الصِّغارُ عَلى وجْهِ الإطْعامِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كانَ عَلى هَذا الِاعْتِبارِ فَمُجَرَّدُ فِعْلِهِمْ حِينَئِذٍ لا يُنافِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ فَلا يَنْتَهِضُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وإذا اخْتارَ الهَدْيَ وبَلَغَ ما يُضَحّى بِهِ فَلا يَذْبَحُ إلّا بِالحَرَمِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ إلّا أنْ ذِكْرَ الكَعْبَةِ لِلتَّعْظِيمِ، ولَوْ ذَبَحَهُ في الحِلِّ لا يَجْزِيهِ عَنِ الهَدْيِ بَلْ عَنِ الإطْعامِ، فَيُشْتَرَطُ أنْ يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صاعٍ حِنْطَةً أوْ صاعٍ مِن غَيْرِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِالشّاةِ الواقِعَةِ هَدْيًا عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ كَما في هَدْيِ المُتْعَةِ، ولا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الجَزاءِ عَلى مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لَهُ، ويَجُوزُ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ والمُسْلِمُ أحَبُّ، ولَوْ أكَلَ مِنَ الجَزاءِ غَرِمَ قِيمَةَ ما أكَلَ ولا يُشْتَرَطُ في الإطْعامِ أنْ يَكُونَ في الحَرَمِ ونَقَلُوا عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ اعْتِبارًا لَهُ بِالهَدْيِ والجامِعِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلى سُكّانِ الحَرَمِ، ونَحْنُ نَقُولُ: الهَدْيُ قُرْبَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَيَخْتَصُّ بِمَكانٍ أوْ زَمانٍ، أمّا الصَّدَقَةُ فَقُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ كالصَّوْمِ فَإنَّهُ يَجُوزُ في غَيْرِ الحَرَمِ بِالإجْماعِ فَإنْ ذَبَحَ في الكُوفَةِ مَثَلًا أجْزَأهُ عَنِ الطَّعامِ إذا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ، وفِيهِ وفاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعامِ لِأنَّ الإراقَةَ تَنُوبُ عَنْهُ ولَوْ سَرَقَ هَذا المَذْبُوحَ أوْ ضاعَ قَبْلَ التَّصَدُّقِ بِهِ بَقِيَ الواجِبُ عَلَيْهِ كَما كانَ، وهَذا بِخِلافِ ما لَوْ كانَ الذَّبْحُ في الحَرَمِ حَيْثُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ وإنْ سَرَقَ المَذْبُوحَ أوْ ضاعَ قَبْلَ التَّصَدُّقِ بِهِ، وإذا وقَعَ الِاخْتِيارُ عَلى الطَّعامِ يُقَوَّمُ المُتْلَفُ بِالقِيمَةِ ثُمَّ يُشْتَرى بِالقِيمَةِ طَعامٌ ويُتَصَدَّقُ بِهِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا، وفي الهِدايَةِ يُقَوَّمُ المُتْلَفُ بِالطَّعامِ عِنْدَنا لِأنَّهُ المَضْمُونُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ ونَقَلَ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يُقَوَّمُ النَّظِيرُ لِأنَّهُ الواجِبُ عَيْنًا إذا كانَ لِلْمَقْتُولِ نَظِيرٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوَسَلَّمَأنَّ النَّظِيرَ هو الواجِبُ عَيْنًا عِنْدَ اخْتِيارِ الهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِهِ عِنْدَ اخْتِيارِ خَصْلَةٍ أُخْرى فَكَيْفَ وهو مَمْنُوعٌ، وإنِ اخْتارَ الصِّيامَ فَعَلى ما في الهِدايَةِ يُقَوَّمُ المَقْتُولُ طَعامًا ثُمَّ يَصُومُ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا عَلى ما مَرَّ لِأنَّ تَقْدِيرَ الصِّيامِ بِالمَقْتُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إذْ لا قِيمَةَ لِلصِّيامِ فَقَدَّرْناهُ بِالطَّعامِ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْهُودٌ في الشَّرْعِ كَما في الفِدْيَةِ، وتَمامُ البَحْثِ في الفُرُوعِ والكَفّارَةِ والطَّعامِ في الآيَةِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ ولَوْ أُبْقِيا عَلى الظّاهِرِ لَصَحَّ هَذا، وما ذَكَرْناهُ مِن عَطْفِ (كَفّارَةٌ) إنَّما هو عَلى قِراءَةِ (جَزاءٌ) بِالرَّفْعِ وعَلى سائِرِ القِراءاتِ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (مِنَ النَّعَمِ) وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ يَجُوزُ في (كَفّارَةٌ) عَلى قِراءَةِ (جَزاءً) بِالنَّصْبِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيِ الواجِبُ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ وأنْ يُقَدَّرَ هُناكَ فِعْلٌ أيْ أنْ يَجْزِئَ جَزاءً فَيَكُونُ (أوْ كَفّارَةً) عَطْفًا عَلى أنْ يُجْزِئَ وهو مُبْتَدَأٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ خَبَرُهُ، وقُرِئَ (أوْ كَفّارَةُ طَعامِ مَساكِينَ) عَلى الإضافَةِ لِتَبْيِينِ نَوْعِ الكَفّارَةِ بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى المُكَفَّرِ بِهِ وهي عامَّةٌ تَشْمَلُ الطَّعامَ وغَيْرَهُ، وكَذا الطَّعامُ يَكُونُ كَفّارَةً وغَيْرَها، فَبَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ كَخاتَمِ حَدِيدٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الطَّعامَ لَيْسَ جِنْسًا لِلْكَفّارَةِ إلّا بِتَجَوُّزٍ بَعِيدٍ جِدًّا فالإضافَةُ إنَّما هي إضافَةُ المُلابَسَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَرَأ الأعْرَجُ (أوْ كَفّارَةُ طَعامِ مِسْكِينٍ) عَلى أنَّ التَّبْيِينَ يَحْصُلُ بِالواحِدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ وقُرِئَ (أوْ عِدْلُ) بِكَسْرِ العَيْنِ والفَرْقُ بَيْنَهُما إنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ كَما قالَ الفَرّاءُ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كالصَّوْمِ والإطْعامِ وعِدْلَهُ ما عُدِلَ بِهِ في المِقْدارِ كَأنَّ المَفْتُوحَ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ والمَكْسُورَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: العَدْلُ والعِدْلُ كِلاهُما بِمَعْنى المِثْلِ سَواءً كانَ مِنَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: العَدْلُ والعِدْلُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ بِالفَتْحِ فِيما يُدْرَكُ بِالبَصِيرَةِ كالأحْكامِ وبِالكَسْرَةِ فِيما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ كالعَدِيلِ بِالفَتْحِ هو التَّقْسِيطُ عَلى سَواءٍ وعَلى هَذا رُوِيَ: «بِالعَدْلِ قامَتِ السَّمَواتُ» تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ رُكْنٌ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ في العالَمِ زائِدًا عَلى الآخَرِ أوْ ناقِصًا عَنْهُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ لَمْ يَكُنِ العالَمُ مُنْتَظِمًا (لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ المُقَدَّرُ وقِيلَ: بِـ (جَزاءٍ) وقِيلَ: بِصِيامٍ أوْ بِطَعامٍ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو جُوزِيَ أوْ شَرَعْنا ذَلِكَ ونَحْوِهِ، والوَبالُ في الأصْلِ الثِّقْلُ ومِنهُ الوابِلُ لِلْمَطَرِ الكَثِيرِ والوَبِيلُ لِلطَّعامِ الثَّقِيلِ الَّذِي لا يَسْرِعُ هَضْمُهُ والمَرْعى الوَخِيمُ ولِخَشَبَةِ القِصارِ، وضَمِيرُ (أمْرِهِ) إمّا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِمَن قَتَلَ الصَّيْدَ أيْ لِيَذُوقَ ثِقَلَ فِعْلِهِ وسُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِ حُرْمَةِ ما هو فِيهِ أوِ الثِّقْلَ الشَّدِيدَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى القَوِيِّ وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا وبالَ فِيهِ وإنَّما الوَبالُ في مُخالَفَتِهِ ﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ لَكم مِنَ الصَّيْدِ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ، فَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ إثْمًا ولَمْ يُوجِبْ جَزاءً أوْ لَمْ يُؤاخِذْكم عَلى ما كانَ مِنكم في الجاهِلِيَّةِ مِن ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ أيْضًا حَيْثُ كُنْتُمْ عَلى شَرِيعَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والصَّيْدُ مُحَرَّمٌ فِيها، وقَدْ مَرَّ رِوايَةُ التَّحْرِيمِ بِالجاهِلِيَّةِ والمُؤاخَذَةِ عَلى قَتْلِ الصَّيْدِ بِالضَّرْبِ الوَجِيعِ ﴿ ومَن عادَ ﴾ إلى مِثْلِ ذَلِكَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا وهو مُحْرِمٌ ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ أيْ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ لِأنَّ الجَزاءَ إذا وقَعَ مُضارِعًا مُثْبَتًا لَمْ تَدْخُلْهُ الفاءُ لِشِبْهِ المُبْتَدَإ بِالشَّرْطِ وهي زائِدَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى إضْمارِ المُبْتَدَإ، والمُرادُ بِالِانْتِقامِ التَّعْذِيبُ في الآخِرَةِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَعَنْ عَطاءٍ وإبْراهِيمَ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ والجُمْهُورِ أنَّها واجِبَةٌ عَلى العائِدِ فَيَتَكَرَّرُ الجَزاءُ عِنْدَهم بِتَكَرُّرِ القَتْلِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وشُرَيْحٍ أنَّهُ إنْ عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكَفّارَةٍ حَتّى أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ المُسْتَفْتِي هَلْ أصَبْتَ شَيْئًا قَبْلَهُ فَإنَّ قالَ: نَعَمْ لَمْ يَحْكم عَلَيْهِ، وإنْ قالَ لا حُكْمَ عَلَيْهِ تَعَلُّقًا بِظاهِرِ الآيَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ وعِيدَ العائِدِ لا يُنافِي وُجُوبَ الجَزاءِ عَلَيْهِ وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ لِعِلْمِهِ فِيما مَضى، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ (ومَن عادَ) بَعْدَ التَّحْرِيمِ إلى ما كانَ قَبْلَهُ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وأمّا حَمْلُ الِانْتِقامِ عَلى الِانْتِقامِ في الدُّنْيا بِالكَفّارَةِ وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وكَذا كَوْنُ المُرادِ يَنْتَقِمُ مِنهُ إذا لَمْ يُكَفِّرْ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيما إذا اضْطُرَّ مُحْرِمٌ إلى أكْلِ المَيْتَةِ أوِ الصَّيْدِ فَقالَ زُفَرُ: يَأْكُلُ المَيْتَةَ لا الصَّيْدَ لِتَعَدُّدِ جِهاتِ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةِ وأبُو يُوسُفَ: يَتَناوَلُ الصَّيْدَ ويُؤَدِّي الجَزاءَ لِأنَّ حُرْمَةَ المَيْتَةَ أغْلَظُ ألا تَرى أنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالخُرُوجِ مِنَ الإحْرامِ فَهي مُؤَقَّتَةٌ بِخِلافِ حُرْمَةِ المَيْتَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْصِدَ أخَفَّ الحُرْمَتَيْنِ دُونَ أغْلَظِهِما، والصَّيْدُ وإنْ كانَ مَحْظُورَ الإحْرامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَرْتَفِعُ الحَظْرُ فَيَقْتُلُهُ ويَأْكُلُ مِنهُ ويُؤَدِّي الجَزاءَ كَما في المَبْسُوطِ وفِي الخانِيَةِ المُحْرِمُ إذا اضْطُرَّ إلى مَيْتَةٍ وصَيْدٍ فالمَيْتَةُ أوْلى في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ وقالَ أبُو يُوسُفَ والحَسَنُ: يَذْبَحُ الصَّيْدَ، ولَوْ كانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فالصَّيْدُ أوْلى عِنْدَ الكُلِّ ولَوْ وجَدَ لَحْمَ صَيْدٍ ولَحْمَ آدَمِيٍّ كانَ لَحْمُ الصَّيْدِ أوْلى، ولَوْ وجَدَ صَيْدًا وكَلْبًا فالكَلْبُ أوْلى لِأنَّ في الصَّيْدِ ارْتِكابَ مَحْظُورَيْنِ وعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أوْلى مِن لَحْمِ الخِنْزِيرِ انْتَهى، وفي هَذا خِلافُ ما ذُكِرَ في المَبْسُوطِ ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ ﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ 59 - شَدِيدٌ فَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ يَتَعَدّى حُدُودَهُ ويُخالِفُ أوامِرَهُ ويُصِرُّ عَلى مَعاصِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ يعني: ليختبرنّكم الله.

والاختبار من الله هو إظهار ما علم منهم بشيء من الصيد.

يعني: ببعض الصيد.

فتبعيضه يحتمل أن يكون معناه: ما داموا في الإحرام، فيكون ذلك بعض الصيد، ويحتمل أن يكون على معنى التخصيص، يحمل ذلك على وجه تبيين جنس من الأجناس كما قال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] ويحتمل بعض الصيد، يعني صيد البر دون صيد البحر، تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ يعني: تأخذونه بأيديكم بغير سلاح، مثل البيض والفراخ، وَرِماحُكُمْ يعني: تأخذونه بسلاحكم، وهو الكبار من الصيد، لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ يعني: يميز الله من يخاف من الذين لا يخافون.

وبيّن فضل الخائفين: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ يعني: من أخذ الصيد بعد النهي فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: وجيع يعني الكفارة والتعذيب في الدنيا والآخرة، والعذاب إن مات بغير توبة.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني: وأنتم محرمون ويقال: وأنتم محرمون أو في الحرم.

ثم بيّن الكفارة فقال: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يعني: عليه الفداء مثل ما قتل.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي: فَجَزاءٌ مِثْلُ بتنوين الهمزة وبضم اللام.

وقرأ الباقون: بالضم بغير تنوين وبكسر اللام.

فأما من قرأ: بالتنوين.

فمعناه: فعليه جزاء، ثم صار المثل نعتاً للجزاء.

وأما من قرأ: بغير تنوين فعلى معنى الإضافة إلى الجزاء يعني: عليه جزاء ما قتل من النعم، يشتري بقيمته من النعم ويذبحه.

يعني: إذا كان المقتول يوجد النعم.

ثم قال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني: رجلان مسلمان عدلان ينظران إلى قيمة المقتول، ثم يشتري بقيمته هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ يعني: يبلغ بالهدي مكة ويذبحه هناك ويتصدق بلحمه على الفقراء.

أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ يعني: إن شاء يشتري بقيمته طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من حنطة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يعني: يصوم مكان كل نصف صاع من حنطة يوماً.

قال ابن عباس: إنما يقوّم لكي يعرف مقدار الصيام من الطعام فهو بالخيار بين هذه الأشياء الثلاثة إن شاء أطعم، وإن شاء أهدى، وإن شاء صام.

قرأ نافع وابن عامر: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ بغير تنوين على معنى الإضافة.

وقرأ الباقون كَفَّارَةٌ بالتنوين والطعام نعتاً لها.

ثم قال: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ يعني: عقوبة ذنبه لكي يمتنع عن قتل الصيد.

عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يعني: عما مضى قبل التحريم وَمَنْ عادَ بعد التحريم فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يعني: يعاقبه الله تعالى.

ومع ذلك يجب عليه الكفارة.

وقال بعضهم: لا يجب عليه الكفارة إذا قتل مرة أخرى.

وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه، ثم يصيبه أيضاً قال: لا يحكم عليه، وتلا هذه الآية وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فذلك إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عاقبه.

وعن شريح: أن رجلاً أتاه فسأله أن يحكم عليه فقال له شريح: هل أصبت صيداً قبله؟

قال: لا.

قال: لو كنت أصبته قبل ذلك لم أحكم عليك.

وقال بعضهم: سواء قتل قبل ذلك أو لم يقتل فهو سواء.

لأنه قاتل في المرة الثانية كما هو قاتل في المرة الأولى.

وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم أنهم حكموا ولم يسألوه أنك أصبت قبل ذلك أم لا.

وروى ابن جريج عن عطاء أنه سئل عن قوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ قال: يعني: ما كان في الجاهلية.

ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، ومع ذلك عليه الكفارة.

وروى سعيد بن جبير مثله.

وقد قال بعض الناس: إنه إذا قتل خطأ فلا تجب عليه الكفارة.

وهذا القول ذكر عن طاوس اليماني.

وقال غيره: تجب عليه الكفارة.

وروى ابن جريج عن عطاء قال سألت عن قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فلو قتله خطأ أيغرم؟

قال: نعم يعظم بذلك حرمات الله.

ومضت به السنن.

وعن الحسن قال: يحكم عليه في الخطأ والعمد.

وعن إبراهيم النخعي وعن مجاهد مثله.

وبهذا القول نأخذ ونقول: بأن العمد والخطأ سواء، والمرة الأولى والثانية سواء.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ من أهل المعصية آخذ الصيد بعد التحريم.

ويقال: وَمَنْ عادَ مستحلاً أو مستخفاً بأمر الله تعالى فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يعني: يعذبه الله تعالى وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ يعذب من عصاه.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...

الآية: الصَّيْد:

مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» «١» ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره:

معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه «٢» ، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم

مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له.

وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد:

القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه «١» ، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع «٢» وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ» ، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ «٣» وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس.

قال ابنُ وهْب في «العتبية» : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة» : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟

فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.

وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ.

واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة «١» ، والصوم حيث شِئْتَ.

وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه:

عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ...

الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة «٢» ، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر.

قال ع «٣» : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه) ، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ «٤» كما قال اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من خاف أدلج «٥» ، ومن

أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» «١» ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ...

الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك.

ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله «٣» ، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح «٤» لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم «٥» .

ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر» ، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ:

معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض.

انتهى من «الهداية» .

والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن أيِّ وجْهٍ تَقَعُ البَلْوى، وفي أيِّ زَمانٍ، وما عَلى مَن قَتَلَهُ بَعْدَ النَّهْيِ؟

.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: وأنْتُمْ في الحَرَمِ، يُقالُ: أحْرَمَ، إذا دَخَلَ في الحَرَمِ، وأنْجَدَ: إذا أتى نَجْدًا.

والثّالِثُ: الجَمْعُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: أنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَأمّا قَتْلُهُ خَطَأً، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كالعَمْدِ، قالَهُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، والجُمْهُورُ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالعَمْدِ، وجَرَتِ السُّنَّةُ في الخَطَأِ، يَعْنِي: ألْحَقَتِ المُخْطِئَ بِالمُتَعَمِّدِ في وُجُوبِ الجَزاءِ.

ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الضَّبُعُ صَيْدٌ وفِيهِ كَبْشٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ"» وهَذا عامٌّ في العامِدِ والمُخْطِئِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أفادَ تَخْصِيصَ العَمْدِ بِالذِّكْرِ ما ذُكِرَ في أثْناءِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ، وإنَّما يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالعامِدِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ، وسالِمٌ، والقاسِمُ، وداوُدُ.

وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: أصَحُّهُما الوُجُوبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ﴾ مُضافَةً وبِخَفْضِ "مِثْلٍ" .

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَجَزاءٌ" مُنَوَّنٌ "مِثْلُ" مَرْفُوعٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن أضافَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ النَّعَمِ ﴾ يَكُونُ صِفَةً لِلْجَزاءِ، وإنَّما قالَ: مِثْلَ ما قَتَلَ، وإنَّما عَلَيْهِ جَزاءُ المَقْتُولِ لا جَزاءُ مِثْلِهِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: أنا أُكْرِمُ مِثْلَكَ، يُرِيدُونَ: أنا أُكْرِمُكَ، فالمَعْنى: جَزاءُ ما قَتَلَ.

وَمَن رَفَعَ "المِثْلَ"، فالمَعْنى: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مِنَ النَّعَمِ مُماثِلٌ لِلْمَقْتُولِ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّعَمُ: الإبِلُ، وقَدْ يَكُونُ البَقَرُ والغَنَمُ، والأغْلَبُ عَلَيْها الإبِلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: النَّعَمُ في اللُّغَةِ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فَإنِ انْفَرَدَتِ الإبِلُ، قِيلَ لَها: نَعَمٌ، وإنِ انْفَرَدَتِ البَقَرُ والغَنَمُ، لَمْ تُسَمَّ نَعَمًا.

* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والصَّيْدُ الَّذِي يَجِبُ الجَزاءُ بِقَتْلِهِ: ما كانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ، كالغَزالِ، وحِمارِ الوَحْشِ، والنَّعامَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ كانَ مُتَوَلِّدًا مِن حَيَوانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، كالسِّمْعِ، فَإنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الضَّبُعِ، والذِّئْبِ، وما عَدا ذَلِكَ مِنَ السِّباعِ كُلِّها، فَلا جَزاءَ عَلى قاتِلِها؛ سَواءٌ ابْتَدَأ قَتْلَها، أوْ عَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَها دَفَعًا عَنْ نَفْسِهِ، لِأنَّ السَّبُعَ لا مِثْلَ لَهُ صُورَةً ولا قِيمَةً، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الآيَةِ، ولِأنَّ النَّبِيَّ  أجازَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الحَيَّةِ، والعَقْرَبِ، والفُوَيْسِقَةِ، والغُرابِ، والحِدَأةِ، والكَلْبِ العَقُورِ، والسُّبُعِ العادِي.

قالَ: والواجِبُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فِيما لَهُ مِثْلٌ مِنَ الأنْعامِ مِثْلُهُ، وفِيما لا مِثْلَ لَهُ قِيمَتُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الواجِبُ فِيهِ القَيِمَةُ، وحَمَلَ المِثْلَ عَلى القِيمَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ ما قالَ، ولِأنَّ الصَّحابَةَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى المِثْلِ مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِثْلُ: النَّظِيرُ، فَفي الظَّبْيَةِ شاةٌ، وفي النَّعامَةِ بَعِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالجَزاءِ، وإنَّما ذَكَرَ اثْنَيْنِ، لِأنَّ الصَّيْدَ يَخْتَلِفُ في نَفْسِهِ، فافْتَقَرَ الحُكْمُ بِالمِثْلِ إلى عَدْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي: مِن أهْلِ مِلَّتِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَحْكُمانِ بِهِ مُقَدَّرًا أنْ يُهْدى.

ولَفَظُ قَوْلِهِ "بالِغَ الكَعْبَةِ" لَفْظُ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ: النَّكِرَةُ.

والمَعْنى: بالِغًا الكَعْبَةَ، إلّا أنَّ التَّنْوِينَ حُذِفَ اسْتِخْفافًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أتى مَكَّةَ ذَبَحَهُ.

وتَصَدَّقَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كَفّارَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ كَفّارَةٌ" مُنَوَّنًا (طَعامٌ) رَفَعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ كَفّارَةُ" رَفْعًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ ﴿ طَعامُ مَساكِينَ ﴾ عَلى الإضافَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن رَفَعَ ولَمْ يُضِفْ، جَعَلَهُ عَطْفًا عَلى الكَفّارَةِ عَطْفَ بَيانٍ، لِأنَّ الطَّعامَ هو الكَفّارَةُ، ولَمْ يُضِفِ الكَفّارَةَ إلى الطَّعامِ، لِأنَّ الكَفّارَةَ لِقَتْلِ الصَّيْدِ، لا لِلطَّعامِ، ومَن أضافَ الكَفّارَةَ إلى الطَّعامِ، فَلِأنَّهُ لَمّا خَيَّرَ المُكَفِّرَ بَيْنَ الهَدْيِ، والطَّعامِ، والصِّيامِ، جازَتِ الإضافَةُ لِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: كَفّارَةُ طَعامٍ، لا كَفّارَةُ هَدْيٍ، ولا صِيامٍ.

والمَعْنى: أوْ عَلَيْهِ بَدَلُ الجَزاءِ والكَفّارَةِ، وهي طَعامُ مَساكِينَ.

وهَلْ يُعْتَبَرُ في إخْراجِ الطَّعامِ قِيمَةُ النَّظِيرِ، أوْ قِيمَةُ الصَّيْدِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قِيمَةُ النَّظِيرِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

والثّانِي: قِيمَةُ الصَّيْدِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ.

وَفِي قَدْرِ الإطْعامِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُدّانِ مِن بُرٍّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: مَدُّ بُرٍّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ قَرَأ أبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ: ﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ ﴾ ، بِكَسْرِ العَيْنِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (البَقَرَةِ) .

قالَ أصْحابُنا: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدِّ بُرٍّ، أوْ نِصْفِ صاعِ تَمْرٍ، أوْ شَعِيرٍ يَوْمًا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَصُومُ يَوْمًا عَنْ نِصْفِ صاعٍ في الجَمِيعِ.

وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: يَصُومُ يَوْمًا عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الجَمِيعِ.

* فَصْلٌ وَهَلْ هَذا الجَزاءُ عَلى التَّرْتِيبِ أمْ عَلى التَّخْيِيرِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ إخْراجِ النَّظِيرِ، وبَيْنَ الصِّيامِ، وبَيْنَ الإطْعامِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى التَّرْتِيبِ، إنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، اشْتَرى طَعامًا، فَإنْ كانَ مُعْسِرًا صامَ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ ﴾ أيْ: جَزاءَ ذَنْبِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "الوَبالُ": ثِقَلُ الشَّيْءِ في المَكْرُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَعامٌ وبِيلٌ، وماءٌ وبِيلٌ: إذا كانا ثَقِيلَيْنِ.

قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا  ﴾ أيْ: ثَقِيلًا شَدِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ، مِن قَتْلِهِمُ الصَّيْدَ، وهم مُحْرِمُونَ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: ما سَلَفَ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن عادَ ﴾ في الإسْلامِ، وعَلى الثّانِي: ﴿ وَمَن عادَ ﴾ ثانِيَةً بَعْدَ أُولى.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عادَ" في مَوْضِعِ يَعُودُ، وأنْشَدَ: إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحا وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ "الِانْتِقامُ": المُبالَغَةُ في العُقُوبَةِ، وهَذا الوَعِيدُ بِالِانْتِقامِ لا يَمْنَعُ إيجابَ جَزاءٍ ثانٍ إذا عادَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيِّ، وداوُدَ: أنَّهُ لا جَزاءَ عَلَيْهِ في الثّانِي، إنَّما وُعِدَ بِالِانْتِقامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أو كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أو عَدْلٍ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وهَذا النَهْيُ هو الِابْتِلاءُ الَّذِي أعْلَمَ بِهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: "لَيَبْلُوَنَّكُمُ"؛ والصَيْدَ مَصْدَرٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ فَأُوقِعَ عَلى الحَيَوانِ المَصِيدِ؛ ولَفْظُ الصَيْدِ هُنا عامٌّ؛ ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الحَيَوانَ الَّذِي أباحَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَتْلَهُ في الحَرَمِ؛ ثَبَتَ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "خَمْسُ فَواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: اَلْغُرابُ؛ والحِدَأةُ؛ والفَأْرَةُ؛ والعَقْرَبُ؛ والكَلْبُ العَقُورُ"؛» ووَقَفَ مَعَ ظاهِرِ هَذا الحَدِيثِ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ فَلَمْ يُبِيحُوا لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ شَيْءٍ سِوى ما ذُكِرَ؛ وقاسَ؛ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى الكَلْبِ العَقُورِ كُلَّ ما كَلَبَ عَلى الناسِ وعَقَرَهُمْ؛ ورَآهُ داخِلًا في اللَفْظِ؛ فَقالَ: لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَ الأسَدَ؛ والنَمِرَ؛ والفَهْدَ؛ والذِئْبَ؛ وكُلَّ السِباعِ العادِيَةِ؛ مُبْتَدِئًا بِها؛ فَأمّا الهِرُّ؛ والثَعْلَبُ؛ والضَبُعُ فَلا يَقْتُلُها المُحْرِمُ؛ وإنْ قَتَلَها فَدى؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ بَدَأ السَبُعُ المُحْرِمُ فَلَهُ أنْ يَقْتُلَهُ؛ وإنِ ابْتَدَأهُ المُحْرِمُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ والنَخَعِيُّ: لا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ السِباعِ إلّا ما عَدا عَلَيْهِ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: ما حَلَّ بِكَ مِنَ السِباعِ فَحِلَّ بِهِ؛ وأمّا فِراخُ السَبُعِ الصِغارُ قَبْلَ أنْ تَفْرُسَ؛ فَقالَ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": لا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ قَتْلُها؛ قالَ أشْهَبُ في كِتابِ "مُحَمَّدٌ": فَإنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ؛ وقالَ أيْضًا أشْهَبُ؛ وابْنُ القاسِمِ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ؛ وثَبَتَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ أمَرَ المُحْرِمِينَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ؛ وأجْمَعَ الناسُ عَلى إباحَةِ قَتْلِها؛ وثَبَتَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - إباحَةُ قَتْلِ الزُنْبُورِ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ العَقْرَبِ؛ وقالَ مالِكٌ: يُطْعِمُ قاتِلُهُ شَيْئًا؛ وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ فِيمَن قَتَلَ البُرْغُوثَ؛ والذُبابَ؛ والنَمْلَ؛ ونَحْوَهُ؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: لا شَيْءَ عَلى قاتِلِ هَذِهِ كُلِّها؛ وأمّا سِباعُ الطَيْرِ فَقالَ مالِكٌ: لا يَقْتُلُها المُحْرِمُ؛ وإنْ فَعَلَ فَدى؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في كِتابِ "مُحَمَّدٌ": وأحَبُّ إلَيَّ ألّا يَقْتُلَ الغُرابَ؛ والحِدَأةَ؛ حَتّى يُؤْذِياهُ؛ ولَكِنْ إنْ فَعَلَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَواتُ السُمُومِ كُلُّها في حُكْمِ الحَيَّةِ؛ كالأفْعى؛ والرُتَيْلا؛ وما عَدا ما ذَكَرْناهُ فَهو مِمّا نَهى اللهُ عن قَتْلِهِ في الحُرْمَةِ بِالبَلَدِ؛ أو بِالحالِّ؛ وفَرَضَ الجَزاءَ عَلى مَن قَتَلَهُ.

وَ"حُرُمٌ": جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو الَّذِي يَدْخُلُ في الحَرَمِ؛ أو في الإحْرامِ؛ وحَرامٌ؛ يُقالُ لِلذَّكَرِ؛ والأُنْثى؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "مُتَعَمِّدًا"؛ فَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ؛ ناسِيًا لِإحْرامِهِ؛ فَهَذا هو الَّذِي يُكَفِّرُ؛ وكَذَلِكَ الخَطَأُ المَحْضُ يُكَفِّرُ؛ وأمّا إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا؛ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ؛ فَهَذا أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَدْ حَلَّ؛ ولا رُخْصَةَ لَهُ؛ وقالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ بَطَلَ حَجُّهُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا يُوكَلُ إلى نِقْمَةِ اللهِ.

وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ - مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَطاءٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وطاوُسٌ ؛ وغَيْرُهم -: اَلْمُتَعَمِّدُ هو القاصِدُ لِلْقَتْلِ؛ الذاكِرُ لِإحْرامِهِ؛ وهو يُكَفِّرُ؛ وكَذَلِكَ الناسِي والقاتِلُ خَطَأً يُكَفِّرانِ؛ قالَ الزُهْرِيُّ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالعَمْدِ؛ وجَرَتِ السُنَّةُ في قَتْلِهِ خَطَأً أنَّهُما يُكَفِّرانِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: لا يَلْزَمُ القاتِلَ خَطَأً كَفّارَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "فَجَزاءُ مِثْلِ ما"؛ بِإضافَةِ الجَزاءِ إلى "مِثْلِ"؛ وخَفْضِ "مِثْلِ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "فَجَزاءُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "مِثْلُ"؛ بِالرَفْعِ أيْضًا؛ فَأمّا القِراءَةُ الأُولى؛ ومَعْناها: "فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ؛ أيْ قَضاؤُهُ؛ وغُرْمُهُ"؛ ودَخَلَتْ لَفْظَةُ "مِثْلُ" هُنا كَما تَقُولُ: "أنا أُكْرِمُ مِثْلَكَ"؛ وأنْتَ تَقْصِدُ بِقَوْلِكَ: "أنا أُكْرِمُكَ"؛ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ  ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "كَمَن هو في الظُلُماتِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَجَزاءٌ مِثْلُ"؛ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ مِثْلَ ما"؛ ثُمَّ وقَعَتِ الإضافَةُ إلى المِثْلِ؛ الَّذِي يُجْزى بِهِ؛ اتِّساعًا.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: "فالواجِبُ عَلَيْهِ"؛ أو: "فاللازِمُ لَهُ جَزاءٌ مِثْلُ ما"؛ و"مِثْلُ"؛ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ صِفَةٌ لِـ "جَزاءٌ"؛ أيْ: "فَجَزاءٌ مُماثِلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ النَعَمِ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "جَزاءٌ"؛ عَلى القِراءَتَيْنِ كِلْتَيْهِما؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما"؛ بِإظْهارِ هاءٍ؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى الصَيْدِ؛ أو عَلى الصائِدِ القاتِلِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَجَزاءٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ؛ "مِثْلَ ما"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: "مِثْلَ"؛ مَنصُوبَةٌ بِنَفْسِ الجَزاءِ؛ أيْ: "فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ مِثْلَ ما قَتَلَ".

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المُماثَلَةِ: كَيْفَ تَكُونُ؟

فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحَكَمَيْنِ يَنْظُرانِ إلى مِثْلِ الحَيَوانِ المَقْتُولِ في الخِلْقَةِ؛ وعِظَمِ المَرْأى؛ [فَيَجْعَلانَ] ذَلِكَ مِنَ النَعَمِ جَزاءَهُ؛ قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: في النَعامَةِ؛ وحِمارِ الوَحْشِ؛ ونَحْوِهِ بَدَنَةٌ؛ وفي الوَعْلِ؛ والإبِلِ؛ ونَحْوِهِ بَقَرَةٌ؛ وفي الظَبْيِ؛ ونَحْوِهِ كَبْشٌ؛ وفي الأرْنَبِ ونَحْوِهِ ثِنْيَةٌ مِنَ الغَنَمِ؛ وفي اليَرْبُوعِ حَمَلٌ صَغِيرٌ؛ وما كانَ مِن جَرادَةٍ؛ ونَحْوِها؛ فَفِيها قَبْضَةُ طَعامٌ؛ وما كانَ مِن طَيْرٍ فَيُقَوَّمُ ثَمَنُها طَعامًا؛ فَإنْ شاءَ تَصَدَّقَ بِهِ؛ وإنْ شاءَ صامَ لِكُلِّ صاعٍ يَوْمًا؛ وإنْ أصابَ بَيْضَ نَعامٍ فَإنَّهُ يُحْمَلُ الفَحْلُ عَلى عَدَدِ ما أصابَ مِن بَكارَةِ الإبِلِ؛ فَما نَتَجَ مِنها أهْداهُ إلى البَيْتِ؛ وما فَسَدَ مِنها فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: حَكَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عَلى قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ في الظَبْيِ بِشاةٍ؛ وحَكَمَ هو وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؛ قالَ قَبِيصَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ إنَّ أمْرَهُ أهْوَنُ مِن أنْ تَدْعُوَ مَن يَحْكُمُ مَعَكَ؛ قالَ: فَضَرَبَنِي بِالدِرَّةِ حَتّى سابَقْتُهُ عَدْوًا؛ ثُمَّ قالَ: أقَتَلْتَ الصَيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ ثُمَّ تُغْمِضُ الفَتْوى؟

وهَذِهِ القِصَّةُ في "اَلْمُوَطَّأُ"؛ بِغَيْرِ هَذِهِ الألْفاظِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِصاحِبٍ لِقَبِيصَةَ؛ وقَبِيصَةُ هو راوِيها فِيهِما؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وأمّا الأرْنَبُ؛ واليَرْبُوعُ؛ ونَحْوُها فالحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ أنْ يُقَوَّمَ طَعامًا؛ فَإنْ شاءَ تَصَدَّقَ بِهِ؛ وإنْ شاءَ صامَ بَدَلَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا؛ وكَذَلِكَ عِنْدَهُ الصِيامُ في كَفّارَةِ الجَزاءِ إنَّما هو كُلُّهُ يَوْمٌ بَدَلَ مُدٍّ؛ وعِنْدَ قَوْمٍ: بَدَلَ صاعٍ؛ وعِنْدَ قَوْمٍ: بَدَلَ مُدَّيْنِ؛ وفي حَمامِ الحَرَمِ عِنْدَ مالِكٍ شاةٌ في الحَمامَةِ؛ وفي الحَمامِ غَيْرِهِ حُكُومَةٌ؛ ولَيْسَ كَحَمامِ الحَرَمِ؛ وأمّا بَيْضُ النَعامِ؛ وسائِرِ الطَيْرِ؛ فَفي البَيْضَةِ عِنْدَ مالِكٍ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: وسَواءٌ كانَ فِيها فَرْخٌ أو لَمْ يَكُنْ؛ ما لَمْ يَسْتَهِلَّ الفَرْخُ صارِخًا بَعْدَ الكَسْرِ؛ فَإنِ اسْتَهَلَّ فَفِيهِ الجَزاءُ كامِلًا؛ كَجَزاءِ كَبِيرِ ذَلِكَ الطَيْرِ؛ قالَ ابْنُ المَوّازِ: بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ: إنْ كانَ في بَيْضَةِ النَعامَةِ؛ فَما دُونَها؛ فَرْخٌ؛ فَعُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَصِيامُ يَوْمٍ؛ أو مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ - مِنهُمُ النَخَعِيُّ ؛ وغَيْرُهُ - إلى أنَّ المُماثَلَةَ إنَّما هي في القِيمَةِ؛ يُقَوَّمُ الصَيْدُ المَقْتُولُ؛ ثُمَّ يُشْتَرى بِقِيمَتِهِ نِدُّهُ مِنَ النَعَمِ؛ ثُمَّ يُهْدى؛ ورَدَّ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ.

والنَعَمُ: لَفْظٌ يَقَعُ عَلى الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ والغَنَمِ؛ إذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأصْنافُ؛ فَإذا انْفَرَدَ كُلُّ صِنْفٍ لَمْ يُقَلْ "نَعَمٌ"؛ إلّا لِلْإبِلِ وحْدَها؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "مِنَ النَعْمِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهي لُغَةٌ؛ والجَزاءُ إنَّما يَجِبُ بِقَتْلِ الصَيْدِ؛ لا بِنَفْسِ أخْذِهِ؛ بِحُكْمِ لَفْظِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ ظاهِرٌ مِن مَسْألَةِ الَّذِي اصْطادَ طائِرًا؛ فَنَتَفَ رِيشَهُ؛ ثُمَّ حَبَسَهُ حَتّى نَسَلَ رِيشُهُ؛ فَطارَ؛ قالَ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ؛ وقَصَرَ القُرْآنُ هَذِهِ النازِلَةَ عَلى حَكَمَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ عالِمَيْنِ بِحُكْمِ النازِلَةِ؛ وبِالتَقْدِيرِ فِيها؛ وحَكَمَ عُمَرُ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وأمَرَ أبا جَرِيرٍ البَجَلِيَّ أنْ يَأْتِيَ رَجُلَيْنِ مِنَ العُدُولِ لِيَحْكُما عَلَيْهِ في عنزٍ مِنَ الظِباءِ أصابَها؛ قالَ: فَأتَيْتُ عَبْدَ الرَحْمَنِ ؛ وسَعْدًا؛ فَحَكَما عَلَيَّ تَيْسًا أعْفَرَ؛ ودَعا ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَفْوانَ لِيَحْكُمَ مَعَهُ في جَزاءٍ؛ وعَلى هَذا جُمْهُورُ الناسِ؛ وفُقَهاءُ الأمْصارِ.

وقالَ ابْنُ وهْبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في "اَلْعُتْبِيَّةُ": مِنَ السُنَّةِ أنْ يُخَيِّرَ الحَكَمانِ مَن أصابَ الصَيْدَ؛ كَما خَيَّرَهُ اللهُ ؛ في أنْ يُخْرِجَ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ؛ أو كَفّارَةً؛ طَعامَ مَساكِينَ؛ أو عَدْلِ ذَلِكَ صِيامًا؛ فَإنِ اخْتارَ الهَدْيَ؛ حَكَما عَلَيْهِ بِما يَرَيانِهِ نَظِيرًا لِما أصابَ؛ ما بَيْنَهُما وبَيْنَ أنْ يَكُونَ عَدْلَ ذَلِكَ؛ شاةً؛ لِأنَّها أدْنى الهَدْيِ؛ فَما لَمْ يَبْلُغْ شاةً حَكَما فِيهِ بِالطَعامِ؛ ثُمَّ خُيِّرَ في أنْ يُطْعِمَهُ؛ أو يَصُومَ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا؛ وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": إذا أرادَ المُصِيبُ أنْ يُطْعِمَ؛ أو يَصُومَ؛ وإنْ كانَ لِما أصابَ نَظِيرٌ مِنَ النَعَمِ؛ فَإنَّهُ يُقَوَّمُ صَيْدُهُ طَعامًا؛ لا دَراهِمَ؛ قالَ: وإنْ قَوَّمُوهُ دَراهِمَ واشْتُرِيَ بِها طَعامٌ لَرَجَوْتُ أنْ يَكُونَ واسِعًا؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ فَإنْ شاءَ أطْعَمَهُ؛ وإلّا صامَ مَكانَهُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا؛ وإنْ زادَ ذَلِكَ عَلى شَهْرَيْنِ؛ أو ثَلاثَةٍ.

وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ ؛ مِن أصْحابِنا: إنَّما يُقالُ: كَمْ مِن رَجُلٍ يَشْبَعُ مِن هَذا الصَيْدِ؟

فَيُعْرَفُ العَدَدُ؛ ثُمَّ يُقالُ: كَمْ مِنَ الطَعامِ يُشْبِعُ هَذا العَدَدَ؟

فَإنْ شاءَ أخْرَجَ ذَلِكَ الطَعامَ؛ وإنْ شاءَ صامَ عَدَدَ أمْدادِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ احْتاطَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الصَيْدِ مِنَ الطَعامِ قَلِيلَةً؛ فَبِهَذا النَظَرِ يَكْثُرُ الطَعامُ؛ ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى ألّا يُتَجاوَزَ في صِيامِ الجَزاءِ شَهْرانِ؛ قالُوا: لِأنَّها أعْلى الكَفّاراتِ بِالصِيامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ ؛ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنْ يُشْخَصَ بِهَذا الهَدْيِ حَتّى يَبْلُغَ؛ وذُكِرَتِ الكَعْبَةُ لِأنَّها أُمُّ الحَرَمِ؛ ورَأْسُ الحُرْمَةِ؛ والحَرَمُ كُلُّهُ مَنحَرٌ لِهَذا الهَدْيِ؛ فَما وُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ مِن هَذا الجَزاءِ فَيُنْحَرُ بِمِنًى؛ وما لَمْ يُوقَفْ بِهِ فَيُنْحَرُ بِمَكَّةَ؛ وفي سائِرِ بِقاعِ الحَرَمِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَدْخُلَ مِنَ الحِلِّ؛ لا بُدَّ أنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وحَرَمٍ؛ حَتّى يَكُونَ بالِغًا الكَعْبَةَ.

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَشْدِيدِ الياءِ.

و"هَدْيًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"؛ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ؛ و"بالِغَ"؛ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لَمْ تُزِلِ الإضافَةُ عنهُ الشَياعَ؛ فَتَقْدِيرُهُ: "بالِغًا الكَعْبَةَ"؛ حُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أو كَفّارَةٌ"؛ مُنَوَّنًا؛ "طَعامُ مَساكِينَ"؛ بِرَفْعِ "طَعامُ"؛ وإضافَتِهِ إلى جَمْعِ المَساكِينِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الكَفّارَةِ؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ وخَفْضِ الطَعامِ؛ عَلى الإضافَةِ؛ و"مَساكِينَ"؛ بِالجَمْعِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إعْرابُ "طَعامُ"؛ في قِراءَةِ مَن رَفَعَهُ؛ أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ؛ لِأنَّ الطَعامَ هو الكَفّارَةُ؛ ولَمْ يُضِفِ الكَفّارَةَ لِأنَّها لَيْسَتْ لِلطَّعامِ؛ إنَّما هي لِقَتْلِ الصَيْدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ هي الطَعامُ؛ وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ الكَفّارَةَ هي تَغْطِيَةُ الذَنْبِ بِإعْطاءِ الطَعامِ؛ فالكَفّارَةُ غَيْرُ الطَعامِ؛ لَكِنَّها بِهِ؛ فَيُتَّجَهُ في رَفْعِ الطَعامِ البَدَلُ المَحْضُ؛ وتُتَّجَهُ قِراءَةُ مَن أضافَ الكَفّارَةَ إلى الطَعامِ عَلى أنَّها إضافَةُ تَخْصِيصٍ؛ إذْ كَفّارَةُ هَذا القَتْلِ قَدْ تَكُونُ كَفّارَةَ هَدْيٍ؛ أو كَفّارَةَ طَعامٍ؛ أو كَفّارَةَ صِيامٍ.

وقَرَأ الأعْرَجُ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أو كَفّارَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ؛ "طَعامُ"؛ بِالرَفْعِ دُونَ تَنْوِينٍ؛ "مِسْكِينٍ"؛ عَلى الإفْرادِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ.

وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: اَلْقاتِلُ مُخَيَّرٌ في الرُتَبِ الثَلاثَةِ؛ وإنْ كانَ غَنِيًّا؛ وهَذا عِنْدَهم مُقْتَضى "أو"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ: لا يَنْتَقِلُ المُكَفِّرُ مِنَ الهَدْيِ إلى الطَعامِ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا؛ وكَذَلِكَ لا يَصُومُ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ ما يُطْعِمُ؛ وقالَهُ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ قالُوا: والمَعْنى: أو كَفّارَةُ طَعامٍ إنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ.

ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ؛ يَرى أنَّ المُقَوَّمَ إنَّما هو الصَيْدُ المَقْتُولُ؛ يُقَوَّمُ بِالطَعامِ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ وقالَ العِراقِيُّونَ: إنَّما يُقَوَّمُ الجَزاءُ طَعامًا؛ فَمَن قَتَلَ ظَبْيًا قُوِّمَ الظَبْيُ؛ عِنْدَ مالِكٍ ؛ وقُوِّمَ عَدْلُهُ مِنَ الكِباشِ؛ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: إذا أصابَ المُحْرِمُ الصَيْدَ حُكِمَ عَلَيْهِ جَزاؤُهُ مِنَ النَعَمِ؛ فَإنْ وجَدَ جَزاءَهُ ذَبَحَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ؛ وإنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَ الجَزاءُ دَراهِمَ؛ ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَراهِمُ حِنْطَةً؛ ثُمَّ صامَ مَكانَ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا؛ قالَ: وإنَّما أُرِيدَ بِذِكْرِ الطَعامِ تَبْيِينُ أمْرِ الصَوْمِ؛ ومَن يَجِدْ طَعامًا فَإنَّما يَجِدُّ جَزاءً؛ وأسْنَدَهُ أيْضًا عَنِ السُدِّيِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلُ بِظاهِرِ لَفْظِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُنافِرُهُ؛ والهَدْيُ لا يَكُونُ إلّا في الحَرَمِ؛ كَما ذَكَرْنا قَبْلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الطَعامِ؛ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: اَلْإطْعامُ؛ والصِيامُ؛ حَيْثُ شاءَ المُكَفِّرُ مِنَ البِلادِ؛ وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْهَدْيُ والإطْعامُ بِمَكَّةَ؛ والصَوْمُ حَيْثُ شِئْتَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ ومَعْناهُ: نَظِيرُ الشَيْءِ؛ بِالمُوازَنَةِ؛ والمِقْدارِ المَعْنَوِيِّ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والجَحْدَرِيُّ: "أو عِدْلُ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: ورَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "اَلْعَدْلُ" - بِالفَتْحِ -: قَدْرُ الشَيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ؛ و"عِدْلُهُ" - بِالكَسْرِ - قَدْرُهُ مِن جِنْسِهِ؛ نَسَبَها مَكِّيٌّ إلى الكِسائِيِّ ؛ وهو وهْمٌ؛ والصَحِيحُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُما لُغَتانِ في المِثْلِ؛ وهَذِهِ المَنسُوبَةُ عِبارَةٌ مُعْتَرَضَةٌ؛ وإنَّما مَقْصِدُ قائِلِها أنَّ "اَلْعِدْلَ"؛ بِالكَسْرِ؛ قَدْرُ الشَيْءِ مُوازَنَةً عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَعِدْلَيِ البَعِيرِ؛ و"عَدْلُهُ": قَدْرُهُ مِن شَيْءٍ آخَرَ؛ مُوازَنَةً مَعْنَوِيَّةً؛ كَما يُقالُ في ثَمَنِ فَرَسٍ: هَذا عَدْلُهُ مِنَ الذَهَبِ؛ ولا يُتَّجَهُ هُنا كَسْرُ العَيْنِ فِيما حَفِظْتُ.

والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ في قَوْلِهِ: "أوَ عَدْلُ ذَلِكَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الطَعامِ؛ وعَلى هَذا انْبَنى قَوْلُ مَن قالَ مِنَ الفُقَهاءِ: اَلْأيّامُ الَّتِي تُصامُ هي عَلى عَدَدِ الأمْدادِ؛ أوِ الأصْواعِ؛ أو أنْصافِها؛ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُهُ؛ في ذَلِكَ؛ ويُحَتَّمُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى الصَيْدِ المَقْتُولِ؛ وعَلى هَذا انْبَنى قَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: اَلصَّوْمُ في قَتْلِ الصَيْدِ إنَّما هو عَلى قَدْرِ المَقْتُولِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنْ قَتَلَ المُحْرِمُ ظَبْيًا فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ وإنْ قَتَلَ أيُلًا فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ عِشْرِينَ مِسْكِينًا؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا؛ وإنْ قَتَلَ نَعامَةً؛ أو حِمارَ وحْشٍ؛ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ ثَلاثِينَ مِسْكِينًا؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ تَقَدَّمَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قَوْلٌ غَيْرُ هَذا آنِفًا؛ حَكاهُما عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدَيْنِ؛ ولا يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ لَهُ في هَيْئَةِ التَكْفِيرِ قَوْلانِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ -؛ قالَ: يَصُومُ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ إلى عَشَرَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ ﴾ ؛ اَلذَّوْقُ هُنا مُسْتَعارٌ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ؛ وكَما قالَ: ﴿ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ  ﴾ ؛ وكَما قالَ أبُو سُفْيانَ: "ذُقْ عُقَقُ"؛ وحَقِيقَةُ الذَوْقِ إنَّما هي في حاسَّةِ اللِسانِ؛ وهي في هَذا كُلِّهِ مُسْتَعارَةٌ فِيما بُوشِرَ بِالنَفْسِ؛ والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ؛ والمَرْعى الوَبِيلُ هو الَّذِي يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ "أمْرِهِ"؛ عن جَمِيعِ حالِهِ؛ مِن قَتْلٍ؛ وتَكْفِيرٍ؛ وحُكْمٍ عَلَيْهِ؛ ومُضِيِّ مالِهِ؛ أو تَعَبِهِ بِالصِيامِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ ؛ فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ: مَعْناهُ: "عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ في جاهِلِيَّتِكُمْ؛ مِن قَتْلِكُمُ الصَيْدَ في الحُرْمَةِ؛ ومَن عادَ الآنَ في الإسْلامِ؛ فَإنْ كانَ مُسْتَحِلًّا؛ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ في الآخِرَةِ؛ ويُكَفِّرُ في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ وإنْ كانَ عاصِيًا فالنِقْمَةُ هي في إلْزامِ الكَفّارَةِ فَقَطْ"؛ قالُوا: وكُلَّما عادَ المُحْرِمُ فَهو مُكَفِّرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَخافُ المُتَوَرِّعُونَ أنْ تَبْقى النِقْمَةُ مَعَ التَكْفِيرِ؛ وهَذا هو قَوْلُ الفُقَهاءِ؛ مالِكٍ ونَظائِرِهِ؛ وأصْحابِهِ - رَحِمَهُمُ اللهُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: اَلْمُحْرِمُ إذا قَتَلَ مِرارًا ناسِيًا لِإحْرامِهِ؛ فَإنَّهُ يُكَفِّرُ في كُلِّ مَرَّةٍ؛ فَأمّا المُتَعَمِّدُ العالِمُ بِإحْرامِهِ؛ فَإنَّهُ يُكَفِّرُ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ وعَفا اللهُ عن ذَنْبِهِ مَعَ التَكْفِيرِ؛ فَإنْ عادَ ثانِيَةً فَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ؛ ويُقالُ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللهُ مِنكَ؛ كَما قالَ اللهُ ؛ وقالَ بِهَذا القَوْلِ شُرَيْحٌ القاضِي ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ومُجاهِدٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رُخِّصَ في قَتْلِ الصَيْدِ مَرَّةً؛ فَمَن عادَ لَمْ يَدَعْهُ اللهُ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ مِنهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وعْظٌ بِالآيَةِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - يَرى أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في العَوْدَةِ؛ ويُكَفِّرَ؛ لَكِنَّهُ خَشِيَ - مَعَ ذَلِكَ - بَقاءَ النِقْمَةِ.

وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ ؛ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ مِن قَتْلِ الصَيْدِ قَبْلَ هَذا النَهْيِ؛ والتَحْرِيمِ؛ قالَ: وأمّا مَن عادَ فَقَتَلَ الصَيْدَ وهو عالِمٌ بِالحُرْمَةِ مُتَعَمِّدٌ لِلْقَتْلِ؛ فَهَذا لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ؛ وهو مَوْكُولٌ إلى نِقْمَةِ اللهِ ؛ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "مُتَعَمِّدًا" ﴾ في صَدْرِ الآيَةِ أيْ: مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ؛ ناسِيًا لِلْحُرْمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا الفَصْلِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ؛ وأُسْنِدَ إلى زَيْدِ بْنِ المُعَلّى أنَّ رَجُلًا أصابَ صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ فَتُجُوِّزَ لَهُ عنهُ؛ ثُمَّ عادَ؛ فَأرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِ نارًا فَأحْرَقَتْهُ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى صِفَتَيْنِ؛ يَقْتَضِي خَوْفَ مَن لَهُ بَصِيرَةٌ؛ ومَن خافَ ازْدُجِرَ؛ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَن خافَ أدْلَجَ؛ ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان آية: ﴿ ليبلونّكم الله بشيء من الصيد ﴾ [المائدة: 94] أو لنسخ حكمها أن كانت تضمّنت حكماً لم يبق به عمل.

وتقدّم القول في معنى ﴿ وأنتم حرم ﴾ في طالع هذه السورة [المائدة: 1].

واعلم أنّ الله حرّم الصيد في حالين: حال كون الصائد محرِماً، وحال كون الصيد من صيد الحرم، ولو كان الصائد حلالاً؛ والحكمة في ذلك أنّ الله تعالى عظّم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام وأمره بأن يتّخذ لها حرَماً كما كان الملوك يتّخذون الحِمى، فكانت بيت الله وحماه، وهو حرم البيت محترماً بأقصى ما يعدّ حرمة وتعظيماً فلذلك شرع الله حرماً للبيت واسعاً وجعل الله البيت أمناً للناس ووسّع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا يرى الناس للبيت إلاّ أمنا للعائذ به وبحرمه.

قال النابغة: والمؤمننِ العائذاتتِ الطيرَ يمسحُها *** رُكبانُ مكَّةَ بين الغِيل فالسَّنَد فالتحريم لصيد حيوان البرّ، ولم يحرّم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر.

ثم حُرّم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة، لأنّ الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمنة.

وقد كان الإحرام يمنع المحرمين القتال ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم لأنها زمن الحج والعمرة فألحق مثل الحيوان في الحرمة بقتل الإنسان، أو لأنّ الغالب أنّ المحرم لا ينوي الإحرام إلاّ عند الوصول إلى الحرم، فالغالب أنَّه لا يصيد إلاّ حيوان الحرم.

والصيد عامّ في كلّ ما شأنه أن يصاد ويقتل من الدوابّ والطير لأكله أو الانتفاع ببعضه.

ويلحق بالصيد الوحوش كلّها.

قال ابن الفرس: والوحوش تسمّى صيداً وإن لم تُصد بعدُ، كما يقال: بئس الرميَّة الأرنب، وإن لم ترم بعد.

وخصّ من عمومه ما هو مضرّ، وهي السباع المؤذية وذوات السموم والفأر وسباع الطير.

ودليل التخصيص السنّة.

وقصد القتل تبع لتذكّر الصائد أنّه في حال إحرام، وهذا مورد الآية، فلو نسي أنّه محرم فهو غير متعمّد، ولو لم يقصد قتله فأصابه فهو غير متعمّد.

ولا وجه ولا دليل لمن تأوّل التعمّد في الآية بأنّه تعمّد القتل مع نسيان أنّه محرم.

وقوله: ﴿ وأنْتم حُرُم ﴾ حُرُم جمع حرام، بمعنى مْحرم، مثل جمع قذال على قذل، والمحرم أصله المتلبِّس بالإحرام بحجّ أو عمرة.

ويطلق المحرم على الكائن في الحرم.

قال الراعي: قتلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرماً *** أي كائناً في حرم المدينة.

فأمّا الإحرام بالحجّ والعمرة فهو معلوم، وأمّا الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة.

وزاد الشافعي الطائف في حرمة صيده لا في وجوب الجزاء على صائده.

فأمّا حرم مكة فيحرم صيده بالاتّفاق.

وفي صيده الجزاء.

وأمّا حرم المدينة فيحرم صيده ولا جزاء فيه، ومثله الطائف عند الشافعي.

وحرم مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام، وهو الحرم الذي حرّمه إبراهيم عليه السلام ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر بن الخطاب.

وأمّا حرم المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " المدينة حرم من ما بين عيَر أو عائر (جبل) إلى ثور " قيل: هو جبل ولا يعرف ثور إلاّ في مكة.

قال النووي: أكثر الرواة في كتاب «البخاري» ذكروا عيَراً، وأمّا ثور فمنهم من كنّى عنه فقال: من عير إلى كذا، ومنهم من ترك مكانه بياضاً لأنّهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ.

وقيل: إنّ الصواب إلى أحُد كما عند أحمد والطبراني.

وقيل: ثور جبل صغير وراء جبل أحُد.

وقوله: ﴿ ومن قتله منكم ﴾ الخ، (مَن) اسم شرط مبتدأ، و ﴿ قتله ﴾ فعل الشرط، و ﴿ منكم ﴾ صفة لاسم الشرط، أي من الذين آمنوا.

وفائدة إيراد قوله ﴿ منكم ﴾ أعرض عن بيانها المفسّرون.

والظاهر أنّ وجه إيراد هذا الوصف التنبيه على إبطال فعل أهل الجاهلية، فمن أصاب صيدا في الحرم منهم كانوا يضربونه ويسلبونه ثيابه، كما تقدّم آنفاً.

وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدلّ على أنّ الجزاء لا يجب إلاّ إذا قتل الصيد، فأمّا لو جرحه أو قطع منه عضوا ولم يقتله فليس فيه جزاء، ويدلّ على أنّ الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله لأنّ مناط الحكم هو القتل.

وقوله ﴿ متعمّداً ﴾ قيد أخرج المخطئ، أي في صيده.

ولم تبيّن له الآية حكماً لكنّها تدلّ على أنّ حكمه لا يكون أشدّ من المتعمّد فيحتمل أن يكون فيه جزاء آخر أخفّ ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه وقد بيّنته السنّة.

قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنّة في الناسي والمخطئ أنّهما يكفّران.

ولعلّه أراد بالسنّة العمل من عهد النبوءة والخلفاء ومضى عليه عمل الصحابة.

وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور فقهاء الأمصار: إنّ العمد والخطأ في ذلك سواء، وقد غلَّب مالك فيه معنى الغُرم، أي قاسه على الغُرم.

والعمد والخطأ في الغرم سواء فلذلك سوّى بينهما.

ومضى بذلك عمل الصحابة.

وقال أحمد بن حنبل، وابن عبد الحكم من المالكية، وداوود الظاهري، وابن جبير وطاووس، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعطاء، ومجاهد: لا شيء على الناسي.

وروي مثله عن ابن عباس.

وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وابن جريج: إن كان متعمّداً للقتل ناسياً إحرامه فهو مورد الآية، فعليه الجزاء.

وأمّا المتعمّد للقتل وهو ذاكر لإحرامه فهذا أعظم من أن يكفّر وقد بطل حجّه، وصيده جيفة لا يؤكل.

والجزاء العوض عن عمل، فسمّى الله ذلك جزاء، لأنّه تأديب وعقوبة إلاّ أنّه شرع على صفة الكفّارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار.

وليس القصد منه الغرم إذ ليس الصيد بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرَم قَاتله ليجبر ما أفاته عليه.

وإنّما الصيد ملك الله تعالى أباحه في الحلّ ولم يبحه للناس في حال الإحرام، فمن تعدّى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدّي جزاء.

وجعله جزاء ينتفع به ضعاف عبيده.

وقد دلّنا على أنّ مقصد التشريع في ذلك هو العقوبة قولُه عقبه ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ .

وإنّما سمّي جزاء ولم يسمّ بكفّارة لأنّه روعي فيه المماثلة، فهو مقدّر بمثل العمل فسمّي جزاء، والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة قال تعالى: ﴿ جزاءاً وفاقاً ﴾ [النبأ: 26].

وقد أخبر أنّ الجزاء مثل ما قتل الصائد، وذلك المثل من النعم، وذلك أنّ الصيد إمّا من الدوابّ وإمّا من الطير، وأكثر صيد العرب من الدوابّ، وهي الحمر الوحشية وبقر الوحش والأروى والظباء ومن ذوات الجناح النعام والإوز، وأمّا الطير الذي يطير في الجوّ فنادر صيده، لأنّه لا يصاد إلاّ بالمعراض، وقلّما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها، فمماثلة الدوابّ للأنعام هيّنة.

وأمّا مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة وليست مماثلة؛ فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة، والإوز يقارب السخلة، وهكذا.

وما لا نظير له كالعصفور فيه القيمة.

وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل القيمة في جميع ما يصاب من الصيد.

والقيمة عند مالك طعام.

وقال أبو حنيفة: دارهم.

فإذا كان المصير إلى القيمة؛ فالقيمة عند مالك طعام يتصدّق به، أو يصوم عن كلّ مدّ من الطعام يوماً، ولكسر المدّ يوماً كاملاً.

وقال أبو حنيفة: يشتري بالقيمة هدياً إن شاء، وإن شاء اشترى طعاماً، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع يوماً.

وقد اختلف العلماء في أنّ الجزاء هل يكون أقلّ ممّا يجزئ في الضحايا والهدايا.

فقال مالك: لا يجزئ أقل من ثني الغنم أو المعز لأنّ الله تعالى قال: ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ .

فما لا يجزئ أن يكون هدياً من الأنعام لا يكون جزاء، فمن أصاب من الصيد ما هو صغير كان مخيّراً بين أن يعطي أقلّ ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاماً ولا يعطي من صغار الأنعام.

وقال مالك في «الموطأ»: وكلّ شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره.

وإنّما مثل ذلك مثل دية الحرّ الصغير والكبير بمنزلة واحدة.

وقال الشافعي وبعض علماء المدينة: إذا كان الصيد صغيراً كان جزاؤه ما يقاربه من صغار الأنعام لما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزبير المكّي أنّ عمر بن الخطاب قضى في الأرنب بعَناق وفي اليربوع بجفرة.

قال الحفيد ابن رشد في كتاب «بداية المجتهد»: وذلك ما روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود اه.

وأقول: لم يصحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، فأمّا ما حكم به عمر فلعلّ مالكاً رآه اجتهاداً من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ .

فإنّ ذلك من دلالة الإشارة، ورأى في الرجوع إلى الإطعام سعة، على أنّه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام، فليرجع إليه عند كون الصيد أصغر ممّا يماثله ممّا يجزئ في الهدايا.

فمن العجب قول ابن العربي: إنّ قول الشافعي هو الصحيح، وهو اختيار علمائنا.

ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإنّي لا أعرف للمالكية مخالفاً لمالك في هذا.

والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدوابّ، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام.

ولمّا سمّى الله هذا جزاء وجعله مماثلاً للمصيد دلّنا على أنّ من تكرّر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكلّ دابّة قتلها، خلافاً لداوود الظاهري، فإنّ الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلاً لجميع ما قتله.

وقرأ جمهور القرّاء ﴿ فجزاء مثل ما قتل ﴾ بإضافة ﴿ جزاء ﴾ إلى ﴿ مثل ﴾ ؛ فيكون ﴿ جزاء ﴾ مصدراً بدلاً عن الفعل، ويكون ﴿ مثلُ ما قتل ﴾ فاعل المصدر أضيف إليه مصدره.

و ﴿ من النعم ﴾ بيان المثل لا ل ﴿ مَا قتَلَ ﴾ .

والتقدير: فمثل ما قتل من النعم يجزئ جزاء ما قتله، أي يكافئ ويعوّض ما قتله.

وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي.

ولك أن تجعل الإضافة بيانية، أي فجزاء هو مثل ما قتل، والإضافة تكون لأدنى ملابسة.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ [سبأ: 37].

وهذا نظم بديع على حدّ قوله تعالى: ﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ [النساء: 92]، أي فليحرّر رقبة.

وجعله صاحب «الكشاف» من إضافة المصدر إلى المفعول، أي فليجز مثلَ ما قتلَ.

وهو يقتضي أن يكون النعم هو المعوّض لا العوض لأنّ العوض يتعدّى إليه فعل (جزى) بالباء ويتعدّى إلى المعوّض بنفسه.

تقول: جزيْت ما أتلفتُه بكذا درهماً، ولا تقول: جزيْت كذا درهماً بما أتلفته، فلذلك اضطرّ الذين قدّروا هذا القول إلى جعل لفظ (مثل) مقحماً.

ونظّروه بقولهم: «مثلك لا يبخل»، كما قال ابن عطية وهو معاصر للزمخشري.

وسكت صاحب «الكشاف» عن الخوض في ذلك وقرّر القطب كلام «الكشاف» على لزوم جعل لفظ ﴿ مثل ﴾ مقحماً وأنّ الكلام على وجه الكناية، يعني نظير ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [الشورى: 11] وكذلك ألزمه إياه التفتزاني، واعتذر عن عدم التصريح به في كلامه بأنّ الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أنّ عليه جزاء ما قتل.

وهو اعتذار ضعيف.

فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير من أصله.

وقد اجترأ الطبري فقال: أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه وغفلة من وجوه تصاريف الكلام العربي.

وقرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب، والكسائي، وخلف ﴿ فجزاءٌ مثلُ ﴾ بتنوين (جزاء).

ورفع (مثل) على تقدير: فالجزاء هو مثلُ، على أنّ الجزاء مصدر أطلق على اسم المفعول، أي فالمَجزي به المقتول مثلُ ما قتله الصائد.

وقوله تعالى: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ جملة في موضع الصفة ل ﴿ جواء ﴾ أو استئناف بياني، أي يحكم بالجزاء، أي بتعيينه.

والمقصد من ذلك أنّه لا يبلغ كلّ أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم فوكل الله أمر ذلك إلى الحكمين.

وعلى الصائد أن يبحث عمّن تحقّقت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع الأمر إليهما.

ويتعيّن عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يُعيّنان المثل ويخيّرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام، ويقدّران له ما هو قَدر الطعام إن اختاره.

وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمان بن عوف، وحكم مع كعب بن مالك، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمان بن عوف، وحكم عبد الله بن عمر مع ابن صفوان.

ووُصف ﴿ ذوا عدل ﴾ بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من المسلمين، للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلَّهم يدّعون معرفة خاصّة بالجزاء.

وقوله: ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ حال من ﴿ مثل ما قتل ﴾ ، أو من الضمير في (به).

والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة.

والمنحر: منى والمروة.

ولما سمّاه الله تعالى ﴿ هدياً ﴾ فله سائر أحكام الهدي المعروفة.

ومعنى ﴿ بالغ الكعبة ﴾ أنّه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنّه ينحر أو يذبح حول الكعبة.

وقوله: ﴿ أو كفّارة طعام مساكين ﴾ عطف على ﴿ فجزاء ﴾ وسمّى الإطعام كفّارة لأنّه ليس بجزاء، إذ الجزاء هو العوض، وهو مأخوذ فيه المماثلة.

وأمّا الإطعام فلا يماثل الصيد وإنّما هو كفارة تكفّر به الجريمة.

وقد أجمل الكفارة فلم يبيّن مقدار الطعام ولا عدد المساكين.

فأمّا مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين، وقد شاع عن العرب أنّ المدّ من الطعام هو طعام رجل واحد، فلذلك قدّره مالك بمدّ لكلّ مسكين.

وهو قول الأكثر من العلماء.

وعن ابن عباس: تقدير الإطعام أن يقوّم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوّم الدراهم طعاماً.

وأمّا عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد.

قال مالك: أحسن ما سمحت إليَّ فيه أنه يقوّم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام، فيطعم مدّاً لكلّ مسكين.

ومن العلماء من قدّر لكلّ حيوان معادلاً من الطعام.

فعن ابن عباس: تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين، والأيل بإطعام عشرين مسكيناً، وحمار الوحش بثلاثين، والأحسن أنّ ذلك موكول إلى الحكمين.

و ﴿ أو ﴾ في قوله ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾ وقوله: ﴿ أو عدل ذلك ﴾ تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة.

وكذلك كل أمر وقع ب«أو» في القرآن فهو من الواجب المخيّر.

والقول بالتخيير هو قول الجمهور، ثم قيل: الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين.

وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير، وقيل: الخيار للحكمين.

وقال به الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن.

ومن العلماء من قال: إنّه لا ينتقل من الجزاء إلى كفّارة الطعام إلاّ عند العجز عن الجزاء، ولا ينتقل عن الكفّارة إلى الصوم إلاّ عند العجز عن الإطعام، فهي عندهم على الترتيب.

ونسب لابن عباس.

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ﴿ كفّارةُ ﴾ بالرفع بدون تنوين مضافاً إلى طعام كما قرأ ﴿ جزاءُ مثللِ ما قتلَ ﴾ .

والوجه فيه إمَّا أن نجعله كوجه الرفع والإضافة في قوله تعالى: ﴿ فجزاء مثللِ ما قتل ﴾ فنجعل ﴿ كفارة ﴾ اسم مصدر عوضاً عن الفعل وأضيف إلى فاعله، أي يكفّره طعامُ مساكين؛ وإمّا أن نجعله من الإضافة البيانية، أي كفّارة من طعام، كما يقال: ثوبُ خزّ، فتكون الكفّارة بمعنى المكفَّر به لتصحّ إضافة البيان، فالكفّارة بيّنها الطعام، أي لا كفّارة غيره فإنّ الكفّارةُ تقع بأنواع.

وجزم بهذا الوجه في «الكشاف»، وفيه تكلَّف.

وقرأه الباقون بتنوين ﴿ كفارةٌ ﴾ ورفع ﴿ طعامُ ﴾ على أنّه بدل من ﴿ كفارة ﴾ .

وقوله ﴿ أو عدْل ذلك صياماً ﴾ عطف على ﴿ كفّارة ﴾ والإشارة إلى الطعام.

والعَدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه.

وأصل معنى العدل المساواة.

وقال الراغب: إنّما يكون فيما يدرك بالبصيرة كما هنا.

وأما العدل بكسر العين ففي المحسوسات كالموزونات والمكيلات، وقيل: هما مترادفان.

والإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى ﴿ طعام مساكين ﴾ .

وانتصب ﴿ صياماً ﴾ على التمييز لأنّ في لفظ العدْل معنى التقدير.

وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام، وهو موكول إلى حكم الحكمين.

وقال مالك والشافعي: يصوم عن كلّ مدّ من الطعام يوماً.

وقال أبو حنيفة: عن كلّ مُدَّين يوماً، واختلفوا في أقصى ما يصام؛ فقال مالك والجمهور: لا ينقص عن أعداد الأمداد أياماً ولو تجاوز شهرين، وقال بعض أهل العلم: لا يزيد على شهرين لأنّ ذلك أعلى الكفارات.

وعن ابن عباس: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة.

وقوله ﴿ ليذوق ﴾ متعلّق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ ، واللاّم للتعليل، أي جُعل ذلك جزاء عن قتله الصيد ليذوق وبال أمره.

والذوق مستعار للإحساس بالكدر.

شبّه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم رَاعَوا فيه سُرعة اتّصال ألمه بالإدراك، ولذلك لم نجعله مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق إذ لا داعي لاعتبار تلك العلاقة، فإنّ الكدر أظهر من مطلق الإدراك.

وهذا الإطلاق معتنى به في كلامهم، لذلك اشتهر إطلاق الذوق على إدراك الآلام واللذّات.

ففي القرآن ﴿ ذق إنّك أنت العزيز الكريم ﴾ [الدخان: 49]، ﴿ لا يذوقون فيها الموت ﴾ [الدخان: 56].

وقال أبو سفيان يوم أحد مخاطباً جثّة حمزة «ذق عُقق».

وشهرة هذه الاستعارة قاربت الحقيقة، فحسن أن تبنى عليها استعارة أخرى في قوله تعالى: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ [النحل: 112].

والوبال السوء وما يُكره إذا اشتدّ، والوبيل القوي في السوء ﴿ فأخذناه أخذاً وبيلا ﴾ [المزمل: 16].

وطعام وبيل: سيّء الهضم، وكلأ وبيل ومستوبل، تستولبه الإبل، أي تستوخمه.

قال زهير: إلى كَلأٍ مُسْتَوْبِل مُتَوَخَّمِ *** والأمر: الشأن والفعل، أي أمر من قتل الصيد متعمّداً.

والمعنى ليجد سوء عاقبة فعله بما كلّفه من خسارة أو من تعب.

وأعقب اللّهُ التهديد بما عوّد به المسلمين من الرأفة فقال: ﴿ عفا الله عمّا سلف ﴾ ، أي عفا عمّا قتلتم من الصيد قبل هذا البيان ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم فالله ينتقم منه.

والانتقام هو الذي عُبّر عنه بالوبال من قبلُ، وهو الخسارة أو التعب، ففهم منه أنه كلّما عاد وجب عليه الجزاء أو الكفارة أو الصوم، وهذا قول الجمهور.

وعن ابن عباس، وشريح، والنخعي، ومجاهد، وجابر بن زيد: أنّ المتعمّد لا يجب عليه الجزاء إلاّ مرة واحدة فإن عاد حقّ عليه انتقام العذاب في الآخرة ولم يقبل منه جزاء.

وهذا شذوذ.

ودخلت الفاء في قوله: ﴿ فينتقم الله منه ﴾ مع أنّ شأن جواب الشرط إذا كان فعلاً أن لا تدخل عليه الفاء الرابطة لاستغنائه عن الربط بمجرّد الاتّصال الفعلي، فدخول الفاء يقع في كلامهم على خلاف الغالب، والأظهر أنّهم يرمون به إلى كون جملة الجواب اسمية تقديراً فيرمزون بالفاء إلى مبتدأ محذوف جُعل الفعل خبراً عنه لقصد الدلالة على الاختصاص أو التقوّي، فالتقدير: فهو ينتقم الله منه، لقصد الاختصاص للمبالغة في شدّة ما يناله حتى كأنّه لا ينال غيره، أو لقصد التقوّي، أي تأكيد حصول هذا الانتقام.

ونظيره ﴿ فمن يؤمن بربّه فلا يخافُ بخساً ولا رهقاً ﴾ [الجن: 13] فقد أغنت الفاء عن إظهار المبتدإ فحصل التقوّي مع إيجاز.

هذا قول المحقّقين مع توجيهه، ومن النحاة من قال: إنّ دخول الفاء وعدمه في مثل هذا سواء، وإنّه جاء على خلاف الغالب.

وقوله: ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ تذييل.

والعزيز الذي لا يحتاج إلى ناصر، ولذلك وُصف بأنّه ذو انتقام، أي لأنّ من صفاته الحكمة، وهي تقتضي الانتقام من المفسد لتكون نتائج الأعمال على وفقها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ في قَوْلِهِ لَيَبْلُوَنَّكم تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَيُكَلِّفَنَّكم.

الثّانِي: لَيَخْتَبِرَنَّكم، قالَهُ قُطْرُبٌ، والكَلْبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ( مِّنَ ) لِلتَّبْعِيضِ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِصَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ، وبِصَيْدِ الحُرُمِ والإحْرامِ دُونَ الحِلِّ والإحْلالِ.

والثّانِي: أنَّ ( مِّنَ ) في هَذا المَوْضِعِ داخِلَةٌ لِبَيانِ الجِنْسِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَنالُهُ أيْدِينا: البَيْضُ، ورِماحُنا: الصَّيْدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ما تَنالُهُ أيْدِينا: الصِّغارُ، ورِماحُنا: الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ: لِيَرى، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ لِأنَّها تَؤُولُ إلَيْهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.

والثّالِثُ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ لِتَخافُوا اللَّهَ بِالغَيْبِ، والعِلْمُ مَجازٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ يَعْنِي بِالسِّرِّ كَما تَخافُونَهُ في العَلانِيَةِ.

﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي فَمَنِ اعْتَدى في الصَّيْدِ بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ.

﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ غَشِيَ الصَّيْدَ النّاسُ وهم مُحْرِمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الإحْرامَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالحُرُمِ الدّاخِلِ إلى الحَرَمِ، يُقالُ أحْرَمَ إذا دَخَلَ في الحَرَمِ، وأتْهَمَ إذا دَخَلَ تِهامَةَ، وأنْجَدَ إذا دَخَلَ نَجْدَ، ويُقالُ أحْرَمَ لِمَن دَخَلَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ.

قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّ اسْمَ المُحْرِمِ يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ مَعًا عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ دُونَ المَجازِ مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ دَخَلالحَرَمَ، وحُكْمُ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِما عَلى سَواءٍ بِظاهِرِ الآيَةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي هُرَيْرَةَ.

﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، ناسِيًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ.

واخْتَلَفُوا في الخاطِئِ في قَتْلِهِ النّاسِي لِإحْرامِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: لا جَزاءَ عَلَيْهِ، قالَهُ داوُدُ.

الثّانِي: عَلَيْهِ الجَزاءُ، قالَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ يَعْنِي أنَّ جَزاءَ القَتْلِ في الحَرَمِ أوِ الإحْرامِ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.

وَفي مِثْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قِيمَةَ الصَّيْدِ مَصْرُوفَةٌ في مِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ في الصُّورَةِ والشَّبَهِ قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فَلا يَسْتَقِرُّ المِثْلُ فِيهِ إلّا بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القاتِلُ أحَدَهُما.

﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ يَلْزَمُ إيصالُهُ إلى الكَعْبَةِ، وعَنى بِالكَعْبَةِ جَمِيعَ الحَرَمِ، لِأنَّها في الحَرَمِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أنْ يَهْدِيَ في الحُرُمِ ما لا يَجُوزُ في الأُضْحِيَّةِ مِن صِغارِ الغَنَمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَجُوزُ قالَهُ: أبُو حَنِيفَةَ.

الثّانِي: يَجُوزُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقَوِّمُ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ طَعامًا، قالَهُ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.

الثّانِي: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ ويَشْتَرِي بِالغَنِيمَةِ طَعامًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ.

﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ يَعْنِي عَدْلَ الطَّعامِ صِيامًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قالَهُ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ صاعٍ يَوْمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفُوا في التَّكْفِيرِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، هَلْ هو عَلى التَّرْتِيبِ أوِ التَّخْيِيرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى التَّرْتِيبِ، إنْ لَمْ يَجِدِ المِثْلَ فالإطْعامُ، فَإنْ لَمْ يُجْدِ الطَّعامُ فالصِّيامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعامِرٌ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى التَّخْيِيرِ في التَّكْفِيرِ بِأيِّ الثَّلاثَةِ شاءَ، قالَهُ عَطاءٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

﴿ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ ﴾ يَعْنِي في التِزامِ الكَفّارَةِ، ووُجُوبِ التَّوْبَةِ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ يَعْنِي قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ.

﴿ وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ومَن عادَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِالجَزاءِ عاجِلًا، وعُقُوبَةِ المَعْصِيَةِ آجِلًا.

والثّانِي: ومَن عادَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ في قَتْلِ الصَّيْدِ ثانِيَةً بَعْدَ أوَّلِهِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ.

وَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِالعُقُوبَةِ في الآخِرَةِ دُونَ الجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وداوُدُ.

والثّانِي: بِالجَزاءِ مَعَ العُقُوبَةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ، والجُمْهُورُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية، وأكله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ قال: حرم صيده ههنا، وأكله ههنا.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ قال: إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه.

وفي قوله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ قال: إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل إبلاً ونحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً، والطعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحكم.

أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ قال: متعمد القتلة ناسياً لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكراً لإحرامه متعمد القتلة لم يحكم عليه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمداً وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله قال: لا يحكم عليه ولا حج له.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: العمد هو الخطأ المكفر، أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ للصيد ناسياً لإحرامه، فمن اعتدى بعد ذلك متعمداً للصيد يذكر إحرامه لم يحكم عليه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ قال: إذا كان ناسياً لإحرامه وقتل الصيد متعمداً.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن سيرين قال: من قتله متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه فعليه الجزاء، ومن قتله متعمداً لقتله غير ناس لإحرامه، فذاك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

وأخرج الشافعي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: من قتله متعمداً غير ناس لإحرامه ولا يريد غيره فقد حل وليست له رخصة، ومن قتله ناسياً لإحرامه أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر.

وأخرج الشافعي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ فمن قتله خطأ يغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمداً قال: نعم، تعظم بذلك حرمات الله، ومضت بذلك السنن، ولئلا يدخل الناس في ذلك.

وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمداً، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.

وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ، يعني في المحرم يصيب الصيد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: يحكم عليه في العمد وفي الخطأ منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فليس عليه شيء.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير.

في المحرم إذا أمات صيداً خطأ فلا شيء عليه، وإن أصاب متعمداً فعليه الجزاء.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيداً خطأ، إنما يحكم من أصابه عمداً، والله ما قال الله إلا ﴿ ومن قتله منكم متعمداً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد يحكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاؤه، ذبحه وتصدَّق بلحمه، وإن لم يجد جزاؤه، قوّم الجزاء دراهم، ثم قوّمت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً.

قال: ﴿ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ﴾ وإنما أريد بالطعام الصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاءه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، في الرجل يصيب الصيد وهو محرم قال: يحكم عليه جزاؤه، فإن لم يجد قال: يحكم عليه ثمنه فقوّم طعاماً فتصدق به، فإن لم يجد، حكم عليه الصيام.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ فجزاء مثل ﴾ قال: شبهه.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي ﴿ فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ قال: نده.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: سأل مروان بن الحكم ابن عباس وهو بوادي الأزرق قال: أرأيت ما أصبنا من الصيد لم نجد له نداً؟

فقال ابن عباس: ثمنه يهدى إلى مكة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: عليه من النعم مثله.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: إن قتل نعامة أو حماراً فعليه بدنة، وإن قتل بقرة أو أيلاً أو أروى فعليه بقرة، أو قتل غزالاً أو أرنباً فعليه شاة، وإن قتل ظبياً أو جرياً أو يربوعاً، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن.

وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟

قال: أليس يقول الله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل ﴾ ؟

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل ﴾ قال: ما كان له مثل يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان في قوله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل ﴾ قال: فما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة، فجزاؤه من البدن، وما كان من صيد البر ذوات القرون، فجزاؤه من البقر، وما كان من الظباء، ففيه من الغنم، والأرنب فيه ثنية من الغنم، واليربوع فيه برق وهو الحمل، وما كان من حمامة أو نحوها من الطير ففيها شاة، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن قتلت صيداً فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص، أغرم مثله؟

قال: نعم، إن شئت.

قال عطاء: وإن قتلت ولد بقرة وحشية، ففيه ولد بقرة إنسية مثله، فكل ذلك على ذلك.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ قال: ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أو النعامة فعليه مثله من الإبل، وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو إبل فجزاؤه من البقر، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله، وما كان من أرنب ففيها ثنية، وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام، وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوماً، وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها، فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء.

أن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية قالوا: في النعامة بدنة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر.

أن عمر قضى في الأرنب جفرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: في الحمار بقرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: إذا أصاب المحرم بقرة الوحش ففيها جزور.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء.

أن رجلاً أغلق بابه على حمامة وفرخيها، ثم انطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد ماتت، فأتى ابن عمر فذكر ذلك له، فجعل عليه ثلاثة من الغنم، وحكم معه رجل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في طير الحرم شاة شاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في الجراد قبضة من طعام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تمرة خير من جرادة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: سئل ابن عباس عن المحرم يصيد الجرادة؟

فقال: تمرة خير من جرادة.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته.

وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في بيضة النعام صيام يوم، أو إطعام مسكين» .

وأخرج الشافعي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود موقوفاً.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وأحمد عن رجل من الأنصار.

أن رجلاً أوطأ بعيره ادحي نعامة فكسر بيضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن ذكوان.

«أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل محرم أصاب بيض نعام قال: عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزناد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

نحوه.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في بيض النعام ثمنه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: في بيض النعام قيمته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: في بيض النعام قيمته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في كل بيضتين درهم، وفي كل بيضة نصف درهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبياً، فقال أحدنا لصاحبه: أتراني أبلغه؟

فرمى بحجر فما أخطأ خششاه فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت إليه فكلمه ثم أقبل على صاحبنا فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟

قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله.

قال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق إهابها، يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء، فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل، أعظم شعائر الله، الله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك.

قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، فعلا صاحبي ضرباً بها، وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا، ثم أقبل عليَّ يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك مني شيئاً مما حرم الله عليك.

قال: يا قبيصة، إني أراك شاباً حديث السن، فصيح اللسان فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء، فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة، فإياك وعثرات الشباب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران.

أن أعرابياً أتى أبا بكر فقال: قتلت صيداً وأنا محرم، فما ترى عليَّ من الجزاء؟

فقال أبو بكر لأبي بن كعب وهوجالس عنده: ما ترى فيها؟

فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك!

قال أبو بكر: فما تنكر؟

يقول الله: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمان، فأجاش أحدهما ظبياً فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: ما ترى؟

قال: شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فاهديا شاة، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه!

فسمعها عمر فردهما، وأقبل على القائل ضرباً بالدرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا؟، إن الله يقول ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ ثم قال: إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب قال: أوطأ أربد ظبياً فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي.

فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز: أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيداً وهومحرم وعنده عبدالله بن صفوان فقال ابن عمر له: إما أن تقول فأصدقك أو أقول فتصدقني.

فقال ابن صفوان: بل أنت فقل.

فقال ابن عمر ووافقه على ذلك عبدالله بن صفوان.

وأخرج ابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي حريز البجلي قال: أصبت ظبياً وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعداً، فحكما عليَّ تيساً أعفر.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلاً سأل عبدالله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا، ثم قال لي: أكذاك؟

فقلت: أنت أعلم مني.

فقال: قال الله: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مليكة قال: سئل القاسم بن محمد عن محرم قتل سخلة في الحرم، فقال لي: احكم.

فقلت: أحكم وأنت ههنا؟

فقال: إن الله يقول ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد قال: لا يصلح إلا بحكمين لا يختلفان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر بن محمد بن علي، أن رجلاً سأل علياً عن الهدي، ممَّ هو؟

قال: من الثمانية الأزواج، فكأن الرجل شك!

فقال علي: تقرأ القرآن؟

فكأن الرجل قال نعم.

قال: أفسمعت الله يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ [ المائدة: 1] قال: نعم.

قال: وسمعته يقول ﴿ ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ [ الحج: 34] ﴿ ومن الأنعام حمولة وفرشاً ﴾ [ الأنعام: 142] فكلوا من بهيمة الأنعام، قال: نعم.

قال: أفسمعته يقول ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ [ الأنعام: 143] قال: نعم.

قال: أفسمعته يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [ المائدة: 95] إلى قوله: ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ قال الرجل: نعم.

فقال: إن قتلت ظبياً فما علي؟

قال: شاة.

قال علي: هدياً بالغ الكعبة.

قال الرجل: نعم.

فقال علي: قد سماه الله بالغ الكعبة كما تسمع.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: إنما الهدي ذوات الجوف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ قال: محله مكة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: الهدي والنسك والطعام بمكة، والصوم حيث شئت.

وأخرج أبو الشيخ عن الحكم قال: قيمة الصيد حيث أصابه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾ قال: الكفارة في قتل ما دون الأرنب إطعام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: من قتل الصيد ناسياً أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر، فعليه مثله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ فإن لم يجد فابتاع بثمنه طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: قال لي الحسن بن مسلم: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون فيه شاة فصاعداً فذلك الذي قال الله: ﴿ فجزاء مثل ما قلتم من النعم ﴾ وأما ﴿ كفارة طعام مساكين ﴾ فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، العصفور يقتل فلا يكون هدي قال: ﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ عدل النعامة أو عدل العصفور، أو عدل ذلك كله.

قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال: كل شيء في القرآن أو، فلصاحبه أن يختار ما شاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي.

أنه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئاً من الصيد عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم طعاماً بسعر ذلك اليوم فتصدق به، فإن لم يكن عنده طعام صام مكان كل نصف صاع يوماً.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء ومجاهد في قوله: ﴿ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ﴾ قالا: هو ما يصيب المحرم من الصيد لا يبلغ أن يكون فيه الهدي، ففيه طعام قيمته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في الآية قال: إن أصاب إنسان محرم نعامة فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء، جزوراً أو عدلها طعاماً، أو عدلها صياماً له، ايتهن شاء من أجل قوله عز وجل، فجزاؤه كذا.

قال: فكل شيء في القرآن، أو، فليختر منه صاحبه ما شاء.

قلت له: أرأيت إذا قدر على الطعام ألا يقدر على عدل الصيد الذي أصاب؟

قال: ترخيص الله عسى أن يكون عنده طعام وليس عنده ثمن الجزور، وهي الرخصة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني.

أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ومعاوية، قضوا فيما كان من هدي مما يقتل المحرم من صيد فيه جزاء، نظر إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: ما كان في القرآن أو فهو فيه بالخيار، وما كان فمن لم يجد فالأول، ثم الذي يليه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي في محرم أصاب صيداً بخراسان قال: يكفر بمكة أو بمنى، ويقوِّم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس وعطاء.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين يتصدق بالطعام؟

قال: بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: كفارة الحج بمكة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره، فإن الله يقول ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ إلا أن تقدم في العشر فيؤخر إلى يوم النحر.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل لصيامه وقت؟

قال: لا إذا شاء وحيث شاء، وتعجيله أحب إليَّ.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عدل الطعام من الصيام؟

قال: لكل مد يوم يأخذ، زعم بصيام رمضان وبالظهار، وزعم أن ذلك رأي يراه ولم يسمعه من أحد.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ قال: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: إنما جعل الطعام ليعلم به الصيام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ قال: عقوبة أمره.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ قال: عاقبة عمله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق نعيم بن قعنب عن أبي ذر ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ عما كان في الجاهلية ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ قال: في الإسلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ قال: عما كان في الجاهلية ﴿ ومن عاد ﴾ قال: من عاد في الإسلام ﴿ فينتقم الله منه ﴾ وعليه مع ذلك الكفارة.

قال ابن جريج: قلت لعطاء: فعليه من الآثام عقوبة؟

قال: لا.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس.

في الذي يصيب الصيد وهو محرم يحكم عليه من واحدة، فإن عاد لم يحكم عليه وكان ذلك إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، ثم تلا ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ ولفظ أبي الشيخ: ومن عاد قيل له اذهب، ينتقم الله منك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس قال: من قتل شيئاً من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه كلما قتله، ومن قتله متعمداً حكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي.

أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم، فسأل شريحاً فقال: هل أصبت قبل هذا شيئاً؟

قال: لا.

قال: أما إنك لو فعلت لم أحكم عليك، ولوكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: رخص في قتل الصيد مرة، فإن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم.

في الذي يقتل الصيد ثم يعود قال: كانوا يقولون: من عاد لا يحكم عليه، أمره إلى الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه في العمد مرة واحدة، فإن عاد لم يحكم عليه وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، ويحكم عليه في الخطأ أبداً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: يحكم عليه كلما عاد.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق زيد أبي المعلى عن الحسن.

أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيداً آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً عاد، فبعث الله عليه ناراً فأكلته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليقتل المحرم الفأرة، والعقرب، والحدأ، والغراب، والكلب العقور» ، زاد في رواية «ويقتل الحية» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس فواسق فاقتلوهن في الحرم: الحداء، والغراب، والكلب، والفأرة، والعقرب» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود.

أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرماً أن يقتل حية في الحرم بمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقتل المحرم الذئب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ الآية.

حرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرمًا، لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطير، سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم (١) أما عند المفسرين فالآية واردة في المحرمين (٢) ﴿ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ يصلح للمحرمين وللداخلين في الحرم، وإذا شمل اللفظ المعنيين جميعًا فهما منه (٣) ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ﴾ ، قال مجاهد والحسن وابن جريج وإبراهيم وابن زيد: هو الذي يتعمد القتل ناسيًا لإحرامه، وعليه الجزاء، فأما إذا تعمد القتل ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء عليه، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ ، ارتفع ﴿ فَجَزَاءٌ ﴾ بإضمار: فعليه (١٠) وقال الزجاج: ويجوز أن يُرفَع (جزاء) على الابتداء، ويكون (مثل ما قتل) خبر الابتداء، ويكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النَّعَمِ ﴾ ، يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي (فجزاء) والمعنى: فجزاء من النعم مثلٌ لما قتل، ويجوز أن يكون متعلقًا بمثل، أي: مثلٌ لما قتل من النعم (١٤) وأما من أضاف الجزاء إلى مثل فقال: فجزاء مثل ما قتل، فإنه وإن كان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنهم قد يقولون: أنا نكرم مثلك، يريدون: أنا أكرمُك، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في المعنى كغير الإضافة، لأن المعنى: فعليه جزاءُ ما قتل، ومما يؤكد أن المثل وإن كان قد أضيف إليه الجزاء فالمعنى: فعليه جزاء المقتول لا جزاءُ مثله الذي لم يقتل قوله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ  ﴾ والتقدير: كمن هو في الظلمات، والمِثْلُ والمَثَلُ والشِّبْهُ والشَبَهُ واحدٌ، فإذا كان مَثلُه في الظلمات فكأنه هو أيضًا فيها (١٥) واختلفوا في هذه المماثلة أهي في القيمة أو بالخلقة: فالذي عليه عُظْم أهل العلم والتأويل: أن المماثلة في الخِلقَه، ففي النعامة بدنة،، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال والأرنب حَمَل، وفي الضب سخلة، وفي اليَربُوع جَفْرة (١٦) قال الشافعي بعد ما ذكر هذا الفصل: ينظر إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهًا من النعم بالخلقة لا بالقيمة (١٧) (١٨) (١٩) وقال إبراهيم النخعي: يُقوم الصيد المقتول بقيمة عادلة، ثم يشترى بثمنه مثله من النعم (٢٠) والصحيح القول الأول (٢١) (٢٢) وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يهدى (في) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان (منكم) أي من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به (٢٥) قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر  فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟

قال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به (٢٦) وأخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم رحمه الله، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عبدوس الحيري، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثني ابن أبي أمية، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حُجاجًا، فكنَّا إذا صلينا الغداةَ اقتدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وجوز عمر  أن يكون الجاني على الصيد أحد الحكمين فيما روي أن أربد (٣٢) (٣٣) (٣٤) قال العلماء: في هذه الآية دلالة على صحة الاجتهاد في الأحكام، لأن الله تعالى جعل الحكم إلى العدلين، وقد يقع في ذلك الاختلاف، فيحكم عدلان في جزاء صيد بشيء، ويحكم عدلان آخران لإنسان آخر في جزاء مثله من الصيد بشيءآخر، وكله حق وصواب.

وقوله تعالى: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ ﴾ ، قال الزجاج: (هديًا) منصوب على الحال، المعنى يحكم به مقدّرًا أن يهدي (٣٥) (٣٦) ﴿ بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكره، لأن المعنى: بالغًا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافًا (٣٧) ﴿ عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ (٣٨) ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في سورة النساء [97]، والكعبة: البيت الحرام، سمي كعبة لارتفاعه وتربيعه، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾ ، اختلف القراء ههنا، فنون بعضهم الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام؛ لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد (٤١) (٤٢) (٤٣) واختلفوا في (أو) في هذه الآية هل هي للتخيير أم لا؟

فقال ابن عباس في بعض الروايات ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي: إن (أو) ليس على التخيير ولكن على الترتيب، لأنه لا يخرج حكم الجزاء عن أحد الثلاثة، إن لم يجد الجزاء بالهدي إما لعدم (الثمن) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال الزجاج: الذي يوجبه اللفظ التخيير، وهو الاختيار على مذهب اللغة (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيًّا، ثم يجعل طعامًا (٥٠) (٥١) وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ ، قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعِدْل المثل، تقول: عندي عِدلُ غلامك وشاتك ، إذا كانت شاة تعدل شاة أو غلام يعدل غلامًا، وإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت: عَدْل، وربما قال بعض العرب: عِدْله وكأنه منهم غلط، لتقارب معنى العَدْل من العِدْل ولفظه (٥٣) وقال أبو الهيثم: العِدلُ المثل، هذا عِدْلُه أي مثله، والعَدْل القيمة، تقول: خُد عَدْله منه كذا، أي قيمته.

قال: والعِدل اسم حمْلِ معدول يحمل، أي مَسَوَّى به، والعَدْل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلًا (٥٤) وقال الزجاج: العَدْل والعِدلُ واحد في المعنى، وهما بمعنى المثل، كان المثل من الجنس أو من غير الجنس، ولا تقول: إن العرب غلطت وليس إذا أخطأ مخطئ وجب أن تقول: إن العرب غلطت (٥٥) وقال ابن الأعرابي: عَدْل الشيء وعِدله سواء، أي مثله (٥٦) قال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿ صِيَامًا ﴾ منصوب على التمييز.

المعنى: ومثل ذلك من الصيام (٥٧) وقال الفراء: ونصبك الصيام على التفسير، كما تقول: عندي رطلان عسلاً، وملء بيت قَتّا.

قال: والأصل فيه أن تنظر إلى (مِنْ)، فإن حسنت فيه ثُمَّ أُلقيت نصبت، ألا ترى أنك تقول: عليه عَدْل ذلك من الصيام، وكذلك قوله تعالى: ﴿ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا  ﴾ (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) قال الشافعي: ولا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة أو بمنى، وأما الصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم (٦٢) (٦٣) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا إبراهيم شريك، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي  قال: "خمسٌ من الدوابِّ ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغُرابُ والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد جزاء ما صنع وعاقبته (٦٥) (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ﴾ ، قال الحسن وعطاء والسدي: عما مضى في الجاهلية (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ ، اختلفوا في حكم من عاد: فقال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرمًا بعدما حُكِمَ عليه في المرة الأولى حكم عليه ثانيًا وهو بصدد الوعيد لقوله تعالى: ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ (٦٩) (٧٠) (٧١) قال ابن عباس: إذا عاد في المرة الثانية لقتل الصيد لم يحكم عليه، ولكن يملأ بطنه وظهره بالسياط ضربًا وجيعًا (٧٢)  في "وج" وهو وادٍ بالطائف، جعله حرامًا كحرمة البلد الحرام، فمن قتل صيده ملىء ظهره وبطنه جلدًا وسلب ثيابه (٧٣) والفاء في قوله تعالى: ﴿ فَيَنْتَقِمُ ﴾ جواب الشرط، والتقدير: ومن عاد فإن الله ينتقم منه (٧٤) ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ  ﴾ إن في هذه الآي إضمارًا مقدرًا، كأنه: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن فهو لا يخاف، لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل إذا كان مستغنًى عنه مع الفعل، وإنما يحتاج إلى الفاء مثل قولك: إن تأتني فأنت مكرم (٧٥) قال أبو علي: وموضع الفاء مع ما بعدها جزم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ  ﴾ بالجزم، يحمل إياه على موضع: (فلا هادِي) (٧٦) (٧٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ ، قال عطاء: منيع ذو انتقام من أهل معصيته" (٧٨) (١) "تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.

(٣) "النكت والعيون" 2/ 66، "زاد المسير" 2/ 422.

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 43، "النكت والعيون" 2/ 67، البغوي 3/ 97.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 42، "زاد المسير" 2/ 422.

(٦) "تفسير البغوي" 3/ 97، "زاد المسير" 2/ 422.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 42، "الوسيط" 2/ 229، البغوي 3/ 97.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 43 بمعناه.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 43، "الوسيط" 2/ 229.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 476.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 207.

(١٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (فجزاءُ مثل ما) مضافة بخفض مثل.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 254.

(١٣) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 254، 255.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 255، "بحر العلوم" 1/ 458.

(١٥) الحجة 3/ 256، 257، "بحر العلوم" 1/ 458.

(١٦) "الأم" للشافعي 2/ 206، والطبري 7/ 44 - 50، و"النكت والعيون" 2/ 67 ، والبغوي 3/ 97، 98، والقرطبي 6/ 310، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.

(١٧) "الأم" 2/ 206، 207.

(١٨) "الأم" 2/ 207، و"تفسير البغوي" 3/ 97.

(١٩) "تفسير الطبري" 7/ 44 - 50، والبغوي 3/ 97، 98، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.

(٢٠) أخرجه الطبري 7/ 50.

(٢١) وهو اختيار الطبري 7/ 50.

(٢٢) في (ج): (وهي لا تساوي).

(٢٣) ليس في (ج).

(٢٤) "بحر العلوم" 1/ 458، "النكت والعيون" 2/ 67، القرطبي 6/ 310.

(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 67، "الوسيط" 2/ 229، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص 101، والبغوي 3/ 97، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٢٦) أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد جيد.

انظر: ابن كثير 2/ 112، كما أخرجه عبد بن حميد أيضاً.

"الدر المنثور" 2/ 581.

(٢٧) في (ش): (إذ).

(٢٨) بضم الخاء وتشديد الشين، والخشاء: هو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتىء خلف الأذن (تحقيق شاكر للطبري).

(٢٩) ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه، وأصل الردع ما تلطخ به الشيء من زعفران وغيره، وهو أثر دمه (تحقيق شاكر للطبري).

(٣٠) في (ش): (فاهد).

(٣١) أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن قبيصة.

الطبري 7/ 45 - 48، وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه.

"الدر المنثور" 2/ 581.

(٣٢) هو أربد بن عبد الله البجلي، أدرك الجاهلية، ترجمه ابن حجر في الإصابة من القسم الثالث، وذكر قصته هذه.

انظر: "الإصابة" 1/ 101.

(٣٣) أي حمل دابته حتى وطئت الصف، أي داسته (تحقيق شاكر للطبري).

(٣٤) أخرجه الشافعي في "الأم" 2/ 206، والطبري 7/ 49، وقال ابن حجر: إسناده صحيح.

الإصابة 1/ 111.

(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، انظر: "الطبري" 7/ 50.

(٣٦) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 268.

(٣٧) "معاني الزجاج" 2/ 208، "تفسير الطبري" 7/ 50.

(٣٨) في (ج): (ممكرنا).

(٣٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب)، والصحاح 1/ 213 (كعب).

(٤٠) أخرجه الطبري 7/ 51.

(٤١) "الحجة" 3/ 257، 258، ونسب القراءة هذه لابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.

(٤٢) بعد هذه الكلمة وجد زيادة في (ج) وهي: "لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد"، ولعل هذا سهو من الناسخ؛ لأن هذه الجملة من الكلام تقدمت في تعليل القراءة الأولى، فليتنبه.

(٤٣) "الحجة" 3/ 257 ، 258 ونسب هذه القراءة لنافع وابن عامر.

(٤٤) ساقط من (ج).

(٤٥) "تفسير الطبري" 7/ 53، "الدر المنثور" 2/ 583.

(٤٦) "الأم" 2/ 207.

(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.

(٤٨) "الأم" 2/ 207.

(٤٩) "الأم" 2/ 207، والطبري 7/ 53 عن عطاء.

(٥٠) أخرجه الطبري 7/ 54.

(٥١) "تفسير الطبري" 7/ 54.

(٥٢) أخرجه الطبري 7/ 55.

(٥٣) "معاني القرآن" 1/ 320، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.

(٥٨) "معاني القرآن" 1/ 320، "تفسير الطبري" 7/ 57، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٩) أخرجه الطبري 7/ 57.

(٦٠) "الأم" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٦١) "بحر العلوم" 1/ 459، والبغوي 3/ 98.

(٦٢) "الأم" 2/ 207.

(٦٣) "الوسيط" 2/ 230.

عموم السباع فيها خلاف وتفصيل.

ذكره القرطبي 6/ 303، 304 فلينظر إليه.

(٦٤) أخرجه البخاري (1826) كتاب: جزاء الصيد ، باب: ما يقتل المحرم من == الدواب 2/ 212، ومسلم (1198) كتاب: الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب وغيرهما.

(٦٥) "تفسير البغوي" 3/ 98.

(٦٦) "معاني الزجاج" 2/ 208، و"اللسان" 8/ 4755 (وبل).

(٦٧) أخرجه عن عطاء الطبري 7/ 58، و"تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 426 ورجح ابن الجوزي هذا القول.

(٦٨) "تفسير الطبري" 7/ 58 - 59، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٦٩) "تفسير الطبري" 7/ 59.

(٧٠) "تفسير الطبري" 7/ 61، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٧١) "تفسير الطبري" 7/ 60 - 61، "بحر العلوم" 1/ 459.

(٧٢) "تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 427.

(٧٣) أخرج أبو داود (2032) كتاب: المناسك، باب: 97 عن الزبير  أن النبي  قال: "إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله".

و"تفسير البغوي" 3/ 98.

(٧٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 209.

(٧٥) انظر: "الكتاب" 3/ 69 (٧٦) "الحجة" 4/ 109 ، 110.

(٧٧) "تفسير الطبري" 7/ 63، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٧٨) انظر: "الوسيط" 2/ 230.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ معنى حرم داخلين في الإحرام وفي الحرم، والصيد هنا عامّ خَصَّص منه الحديث: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور.

وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها، وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كل ممّا لا يؤكل لحمه، ولفظ الصيد يدخل فيه ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن يصاد وورد النهي هنا عن القتل قبل أن يصاد وبعد أن يصاد، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ .

﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ مفهوم الآية يقتضي أن جزاء الصيد على المتعمد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر، وقال جمهور الفقهاء: المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في قوله متعمداً على ثلاثة أقوال: أحدها أن المتعمد إنما ذكر ليناط به الوعيد في قوله: ومن عاد فينتقم الله منه، إذ لا وعيد على الناسي، والثاني: أن الجزاء على الناس ثبت بالسنة ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ المعنى فعليه جزاء، وقرئ بإضافة جزاءُ إلى مثل، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به، وقيل: مثل زائدة، كقولك: أنا أكرمُ مثلّك أي: أكرمك، وقرئ فجزاءٌ بالتنوين، ومثلُ بالرفع على البدل أو الصفة، والنعم الإبل والبقر والغنم خاصة، ومعنى الآية عند مالك والشافعي: أنّ من قتل صيداً وهو محرم أنّ عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في الخلقة والمنظر، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة، فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مثل أطعَم أو صامَ، ومذهب أبي حنيفة أنّ المثل القيمة يقومّ الصيد المقتول، ويخير القاتل بين أن يصدّق بالقيمة أو يشتري بالقيمة من النعم ما يهديه ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه، فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه، لعموم الآية، وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة ﴿ هَدْياً ﴾ يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني مما سواه، وقال الشافعي: يخرج المثل في اللحم ولا يشترط السن ﴿ بالغ الكعبة ﴾ لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، ويقتضي أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي من سَوْقه من الحلّ إلى الحرام، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه ﴿ أَوْ كفارة طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ عدّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولاً الجزاء من النعم، ثم الطعام ثم الصيام، ومذهب مالك والجمهور أنها: على التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بأو، ومذهب ابن عباس أنها: على الترتيب، ولم يبين الله هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يقدّر الجزاء من النعم.

لأنهم اختلفوا في كيفية التقدير، فقال مالك: يقدر الصيد المقتول نفسه بالطعام الحب أو الدراهم، ثم تقوّم الدراهم بالطعام، فينظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيّ، وقال بعض أصحاب مالك: يقدّر الصيد بالطعام أي يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعاماً، وقال الشافعي: لا يقدر الصيد نفسه، وإنما يقدّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له ﴿ أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ تحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن لأنه أقرب أو إلى الصيد، واختلف في تعديل الصيام بالطعام فقال مالك: يكون مكان كل مدّ يوماً، وقال أبو حنيفة: مكان كل مدّين يوم، وقيل: مكان كل صاع يوماً، ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل لقوله: من قتله، وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء ﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ الذوق هنا مستعار لأن حقيقته بحاسة اللسان، والوبال سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التفكير ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف ﴾ أي عما فعلتم في الجاهلية من قتل الصيد في الحرم ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ أي من عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي عن ذلك؛ فينتقم الله منه بوجوب الكفارة عليه أو بعذابه في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.

الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان  ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.

﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.

﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.

﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.

﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.

قال المفسرون: "جلس رسول الله  يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله  فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟

قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.

فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.

ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‍‍!

أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟

فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.

فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه  قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.

ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.

فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.

والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.

ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه  هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.

قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله  وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.

أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.

ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.

ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.

أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.

وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.

ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.

والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.

فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.

وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.

أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه  قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي  أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.

فقال الرجل: ما أجد.

فأتى النبي  بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي  : أطعم هذا.

وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.

ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.

وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.

وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.

أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.

ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.

وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.

وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.

وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.

قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.

وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.

والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.

قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.

وعن مجاهد: ثوب جامع.

وقال الحسن: ثوبان أبيضان.

و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.

ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.

ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.

وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.

وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.

﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.

تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.

وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.

ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي  أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟

فقال رسول الله  : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟

قال: بلى.

قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .

وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي  قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .

ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.

هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.

والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.

جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.

﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.

وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.

ثم إنه  استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.

واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله  منها قصة علي بن أبي طالب  وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله  أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله  واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.

فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟

قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي  : فانطلقت حتى دخلت على النبي  وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله  الذي أتيت له فقال: ما لك؟

فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!

عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.

قال: فدعا رسول الله  بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.

فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله  يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله  ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟

فعرف رسول الله  أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.

قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.

ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.

قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون  ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.

ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.

ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.

ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.

والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.

ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.

ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.

وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.

وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.

ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟

ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.

إذ فهموا التحريم المؤكد.

ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.

ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.

عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.

فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله  ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله  ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.

ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.

والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.

وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع  ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.

والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.

روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟

فنزلت.

وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.

ثم أنه  شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.

فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.

وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.

وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.

وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.

ثم إنه  استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد  بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.

قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.

قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.

و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.

عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.

أما الأول فلقوله  بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله  ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.

وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.

وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي  : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.

وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.

﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.

وقيل: وقد دخلتم الحرم.

وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.

ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.

قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.

وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.

قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.

وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.

ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.

وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.

وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.

قال  "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.

أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.

ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.

حجة الشافعي قوله  ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي  أنه حكم في الضبع بكبش.

وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.

فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.

والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.

وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.

والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.

وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.

(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.

فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.

وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.

الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.

وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.

الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.

وقال المزني: عليه شاة.

وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.

الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.

حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.

حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.

والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.

فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.

قوله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.

ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.

عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟

قال الله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.

قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه  قضى في الضبع بكبش.

وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.

وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.

وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟

إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.

وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.

فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.

فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.

فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.

وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.

ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.

ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.

قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.

وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.

وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.

والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.

قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.

وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.

قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.

ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.

وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.

ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.

ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.

وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.

وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.

فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.

والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.

وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.

فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.

وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.

ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.

ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.

وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.

ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.

وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.

وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟

أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.

أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.

والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.

والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.

وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.

﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.

ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.

فقال أبو حنيفة: حرام.

وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.

قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.

وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.

فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.

وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.

قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال  ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله  في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.

وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.

وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.

واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي  أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله  قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله  : هل أشرتم؟

هل أعنتم؟

فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟

قالوا معنا رجله.

فأخذها النبي  فأكلها.

هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وقال في الكشاف.

أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.

ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.

ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.

وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم  .

﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.

وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.

وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.

وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.

وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.

وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله  أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.

ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!

ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.

وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه  يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي  قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟

فقال له النبي  : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله  وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.

التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.

﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.

﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.

ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.

أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.

﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.

﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.

﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.

﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.

والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.

﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ وليس فيه بيان أنه ابتلي بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى: أن الابتلاء إنما كان بالنهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ دل هذا على أن المحرم كان منهيّاً عن الاصطياد: [بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ ﴾ ]، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم.

ثم اختلف في الآية: قال بعضهم: النهي بشيء من الصيد لأهل الحرم؛ ألا ترى أنه روي في الخبر قال: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُّهَا، وَلا يُخْتَلى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا" فكان الابتلاء بالنهي عن الصيد لأهل الحرم؛ لما أخبر أنه لا ينفر صيدها، وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ وبقوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ .

وقال آخرون: الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهي عن قتله، وهنالك نهي عن أخذه بقوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ : أي: في بعض الصيد دون بعض؛ لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر وإنما نهي عن أخذ صيد البر بقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ  ﴾ [وقال -  -]: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فذلك معنى قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال: ليبلونكم الله بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تناله الأيدي هو البيض؛ وعلى هذا يخرج قولنا: إن المحرم منهي عن أخذ البيض، فإن أخذ بيضاً فإن عليه الجزاء، والذي يدل على ذلك ما روى أبو هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "فِي بَيْضِ النَّعَامِ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ" وعن كعب بن عجرة أن رسول الله  قضى في بيض نعام أصابه محرم بثمنه.

وعن ابن عباس -  - عليه ثمنه أو قيمته.

وعن ابن مسعود -  - مثله.

وقال بعضهم: تناله أيديكم: هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير فتؤخذ بالأيدي أخذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال بعضهم: ما رميت وطعنت.

وقيل في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بغير سلاح، ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بالسلاح من نحو: النبل، والرماح، وغيرهما من السلاح.

ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ والاصطياد: هو الأخذ لا القتل، وإنما النهي عن القتل في قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

ليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، أو أن يقال: ليعلم ما قد علم غائباً عن الخلق شاهداً؛ كقوله -  -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ...

﴾ الآية [الأنعام: 73].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: يخافه بالغيب: بغيب الناس؛ أي: يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد.

وقال آخرون: يخاف العذاب بالأخبار وإن لم يشهد ويصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: من استحل قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

والثاني: من اعتدى على الصيد بعد النهي على غير استحلال، ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وإذا عذب كان عذابه أليماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ أي: وأنتم محرمون.

الآية في ظاهرها عامة على قتل الصيد كله، ثم إن رسول الله  رخص في أشياء أذن في قتلها فقال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ جَنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ في الحرَمِ: الحِدَأَةُ، والغُرَابُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ" وعن عائشة -  ا -: قالت: "أمر رسول الله  بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" وفي بعض [النسخ و] الأخبار: الذئب؛ فيحتمل أن يكون الكلب العقور: الذئب.

وروي عن أبي سعيد الخدري أن [رسول الله]  سئل عما يقتل المحرم؟

فقال: "الحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ.

[وَيَرْمِي الغُرَابَ وَلا يَقْتُلُهُ،] والكُلْبُ العَقُورُ والسَّبُعُ العادِي" والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله: ما قتل الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والنمر، والذئب، وما كان من السباع لا يعدو، مثل: الضبع، والثعلب، والهرة، وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم، فإن هو قتل شيئاً منهن فداه، وإن قتل شيئاً من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه.

وفي بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ الفَأْرَةَ؛ فإِنَّهَا تُوهِنُ السِّقَاء" وقال بعض الناس: ما قتل المحرم من السباع التي لا يؤكل لحمها؛ فلا فدية عليه؛ فكان تاركاً لظاهر الآية، وهو قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

فإن احتج بحديث ابن عمر -  - أن النبي  رخص للمحرم في قتل خمس من الدواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه - قيل: أباح النبي  قتل الخمس؛ لعلةٍ: أنه لا يؤكل لحمها.

فإن قال: نعم - قيل: ما الدليل على ذلك؟

فإن قال: لأنها لا تؤكل؛ فكل ما لا يؤكل من الصيد فقتله مباح؛ فيقال له: قولك: "لا يؤكل" ليس بعلة؛ لأن ذلك لا يزول ولا يتغير، والعلة هي التي تحدث في وقت وتزول في وقت، ولو كان قول القائل: "لا يؤكل"، علةً فيما لا يؤكل - كان قوله: "يؤكل"، علةً فيما يؤكل، وكان الشيء علة لنفسه.

وهذا بين الخطأ، وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة التي أذن النبي  في قتلها للمحرم علة في إطلاق قتلها، ما كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا؛ لأن القياس إنما يكون على العلل، وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه.

وعندنا: أن هذه الخمسة المسماة تبتدىء المحرم وغيره بالأذى، وإن لم يبتدئها المحرم، وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه - لا يكاد يبتدىء بالأذى حتى يبتدئها الإنسان؛ فحينئذ تعرض له.

وبيان ذلك: أن الحدأة ربما أغارت على اللحم تراه في يدي الرجل، والغراب يسقط على وبر الدواب فيفسده، والعرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسَّه، والكلب العقور لا يكاد يهرب من الناس كما يهرب السباع سواه.

فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي تهرب من بني آدم، ولا تكاد تؤذيهم حتى يبدءوها بالأذى؛ [لذا] جعلنا العلة فيما رخص النبي  للمحرم في قتله: ما يعرف من قصدها لأذى المحرم وإن لم يؤذها المحرم؛ إذا كان ذلك معروفاً فيها، معلوماً أنه أكثر شأنها؛ فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، وكان المعروف فيها أنها لا تبتدىء بالأذى - لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة في الخبر، فإذا ابتدأ منها مبتدىء المحرمَ بالأذى؛ كان حينئذ مثل الخمسة؛ فجاز له قتلها بغير فدية.

وبعد: فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى: صيداً، والصيادون يصيدونه؛ فكان داخلا تحت عموم الخطاب، ومخالفنا تارك لأصله في العموم؛ لأنه خص الآية بغير دليل، ومن أصله أن الآية على العموم، [و] لا تخص إلا بالدليل، وأصحابنا - رحمهم الله - يجعلون الصيد كله محظوراً أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها، فإن قتله قبل أن يعدو عليه لزمه الفداء؛ ذهبوا في ذلك: إلى ما روي في الخبر: [خبر] أبي سعيد -  - عن رسول الله  أنه قال: "يَقْتَلُ المُحْرِمُ كَذَا وَكَذا وَالسَّبُعَ العَادِي" ، فالعادي: ما يعدو على المحرم.

وإلى ما روي عن علي بن أبي طالب -  - وغيره، مع ما روي عن النبي  أنه جعل على المحرم قَتَلَ ضبعاً - جزاءه، وكذلك روي عن عمر وابن عباس وابن عمر -  م - وهي مما يؤكل.

وعن جابر قال: سئل النبي  عن الضبع؛ فقال: "هُوَ صَيْدٌ، وَفِيهِ كَبْشُ" .

وعن عمر -  - كذلك، وابن عباس وابن عمر -  ما - كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ ﴾ .

اختلف في الآية في تأويلها على وجهين: أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس -  - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء.

وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس،  .

والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ لقتله، ناسياً لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو [الخطأ] المكفر.

وإن قتله متعمداً لقتله، ذاكراً لإحرامه - لم يحكم عليه.

وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمداً لصيده، ناسياً لإحرامه، وقال: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ﴾ متعمدا للصيد، وذاكراً لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه.

أحسنوا الظن به.

وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم ونساه؛ لأن للإحرام أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد الكفارة، عمداً قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل [الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل] ذاكراً لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله عامداً لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر.

فإن قيل: إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمداً؛ فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟!

قيل: إن قاتل النفس عمداً - وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، وقاتل الصيد عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء عليه سواها؛ لذلك اختلفا.

ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمداً بالكتاب، والحكمُ في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حالٍ دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع.

ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ [و] لم تذكر في قتل العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمل فهي في الخطأ أوجب.

والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمداً كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة [يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة]؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ .

اختلف أهل العلم فيما يجب من المثل: فقال: قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: [بدنة]، وفي الحمار [الوحشي]: بقرة، وأشباه ذلك.

وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعاماً، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يوماً.

وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دماً: يتصدق به.

وأما قولنا: إن المثل هو القيمة، لا المثل في رأي العين: ذهبنا في ذلك إلى وجوه: أحدها: أن المحرم إذا أصاب صيداً في هذا الوقت - حكم بجزائه حكمان؛ فلو كان مثلُ الظبي شاةً في كل الدهور والأوقات - كان في جعلنا ما تقدم من أصحاب النبي  والسلف من الحكم في ذلك كافياً لا يحتاج إلى حكم غيرهم؛ فدل إجماعهم على أن حكم الحكمين باق، على أن المثل غير مؤقت؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات، وإذا جعلنا المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة، وإذا جعلناه هدياً فالحاجة إليهما زائلة؛ ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين وقد ذكره الله في كتابه.

والثاني: ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه المحرم فعليه قيمته؛ فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته، فهو في كل الصيد قيمته، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من السلف -  م - أنهم قالوا ذلك.

فإن قيل: ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له [ترى] ذلك مثلاً؟

فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؟

فإن قال: المثل: هو الهدى فيما له مثل، فأما ما لا مثل له من الهدى، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنما وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدى، فأما ما لا مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول الله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون منهيّاً عن قتله؟

فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو - أيضاً - داخل في عموم قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً...

﴾ الآية.

فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ قيل له: قد قال الله -  -: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  ﴾ فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى الآية؟

ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها: ما قَلَّت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مِثْلاً، والله أعلم.

ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، والله أعلم.

وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في صفته، ولا في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيها، والله أعلم.

فإن قيل: كيف يسمَّي قيمة الشيء: "مثلا" وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء؟

قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى: "مثلا"، ولأن الله -  - قال: ﴿ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً ﴾ ، وإذا جاز أن يسمى الصيام: "عدلا" للطعام، جاز أن تسمى القيمة: "عدلا" للصيد، وإنما صار الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، والله أعلم.

ولأن الله -  -: قال ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ ، ولو كان المراد من المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل [على] ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هدياً إن شاء، فيهدي، وإن لم يبلغ هدياً قومت الدراهم طعاماً، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف صاع يوماً.

وروي عن ابن عباس -  - كذلك، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، والسلف جملة.

وعندنا: أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة، يفعل أي هذه الثلاثة شاء؛ لأن الله -  -: قال في المحصر: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، ولا خلاف بينهم في أن لصاحب الفدية في حلق الرأس أن يفعل أي هذه الثلاثة شاء، فالواجب أن يكون في جزاء الصيد مثله؛ لأن الخطاب خرج على حرف التخيير، وكل خطاب خرج على حرف التخيير، وكان سبب وجوبه واحدا - فهو على التخيير؛ نحو كفارة اليمين، وما ذكرنا في دفع الأذى عن رأسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ شرط بلوغ الكعبة، وهو لا يبلغ نفس الكعبة؛ فدل أن المراد رجع إلى بلوغه قرب الكعبة، وعلى هذا يخرج قولهم فيمن حلف ألا يمر على باب فلان، فمر بقرب بابه - حنث؛ استدلالا بقوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، لم يرد به بلوغه عين الكعبة، ولكن قربها أو مكانها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وكان محمد بن الحسن يقول: يحكم عليه بمثله من النعم حيث كان.

وأبو حنيفة -  - يقول: يحكم عليه بقيمة الصيد في الموضع الذي أصابه فيه.

واختلافهما في هذا يرجع إلى ما اختلفا فيه من المثل عينا أو قيمة.

وقد روي عن عمر، وعبد الرحمن -  ما - وغيرهما أنهم حكموا في الظبي شاة، ولم يسألوا عن الموضع الذي أصيب فيه؛ فدل تركهم السؤال عن ذلك [على] أن المواضع كلها كانت عندهم سواء، وأنهم أجروه مجرى الكفارات دون القيم؛ لأنهم لو أجروا ذلك مجرى ضمان القيم، لسألوا عن أماكن الجنايات؛ إذ كان الصيد يختلف قيمته، ولا يستوي في ذلك الأماكن كلها؛ فهذا يؤيد قول محمد ومن وافقه.

وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك للحرم في الصيد، وكل من أتلف ملك آخر أو جنى على مال أحد، إنما ينظر إلى قيمته في المكان الذي أتلفه؛ فعلى ذلك النظر في الصيد إلى المكان الذي أصابه.

ثم المسألة في جزاء الصيد أين يذبح؟

عندهم جميعاً: لا يجوز أن يذبح إلا بمكة؛ لأنه لو جاز أن يذبح في غير الحرم حيث شاء، زالت فائدة قوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، وليس في ذلك بينهم خلاف.

وأما الإطعام والصيام: فإن الله - عز جل - لم يذكر فيهما موضعاً، ولا جعل لهما مكاناً؛ فله أن يطعم، وأن يصوم حيث شاء.

فإن قيل: إن الهدي يذبح في الحرم؛ لمنفعة أهل الحرم به، ويتصدق به عليهم؛ فعلى ذلك الإطعام يجب أن يطعم أهل الحرم؛ لأنه جعل لمنفعة لهم.

قيل له: لا خلاف بينهم: أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق به على أهل الحرم ألا يجوز؛ دل أنه لا لما ذكر، ولكن الهدي لا تذبح إلا بمكة؛ ألا ترى أن من قال الله -  -: عليه أن يهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة، ولو قال: عليه الإطعام أو الصدقة، له أن يتصدق حيث شاء؛ دل أن الهدي مخصوص ذبحه بمكة، لا يجوز في غيره، وأما الصدقة فإنها تجوز في الأماكن كلها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: لينال شدة أمره وألمه؛ كما نال لذته.

وقيل: جزاء ذنبه، وهو الكفارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف ﴾ إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد؛ وهو كقوله -  - ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ  ﴾ : أي: من عاد إلى استحلال الصيد في الحرم ينتقم الله منه في النار.

ويحتمل: من عاد إلى قتل الصيد ينتقم الله منه بالكفارة.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء، ويقال: عزيز، أي: كل عز عند عزه ذل.

وغنى، أي: كل غنى غناه فقر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد البري وأنتم مُحْرِمون بحج أو عمرة، ومن قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مماثل لِمَا قتله من الصيد من الإبل أو البقر أو الغنم، يحكم به رجلان متصفان بالعدالة بين المسلمين، وما حكما به يُفْعَلُ به ما يُفْعَلُ بالهدي من الإرسال إلى مكة وذبحه في الحرم، أو قيمة ذلك من الطعام تُدْفع لفقراء الحرم، لكل فقير نصف صاع أو صيام يوم مقابل كل نصف صاع من الطعام، كل ذلك ليذوق قاتل الصيد عاقبة ما أقدم عليه من قتله.

تجاوز الله عما مضى من قتل صيد الحرم وقتل المحرم صيد البر قبل تحريمه، ومن عاد إليه بعد التحريم انتقم الله منه بأن يعذبه على ذلك، والله قوي منيع، ومن قوته أنه ينتقم ممن عصاه إن شاء، لا يمنعه منه مانع.

من فوائد الآيات عدم مؤاخذة الشخص بما لم يُحَرم أو لم يبلغه تحريمه.

تحريم الصيد على المحرِم بالحج أو العمرة، وبيان كفارة قتله.

من حكمة الله عز وجل في التحريم: ابتلاء عباده، وتمحيصهم، وفي الكفارة: الردع والزجر.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Dr6J"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله