تفسير سورة المائدة الآية ٢ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٢

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 22 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ الآية.

الشعائر واحدتها: شعيرة، وهي فعيلة بمعنى مُفْعَلَة، والمُشْعَرة: المُعْلَمة، والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، والشعر: العلم من طريق الحس.

ذكرنا ذلك في أول البقرة.

وكل شيء أُعلِم فقد أشعر، ومنه السنّة في إشعار الهدي، هذا معنى الشعائر في اللغة (١) والهدي التي تهدى إلى مكة تسمى شعائر؛ لأنها مُشعَرةٌ بالدم (٢) نُقَتَّلهم جيلًا فجيلًا تراهم ...

شعائرَ قُربانٍ بهِم يُتَقَرَّبُ (٣) فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: أن (الحَطيم بن ضبيعة -واسمه شريح (٤) (٥)  - من اليمامة (٦)  الإسلام، فلم يسلم، فلما خرج مرّ بسّرح المدينة فاستاق الإبل، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: "هذا الحطيم وأصحابه، فدونكم" وكان قد قلّد ما نهب من سرح النبي  وأهداه إلى الكعبة، فلما توجّهوا في طلبه أنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ يريد (ما) (٧) (٨) (٩) وهذا قول جماعة من أهل المعاني.

قال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب: الهدايا المُشعرة (١٠) وقال الزجاج: هي ما أشعر، أي أُعلم ليهدى إلى بيت الله الحرام (١١) وقال جماعة: هي جميع متعبدات (الله) (١٢) (١٣) قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج (١٤) وقال عبد الله بن مسلم: هي كل شيء جعل علمًا من أعلام طاعته (١٥) فالشعائر: العلامات والمعالم للحج نحو الصفا والمروة والمواقيت وعرفة وما أشبهها، فإن قلنا: المراد بالشعائر في هذه الآية الهدايا كان المعنى: لا تحلوها بإباحة نهبها والإغارة، وإن قلنا: إنها معالم الحج كان المعنى: لا تحلوها بتجاوز حدودها والتقصير فيها والتضييع لها.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج، ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: لا تستحلوا ترك ذلك (١٦) وروى أبو صالح عن ابن عباس: يقول: لا تستحلوا شيئًا من ترك المناسك كلها التي أمر الله بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ومسح الركن، والإفاضتين، من عرفات ومن جَمْع ورمي الجمار؛ لأن عامة العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله والحُمس (١٧) (١٨) (١٩) لا يرون عرفات من شعائر الله (٢٠) وقال في رواية أخرى: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله: ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٢١) وقال الكلبي: أي لا تستحلوا ترك شيء من المناسك (٢٢) وزعم بعضهم أن هذا ورد في النهي عن مجاوزة الميقات بغير إحرام (٢٣) وهذا معنى يحتمله اللفظ؛ لأن تقدير الآية على القول الذي يقول: إن الشعائر المعالم: لا تحلوا شعائر الله بتركها على ما بينا، والمواقيت من شعائر الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ .

بالقتال فيه.

عن ابن عباس (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْهَدْيَ ﴾ .

الهدي ما أُهدِي إلى بيت الله تعالى من ناقة وبقرة أو شاة (٢٦) (٢٧) حلفت بربَّ مكة والمُصَلَّى ...

وأعناق الهديَّ مُقلَّدَات (٢٨) وقد مضى الكلام فيه (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ .

هي جمع قلادة، وهي: ما جُعل في العنق، سواء جعل في عنق الإنسان أو البدنة أو الكلب (٣٠) واختلفوا في تفسير القلائد ههنا، فقال أكثر المفسرين: هي الهدايا المُقلَّدة (٣١) وعلى هذا المراد: ولا ذوات القلائد، ثم حذف المضاف، وذكر ذوات القلائد بعد ذكر الهدي؛ لأنهم نهوا عنها مقلدة وغير مقلدة، أو أراد المقلدة مما لا يكون هديًا، ولكنها قلدت ليأمنوا بها (٣٢) وقال ابن عباس: يقول لا تعترضوا الهدي ولا تُخيفوا من قلّد بعيره (٣٣) وهذا يدل على أن المراد بالقلائد أصحابها، وهو أيضًا من باب حذف المضاف.

قال المفسرون: كانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب طول الدهر، يتغاورون ويتناهبون إلا في الأشهر الحرم، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه إلا أن يكون مشعرًا بدنة أو سائقًا هديًا أو مقلدًا نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم، أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت، فلا يُتعرض لهؤلاء، فأمر الله المسلمين بإقرار هذه الأَمَنَة على ما كانت في الجاهلية لضرب من المصلحة إلى أن نسخها (٣٤) وقال ابن الأنباري: إن الرجل من العرب كان إذا خاف على نفسه عدوا، أو مُطالبا بثأر، وأراد سفرًا تقلد بشيء من لحاء شجر الحرم، فلا يلقاه أحد فيعرض له، وكان إذا خاف على بعيره قلده أيضًا فلا يتعرض له من يراه من أعدائه، وإن تعرض له عُيَّر بذلك وسُبّ ولم يزل مأثورًا عليه، قال الشاعر يعيب رجلين [قتلا رجلين] (٣٥) أَلَم تَقْتُلا الحِرجَينِ إذ أعوَرَا لكم ...

يُمِرَّانِ بالأيدي اللِّحاءَ المُضَفَّرَا (٣٦) يريد باللحاء: شجر الحرم (٣٧) وقال مُطَرَّف بن الشخير (٣٨) (٣٩) والظاهر القول الأول، وهو اختيار الفراء والزجاج (٤٠) قال الفراء: كانت العرب إذا أرادت أن تسافر في غير الأشهر الحرم قلد أحدهم بعيره فيأمن بذلكن فقال لا تخيفوا من قلد، وكان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب تقلد بالوبر والشعر (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ .

قال الفراء: يقول: ولا تمنعوا من أمّ البيت الحرام أو أراده من المشركين (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد التجارة (٤٣) وقال ابن عمر: الربح في التجارة (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ .

قال ابن عباس: يعني: أنهم يترضون الله بحجهم (٤٥) ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ : يريد وإن كانوا مشركين (٤٦) قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله، وإن كانوا لا ينالون ذلك فغير بعيد أن يثبت لهم بذلك القصد نوع من الحرمة (٤٧) وقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ أىِ: على زعمهم وفيما يظنون؛ لأن الكافر لا ينال الرضوان (٤٨) ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  ﴾ ، وذلك على حكاية قولهم: نطلب الرضوان (٤٩) وقد جاءت هذه الحكاية عن العرب مجيئًا متبعًا، قال زهرة اليمن (٥٠) أبلغ كُلَيبا وأبِلغ عنكَ شاعَرها ...

أني الأغرّ وأني زُهرةٌ اليمنِ (٥١) وقال جرير: ألم يَكنْ في وُسوم قَد وُسِمتَ بها ...

مَن حَان موعظةً يا زُهرةَ اليَمنِ (٥٢) قال أكثر (٥٣) (٥٤) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة (٥٥) وأكثر أهل العلم قالوا: نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا  ﴾ فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن الكافر بالأشهر الحرم والهدي والقلائد والحج (٥٦) وقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة إلا آية واحدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٥٧) وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه الآية محكمة (٥٨) قال أبو بكر ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة قال: ما ندبنا الله تعالى إلى أن نُخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في غيره، وفصل الشهر الحرام من غيره بالذكر تعظيمًا له وتفضيلاً، وحرم علينا أخذ الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله، وحرم علينا القلائد، أي إخافة المستجيرين بالبلد الحرام.

هذا كلامه (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ .

قال أبو إسحاق: هذا لفظ أمر، معناه الإباحة؛ لأن الله عز وجل حرم الصيد على المحرم وأباحه له إذا حل من إحرامه، ليس أنه واجب عليه إذا حلّ أن يصطاد، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا  ﴾ تأويله: أنه قد أبيح لك ذلك بعد الفراغ من الصلاة، ومثل ذلك في الكلام: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت ثمنها فادخلها، تأويله: فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ .

قال ابن الأعرابي: الجَرْم مصدر الجارم الذي يجرم نفسه وقومه شرًا (٦١) والمفسرون يقولون في هذا: لا يحملنكم بغض قوم (٦٢) وهو قول ابن عباس وقتادة (٦٣) (٦٤) قال أبو العباس: يقال: جرمني زيد على بغضك، أي: حملني عليه (¬6).

وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يُكْسِبَنَّكم (٦٥) قال الفراء: سمعت العرب تقول (٦٦) (٦٧) وقال في قول الشاعر: جَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدَها أنْ يَغْضبُوا (٦٨) (فزارة) منصوبة في البيت، المعنى: جرمتهم الطعنة الغضب، أي: أكسبتهم (٦٩) ومثل ذلك قال ابن الأنباري في: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وأنشد: نصَبنا رأسه في رأس جِذْع ...

بما جَرَمَت يداه وما اعتَدَيْنَا (٧٠) وقال أبو علي: تأويل: ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ يكسبنكم، وهو فعل متعدًّ إلى مفعولين، كما أن (يكسبنكم) كذلك، وأما قول الشاعر في صفة عقاب: جَريمةُ ناهضٍ ....

البيت (٧١) يحتمل تأويلين: أحدهما: جريمة قوتِ ناهضٍ، أي: كاسبُ قوته، وجريم وجارم، كما قالوا: ضاربُ قداحٍ، وضريب قداح، وعريفٌ وعارفٌ.

والآخر: أن لا يقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة إلى ناهض، والمعنى: كاسب ناهض، كما تقول: بديعٌ كاسبُ مولاهُ، أي يسعى له ويردّ عليه.

فَجَرمَ يستعمل في الكسب وما يُردُّ سعيُ الإنسان عليه، وأما أجرم فيقال في اكتساب الإثم (٧٢) ومعنى ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانًا ولا تقترفوه.

ولفظ النهي واقع على الشنآن، والمعنى بالنهي المخاطبون، كما قالوا: لا أرينك ههنا، ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ ، وكذلك: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ  ﴾ (أن يصيبكم) المفعول الثاني، وأسماء المخاطبين المفعول الأول، ولفظ النهي واقع على الشقاق، والمعنيّ بالنهي المخاطبون.

كذلك في هذه الآية، المفعول الأول: المخاطبون، والثاني قوله ﴿ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ ، والمعني بالنهي المخاطبون، وإن كان لفظ النهي واقعًا على الشقاق، أي: لا تكتسبوا أنتم (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ .

قال أبو زيد: شنئت الرجل أشَنؤُه شنْأً، وشنآنًا، وشُنأً، ومشنأةً، إذا أبغضتَه (٧٤) وزاد الفراء وأبو عمرو: شنْأ، بالكسر (٧٥) (٧٦) (٧٧) وقال أبو زيد: رجل شنآنٌ، وامرأة شنآَنةٌ، مصروفان.

قال: وقد يقال: رجل شنآنُ بغير صرف، لأنك تقول: امرأة شَنْأى (٧٨) (٧٩) (٨٠) وإن عَابَ فيه ذُو الشنَانِ وفَنَّدا (٨١) قوله: (ذو الشنانِ) على التخفيف القياسي، كقولك في تخفيف ظمآن، وملآن: ظمان، وملان.

تحذف الهمزة وتلقي حركتها على ما قبلها.

وأما فعلان في الوصف فليس بالكثير إذا لم يكن له فعلى، ومن ذلك: شيحان (٨٢) وفعلان قد جاء أيضًا مصدرًا ووصفًا، فالمصدر كالنَّقَزان، والنّغَران، والغَلَيَان، والنَّفَيَان، والغَثَيَان.

والشنآن جاءت على ما جاءت عليه هذه المصادر.

والوصف نحو: الزَّفَيان، والصَّمَيان، والقَطَوان من (قولك (٨٣) (٨٤) وقبلك ما هاب الرجالُ ظلامَعي ...

وفقَّأت عَينَ الأشوسِ (الأبيان (٨٥) وقد يجيء الاسم الذي لا يكون صفة على فَعَلان نحو: الوَرَشَان، والعلَجَان، وهو شجر يستاك به (٨٦) واختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرءوا على: فَعْلاَن (٨٧) ومن أسكن النون فإن المصدر قد جاء أيضًا على: فعلان، كما ذكرنا.

وإذا كان كذلك فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان، والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم -أي بغضكم قوما بصدهم إياكم ومن أجل صدهم أياكم- أن تعتدوا، فأضيف المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، كقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ ، و ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ ، ونحو ذلك (٨٨) واختلفوا في قوله: ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة، والباقون بفتحها (٨٩) وحجة من كسر الهمزة أنه جعل (أنْ) للجزاء وإن كان الصد ماضيًا؛ لأن المراد: بالصد ههنا: ما كان من المشركين من صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية، والماضي لا يكون فيه الجزاء، غير أنه قد يقع في الجزاء لا على أن المراد بالماضي الجزاء، ولكن المراد بالماضي ما كان مثل هذا الفعل؛ كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل لا يقع منكم كذل، وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتَسَبنْا لم تَلِدني لَئِيمةٌ ...

ولم تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرَّي بِه بُدّا (٩٠) فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، فكأن المعنى: إن (أنتسب (٩١) (٩٢) ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُم ﴾ المعنى: إن صدوكم (٩٣) وأما قول من فتح فبين لا مؤونة فيه، وهو أنه مفعول له، التقدير: لا يجرمنكم شنآن قوم؛ لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

فأنْ الثانية في موضع نصب لأنه المفعول الثاني، والأولى منصوبة لأنه مفعول له (٩٤) قال مقاتل في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ ﴾ الآية: يقول لا يحملنكم بغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرمًا، وتمنعوهم عن المسجد الحرام كما منعكم كفار مكة، أو تعرضوا للهدي (٩٥) وقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ .

قال الفراء: لِيعُن بعضكم بعضًا.

(قال): وهو في موضع جزم؛ لأنه أمر وليس بمعطوف على (تعتدوا) (٩٦) وقال الزجاج: ما مضى من هذه الآية: كله منسوخ إلا تعاون (المسلمين (٩٧) (٩٨) قال ابن عباس: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ وهو ما أمرت به، (والتقوى) ترك ما نهيت عنه (٩٩) (١٠٠) وقال عطاء في البر والتقوى: يريد كل ما كان لله فيه رضي (١٠١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ .

قال عطاء: يريد معاصي الله والتعدي في حدوده (١٠٢) قال مقاتل ثم حذرهم فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فلا تستحلوا مُحَرّمًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ إذا عاقب (١٠٣) (١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137، والطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٣) استشهد به في "مجاز القرآن" 1/ 146.

(٤) ما بين القوسين سقط من (ش).

(٥) لم أقف له على ترجمة.

(٦) اليمامة: مدينة من اليمن تقع على بعد مرحلتين من الطائف وأربع مراحل من مكة.

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 210.

(٧) ساقطة من (ش).

(٨) في (ج): (الله).

(٩) جاء ذلك مقطوعًا عن السدي وعكرمة كما في الطبري في "تفسيره" 6/ 58، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 191، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 5، "لباب == النقول" ص 86.

ولم أقف على رواية عطاء.

وانظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن" لهبة الله بن سلامة ص 62.

(١٠) "مجاز القرآن" 1/ 146.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 142.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"بحر العلوم" 1/ 413.

(١٤) "تفسير ابن عباس" ص 166، والطبري في "تفسيره" 6/ 54، و"تفسير مجاهد" 1/ 183.

(١٥) "غريب القرآن" ص 137.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 298.

(١٧) الحُمس بضم الحاء وسكون الميم: قبائل من العرب تشددوا في دينهم.

"الاشتقاق" ص 250.

(١٨) قبيلة من العرب وتعد من الحُمس وتضم بطونًا كثيرة، نسبة إلى جدهم الجاهلي عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، من في علان من العدنانية.

انظر: "الاشتقاق" ص 293، و"جمهرة أنساب العرب" / 272، و"الأعلام" 3/ 251.

(١٩) عبارة عن قبائل من العرب منهم: بنو الحُطيط وبنو غاضره وغيرهم، وينتسبون إلى قسي بن منبه.

انظر: "الاشتقاق" ص 301 - 307، و"جمهرة أنساب العرب" / 266.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) "تفسير ابن عباس" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 54 من طريق ابن أبي طلحة أيضاً.

(٢٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٢٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 6، و"زاد المسير" 2/ 272 (٢٤) في "تفسيره" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 55، 56.

(٢٧) انظر: "الصحاح" 6/ 2533، و"اللسان" 8/ 4642 (هدى).

(٢٨) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 108، و"اللسان" 8/ 4642.

(٢٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل 120.

(٣٠) "تهذيب اللغة" 3/ 3029 (قلد).

(٣١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56.

(٣٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137 - 138، والطبري في "تفسيره" 6/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٣٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 56 من طريق العوفي عن ابن عباس قال: (القلائد مقلدات الهدي، وإذا زيد الرجل هديه فقد أحرم، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه).

هذا ما وجدته عن ابن عباس.

(٣٤) هذا معنى قول عطاء وقتادة ومجاهد.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56 ، 57، و"زاد المسير" 1/ 441.

(٣٥) ساقط من (ج).

(٣٦) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 3/ 19، و"المعاني الكبير" 2/ 1120، و"اللسان" 2/ 823 (حرج)، وعند الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7 دون نسبة.

والحرجان: رجلان أبيضان، وقد يكون ذلك لقبًا لهما.

ومعنى أعورا لكم: أمكناكم من عورتهما، ويمران من أمر الحبل إذا قتله واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: المجدول ضفائر.

والشاهد منه عيب من قتل المتقلدين بلحاء شجر الحرم.

(٣٧) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7.

(٣٨) هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة 95 هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 88، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 187، و"التقريب" 534 رقم (6706).

(٣٩) أخرج نحوه عن عطاء: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وذكره عن مطرف وعطاء ابن كثير في "تفسيره" 2/ 6.

(٤٠) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٢) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٤٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 62، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 7.

(٤٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٦) لم أقف عليه.

(٤٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 274.

(٤٩) انظر: "الخصائص" 2/ 461، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 405.

(٥٠) لم أقف على ترجمة له.

(٥١) البيت في "الحجة" 2/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، 161، و"الخصائص" 2/ 461.

(٥٢) "ديوان جرير" ص 467، وفيه: (يا حارث اليمن)، و"الحجة" 3/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، و"الخصائص" 2/ 461.

والشاهد من البيتين أن جريرًا دعا هذا الرجل بزهرة اليمن بناء على زعمه وقوله، الوسوم: جمع وسم، وهو أثر الكي، والمراد: أذى الهجاء، وحان: هلك.

(٥٣) لعل الصواب: بعض؛ لأن المؤلف ذكر رأي الأكثرية عقب هذا.

(٥٤) في (ش): (هنا).

(٥٥) هذا هو المشهور عن ابن عباس وقتادة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 167، و"الناسخ والمنسوخ" لقتادة ص 40، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 61، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٨) قال الطبري في "تفسيره" 6/ 60: اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا، ونحو ذلك في "النكت والعيون" 2/ 6، وقد == نسب ما ذكره المؤلف من أنها محكمة إلى الحسن.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"زاد المسير" 2/ 277.

(٥٩) لم أقف عليه.

(٦٠) "معاني الزجاج" 2/ 143.

(٦١) "تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٢) الطبري في "تفسيره" 6/ 63، و"معاني الزجاج" 2/ 143، و"تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٣) "تفسير ابن عباس" ص 168، وأخرجه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 63.

(٦٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٦٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138.

قال الفراء: والمعنى متقارب.

(٦٦) في (ش): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في "معاني الفراء".

(٦٧) من "معاني القرآن" 1/ 299، و"تهذيب اللغة" 1/ 588 بتصرف.

(٦٨) عجز بيت لأبي أسماء بن الضريبة الفزاري، وصدره: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة "الكتاب" 3/ 138، و"مجاز القرآن" 1/ 147، و"المقتضب" 2/ 351، و"اللسان" 1/ 605 (جرم).

(٦٩) من "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٧٠) لم أقف عليه.

(٧١) جزء من شطر بيت لأبي خراش الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 2/ 133، و"الحجة" 3/ 196، و"تهذيب اللغة" 1/ 589 (جرم)، وتمام: جريمة ناهض في رأس نيق ...

ترى لعظام ما جمعت صليبا وجريمة: أي كاسبة.

والناهض: فرخ العقاب، والنيق: أرفع موضع في الجبل.

والصليب: ودك العظاء.

(٧٢) "الحجة" 3/ 196، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 587 - 588 (جرم).

(٧٣) انظر: "الحجة" 3/ 195 - 197.

(٧٤) "الحجة" 3/ 197.

(٧٥) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٦) "مجاز القرآن" 1/ 148، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 300، و"تهذيب اللغة" 1/ 1941 (شنأ).

(٧٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٨) "الحجة" 3/ 199.

(٧٩) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الحجة" 3/ 199.

(٨٠) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، شاعر هجاء لقب بالأحوص لضيق في مؤخر عينيه، كان معاصرًا لجرير والفرزدق، وقد نفي إلى اليمن من قبل بني أمية لمبالغته في النسيب.

توفي سنة 105هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 345، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 593، و"الأعلام" 4/ 116.

(٨١) عجز بيت للأحوص في "ديوانه" ص 58 وصدره: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي والبيت في "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الشعر والشعراء" ص 344، و"الحجة" 3/ 199.

والشاهد أن شنان جاء مخففًا، ومعناه: البغض والكره، وفندا: من التفنيد وهو التكذيب.

(٨٢) "الحجة" 3/ 201.

(٨٣) في (ج): (ذلك).

(٨٤) انظر: "الحجة" 3/ 202، 203.

(٨٥) في "النوادر" لأبي زيد ص 148، ونسبه لأبي المجشر الضبي شاعر جاهلي، و"الحجة" 3/ 209، والأشوس هو الرافع رأسه كثيراً.

انظر: "اللسان" 4/ 2359 (شوس).

(٨٦) انظر: "الحجة" 3/ 202.

(٨٧) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وابن عامر ورواية عن عاصم ونافع.

انظر: "الحجة" 3/ 195، و"التيسير" ص 98.

(٨٨) "الحجة" 3/ 211.

(٨٩) "الحجة" 3/ 212، و"التيسير" ص 98.

(٩٠) البيت لزائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجته وكانت أمها سرية.

انظر: "شرح أبيات المغني" 1/ 125.

(٩١) في (ش): (تنسب) وهو الموافق لما في "الحجة" 3/ 213.

(٩٢) في (ش): (مولودًا لئيمًا)، وفي "الحجة" 3/ 213: (مولود لئيمة)، ولعله هو الأرجح.

(٩٣) هكذا في (ش)، (ج)، وفي "الحجة" 3/ 293: (صدكم)، وهو الأولى.

(٩٤) انتهى من "الحجة" 3/ 212 - 214.

(٩٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 449، 450.

(٩٦) "معاني القرآن" 1/ 300.

(٩٧) تكررت في (ج).

(٩٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 144، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 442، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٩٩) "تفسيره" ص 168، وأخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 6/ 67.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 67.

(١٠١) في (ج): (رضا) بالألف، ولم أقف عليه عن عطاء.

(١٠٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 277.

(١٠٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 414.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد