الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٥٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ ، وقرأ أهل الحجاز والشام: (يرتدد) بإظهار الدالين (١) ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ ويجوز في اللغة: إن يمسكم (٢) قال أبو علي (٣) (٤) (٥) (٦) قال أبو إسحاق: ويجوز في العربية في هذا الحرف ثلاثة أوجه "يرتدد" بدالين، و"يرتدَّ" بفتح الدال، و"يرتدِّ" بكسر الدال (٧) قال أبو علي: وهذا لغة تميم، وإنما أدغموا لأنهم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وذلك أنهم قد اتفقوا على إدغام المعرب نحو: يرتد، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابهاً للمعرب في تعاور الحركات عليه تعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموه كما أدغموا المعرب بيان هذا أن المعرب يتحرك أيضاً بحركتين (الرفع والنصب) (٨) (٩) شبه ر بْ غَ (١٠) (١١) وقد جاء التنزيل بالأمرين فقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ .
وقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ (١٢) فأما التفسير فقال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه (١٣) واختلفوا في ذلك القوم من هم: فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة (١٤) قالت عائشة: مات رسول الله ، وارتدت العرب، واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (١٥) قال المفسرون: وذلك أن أهل الردة قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نُغصَبُ أموالنا، فقال أبو بكر: لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ .
والله لو منعوني عقالاً مما أدوا إلى رسول الله لقاتلتهم عليه (١٦) والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر في هذا معروفة (١٧) قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة.
فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بُدّاً من الخروج على أثره (١٨) وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك، وحمدناه في الانتهاء ورأينا ذلك رشداً (١٩) وقال ابن عباس: فجاهدهم أبو بكر بالسيف (٢٠) ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب، وأبو بكر ممن كان في ذلك الوقت؟
قيل: إن من قاتل أبو بكر بهم (٢١) قال قتادة: "بعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله، حتى سَبى وقتل وأحرق بالنار ناساً ارتدوا من الإسلام ومنعوا الزكاة" (٢٢) وقال الكلبي: "أتى الله بخير من الذين ارتدوا فشدد بهم (الدين) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) فهؤلاء قاتلوا أهل الردة بأمر أبي بكر، فحمدوا بطاعتهم له وانتهائهم إلى أمره، فليس يخرج أبو بكر عن أن يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون بعدهم إلى قيام الساعة، ممن يجاهد أهل الشرك والكفر والردة في سبيل الله.
وقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ، بدأ بمحبته لأنها الجالبة والموجبة لمحبتهم، ولا يحب الله إلا من أحبه الله، ولولا محبة الله إياهم ما أحبوه، فهذا طريق في تفسير هذه الآية، وروي مرفوعاً أن النبي لما نزلت هذه الآية (أومأ) (٢٧) (٢٨) أخبرناه الأستاذ أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي القاسم النصر اباذي، أخبرنا الإِمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو عَمرو الحوضي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله : "هم قوم هذا".
يعني أبا موسى الأشعري.
أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٩) أولى بالاتباع، وإذا كان قد فسر الآية وبين أن المراد بالقوم المذكور فيها الأشعرية، فليست إلا الفرقة المعروفة بالأشعرية الذين ينتسبون في مذهبهم إلى أبي الحسن الأشعري (٣٠) وكان -رحمه الله- من صُلبَيهِ (٣١) (٣٢) في المسائل المشهورة من أصول الدين التي لم يقع فيها خلاف زمن الصحابة كمسألة القدر (٣٣) (٣٤) (٣٥) في إشارته إلى أبي موسى: "هم قوم هذا" (٣٦) ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الآية [الأعراف: 159].
وقوله تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: "تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته" (٣٧) وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ .
وقال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس (٣٨) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ رحماء رفيقين بالمؤمنين ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ غلاظ شداد عليهم (٣٩) وقال ابن الأنباري: أثنى الله تعالى على هؤلاء المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون بالكافرين ويلقونهم بالغلظة والفظاظة، وقال أبو إسحاق في هذه الآية: الفاء في قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ ﴾ جواب الجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين (٤٠) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي جانبهم لين على المؤمنين، ليس أنهم أذلة مهانون (٤١) ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أي: جانبهم غليظ على الكافرين (٤٢) ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله عز وجل أن صحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم، ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا بتسديده وتوفيقه فقال: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي محبتهم لله عز وجل ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله عز وجل عليهم، لا توفيق لهم إلا به (٤٣) (١) قراءة نافع وابن عامر، انظر: "الحجة" 3/ 232، "النشر" 2/ 255.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.
(٣) الفارسي في "الحجة للقراء السبعة".
(٤) في الحجة: "حجة من أظهرهما".
(٥) "الحجة" 3/ 232 ،233.
(٦) انظر: "الحجة" 3/ 233.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.
(٨) ليس في: (ج).
(٩) من قول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ...
إثمًا من الله ولا واغل المستحقب: المتكسب، والواغل الداخل على القوم يشربون ولم يدع، يقول هذا حين أخذ بالثأر من قتلة أبيه يزعم أن الخمر حلت له فلا يأثم بشربها وقد نذر ألا يشرب حتى يأخذ بالثأر.
انظر كتاب سيبويه 4/ 204، وحاشية "الحجة للقراء السبعة" 1/ 117.
(١٠) (ر ب غ) من قوله: (أشربْ غير) من الشاهد.
(١١) سبق قريبًا.
(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 233، 234 باختلاف يسير في بعض الألفاظ.
(١٣) الأثر في الوسيط 2/ 199، البغوي 3/ 69، "زاد المسير" 2/ 380.
وأخرج الطبري 6/ 282 - 283 من طرق عن الحسن أنه قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه.
(١٤) أخرج الآثار عنهم: الطبري 6/ 283 - 284، وذكرهم البغوي 3/ 169، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 517.
(١٥) ذكره البغوي 3/ 71.
(١٦) أخرج الأثر بنحوه البخاري (1400) كتاب الزكاة/ باب: وجوب الزكاة.
ومسلم (20) كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
(١٧) جاء منصوصًا عليها في الأثر السابق في البخاري ومسلم.
(١٨) ذكره البغوي 3/ 69 وابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 381.
(١٩) ذكره البغوي 3/ 70.
(٢٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 443، 444.
(٢١) في (ج) بعد "بهم" زيادة: "هم" ، وهذه الزيادة تقلب المعنى رأسًا على عقب.
(٢٢) أخرجه الطبري 6/ 283.
(٢٣) في (ج): (الذين).
(٢٤) في النسختين: (ألف).
(٢٥) هكذا في النسختين بالنون، وفي البغوي 3/ 71 بالياء (أفياء) وقد يكون أصوب جمع فئة تجوزًا، وإن كانت فئة تجمع على "فئون وفئات".
انظر: "الصحاح" 1/ 63 (فيأ).
(٢٦) ذكره البغوي 3/ 71.
(٢٧) في (ج): (اومى).
قال ابن منظور: "وأومأَ تومأَ، ولا تقل: أوميت.
الليت: الإيماء أن تومئ برأسك أو بيدك ...
" اللسان 1/ 201 (ومأ).
(٢٨) الطبري 10/ 415، وسيأتي تخريج الحديث.
(٢٩) 2/ 313 وصححه على شرط مسلم، كما أخرجه الطبري 6/ 284، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 518 إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.
(٣٠) الجزم بذلك فيه نظر، فإن قوم أبي موسى لا ينحصر في ذريته وأصل ذريته قبل نشأة أبي الحسن رحمه الله، والأشعرية فرقة خالفت أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة كالتأويل في الصفات وغير ذلك، على أن الأشاعرة لم يتابعوا الأشعري في جميع المسائل وإنما اشتهروا بالانتساب إليه!
(٣١) هكذا في النسختين، وقد جاءت مشكولة في: (ش)، وفيها إشكال.
(٣٢) هكذا نسبه الذهبي وأن مولده سنة 260 هـ وقيل 70 هـ، وقال عنه العلامة، إمام المتكلمين، توفي سنة 324 هـ كان على مذهب المعتزلة ثم رجع عنه ورد عليهم.
وله مصنفات كثيرة.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 85 - 90، والبداية والنهاية 11/ 187.
(٣٣) انظر: "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص 227 - 240.
(٣٤) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 195، 238.
(٣٥) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 157، 217.
(٣٦) سبق تخريجه قريبًا.
(٣٧) في "بحر العلوم" 1/ 444 نسبه لعلي بن أبي طالب، في البغوي 3/ 72 لكن نسبه لعطاء!
ولم أقف عليه عن ابن عباس.
(٣٨) الظاهر أنه المبرد، محمد بن يزيد.
(٣٩) من "تهذيب اللغة" 2/ 1290 مادة (ذل).
(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182، 183.
(٤١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 183، والكلام متصل للزجاج.
(٤٢) المرجع السابق.
(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 183، انظر: "بحر العلوم" 1/ 444، "تفسير البغوي" 3/ 72، "زاد المسير" 2/ 382.
<div class="verse-tafsir"