الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ (١) قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ .
اختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٣) وقال قتادة: الشهيد على قومه (٤) وقال الكلبي: ﴿ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ يعني ملكًا (٥) وقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٦) وقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٧) وقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٨) وقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٩) وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١٠) (١١) (١٢) وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (١٣) واختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (١٤) ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ : يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (١٥) ويصدقوه وينصروه (١٦) ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا.
وقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى ، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١٧) ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ الآية [المائدة: 23] (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ .
أي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.
واختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: للنقباء (١٩) وعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٢٠) وقال غيرهما: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ ﴾ لبني إسرائيل ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ (٢١) ومعنى ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم.
قال الكلبي (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ .
ذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ جوابا لقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ (٢٣) ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ وجعل جوابه ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ ، فيحصل من هذا أن يكون قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ جزاءً لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ .
فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٢٤) (٢٥) والوجه الآخر: أن تجعل قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ ﴾ ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (٢٦) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ﴾ وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء.
الوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ لأن قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له.
وقوله تعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .
قال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة.
فتأويل ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة الاستغناء عن التوقير في قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ ، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (٢٧) أبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢٨) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ يريد وقّرتموهم (٢٩) وقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٣٠) وقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ .
قال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٣٢) وقال مقاتل: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٣٣) وقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٣٤) وقال ابن المبارك (٣٥) (٣٦) قال الفراء: القرض مصدر، ولو قيل: إقراضًا كان صوابًا، وربما أخرج المصدر على بنية الفعل الأول قبل أن يزاد فيه، وهذا من ذاك؛ لأن أصل الإقراض: قرضت، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ ﴾ ولم يقل: بتقبل، وقوله: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ولم يقل: إنباتا (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ .
أي: بعد العهد والميثاق (٣٨) ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ .
أخطأ قصد الطريق، يعني الهدى والدين الذي شرعه لهم (¬4).
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسبه ابن الجوزي للحسن، وقال: ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده.
"زاد المسير" 2/ 310، ونحو هذا "تفسير أبي عبيدة" النقيب بالضامن.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 156ن والطبري في "تفسيره" 6/ 148.
هذا، وقد أخرج الطستي ضمن "مسائل ابن الأزرق" أن ابن عباس فسر النقيب بالوزير، انظر: "الدر المنثور" 2/ 472.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 148 بلفظ: من كل سبطٍ رجل شاهد على قومه.
وانظر: "زاد المسير" 2/ 310.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.
(٦) "تفسيره" 1/ 460، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 421.
(٧) "مجاز القرآن" 1/ 156، وعبارته: أي ضمانًا ينقب عليهم، وهو الأمين والكفيل على القوم.
(٨) ليس في "معاني القرآن".
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) في "معاني الزجاج": كالأمير.
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 157.
(١٢) في "معاني الزجاج" 2/ 158: حسن الخليقة.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 157 - 159 بتصرف.
(١٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 456، و"زاد المسير" 2/ 310.
(١٥) في (ش): (لمحمد).
(١٦) لم أقف عليه.
(١٧) ساقط من (ج).
(١٨) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 188، 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 149 - 150 ، و"تفسير الهواري" 1/ 456، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 2/ 28 - 30.
(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 150 مطولًا، وانظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.
(٢٠) لم أقف عليه.
(٢١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، و"زاد المسير" 2/ 312، وقد نسبه ابن الجوزي للجمهور.
(٢٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.
وهذا القول لجمهور المفسرين.
انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 312.
(٢٣) انظر: "الكشاف" 1/ 328، و"البحر المحيط" 3/ 445، و"الدر المصون" 4/ 220.
(٢٤) في (ج): (ومرة جزاء للشرط الآخر).
(٢٥) في (ج): (فاشترط).
(٢٦) انظر: "البحر المحيط" 3/ 445.
(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 159، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2419.
وقول الزجاج: ولو كان التعزير هو التوقير، فيه رد على أبي عبيدة قال: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ : نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم "مجاز القرآن" 1/ 156.
وقد ذكر الزجاج معنى قوله.
وما ذهب إليه الزجاج قد اختاره الطبري في "تفسيره" 6/ 151.
(٢٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2419، وانظر: "اللسان" 5/ 2924 (عزر).
(٢٩) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسب لعطاء، انظر: "زاد المسير" 2/ 312، وقد تقدم استبعاد الزجاج لمثل هذا القول قريبًا.
ثم إنه ورد عن ابن عباس أن المراد الإعانة والنصر.
انظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.
(٣٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 422.
(٣١) "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.
(٣٢) لم أقف عليه، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114 (٣٣) "تفسيره" 1/ 461.
(٣٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114.
(٣٥) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي، إمام عالم مجاهد، جواد فقيه، محدث شهير، توفي رحمه الله سنة 181 هـ.
انظر: " الجرح والتعديل" 5/ 179، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 274، و"تهذيب الكمال" 5/ 16 (¬3520).
(٣٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 832 ولم أقف عليه.
(٣٧) لم أقف عليه عن الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 152، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 114.
(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 422.
<div class="verse-tafsir"