الآية ٥٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٤ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 193 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته ، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد : 38 ] وقال تعالى : ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) [ النساء : 133 ] ، وقال تعالى : ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ) [ إبراهيم : 19 ، 20 ] أي : بممتنع ولا صعب .

وقال تعالى هاهنا : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) أي : يرجع عن الحق إلى الباطل .

قال محمد بن كعب : نزلت في الولاة من قريش .

وقال الحسن البصري : نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر .

( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال الحسن : هو والله أبو بكر وأصحابه [ رضي الله عنهم ] رواه ابن أبي حاتم .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) هم أهل القادسية .

وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : هم قوم من سبأ .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال : ناس من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون .

وحدثنا أبي حدثنا محمد بن المصفى حدثنا معاوية - يعني ابن حفص - عن أبي زياد الحلفاني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال : " هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون ثم من تجيب " .

وهذا حديث غريب جدا .

وقال ابن أبى حاتم : حدثنا عمر بن شبة حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث - حدثنا شعبة عن سماك سمعت عياضا يحدث عن الأشعري قال : لما نزلت : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم قوم هذا " .

ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه .

وقوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه ، متعززا على خصمه وعدوه ، كما قال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] .

وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه : " الضحوك القتال " فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه .

وقوله [ تعالى ] ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) أي : لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله ، وقتال أعدائه ، وإقامة الحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يردهم عن ذلك راد ، ولا يصدهم عنه صاد ، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع ، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع ، أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ، ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا ، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا ، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم ، وأمرني أن أكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن من كنز تحت العرش .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن أبي المثنى أن أبا ذر قال : بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وواثقني سبعا ، وأشهد الله علي تسعا ، أني لا أخاف في الله لومة لائم .

قال أبو ذر : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟

" قلت : نعم ، قال : وبسطت يدي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشترط : على ألا تسأل الناس شيئا؟

قلت : نعم .

قال : " ولا سوطك وإن سقط منك يعني تنزل إليه فتأخذه .

" وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الحسن حدثنا جعفر عن المعلى القردوسي عن الحسن عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده ، فإنه لا يقرب من أجل ، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم " .

تفرد به أحمد .

وقال أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن زبيد عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال ، فلا يقول فيه ، فيقال له يوم القيامة : ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا ؟

فيقول : مخافة الناس .

فيقول : إياي أحق أن تخاف " .

ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به .

وروى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طوالة عن نهار بن عبد الله العبدي المدني عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ليسأل العبد يوم القيامة ، حتى إنه ليسأله يقول له : أي عبدي ، رأيت منكرا فلم تنكره؟

فإذا لقن الله عبدا حجته ، قال : أي رب ، وثقت بك وخفت الناس " .

وثبت في الصحيح : " ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " ، قالوا : وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟

قال : " يتحمل من البلاء ما لا يطيق " .

( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي : من اتصف بهذه الصفات ، فإنما هو من فضل الله عليه ، وتوفيقه له ( والله واسع عليم ) أي : واسع الفضل ، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: " يا أيها الذين آمنوا "، أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم=" من يرتد منكم عن دينه "، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي &; 10-410 &; هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، (33) فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيء الله بدلا منهم، المؤمنين الذين لم يبدِّلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله.

(34) وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ.

فلما قَبَض الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12177 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة!

قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟

قال: قول الله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " حتى بلغ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ .

فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق.

(35) ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل المؤمنين مكانَ من ارتدَّ منهم.

فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه.

ذكر من قال ذلك: 12178 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.

(36) 12179 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.

12180 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: أبو بكر وأصحابه.

12181 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن أبي موسى قال: قرأ الحسن: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هي والله لأبي بكر وأصحابه.

(37) 12182 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام، &; 10-412 &; عن الحسن في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: نـزلت في أبي بكر وأصحابه.

(38) 12183 - حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم "، قال: هو أبو بكر وأصحابه.

لما ارتد من ارتدَّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردَّهم إلى الإسلام.

12184 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، إلى قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، أنـزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام= إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس= قالوا: نصلي ولا نـزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا!

(39) فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها= أو: أدَّوها= (40) فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه!

(41) فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون =وهي الزكاة= صَغرة أقمياء.

(42) فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية.

فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، (43) وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.

12185 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر.

12186 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام &; 10-414 &; قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه "، قال: عَلِم الله المؤمنين، ووقع معنى السوء على الحَشْو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدُّوا، (44) قال: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله "، المرتدَّة في دورهم (45) =" بقوم يحبهم ويحبونه "، بأبي بكر وأصحابه.

(46) * * * وقال آخرون: يعني بذلك قومًا من أهل اليمن.

وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس.

(47) ذكر من قال ذلك: 12188 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نـزلت هذه الآية،" يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا!

12189 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضًا يحدّث عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: يعني قوم أبي موسى.

12190 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس، عن شعبة = قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو: " عن سماك بن حرب "، وأنا لا أحفظ " سماكًا " = عن عياض الأشعريّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قوم هذا يعني أبا موسى.

12191 - حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: هم قوم هذا= في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ".

12192 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضًا الأشعري يقول: لما نـزلت: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قومك يا أبا موسى!= أو قال: هم قوم هذا= يعني أبا موسى.

(48) 12193 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سفيان الحميري، عن حصين، عن عياض= أو: ابن عياض=" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هم أهل اليمن.

(49) 12194 - حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنـزل الله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟

قال:لا بل هذا وقومه!

يعني أبا موسى الأشعري.

(50) * * * وقال آخرون منهم: بل هم أهل اليمن جميعًا.

ذكر من قال ذلك: 12195 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يحبهم ويحبونه "، قال: أناسٌ من أهل اليمن.

12196 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

12197 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هم قوم سَبَأ.

12198 - حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو داود قال، أخبرنا شعبة قال، أخبرني من سمع شهر بن حوشب قال: هم أهل اليمن.

(51) 12199 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: " يأتي الله بقوم "، وهم أهل اليمن!

قال عمر: يا ليتني منهم!

قال: آمين!

(52) * * * وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 12200 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، &; 10-418 &; حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، يزعم أنهم الأنصار.

* * * وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الرِّدَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم=: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدَّ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم.

وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك: 12201 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم "، قال يقول: فسوف يأتي الله المرتدَّةَ في دورهم (53) =" بقوم يحبهم ويحبونه "، بأبي بكر وأصحابه.

(54) * * * وأما على قول من قال: عنى الله بذلك أهل اليمن، فإن تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا، بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا.

وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأول ذلك كذلك.

12202 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " الآية، وعيدٌ من الله أنه من ارتدّ منكم، أنه سيستبدل خيًرا منهم.

* * * وأما على قول من قال: عنى بذلك الأنصار، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوَّله أنه عُنِي به أبو بكر وأصحابه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري.

ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: " هم أبو بكر وأصحابه ".

وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنـزل الله من وحيه وآيِ كتابه.

(55) * * * فإن قال لنا قائل: فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم= عند ارتداد من ارتد عن دينه، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم = هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة أعوانَ أبي بكر على قتالهم، فتستجيز أن توجِّه تأويل الآية إلى ما وجِّهت إليه؟

(56) أم لم يكونوا أعوانًا له عليهم، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك، وقد علمت أنه لا خُلْفَ لوعد الله؟

قيل له: إن الله تعالى ذكره لم يعدِ المؤمنين أن يبدِّلهم بالمرتدِّين منهم يومئذ، خيرًا من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخيرٍ منهم بدلا منهم، فقد فعل ذلك بهم قريبًا غير بعيد، (57) فجاء بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفعَ لهم ممن كان ارتدَّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طَغَام الأعراب وجُفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلا لا نفعًا؟

(58) * * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ".

فقرأته قرأة أهل المدينة: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه )، بإظهار التضعيف، بدالين، مجزومة " الدال " الآخرة.

وكذلك ذلك في مصاحفهم.

وأما قرأة أهل العراق، فإنهم قرأوا ذلك: ( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) بالإدغام، بدالٍ واحدة، وتحريكها إلى الفتح، بناء على التثنية، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد، إذا ثنيّ أدغم.

ويقال للواحد: " اردُدْ يا فلان إلى فلان حقه "، فإذا ثنى قيل: " ردّا إليه حقه "، ولا يقال: " ارددا "، وكذلك في الجمع: " ردّوا "، ولا يقال: " ارددوا "، فتبني العرب أحيانًا الواحد على الاثنين، وتظهر &; 10-421 &; أحيانًا في الواحد التضعيفَ لسكون لام الفعل.

وكلتا اللغتين فصيحةٌ مشهورة في العرب.

(59) * * * قال أبو جعفر: والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح " الدال "، للعلة التي وصفت.

* * * القول في تأويل قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أذلة على المؤمنين "، أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم.

* * * = من قول القائل: " ذلَّ فلان لفلان ".

إذا خضع له واستكان.

(60) * * * ويعني بقوله: " أعزة على الكافرين "، أشداء عليهم، غُلَظاء بهم.

* * * = من قول القائل: " قد عزّني فلان "، إذا أظهر العزة من نفسه له، وأبدى له الجفوة والغِلْظة.

(61) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12203 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " أذلة على المؤمنين "، أهل رقة على أهل دينهم=" أعزة على الكافرين "، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم.

(62) 12204 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "، يعني بالأذلة: الرحماء.

(63) 12205 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " أذلة على المؤمنين "، قال: رحماء بينهم=" أعزة على الكافرين "، قال: أشداء عليهم.

12206 - حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، قال سفيان: سمعت الأعمش يقول في قوله: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "، ضعفاء عن المؤمنين.

(64) * * * القول في تأويل قوله : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يجاهدون في سبيل الله "، هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ، بدلا منهم، &; 10-423 &; يجاهدون في قتال أعداء الله على النحو الذي أمر الله بقتالهم، والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوَّهم.

فذلك مجاهدتهم في سبيل الله (65) =" ولا يخافون لومة لائم "، يقول: ولا يخافون في ذات الله أحدًا، ولا يصدُّهم عن العمل بما أمرهم الله به من قتال عدوهم، لومةُ لائم لهم في ذلك.

* * * وأما قوله: " ذلك فضل الله "، فإنه يعني هذا النعتَ الذي نعتهم به تعالى ذكره= من أنهم أذلة على المؤمني، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم = فضلُ الله الذي تفضل به عليهم، (66) والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه مِنّةً عليه وتطوّلا (67) =" والله واسع "، يقول: والله جواد بفضله على من جادَ به عليه، (68) لا يخاف نَفاد خزائنه فتَتْلف في عطائه (69) =" عليم "، بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه، ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة، لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضرّه.

(70) ------------------- الهوامش : (33) انظر تفسير"ارتد" فيما سلف ص: 170 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(34) سياق هذه العبارة: "فسوف يجي الله...

المؤمنين...

بقوم...".

(35) الأثر: 12177-"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني" ، ليس بالمتين ، وهو ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"أبو صخر" هو"حميد بن زياد الخراط" ، مضى مرارًا ، منها برقم: 4280 ، 4325 ، 5386 ، 8391 ، 11867 ، 11891.

ثم انظر الأثر التالي برقم: 12199.

(36) الأثر: 12178-"الفضل بن دلهم الواسطي القصاب".

مختلف في أمره.

مضى برقم: 4928.

(37) الأثر: 12181-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" ، مضى قريبًا: 12164.

و"أبو موسى" ، هو: "إسرائيل بن موسى البصري" ، نزيل الهند.

روى عن الحسن البصري.

ثقة لا بأس به.

مترجم في التهذيب.

(38) الأثر: 12182-"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" ، هكذا جاء هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة: "الأودي" ، وقد سلف أن تكلم عليه أخي السيد أحمد ، وصححه"الأزدي" كما أثبته هنا ، ولكني في شك من تصحيح ذلك كذلك ، لكثرة إثباته في التفسير في كل مكان"الأودي" انظر ما سلف: 423 ، 875 ، 2859 ، 8783.

و"أحمد بن بشير القرشي المخزومي" ، أبو بكر الكوفي.

مضى برقم: 7819.

و"هشام" هو: "هشام بن عروة بن الزبير بن العوام" ، مضى برقم: 2889 ، 8461.

(39) القائلون: "نصلي ولا نزكي" ، هم الذين ارتدور من عامة العرب.

(40) في المطبوعة: "أعطوها أو زادوها" ، وهو تخليط فاحش ، وصوابه من المخطوطة وقوله: "أو: أدوها" ، كأنه قال: روى بدل"أعطوها" ، "أدوها".

و"الهاء" فيهما راجعة إلى"الزكاة" التي منعوها.

(41) "العقال" (بكسر العين): زكاة عام من الإبل والغنم.

يقال: "أخذ منهم عقال هذا العام" ، أي زكاته وصدقته.

وقد فسره آخرون بأنه الحبل الذي كان تعقل به الفريضة التي كانت تؤخذ في الصدقة.

وذلك أنه كان على صاحب الإبل أن يؤدي مع كل فريضة عقالا تعقل به ، و"رواء" أي: حبلا.

ويروي الخبر"لو منعوني عناقًا".

و"العناق": الأنثى من أولاد المعز ، إذا أتت عليها سنة.

(42) "صغرة" جمع"صاغر": وهو الراضي بالذل والضيم.

و"أقمياء"جمع"قمئ": وهو الذليل الضارع المتضائل.

والذي في كتب اللغة من جمع"قمئ""قماء" (بكسر القاف) و"قماء" (بضمها).

وقد مر في الأثر رقم: 4221"قمأة" في المخطوطة ، وانظر التعليق عليه هناك.

و"أقمياء" جمع عزيز هنا ، فإن"فعيلا" الصفة ، يجمع قياسا على"أفعلاء" ، إذا كان مضاعفًا ، مثل"شديد" و"أشداء" ، وكذلك إذا كان ناقصا واويًا أو يائيًا ، نحو"غني" و"أغنياء" ، و"شقي" و"أشقياء".

أما الصحيح ، فقليل جمعه على"أفعلاء" ، مثل"صديق" و"أصدقاء".

فإذا صحت رواية"أقمياء" في هذا الخبر ، فهو صحيح في العربية إن شاء الله ، لهذه العلة ولغيرها أيضا.

(43) في المطبوعة: "أن يستعدوا أن قتلاهم في النار" ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة ، ولم أجد لها تحريفًا أقرب مما أثبت ، استظهرته من الخبر الذي رواه الشعبي ، عن ابن مسعود وهو: قوله: "فوالله ما رضى لهم إلا بالخطة المخزية ، أو الحرب المجلية.

فأما الخطة المخزية فأن أقروا بأن من قتل منهم في النار ، وأن ما أخذوا من أموالنا مردود علينا.

وأما الحرب المجلية ، فأن يخرجوا من ديارهم" (فتوح البلدان للبلاذري: 101).

(44) في المطبوعة: "وأوقع معنى السوء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك من العبارة كلها ، وإن كان لها وجه ومعنى.

(45) في المطبوعة: "المرتدة عن دينهم" ، وفي المخطوطة: "في دينهم" ، والصواب ما أثبته من الأثر التالي رقم: 12201.

(46) الأثر: 12186- في المطبوعة: "سيف بن عمرو" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت من المخطوطة.

وقد مضى مثل هذا الأثر برقم: 12128 وفيه"عبد الله بن هشام".

وقد ذكرت هنالك أني لم أعرفه.

وسقط من الترقيم؛ رقم: 12187 سهوًا.

(47) عن هذا الموضع ، انتهى جزء من تقسيم قديم ، وفي المخطوطة ما نصه: "يتلوه: ذكر من قال ذلك.

وصلى الله على محمد".

ثم يتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يَسِّرْ برحمتك".

(48) الآثار: 12188- 12192-"عياض الأشعري" ، هو"عياض بن عمرو الأشعري" ، تابعي ، مختلف في صحبته ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

رأى أبا عبيدة بن الجراح ، وعمر بن الخطاب ، وأبا موسى الأشعري ، وغيرهم.

قال ابن سعد 6: 104: "كان قليل الحديث".

روى عنه الشعبي ، وسماك بن حرب.

مترجم في التهذيب ، وأسد الغابة ، والإصابة ، والاستيعاب: 498 ، والكبير للبخاري 4/ 1/ 19.

وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 4/ 1/ 79 ، من طريق عبد الله بن إدريس ، وعفان بن مسلم ، عن شعبة ، عن سماك ، عن عياض.

والحاكم في المستدرك 2: 313 ، من طريق وهب بن جرير ، وسعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن سماك ، عن عياض ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 16 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 292 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة في مسنده ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 179 ، 180 ، عن ابن أبي حاتم ، عن عمر بن شبة ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة.

(49) الأثر: 12193-"وأبو سفيان الحميري" ، هو"سعيد بن يحيى بن مهدي الحميري" الحذاء ، الواسطي.

صدوق ، وقال الدارقطني: "متوسط الحال ليس بالقوي".

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/ 1/ 477 ، وابن أبي حاتم 2/ 1/ 74.

و"حصين" هو"حصين بن عبد الرحمن السلمي" ، ثقة ، من كبار الأئمة.

مضى برقم: 579 ، 2986.

و"عياض" هو الأشعري كما سلف في الآثار السابقة.

وأما "ابن عياض" ، فلم أجد من ذكر ذلك ، وكأنه شك من أبي سفيان الحميري ، أو سفيان بن وكيع.

وانظر تخريج الآثار السالفة.

(50) الأثر: 12194-"محمد بن عوف بن سفيان الطائي" ، شيخ الطبري ، ثقة حافظ ، مضى برقم: 5445.

و"أبو المغيرة" هو: "عبد القدوس بن الحجاج الخولاني" ، "أبو المغيرة الحمصي" ثقة ، صدوق.

مضى برقم: 10371.

و"صفوان" ، هو: "صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي" ، سمع عبد الرحمن بن جبير ، مضى برقم: 7009.

وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/ 2/ 309 ، وابن أبي حاتم 2/ 1/ 422 ، وفي ترجمته في التهذيب خطأ بين ، ذكر أنه مات سنة (100) والصواب سنة (155) ، كما في التاريخ الكبير وغيره.

و"عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي" ، تابعي ثقة.

مضى برقم: 186 ، 187.

و"شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي" تابعي ثقة ، مضى برقم: 5445.

و"صفون بن عمرو" يروي عن شريح مباشرة ، ولكنه روى هنا عنه بواسطة"عبد الرحمن بن جبير".

وهذا الأثر خرجه السيوطي في الدّرّ المنثور 2: 292 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(51) الأثر: 12198-"مطر بن محمد الضبي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.

وفيمن اسمه"مطر": "مطر بن محمد بن نصر التميمي الهروي" ، مترجم في تاريخ بغداد 3: 275.

و"مطر بن محمد بن الضحاك السكري" ، يروي عن يزيد بن هرون.

مترجم في لسان الميزان 6: 49.

ولا أظنه أحدهما ، وأخشى أن يكون دخل اسمه بعض التحريف.

(52) الأثر: 12199- انظر الأثر السالف رقم: 12177 ، والتعليق عليه.

(53) قوله: في دورهم" ، هو الصواب ، وقد كان في المخطوطة والمطبوعة ، في الأثر السالف رقم: 12186"في دينهم" و"عن دينهم" ، والصواب هو الذي هنا.

انظر التعليق السالف ص: 414 تعليق: 2.

(54) الأثر: 10201- هو بعض الأثر السالف رقم: 12186 ، وكان في هذا الموضع أيضًا"سيف بن عمرو" ، وهو خطأ ، كما بينته هناك.

(55) "المعدن" (بفتح الميم ، وسكون العين ، وكسر الدال): مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه.

ومنه قيل: "معدن الذهب والفضة" ، وهو الذي نسميه اليوم"المنجم" ، حيث أنبت الله سبحانه وتعالى جوهرهما ، وأثبتهما فيه.

ومنه في المجاز ، ما جاء في الخبر: "فعن معادن العرب تسألوني؟

قالوا: نعم" يعني: أصولها التي ينسبون إليها ، ويتفاخرون بها.

(56) في المطبوعة: "حتى تستجيز" ، وفي المخطوطة: "تستجير" بغير"حتى" ، فآثرت قراءتها كما أثبتها.

(57) في المطبوعة: "يعد فعل ذلك" ، وهو لا معنى له ، والصواب ما في المخطوطة.

(58) "الطغام" (بفتح الطاء): أوغاد الناس وأراذلهم.

و"الكل" (بفتح الكاف): العيال والثقل على صاحبه أو من يتولى أمره.

(59) في المطبوعة والمخطوطة: "في العرف" ، وآثرت قراءتها كما أثبتها ، وهو الصواب.

(60) وانظر تفسير"الذل" فيما سلف 2: 212/7: 171.

(61) انظر تفسير"العزة" فيما سلف 9: 319 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(62) الأثر: 12203- انظر أسانيد الآثار السالفة رقم: 12186 ، 12201 ، والتعليق عليها.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "سفيان بن عمر" مكان"سيف بن عمر" ، وهو خطأ فاحش.

(63) في المخطوطة: "يعني بالأذلة: الرحمة" ، وفي المطبوعة: "يعني بالذلة الرحمة" ، وآثرت ما كتبت ، وهو تصحيف قريب.

(64) في المطبوعة: "ضعفاء على المؤمنين" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب جيد.

(65) انظر تفسير"يجاهد" فيما سلف 4: 318/10: 292 = وتفسير"سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).

(66) سياق الجملة: "هذا النعت الذي نعتهم به...

فضل الله...".

(67) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة (فضل).

(68) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 9: 294 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(69) في المطبوعة: "فكيف من عطائه" ، غير ما في المخطوطة ، لأنه لم يحسن قراءته إذ كان غير منقوط.

وهذا صواب قراءته.

(70) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم[ ص: 160 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : من يرتد منكم عن دينه شرط وجوابه فسوف ، وقراءة أهل المدينة والشام " من يرتدد " بدالين .

الباقون " من يرتد " .

وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم : إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا ، فكان على ما أخبر بعد مدة ، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة ، ومسجد مكة ، ومسجد جؤاثى ، وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ; قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ; فقاتل الصديق جميعهم ; وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم ; على ما هو مشهور من أخبارهم .الثانية : قوله تعالى : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه في موضع النعت .

قال الحسن وقتادة وغيرهما : نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه ، وقال السدي : نزلت في الأنصار .

وقيل : هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت ، وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية ; وهم أحياء من اليمن من كندة وبجيلة ، ومن أشجع ، وقيل : إنها نزلت في الأشعريين ; ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين ، وقبائل اليمن من طريق البحر ، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن ; هذا أصح ما قيل في نزولها ، والله أعلم ، وروى الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " بإسناده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قوم هذا ) قال القشيري : فأتباع أبي الحسن من قومه ; لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع .الثالثة : قوله تعالى : أذلة على المؤمنين ( أذلة ) نعت لقوم ، وكذلك ( أعزة ) أي : يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم ; من قولهم : دابة ذلول أي : تنقاد سهلة ، وليس من الذل في شيء ، ويغلظون على الكافرين ويعادونهم .

قال ابن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد ، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته ; قال الله تعالى : أشداء على الكفار رحماء بينهم ، ويجوز " أذلة " بالنصب على الحال ; أي : يحبهم ويحبونه في هذا الحال ، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له .[ ص: 161 ] الرابعة : يجاهدون في سبيل الله في موضع الصفة أيضا .

ولا يخافون لومة لائم بخلاف المنافقين يخافون الدوائر ; فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ; لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقاتلوا المرتدين بعده ، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى ، وقيل : الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة ، والله أعلم .

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ابتداء وخبر ( واسع عليم ) أي : واسع الفضل ، عليم بمصالح خلقه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه.

وأن لله عبادا مخلصين، ورجالا صادقين، قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم، ووعد بالإتيان بهم، وأنهم أكمل الخلق أوصافا، وأقواهم نفوسا، وأحسنهم أخلاقا، أجلُّ صفاتهم أن الله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ْ} فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهون عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد.

ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله، كما قال تعالى: { قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ْ} كما أن من لازم محبة الله للعبد، أن يكثر العبد من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، ولا يزال [عبدي] يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\".

ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدا، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل.

ومن صفاتهم أنهم { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ْ} فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله، المعاندين لآياته، المكذبين لرسله - أعزة، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ْ} وقال تعالى: { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ْ} فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن.

فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم.

{ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ْ} بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم.

{ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ْ} بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين.

وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم.

ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منَّ الصفات الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي مَنَّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرُهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب، فقال: { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ْ} أي: واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قرأ أهل المدينة والشام " يرتدد " بدالين على إظهار التضعيف " عن دينه " فيرجع إلى الكفر .

قال الحسن : علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه .

واختلفوا في أولئك القوم من هم؟

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة الزكاة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس ، ومنع بعضهم الزكاة ، وهم أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله عز وجل؟

" فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني [ عناقا ] كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها " .

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا : أهل القبلة ، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده ، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره .

قال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء .

قال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا حصين يقول : ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة .

وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق : منهم [ بنو مذحج ] ورئيسهم ذو الخمار عبهلة بن كعب العنسي ، ويلقب بالأسود ، وكان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين ، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم ، وعلى النهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه ، قال ابن عمر رضي الله عنه فأتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قتل الأسود البارحة ، قتله رجل مبارك " ، قيل : ومن هو؟

قال : " فيروز ، [ فاز فيروز ] فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود ، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد ، وأتى [ خبر ] مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه .

والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ، ورئيسهم مسيلمة الكذاب ، [ واسمه ثمامة بن قيس ] وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر ، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، وبعث [ بذلك ] إليه مع رجلين من أصحابه ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟

قالا : نعم .

قال النبي صلى الله عليه وسلم ] " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " ، ثم أجاب : " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين " ، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب ، بعد حرب شديد ، وكان وحشي يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام .

والفرقة الثالثة : بنو أسد ، ورئيسهم طليحة بن خويلد بن الوليد ، وكان طليحة آخر من ارتد ، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأول من قوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه ، فهزمهم خالد بعد قتال شديد ، وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام ، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه .

وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ] خلق كثير ، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه .

قالت عائشة : " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق ، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها " .

وقال قوم : المراد بقوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) هم الأشعريون ، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : لما نزلت هذه الآية : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم قوم هذا ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري " وكانوا من اليمن .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا أبو عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [ علي الكشميهني ، حدثنا علي بن ] حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتاكم أهل اليمن ، هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة ، الإيمان يمان والحكمة يمانية " وقال الكلبي : هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة ، وثلاثة آلاف من أفياء الناس ، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه .

قوله عز وجل : ( أذلة على المؤمنين ) يعني : أرقاء رحماء ، لقوله عز وجل : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " ، ولم يرد به الهوان ، بل أراد به أن جانبهم لين على المؤمنين ، وقيل : هو من الذل من قولهم " دابة ذلول " ، يعني أنهم متواضعون كما قال الله تعالى : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا " ، ( أعزة على الكافرين ) أي : أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم ، من قولهم : عزه أي : غلبه ، قال عطاء : أذلة على المؤمنين : كالولد لوالده والعبد لسيده ، أعزة على الكافرين : كالسبع على فريسته ، نظيره قوله تعالى : " أشداء على الكفار رحماء بينهم " .

( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) يعني : لا يخافون في الله لوم الناس ، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، وروينا عن عبادة بن الصامت قال : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم " .

( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي : محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين ، وشدتهم على الكافرين ، من فضل الله عليهم ، ( والله واسع عليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(يا أيها الذين آمنوا من يرتد) بالفك والإدغام يرجع (منكم عن دينه) إلى الكفر إخبار بما علم الله وقوعه وقد ارتد جماعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم (فسوف يأتي الله) بدلهم (بقوم يحبهم ويحبونه) قال صلى الله عليه وسلم: "" هم قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري "" رواه الحاكم في صحيحه (أذلة) عاطفين (على المؤمنين أعزة) أشداء (على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) فيه كما يخاف المنافقون لوم الكفار (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع) كثير الفضل (عليم) بمن هو أهله، ونزل لما قال ابن سلام يا رسول الله إن قومنا هجرونا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من يرجع منكم عن دينه، ويستبدل به اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك، فلن يضرُّوا الله شيئًا، وسوف يأتي الله بقوم خير منهم يُحِبُّهم ويحبونه، رحماء بالمؤمنين أشدَّاء على الكافرين، يجاهدون أعداء الله، ولا يخافون في ذات الله أحدًا.

ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد، والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - ( مَن يَرْتَدَّ ) من الارتداد .

ومعناه : الرجوع إلى الخلف ونمه قوله - تعالى - ( رُدُّوهَا عَلَيَّ ) أي : ارجعوها على .

وقوله : ( إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ ) والمراد بالارتداد هنا : الرجوع عن دين الإِسلام إلى الكفر والضلال ، والخروج من الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من الأباطيل والأكاذيب .قالوا : وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن من الذين دخلوا في الإِسلام من سيرتد عنه إلى غيره من الكفر والضلال ، وقد كان الأمر كما أشارت الآية الكريمة؛ فقد ارتد عن الإِسلام بعض القبائل كقبيلة بني حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - وقبيلة بني أسد ، وقبيلة بني مدلج وغيرهم .وقد تصدى سيدنا أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين الصادقين للمرتدين فكسروا شوكة الردة ، وأعادوا لكلمة الإِسلام هيبتها وقوتها .قال الآلوسي ما ملخصه : هذه الآية من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها - وقد وقع المخبر به على وفقها فيكون معجزاً - فقد روى أنه ارتد عن الإِسلام إحدى عشرة فرقة .ثلاث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم : " بنو مدلج ، ورئيسهم الأسود العنسي و " بنو حنيفة " قوم مسيلمة الكذاب و " بنو أسد " قوم طليحة بن خويلد الأسدي .

وسبع في عهد أبي بكر وهم : فزارة ، وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع ، وبعض بني تميم ، وكنده ، وبنو بكر بن وائل .وارتدت فرقة واحدة في عهد عمر وهي قبيلة " غسان قوم جبلة بن الأيهم " .والمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا يتخد أحد منكم أحدا من أعداء الله وليا ونصيراً لأن ولايتهم تفضي إلى مضرتكم وخسرانكم .

بل وإلى ردتكم عن الحق الذي آمنتم به ، ومن يرتدد منكم عن دينه الحق إلى غيره من الأديان الباطلة فلن يضر الله شيئا ، لأنه - سبحانه - سوف يأتي بقوم آخرين مخلصين له ، ومطيعين لأوامره ، ومستجيبين لتعاليمه .

بدل أولئك الذين ارتدوا على أدبارهم ، وكفروا بعد إيمانهم .

قال - تعالى - : ( وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) ولفظ ( فسوف ) جيء به هنا لتأكيد وقوع الأمر في المستقبل ، إذا ما ارتد بعض الناي على أدبارهم .وقد وصف الله - تعالى - أولئك القوم الذين يأتي بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم ، وصفهم بعدد من الصفات الحميدة ، والسجايا الكريمة .وصفهم - أولا - بقوله : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) .ومحبة الله - تعالى - للمؤمنين هي أسمى نعمة يتعشقونها ويتطلعون إليها ، ويرجون حصولها ودوامها .

وهي - كما يقول الآلوسي - محبة تليق بشأنه على المعنى الذي أراده .ومن علاماتها : أن يوفقهم - سبحانه - لطاعته ، وأن ييسر لهم الخير في كل شئونم .ومحبة المؤمنين لله - تعالى - معناها : التوجه إليه وحده بالعبادة ، واتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به ، والاستجابة لتعاليمه برغبة وشوق .وقوله : ( يحبهم ) جملة في محل جر صفة لقوم .

وقوله " يحبونه " معطوف على ( يحبهم ) .وقدم - سبحانه - محبته لهم على محبتهم له ، لشرفها وسبقها ، إذ لولا محبته لهم لما وصلوا إلى طاعته .وصفهم - ثانياً - بقوله : ( أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ) .وقوله : ( أذلة ) جمع ذليل ، من تذلل إذا تواضع وحنا على غيره ، وليس المراد بكونهم أذلة أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب للمؤمنين .وقوله : ( أعزة ) جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة والامتناع عن أن يغلب أو يقهر ومن قوله - تعالى - ( وَعَزَّنِي فِي الخطاب ) أي : غلبني في الخطاب .والمعنى : إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتي الله بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم ، أنهم أرقاء على المؤمنين ، عاطفون عليهم متواضعون لهم ، تفيض قلوبهم حنوا وشفقة بهم .

وأنهم في الوقت نفسه أشداء على الكافرين ، ينظرون إليهم نظرة العزيز الغالب ، لا نظرة الضعيف الخانع .وهذه - كما يقوال ابن كثير - صفات المؤمنين الكمل .

أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه ، متعززاً على خصمه وعدوه كما قال - تعالى - : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) ومن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنه الضحوك القتال " فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟

قلت : فيه وجهان :أحدهما : أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع .والثاني : أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم .وقال الطيبي : إن قوله - تعالى - ( أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ) جيء به للتكميل ، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل ، ربما يتوهم أحد أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على الكافرين على حد قول القائل :جلوس في مجالسهم رزان ...

وإن ضيم ألم بهم خفافثم وصفهم - ثالثا - بقوله : ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ) وقوله : ( يُجَاهِدُونَ ) من المجاهدة وهي بذل الجهد ونهاية الطاقة من أجل الوصول إلى المقصد الذي يسعى إليه الساعي .وقوله : ( فِي سَبِيلِ الله ) أي في سبيل إعلاء دين الله ، وإعزاز كلمته وليس في سبيل الهوى أو الشيطان .واللومة : هي المرة الواحدة من اللوم .

وهو بمعنى اعتراض المعترضين ، ومخالفة المخالفين وعدم رضاهم عن هؤلاء القوم .والمعنى : أن من صفات هؤلاء القوم - أيضا - أنهم يبذلون أقصى جهدهم في سبيل إعلاء كلمة الله والعمل على مرضاته ، وأنهم في جهادهم وجهرهم بكلمة الحق ، وحرصهم على ما يرضيه - سبحانه - لا يخافون لوما قط من أي لائم كائنا من كان .لأن خشيتهم ليست إلا من الله وحده .وعبر - سبحانه - بلومة - بصيغة الإِفراد والتنكير ، للمبالغة في نفي الخورف عنهم سواء أصدر اللوم لهم من كبير أم من صغير ، وسواء أكانت اللومة شديدة أم رفيقة .

.فهم - كما يقول الزمخشري - : صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين لإِنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة ، لا يرعبهم قول قائل ، ولا اعتراض معترض ، ولا لومة لائم ، والجملة على هذه معطوفة على ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ) .

ويحتمل أن تكون الواو للحال .

أي أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين الذين كانوا إذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياؤهم اليهود ، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم .وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة في المراد بهؤلاء القوم الذين وصفهم الله - تعالى - بتلك الصفات الكريمة ، والذين يأتي بهم بدل أولئك الذين يرتدون على أعقابهم .قال بعضهم : المراد بهم أبو بكر ومن معه من المؤمنين الذين قاتلوا المرتدين .وقال آخرون : المراد بهم الأنصار الذين نصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأيدوه .وقال مجاهد : المراد بهم أهل اليمن .

.

.

وقيل غير ذلك .والذي نراه أنهم قوم ليسوا مخصوصين بزمن معين أو بلد معين ، أو أشخاص معينين ، وإنما هم كل من تنطبق عليهم هذه الصفات الجليلة .

فكل من أحب الله وأحبه الله ، وتواضع للمؤمنين وأغلظ على الكافرين .

وجاهد في سبيل الله دون أن يخشى أحدا سواه فهو منهم ، أما ذواتهم فيعلمها الله وحده ، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه في بيان المراد بهؤلاء القوم .واسم الإِشارة في قوله : ( ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) يعود على ما تقدم ذكره من أوصاف القوم .أي : ذلك الذي أعطيناه لهم من صفات كريمة فضل الله وإحسانه ، يؤتيه من يشاء إيتاءه من عباده ، والله - تعالى - واسع الفضل والجود والعطاء ، عليم بأحوال خلقه ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله عن طريق قتال أعدائه - سبحانه - أو عن طريق الجهر بكلمة الحق ، أو عن طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل - دون أن يخاف المجاهد لومة لائم .ولقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث في هذا المعنى ومن ذلك :ما رواه الإِمام أحمد عن أبي ذر : " أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع : أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا ، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً ، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم ، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن كنز تحت العرش " .وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده .

فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم " .وعنه - أيضاً - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحقرن أحدكم نفسه قالوا : وكيف يحقر أحدنا نفسه؟

قال : أن يرى أمر الله فيه مقال فلا يقول فيه .

فيقال له يوم القيامة .

ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟

فيقول مخافة الناس .

فيقول : إياي أحق أن تخاف " .وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى سوى التي ذكرها الإِمام ابن كثير ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال : " بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمنكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله .

وأن نقول بالحق حيثما كنا .

لا نخاف في الله لومة لائم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ونافع ﴿ يَرْتَدِدْ ﴾ بدالين، والباقون بدال واحدة مشددة، والأول: لإظهار التضعيف، والثاني: للإدغام.

قال الزجاج: إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف، نحو قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ ويجوز في اللغة: إن يمسكم.

المسألة الثانية: روى صاحب الكشاف أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو مدلج: ورئيسهم ذو الحمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهناً ادعى النبوّة في اليمن واستولى على بلادها، وأخرج عمال رسول الله، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيته فقتله، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسيلمة، ادعى النبوّة وكتب إلى رسول الله: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجابه الرسول: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام، أراد في جاهليتي وفي إسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد: ادعى النبوّة، فبعث إليه رسول الله خالداً، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوّة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر.

وفرقة واحدة في عهد عمر: غسان قوم جبلة بن الأيهم، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر، وكان يطوف ذات يوم جاراً رداءه، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فتظلم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه، إلا أن يعفو عنه، فقال: أنا أشتريها بألف، فأبى الرجل، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل إلا القصاص، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم وارتد.

المسألة الثالثة: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن رحمه الله: علم الله أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن الغيب، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزاً.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك القوم من هم؟

فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريح: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقالت عائشة رضي الله عنها: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، واشتهر النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها.

وقال السدي: نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين.

وقال مجاهد: نزلت في أهل اليمن.

وروي مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: هم قوم هذا وقال آخرون: هم الفرس لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه، ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس.

وقال قوم: إنها نزلت في علي عليه السلام، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال: لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وهذا هو الصفة المذكورة في الآية.

والوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ  ﴾ وهذه الآية في حق علي، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقه، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية.

ولنا في هذه الآية مقامات: المقام الأول: أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض، وتقرير مذهبهم أن الذين أقرنا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول: (لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم إلى الدين الحق) بدليل قوله: ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ﴾ إلى آخر الآيه وكلمة من في معرض الشرط للعموم، فهي تدل على أن كل من صار مرتداً عن دين الإسلام فإن الله يأتي بقوم يقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبداً منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف.

المقام الثاني: أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال: إنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان: الأول: أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، ولأنه تعالى قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِى الله ﴾ وهذا للاستقبال لا للحال، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب.

فإن قيل: هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجوداً في ذلك الوقت.

قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال، والثاني: أن معنى الآية أن الله تعالى قال: فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب، وأبو بكر وإن كان موجوداً في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلاً في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنهي، فزال السؤال، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أيضاً أن يكون المراد هو علي عليه السلام، لأن علياً لم يتفق له قتال مع أهل الردة، فكيف تحمل هذه الآية عليه.

فإن قالوا: بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً.

قلنا: هذا باطل من وجهين: الأول: أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركاً للشرائع الإسلامية، والقوم الذين نازعوا علياً ما كانوا كذلك في الظاهر، وما كان أحد يقول: إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام، وعلي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضاً.

الثاني: أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح، ولما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين، ولا يمكن أيضاً أن يقال: إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين، وبتقدير أن يقال: اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعاً وأذنابا، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلاً في هذه العبادة ورئيساً مطاعاً فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر.

والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر: هو أنا نقول: هب أن علياً كان قد حارب المرتدين، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالاً وأكثر موقعاً في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين، وهو الذي حارب مانعي الزكاة، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته.

أما لما انتهى الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب، وصار ملوك الدنيا مقهورين، وصار الإسلام مستولياً على جميع الأديان والملل، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيراً في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية.

المقام الثالث في هذه الآية: وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول: إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات: أولها: أنه يحبهم ويحبونه.

فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو إبو بكر ثبت أن قوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ وصف لأبي بكر، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالماً، وذلك يدل على أنه كان محقاً في إمامته.

وثانيها: قوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ وهو صفة أبي بكر أيضاً الدليل الذي ذكرناه، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال: ارحم أمتي بأمتي أبو بكر فكان موصوفاً بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وكيف كان يلازمه ويخدمه، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد، وأصر على أنه لابد من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام، فكان قوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ لا يليق إلا به.

وثالثها: قوله: ﴿ يجاهدون فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف، والكفر كان في غاية القوة، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه، وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأُحد، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين: الأول: أنه كان متقدماً عليه في الزمان، فكان إفضل لقوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل  ﴾ والثاني: أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم، وجهاد علي كان في وقت القوة.

ورابعها: قوله: ﴿ ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة  ﴾ وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لابد وأن تكون في أبي بكر، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لابد وأن تكون لأبي بكر، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان موصوفاً بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت.

قلنا: هذا باطل قطعاً لأنه تعالى قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفاً بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة، وذلك هو حال إمامته، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته، أما قول الروافض لعنهم الله: إن هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وكان ذلك هو علي عليه السلام، فنقول: هذا الخبر من باب الآحاد، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل، فكيف يجوز التمسك به في العلم، وأيضاً إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر، ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرار، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محباً لله ولرسوله.

وكون الله محباً له وراضياً عنه.

قال تعالى في حق أبي بكر ﴿ وَلَسَوْفَ يرضى  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة» وقال: «ما صب الله شيئاً في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر» وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

وأما الوجه الثاني: وهو قولهم: الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي، فجوابنا: أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ  ﴾ فلا فائدة في الإعادة.

وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له.

ثم قال تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ وهو كقوله: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  ﴾ قال صاحب الكشاف أذلة جمع ذليل، وأما ذلول فجمعه ذلل، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه ألبتة لا يظهر شيئاً من التكبر والترفع، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا هاهنا، فقوله: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ أي يظهرون الغلطة والترفع على الكافرين.

وقيل: يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم: عزه يعزه إذا غلبه، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة.

فإن قيل: هلا قيل: أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين.

قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة، كأنه قيل: راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع، والثاني: أنه تعالى ذكر كلمة ﴿ على ﴾ حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع.

وقرئ (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال.

ثم قال تعالى: ﴿ يجاهدون فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي لنصرة دين الله ﴿ وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن تكون هذه الواو للحال، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن من كان قوياً في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم.

الثاني: أن تكون هذه الواو للعطف، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين، واللومة المرة الواحدة من اللوم، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللائمين.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة، فبيّن تعالى أن كل ذلك بفضله إحسانه، وذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة لله تعالى، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الالطاف، وهو بعيد لأن فعل الألطاف عام في حق الكل، فلابد في التخصيص من فائدة زائدة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ فالواسع إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره ومواعيده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ من يرتد ﴾ ومن ﴿ يرتدد ﴾ وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها.

وقيل: بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو مدلج، ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي، وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي بَيَّتَهُ فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل، فسرّ المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد.

وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة، قوم مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله.

أمّا بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب عليه الصلاة والسلام: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.

أمّا بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة.

وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد: قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه: فزاره قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل.

وبنو يربوع، قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب استغفر واستغفري: أَمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاَهَا مُسَيْلِمَة ** كَذَّابَةٌ فِي بَنِي الدُّنْيَا وَكَذَّابُ وكندة، قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم بن زيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه.

وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه: غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطيمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ ﴾ قيل: لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال: «قوم هذا» وقيل: هم ألفان من النخع، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية.

وقيل: هم الأنصار.

وقيل: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه» ثم قال: «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم: وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئا، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف، وما يدينون به من المحبة والعشق، والتغني على كراسيهم خربها الله، وفي مراقصهم عطلها الله، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور، فتعالى الله عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات.

ومنها: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة.

فإن قلت: أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟

قلت: هو محذوف معناه: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم، أو ما أشبه ذلك ﴿ أَذِلَّةٍ ﴾ جمع ذليل.

وأما ذلول فجمعه ذلل.

ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة، فقد غبى عنه أن ذلولاً لا يجمع على أذلة.

فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع.

والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم.

ونحوه قوله عزّ وجلّ: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29] وقرئ: أذلة وأعزة بالنصب على الحال ﴿ وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود- لعنت- فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم.

وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط.

وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشقّ عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم.

واللومة: المرّة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام.

و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة ﴿ يُؤْتِيهُ ﴾ يوفق له ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ممن يعلم أنّ له لطفاً ﴿ واسع ﴾ كثير الفواضل والألطاف ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن هو من أهلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ قَرَأهُ عَلى الأصْلِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وهو كَذَلِكَ في الإمامِ، والباقُونَ بِالإدْغامِ وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها، وقَدِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ في أواخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ثَلاثُ فِرَقٍ: بَنُو مُدْلِجٍ وكانَ رَئِيسُهم ذا الحِمارِ الأسْوَدَ العَنْسِيَّ، تَنَبَّأ بِاليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ لَيْلَةَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ  مِن غَدِها وأُخْبِرَ الرَّسُولُ  في تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَسُرَّ المُسْلِمُونَ وأتى الخَبَرُ في أواخِرِ رَبِيعِ الأوَّلِ.

وَبَنُو حَنِيفَةَ أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ تَنَبَّأ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  : مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ، فَأجابَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ  إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ أمّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِجُنْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَتَلَهُ وحْشِيٌّ قاتِلُ حَمْزَةَ.

وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ تَنَبَّأ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  خالِدًا فَهَرَبَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.

وَفِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعٌ فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ فِرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ وبَنُو سَلِيمٍ قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمَ قَوْمُ سِجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ المُتَنَبِّئَةِ زَوْجَةِ مُسَيْلِمَةَ، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدِهِ، وفي إمْرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَسّانُ قَوْمُ جِبِلَّةَ بْنِ الأيْهَمِ تَنَصَّرَ وسارَ إلى الشّامِ.

﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ ﴾ قِيلَ هم أهْلُ اليَمَنِ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقالَ: هم قَوْمُ هَذا» .

وَقِيلَ الفَرَسُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سُئِلَ عَنْهم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ وقالَ: هَذا وذَوُوهُ.» وَقِيلَ الَّذِينَ جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ ألْفانِ مِنَ النَّخْعِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبُجَيْلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ.

والرّاجِعُ إلى مِن مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ مَكانَهُمْ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ إرادَةُ الهُدى والتَّوْفِيقِ لَهم في الدُّنْيا وحُسْنُ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لَهُ إرادَةُ طاعَتِهِ والتَّحَرُّزُ عَنْ مَعاصِيهِ.

﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ مُتَذَلِّلِينَ لَهُمْ، جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولَ فَإنَّ جَمْعُهُ ذُلُلٌ، واسْتِعْمالُهُ مَعَ عَلى إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خاضِعُونَ لَهم أوْ لِلْمُقابَلَةِ.

﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ شِدادٍ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.

﴿ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أعِزَّةٍ.

﴿ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى يُجاهِدُونَ بِمَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ والتَّصَلُّبِ في دِينِهِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى أنَّهم مُجاهِدُونَ وحالُهم خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم يَخْرُجُونَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ خائِفِينَ مَلامَةَ أوْلِيائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ فَلا يَعْمَلُونَ شَيْئًا يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ، واللَّوْمَةُ المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ وفِيها وفي تَنْكِيرِ لائِمٍ مُبالَغَتانِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ.

﴿ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَمْنَحُهُ ويُوَفِّقُ لَهُ ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ كَثِيرُ الفَضْلِ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِمَن هو أهْلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر يرتدد مدني وشامي {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه وفيه دليل نبوته عليه السلام حيث أخبرهم بما لم يكن فكان وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين وفي صحة خلافته وخلافة عمر رضى الله عنهما وسئل النبى صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق

سلمان وقال هذا وذووه لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم {أَذِلَّةٍ} جمع ذليل وأما ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذُّلِ الذي هو ضد الصعوبة فقدسها لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة قال الجوهري الذل ضد العز ورجل ذليل بيّن الذل وقوم أذلاء وأذلة والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة يقال دابة ذلول ودواب ذلل {عَلَى المؤمنين} ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع {أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} أشجداء عليهم والعزاز الأرض الصلبة فهم مع المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته {يجاهدون فِي سَبِيلِ الله} يقاتلون الكفار وهو صفة لقوم كحبهم واعزة وأذلة {وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ} الواو يحتمل أن تكون للحال أى يجهادون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم وأما المؤمنون فمجاهدتهم لله لا يخافون لومة لائم وأن تكون للعطف أي من صفتهم المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب فى دينهم إذا شرعوا فيه أمر من أمور الدين لا تزعهم لومة لائم واللومة المرمة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل لا يخافون شيئاً قط من لوم واحد من اللوام {ذلك} إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة {فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع} كثير الفواضل {عَلِيمٌ} بمن هو من أهلها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُرْتَدِّينَ عَلى الإطْلاقِ بَعْدَ أنْ نَهى سُبْحانَهُ - فِيما سَلَفَ - عَنْ مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وبَيَّنَ أنَّ مُوالاتَهم مُسْتَدْعِيَةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ، وفَصَّلَ مَصِيرَ مَن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، قِيلَ: وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ إحْدى عَشْرَةَ فِرْقَةً، ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَنُو مُدْلَجٍ، ورَئِيسُهم ذُو الحِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ، كانَ كاهِنًا، تَنَبَّأ بِاليَمَنِ، واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ، فَأخْرَجَ مِنها عُمّالَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وإلى ساداتِ اليَمَنِ، فَأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ، بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وأُخْبِرَ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ، فَسُرَّ بِهِ المُسْلِمُونَ، وقُبِضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.

وبَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ بْنِ حَبِيبٍ، تَنَبَّأ، وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَلامٌ عَلَيْكَ أمّا بَعْدُ: فَإنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ الأمْرَ مَعَكَ، وأنَّ لَنا نِصْفَ الأرْضِ ولِقُرَيْشٍ نِصْفَ الأرْضِ، ولَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَسُولانِ لَهُ بِذَلِكَ، فَحِينَ قَرَأ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كِتابَهُ قالَ لَهُما: «فَما تَقُولانِ أنْتُما؟» قالا: نَقُولُ كَما قالَ، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أما واللَّهِ لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْناقَكُما» ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمّا بَعْدُ: فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»».

وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ عَشْرٍ، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ في جاهِلِيَّتِي خَيْرَ النّاسِ وفي إسْلامِي شَرَّ النّاسِ، وقِيلَ: اشْتَرَكَ في قَتْلِهِ هو وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ طَعَنَهُ وحْشِيٌّ، وضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَسَيْفِهِ، وهو القائِلُ: يُسائِلُنِي النّاسُ عَنْ قَتْلِهِ فَقُلْتُ: ضَرَبْتُ وهَذا طَعَنْ فِي أبْياتٍ.

وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، تَنَبَّأ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فانْهَزَمَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ، فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.

وارْتَدَّتْ سَبْعٌ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وبَنُو سُلَيْمٍ قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمُ سَجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ الكاهِنَةِ، تَنَبَّأتْ، وزَوَّجَتْ نَفْسَها مِن مُسَيْلِمَةَ في قِصَّةٍ شَهِيرَةٍ، وصَحَّ أنَّها أسْلَمَتْ بَعْدُ، وحَسُنَ إسْلامُها، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ، وكَفى اللَّهُ تَعالى أمْرَهم عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ - رَضِي اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وفِرْقَةٌ واحِدَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهم غَسّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، تَنَصَّرَ، ولَحِقَ بِالشّامِ، وماتَ عَلى رِدَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ.

ويُرْوى أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَتَبَ إلى أحْبارِ الشّامِ لَمّا لَحِقَ بِهِمْ كِتابًا فِيهِ: إنَّ جَبَلَةَ ورَدَ إلَيَّ في سَراةِ قَوْمِهِ فَأسْلَمَ، فَأكْرَمْتُهُ، ثُمَّ سارَ إلى مَكَّةَ فَطافَ فَوَطِئَ إزارَهُ رَجُلٌ مَن بَنِي فَزارَةَ فَلَطَمَهُ جَبَلَةُ فَهَشَمَ أنْفَهُ، وكَسَرَ ثَناياهُ - وفي رِوايَةٍ: قَلَعَ عَيْنَهُ - فاسْتَعْدى الفَزارِيُّ عَلى جَبَلَةَ إلَيَّ، فَحَكَمْتُ إمّا بِالعَفْوِ وإمّا بِالقِصاصِ، فَقالَ: أتَقْتَصُّ مِنِّي وأنا مَلِكٌ وهو سُوقَةٌ؟!

فَقُلْتُ: شَمَلَكَ وإيّاهُ الإسْلامُ، فَما تَفْضُلُهُ إلّا بِالعافِيَةِ، فَسَألَ جَبَلَةُ التَّأْخِيرَ إلى الغَدِ، فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلِ رَكِبَ مَعَ بَنِي عَمِّهِ ولَحِقَ بِالشّامِ مُرْتَدًّا.

ورُوِيَ أنَّهُ نَدِمَ عَلى ما فَعَلَهُ وأنْشَدَ: تَنَصَّرْتُ بَعْدَ الحَقِّ عارًا لِلَطْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكْ فِيها لَوْ صَبَرْتُ لَها ضَرَرُ فَأدْرَكَنِي مِنها لَجاجُ حِمْيَةٍ ∗∗∗ فَبِعْتُ لَها العَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالعَوَرِ فَيا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ولَيْتَنِي ∗∗∗ صَبَرْتُ عَلى القَوْلِ الَّذِي قالَهُ عُمَرُ هَذا، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها بِأنَّ ( مَن ) شَرْطِيَّةِ، والشَّرْطُ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ، إذْ أصْلُهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الأُمُورِ المَفْرُوضَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ المُحَقَّقَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لا يَلِيقُ وُقُوعُها، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ تُدْرَجَ في الفَرْضِيّاتِ وهو كَثِيرٌ، وقَدْ عُلِمَ مِن وُقُوعِ ذَلِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ومَن يَرْتَدِدْ ) بِفَكِّ الِادِّغامِ، وهو الأصْلُ لِسُكُونِ ثانِي المِثْلَيْنِ، وهو كَذَلِكَ في بَعْضِ مَصاحِفِ الإمامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ ﴾ جَوابٌ ( مَنِ ) الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةُ مُبْتَدَأً، واخْتُلِفَ في خَبَرِها، فَقِيلَ: مَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الجَزاءُ فَقَطْ، فَعَلى الأوَّلِ لا يَحْتاجُ الجَزاءُ وحْدَهُ إلى ضَمِيرٍ يَرْبُطُهُ، وعَلى الثّانِي يَحْتاجُ إلَيْهِ، وهو هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ تَعالى مَكانَهَمْ - بَعْدَ إهْلاكِهِمْ - بِقَوْمٍ يُحِبُّهم مَحَبَّةً تَلِيقُ بِشَأْنِهِ تَعالى، عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ ﴿ ويُحِبُّونَهُ ﴾ أيْ يَمِيلُونَ إلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مَيْلًا صادِقًا، فَيُطِيعُونَهُ في امْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ مَناهِيهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( يُحِبُّونَهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ فِيهِ، أيْ وهم ( يُحِبُّونَهُ ).

وفِي الكَشّافِ: مَحَبَّةُ العِبادِ لِرَبِّهِمْ طاعَتُهُ وابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، وأنْ لا يَفْعَلُوا ما يُوجِبُ سَخَطَهُ وعِقابَهُ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ أنْ يُثِيبَهم أحْسَنَ الثَّوابِ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعَظِّمَهُمْ، ويُثْنِيَ عَلَيْهِمْ، ويَرْضى عَنْهم.

وأمّا ما يَعْتَقِدُهُ أجْهَلُ النّاسِ - وأعْداهم لِلْعِلْمِ وأهْلِهِ، وأمْقَتُهم لِلشَّرْعِ، وأسْوَأُهم طَرِيقَةً، وإنْ كانَتْ طَرِيقَتُهم عِنْدَ أمْثالِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ والسُّفَهاءِ - شَيْئًا، وهُمُ الفِرْقَةُ المُفْتَعَلَةُ المُنْفَعِلَةُ مِنَ الصُّوفِ، وما يَدِينُونَ بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والعِشْقِ، والتَّغَنِّي عَلى كَراسِيِّهِمْ - خَرَّبَها اللَّهُ تَعالى - وفي مَراقِصِهِمْ - عَطَّلَها اللَّهُ تَعالى - بِأبْياتِ الغَزَلِ المَقُولَةِ في المُرْدِ، إنَّ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم شُهَداءَ، وصَعَقاتُهُمُ الَّتِي أيْنَ مِنها صَعْقَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ دَكُّ الطُّورِ، فَتَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومِن كَلِماتِهِمْ: كَما أنَّهُ بِذاتِهِ يُحِبُّهم كَذَلِكَ يُحِبُّونَ ذاتَهُ، فَإنَّ الهاءَ راجِعَةٌ إلى الذّاتِ دُونَ النُّعُوتِ والصِّفاتِ، ومِنها: الحُبُّ شَرْطُهُ أنْ تَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقِيقَةٌ، انْتَهى كَلامُهُ.

وقَدْ خَلَّطَ فِيهِ الغَثَّ بِالسَّمِينِ، فَأطْلَقَ القَوْلَ بِالقَدَحِ الفاحِشِ في المُتَصَوِّفَةِ، ونَسَبَ إلَيْهِمْ ما لا يُعْبَأُ بِمُرْتَكِبِهِ، ولا يُعَدُّ في البَهائِمِ فَضْلًا عَنْ خَواصِّ البَشَرِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَسَمِّي طائِفَةٍ بِهَذا الِاسْمِ - غاصِبِينَ لَهُ مِن أهْلِهِ ثُمَّ ارْتِكابِهِمْ ما نُقِلَ عَنْهُمْ، بَلْ وزِيادَةُ أضْعافِ أضْعافِهِ مِمّا نَعْلَمُهُ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ في زَمانِنا مِمّا يُنافِي حالَ المُسَمَّيْنَ بِهِ حَقِيقَةً - أنْ نُؤاخِذَ الصّالِحَ بِالطّالِحِ، ونَضْرِبَ رَأْسَ البَعْضِ بِالبَعْضِ، فَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ - عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ المُنِيرِ في الِاتِّصافِ - أنْ لا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى بِطاعَتِهِ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وهو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُسَمّى فِيهِ المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ، والمَجازُ لا يُعْدَلُ إلَيْهِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِها، فَلْيُمْتَحَنْ حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ لُغَةً بِالقَواعِدِ؛ لِنَنْظُرَ أهِيَ ثابِتَةٌ لِلْعَبْدِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِاللَّهِ تَعالى أمْ لا؟

فالمَحَبَّةُ لُغَةً: مَيْلُ المُتَّصِفِ بِها إلى أمْرٍ مَلَذٍّ، واللَّذّاتُ الباعِثَةُ عَلى المَحَبَّةِ مُنْقَسِمَةٌ إلى مُدْرَكٍ بِالحِسِّ كَلَذَّةِ الذَّوْقِ في المَطْعُومِ، ولَذَّةِ النَّظَرِ في الصُّوَرِ المُسْتَحْسَنَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإلى لَذَّةٍ مُدْرَكَةٍ بِالعَقْلِ، كَلَذَّةِ الجاهِ والرِّياسَةِ والعُلُومِ، وما يَجْرِي مَجْراها، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ في اللَّذّاتِ الباعِثَةِ عَلى المَحَبَّةِ ما لا يُدْرِكُهُ إلّا العَقْلُ دُونَ الحِسِّ، ثُمَّ تَتَفاوَتُ المَحَبَّةُ ضَرُورَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ البَواعِثِ عَلَيْها، فَلَيْسَ اللَّذَّةُ بِرِياسَةِ الإنْسانِ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ كَلَذَّتِهِ بِالرِّياسَةِ عَلى أقالِيمَ مُعْتَبَرَةٍ، وإذا تَفاوَتَتِ المَحَبَّةُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ البَواعِثِ فَلَذّاتُ العُلُومِ أيْضًا مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ المَعْلُوماتِ، ولَيْسَ مَعْلُومٌ أكْمَلَ ولا أجَلَّ مِنَ المَعْبُودِ الحَقِّ، فاللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن مَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ جَلالِهِ وكَمالِهِ تَكُونُ أعْظَمَ، والمَحَبَّةُ المُنْبَعِثَةُ عَنْها تَكُونُ أمْكَنَ، وإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ بَعَثَتْ عَلى الطّاعاتِ والمُوافَقاتِ.

فَقَدْ تَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ مُمْكِنَةٌ، بَلْ واقِعَةٌ مِن كُلِّ مُؤْمِنٍ، فَهي مِن لَوازِمِ الإيمانِ وشُرُوطِهِ، النّاسُ فِيها مُتَفاوِتُونَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ إيمانِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَفْسِيرُ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ لُغَةً، وكانَتِ الطّاعاتُ والمُوافَقاتُ كالمُسَبَّبِ عَنْها، والمُغايِرِ لَها، ألا تَرى إلى «الأعْرابِيِّ الَّذِي سَألَ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أعْدَدْتَ لَها»؟

قالَ: ما أعْدَدْتُ لَها كَبِيرَ عَمَلٍ، ولَكِنْ حَبَّ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ»» فَهَذا ناطِقٌ بِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ المَحَبَّةِ لِلَّهِ تَعالى غَيْرُ الأعْمالِ والنِزامِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ الأعْرابِيَّ نَفاها وأثْبَتَ الحُبَّ، وأقَرَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أثْبَتَ إجْراءَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى عَلى حَقِيقَتِها لُغَةً، والمَحَبَّةُ إذا تَأكَّدَتْ سُمِّيَتْ عِشْقًا، فَهو المَحَبَّةُ البالِغَةُ المُتَأكِّدَةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ فَوْقَ قَدْرِ المَحْبُوبِ، فَيَكْفُرُ مَن قالَ: أنا عاشِقٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِرَسُولِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَهُ بَعْضُ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ - في حَيِّزِ المَنعِ عِنْدِي.

والمُعْتَرِفُونَ بِتَصَوُّرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ يَنْسُبُونَ المُنْكِرِينَ إلى أنَّهم جَهِلُوا فَأنْكَرُوا، كَما أنَّ الصَّبِيَّ يُنْكِرُ عَلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّ وراءَ اللَّعِبِ لَذَّةً مِن جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، والمُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ والغَرامِ بِالنِّساءِ يَظُنُّ أنْ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ لَذَّةٌ مِن رِياسَةٍ أوْ جاهٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وكُلُّ طائِفَةٍ تَسْخَرُ مِمّا فَوْقَها، وتَعْتَقِدُ أنَّهم مَشْغُولُونَ في غَيْرِ شَيْءٍ.

قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ-: والمُحِبُّونَ اللَّهَ تَعالى يَقُولُونَ لِمَن أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ: ﴿ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلى مَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابَهِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، فَتَذَكَّرْ.

والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ في المَشْهُورِ أهْلُ اليَمَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ عُمَرَ الأشْعَرِيَّ، «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِما نَزَلَتْ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو مِن صَمِيمِ اليَمَنِ، وقالَ: «هم قَوْمُ هَذا»».

وعَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضِّحاكِ، أنَّهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ.

وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ، ألْفانِ مِنَ النَّخَعِ، وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ، وقَدْ حارَبَ هُناكَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رُسْتُمَ الشَّقِيَّ صاحِبَ جَيْشِ يَزْدَجَرَ.

وقالَ الإمامِيَّةُ: هم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وشِيعَتُهُ يَوْمَ وقْعَةِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وعَنْهم أنَّهُمُ المَهْدِيُّ ومَن يَتْبَعُهُ، ولا سَنَدَ لَهم في ذَلِكَ إلّا مَرْوِيّاتُهُمُ الكاذِبَةُ، وقِيلَ: هُمُ الفُرْسُ؛ «لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْهم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقالَ: «هَذا وذَوُوهُ»» وتَعَقَّبَهُ العِراقِيُّ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلى خَبَرٍ فِيهِ، وهو هُنا وهِمَ، وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ كَما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَمَن ذَكَرَهُ هُنا فَقَدْ وهِمَ.

﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ، مُتَذَلِّلِينَ لَهُمْ، جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولٍ، فَإنَّ جَمْعَهُ ذُلَلٌ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: ( أذِلَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) كَما يُقالُ: تَذَلَّلَ لَهُ، ولا يُقالُ: تَذَلَّلَ عَلَيْهِ، لِلْمُنافاةِ بَيْنَ التَّذَلُّلِ والعُلُوِّ، لَكِنَّهُ عُدِّيَ بِـ( عَلى ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ المُتَعَدّى بِها، وقِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خافِضُونَ لَهم أجْنِحَتَهم.

ولَعَلَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ اسْتُعِيرَتْ ( عَلى ) لِمَعْنى اللّامِ؛ لِيُؤْذِنَ بِأنَّهم غَلَبُوا غَيْرَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في التَّواضُعِ حَتّى عَلَوْهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنْ في اسْتِفادَةِ هَذا مِن ذاكَ خَفاءٌ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ أنَّهُ ضُمِّنَ الوَصْفُ مَعْنى الفَضْلِ والعُلُوِّ - يَعْنِي أنَّ كَوْنَهم أذِلَّةً لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ أذِلّاءَ في أنْفُسِهِمْ بَلْ لِإرادَةِ أنْ يَضُمُّوا إلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ وشَرَفِهِمْ فَضِيلَةَ التَّواضُعِ - لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ قائِلَ ذَلِكَ قابَلَهُ بِالتَّضْمِينِ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وجْهًا آخَرَ لا تَضْمِينَ فِيهِ.

وكَوْنُ الجارِّ عَلى ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) ومَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ - إلَخْ - تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى المُؤْمِنِينَ ) وخافِضُونَ - إلَخْ - تَفْسِيرٌ لِـ( أذِلَّةٍ ) مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

وقِيلَ: عُدِّيَتِ الذِّلَّةُ بِـ( عَلى ) لِأنَّ العِزَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ عُدِّيَتْ بِها كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُها، وقَدْ قارَنَتْها فاعْتُبِرَتِ المُشاكَلَةُ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ يَجُوزُ فِيها التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، وقِيلَ: لِأنَّ العِزَّةَ تَتَعَدّى بِـ( عَلى ) والذِّلَّةَ ضِدُّها فَعُومِلَتْ مُعامَلَتَها؛ لِأنَّ النَّظِيرَ كَما يُحْمَلُ عَلى النَّظِيرِ يُحْمَلُ الضِّدُّ عَلى الضِّدِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرُهُ.

وجَرُّ ( أذِلَّةٍ ) و( أعِزَّةٍ ) عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِـ( قَوْمٍ ) كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وتُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِكُلٍّ مِنهُما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ تَأْخِيرِ الصِّفَةِ الصَّرِيحَةِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحَةِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في غَيْرِما آيَةٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ هُنا مُعْتَرِضَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ.

ومَعْنى كَوْنِهِمْ ( أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ) أنَّهم أشِدّاءُ مُتَغَلِّبُونَ عَلَيْهِمْ، مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، ونَصَّ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا الوَصْفَ جِيءَ بِهِ لِلتَّكْمِيلِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ قَبْلَهُ يُوهِمُ أنَّهم أذِلّاءُ مُحَقَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، فَدُفِعَ ذَلِكَ الوَهْمُ بِالإتْيانِ بِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: جُلُوسٌ في مَجالِسِهِمْ رَزانٌ ∗∗∗ وإنَّ ضَيْفٌ ألَمَّ فَهم خُفُوفُ وقُرِئَ ( أذِلَّةً ) و( أعِزَّةً ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ( قَوْمٍ ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ ﴿ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِالقِتالِ لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ سُبْحانَهُ، وإعْزازِ دِينِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وهو صِفَةٌ أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها، مُبَيِّنَةٌ مَعَ ما بَعْدَها لِكَيْفِيَّةِ عِزَّتِهِمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( أعِزَّةٍ ) أيْ: يُعَزُّونَ مُجاهِدِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

﴿ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ فِيما يَأْتُونَ مِنَ الجِهادِ، أوْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( يُجاهِدُونَ ) بِمَعْنى أنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( يُجاهِدُونَ ) أيْ يُجاهِدُونَ وحالُهم غَيْرُ حالِ المُنافِقِينَ، والتَّعْرِيضُ فِيهِ حِينَئِذٍ أظْهَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا تَعْرِيضَ فِيهِ، بَلْ هو تَتْمِيمٌ لِمَعْنى ( يُجاهِدُونَ ) مُفِيدٌ لِلْمُبالَغَةِ والِاسْتِيعابِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِالحالِيَّةِ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ بِـ( لا ) أوْ ( ما ) كالمُثْبَتِ في عَدَمِ جَوازِ دُخُولِ الواوِ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ القائِلِ بِجَوازِ اقْتِرانِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ( لا ) و( ما ) بِالواوِ، فَإنَّ النُّحاةَ جَوَّزُوهُ في المَنفِيِّ بِـ( لَمْ ) و( لَمّا ) ولا فَرْقَ بَيْنَهُما.

و( اللَّوْمَةُ ) المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ أيِ الِاعْتِراضِ، وهو مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وأصْلُ ( لائِمٍ ) ( لاوِمٌ ) فاعِلٌ كَقائِمٍ، وفي اللَّوْمَةِ مَعَ تَنْكِيرِ ( لائِمٍ ) مُبالَغَتانِ - عَلى ما قِيلَ - ووَجَّهَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ لا يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الخَوْفِ مِنَ اللَّوْمَةِ الواحِدَةِ خَوْفُ جَمِيعِ اللُّوماتِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْها تَنْكِيرُ فاعِلِها يَسْتَوْعِبُ انْتِفاءَ خَوْفِ جَمِيعِ اللُّوّامِ، فَيَكُونُ هَذا تَتْمِيمًا في تَتْمِيمٍ، أيْ لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ اللَّوْمِ مِن أحَدٍ مِنَ اللُّوّامِ.

وقِيلَ عَلَيْهِ: بِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ ( لَوْمَةُ ) أبْلَغَ مِن ( لَوْمٍ ) مَعَ ما فِيها مِن مَعْنى الوَحْدَةِ؟

فَلَوْ قِيلَ: ( لَوْمُ لائِمٍ ) كانَ أبْلَغَ!

وأُجِيبَ بِأنَّها في الأصْلِ لِلْمَرَّةِ، لَكِنِ المُرادُ بِها هُنا الجِنْسُ، وأُتِيَ بِالتّاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ جِنْسَ اللَّوْمِ عِنْدَهم بِمَنزِلَةٍ لَوْمَةٍ واحِدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ؛ لِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى هَذا التَّجَوُّزِ مَعَ بَقاءِ الإبْهامِ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ مَقامَ المَدْحِ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ لا بَعْضِها - كَما قِيلَ - والإفْرادُ لِما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ ما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ ﴿ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ أيْ لُطْفُهُ وإحْسانُهُ ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ إيتاءَهُ إيّاهُ لا أنَّهم مُسْتَقِلُّونَ في الِاتِّصافِ بِهِ ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ كَثِيرُ الفَضْلِ، أوْ جَوادٌ لا يُخافُ نَفادُ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في تَعَلُّقِ العِلْمِ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَن هو أهْلُ الفَضْلِ ومَحَلُّهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ، كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ: ﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ الأوَّلُ إشارَةً إلى عِلْمِ الفُرْقانِ، والثّانِي إشارَةً إلى عِلْمِ القُرْآنِ، والأوَّلِ هو ظُهُورُ تَفاصِيلِ الكَمالِ، والثّانِي هو العِلْمُ الإجْمالِيُّ الثّابِتُ في الِاسْتِعْدادِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) حافِظًا عَلَيْهِ بِالإظْهارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ إشارَةً إلى ما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ المُصْحَفِ، والثّانِي إشارَةً إلى الجِنْسِ الشّامِلِ لِلتَّوْراةِ الَّتِي دَعْوَتُها لِلظّاهِرِ، والإنْجِيلِ الَّذِي هو دَعْوَتُهُ لِلْباطِنِ، وكِتابُنا مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرَيْنِ، حافِظٌ لِكُلٍّ مِنَ الكِتابَيْنِ.

( ﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ) مِنَ العَدْلِ الَّذِي هو ظِلُّ المَحَبَّةِ، الَّتِي هي ظِلُّ الوَحْدَةِ، الَّتِي انْكَشَفَتْ عَلَيْكَ ( ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ ) في تَغْلِيبِ أحَدِ الجانِبَيْنِ، إمّا الظّاهِرُ وإمّا الباطِنُ ( ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ﴾ ) مَوْرِدًا كَمَوْرِدِ النَّفْسِ، ومَوْرِدِ القَلْبِ، ومَوْرِدِ الرُّوحِ، ( ﴿ ومِنهاجًا ﴾ ) طَرِيقًا كَعِلْمِ الأحْكامِ والمَعارِفِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الباطِنِ المُوصِلِ إلى جَنَّةِ الصِّفاتِ، وعِلْمِ التَّوْحِيدِ والمُشاهَدَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الفَناءِ المُوصِلِ إلى جَنَّةِ الذّاتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِحارًا لِلْأرْواحِ، وأنْهارًا لِلْقُلُوبِ، وسَواقِيَ لِلْعُقُولِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها شِرْعَةٌ في ذَلِكَ تَرِدُ مِنها؛ كَشِرْعَةِ العِلْمِ، وشِرْعَةِ القُدْرَةِ، وشِرْعَةِ الصَّمَدِيَّةِ، وشِرْعَةِ المَحَبَّةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَهُ عَزَّ وجَلَّ طُرُقٌ بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، كَما قالَ أبُو يَزِيدَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - والمُرادُ بِها الطُّرُقُ الشَّخْصِيَّةُ لا مُطْلَقًا، وكُلُّها تُوصِلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى اخْتِلافِ مَشارِبِ القَوْمِ، وعَدَمِ اتِّحادِ مَسالِكِهِمْ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ وفَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ في ذَلِكَ، وقَلَّما يَتَّفِقُ اثْنانِ في مَشْرَبٍ ومَنهَجٍ، ومِن هُنا يَنْحَلُّ الإشْكالُ فِيما حُكِيَ عَنْ حَضْرَةِ البازِ الأشْهَبِ مَوْلانا الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: لا زِلْتُ أسِيرُ في مَهامِهِ القُدْسِ حَتّى قَطَعْتُ الآثارَ، فَلاحَ لِي أثَرُ قَدَمٍ مِن بَعِيدٍ، فَكادَتْ رُوحِي تَزْهَقُ، فَإذا النِّداءُ: هَذا أثَرُ قَدَمِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي سَبْقَهُ لِلْأنْبِياءِ والرُّسُلِ أرْبابِ التَّشْرِيعِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَحْوِهِمْ مِنَ الكامِلِينَ، وهو كَما تَرى.

ووَجْهُهُ أنَّهُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - قَطَعَ الآثارَ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي السَّبْقَ عَلى سالِكِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ لا غَيْرُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمَن ذَكَرْنا مِنَ السّالِكِينَ طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وهَذا أحْسَنُ ما يَخْطُرُ لِي في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ الإشْكالِ؛ نَظَرًا إلى مَشْرَبِي، ومَشارِبُ القَوْمِ شَتّى.

( ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ ) مُتَّفِقِينَ في المَشْرَبِ والطَّرِيقِ ( ﴿ ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ ) أيْ لِيُظْهِرَ عَلَيْكم ما آتاكم بِحَسَبِ اسْتِعْداداتِكم عَلى قَدْرِ قَبُولِ كُلِّ واحِدٍ مِنكم ( ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ ) أيِ الأُمُورَ المُوصِلَةَ لَكم إلى كَمالِكُمُ الَّذِي قُدِّرَ لَكم بِحَسَبِ الِاسْتِعْداداتِ المُقَرِّبَةِ إيّاكم إلَيْهِ بِإخْراجِهِ إلى الفِعْلِ.

( ﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ) في عَيْنِ جَمْعِ الوُجُودِ عَلى حَسَبِ المَراتِبِ ( ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ) وذَلِكَ بِإظْهارِ آثارِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ ( ﴿ وأنِ احْكم بَيْنَهُمْ ﴾ ) حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ويَقْبَلُهُ الِاسْتِعْدادُ ( ﴿ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ) إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ الجامِعِ لِلظّاهِرِ والباطِنِ ( ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ) فَتُقْصَرُ عَلى الظّاهِرِ البَحْتِ، أوِ الباطِنِ المَحْضِ، وتَنْفِي الآخَرَ ( ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ ) كَذَنْبِ حَجْبِ الأفْعالِ لِلْيَهُودِ، وذَنْبِ حَجْبِ الصِّفاتِ لِلنَّصارى ( وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ) وأنْواعُ الفِسْقِ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِسْقُ اليَهُودِ خُرُوجُهم عَنْ حُكْمِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ، بِرُؤْيَةِ النَّفْسِ أفْعالَها، وفِسْقُ النَّصارى خُرُوجُهم عَنْ حُكْمِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الحَقّانِيَّةِ، بِرُؤْيَةِ النَّفْسِ صِفاتِها، والفِسْقُ الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ الِالتِفاتُ إلى ذَواتِهِمْ، والخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ ( ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ) وهو الحُكْمُ الصّادِرُ عَنْ مَقامِ النَّفْسِ بِالجَهْلِ، لا عَنْ عِلْمٍ إلَهِيٍّ ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ ) الحَقِّ، فَيَحْتَجِبُ بِبَعْضِ الحُجُبِ ( ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ﴾ ) في الأزَلِ لا لِعِلَّةٍ ( ﴿ ويُحِبُّونَهُ ﴾ ) كَذَلِكَ، ومَرْجِعُ المَحَبَّةِ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ الذّاتُ دُونَ الصِّفاتِ، كَما قالَهُ الواسِطِيُّ، وطَعَنَ فِيهِ - كَما قَدَّمْنا - الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَيْثُ أحَبَّهم - ولَمْ يَكُونُوا إلّا في العِلْمِ - كانَ المُحِبُّ والمَحْبُوبُ واحِدًا في عَيْنِ الجَمْعِ.

وقالَ السُّلَمِيُّ: إنَّهم بِفَضْلِ حُبِّهِ لَهُمُ أحَبُّوهُ، وإلّا فَمِن أيْنَ لَهُمُ المَحَبَّةُ لِلَّهِ تَعالى، وما لِلتُّرابِ ورَبِّ الأرْبابِ!

وشَرْطُ الحُبِّ - كَما قالَ - أنْ يَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، وإلّا فَلَيْسَ بِحُبٍّ حَقِيقَةً، وقالَتْ أعْرابِيَّةٌ في صِفَةِ الحُبِّ: خَفِيَ أنْ يُرى، وجَلَّ أنْ يَخْفى، فَهو كامِنٌ كَكُمُونِ النّارِ في الحَجَرِ، إنْ قَدَحْتَهُ أوْرى وإنْ تَرَكْتَهُ تَوارى، وإنْ لَمْ يَكُنْ شُعْبَةً مِنَ الجُنُونِ فَهو عُصارَةُ السِّحْرِ، وهَذا شَأْنُ حُبِّ الحادِثِ، فَكَيْفَ شَأْنُ حُبِّ القَدِيمِ - جَلَّ شَأْنُهُ - والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ.

( ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ ) لِمَكانِ الجِنْسِيَّةِ الذّاتِيَّةِ، ورابِطَةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ، والمُناسَبَةِ الفِطْرِيَّةِ بَيْنَهم ( ﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ) المَحْجُوبِينَ لِضِدِّ ما ذُكِرَ ( ﴿ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) بِمَحْوِ صِفاتِهِمْ، وإفْناءِ ذَواتِهِمُ الَّتِي هي حُجُبُ المُشاهَدَةِ ( ﴿ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ ) لِفَرْطِ حُبِّهِمُ الَّذِي هو الرَّشادُ الأعْظَمُ لِلْمُتَّصَفِ بِهِ: وإذا الفَتى عَرَفَ الرَّشادَ لِنَفْسِهِ هانَتْ عَلَيْهِ مَلامَةُ العُزّالِ بَلْ إذا صَدَقَتِ المَحَبَّةُ التَذَّ المُحِبُّ بِالمَلامَةِ، كَما قِيلَ: أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ ( ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ ) الَّذِي لا يُدْرَكُ شَأْوُهُ ( ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ ) مِن عِبادِهِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ العِنايَةُ الإلَهِيَّةِ ( ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ ) الفَضْلِ ( ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ) حَيْثُ يَجْعَلُ فَضْلَهُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِفَضْلِهِ الواسِعِ، وجُودِهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مانِعٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ قرأ نافع وابن عامر، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ بالدالين، وقرأ الباقون بالدال الواحدة مع التشديد.

فأما من قرأ يرتدد، فهو الأصل في اللغة، وروي عن أبي عبيدة أنه قال: رأيت في مصحف عثمان بن عفان  ، بالدالين.

وأما من قرأ يَرْتَدَّ لأنه أدغم الدال الأولى في الثانية، فأسكن الأولى، ثم حرّك الثانية إلى النصب لالتقاء الساكنين.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن أهل الردة الذين ارتدوا على عهد أبي بكر الصديق  ، وذلك أن العرب ارتدوا وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله  .

فأما أن نعطي من أموالنا بعد رسول الله  فلا.

وخرج مسيلمة الكذاب فغلب على اليمامة، وامتنعوا.

فشاور أبو بكر  أصحاب النبيّ  في قتالهم، فقال أصحاب النبيّ  : وكيف نقاتل قوماً، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وقد قال النبيّ  : «أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فَإذا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله تَعَالَى» ، فقال أبو بكر الصديق: الزكاة من حقها.

ثم قال: والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله  ، لقاتلتهم عليه.

فاتفقت الصحابة على قول أبي بكر، وجمعوا العسكر، وجاءهم من قبل اليمن سبعة آلاف رجل، واجتمع ثلاثة آلاف من أفناء الناس، فخرجوا وأميرهم «خالد بن الوليد» ، وقاتلهم، وخرج مسيلمة الكذاب مع أهل اليمامة، واجتمع الأعراب معه، وكان بينهم قتال شديد، فقتل يومئذٍ من المسلمين مائة وأربعون رجلاً ومنهم «ثابت بن قيس بن شماس» ، «وسالم مولى أبي حذيفة» وغيرهما فكاد المسلمون أن ينهزموا كلهم حتى نصرهم الله، وأظهرهم على أعدائه، وقُتل مسيلمة الكذاب، وأصحابه، وتاب أهل الردة، فذلك قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يعني: يحبون الله أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني: رحيمة ليّنة على المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يقول: شديدة غليظة عَلَى الْكافِرِينَ يعني: أهل اليمن.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ هُمْ ألْيَنُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإيمانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (١) فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ هو أبو بكر وأصحابه، وقال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه.

وقال الضحاك: هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتدت العرب جاهدهم حتى ردهم إلى الإسلام.

وهذا من شمائل أبي بكر، حيث اتفقت الصحابة على رأيه، وذكر أنه لما قبض النبيّ  ، همَّ المنافقون أن يُظهروا كفرهم، وتحير أصحاب النبي  عند ذلك، حتى جاء عمر وصعد المنبر فقال: من قال إن محمداً قد مات فأنا أفعل به كذا وكذا، بل هو حي حتى يخرج إليكم.

وقد وعدنا الله تعالى أن يظهره على الدين كله.

فجاء أبو بكر، فقال له: انزل يا عمر، فصعد أبو بكر، فقال: من كان يعبد محمدا  ، فقد مات محمد  ، ومن كان يعبد الله تعالى فهو حي لا يموت، ومن أراد أن يرجع عن دينه فليس بيننا وبينه إلا السيف.

فخاف المنافقون، فكتموا نفاقهم وقرأ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] وقرأ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144] فقال عمر: كأني لم أكن سمعت هذه الآية.

ثم اختلاف آخر كان في دفنه، فقال أبو بكر: يدفن حيث مات فاتفقوا على قوله.

ثم اختلاف آخر كان في سقيفة بني ساعدة في الخلافة، فاتفقوا على قوله.

ثم اختلاف أهل الردة، وكلهم اتفقوا على قوله.

فذلك قوله تعالى: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: في طاعة الله وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ يعني: لا يخافون ملامة الناس بما يعملون من الطاعات ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني: ذلك توفيق الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يوفق من يشاء.

ويقال: ذلك دين الله الإسلام يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يعني: واسع الفضل عليم بمن يصلح للهدى.

قوله تعالى: (١) أخرجه البخاري (64) كتاب المغازي (75) باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن رقم الحديث (4390) ج 3 صفحة 143.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ...

الآية.

وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:

نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.

وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:

أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.

وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.

قال الفَخْر «١» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له.

انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟

قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟

قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟

قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى.

انتهى.

وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال الفَخْر «١» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .

وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» .

انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .

قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .

ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .

ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ...

الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَرْتَدَّ، بِإدْغامِ الدّالِ الأُولى في الأُخْرى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: يَرْتَدِدْ، بِدالَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "يَرْتَدِدْ" هو الأصْلُ، لِأنَّ الثّانِيَ إذا سُكِّنَ مِنَ المُضاعَفِ، ظَهَرَ التَّضْعِيفُ.

فَأمّا "يَرْتَدَّ" فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأوْلى في الثّانِيَةِ، وحُرِّكَتِ الثّانِيَةُ بِالفَتْحِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

قالَ الحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ.

وفي المُرادِ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ وأصْحابُهُ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَرِهَتِ الصَّحابَةُ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ، وقالُوا: أهْلُ القِبْلَةِ، فَتَقَلَّدَ أبُو بَكْرٍ سَيْفَهُ، وخَرَجَ وحْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الخُرُوجِ عَلى أثَرِهِ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنِ الحُسْنِ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، رَوى عِياضٌ الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "هم قَوْمُ هَذا" يَعْنِي: أبا مُوسى.» والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ ما وعَدَ فَأتى بِقَوْمٍ في زَمَنِ عُمَرَ كانُوا أحْسَنَ مَوْقِعًا في الإسْلامِ مِمَّنِ ارْتَدَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: أهْلُ رِقَّةٍ عَلى أهْلِ دِينِهِمْ، أهْلُ غِلْظَةٍ عَلى مَن خالَفَهم في دِينِهِمْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "أذِلَّةٍ": جانِبُهم لَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لا أنَّهم أذِلّاءُ.

﴿ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ لِأنَّ المُنافِقِينَ يُراقِبُونَ الكُفّارَ، ويُظاهِرُونَهم، ويَخافُونَ لَوْمَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الصَّحِيحَ الإيمانِ لا يَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، فَقالَ: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي: مَحَبَّتَهم لِلَّهِ، ولِينَ جانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وشِدَّتَهم عَلى الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهُ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ اِخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ ونافِعٌ: "يَقُولُ"؛ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ؛ وبِرَفْعِ اللامِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ؛ ومَكَّةَ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "وَيَقُولُ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ؛ وَقالَ الطَبَرِيُّ: كَذَلِكَ هي في مَصاحِفِنا؛ مَصاحِفِ أهْلِ الشَرْقِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "وَيَقُولَ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وبِنَصْبِ اللامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ والرَفْعَ في اللامِ؛ فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ فَمُتَعاضِدَةٌ مَعَ قِراءَةِ حَمْزَةَ ؛ والكِسائِيِّ ؛ لِأنَّ الواوَ لَيْسَتْ عاطِفَةَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ؛ مُشْرِكَةً في العامِلِ؛ وإنَّما هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وواصِلَةٌ بَيْنَهُما؛ والجُمْلَتانِ مُتَّصِلَتانِ بِغَيْرِ واوٍ؛ إذْ في الجُمْلَةِ الثانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ؛ وقالُوا: نَخْشى؛ ويُصْبِحُونَ نادِمِينَ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ فَلَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ هَكَذا حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ؛ وبِغَيْرِ الواوِ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ  ﴾ ؛ لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ؛ اكْتُفِيَ بِذَلِكَ عَنِ الواوِ؛ وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ؛ ولَوْ دَخَلَتِ الواوُ؛ فَقِيلَ: "وَهم فِيها خالِدُونَ"؛ كانَ حَسَنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ بَراعَةَ الفَصاحَةِ في الإيجازِ؛ ويَدُلُّ عَلى حُسْنِ دُخُولِ الواوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ  ﴾ ؛ فَحَذْفُ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ كَحَذْفِها مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ وإلْحاقِها في قَوْلِهِ "ثامِنُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو إذا جاءَ الفَتْحُ؛ وحَصَلَتْ نَدامَةُ المُنافِقِينَ؛ وفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى؛ فَحِينَئِذٍ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ قَوْلِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ﴿ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ  ﴾ ؛ وعِنْدَ أفْعالِهِمْ ما فَعَلُوا في حِكايَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ فَظَهَرَ فِيها سِرُّهُمْ؛ وفُهِمَ مِنهم أنَّ تَمَسُّكَهم بِهِمْ إنَّما هو إرْصادٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ فَمَقَتَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ؛ وتَرَكَ النَبِيُّ بَنِي قَيْنُقاعٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَغْبَةً في المَصْلَحَةِ والأُلْفَةِ؛ وبِحُكْمِ إظْهارِ عَبْدِ اللهِ أنَّ ذَلِكَ هو الرَأْيُ مِن نَفْسِهِ؛ وأنَّ الدَوائِرَ الَّتِي يَخافُ إنَّما هي ما يُخَرِّبُ المَدِينَةَ؛ وعَلِمَ المُؤْمِنُونَ؛ وكُلٌّ فَطِنَ أنَّ عَبْدَ اللهِ في ذَلِكَ بِخِلافِ ما أبْدى؛ فَصارَ ذَلِكَ مَوْطِنًا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ.

وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: "وَيَقُولَ" بِنَصْبِ اللامِ فَلا يُتَّجَهُ مَعَها أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ؛ وظُهُورِ نَدامَةِ المُنافِقِينَ؛ وفَضِيحَتِهِمْ؛ لِأنَّ الواوَ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ؛ مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ وتَوَجُّهُ عَطْفِ "وَيَقُولَ"؛ مُطَّرِدٌ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ؛ أحَدُها: عَلى المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ  ﴾ ؛ إنَّما المَعْنى فِيهِ: "فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بِعَطْفِ قَوْلِهِ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "يَأْتِيَ"؛ اِعْتِمادًا عَلى المَعْنى؛ وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ: اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ  ﴾ ؛ لَما كانَ المَعْنى: "أخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ؛ أصَّدَّقْ"؛ وحُمِلَ "وَأكُنْ"؛ عَلى الجَزْمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى في قَوْلِهِ: "فَأصَّدَّقَ"؛ والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بَدَلًا مِنَ اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كَما أُبْدِلَ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ  ﴾ ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ "وَيَقُولَ"؛ عَلى: "أنْ يَأْتِيَ"؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ قُلْتَ: "عَسى أنْ يَأْتِيَ"؛ والوَجْهُ الثالِثُ: أنْ يُعْطَفَ قَوْلُهُ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "فَيُصْبِحُوا"؛ إذْ هو فِعْلٌ مَنصُوبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي؛ إذْ قَوْلُهُ: "عَسى اللهُ"؛ تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ؛ وفي هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ؛ وكَذَلِكَ عِنْدِي في مَنعِهِمْ جَوازِ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ"؛ نَظَرٌ؛ إذِ اللهُ تَعالى يُصَيِّرُهم يَقُولُونَ بِنَصْرِهِ؛ وإظْهارِ دِينِهِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى المَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ نُصِبَ "جَهْدَ"؛ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ هُمُ المُقْسِمُونَ بِاجْتِهادٍ مِنهم في الأيْمانِ: إنَّهم لَمَعَكُمْ؟

ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ الآنَ مِنهم مِن مُوالاةِ اليَهُودِ؛ وخَذْلِ الشَرِيعَةِ ما يُكَذِّبُ إيمانَهُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ؛ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ بِما حَصَلَ في اعْتِقادِهِمْ؛ إذْ رَأوُا المُنافِقِينَ في هَذِهِ الأحْوالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ؛ إمّا مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ وإمّا مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وحَبِطَ العَمَلُ: إذا بَطَلَ بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًا؛ وقَدْ يُقالُ: "حَبِطَ"؛ في عَمَلِ الكُفّارِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يُتَحَصَّلْ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَبِطَتْ"؛ بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو واقِدٍ؛ والجَرّاحُ: بِفَتْحِ الباءِ؛ وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ فِيها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ: نَزَلَتِ الآيَةُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ والإشارَةُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمْ إلى أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابِهِ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِدَّةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ اللهَ وعَدَ هَذِهِ الأُمَّةَ: مَنِ ارْتَدَّ مِنها فَإنَّهُ يَجِيءُ بِقَوْمٍ يَنْصُرُونَ الدِينَ؛ ويُغْنُونَ عَنِ المُرْتَدِّينَ؛ فَكانَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابُهُ مِمَّنْ صَدَقَ فِيهِمُ الخَبَرُ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ وكَذَلِكَ هو عِنْدِي أمْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَعَ الخَوارِجِ؛ ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأها النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» يَعْنِي أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِياضٌ؛ وقالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أنا وقَوْمِي هم يا رَسُولَ اللهِ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا؛ ولَكِنَّهم قَوْمُ هَذا"؛ وأشارَ إلى أبِي مُوسى»؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: اَلْإشارَةُ إلى أهْلِ اليَمَنِ؛ وقالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي قَوْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ هم قَوْمُ أبِي مُوسى ؛ ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ مُخاطَبَةُ جَمِيعِ مَن حَضَرَ عَصْرَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ لَهُمْ؛ والعِتابِ والتَوَعُّدِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْإشارَةُ بِالقَوْمِ إلى الأنْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الحاضِرِينَ؛ يَعُمُّ مُؤْمِنَهم ومُنافِقَهُمْ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ والإشارَةُ بِالِارْتِدادِ إلى المُنافِقِينَ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن نافَقَ وارْتَدَّ فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأنْصارِ يَحْمُونَ الشَرِيعَةَ؛ ويَسُدُّ اللهُ بِهِمْ كُلَّ ثَلْمٍ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يَرْتَدَّ"؛ بِإدْغامِ الدالِ في الدالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَرْتَدِدْ"؛ بِتَرْكِ الإدْغامِ؛ وهَذِهِ لُغَةُ الحِجازِ "مَكَّةَ وما جاوَرَها"؛ والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُتَذَلِّلِينَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ غَيْرِ مُتَكَبِّرِينَ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "اَلْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلَظاءَ عَلى الكافِرِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الرَدِّ عَلى المُنافِقِينَ في أنَّهم كانُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَلامَةِ الأخْلاقِ والمَعارِفِ مِنَ الكُفّارِ؛ ويُراعُونَ أمْرَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾ ؛ اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ القَوْمِ يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهُمْ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في مَعْنى مَحَبَّةِ اللهِ لِلْعَبْدِ؛ وأنَّها إظْهارُ النِعَمِ المُنْبِئَةِ عن رِضاهُ عنهُ؛ وإلْباسُهُ إيّاها؛ و"واسِعٌ"؛ مَعْناهُ: ذُو سَعَةٍ فِيما يَمْلِكُ ويُعْطِي ويُنْعِمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقضَّى تحذيرهم من أعدائهم في الدّين، وتجنيبهم أسباب الضعف فيه، فأقبل على تنبيههم إلى أنّ ذلك حرص على صلاحهم في ملازمة الدّين والذبّ عنه، وأنّ الله لا يناله نفع من ذلك، وأنّهم لو ارتدّ منهم فريق أو نَفَر لم يضرّ الله شيئاً، وسيكون لهذا الدّين أتباع وأنصار وإن صدّ عنه من صَدّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿ إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ [الزمر: 7]، وقوله: ﴿ يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ [الحجرات: 17].

فجملة ﴿ يأيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم ﴾ الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة ﴿ إنّما وليّكم الله ﴾ [المائدة: 55]، دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله ﴿ ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ﴾ [المائدة: 51].

فتعْقِيبُها بهذا الاعتراض إشارة إلى أنّ اتّخاذ اليهود والنّصارى أولياء ذريعة للارتداد، لأنّ استمرار فريق على مُوالاة اليهود والنّصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسلّ عن الإيمان فريق.

وأنبأ المتردّدين ضعفاء الإيمان بأنّ الإسلام غنيّ عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر.

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ﴿ من يرتَدِدْ ﴾ بدالين على فَكّ الإدغام، وهو أحد وجهين في مثله، وهو لغة أهل الحجاز، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام.

وقرأ الباقون بدال واحدة مشدّدة بالإدغام، وهو لغة تميم.

وبفتححٍ على الدال فتحة تخلّص من التقاء الساكنين لخفّة الفتح، وكذلك هو مرسوم في مصحف مكّة ومصحف الكوفة ومصحف البصرة.

والارتداد مطاوع الردّ، والردّ هو الإرجاع إلى مكان أو حالة، قال تعالى: ﴿ رُدّوها عليّ ﴾ [ص: 33].

وقد يطلق الردّ بمعنى التّصيير ﴿ ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر ﴾ [النحل: 70].

وقد لوحظ في إطلاق اسم الارتداد على الكفر بعد الإسلام ما كانوا عليه قبل الإسلام من الشرك وغيره، ثم غلب اسم الارتداد على الخروج من الإسلام ولو لم يسبق للمرتدّ عنه اتّخاذ دين قبله.

وجملة ﴿ فسوف يأتي الله بقوم ﴾ الخ جواب الشرط، وقد حذف منها العائد على الشرط الإسمي، وهو وعد بأنّ هذا الدّين لا يعدم أتباعاً بررة مخلصين.

ومعنى هذا الوعد إظهار الاستغناء عن الّذين في قلوبهم مرض وعن المنافقين وقلّةُ الاكتراث بهم، كقوله تعالى: ﴿ لوْ خرجوا فيكم مَا زادوكم إلاّ خَبالاً ﴾ وتطمين الرسول والمؤمنين الحقَّ بأنّ الله يعوّضهم بالمرتدِّين خيراً منهم.

فذلك هو المقصود من جواب الشرط فاستغني عنه بذكر ما يتضمّنه حتّى كان للشرط جوابان.

وفي نزول هذه الآية في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إيماء إلى ما سيكون من ارتداد كثير من العرب عن الإسلام مثل أصحاب الأسْود العَنْسي باليمن، وأصحاب طلحة بن خُويلد في بَني أسد، وأصحاب مسيلمة بننِ حبيب الحَنفي باليمامة.

ثمّ إلى ما كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من ارتداد قبائل كثيرة مثل فزارة وغطفان وبني تَميم وكِنْدة ونحوهم.

قيل: لم يبق إلا أهل ثلاثة مساجد: مسجد المدينة ومسجد مكّة ومسجد (جُؤَاثَى) في البحرين (أي من أهل المدن الإسلاميّة يومئذٍ).

وقد صدق الله وعده ونصر الإسلام فأخلفه أجيالاً متأصّلة فيه قائمة بنصرته.

وقوله: ﴿ يأتي الله بقوم ﴾ ، الإتيان هنا الإيجاد، أي يوجد أقواماً لاتّباع هذا الدّين بقلوب تحبّة وتجلب له وللمؤمنين الخير وتذود عنهم أعداءهم، وهؤلاء القوم قد يكونون من نفس الّذين ارتدّوا إذا رجعوا إلى الإسلام خالصة قلوبهم ممّا كان يخامرها من الإعراض مثل معظم قبائل العرب وسادتهم الّذين رجعوا إلى الإسلام بعد الردّة زمن أبي بكر، فإنّ مجموعهم غير مجموع الذين ارتدّوا، فصحّ أن يكونوا ممّن شمله لفظ ﴿ بقوم ﴾ ، وتحقّق فيهم الوصف وهو محبّة الله إيّاهم ومحبّتهم ربّهم ودينه، فإنّ المحبّتين تتبعان تغيّر أحوال القلوب لا تغيّر الأشخاص فإنّ عمرو بن معد يكرب الّذي كان من أكبر عصاة الردّة أصبح من أكبر أنصار الإسلام في يوم القادسيّة، وهكذا.

ودَخل في قوله ﴿ بقوم ﴾ الأقوام الّذين دخَلوا في الإسلام بعد ذلك مثل عرب الشام من الغساسنة، وعرب العراق ونبَطهم، وأهل فارس، والقبط، والبَربر، وفرنجة إسبانية، وصقلّيَة، وسردانية، وتخوممِ فرانسا، ومثل الترك والمغول، والتتار، والهند، والصّين، والإغريق، والرّوم، من الأمم الّتي كان لها شأن عظيم في خدمة الإسلام وتوسيع مملكته بالفتوح وتأييده بالعلوم ونشر حَضارته بين الأمم العظيمة، فكلّ أمّة أو فريق أو قوم تحقّق فيهم وصف: ﴿ يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يحاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ﴾ فهُم من القوم المنوّه بهم؛ أمَّا المؤمنون الّذين كانوا من قبل وثبتوا فأولئك أعظم شأناً وأقوى إيماناً فأتاهم المؤيّدون زَرافَات ووُحْدانا.

ومحبّة الله عبدَه رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبّة العبد ربّه انفعال النّفس نحوَ تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدّفاع عن دينه.

فهي صفة تحصل للعبد من كثرة تصوّر عظمة الله تعالى ونِعمه حتّى تتمكّن من قلبه، فمنشؤها السمع والتّصوّر.

وليست هي كمحبّة استحسان الذّات، ألا ترى أنّا نحبّ النّبيء صلى الله عليه وسلم من كثرة ما نسمع من فضائله وحرصه على خيرنا في الدّنيا والآخرة، وتقوَى هذه المحبّة بمقدار كثرة ممارسة أقواله وذكر شمائله وتصرّفاته وهديه، وكذلك نحبّ الخلفاء الأربعة لكثرة ما نسْمع من حبّهم الرسول ومن بذلهم غاية النصح في خير المسلمين، وكذلك نحبّ حاتِماً لما نسمع من كرمه.

وقد قالت هند بنت عتبة امرأةُ أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أهلُ خباء أحبَّ إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما أهل خباء أحبّ إلي من أنْ يعزّوا من أهل خبائك.

والأذلّة والأعزّة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلّق بهما، فالأذلّة جمع الذليل وهو الموصوف بالذُلّ.

والذلّ بضمّ الذال وبكسرها الهوان والطاعة، فهو ضدّ العزّ ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة ﴾ [آل عمران: 123].

وفي بعض التّفاسير: الذلّ بضم الذال ضد العزّ وبكسر الذال ضدّ الصعوبة، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة.

والذليل جمعه الأذلّة، والصفة الذلّ ﴿ واخفِض لهما جناح الذلّ من الرّحمة ﴾ [الإسراء: 24].

ويطلق الذلّ على لين الجانب والتّواضع، وهو مجاز، ومنه ما في هذه الآية.

فالمراد هنا الذلّ بمعنى لين الجانب وتوطئة الكَنَف، وهو شدّة الرّحمة والسّعي للنفع، ولذلك علّق به قوله: ﴿ على المؤمنين ﴾ .

ولتضمين ﴿ أذلّة ﴾ معنى مشفقين حانين عدّي بعلى دون اللام، أو لمشاكلةِ (على) الثّانية في قوله: ﴿ على الكافرين ﴾ .

والأعزّة جمع العزيز فهو المتّصف بالعزّ، وهو القّوة والاستقلال»، ولأجل ما في طباع العرب من القوّة صار العزّ في كلامهم يدلّ على معنى الاعتداء، ففي المثل (من عَزّ بَزّ).

وقد أصبح الوصفان متقابلين، فلذلك قال السموأل أو الحارثي: وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا *** عزيز وجارُ الأكثرين ذليل وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربيّة بديعية، وهي المسماة الطباق، وبلغاء العرب يغربون بها، وهي عزيزة في كلامهم، وقد جَاء كثير منها في القرآن.

وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تُسيِّرُها آراؤهم الحصيفة فليسوا مندفعين إلى فعل مّا إلاّ عن بصيرة، وليسوا ممّن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون ليّناً في كلّ حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الّذي يكون في كلّ حال بما يلائم ذلك الحال، قال: حَلِيم إذا ما الحِلم زَيَّن أهلَه *** مع الحِلم في عين العَدُوّ مَهِيب وقال تعالى: ﴿ أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم ﴾ [الفتح: 29].

وقوله: ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ صفة ثالثة، وهي من أكبر العلامات الدالّة على صدق الإيمان.

والجهاد: إظهار الجُهد، أي الطاقة في دفاع العدوّ، ونهاية الجهد التّعرّض للقتل، ولذلك جيء به على صيغة مصدر فَاعَلَ لأنّه يظهر جهده لمن يُظهر له مثله.

وقوله: ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ صفة رابعة، وهي عدم الخوف من الملامة، أي في أمر الدّين، كما هو السياق.

واللومة الواحدة من اللَّوم.

وأريد بها هنا مطلق المصدر، كاللّوْم لأنّها لمّا وقعت في سياق النّفي فعمّت زال منها معنى الوحدة كما يزول معنى الجمع في الجمع المعمَّم بدخول ال الجنسية لأنّ (لا) في عموم النّفي مثل (ال) في عموم الإثبات، أي لا يخافون جميع أنواع اللّوم من جميع اللاّئمين إذ اللّوْم منه: شديد، كالتقريع، وخفيف؛ واللائمون: منهم اللاّئم المخيف، والحبيب؛ فنفى عنهم خوفَ جميع أنواع اللّوم.

ففي الجملة ثلاثة عمومات: عُموم الفعل في سياق النّفي، وعموم المفعول، وعموم المضاف إليه.

وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتّى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم لأنّ الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة.

ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثّقة بالنّفس وأصالة الرأي.

وقد عَدّ فقهاؤنا في وصف القاضي أن يكون مستخفّاً باللاّئمَة على أحد تأويلين في عبارة المتقدّمين، واحتمال التّأويلين دليل على اعتبار كليهما شرعاً.

وجملة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ تذييل.

واسم الاشارة إشارة إلى مجموع صفات الكمال المذكورة.

و ﴿ واسع ﴾ وصف بالسعة، أي عدم نهاية التّعلّق بصفاته ذات التّعلق، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ﴾ في سورة آل عمران (73).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مَعَهُ أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ: عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضِّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن أهْلِ اليَمَنِ لِأنَّهُ كانَ لَهم في نُصْرَةِ الإسْلامِ أثَرٌ حَسَنٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَيْهِ أوْمَأ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ بِشَيْءٍ كانَ في يَدِهِ وقالَ: (هم قَوْمُ هَذا ).» قالَهُ مُجاهِدٌ وشُرَيْحٌ.

﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ رِقَّةٍ عَلَيْهِمْ.

﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ غِلْظَةٍ عَلَيْهِمْ، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وَهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلى الكافِرِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ حِينَ شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ما أظْهَرَهُ اليَهُودُ مِن عَداوَتِهِمْ لَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ حِينَ تَبَرَّأ مِن حِلْفِ اليَهُودِ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلِيٌّ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ وهم في رُكُوعِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلَ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ الفَرْضَ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَرْكَعُ إذا انْتَفَلَ بِالصَّلاةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل الجواثي من عبد القيس، وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي والله يغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل لهم أنهم قد فقهوا أداء الزكاة فقال: والله لا أفرق بين شيء جمعه الله، والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله تعالى عصائب مع أبي بكر، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة، قال قتادة: فكنا نحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال: هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وخيثمة الاترابلسي في فضائل الصحابة والبيهقي في الدلائل عن الحسن ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال: هم الذين قاتلوا أهل الردة من العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وأصحابه.

وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال: «لما أنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟

قال: بل هذا وقومه، يعني أبا موسى الأشعري» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال: لما نزلت ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في جمعه لحديث شعبة والبيهقي ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هم قومك يا أبا موسى، أهل اليمن» .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال: «هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة، من السكون، ثم من التحبيب» .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال: هم قوم من أهل اليمن، ثم كندة من السكون.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﴿ فسوف يأتي الله بقوم ﴾ قال: هم أهل القادسية.

وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال: أتيت ابن عمر فرحَّب بي، ثم تلا ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ﴾ ثم ضرب على منكبي وقال: احلف بالله أنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثاً.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فسوف يأتي الله بقوم ﴾ قال: هم قوم سبأ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال: هذا وعيد من عند الله، انه من ارتد منكم سيتبدل بهم خيراً.

وفي قوله: ﴿ أذلة ﴾ له قال: رحماء.

وأخرج ابن جرير عن قوله: ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ قال: أهل رقة على أهل دينهم ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ قال: أهل غلظة على من خالفهم في دينهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ قال: رحماء بينهم ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ قال: أشداء عليهم.

وفي قوله: ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ قال: يسارعون في الحرب.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد طوائف من العرب، فبعث الله أبا بكر في أنصار من أنصار الله، فقاتلهم حتى ردهم إلى الإسلام، فهذا تفسير هذه الآية.

قوله تعالى: ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنز تحت العرش، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا، ولا أخاف في الله لومة لائم، وأن لا أسأل الناس شيئاً» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه وتابعه، فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم» .

وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه يقال فلا يقول فيه مخافة الناس، فيقال: إياي كنت أحق أن تخاف» .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن سهل بن سعد الساعدي قال: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أنا، وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، وسادس، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم، فأما السادس فاستقاله فأقاله» .

وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الزهري أن عمر بن الخطاب قال: إن وليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال لومة لائم.

وأخرج ابن سعد عن أبي ذر قال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقاً.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ ، وقرأ أهل الحجاز والشام: (يرتدد) بإظهار الدالين (١) ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ ويجوز في اللغة: إن يمسكم (٢) قال أبو علي (٣) (٤) (٥) (٦) قال أبو إسحاق: ويجوز في العربية في هذا الحرف ثلاثة أوجه "يرتدد" بدالين، و"يرتدَّ" بفتح الدال، و"يرتدِّ" بكسر الدال (٧) قال أبو علي: وهذا لغة تميم، وإنما أدغموا لأنهم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وذلك أنهم قد اتفقوا على إدغام المعرب نحو: يرتد، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابهاً للمعرب في تعاور الحركات عليه تعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموه كما أدغموا المعرب بيان هذا أن المعرب يتحرك أيضاً بحركتين (الرفع والنصب) (٨) (٩) شبه ر بْ غَ (١٠) (١١) وقد جاء التنزيل بالأمرين فقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ  ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ (١٢) فأما التفسير فقال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم  ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه (١٣) واختلفوا في ذلك القوم من هم: فقال علي بن أبي طالب  والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر  وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة (١٤) قالت عائشة: مات رسول الله  ، وارتدت العرب، واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (١٥) قال المفسرون: وذلك أن أهل الردة قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نُغصَبُ أموالنا، فقال أبو بكر: لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ .

والله لو منعوني عقالاً مما أدوا إلى رسول الله  لقاتلتهم عليه (١٦) والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر في هذا معروفة (١٧) قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة.

فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بُدّاً من الخروج على أثره (١٨) وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك، وحمدناه في الانتهاء ورأينا ذلك رشداً (١٩) وقال ابن عباس: فجاهدهم أبو بكر بالسيف (٢٠) ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب، وأبو بكر ممن كان في ذلك الوقت؟

قيل: إن من قاتل أبو بكر بهم (٢١) قال قتادة: "بعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله، حتى سَبى وقتل وأحرق بالنار ناساً ارتدوا من الإسلام ومنعوا الزكاة" (٢٢) وقال الكلبي: "أتى الله بخير من الذين ارتدوا فشدد بهم (الدين) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) فهؤلاء قاتلوا أهل الردة بأمر أبي بكر، فحمدوا بطاعتهم له وانتهائهم إلى أمره، فليس يخرج أبو بكر عن أن يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون بعدهم إلى قيام الساعة، ممن يجاهد أهل الشرك والكفر والردة في سبيل الله.

وقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ، بدأ بمحبته لأنها الجالبة والموجبة لمحبتهم، ولا يحب الله إلا من أحبه الله، ولولا محبة الله إياهم ما أحبوه، فهذا طريق في تفسير هذه الآية، وروي مرفوعاً أن النبي  لما نزلت هذه الآية (أومأ) (٢٧) (٢٨) أخبرناه الأستاذ أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي القاسم النصر اباذي، أخبرنا الإِمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو عَمرو الحوضي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله  : "هم قوم هذا".

يعني أبا موسى الأشعري.

أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٩)  أولى بالاتباع، وإذا كان قد فسر الآية وبين أن المراد بالقوم المذكور فيها الأشعرية، فليست إلا الفرقة المعروفة بالأشعرية الذين ينتسبون في مذهبهم إلى أبي الحسن الأشعري (٣٠) وكان -رحمه الله- من صُلبَيهِ (٣١) (٣٢)  في المسائل المشهورة من أصول الدين التي لم يقع فيها خلاف زمن الصحابة كمسألة القدر (٣٣) (٣٤) (٣٥)  في إشارته إلى أبي موسى: "هم قوم هذا" (٣٦) ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الآية [الأعراف: 159].

وقوله تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: "تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته" (٣٧) وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

وقال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس (٣٨) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ رحماء رفيقين بالمؤمنين ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ غلاظ شداد عليهم (٣٩) وقال ابن الأنباري: أثنى الله تعالى على هؤلاء المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون بالكافرين ويلقونهم بالغلظة والفظاظة، وقال أبو إسحاق في هذه الآية: الفاء في قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ ﴾ جواب الجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين (٤٠) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي جانبهم لين على المؤمنين، ليس أنهم أذلة مهانون (٤١) ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أي: جانبهم غليظ على الكافرين (٤٢) ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله عز وجل أن صحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم، ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا بتسديده وتوفيقه فقال: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي محبتهم لله عز وجل ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله عز وجل عليهم، لا توفيق لهم إلا به (٤٣) (١) قراءة نافع وابن عامر، انظر: "الحجة" 3/ 232، "النشر" 2/ 255.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.

(٣) الفارسي في "الحجة للقراء السبعة".

(٤) في الحجة: "حجة من أظهرهما".

(٥) "الحجة" 3/ 232 ،233.

(٦) انظر: "الحجة" 3/ 233.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.

(٨) ليس في: (ج).

(٩) من قول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ...

إثمًا من الله ولا واغل المستحقب: المتكسب، والواغل الداخل على القوم يشربون ولم يدع، يقول هذا حين أخذ بالثأر من قتلة أبيه يزعم أن الخمر حلت له فلا يأثم بشربها وقد نذر ألا يشرب حتى يأخذ بالثأر.

انظر كتاب سيبويه 4/ 204، وحاشية "الحجة للقراء السبعة" 1/ 117.

(١٠) (ر ب غ) من قوله: (أشربْ غير) من الشاهد.

(١١) سبق قريبًا.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 233، 234 باختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(١٣) الأثر في الوسيط 2/ 199، البغوي 3/ 69، "زاد المسير" 2/ 380.

وأخرج الطبري 6/ 282 - 283 من طرق عن الحسن أنه قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه.

(١٤) أخرج الآثار عنهم: الطبري 6/ 283 - 284، وذكرهم البغوي 3/ 169، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 517.

(١٥) ذكره البغوي 3/ 71.

(١٦) أخرج الأثر بنحوه البخاري (1400) كتاب الزكاة/ باب: وجوب الزكاة.

ومسلم (20) كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

(١٧) جاء منصوصًا عليها في الأثر السابق في البخاري ومسلم.

(١٨) ذكره البغوي 3/ 69 وابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 381.

(١٩) ذكره البغوي 3/ 70.

(٢٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 443، 444.

(٢١) في (ج) بعد "بهم" زيادة: "هم" ، وهذه الزيادة تقلب المعنى رأسًا على عقب.

(٢٢) أخرجه الطبري 6/ 283.

(٢٣) في (ج): (الذين).

(٢٤) في النسختين: (ألف).

(٢٥) هكذا في النسختين بالنون، وفي البغوي 3/ 71 بالياء (أفياء) وقد يكون أصوب جمع فئة تجوزًا، وإن كانت فئة تجمع على "فئون وفئات".

انظر: "الصحاح" 1/ 63 (فيأ).

(٢٦) ذكره البغوي 3/ 71.

(٢٧) في (ج): (اومى).

قال ابن منظور: "وأومأَ تومأَ، ولا تقل: أوميت.

الليت: الإيماء أن تومئ برأسك أو بيدك ...

" اللسان 1/ 201 (ومأ).

(٢٨) الطبري 10/ 415، وسيأتي تخريج الحديث.

(٢٩) 2/ 313 وصححه على شرط مسلم، كما أخرجه الطبري 6/ 284، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 518 إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.

(٣٠) الجزم بذلك فيه نظر، فإن قوم أبي موسى لا ينحصر في ذريته وأصل ذريته قبل نشأة أبي الحسن رحمه الله، والأشعرية فرقة خالفت أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة كالتأويل في الصفات وغير ذلك، على أن الأشاعرة لم يتابعوا الأشعري في جميع المسائل وإنما اشتهروا بالانتساب إليه!

(٣١) هكذا في النسختين، وقد جاءت مشكولة في: (ش)، وفيها إشكال.

(٣٢) هكذا نسبه الذهبي وأن مولده سنة 260 هـ وقيل 70 هـ، وقال عنه العلامة، إمام المتكلمين، توفي سنة 324 هـ كان على مذهب المعتزلة ثم رجع عنه ورد عليهم.

وله مصنفات كثيرة.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 85 - 90، والبداية والنهاية 11/ 187.

(٣٣) انظر: "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص 227 - 240.

(٣٤) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 195، 238.

(٣٥) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 157، 217.

(٣٦) سبق تخريجه قريبًا.

(٣٧) في "بحر العلوم" 1/ 444 نسبه لعلي بن أبي طالب، في البغوي 3/ 72 لكن نسبه لعطاء!

ولم أقف عليه عن ابن عباس.

(٣٨) الظاهر أنه المبرد، محمد بن يزيد.

(٣٩) من "تهذيب اللغة" 2/ 1290 مادة (ذل).

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182، 183.

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 183، والكلام متصل للزجاج.

(٤٢) المرجع السابق.

(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 183، انظر: "بحر العلوم" 1/ 444، "تفسير البغوي" 3/ 72، "زاد المسير" 2/ 382.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ خطاب على وجه التحذير والوعيد، وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع فارتدّ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادّعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت القبائل التي ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة، وبنو بكر بن وائل، وبعض بني تميم، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب، وهم قوم جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها، وقال: قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن، لأن الأشعريين من أهل اليمن، وقيل: المراد أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة، ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه عنه الجد في قتالهم، والعزم عليه حين خالفه في ذلك بعض الناس، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردة، ويقوي ذلك أيضاً أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر، ألا ترى قوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وكان أبو بكر ضعيفاً في نفسه قوياً في الله، وكذلك قوله: ولا يخافون لومة لائم: إشارة إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردّة فلم يرجع عن عزمه ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين ﴾ كقوله: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]، وإنما تعدّى أذلة بعلى، لأنه تضمن معنى العطف والحنوّ، فإن قيل: أين الرافع من الجزاء إلى الشرط؟

فالجواب: أن محذوف تقديره من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، من يرجع منكم عن دينه إلى الكفر فسوف يأتي الله بقوم بدلًا منهم يحبهم ويحبونه لاستقامتهم، رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين، يجاهدون بأموالهم وأنفسهم لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخشون تعنيف من يعنفهم؛ لتقديمهم رضا الله على رضا المخلوقين، ذلك من عطاء الله الذي يعطيه من يشاء من عبا والله واسع الفضل والإحسان، عليم بمن يستحق فضله فيمنحه إياه ومن لا يستحقه فيحرمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.J2nZK"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله