الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة المجادلة
تفسيرُ سورةِ المجادلة كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 164 دقيقة قراءة﷽ سُورَةُ المُجادَلَةِ - 58 بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها، والثّانِي هو المَعْرُوفُ، وتُسَمّى سُورَةَ - قَدْ سَمِعَ - وسُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الظِّهارَ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَدَنِيَّةٌ وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ السّائِبِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ ، وعَنْ عَطاءٍ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنها مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ، وقَدِ انْعَكَسَ ذَلِكَ عَلى البَيْضاوِيِّ، وأنَّها إحْدى وعِشْرُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ، واثْنَتانِ وعِشْرُونَ في الباقِي، وفي التَّيْسِيرِ هي عِشْرُونَ وأرْبَعُ آياتٍ وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في كِتابِ العَدَدِ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِما هو مِن ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في ذَلِكَ: لَمّا كانَ في مَطْلَعِ الأُولى ذِكْرُ صِفاتِهِ تَعالى الجَلِيلَةِ، ومِنها الظّاهِرُ والباطِنُ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا سَمِعَ قَوْلَ المُجادِلَةِ الَّتِي شَكَتْ إلَيْهِ تَعالى، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا حِينَ نَزَلَتْ: ««الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قَدْ سَمِعَ ﴾ »» إلَخْ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ الآيَةَ، وهي تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ وبِذَلِكَ تُعْرَفُ الحِكْمَةُ في الفَصْلِ بِها بَيْنَ الحَدِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَواخِيهِما في الِافْتِتاحِ - بِسَبِّحْ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ بِإظْهارِ الدّالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِها في السِّينِ، قالَ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ: سَمِعْتُ الكِسائِيَّ يَقُولُ: مَن قَرَأ قَدْ سَمِعَ فَبَيَّنَ الدّالَ فَلِسانُهُ أعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، ولا يُلْتَفَتُ إلى هَذا فَكِلا الأمْرَيْنِ فَصِيحٌ مُتَواتِرٌ بَلِ الجُمْهُورُ عَلى البَيانِ ﴿ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ﴾ أيْ تَراجُعِكَ الكَلامَ في شَأْنِهِ وفِيما صَدَرَ عَنْهُ في حَقِّها مِنَ الظِّهارِ، وقُرِئَ - تُحاوِرُكَ - والمَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ وتُحاوِلُكَ أيْ تُسائِلُكَ ﴿ وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى تُجادِلُكَ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا أيْ تُجادُلِكَ شاكِيَةً حالَها إلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ بُعْدُ مَعْنى، ومَعَ هَذا يُقَدَّرُ مَعَها مُبْتَدَأٌ أيْ وهي تَشْتَكِي لِأنَّ المُضارِعِيَّةَ لا تَقْتَرِنُ بِالواوِ في الفَصِيحِ فَيُقَدَّرُ مَعَها المُبْتَدَأُ لِتَكُونَ اسْمِيَّةً، واشْتِكاؤُها إلَيْهِ تَعالى إظْهارُ بَثِّها وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ وتَضَرُّعُها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مِنَ الشَّكْوِ، وأصْلُهُ فَتْحُ الشَّكْوَةِ وإظْهارُ ما فِيها، وهي سِقاءٌ صَغِيرٌ يُجْعَلُ فِيهِ الماءُ ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ، وهي امْرَأةٌ صَحابِيَّةٌ مِنَ الأنْصارِ اخْتُلِفَ في اسْمِها واسْمِ أبِيها، فَقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وقِيلَ: بِنْتُ حَكِيمٍ وقِيلَ: بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: خُوَيْلَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ: بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ،وقِيلَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ الخَزْرَجِيَّةُ، وأكْثَرُ الرُّواةِ عَلى أنَّ الزَّوْجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وقِيلَ: هو سَلَمَةُ بْنُ صَخْرِ الأنْصارِيُّ، والحَقُّ أنَّ لِهَذا قِصَّةً أُخْرى، والآيَةُ نَزَلَتْ في خَوْلَةَ وزَوْجِها أوْسٍ، وذَلِكَ «أنَّ زَوْجَها أوْسًا كانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَدَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا فَراجَعَتْهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ - وكانَ هَذا أوَّلَ ظِهارٍ في الإسْلامِ - فَنَدِمَ مِن ساعَتِهِ فَدَعاها فَأبَتْ، وقالَتْ: والَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِينا، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ فَلمّا خَلا سِنِّي ونَثَرْتُ بَطْنِي - أيْ كَثُرَ ولَدِي - جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تُنْعِشُنِي بِها وإيّاهُ فَحَدِّثْنِي بِها ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ»، وفي رِوايَةٍ «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» قالَتْ: ما ذَكَرَ طَلاقًا، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِرارًا ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، وفي رِوايَةٍ قالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ تَعالى فاقَتِي وشِدَّةَ حالِي وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، وجَعَلَتْ تَرْفَعُ رَأْسَها إلى السَّماءِ وتَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ اللَّهُمَّ فَأنْزِلْ عَلى لِسانِ نَبِيِّكَ وما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ فِيها، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي قالَتْ: خَيْرًا ؟
فَقَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ الآياتِ»» وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُكْرِمُها إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ويَقُولُ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لَها.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ أنَّها لَقِيَتْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَها ودَنا مِنها وأصْغى إلَيْها ووَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَبَسْتَ رِجالَ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ قالَ: ويْحَكَ أتَدْرِي مِن هَذِهِ ؟
قالَ: لا.
قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ حَتّى أتى اللَّيْلُ ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في تارِيخِهِ أنَّها قالَتْ لَهُ: قِفْ يا عُمَرُ فَوَقَفَ فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَها فَأنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ الآياتِ، والسَّماعُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والإجابَةِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، ( وقَدْ ) لِلتَّحْقِيقِ أوْ لِلتَّوَقُّعِ، وهو مَصْرُوفٌ إلى تَفْرِيجِ الكَرْبِ لا إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ أوْ إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ، والمُرادُ تَوَقُّعُ المُخاطَبِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ يَتَوَقَّعُ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الحادِثَةِ ويُفْرِّجَ عَنِ المُجادِلَةِ كَرْبَها، وفي الأخْبارِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ والسَّمْعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ﴾ عَلى ما هو المَعْرُوفُ فِيهِ مِن كَوْنِهِ صِفَةً يُدْرَكُ بِها الأصْواتُ غَيْرَ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ كَوْنُهُ راجِعًا إلى صِفَةِ العِلْمِ، والتَّحاوُرُ المُرادَّةُ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الكَلامُ المُرَدَّدُ، ويُقالَ: كَلَّمْتُهُ فَما رَجَعَ إلَيَّ حِوارًا وحَوِيرًا ومَحُورَةً أيْ ما رَدَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السَّمْعِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ التَّحاوُرِ وتَجَدُّدِهِ، وفي نَظْمِها في سِلْكِ الخِطابِ تَغْلِيبًا تَشْرِيفٌ لَها مِن جِهَتَيْنِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ إلْحافَها في المَسْألَةِ ومُبالَغَتَها في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُدافَعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها وعِلْمَهُ عَزَّ وجَلَّ بِحالِهِما مِن دَواعِي الإجابَةِ، وقِيلَ: هي حالٌ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ إنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ كُلَّ المَسْمُوعاتِ ويُبْصِرُ كُلَّ المُبْصَراتِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ يَسْمَعَ سُبْحانَهُ تَحاوُرَهُما، ويَرى ما يُقارِنُهُ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها رَفْعُ رَأْسِها إلى السَّماءِ وسائِرُ آثارِ التَّضَرُّعِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَتَيْنِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شَأْنِ الظِّهارِ في نَفْسِهِ وحُكْمِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ شَرْعًا، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقُ قَبُولِ تَضَرُّعِ تِلْكَ المَرْأةِ وإشْكاؤُها بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.
والظِّهارُ لُغَةً مَصْدَرُ ظاهَرَ وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الظَّهْرِ، ويُرادُ بِهِ مَعانٍ مُخْتَلِفَةٌ راجِعَةٌ إلى الظَّهْرِ مَعْنًى ولَفْظًا بِاخْتِلافِ الأغْراضِ، فَيُقالُ: ظاهَرَ زَيْدٌ عَمْرًا أيْ قابَلَ ظَهْرَهُ بِظَهْرِهِ حَقِيقَةً وكَذا إذا غايَظَهُ، وإنْ لَمْ يُقابِلْ حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ المُغايَظَةَ تَقْتَضِي هَذِهِ المُقابَلَةَ، وظاهِرُهُ إذا نَصَرَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُقالُ: قَوّى ظَهْرُهُ إذا نَصَرَهُ، وظاهَرَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ إذا لُبِسَ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ بِاعْتِبارِ جَعْلِ ما يَلِي بِهِ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ ظَهْرًا لِلثَّوْبِ وظاهَرَمِنَ امْرَأتِهِ إذا قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وغايَةُ ما يَلْزَمُ كَوْنُ لَفْظِ الظَّهْرِ في بَعْضِ هَذِهِ التَّراكِيبِ مَجازًا، وهو لا يَمْنَعُ الِاشْتِقاقَ مِنهُ ويَكُونُ المُشْتَقُّ مَجازًا أيْضًا، وهَذا الأخِيرُ هو المَعْنى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآياتُ.
وعَرَّفَهُ الحَنَفِيَّةُ شَرْعًا بِأنَّهُ تَشْبِيهُ المَنكُوحَةِ أوْ عُضْوًا مِنها يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكُلِّ كالرَّأْسِ أوْ جُزْءٌ شائِعٌ مِنها كالثُّلُثِ بِقَرِيبٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلى التَّأْيِيدِ أوْ بِعُضْوٍ مِنهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ.
وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ تَشْبِيهُها أوْ عُضْوٍ مِنها بِمُحَرَّمٍ مِن نَسَبٍ أوْ رَضاعٍ أوْ مُصاهَرَةٍ أوْ عُضْوٍ مِنهُ لا يُذْكَرُ لِلْكَرامَةِ كاليَدِ والصَّدْرِ، وكَذا العُضْوُ الَّذِي يُذْكَرُ لَها كالعَيْنِ والرَّأْسِ إنْ قَصَدَ مَعْنى الظِّهارِ، وهو التَّشْبِيهُ بِتَحْرِيمِ نَحْوِ الأُمِّ لا أنْ قَصَدَ الكَرامَةَ أوْ أطْلَقَ في الأصَحِّ، وتَخْصِيصُ المُحَرَّمِ بِالأُمِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وكانَ الظِّهارُبِالمَعْنى السّابِقِ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ قِيلَ: وأوَّلِ الإسْلامِ.
وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ كانَ طَلاقًا يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً لا رَجْعَةَ فِيهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ طَلاقًا مِن كُلِّ وجْهٍ بَلْ لَتَبْقى مُعَلَّقَةً لا ذاتَ زَوْجٍ ولا خَلِيَّةً تَنْكِحُ غَيْرَهُ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَهُ طَلاقًا مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ عَلى الِاجْتِنابِ، ولِذا قالَ الشّافِعِيَّةُ: إنَّ فِيهِ الشّائِبَتَيْنِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإشارَةُ إلى حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وعُدِّيَ بِمِن مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّبْعِيدِ ولِما سَمِعْتَ أنَّهُ كانَ طَلاقًا وهو مُبْعِدٌ، والظَّهْرُ في قَوْلِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قِيلَ: مَجازٌ عَنِ البَطْنِ لِأنَّهُ إنَّما يَرْكَبُ البَطْنَ - فَكَظَهْرِ أُمِّي - أيْ كَبَطْنِها بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، ولِأنَّهُ عَمُودُهُ لَكِنْ لا يَظْهَرُ ما هو الصّارِفُعَنِ الحَقِيقَةِ مِنَ النِّكاتِ، وقِيلَ: خُصَّ الظَّهْرُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ والمَرْأةُ مَرْكُوبُ الزَّوْجِ، ومِن ثَمَّ سُمِّيَ المَرْكُوبُ ظَهْرًا، وقِيلَ: خُصَّ ذَلِكَ لِأنَّ إتْيانَ المَرْأةِ مِن ظَهْرِها في قُبُلِها كانَ حَرامًا فَإتْيانُهُ أمَّهُ مِن ظَهْرِها أحْرَمُ فَكَثُرَ التَّغْلِيظُ، وإقْحامُ ﴿ مِنكُمْ ﴾ في الآيَةِ لِلتَّصْوِيرِ والتَّهْجِينِ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ مَخْصُوصًا بِالعَرَبِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ظِهارِ الذِّمِّيِّ كَما حُكِيَ عَنِ المالِكِيَّةِ، ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ مِنَ الذِّمِّيِّ والحَرْبِيِّ لِعُمُومِ الآيَةِ، وكَذا الحَنابِلَةُ والحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: لا يَصِحُّ مِنهُما، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ صِحَّتُهُ مِنَ الذِّمِّيِّ، والرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الكَفّارَةِ، وشَنَّعَ عَلى الشّافِعِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِصِحَّتِهِ مِنهُ مَعَ اشْتِراطِهِمُ النِّيَّةَ في الكَفّارَةِ والأيْمانِ في الرَّقَبَةِ، وتَعَذُّرِ مِلْكِهِ لَها لِأنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ المُؤْمِنَ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّتِهِمْ إنَّ في الكَفّارَةِ شائِبَةَ الغَراماتِ ونِيَّتُها في كافِرٍ كُفْرٌ بِالإعْتاقِ لِلتَّمْيِيزِ كَما في قَضاءِ الدُّيُونِ لا الصَّوْمُ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ لِأنَّهُ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِلْإطْعامِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ فَإنْ عَجَزَ انْتَقَلَ ونَوى لِلتَّمْيِيزِ أيْضًا، ويُتَصَوَّرُ مِلْكُهُ لِلْمُسْلِمِ بِنَحْوِ إرْثٍ أوْ إسْلامِ قِنِّهِ، أوْ يَقُولُ لِمُسْلِمٍ: أعْتِقْ قِنَّكَ عَنْ كَفّارَتِي، فَيُجِيبُ فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وهو مَظاهِرٌ مُوسِرٌ مُنِعَ مِنَ الوَطْءِ لِقُدْرَتِهِ عَلى مِلْكِهِ بِأنْ يُسْلِمَ فَيَشْتَرِيَهُ.
انْتَهى.
وفِي كِتابِ بَعْضِ الأصْحابِ كالبَحْرِ وغَيْرِهِ كَلامٌ مَعَ الشّافِعِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ فِيهِ نَقْضٌ وإبْرامٌ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والسَّبَبُ في ذَلِكَ قِلَّةُ تَتَبُّعِ مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو - يَظَّهَّرُونَ - بِشَدِ الظّاءِ والهاءِ، والأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ «يَظّاهَرُونَ» مُضارِعَ اظّاهَرَ، وأُبَيٌّ «يَتَظاهَرُونَ» مُضارِعَ تَظاهَرَ، وعَنْهُ أيْضًا - يَتَظَهَّرُونَ - مُضارِعَ تَظَهَّرَ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مُخْطِئُونَ، وأُقِيمَ دَلِيلُهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿ هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ﴾ مَقامَهُ أوْ هو الخَبَرُ نَفْسُهُ أيْ ما نِساؤُهم أُمَّهاتُهم عَلى الحَقِيقَةِ فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ.
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «أُمَّهاتُهم» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - بِأُمَّهاتِهِمْ - بِزِيادَةِ الباءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في لُغَةِ مَن يَنْصِبُ أيْ بِما الخَبَرِ - وهُمُ الحِجازِيُّونَ - يَعْنِي أنَّهُمُ الَّذِينَ يَزِيدُونَ الباءَ دُونَ التَّمِيمِيِّينَ وقَدْ تَبِعَ في ذَلِكَ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ، ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ خِلافُهُ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ وهو تَمِيمِيٌّ: لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بِتارِكِ حَقِّهِ ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ ﴿ إنْ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ ما أُمَّهاتُهم عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ ﴾ فَلا يُشَبَّهُ بِهِنَّ مِنَ الحُرْمَةِ إلّا مَن ألْحَقَها اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ كالمُرْضِعاتِ ومَنكُوحاتِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَخَلْنَ في حِكَمِ الأُمَّهاتِ، وأمّا الزَّوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ ”إنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ“ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والعَقْلُ والطَّبْعُ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ، ومَناطُ التَّأْكِيدِ كَوْنُهُ مُنْكَرًا، وإلّا فَصُدُورُ القَوْلِ عَنْهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ ﴿ وزُورًا ﴾ أيْ وكَذِبًا باطِلًا مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ، ووَجْهُ كَوْنِ الظِّهارِ كَذَلِكَ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ إخْبارًا كاذِبًا - عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الحُرْمَةَ والكَفّارَةَ - ظاهِرٌ، وأمّا عِنْدَ مَن جَعَلَهُ إنْشاءً لِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتاعِ في الشَّرْعِ - كالطَّلاقٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ - فَوَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن إلْحاقِ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ المُنافِي لِمُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ ﴿ وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ ما سَلَفَ مِنهُ ويَعْفُو عَمَّنِ ارْتَكَبَهُ مُطْلَقًا أوْ بِالتَّوْبَةِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآياتِ أنَّ الظِّهارَ حَرامٌ بَلْ قالُوا: إنَّهُ كَبِيرٌ لِأنَّ فِيهِ إقْدامًا عَلى إحالَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وتَبْدِيلِهِ بِدُونِ إذْنِهِ، وهَذا أخْطَرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَبائِرِ إذْ قَضِيَّتُهُ الكُفْرُ لَوْلا خُلُوُّ الِاعْتِقادِ عَنْ ذَلِكَ، واحْتِمالُ التَّشْبِيهِ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ سَمّاهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا ﴾ ، وإنَّما كُرِهَ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ - لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ ومُطْلَقَ الحُرْمَةِ يَجْتَمِعانِ بِخِلافِها مَعَ التَّحْرِيمِ المُشابِهِ لِتَحْرِيمِ نَحْوِ الأُمِّ، ومِن ثَمَّ وجَبَ هُنا الكَفّارَةُ العُظْمى.
وثَمَّ عَلى ما قالُوا: كَفّارَةُ يَمِينٍ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِحُكْمِ الظِّهارِ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ أمْرًا مُنْكَرًا بِطَرِيقِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ المُنْتَظِمِ لِحُكْمِ الحادِثَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ آخَرُ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أوْ فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ فَيَلْزَمُهم تَحْرِيرٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ فالواجِبُ عَلَيْهِمْ «تَحْرِيرٌ»، وعَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وما - مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يَعُودُونَ ﴾ وهو يَتَعَدّى بِها كَما يَتَعَدّى -بِإلى.
وبِفِي - فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِأحَدِهِما كَما فَعَلَ البَعْضُ، والعَوْدُ لِما قالُوا عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ كَأنَّهُ حَمَلَ العَوْدَ عَلى التَّدارُكِ مَجازًا لِأنَّ التَّدارُكَ مِن أسْبابِ العَوْدِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ المَثَلُ عادَ غَيْثٌ عَلى ما أفْسَدَ أيْ تَدارَكَهُ بِالإصْلاحِ، فالمَعْنى والَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَتَدارَكُونَهُ يَنْقُضُهُ وهو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ فالواجِبُ عَلَيْهِمْ إعْتاقُ رَقَبَةٍ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المَظاهِرِ والمَظاهَرِ مِنها - والتَّماسُّ - قِيلَ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ فَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، وكَذا دَواعِيهِمِنَ التَّقْبِيلِ ونَحْوِهِ عِنْدَنا، قِيلَ: وهو قَوْلُ مالِكٍ والزُّهْرِيِّ والأوْزاعِيِّ والنَّخَعِيِّ، ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ فَإنَّ الأصْلَ أنَّهُ إذا حَرُمَ حَرُمَ بِدَواعِيهِ إذْ طَرِيقُ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وعَدَمُ اطِّرادِ ذَلِكَ في الصَّوْمِ والحَيْضِ لِكَثْرَةِ وجُودِهِما فَتَحْرِيمُ الدَّواعِي يُفْضِي إلى مَزِيدِ الحَرَجِ، وقالَ العَلّامَةَ ابْنُ الهُمامِ: التَّحْقِيقُ أنَّ الدَّواعِيَ مَنصُوصٌ عَلى مَنعِها في الظِّهارِ فَإنَّهُ لا مُوجِبَ لِحَمْلِ التَّماسِّ في الآيَةِ عَلى المَجازِ لِإمْكانِ الحَقِيقَةِ، ويَحْرُمُ الجِماعُ لِأنَّهُ مِن أفْرادِ التَّماسِّ كالمَسِّ والقُبْلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: تَحْرُمُ أقْسامُ الِاسْتِمْتاعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِعُمُومِ لَفْظِالتَّماسِّ فَيَشْمَلُها بِدَلالَةِ النَّصِّ، ومُقْتَضى التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي فَإنَّ المُشَبَّهَ بِهِ لا يَحِلُّ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَكَذا المُشَبَّهُ، ويَحْرُمُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا الجِماعُ قَبْلَهُ، وكَذا يَحْرُمُ لَمْسٌ ونَحْوُهُ مِن كُلِّ مُباشَرَةٍ لا نَظَرَ بِشَهْوَةٍ في الأظْهَرِ كَما في المُحَرَّرِ، وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الأظْهَرُ الجَوازُ لِأنَّ الحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِمَعْنى يُخِلُّ النِّكاحَ فَأشْبَهَ الحَيْضَ، ومِن ثَمَّ حَرُمَ الِاسْتِمْتاعُ فِيهِ فِيما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
وحَكى البَيْضاوِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ نَقْضَ القَوْلِ المُرادِ بِالعَوْدِ بِإباحَةِ التَّمَتُّعِ بِها ولَوْ بِنَظْرَةٍ بِشَهْوَةٍ، وحَمَلَ ذَلِكَ عَلى اسْتِباحَةِ التَّمَتُّعِ بِمُباشَرَتِهِ بِوَجْهٍ ما دُونَ عَدَّهُ مُباحًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ.
ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالمُباشِرَةِ بِوَجْهٍ ما مُباشَرَةٌ لَيْسَتْ مِنَ التَّماسِّ الَّذِي قالُوا بِحُرْمَتِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ يَدُلُّ عَلى عِلِّيَةٍ ما في حَيِّزِالصِّلَةِ أعْنِي الظِّهارَ والعَوْدِ لَهُ فَهُما سَبَبانِ لِلْكَفّارَةِ وهَذا أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ.
قالَ العَلّامَةَ ابْنُ الهُمامِ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ وجُوبِها فَقالَ في النّافِعِ: تَجِبُ بِالظِّهارِ والعَوْدِ لِأنَّ الظِّهارَ كَبِيرَةٌ فَلا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ لِأنَّها عِبادَةٌ، أوِ المُغَلَّبِ فِيها مَعْنى العِبادَةِ ولا يَكُونُ المَحْظُورُ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ فَعَلَّقَ وُجُوبَها بِهِما لِيَخِفَّ مَعْنى الحُرْمَةِ بِاعْتِبارِ العَوْدِ الَّذِي هو إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ فَيَكُونُ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ، وعَلَيْهِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ الدّائِرَةِ بَيْنَ العِبادَةِ والعُقُوبَةِ، وقِيلَ: سَبَبُ وُجُوبِها العَوْدُ والظِّهارُ شَرْطُهُ، ولَفْظُ الآيَةِ أيِ المَذْكُورُ يَحْتَمِلُهُما فَيُمْكِنُ كَوْنُ تَرْتِيبِها عَلَيْهِما، أوْ عَلى الأخِيرِ لَكِنْ إذا أمْكَنَ البَساطَةُ صُيِّرَ إلَيْها لِأنَّها الأصْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّرْكِيبِ فَلِهَذا قالَ في المُحِيطِ: سَبَبُ وُجُوبِها العَزْمُ عَلى الوَطْءِ والظِّهارُ شَرْطُهُ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العَوْدِ في الآيَةِ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ لا شَرْطِهِوالكَفّارَةُ مُتَكَرِّرَةٌ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ لا العَزْمُ، وكَثِيرٌ مِن مَشايِخِنا عَلى أنَّهُ العَزْمُ عَلى إباحَةِ الوَطْءِ بِناءً عَلى إرادَةِ المُضافِ في الآيَةِ أيْ يَعُودُونَ لِضِدِّ ما قالُوا أوْ لِتَدارُكِهِ، ويَرِدُ عَلَيْهِ ما يَرِدُ عَلى ما قَبْلَهُ، ونَصَّ صاحِبُ المَبْسُوطِ عَلى أنَّ بِمُجَرَّدِ العَزْمِ لا تَتَقَرَّرُ الكَفّارَةُ حَتّى لَوْ أبانَها أوْ ماتَتْ مِن بَعْدِ العَزْمِ فَلا كَفّارَةَ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لا بِالظِّهارِ ولا بِالعَوْدِ إذْ لَوْ وجَبَتْ لَما سَقَطَتْ بَلْ مُوجِبُ الظِّهارِ ثُبُوتُ التَّحْرِيمِ، فَإذا أرادَ رَفْعَهُ وجَبَ عَلَيْهِ في رَفْعِهِ الكَفّارَةُ كَما تَقُولُ لِمَن أرادَ الصَّلاةَ النّافِلَةَ: يَجِبُ عَلَيْكَ إنْ صَلَّيْتَها أنْ تُقَدِّمَ الوُضُوءَ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ المُضافِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بِناءً عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكَثِيرِ مِنَ المَشايِخِ، وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ كَما ذَكَرْنا آنِفًا، ويَكُونُ المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ الأمْرانِ، وبِهِ صَرَّحَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ وجَعَلَ ذَلِكَ قِياسَ كَفّارَةِ اليَمِينِ، ثُمَّ قال: ولا يُنافِي ذَلِكَ وُجُوبُها فَوْرًا مَعَ أنَّ أحَدَ سَبَبَيْها - وهو العَوْدُ - غَيْرُ مَعْصِيَةٍ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ حَلالٌ وحَرامٌ ولَمْ يُمْكِنْ تَمَيُّزُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ غُلِّبَ الحَرامُ، وظاهِرُ كَلامِ الإمامِ النَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ مُوجِبَها الظِّهارُ والعَوْدُ شَرْطٌ فِيهِ وهو بِعَكْسِ ما نُقِلَ عَنِ المُحِيطِ، ثُمَّ إنَّ مَن جَعَلَ السَّبَبَ العَزْمَ أرادَ بِهِ العَزْمَ المُؤَكَّدَ حَتّى لَوْ عَزَمَ ثُمَّ بَدا لَهُ أنْ لا يَطَأها لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ العَزْمِ المُؤَكَّدِ لا أنَّها وجَبَتْ بِنَفْسِ العَزْمِ.
ثُمَّ سَقَطَتْ - كَما قالَ بَعْضُهم - لِأنَّها بَعْدَ سُقُوطِها لا تَعُودُ إلّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَذا في البَدائِعِ، وذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ في البَحْرِ عَنِ التَّنْقِيحِ أنَّ سَبَبَ الكَفّارَةِ ما نُسِبَتْ إلَيْهِ مِن أمْرٍ دائِرٍ بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ، ثُمَّ قالَ: إنَّ كَوْنَ كَفارَّةِ الظِّهارَةِ كَذَلِكَ عَلى قَوْلَ مَن جَعَلَ السَّبَبَ مُرَكَّبًا مِنَ الظِّهارِ والعَوْدِ ظاهِرٌ لِكَوْنِ الظِّهارِ مَحْظُورًا والعَوْدِ مُباحًا لِكَوْنِهِ إمْساكًا بِالمَعْرُوفِ ونَقْضًا لِلزُّورِ.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُضافَ - إلَيْهِ وهو الظِّهارُ سَبَبٌ - وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ فَكَوْنُهُ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ مَعَ أنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ بِاعْتِبارِ أنَّ التَّشْبِيهَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلْكَرامَةِ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ كَوْنُهُ جِنايَةً، واسْتَظْهَرَ بَعْدُ أنَّهُ لا ثَمَرَةَ لِلِاخْتِلافِ في سَبَبِها مُعَلِّلًا بِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ عَجَّلَها بَعْدَ الظِّهارِ قَبْلَ العَوْدِ جازَ ولَوْ كَرَّرَ الظِّهارَ تَكَرَّرَتِ الكَفّارَةُ وإنْ لَمْ يَتَكَرَّرِ العَزْمُ، ولَوْ عَزَمَ ثُمَّ تَرَكَ فَلا وُجُوبَ، ولَوْ عَزَمَ ثُمَّ أبانَها سَقَطَتْ ولَوْ عَجَّلَها قَبْلَ الظِّهارِ لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ إنَّهُ لا اسْتِحالَةَ في جَعْلِ المَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ الَّتِي حُكْمُها أنْ تُكَفِّرَ المَعْصِيَةَ وتُذْهِبَ السَّيِّئَةَ خُصُوصًا إذا صارَ مَعْنى الزَّجْرِ فِيها مَقْصُودًا وإنَّما المُحالُ أنْ تُجْعَلَ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ.
انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنِ ما عَدا تَوْجِيهِ كَوْنِ الظِّهارِ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ فَإنَّهُ كَما تَرى.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ العَوْدَ بِالرُّجُوعِ واللّامَ بِعْنَ كَما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أيْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمّا قالُوا: فَيُرِيدُونَ الوَطْءَ، قالَ الزَّيْلَعِيُّ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لِأنَّ الظِّهارَ مُوجِبُهُ التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ فَإذا قَصَدَ وطْأها وعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَجَعَ عَمّا قالَ: ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ اللّامِ بِمَعْنى عَنْ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: العَوْدُ الرُّجُوعُ، والمُرادُ بِما قالُوا ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الظِّهارِ وهو التَّماسُّ تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ نَحْوَ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ﴾ والمَعْنى ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِلتَّماسِّ، وفِيهِ تَجُوزانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ ﴾ ثُمَّ يَنْدَمُونَ ويَتُوبُونَ أيْ يَعْزِمُونَ عَلى التَّوْبَةِ، وكَأنَّهُ حَمَلَ العَوْدَ عَلى التَّدارُكِ والتّائِبُ مُتَدارِكٌ لِما صَدَرَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ إذا لَمْ يَنْدَمْ لا تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ وإذا جُعِلَتِ الكَفّارَةُ نَفْسَ التَّوْبَةِ فَأيْنَ مَعْنى العَوْدِ ؟
وأيْضًا لا مَعْنى لِقَوْلِ القائِلِ ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الكَفّارَةِ ﴿ فَتَحْرِيرُ ﴾ إلَخْ، والعَوْدُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ يَتَحَقَّقُ في غَيْرِ مُؤَقَّتٍ ورَجْعِيَّةٍ بِأنْ يُمْسِكَها عَلى الزَّوْجِيَّةِ ولَوْ جَهْلًا ونَحْوَهُ بَعْدَ فَراغِ ظِهارِهِ ولَوْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وبَعْدَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ في المُعَلَّقِ وإنْ نَسِيَ أوْ جُنَّ عِنْدَ وُجُودِها زَمَنَ إمْكانِ فُرْقَةٍ شَرْعًا فَلا عَوْدَ في نَحْوِ حائِضٍ إلّا بِالإمْساكِ بَعْدَ انْقِطاعِ دَمِها لِأنَّ تَشْبِيهَها بِالمُحَرَّمِ يَقْتَضِي فِراقَها فَبِعَدَمِ فِعْلِهِ صارَ ناقِضًا لَهُ مُتَدارِكًا لِما قالَ، فَلَوِ اتَّصَلَ بِلَفْظِ الظِّهارِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أوْ فَسْخٍ بِنَحْوِ رِدَّةٍ قَبْلَ وطْءٍ أوْ طَلاقٍ بائِنٍ أوْ رَجْعِيٍّ، ولَمْ يُراجِعْ أوْ جُنَّ أوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِبَ اللَّفْظِ ولَمْ يُمْسِكْها بَعْدَ الإفاقَةِ فَلا عَوْدَ لِلْفُرْقَةِ أوْ تَعَذُّرِها أوَّلًا عَنْها في الأصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ القَذْفِ، والرَّفْعِ لِلْقاضِي ظِهارَهُ في الأصَحِّ ولَوْ راجَعَ مَن ظاهَرَ مِنها رَجْعِيَّةً أوْ مَن طَلَّقَها رَجْعِيًّا عَقِبَ الظِّهارِ أوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا وهي مَوْطُوءَةٌ ثُمَّ أسْلَمَ، فالمَذْهَبُ أنَّهُ عائِدٌ بِالرَّجْعَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها اسْتِباحَةُ الوَطْءِ لا بِالإسْلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ العَوْدُ لِلدِّينِ الحَقِّ والِاسْتِباحَةُ أمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا إذا أمْسَكَها بَعْدَهُ زَمَنًا يَسَعُ الفُرْقَةَ، وفي الظِّهارِ المُؤَقَّتِ الواقِعِ كَما التَزَمَ عَلى الصَّحِيحِ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ فِيهِ الأصَحُّ أنَّ العَوْدَ لا يَحْصُلُ بِإمْساكٍ بَلْ بِوَطْءٍ مُشْتَمِلٍ عَلى تَغْيِيبِ الحَشَفَةِ أوْ قَدْرِها مِن مَقْطُوعِها في المُدَّةِ لِلْخَبَرِ أيْضًا ولِأنَّ الحِلَّ مُنْتَظَرٌ بَعْدَها، فالإمْساكُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِانْتِظارِهِ أوْ لِلْوَطْءِ فِيها فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الإمْساكُ لِأجْلِ الوَطْءِ إلّا بِالوَطْءِ فِيها فَكانَ المُحَصِّلُ لِلْعَوْدِ.
واعْتَرَضَ ما قالُوهُ بِأنَّ ”ثُمَّ“ تَدُلُّ عَلى التَّراخِي الزَّمانِيِّ والإمْساكُ المَذْكُورُ مُعَقَّبٌ لا مُتَراخٍ فَلا يُعْطَفُ - بِثُمَّ - بَلْ بِالفاءِ، ورُدَّ بِأنْ مُدَّةَ الإمْساكِ مُمْتَدَّةٌ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ - بِثُمَّ - والعَطْفُ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَوْدَ أشَدُّ تَبِعَةً وأقْوى إثْمًا مِن نَفْسِ الظِّهارِ حَتّى يُقالَ عَلَيْهِ: إنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا إلى قَوْلِ الإمامِ أنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ بَيْنَ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ: بِأنَّ العَوْدَ اسْتِباحَةُ الِاسْتِمْتاعِ فَيُمْنَعُ أيْضًا لِأنَّ الِاسْتِباحَةَ المَذْكُورَةَ عَقِبَ الظِّهارِ - قَوْلًا - نادِرَةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى الحَنَفِيَّةِ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الظِّهارَ لَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمَ العَقْدِ حَتّى يَكُونَ العَوْدُ إمْساكَها، ومِن تَعْلِيلِ الشّافِعِيَّةِ السّابِقِ يُعْلَمُ ما فِيهِ، وفي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الجَلّابِ المالِكِيِّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ في المُرادِ بِالعَوْدِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أنَّهُ العَزْمُ عَلى إمْساكِها بَعْدَ الظِّهارِ مِنها، والرِّوايَةُ الأُخْرى أنَّهُ العَزْمُ عَلى وطْئِها، ثُمَّ قالَ: ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: العَوْدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ هو الوَطْءُ نَفْسُهُ، والصَّحِيحُ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ انْتَهى مِن مُدَوَّنِهِ.
وابْنُ حَجَرٍ نَسَبَ القَوْلَ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ إلى الإمامِ مالِكٍ والإمامِ أحْمَدَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ الوَطْءُ نَفْسُهُ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وذَكَرَ أنَّهُما قَوْلانِ لِلْإمامِ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، وما حَكاهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَحْكِهِ عَنْهُ فِيما نَعْلَمُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، وحَكاهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنِ الإمامِ مالِكٍ، ولَمْ يَحْكِ عَنْهُ غَيْرُهُ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ والزُّهْرِيُّ وجَماعَةٌ، وأفادَ أنَّهُ إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، ثانِيَتُهُما أنَّهُ العَزْمُ عَلى الإمْساكِ والوَطْءِ.
واعْتَرَضَ القَوْلَ بِهِ مِمَّنْ كانَ وكَذا القَوْلُ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ بِأنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ، وأمَرَ المُظاهِرَ بِالكَفّارَةِ لَمْ يَسْألْهُ هَلْ وطِئَ أوْ عَزَمَ عَلى الوَطْءِ ؟
والأصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ، والوَقائِعُ القَوْلِيَّةُ كَهَذِهِ يُعَمِّمُها الِاحْتِمالُ، وأنَّها ناصَّةٌ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ قَبْلَ الوَطْءِ فَيَكُونُ العَوْدُ سابِقًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هو الوَطْءَ ؟
!
وأجابَ القائِلُ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ عَنْ تَرْكِ السُّؤالِ بِأنَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ مِن خَوْلَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: ”فِيَّ“ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ كُنْتُ عِنْدَهُ وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي قُلْتُ: كَلّا والَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ الخَبَرُ، فَإنَّ ظاهِرَ قَوْلِها: فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ أنَّها ذَكَرَتْ كُلَّ ما وقَعَ، ومِنهُ طَلَبُ أوْسٍ وطْأها المُكَنّى عَنْهُ بِيُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، وذِكْرُ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أهَمُّ لَها مِن ذِكْرِها إيّاهُ لِيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
وأُجِيبَ مِن جِهَةِ القائِلِ: بِأنَّهُ الوَطْءُعَنِ الأخِيرِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ القائِلِ مِن قَبْلِ أنْ يُباحَ التَّماسُّ شَرْعًا، والوَطْءُ أوَّلًا حَرامٌ مُوجِبٌ لِلتَّفْكِيرِ - وهو كَما تَرى - ونُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ومُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ والَّذِينَ كانَتْ عادَتُهم أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ المُنْكَرَ فَقَطَعُوهُ بِالإسْلامِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمِثْلِهِ فَكَفّارَةُ مَن عادَ أنْ يُحَرِّرَ رَقَبَةً ثُمَّ يُماسُّ المُظاهَرُ مِنها فَحَمَلا العَوْدَ والقَوْلَ عَلى حَقِيقَتِهِما، ثُمَّ اعْتِبارُ العادَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ العُدُولَ إلى المُضارِعِ في الآيَةِ لِلِاسْتِمْرارِ فِيما مَضى وقْتًا فَوَقْتًا.
وأخَذَ القَطْعَ مِن دَلالَةِ ”ثُمَّ“ عَلى التَّراخِي ولِيَصِحَّ عَلى وجْهٍ لا يَلْزِمُ تَعْلِيقُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِتَكْرارِ لَفْظِ الظِّهارِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حِكايَتُهُ.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ أنَّ الِاسْتِمْرارَ يُنافِي القَطْعَ، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا قَطَعُوهُ بِالإسْلامِ لِأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكُنْ ورَدَ بَعْدُبِتَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّهُ مُظاهَرَةٌ بَعْدَ الإسْلامِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمِهِ فِيهِ وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ سَبَبُ النُّزُولِ وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ الظِّهارِ مِن غَيْرِ عَوْدٍ مُوجِبًا لِلْكَفّارَةِ، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ عُلَماءُ الأمْصارِ وأُجِيبَ عَنْ هَذا الأخِيرِ بِأنَّهُما إنْ نُقِلَ عَنْهُما ذَلِكَ اجْتِهادًا فَلا يَلْزِمُهُما مُوافَقَةُ غَيْرِهِما وهو المُصَرَّحُ بِهِ في كِتابِ الأحْكامِ وغَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُما غَيْرُ تَفْسِيرِ العَوْدِ في الآيَةِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَشْتَرِطا لِوُجُوبِ الكَفّارَةِ شَيْئًا مِمّا مَرَّ لَكِنْ لا يَقُولانِ: إنَّهُ المُرادُ بِالعَوْدِ فِيها، وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: المَعْنى الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَعُودُونَ لَهُ فَيُكَرِّرُونَهُ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ يَعُودُ لَهُ ويَقُولُهُ ثانِيًا فَكَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إلَخْ فَحَمَلُوا العَوْدَ والقَوْلَ عَلى حَقِيقَتِهِما أيْضًا.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ وبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ أيْضًا، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ رِوايَةً عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أصْحابِهِ رَواهُ عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: يَعُودُونَ لَهُ فَإنَّهُ أخْصَرُ ولا يَبْقى لِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“ حُسْنُ مُوقِعٍ، هَذا ولا فِقْهَ فِيهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والمُنَزَّلُ فِيهِ - أعْنِي قِصَّةَ خَوْلَةَ - يَدْفَعُهُ إذْ لَمْ يُنْقَلِ التَّكْرارُ، ولا سَألَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا الدَّفْعُ قَوِيٌّ، وأمّا ما قِيلَ: فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِقْهُ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا في التَّحْرِيمِ فَلَعَلَّهُ يَسْبِقُ لَفْظُهُ بِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِمَعْناهُ.
فَإذا كَرَّرَهُ تَعَيَّنَ أنَّهُ قَصَدَهُ وأنَّ العُدُولَ عَنَّ لَهُ إلى ﴿ لِما قالُوا ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ بِالإظْهارِ، وأنَّ العَطْفَ - بِثُمَّ - لِتَراخِي رُتْبَةِ الثّانِي وبُعْدِهِ عَنِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي تَحَقَّقَ بِهِ الظِّهارُ، وقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ: إنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ - لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: يُعِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِنَ الإعادَةِ لا مِنَ العَوْدِ - جَهْلٌ مِن قِلَّةِ العَوْدَ لِكَلامِ الفُصَحاءِ والرُّجُوعِ إلى مُحاوَراتِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَعْنى العَوْدِ أنْ يَحْلِفَ أوَّلًا عَلى ما قالَ مِنَ الظِّهارِ بِأنْ يَقُولَ: واللَّهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وهو عَوْدٌ لِما قالَ وتَكْرارٌ لَهُ مَعْنى لِأنَّ القَسَمَ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ يُفِيدُ ذَلِكَ فَلا تَلْزَمُ الكَفّارَةُ في الظِّهارِ مِن غَيْرِ قَسَمٍ عِنْدَهُ، وهَذا القَوْلُ إلْغاءٌ لِلظِّهارِ مَعْنى لِأنَّ الكَفّارَةَ لِحَلِفِهِ عَلى أمْرٍ كُذِّبَ فِيهِ، وأيْضًا المُنَزَّلُ فِيهِ يَدْفَعُهُ إذْ لَمْ يُنْقَلِ الحَلِفُ ولا سَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ والأصْلُ عَدَمُهُ، وقِيلَ: عَوْدُهُ تَكْرارُهُ الظِّهارَ مَعْنى بِأنْ يَقُولَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتُ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ يَحْنَثُ وتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ، وتُعَدُّ مُباشَرَتُهُ ذَلِكَ تَكْرِيرًا لِلظِّهارِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأمّا تَعْلِيقُ الظِّهارِ فَقَدْ ذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّهُ يَصِحُّ لِأنَّهُ لِاقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ كالطَّلاقِ والكَفّارَةُ كاليَمِينِ وكِلاهُما يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، فَإذا قالَ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَدَخَلَتْ ولَوْ في حالِ جُنُونِهِ أوْ نِسْيانِهِ صَحَّ لَكِنْ لا عَوْدَ عِنْدَهم في الصُّورَةِ المَفْرُوضَةِ حَتّى يُمْسِكَها عَقِبَ الإفاقَةِ أوْ تَذَكُّرِهِ وعِلْمِهِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ قَدْرَ إمْكانِ طَلاقِها ولَمْ يُطَلِّقْها، وقَدْ أطالُوا في تَفارِيعِ التَّعْلِيقِ الكَلامَ بِما لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ.
وعِنْدَنا أيْضًا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وكَذا تَقْيِيدُهُ بِيَوْمٍ أوْ شَهْرٍ، ولا يَبْقى بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، نَعَمْ لَوْ ظاهَرَ واسْتَثْنى يَوْمَ الجُمُعَةِ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ ولَوْ عَلَّقَ الظِّهارَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أبانَها ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ في العِدَّةِ لا يَصِيرُ مُظاهِرًا بِخِلافِ الإبانَةِ المُعَلَّقَةِ كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وقالَ الأخْفَشُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُها - والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا: ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نِسائِهِمْ - ولا يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا أخْفَشُ أوْ أعْشى أوْ أعْمَشُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِهِمْ ﴾ دَلِيلٌ لَنا وكَذا لِلشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ عَلى أنَّهُ لَوْ ظاهَرَ مِن أمَتِهِ المَوْطُوءَةِ أوْ غَيْرِها لا يَصِحُّ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ يَتَناوَلُ نِساءَنا والأمَةَ، وإنْ صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ نِسائِنا عَلَيْها لُغَةً لَكِنَّ صِحَّةَ الإطْلاقِ لا تَسْتَلْزِمُ الحَقِيقَةَ لِأنَّ حَقِيقَةَ إضافَةِ النِّساءِ إلى رَجُلٍ أوْ رِجالٍ إنَّما تَتَحَقَّقُ مَعَ الزَّوْجاتِ دُونَ الإماءِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ جَوارِيهِ لا نِساؤُهُ، وحُرْمَةُ بِنْتِ الأمَةِ لَيْسَ لِأنَّ أُمَّها مِن نِسائِنا مُرادَةً بِالنَّصِّ بَلْ لِأنَّها مَوْطُوءَةٌ وطْأً حَلالًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِلا هَذا القَيْدِ عِنْدَنا عَلى أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالنِّساءِ هُناكَ ما تَصِحُّ بِهِ الإضافَةُ حَتّى يَشْتَمِلَ المَعْنى الحَقِيقِيَّ وهُنَّ الزَّوْجاتُ والمَجازِيَّ - أعْنِي الإماءَ بِعُمُومِ المَجازِ - لَأمْكَنَ لِلِاتِّفاقِ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ الحُكْمِ في الإماءِ كَثُبُوتِهِ في الزَّوْجاتِ أمّا هُنا فَلا اتِّفاقَ ولا لُزُومَ عِنْدَنا أيْضًا لِيَثْبُتَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِأنَّ الإماءَ لَسْنَ في مَعْنى الزَّوْجاتِ لِأنَّ الحِلَّ فِيهِنَّ تابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ العَقْدِ ولا مِنَ المِلْكِ حَتّى يَثْبُتا مَعَ عَدَمِهِ في الأمَةِ المَجُوسِيَّةِ والمُراضِعَةِ بِخِلافِ عَقْدِ النِّكاحِ لا يَصِحُّ في مَوْضِعٍ لا يَحْتَمِلُ الحِلَّ، واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّ القِياسَ شَأْنُهُ أنْ لا يُوجِبَ هَذا التَّشْبِيهَ الَّذِي في الظِّهارِ سِوى التَّوْبَةِ، ووَرَدَ الشَّرْعُ بِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ فِيهِ في حَقِّ مَن لَها الِاسْتِمْتاعُ ولا حَقَّ لِلْأمَةِ فِيهِ فَيَبْقى في حَقِّها عَلى أصْلِ القِياسِ، وبِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا فَنُقِلَ عَنْهُ إلى تَحْرِيمٍ مُغَيّا بِالكَفّارَةِ ولا طَلاقَ في الأمَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِلْمُتَأمِّلِ.
ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ والثَّوْرِيِّ صِحَّةُ الظِّهارِ في الأمَةِ مُطْلَقًا، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وطاوُسٍ والزُّهْرِيِّ صِحَّتُهُ في المَوْطُوءَةِ، ثُمَّ إنِ الشَّرْطَ كَوْنُها زَوْجَةً في الِابْتِداءِ فَلَوْ ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ الأمَةِ ثُمَّ مَلَكَها بَقِيَ الظِّهارُ فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ كَما صَرَّحُوا بِهِ، والمُرادُ بِالزَّوْجَةِ المَنكُوحَةِ الَّتِي يَصِحُّ إضافَةُ الطَّلاقِ إلَيْها فَلا فَرْقَ بَيْنَ مَدْخُولٍ بِها وغَيْرِها فَلا يَصِحُّ الظِّهارُ مِن مُبانَةٍ، ومِنهُ ما سَمِعْتَ آنِفًا ولا مِن أجْنَبِيَّةٍ إلّا إذا أضافَهُ إلى التَّزَوُّجِ كَأنْ قالَ لَها: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَها فَإنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، نَعَمْ في التّاتارَخانِيَّةِ: لَوْ قالَ إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ، ثُمَّ قالَ: إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَها يَقَعُ الطَّلاقُ، ولا يَلْزَمُ الظِّهارُ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ صاحِباهُ: لَزِماهُ جَمِيعًا، وعَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا ظاهَرَ مِن أجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ نَكَحَها لَزِمَ الظِّهارُ أضافَهُ إلى التَّزْوِيجِ أمْ لا.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لا يَصِحَّ ظِهارُ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وقالَ المُزْنِيُّ: لا يَصِحُّ ظِهارُ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وظاهِرُ ﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ ﴾ يَشْمَلُ العَبْدَ فَيَصِحُّ ظِهارُهُ، وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّهُ يَصِحُّ ظِهارُ الزَّوْجِ البالِغِ العاقِلِ المُسْلِمِ ويُكَفِّرُ العَبْدُ بِالصَّوْمِ، ولا يُنْصِفُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِبادَةِ كَصَوْمِ رَمَضانَ، ومِثْلُهُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ عَلى قَوْلِهِما المُفْتى بِهِ.
وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَصِحُّ ظِهارُ العَبْدِ، ولا تَدَخُّلَ المَرْأةُ في هَذا الحُكْمِ فَلَوْ ظاهَرَتْ مِن زَوْجِها لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ كَما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ التّاتارَخانِيَّةِ عَنْ أبِي يُوسُفَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: تَكُونُ مُظاهِرَةً، وقالَ الأوْزاعِيُّ وعَطاءٌ وإسْحاقُ وأبُو يُوسُفَ: إذا قالَتِ المَرْأةُ لِزَوْجِها: أنْتَ ”عَلَيَّ“ كَظَهْرِ فُلانَةٍ فَهي يَمِينٌ تُكَفِّرُها، وقالَ الزُّهْرِيُّ: أرى أنْ تُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ ولا يَحُولُ قَوْلُها هَذا بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها أنْ يُصِيبَها.
انْتَهى، والرَّقَبَةُ مِنَ الحَيَوانِ مَعْرُوفَةٌ، وتُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ، وذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ الجُزْءِ كَما في المُغْرِبِ، وهو المُرادُ هُنا.
وفِي الهِدايَةِ هي عِبارَةٌ عَنِ الذّاتِ المَرْمُوقِ مِن كُلِّ وجْهٍ فَيَجْزِي في الكَفّارَةِ إعْتاقُ الرَّقَبَةِ الكافِرَةِ والمُؤْمِنَةِ والذَّكَرِ والأُنْثى والكَبِيرِ والصَّغِيرِ - ولَوْ رَضِيعًا - لِأنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ، ومُقْتَضى ذَلِكَ إجْزاءُ إعْتاقِ المُرْتَدِّ والمُرْتَدَّةِ والمُسْتَأْمَنِ والحَرْبِيِّ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ أنَّ المُرْتَدَّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ المَشايِخِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ لا يَجُوزُ، والمُرْتَدَّةُ تَجُوزُ بِلا خِلافٍ أيْ لِأنَّها لا تُقْتَلُ، وفي الفَتْحِ إعْتاقُ الحَرْبِيِّ في دارِ الحَرْبِ لا يَجْزِيهِ في الكَفّارَةِ، وإعْتاقُ المُسْتَأْمَنِ يَجْزِيهِ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ أعْتَقَ عَبْدًا حَرْبِيًّا في دارِ الحَرْبِ إنْ لَمْ يُخْلَ سَبِيلُهُ لا يَجُوزُ وإنْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ فَفِيهِ اخْتِلافُ المَشايِخِ، فَبَعْضُهم قالُوا: لا يَجُوزُ - وشَمِلَ الرَّقَبَةُ الصَّحِيحَ والمَرِيضَ فَيَجْزِي كُلٌّ مِنهُما - واسْتَثْنى في الخانِيَةِ مَرِيضًا لا يُرْجى بُرْؤُهُ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ مَيِّتٌ حُكْمًا، وفي جَوازِ إعْتاقِ حَلالِ الدَّمِ كَلامٌ: فَحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا حَلالَ الدَّمِ قَدْ قُضِيَ بِدَمِهِ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ فَلَوْ كانَ أبْيَضَ العَيْنَيْنِ فَزالَ البَياضُ أوْ كانَ مُرْتَدًّا فَأسْلَمَ لا يَجُوزُ.
وفِي جامِعِ الفِقْهِ جازَ المَدْيُونُ والمَرْهُونُ ومُباحُ الدَّمِ، ويَجُوزُ إعْتاقُ الآبِقِ إذا عُلِمَ أنَّهُ حَيٌّ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ المَرْأةِ المُظاهَرِ مِنها لِما في الظَّهِيرِيَّةِ والتّاتارَخانِيَّةِ أمَةٌ تَحْتَ رَجُلٍ ظاهَرَ مِنها ثُمَّ اشْتَراها وأعْتَقَها كَفّارَةُ ظِهارِها قِيلَ: تَجْزِي، وقِيلَ: لا تَجْزِي في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ، ويَجُوزُ الأصَمُّ اسْتِحْسانًا إذا كانَ بِحَيْثُ إذا صِيحَ عَلَيْهِ يَسْمَعُ، وفي رِوايَةِ النَّوادِرِ لا يَجُوزُ ولا تُجْزِي العَمْياءَ ولا المَقْطُوعَةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجْلَيْنِ، وكَذا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدَيْنِ ومَقْطُوعُ إحْدى اليَدَيْنِ وإحْدى الرِّجْلَيْنِ مِن جانِبٍ واحِدٍ والمَجْنُونُ الَّذِي لا يَعْقِلُ، ولا يَجُوزُ إعْتاقُ المُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، وكَذا المُكاتَبُ الَّذِي أدّى بَعْضَ المالِ وإنِ اشْتَرى أباهُ أوِ ابْنَهُ يَنْوِي بِالشِّراءِ الكَفّارَةَ جازَ عَنْها، وإنْ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وهو مُوسِرٌ فَضَمِنَ قِيمَةَ باقِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الإمامِ، وجازَ عِنْدَ صاحِبَيْهِ، وإنْ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفّارَتِهِ ثُمَّ جامَعَ ثُمَّ أعْتَقَ باقِيَهُ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَهُ لِأنَّ الإعْتاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وشَرْطُ الإعْتاقِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ بِالنَّصِّ، وإعْتاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعْدَهُ، وعِنْدَهُما إعْتاقُ النِّصْفِ إعْتاقُ الكُلِّ فَحَصَلَ الكُلُّ قَبْلَ المَسِيسِ، واشْتَرَطَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الرَّقَبَةِ مُؤْمِنَةً ولَوْ تَبَعًا لِأصْلٍ أوْ دارٍ أوْ سابٍ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُقَيَّدِ في آيَةِ القَتْلِ بِجامِعِ عَدَمِ الإذْنِ في السَّبَبِ.
وقالَ الحَنَفِيَّةُ: لا يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ إلّا في حُكْمٍ واحِدٍ في حادِثَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ ذَلِكَ لُزُومًا عَقْلِيًّا إذِ الشَّيْءُ لا يَكُونُ نَفْسُهُ مَطْلُوبًا إدْخالُهُ في الوُجُودِ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا كالصَّوْمِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
ورَدَ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بِالتَّتابُعِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي تَجُوزُ القِراءَةُ بِمِثْلِها، والكَلامُ في تَحْقِيقِ هَذا الأصْلِ في الأُصُولِ.
وقالُوا عَلى تَقَدُّرِ التَّنَزُّلِ إلى أصْلِ الشّافِعِيَّةِ مِنَ الحَمْلِ مُطْلَقًا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ التَّضْيِيقِ في كَفّارَةِ الأمْرِ الأعْظَمِ وهُوَ القَتْلُ ثُبُوتُ مِثْلِهِ فِيما هو أخَفُّ مِنهُ لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ فِيهِ بَيانًا في المُطْلَقِ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الجامِعِ لا يَكْفِي، ووافَقُوا في كَثِيرٍ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وخالَفُوا أيْضًا في كَثِيرٍ فَقالُوا: يُشْتَرَطُ في الرَّقَبَةِ أنْ تَكُونَ بِلا عَيْبٍ يُخِلُّ بِالعَمَلِ والكَسْبِ فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ ولَوْ عَقِبَ وِلادَتِهِ وأقْرَعُ وأعْرَجُ يُمْكِنُهُ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ لا تُحْتَمَلُ عادَةً تَتابُعُ المَشْيِ وأعْوَرُ لَمْ يَضْعُفْ نَظَرُ سَلِيمَتِهِ حَتّى أخَلَّ بِالعَمَلِ إخْلالًا ”بَيِّنًا“ وأصَمُّ وأخْرَسُ يَفْهَمُ إشارَةَ غَيْرِهِ ويَفْهَمُ غَيْرُهُ إشارَتَهُ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ وأخْشَمُ وفاقِدُ أنْفِهِ وأُذُنَيْهِ وأصابِعِ رِجْلَيْهِ وأسْنانِهِ وعِنِّينٌ ومَجْبُوبٌ ورَتْقاءُ وقَرْناءُ وأبْرَصُ ومَجْذُومٌ وضَعِيفُ بَطْشٍ ومَن لا يُحْسِنُ صَنْعَةً ووَلَدُ زِنًا وأحْمَقُ - وهو مَن يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ - وآبِقٌ ومَغْصُوبٌ وغائِبٌ عُلِمَتْ حَياتُهُ أوْ بانَتْ وإنْ جُهِلَتْ حالَةُ العِتْقِ لِأزْمُنٍ وجَنِينٌ وإنِ انْفَصَلَ لِدُونِسِتَّةِ أشْهُرٍ مِنَ الإعْتاقِ أوْ فاقِدُ يَدٍ أوْ رِجْلٍ أوْ أشَلُّ أحَدِهِما أوْ فاقِدُ خِنْصَرٍ وبِنْصَرٍ مَعًا مِن يَدٍ أوْ أنُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِهِما أوْ أُنْمُلَةِ إبْهامٍ - كَما قالَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ولا هَرِمٌ عاجِزٌ ولا مَن هو في أكْثَرِ وقْتِهِ مَجْنُونٌ ولا مَرِيضٌ لا يُرْجى عِنْدَ العِتْقِ بُرْءُ مَرَضِهِ - كَسُلالٍ - فَإنْ بَرَأ بَعْدَ إعْتاقِهِ بانَ الإجْزاءُ في الأصَحِّ ولا مَن قُدِّمَ لِقَتْلٍ بِخِلافِ مَن تَحَتَّمَ قَتْلُهُ في المُحارَبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ لِلْإمامِ، ولا يُجْزِي شِراءُ أوْ تَمَلُّكُ قَرِيبٍ أصْلٍ أوْ فَرْعٍ بِنِيَّةِ كَفّارَةٍ ولا عِتْقِ أُمِّ ولَدٍ ولا ذُو كِتابَةٍ صَحِيحَةٍ قَبْلَ تَعْجِيزِهِ، ويُجْزِي مُدَبَّرٌ ومُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ التَّدْبِيرِ، وقالُوا: لَوْ أعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفَيْنِ لَهُ مِن عَبْدَيْنِ عَنْ كَفّارَةٍ فالأصَحُّ الإجْزاءُ إنْ كانَ باقِيهِما أوْ باقِي أحَدِهِما ﴿ حَرًّا ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي الإتْيانِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ ﴾ إلَخْ دَلالَةٌ عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَلى تَكَرُّرِ وُجُوبِ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ، فَإذا كانَ لَهُ زَوْجَتانِ مَثَلًا فَظاهَرَ مِن كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَةٍ لَزِمَهُ كَفّارَتانِ.
وفِي التَّلْوِيحِ لَوْ ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ أوْ مَجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ لَزِمَهُ بِكُلِّ ظِهارٍ كَفّارَةٌ، وفي إطْلاقِهِ بَحْثٌ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَوْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ في المَجْلِسِ الواحِدِ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وفي شَرْحِ الوَجِيزِ لِلْغَزالِيِّ ما مُحَصِّلُهُ: لَوْ قالَ لِأرْبَعِ زَوْجاتٍ: أنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإنْ كانَ دُفْعَةً واحِدَةً فَفِيهِ قَوْلانِ، وإنْ كانَ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ فَأرْبَعُ كَفّاراتٍ، ولَوْ كَرَّرَها - والمَرْأةُ واحِدَةٌ - فَإمّا أنْ يَأْتِيَ بِها مُتَوالِيَةً أوَّلًا، فَعَلى الأوَّلِ إنْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ فَواحِدَةٌ وإلّا فَفِيهِ قَوْلانِ: القَدِيمُ - وبِهِ قالَ أحْمَدُ - واحِدَةٌ كَما لَوْ كَرَّرَ اليَمِينَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، والقَوْلُ الجَدِيدُ التَّعَدُّدُ - وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ - وإذا لَمْ تَتَوالَ أوْ قَصَدَ بِكُلِّ واحِدَةٍ ظِهارًا أوْ أطْلَقَ ولَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ فَكُلُّ مَرَّةٍ ظِهارٌ بِرَأْسِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ: إنَّهُ لا يَكُونُ الثّانِي ظِهارًا إنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأوَّلِ، وإنْ قالَ: أرَدْتُ إعادَةَ الأوَّلِ فَفِيهِ اخْتِلافٌ بِناءً عَلى أنَّ الغالِبَ في الظِّهارِ أنَّ مَعْنى الطَّلاقِ أوِ اليَمِينِ لِما فِيهِ مِنَ الشَّبَهَيْنِ.
انْتَهى.
وظاهِرُ بَعْضِ عِباراتِ أصْحابِنا أنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الظِّهارَ بِعَدَدٍ اعْتُبِرَ ذَلِكَ العَدَدُ، فَفي التَّتارَخانِيَّةُ لَوْ قالَ لِأجْنَبِيَّةٍ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مِائَةَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ - أيْ إذا تَزَوَّجَها - لِكُلٍّ كَفّارَةٌ، وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ المَذْكُورَةَ قَبْلَ المَسِيسِ فَإنْ مَسَّ أثِمَ ولا يُعاوِدُ حَتّى يُكَفِّرَ، فَقَدْ رَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا - وهو سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الأنْصارِيُّ كَما في حَدِيثِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِما - «ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ ؟
!
فَقالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ - وفي لَفْظٍ بَياضَ ساقِها - قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فاعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ»» ولَفْظُ ابْنِ ماجَهْ ««فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَهُ أنْ لا يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ»» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وفي كَوْنِهِ صَحِيحًا رَدَّهُ المُنْذِرِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِأنَّهُ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ورِجالُهُ ثِقاتٌ مَشْهُورٌ سَماعُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ بِالسَّنَدِ إلى سَلَمَةَ المَذْكُورِ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ: «كَفارَّةٌ واحِدَةٌ تَلْزَمُهُ»، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ كَفّارَةٌ أُخْرى، ونُقِلَ هَذا عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وقَبِيصَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ، وعَلى مَن قالَ تَلْزَمُهُ ثَلاثُ كَفّاراتٍ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والنَّخَعِيِّ، وبِهِ، وبِما تَقَدَّمَ يُرَدُّ عَلى ما قِيلَ: مِن أنَّهُ تَسْقُطُ الكَفّارَةُ الواجِبَةُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ولا تَرْتَفِعُ حُرْمَةُ المَسِيسِ إلّا بِها لا بِمِلْكٍ ولا بِزَوْجٍ ثانٍ حَتّى لَوْ طَلَّقَها مِن بَعْدِ الظِّهارِ ثَلاثًا فَعادَتْ إلَيْهِ مِن بَعْدِ زَوْجٍ آخَرَ أوْ كانَتْ أمَةً فَمَلَكَها بَعْدَ ما ظاهَرَ مِنها لا يَحِلُّ قُرْبانُها حَتّى يُكَفِّرَ، وهو واجِبٌ عَلى التَّراخِي - عَلى الصَّحِيحِ - لِكَوْنِ الأمْرِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ الآيَةُ مُطْلَقًا حَتّى لا يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أوَّلِ أوْقاتِ الإمْكانِ، ويَكُونُ مُؤَدِّيًا لا قاضِيًا، ويَتَعَيَّنُ في آخِرِ عُمُرِهِ، ويَأْثَمُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الأداءِ، ولا تُؤْخَذُ مِن تَرِكَتِهِ إنْ لَمْ يُوصِ ولَوْ تَبَرَّعَ الوَرَثَةُ في الإعْتاقِ، وكَذا في الصَّوْمِ لا يَجُوزُ - كَذا في البَدائِعِ - فَإنْ أوْصى كانَ مِنَ الثُّلُثِ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ كانَ مُرِيدُ التَّكْفِيرِ مَرِيضًا فَأعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ كَفّارَتِهِ وهو لا يَخْرُجُ مِن ثُلُثِ مالِهِ فَماتَ مِن ذَلِكَ المَرَضِ لا يَجُوزُ عَنْ كَفّارَتِهِ وإنْ أجازَتِ الوَرَثَةُ، ولَوْ أنَّهُ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ جازَ، ولِلْمَرْأةِ مُطالَبَتُهُ بِالوَطْءِ والتَّكْفِيرِ وعَلَيْها أنْ تَمْنَعَهُ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها حَتّى يُكَفِّرَ، وعَلى القاضِي أنْ يُجْبِرَهُ عَلى التَّكْفِيرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْها بِحَبْسٍ فَإنْ أبى ضَرَبَهُ ولَوْ قالَ: قَدْ كَفَرَ تُصُدِّقَ ما لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالكَذِبِ.
هَذا وبَقِيَتْ مَسائِلُ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ ذَلِكُمُ الإشارَةُ إلى الحُكْمِ بِالكَفّارَةِ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَّةِ ﴿ تُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أيْ تُزْجَرُونَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المُنْكَرِ، فَإنَّ الغَراماتِ مَزاجِرُ عَنْ تَعاطِي الجِناياتِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِن شِرْعِ هَذا الحُكْمِ لَيْسَ تَعْرِيضُكم لِلثَّوابِ بِمُباشَرَتِكم لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ الَّذِي هو عَلَمٌ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ العَظِيمِ بَلْ هو رَدْعُكم وزَجْرُكم عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ كَذا في الإرْشادِ، وهُو َظاهِرٌ في كَوْنِ الكَفّارَةِ عُقُوبَةً مَحْضَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ بِأنَّها دائِرَةٌ بَيْنَ العِبادَةِ والعُقُوبَةِ، وكَلامُ الزَّيْلَعِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ جِهَةَ العِبادَةِ فِيها أغْلَبُ، وفي شَرْحِ مِنهاجِ النَّوَوِيِّ لِابْنِ حَجَرٍ في كِتابِ كَفّارَةِ الظِّهارِ الكَفّارَةُ مِنَ الكُفْرِ وهو السَّتْرُ لِسَتْرِها الذَّنْبَ بِمَحْوِهِ أوْ تَخْفِيفِ إثْمِهِ بِناءً عَلى أنَّ الكَفّاراتِ زَواجِرُ كالتَّعازِيرِ أوْ جَوابِرُ لِلْخَلَلِ، ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ الثّانِيَ لِأنَّها عِبادَةٌ لِافْتِقارِها لِلنِّيَّةِ أيْ فَهي كَسُجُودِ السَّهْوِ.
والفَرْقُ بَيْنَها - عَلى الثّانِي - وبَيْنَ الدَّفْنِ الكَفّارَةُ لِلْبَصْقِ عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيهِ أنَّهُ يَقْطَعُ دَوامَ الإثْمِ أنَّ الدَّفْنَ مُزِيلٌ لَعِينِ ما بِهِ المَعْصِيَةُ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شَيْءٌ يَدُومُ إثْمُهُ بِخِلافِها هُنا فَإنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ المَمْحُوُّ هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو حَقُّهُ، وأمّا بِالنَّظَرِ لِنَحْوِ الفِسْقِ بِمُوجِبِها فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ نَظِيرَ نَحْوِ الحَدِّ.
انْتَهى.
ومَتى قِيلَ: بِأنَّ الإعْتاقَ المَذْكُورَ كَفّارَةٌ وأنَّ الكَفّارَةَ تَسَتُّرُ الذَّنْبَ بِمَحْوِهِ أوْ تَخْفِيفِ إثْمِهِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ اسْتِتْباعِهِ الثَّوابَ وكَوْنُ ذَلِكَ لا يُعَدُّ ثَوابًا لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمَ الرَّدْعُ والزَّجْرُ عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ دُونَ التَّعْرِيضِ لِلثَّوابِ، وإنَّ تَضَمَّنَهُ في الجُمْلَةِ فَتَأمَّلْ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الأعْمالِ كالتَّكْفِيرِ وما يُوجِبُهُ مِن جِنايَةِ الظِّهارِ ﴿ خَبِيرٌ ﴾ أيْ عالِمٌ بِظَواهِرِها وبَواطِنِها ومُجارِيكم بِها فَحافِظُوا عَلى حُدُودِ ما شَرَعَ لَكم ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ أيْ فَمَن لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ التَّماسِّ، والمُرادُ - بِمَن لَمْ يَجِدْ - مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً ولا ثَمَنَها فاضِلًا عَنْ قَدْرِ كِفايَتِهِ لِأنَّ قَدْرَها مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فَصارَ كالعَدَمِ، وقَدْرُ الكِفايَةِ مِنَ القُوتِ لِلْمُحْتَرِفِ قُوتُ يَوْمٍ.
ولِلَّذِي يَعْمَلُ قُوتُ شَهْرٍ - عَلى ما في البَحْرِ - ومَن لَهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِخِدْمَتِهِ واجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وهَذا بِخِلافِ مَن لَهُ مَسْكَنٌ لِأنَّهُ كَلِباسِهِ ولِباسِ أهْلِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ المُرادُ بِهِ مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً أوْ ثَمَنَها فاضِلًا كُلٌّ مِنهُما عَنْ كِفايَةِ نَفْسِهِ وعِيالِهِ العُمُرُ الغالِبِ نَفَقَةً وكُسْوَةً وسُكْنى وأثاثًا لا بُدَّ مِنهُ، وعَنْ دَيْنِهِ ولَوْ مُؤَجَّلًا.
وقالُوا: إذا لَمْ يَفْضُلُ القِنُّ أوْ ثَمَنُهُ عَمّا ذُكِرَ لِاحْتِياجِهِ لِخِدْمَتِهِ لِمَنصِبٍ يَأْبى خِدْمَتُهُ بِنَفْسِهِ أوْ ضَخامَةِ كَذَلِكَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ بِعِتْقِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً ولا أثَرَ لِفَواتِ رَفاهِيَةٍ أوْ مَرَضٍ بِهِ أوْ بِمَوْتِهِ فَلا عِتْقَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ فاقِدٌ شَرْعًا - كَمَن وجَدَ ماءً وهو يَحْتاجُهُ لِعَطَشٍ - وإلى اعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ فاقِدًا - كَواجِدِ الماءِ المَذْكُورِ - ذَهَبَ اللَّيْثُ أيْضًا.
والفَرْقُ عِنْدَنا عَلى ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الماءَ مَأْمُورٌ بِإمْساكِهِ لِعَطَشِهِ واسْتِعْمالِهِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ بِخِلافِ الخادِمِ، واليَسارُ والإعْسارُ مُعْتَبَرانِ وقْتَ التَّكْفِيرِ والأداءِ، وبِهِ قال مالِكٌ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أقْوالٌ فِيوَقْتِها أظْهَرُها كَما هو عِنْدَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَفّارَةَ أعْنِي الإعْتاقَ عِبادَةٌ لَها بَدَلٌ مِن غَيْرِ جِنْسِها كَوُضُوءٍ وتَيَمُّمٍ وقِيامِ صَلاةٍ وقُعُودِها فاعْتُبِرَ وقْتُ أدائِها، وغَلَبَ الثّانِي كَمَذْهَبِ أحْمَدَ والظّاهِرِيَّةِ شائِبَةَ العُقُوبَةِ فاعْتُبِرَ وقْتُ الوُجُوبِ - كَما لَوْ زَنى قَنٌّ ثُمَّ عُتِقَ فَإنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَنِّ- والثّالِثُ الأغْلَظُ مِنَ الوُجُوبِ إلى الأداءِ، والرّابِعُ الأغْلَظُ مِنهُما، وأعْرَضَ عَمّا بَيْنَهُما.
ومَن يَمْلِكُ ثَمَنَ رَقَبَةٍ إلّا أنَّهُ دَيْنٌ عَلى النّاسِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أخْذِهِ مِن مَدْيُونِهِ فَهو فاقِدٌ فَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وإنْ قَدَرَ فَواجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ وإنْ كانَ لَهُ مالٌ ووَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ فَهو فاقِدٌ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ، وأمّا قَبْلَهُ فَقِيلَ فاقِدٌ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ المُشِيرُ إلى أنَّ مالَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا الصَّرْفَ إلى الدَّيْنِ مُلْحَقٌ بِالعَدَمِ حُكْمًا، وقِيلَ: واجِدٌ لِأنَّ مِلْكَ المَدْيُونِ في مالِهِ كامِلٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ التَّصَرُّفاتِ فِيهِ.
وفِي البَدائِعِ لَوْ كانَ في مِلْكِهِ رَقَبَةٌ صالِحَةٌ لِلتَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُها سَواءٌ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ واجِدٌ حَقِيقَةً، وحاصِلُهُ أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ تَحْرِيرالرَّقَبَةِ المَوْجُودَةِ، ويَمْنَعُ وُجُوبَ شِرائِها بِما عِنْدَهُ مِن مِثْلِالدَّيْنِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الشِّراءَ مَتى وجَبَ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَمَنُ المِثْلِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فَقالُوا: لا يَجِبُ شِراءُ الرَّقَبَةِ بِغَبْنٍ أيْ زِيادَةٍ عَلى ثَمَنِمِثْلِها نَظِيرَ ما يُذْكَرُ في شِراءِ الماءِ لِلطَّهارَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وعَلى الأوَّلِ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ وغَيْرُهُ نَقْلًا عَنِ الماوَرْدِيِّ واعْتَمَدُوهُ -لا يَجُوزُ العُدُولُ لِلصَّوْمِ بَلْ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلى الوُجُودِ بِثَمَنِ المِثْلِ، وكَذا لَوْ غابَ مالُهُ فَيُكَلَّفُ الصَّبْرُ إلى وُصُولِهِ أيْضًا، ولا نَظَرَ إلى تَضَرُّرِهِما بِفَواتِ التَّمَتُّعِ مُدَّةَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ نَفْسَهُ فِيهِ.
انْتَهى.
وما ذَكَرُوهُ فِيما لَوْ غابَ مالُهُ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا فِيهِ ولَوْ كانَ عَلَيْهِ كَفّارَتا ظِهارٍ لِامْرَأتَيْنِ وفي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ فَقَطْ فَصامَ عَنْ ظِهارِ إحْداهُما، ثُمَّ أعْتَقَ عَنْ ظِهارِ الأُخْرى فَفي المُحِيطِ في نَظِيرِ المَسْألَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ إجْزاءِ الصَّوْمِ عَنِ الأُولى قالَ: عَلَيْهِ كَفّارَتا يَمِينٍ، وعِنْدَهُ طَعامٌ يَكْفِي لِإحْداهُما فَصامَ عَنْ إحْداهُما ثُمَّ أطْعَمَ عَنِ الأُخْرى لا يَجُوزُ صَوْمُهُ لِأنَّهُ صامَ وهو قادِرٌ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمالِ فَلا يُجْزِئُهُ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ التّامِّ والنّاقِصِ فَمَن صامَ بِالأهِلَّةِ واتَّفَقَ أنَّ كُلَّ شَهْرٍ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ حَتّى صارَ مَجْمُوعُ الشَّهْرَيْنِ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ أجَزَأهُ ذَلِكَ وإنَّ غُمَّ الهِلالُ اعْتُبِرَ - كَما في المُحِيطِ - كُلُّ شَهْرٍ ثَلاثِينَ وإنْ صامَ بِغَيْرِ الأهِلَّةِ فَلا بُدَّ مِن سِتِّينَ يَوْمًا كَما في الفَتْحِ القَدِيرِ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا، وقالُوا: إنْ بَدَأ في أثْناءِ شَهْرٍ حَسَبَ الشَّهْرِ بَعْدَهُ بِالهِلالِ لِتَمامِهِ وأتَمَّ الأوَّلَ مِنَ الثّالِثِ ثَلاثِينَ لِتَعَذُّرِ الهِلالِ فِيهِ بِتَلَفُّقِهِ مِن شَهْرَيْنِ، وعَلى هَذا يَتَّفِقُ كَوْنُ صِيامِهِ سِتِّينَ وكَوْنُهُ تِسْعَةً وخَمْسِينَ، ولا يَتَعَيَّنُ الأوَّلُ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ، وإنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ ولَوِ الأخِيرَ بِعُذْرٍ مِن مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ لَزِمَ الِاسْتِئْنافُ لِزَوالِ التَّتابُعِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ عادَةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنْ أفْطَرَ بِعُذْرٍ كَسَفَرٍ فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والحَسَنُ وعَطاءٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَبْنِي.
.
اهَـ، وإنْ جامَعَ الَّتِي ظاهَرَ مِنها في خِلالِ الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عامِدًا أوْ نَهارًا ناسِيًا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَسْتَأْنِفُ لِأنَّهُ لا يَمْنَعُ التَّتابُعَ إذْ لا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وهو الشَّرْطُ، ولَهُما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لا مَسِيسَ فِيهِما فَإذا جامَعَها في خِلالِها لَمْ يَأْتِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وإنْ جامَعَ زَوْجَةً أُخْرى غَيْرَ المُظاهَرِ مِنها ناسِيًا لا يَسْتَأْنِفُ عِنْدَ الإمامِ أيْضًا كَما لَوْ أكَلَ ناسِيًا لَأنَّ حُرْمَةَ الأكْلِ والجِماعِ إنَّما هو لِلصَّوْمِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ ولا يَنْقَطِعُ بِالنِّسْيانِ فَلا اسْتِئْنافَ بِخِلافِ حُرْمَةِ جِماعِ المُظاهَرَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلصَّوْمِ بَلْ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ الكَفّارَةِ، وتَقَدُّمُها عَلى المَسِيسِ شَرْطُ حِلِّها، فَبِالجِماعِ ناسِيًا في أثْنائِهِ يَبْطُلُ حُكْمُ الصَّوْمِ المُتَقَدِّمِ في حَقِّ الكَفّارَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَلْزَمُ في الشَّهْرَيْنِ أنْ لا يَكُونَ فِيهِما صَوْمُ رَمَضانَ لِأنَّ التَّتابُعَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ وشَهْرُ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنِ الظِّهارِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ فِيهِما الأيّامُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّوْمِ فِيها وهي يَوْما العِيدَيْنِ وأيّامُ التَّشْرِيقِ لِأنَّ الصَّوْمَ فِيها ناقِصٌ بِسَبَبِ النَّهْيِ عَنْهُ فَلا يَنُوبُ عَنِ الواجِبِ الكامِلِ.
وفِي البَحْرِ: المُسافِرُ في رَمَضانَ لَهُ أنْ يَصُومَهُ عَنْ واجِبٍ آخَرَ، وفي المَرِيضِ رِوايَتانِ، وصَوْمُ أيّامِ نَذْرٍ مُعَيَّنَةٍ في أثْناءِ الشَّهْرَيْنِ بِنْيَةِ الكَفّارَةِ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ، ومَن قَدَرَ عَلى الإعْتاقِ في اليَوْمِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وجَبَ عَلَيْهِ الإعْتاقُ لِأنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ الوُجُودِ إلى فَراغِ صَوْمِهِما وكانَ صَوْمُهُ حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا، والأفْضَلُ إتْمامُ ذَلِكَ اليَوْمِ وإنْ أفْطَرَ لا قَضاءَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُسْقَطًا لا مُلْتَزِمًا خِلافًا لِزُفَرَ.
وفِي تُحْفَةِ الشّافِعِيَّةِ لَوْ بانَ بَعْدَ صَوْمِهِما أنَّ لَهُ مالًا ورِثَهُ ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِصَوْمِهِ عَلى الأوْجَهِ اعْتِبارًا بِما في نَفْسِ الأمْرِ أيْ وهو واجِدٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، ولَيْسَ في بالِي حُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أصْحابِنا، ومُقْتَضى ظاهِرِ ما ذَكَرُوهُ فِيمَن تَيَمَّمَ وفي رَحْلِهِ ماءٌ وضَعَهُ غَيْرُهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِن صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ الِاعْتِدادُ بِالصَّوْمِ ها هُنا، وقَدْ صَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ فِيمَن أُدْرِجَ في رَحْلِهِ ماءٌ ولَمْ يُقَصِّرْ في طَلَبِهِ أوْ كانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةُ الآثارِ بِعَدَمِ بُطْلانِ تَيَمُّمِهِ فَلْيُنْظَرِ الفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، ولَعَلَّهُ التَّغْلِيظُ في أمْرِ الكَفّارَةِ دُونَ التَّيَمُّمِ فَلْيُراجَعْ ﴿ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ أيْ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وذَلِكَ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أصْلَ الصِّيامِ أوْ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَتابُعَهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ لا يُرْجى زَوالُهُ كَما قَيَّدَهُ بِذَلِكَ ابْنُ هَمّامٍ.
وغَيْرُهُ- وعَلَيْهِ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ - وقالَ الأقَلُّونَ مِنهم - كالإمامِ ومَن تَبِعَهُ - وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ: يُعْتَبَرُ دَوامُهُ في ظَنِّهِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ بِالعادَةِ الغالِبَةِ في مِثْلِهِ أوْ بِقَوْلِ الأطِبّاءِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ويَظْهَرُ الِاكْتِفاءُ بِقَوْلِ عَدْلٍ مِنهم، وصَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ بِأنَّ مَن تَلْحَقُهُ بِالصِّيامِ أوْ تَتابِعِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً وإنْ لَمْ تُبِحِ التَّيَمُّمَ فِيما يَظْهَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وكَذا مَن خافَ زِيادَةَ مَرِضَ، وفي حَدِيثِ أوْسٍ عَلى ما ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ؟
فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي وخَشِيتُ أنْ تَغْشُوَ عَيْنِي»» الخَبَرَ، وعَدُّوا مِن أسْبابِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ الشَّبَقَ وهو شِدَّةُ الغُلْمَةِ.
واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ فَبَيْنَما هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْها - إلى أنْ قالَ - فَخَرَجْتُ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ ؟
قُلْتُ: أنا بِذاكَ ؟
فَقالَ: أنْتَ بِذاكَ ؟
قُلْتُ: أنا بِذاكَ وها أنا ذا فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ قالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»» الحَدِيثَ.
فَإنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: «وهَلْ أصابَنِي» إلَخْ إلى شِدَّةِ شَبَقِهِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ عُذْرًا في صَوْمِ رَمَضانَ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأنَّهُ لا بَدَلَ لَهُ، وذُكِرَ أنَّ غَلَبَةَ الجُوعِ لَيْسَتْ عُذْرًا ابْتِداءً لِفَقْدِهِ حِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ في الصِّيامِ فَإذا عَجَزَ عَنْهُ أفْطَرَ وانْتَقَلَ عَنْهُ لِلْإطْعامِ بِخِلافِ الشَّبَقِ لِوُجُودِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَيَدْخُلُ صاحِبُهُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ .
﴿ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ، ودَقِيقٍ كُلٌّ كَأصْلِهِ، وكَذا السَّوِيقُ، وذَلِكَ لِأخْبارٍ ذَكَرَها ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ، والصّاعُ أرْبَعَةُ أمْدادٍ.
وقالَ الشّافِعِيَّةُ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ لِأنَّهُ صَحَّ في رِوايَةٍ، وصَحَّ في الأُخْرى صاعٌ، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى بَيانِ الجَوازِ الصّادِقِ بِالنَّدْبِ لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ فَتَعَيَّنَ الجَمْعُ بِما ذُكِرَ مِمّا يَكُونُ فُطْرَةً بِأنْ يَكُونَ مِن غالِبِ قُوتِ مَحَلِّ المُكَفِّرِ في غالِبِ السَّنَةِ كالأقَطِّ - ولَوْ لِلْبَلَدِيِّ - فَلا يُجْزِئُ نَحْوَ دَقِيقٍ مِمّا لا يَجْزِي في الفُطْرَةِ عِنْدَهم، ومَذْهَبُ مالِكٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ مُدٌّ وثُلُثٌ بِالمَدِ النَّبَوِيِّ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ مُدّانِ وقِيلَ: مُدٌّ وثُلُثا مُدٍّ، وقِيلَ: ما يُشْبِعُ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ والإباحَةِ عِنْدَنا فَإنْ غَدّى السِّتِّينَ وعَشّاهم أوْ غَدّاهم مَرَّتَيْنِ أوْ عَشّاهم كَذَلِكَ أوْ غَدّاهم وسَحَّرَهم أوْ سَحَّرَهم مَرَّتَيْنِ وأشْبَعَهم بِخُبْزٍ بُرٍّ أوْ شَعِيرٍ أوْ نَحْوِهِ كَذُرَةٍ بِإدامٍ أجْزَأهُ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ ما شَبِعُوا بِهِ المِقْدارُ المُعْتَبَرُ في التَّمْلِيكِ، ويُعْتَبَرُ اتِّحادُ السِّتِّينَ فَلَوْ غَدّى مَثَلًا سِتِّينَ مِسْكِينًا وعَشّى سِتِّينَ غَيْرَهم لَمْ يُجْزِ إلّا أنْ يُعِيدَ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ غَداءً أوْ عَشاءً، ولَوْ أطْعَمَ مِائَةً وعِشْرِينَ مِسْكِينًا في يَوْمٍ واحِدٍ أكْلَةً واحِدَةً مُشْبِعَةً لَمْ يُجْزِ إلّا عَنْ نِصْفِ الإطْعامِ فَإنْ أعادَهُ عَلى سِتِّينَ مِنهم أجْزَأهُ، واشْتَرَطَ الشّافِعِيَّةُ التَّمْلِيكَ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ، وهَذا لِأنَّ التَّمْلِيكَ أدْفَعُ لِلْحاجَةِ فَلا يَنُوبُ مَنابَهُ الإباحَةُ، ونَحْنُ نَقُولُ: المَنصُوصُ عَلَيْهِ هُنا هو الإطْعامُ وهو حَقِيقَةٌ مِنَ التَّمْكِينِ مِنَ الطَّعْمِ، وفي الإباحَةِ ذَلِكَ كَما في التَّمْلِيكِ، وفي الزَّكاةِ الإيتاءُ، وفي صَدَقَةِ الفِطْرِ الأداءُ، وهُما لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً - كَذا في الهِدايَةِ - قالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهُمامِ: لا يُقالُ: اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ التَّمْلِيكِ فَلَوْ كانَ حَقِيقَةُ الإطْعامِ ما ذُكِرَ كانَ مُشْتَرَكًا مُعَمَّمًا أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ لِأنّا نَقُولُ: جَوازُ التَّمْلِيكِ عِنْدَنا بِدَلالَةِ النَّصِّ، والدَّلالَةُ لا تَمْنَعُ العَمَلَ بِالحَقِيقَةِ كَما في حُرْمَةِ الشَّتْمِ والضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ فَكَذا هَذا فَلَمّا نَصَّ عَلى دَفْعِ حاجَةِ الأكْلِ فالتَّمْلِيكُ الَّذِي هو سَبَبٌ لِدَفْعِ كُلِّ الحاجاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأكْلُ أجْوَزُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ دافِعٌ لِحاجَةِ الأكْلِ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ الوانِيُّ أنَّ الإطْعامَ جَعَلَ الغَيْرَ طاعِمًا أيْ آكِلًا لِأنَّ حَقِيقَةَ طَعِمْتُ الطَّعامَ أكَلْتُهُ، والهَمْزَةُ تَعْدِيَةٌ إلى المَفْعُولِ الثّانِي أيْ جَعَلْتُهُ آكِلًا، وأمّا نَحْوُ أطْعَمْتُكَ هَذا الطَّعامَ فَيَكُونُ هِبَةً وتَمْلِيكًا بِقَرِينَةِ الحالِ، قالُوا: والضّابِطُ أنَّهُ إذا ذُكِرَ المَفْعُولُ الثّانِي فَهو لِلتَّمْلِيكِ وإلّا فَلِلْإباحَةِ، هَذا والمَذْكُورُ في كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ الإطْعامَ إعْطاءُ الطَّعامِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ تَمْلِيكًا أوْ إباحَةً انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.
ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الإباحَةِ والتَّمْلِيكِ لِبَعْضِ المَساكِينِ دُونَ البَعْضِ كَما إذا مَلَّكَ ثَلاثِينَ وأطْعَمَ ثَلاثِينَ غَداءً وعَشاءً وكَذا لِرَجُلٍ واحِدٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ كَأنْ غَدّاهُ مَثَلًا وأعْطاهُ مُدًّا وإنْ أعْطى مِسْكِينًا واحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأهُ وإنْ أعْطاهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ إلّا عَنْ يَوْمِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ، والحاجَةُ تَتَجَدَّدُ في كُلِّ يَوْمٍ، فالدَّفْعُ إلَيْهِ في اليَوْمِ الثّانِي كالدَّفْعِ إلَيْهِ في غَيْرِهِ، وهَذا في الإباحَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وأمّا التَّمْلِيكُ مِن مِسْكِينٍ واحِدٍ بِدُفُعاتٍ فَقَدْ قِيلَ: لا يُجْزِئُهُ، وقِيلَ: يُجْزِئُهُ لِأنَّ الحاجَةَ إلى التَّمْلِيكِ قَدْ تَتَجَدَّدُ في يَوْمٍ واحِدٍ بِخِلافِ ما إذا دَفَعَ بِدُفْعَةٍ لِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ، وخالَفَ الشّافِعِيَّةُ، فَقالُوا: لا بُدَّ مِنَ الدَّفْعِ إلى سِتِّينَ مِسْكِينًا حَقِيقَةً فَلا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِواحِدٍ في سِتِّينَ يَوْمًا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أحْمَدَ - وبِهِ أكْثَرُ العُلَماءِ - لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، وبَتَكَرُّرِ الحاجَةِ في مِسْكِينٍ واحِدٍ لا يَصِيرُ هو سِتِّينَ فَكانَ التَّعْلِيلُ بِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ إلَخْ مُبْطِلًا لِمُقْتَضى النَّصِّ فَلا يَجُوزُ، وأصْحابُنا أشَدُّ مُوافَقَةً لِهَذا الأصْلِ، ولِذا قالُوا: لا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِمِسْكِينٍ واحِدٍ وظِيفَةَ سِتِّينَ بِدُفْعَةٍ واحِدَةٍ مُعَلِّلِينَ لَهُ بِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ مَعَ أنَّ تَفْرِيقَ الدَّفْعِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ، وإنَّما هو مَدْلُولٌ التِزامِيٌّ لِعَدَدِ المَساكِينِ فالنَّصُّ عَلى العَدَدِ أوْلى لِأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ، وغايَةُ ما يُعْطِيهِ كَلامُهم أنَّهُ بِتَكَرُّرِ الحاجَةِ يَتَكَرَّرُ المِسْكِينُ حُكْمًا فَكانَ تَعَدُّدًا حُكْمًا، وتَمامُهُ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ سِتِّينَ مِسْكِينًا في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الأعَمُّ مِنَ السِّتِّينَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا.
ولا يَخْفى أنَّهُ مَجازٌ فَلا مَصِيرَ إلَيْهِ بِمُوجِبِهِ، فَإنْ قُلْتَ: المَعْنى الَّذِي بِاعْتِبارِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ مَجازًا ويَنْدَرِجُ فِيهِ التَّعَدُّدُ الحُكْمِيُّ ما هو ؟
قُلْتُ: هو الحاجَةُ فَيَكُونُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مَجازًا عَنْ سِتِّينَ حاجَةً، وهو أعَمُّ مِن كَوْنِها حاجاتِ سِتِّينَ أوْ حاجاتِ واحِدٍ إذا تَحَقَّقَ تَكَرُّرُها إلّا أنَّ الظّاهِرَ إنَّما هو عَدَدُ مَعْدُودِهِ ذَواتُ المَساكِينِ مَعَ عَقْلِيَّةِ أنَّ العَدَدَ مِمّا يُقْصَدُ لِما في تَعْمِيمِ الجَمِيعِ مِن بَرَكَةِ الجَماعَةِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ واجْتِماعِ القُلُوبِ عَلى المَحَبَّةِ والدُّعاءِ - قالَهُ في فَتْحِ القَدِيرِ - وهو كَلامٌ مَتِينٌ يَظْهَرُ مِنهُ تَرْجِيحُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ الأصْحابُ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اتِّحادُ نَوْعِ المَدْفُوعِ لِكُلٍّ مِنَ المَساكِينِ فَلَوْ دَفَعَ لِواحِدٍ بَعْضًا مِنَ الحِنْطَةِ وبَعْضًا مِنَ الشَّعِيرِ مَثَلًا جازَ إذا كانَ المَجْمُوعُ قَدْرَ الواجِبِ كَأنْ دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن بُرٍّ ونِصْفَ صاعٍ مِن شَعِيرٍ، وجازَ نَحْوُ هَذا التَّكْمِيلِ لِاتِّحادِ المَقْصُودِ - وهو الإطْعامُ - ولا يَجُوزُ دَفْعُ قَيِّمَةِ القَدْرِ الواجِبِ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ ودَقِيقُ كُلٍّ وسَوِيقُهُ والزَّبِيبُ والتَّمْرُ إذا كانَتْ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ آخَرَ إلّا أنْ يَبْلُغَ المَدْفُوعُ الكَمِّيَّةَ المُقَدَّرَةَ شَرْعًا فَلَوْ دَفَعَ نِصْفَ صاعٍ تَمْرٍ يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصْفَ صاعٍ بُرٍّ لا يَجُوزُ، فالواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُتِمَّ لِلَّذِينَ أعْطاهُمُ القَدْرَ المُقَدَّرَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِمْ فَإنْ لَمْ يَجِدْهم بِأعْيانِهِمُ اسْتَأْنَفَ في غَيْرِهِمْ، ومِن غَيْرِ المَنصُوصِ كالأُرْزِ والعَدَسِ يَجُوزُ كَما إذا دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن أُرْزٍ يُساوِي قِيمَةَ نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ مَثَلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ لِمَعْنى النَّصِّ في المَنصُوصِ عَلَيْهِ وإنَّما الِاعْتِبارُ في غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ، ونُقِلَ في ذَلِكَ خِلافُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا يَجُوزُ دَفْعُ القِيمَةِ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، ولا يَجُوزُ في الكَفّارَةِ إعْطاءُ المِسْكِينِ أقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ مِنَ البُرِّ مَثَلًا فَقَطْ، فَفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ أعْطى سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنَ الحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ، وعَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ مُدًّا آخَرَ عَلى كُلٍّ فَإنْ لَمْ يَجِدِ الأوَّلِينَ فَأعْطى سِتِّينَ آخَرِينَ كُلًّا مُدًّا لَمْ يَجُزْ، ولَوْ أعْطى كُلًّا مِنَ المَساكِينِ مُدًّا ثُمَّ اسْتَغْنَوْا ثُمَّ افْتَقَرُوا فَأعادَ عَلى كُلٍّ مُدًّا لَمْ يَجُزْ، وكَذا لَوْ أعْطى المُكاتَبِينَ مُدًّا مُدًّا ثُمَّ رُدُّوا إلى الرِّقِّ ومَوالِيهِمْ أغْنِياءُ ثُمَّ كُوتِبُوا ثانِيًا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ لِأنَّهم صارُوا بِحالٍ لا يَجُوزُ دَفْعُ الكَفّارَةِ إلَيْهِمْ فَصارُوا كَجِنْسٍ آخَرَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ - بِسِتِّينَ مِسْكِينًا - سِتُّونَ مِسْكِينًا لَمْ يَعْرِضْ لَهم في أثْناءِ الإطْعامِ ما يُنافِي ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ إطْعامٍ هو المُظاهِرُ الغَيْرُ المُسْتَطِيعِ لِلصِّيامِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُباشِرَ ذَلِكَ أوْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ، فَإنْ أمَرَ غَيْرَهُ فَأطْعَمَ أجْزَأهُ لِأنَّهُ اسْتِقْراضٌ مَعْنًى، فالفَقِيرُ قابِضٌ لَهُ أوَّلًا ثُمَّ يَتَحَقَّقُ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ، وقَدْ قالُوا: المِسْكِينُ والفَقِيرُ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ المُطْعَمُ أصْلَهُ أوْ فَرْعَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَمْلُوكَهُ أوْ هاشِمِيًّا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ فَيَجِلُّ عَنْ هَذِهِ الغُسالَةِ، ولا حَرْبِيًّا ولَوْ مُسْتَأْمَنًا لِمَزِيدِ خِسَّتِهِ فَلَيْسَ أهْلًا لِأدْنى مَنفَعَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا ولَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبانَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ أجْزَأهُ عِنْدَهُما خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ كَما في البَدائِعِ.
واسْتَنْبَطَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الوُجُودِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الصَّوْمِ، وبِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الإطْعامِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مالٌ غائِبٌ يَنْتَظِرُهُ ولا يَصُومُ ولَوْ كانَ مَرِيضًا يُرْجى بُرْؤُهُ يُطْعِمُ ولا يَنْتَظِرُ الصِّحَّةَ لِيَصُومَ، وهو مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في الصَّوْمِ لا في الإطْعامِ كَما سَمِعْتَ، ثُمَّ هَذا الحُكْمُ في الأحْرارِ أمّا العَبْدُ فَلا يَجُوزُ لَهُ إلّا الصَّوْمُ لِأنَّهُ لا يُمَلِّكُ وإنْ مَلَكَ والإعْتاقُ والإطْعامُ شَرْطُهُما المِلْكُ فَإنْ أعْتَقَ عَنْهُ المَوْلى أوْ أطْعَمَ لَمْ يَجُزْ ولَوْ بِأمْرِهِ، ويَجِبُ تَقْدِيمُ الإطْعامِ عَلى المَسِيسِ فَإنْ قَرُبَ المُظاهِرُ المُظاهَرَةَ في خِلالِهِ أثِمَ ولَمْ يَسْتَأْنِفْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما شَرَطَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ كَما شَرَطَ فِيما قَبْلُ، ونَحْنُ لا نَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ وإنْ كانا في حادِثَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ يَكُونا حُكْمَيْنِ، والوُجُوبُ قِيلَ: لَمْ يَثْبُتْ إلّا لِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الكَفّارَةِ بَعْدَ التِماسِ بَيانِهِ أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ أوِ الصِّيامِ في خِلالِ الإطْعامِ أوْ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَلَوْ جُوِّزَ لِلْعاجِزِ عَنْهُما القُرْبانُ قَبْلَ الإطْعامِ، ثُمَّ اتَّفَقَ قُدْرَتُهُ فَلَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ لَزِمَ أنْ يَقَعَ العِتْقُ بَعْدَ التَّماسِّ، والمُفْضِي إلى المُمْتَنِعِ مُمْتَنِعٌ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا فَإنَّ القُدْرَةَ حالَ قِيامِ العَجْزِ بِالفَقْرِ والكِبَرِ والمَرَضِ الَّذِي لا يُرْجى زَوالُهُ أمْرٌ مَوْهُومٌ، وبِاعْتِبارِ الأُمُورِ المَوْهُومَةِ لا تَثْبُتُ الأحْكامُ ابْتِداءً بَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِحْبابُ ورَعًا فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى حُرْمَةِ المَسِيسِ قَبْلَ الإطْعامِ لِمَن يَتَعَيَّنُ كَفّارَةٌ لَهُ بِما ورَدَ مِن حَدِيثِ ««اعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ»» ونَحْوِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ مَثَلًا خِلالَ الإطْعامِ لَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ خالَفَ فِيهِ الشّافِعِيَّةُ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى صَوْمٍ أوْ عِتْقٍ بَعْدَ الإطْعامِ ولَوْ لِمُدٍّ كَما لَوْ شَرَعَ في صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدَرَ عَلى العِتْقِ، وأجازَ بَعْضٌ المَسِيسَ في خِلالِ الإطْعامِ مِن غَيْرِ إثْمٍ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو تَوَهُّمٌ نَشَأ مِن عَدَمِ إيجابِهِ الِاسْتِئْنافَ، وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الكَفّاراتِ الثَّلاثِ في وُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى المِساسِ وإنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ عِنْدَ الإطْعامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا وجَدَ في خِلالِ الإطْعامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ كَما يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ.
وجَعَلَ بَعْضُهم ذِكْرَ القَيْدِ فِيما قَبْلُ وتَرْكَهُ في الإطْعامِ دَلِيلًا لِأبِي حَنِيفَةَ في قَوْلِهِ: بِعَدَمِ الِاسْتِئْنافِ أيْ مَعَ الإثْمِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لِأبِي حَنِيفَةَ: إذا جَعَلْتَ الفائِدَةَ في ذِكْرِ عَدَمِ التَّماسِّ فِي بَعْضِها وإسْقاطِهِ مِن بَعْضِها الفَرْقَ بَيْنَ أنْواعِها فَلِمَ جَعَلْتَهُ مُؤَثِّرًا في أحَدِ الحُكْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟
وهَلِ التَّخْصِيصُ إلّا نَوْعٌ مِنَ التَّحَكُّمِ ؟
ثُمَّ قالَ: ولَهُ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقْنا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ في هَذا الحُكْمِ أعْنِي حُرْمَةَ المِساسِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقَدْ نَطَقَتِ الآيَةُ بِالتَّفْرِقَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ صَرْفُها إلى ما وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى التَّسْوِيَةِ فِيهِ فَتَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلى الآخَرِ، هَذا مُنْتَهى النَّظَرِ مَعَ أبِي حَنِيفَةَ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ عَلى أُصُولِ الإمامِ.
وإذا عَجَزَ المُظاهِرُ عَنِ الجَمِيعِ قالَ الشّافِعِيَّةُ: اسْتَقَرَّتْ في ذِمَّتِهِ فَإذا قَدَرَ عَلى خَصْلَةٍ فَعَلَها ولا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى بَعْضِ عِتْقٍ أوْ صَوْمٍ بِخِلافِ بَعْضِ الطَّعامِ ولَوْ بَعَّضَ ما يَجِبُ لِواحِدٍ مِنَ المَساكِينِ فَيُخْرِجُهُ، ثُمَّ الباقِي إذا أيْسَرَ، والظّاهِرُ بَقاءُ حُرْمَةِ المَسِيسِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الكَفّارَةَ تَمامًا ولَمْ يُبالَ بِإضْرارِ المَرْأةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الإيسارَ مُتَرَقَّبٌ كَزَوالِ المَرَضِ المانِعِ مِنَ الجِماعِ، ولَمْ أُراجِعْ حُكْمَ المَسْألَةِ في الظِّهارِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وأمّا في الجِماعِ في نَهارِ رَمَضانَ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ الهُمامِ بَعْدَ نَقْلِ حَدِيثِ الأعْرابِيِّ الواقِعِ عَلى امْرَأتِهِ فِيهِ العاجِزِ عَنِ الخِصالِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ: ««فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، فَقالَ: أعَلى أفْقَرِ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟
فَواللَّهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرَ مِنِّي ولا أهْلَ بَيْتٍ أفْقَرَ مِن أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: خُذْهُ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ»» في لَفْظٍ لِأبِي داوُدَ - زادَ الزُّهْرِيُّ - وإنَّما كانَ هَذا رُخْصَةً لَهُ خاصَّةً، ولَوْ أنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِهِ، وذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ لِلشّافِعِيِّ في هَذا العاجِزِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما لا شَيْءَ عَلَيْهِ - واحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الأعْرابِيِّ المَذْكُورِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّ الكَفّارَةَ ثابِتَةٌ في ذِمَّتِهِ بَلْ أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ - والثّانِي - وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا وهو المُخْتارُ - أنَّ الكَفّارَةَ لا تَسْقُطُ بَلْ تَسْتَقِرُّ في ذِمَّتِهِ حَتّى يَتَمَكَّنَ قِياسًا عَلى سائِرِ الدُّيُونِ والحُقُوقِ والمُؤاخَذاتِ كَجَزاءِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِقْرارِ الكَفّارَةِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرارِها لِأنَّهُ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعَجْزِ عَنِ الخِصالِ ثُمَّ أُتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعِرْقِ التَّمْرِ فَأمَرَهُ بِإخْراجِهِ في الكَفّارَةِ فَلَوْ كانَتْ تَسْقُطُ بِالعَجْزِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإخْراجِ فَدَلَّ عَلى ثُبُوتِها في ذِمَّتِهِ، وإنَّما أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ في الحالِ والكَفّارَةُ واجِبَةٌ عَلى التَّراخِي، وإنَّما لَمْ يُبَيِّنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقاءَها في ذِمَّتِهِ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ عِنْدَ جَماهِيرِ الأُصُولِيِّينَ فَهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى الحَدِيثِ، وحُكْمُ المَسْألَةِ وفِيها أقْوالٌ وتَأْوِيلاتٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ.
انْتَهى.
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَأْخِيرُ بَيانٍ وإنَّما اكْتَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَهْمِ الأعْرابِيِّ عَنِ التَّصْرِيحِ لَهُ بِالِاسْتِقْرارِ، والأخْبارُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُظاهِرِ مُضْطَرِبَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الدُّرَ المَنثُورَ لِلسُّيُوطِيِّ.
ومَسائِلُ الظِّهارِ كَثِيرَةٌ والمَذاهِبُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، ومَن أرادَ كَمالَ الِاطِّلاعِ فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِ الفُرُوعِ، ولَوْلا التَّأسِّي بِبَعْضِ الأجِلَّةِ لَما ذَكَرْنا شَيْئًا مِنها، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو أكْثَرُهُ عَنْ تَعَلُّقٍ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ والتَّعْلِيمِ، ومَحَلُّهُ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وتَعْمَلُوا بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وتَرْفُضُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم ﴿ وتِلْكَ ﴾ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها فالزَمُوها وقِفُوا عِنْدَها ﴿ ولِلْكافِرِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ وأطْلَقَ الكافِرَ عَلى مُتَعَدِّي الحُدُودِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ يُعادُونَهُما ويُشاقُّونَهُما لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ وجِهَةٍ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ وجِهَتِهِ كَما أنَّ كُلًّا مِنهُما في عُدْوَةٍ وشِقٍّ غَيْرِ عُدْوَةِ الآخَرِ وشِقِّهِ، وقِيلَ: إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُتَعادِيَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ الحَدِيدِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بَيْنَهُما في المُحارَبَةِ بِالحَدِيدِ كالسُّيُوفِ والنِّصالِ وغَيْرِها والأوَّلُ أظْهَرُ وفي ذِكْرِ المُحادَّةِ في أثْناءِ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المُعاداةِ والمُشاقَّةِ حُسْنُ مُوقِعٍ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ: أوْ يَضَعُونَ أوْ يَخْتارُونَ حُدُودًا غَيْرَ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
قالَ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ سَعِدُ اللَّهِ جَبَلِيٌّ: وعَلى هَذا فَفِيهِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلْمُلُوكِ وأُمَراءِ السُّوءِ الَّذِينَ وضَعُوا أُمُورًا خِلافَ ما حَدَّهُ الشَّرْعُ وسَمَّوْها اليَسا والقانُونَ، واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى ما يَصِفُونَ.
.
اهَـ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ: وقَدْ صَنَّفَ العارِفُ بِاللَّهِ الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ رِسالَةً في كُفْرِ مَن يَقُولُ: يُعْمَلُ بِالقانُونِ والشَّرْعِ إذا قابَلَ بَيْنَهُما، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ وقَدْ وصَلَ الدِّينُ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ لا يَقْبَلُ التَّكْمِيلَ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، ولَكِنْ أيْنَ مَن يَعْقِلُ ؟
!
.
انْتَهى.
ولَيْتَنِي رَأيْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ ووَقَفْتُ عَلى ما فِيها فَإنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِالكُفْرِ مُشْكِلٌ عِنْدِي فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لا بَأْسَ بِالقَوانِينِ السِّياسِيَّةِ وإذا وقَعَتْ بِاتِّفاقِ ذَوِي الآراءِ مِن أهْلِ الحِلِّ والعَقْدِ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ بِهِ الِانْتِظامُ ويَصْلُحُ أمْرُ الخاصِّ والعامِّ، ومِنها تَعْيِينُ مَراتِبِ التَّأْدِيبِ والزَّجْرِ عَلى مَعاصٍ وجِناياتٍ لَمْ يَنُصَّ الشّارِعُ فِيها عَلى حَدٍّ مُعَيَّنٍ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ في ذَلِكَ لِرَأْيِ الإمامِ فَلَيْسَ ذَلِكَ في المُحادَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ في شَيْءٍ بَلْ فِيهِ اسْتِيفاءُ حَقِّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي وهو أمْرٌ مُهِمٌّ لِلشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما في تُحْفَةِ المُحْتاجِ أنَّ لِلْإمامِ أنْ يَسْتَوْفِيَ التَّعْزِيرَ إذا عَفى صاحِبُ الحَقِّ لِأنَّ السّاقِطَ بِالعَفْوِ هو حَقُّ الآدَمِيِّ، والَّذِي يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى لِلْمَصْلَحَةِ، وفي كِتابِ الخَراجِ لِلْإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ لِأنَّ المُرادَ إكْمالُهُ مِن حَيْثُ تَضَمُّنُهُ ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، ويُرْشِدُ إلى هَذا عَدَمُ النَّكِيرِ عَلى أحَدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ إذا قالَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، ومِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ بِالقِياسِ بِأقْسامِهِ، نَعَمِ القانُونُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ ذَلِكَ بِأنْ كانَ مُصادِمًا لِما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ زائِغًا عَنْ سَنَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فِيهِ ما فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ النَّبِيهِ، وقَدْ يُقالُ في الآيَةِ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الواضِعُونَ لِحُدُودِ الكُفْرِ وقَوانِينِهِ كَأئِمَّةِ الكُفْرِ أوِ المُخْتارُونَ لَها العامِلُونَ بِها كَأتْباعِهِمْ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ - عَلى ما في البَحْرِ - نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ كُبِتُوا ﴾ أيْ أُخْزُوا كَما قالَ قَتادَةُ، أوْ غِيظُوا كَما قالَ الفَرّاءُ أوْ رُدُّوا مَخْذُولِينَ - كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - أوْ أُهْلِكُوا كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ تاءَهُ بَدَلٌ مِنَ الدّالِ، والأصْلُ - كُبِدُوا - أيْ أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ وقالَ السُّدِّيُّ: لُعِنُوا، وقِيلَ: الكَبْتُ الكَبُّ وهو الإلْقاءُ عَلى الوَجْهِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا بِالرَّدِّ بِعُنْفٍ وتَذْلِيلٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى ما كانَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: إلى ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ كُبِتُوا ﴾ سَيُكْبَتُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ وهو بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى الكُفّارِ وتَحَقُّقُ كَبْتِهِمْ.
﴿ كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُحادِّينَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ حالٌ مِن واوِ ﴿ كُبِتُوا ﴾ أيْ كُبِتُوا لِمُحادَّتِهِمْ، والحالُ أنّا قَدْ أنْزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ فِيمَن حادّاللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وفِيما فَعَلْنا بِهِمْ، وقِيلَ: آياتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ ﴿ ولِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ بِتِلْكَ الآياتِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ فَتَدْخُلُ فِيهِ تِلْكَ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ - بِمُهِينٍ - أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيِاذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ تَعْظِيمًا لَهُ وتَهْوِيلًا، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِيكُونَ مُضْمَرًا عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن سَألَ مَتى يَكُونُ عَذابُ هَؤُلاءِ ؟
فَقِيلَ لَهُ: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمَ إلَخْ، وقِيلَ: بِالكافِرِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ غَيْرُ مَبْعُوثٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا غَيْرَ مُؤَكِّدَةٍ أيْ يَبْعَثُهم مُجْتَمَعِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ ﴿ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا ﴾ مِنَ القَبائِحِ بِبَيانِ صُدُورِها عَنْهم أوْ بِتَصْوِيرِها في تِلْكَ النَّشْأةِ بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّوَرِ الهائِلَةِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَخْجِيلًا لَهم وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ وزِيادَةً في خِزْيِهِمْ ونَكالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْصاهُ اللَّهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ السُّؤالِ إمّا عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّنْبِئَةِ أوْ عَنْ سَبَبِها كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَبِّئُهم بِأعْمالِهِمْ وهي أعْراضٌ مُتَقَضِّيَةٌ مُتَلاشِيَةٌ ؟
فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى عَدَدًا ولَمْ يَفُتْهُ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَسُوهُ ﴾ حِينَئِذٍ حالٌ مِن مَفْعُولِ - أحْصى - بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، أوْ قِيلَ: لِمَ يُنَبِّئُهم بِذَلِكَ ؟
فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى ونَسُوهُ فَيُنَبِّئُهم بِهِ لِيَعْرِفُوا أنَّ ما عايَنُوهُ مِنَ العَذابِ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِأجْلِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ لَهم غَيْرالتَّخْجِيلِ والتَّشْهِيرِ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ أصْلًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِإحْصائِهِ تَعالى أعْمالَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى شُمُولِ شَهادَتِهِ تَعالى أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن سِعَةِ عِلْمِهِ تَعالى، ويَكُونُ مِن كانَ التّامَّةِ، ومِن مَزِيدَةٌ، ونَجْوى فاعِلٌ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّناجِي وهو المُسارَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ المُتَسارَّيْنِ يَخْلُوانِ وحْدَهُما بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ لِأنَّ السِّرَّ يُصانُ فَكَأنَّهُ رُفِعَ مِن حَضِيضِ الظُّهُورِ إلى أوْجِ الخَفاءِ، وقِيلَ: أصْلُ ناجَيْتُهُ مِنَ النَّجاةِ وهو أنْ تَعاوُنَهُ عَلى ما فِيهِ خَلاصُهُ أوْ أنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِن أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وهي مُضافَةٌ إلى ثَلاثَةٍ أيْ ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ وقَدْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ مِن ذَوِي نَجْوى، أوْ يُؤَوَّلُ نَجْوى بِمُتَناجِينَ - فَثَلاثَةٌ - صِفَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، أوْ لِنَجْوى المُؤَوَّلِبِما ذُكِرَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا أيْضًا والتَّأْوِيلُ والتَّقْدِيرُ المَذْكُورانِ لِيَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ الآتِي مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وفي القامُوسِ النَّجْوى السِّرُّ والمُسارُّونَ اسْمُ مَصْدَرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَهُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ فَإذا أُرِيدَ المُسارُّونَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ: إنِ النَّجْوى أصْلُهُ المَصْدَرُ كَما في الآياتِ بَعْدُ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: هو نَجْوى، وهم نَجْوى، قالَ تَعالى: ﴿ وإذْ هم نَجْوى ﴾ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ زَيْدٌ عَدْلٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ - ما تَكُونُ -بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، والقِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ومِن فاصِلَةٌ أوْ عَلى أنَّ المَعْنى ما يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ النَّجْوى، واخْتارَ في الكَشْفِ الثّانِيَ، فَقالَ: هو الوَجْهُ لِأنَّ المُؤَنَّثَ وحْدَهُ لَمْ يُجْعَلْ فاعِلًا لَفْظًا لِوُجُودِ مِن ولا مَعْنى لِأنَّ المَعْنى شَيْءٌ مِنها، فالتَّذْكِيرُ هو الوَجْهُ لَفْظًا ومَعْنى، وهو قِراءَةُ العامَّةِ.
انْتَهى، وإلى نَحْوِهِ يُشِيرُ كَلامُ صاحِب ِاللَّوامِحِ، وصَرَّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في هَذا البابِ التَّذْكِيرُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِالمَنعِ وأنَّ الأكْثَرَ التَّأْنِيثُ وأنَّهُ القِياسُ قالَ تَعالى: ﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ ” ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ “ [الحِجْرَ: 5، المُؤْمِنُونَ: 43] فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والرّابِعُ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُماثِلِهِ هُنا بِمَعْنى الجاعِلِالمَصِيرَ لَهم أرْبَعَةً أيْ ما يَكُونُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَصْيِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهم أرْبَعَةً حَيْثُ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ أيْضًا عَلى نَجْواهم، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا خَمْسَةٍ ﴾ أيْ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ ﴿ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى ﴾ أيْ ولا نَجْوى أدْنى ﴿ مِن ذَلِكَ ﴾ أيْ مِمّا ذُكِرَ كالِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ ﴿ ولا أكْثَرَ ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.
﴿ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهم ﴿ أيْنَ ما كانُوا ﴾ مِنَ الأماكِنِ، ولَوْ كانُوا في بَطْنِ الأرْضِ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ قُرْبًا وبُعْدًا، وفي الدّاعِي إلى تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ، وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا لِلتَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ ثَلاثَةً وخَمْسَةً، فَقِيلَ: ما يَتَناجى مِنهم ثَلاثَةٌ ولا خَمْسَةٌ كَما تَرَوْنَهم يَتَناجَوْنَ كَذَلِكَ ولا أدْنى مِن عَدَدِهِمْ ولا أكْثَرَ إلّا واللَّهُ تَعالى مَعَهم يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ.
فالآيَةُ تَعْرِيضٌ بِالواقِعِ عَلى هَذا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ أحَدُهم: أتَرى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما نَقُولُ ؟
فَقالَ الآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا ولا يَعْلَمُ بَعْضًا، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهو يَعْلَمُهُ كُلَّهُ أيْ لِأنَّ مَن عَلِمَ بَعْضَ الأشْياءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَقَدْ عَلِمَها كُلَّها لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِغَيْرِ سَبَبٍ ثابِتٍ لَهُ مَعَ كُلِّ مَعْلُومٍ، والثّانِي أنَّهُ قَصَدَ أنْ يَذْكُرَ ما جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ مِن أعْدادِ أهْلِ النَّجْوى والجالِسِينَ في خَلْوَةٍ لِلشُّورى والمُنْتَدَبُونَ لِذَلِكَ إنَّما هم طائِفَةٌ مُجْتَباةٌ مِن أُولِي الأحْلامِ والنُّهى، وأوَّلُ عَدَدِهِمُ الِاثْنانِ فَصاعِدًا إلى خَمْسَةٍ إلى سِتَّةٍ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحالُ، وحَكَمَ بِهِ الِاسْتِصْوابُ، فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ﴾ فَدَلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ ولا أكْثَرَ ﴾ فَدَلَّ عَلى ما يَلِي هَذا العَدَدَ ويُقارِبُهُ كَذا في الكَشّافِ.
وفِي الكَشْفِ في خُلاصَةِ الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ خُصَّ العَدَدانِ عَلى المُعْتادِ مِن عَدَدِ أهْلِ النَّجْوى فَإنَّهم قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا فَلَزِمَ أنْ يُخَصَّ بِالذِّكْرِ نَحْوُ الثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ إلى الثَّمانِيَةِ والتِّسْعَةِ فَأُوثِرالثَّلاثَةُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ﴾ دالًّا عَلى ما تَحْتَها إذْ لَوْ أُوثِرَ الأرْبَعَةُ والسِّتَّةُ مَثَلًا كانَ الأدْنى الثَّلاثَةُ دُونَ الِاثْنَيْنِ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ ولَمّا أُوثِرَتْ جِيءَ بِالخَمْسَةِ لِتُناسِبَ الوَتْرَيْنِ وكانَ الأمْرُ دائِرًا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والأرْبَعَةِ والسِّتَّةِ فَأُوثِرا بِالتَّصْرِيحِ لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ.
انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّناجِيَ يَكُونُ في الغالِبِ لِلشُّورى وهي لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ عَدَدٍ وأهْلُها قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا، والألْيَقُأنْ يَكُونَ وتْرًا مِنَ الأعْدادِ كالثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ الِاخْتِلافِ طَرَفٌ يَتَرَجَّحُ بِالزِّيادَةِ عَلى الطَّرَفِ الآخَرِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِ دُونَهُ كَما هو العادَةُ اليَوْمَ عِنْدَ اخْتِلافِ أهْلِ الشُّورى.
وجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشُّورى في سِتَّةٍ لِانْحِصارِ الأمْرِ فِيهِمْ كَما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ لَهم: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُكم رُؤَساءَ النّاسِ وقادَتَهم، ولا يَكُونُ هَذا الأمْرُ إلّا فِيكم، وقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَنْكم راضٍ، ومَعَ هَذا أمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَحْضُرَ مَعَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن أمْرِ الخِلافَةِ شَيْءٌ، فَدارَ الأمْرُ بَعْدَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن وتَرِيَّةِ العَدَدِ وقِلَّتِهِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ فاخْتِيرَتِ الثَّلاثَةُ لِأنَّها أوَّلُ الأوْتارِ العَدَدِيَّةِ وإذا ضُرِبَتْ في نَفْسِها حَصَلَ مُنْتَهاها مِنَ الآحادِ ولا يَخْلُو مِنها اعْتِبارُ كُلِّ مُمْكِنٍ حَتّى أنَّ المَطالِبَ الفِكْرِيَّةَ لِلْمُتَناجِينَ مَثَلًا لا تَتِمُّ بِدُونِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ والحَدُّ الأوْسَطُبَلِ القَضِيَّةُ الَّتِي يُتَناجى لَها لا بُدَّ فِيها مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، والخَمْسَةُ لِأنَّها عَدَدٌ دائِرٌ لا تَنْعَدِمُ بِالضَّرْبِ في نَفْسِها، وكَذا بِضَرْبِالحاصِلِ في نَفْسِهِ إلى ما لا يَتَناهى فَلَها شَبَهٌ بِالثَّلاثَةِ مِن حَيْثُ إنَّها دائِرَةٌ مَعَ مَراتِبِ الضَّرْبِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا كَما أنَّ الثَّلاثَةَ دائِرَةٌ مَعَ اعْتِباراتِ المُمْكِنِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا، ومَعَ ذَلِكَ هي عَدَدُ المَشاعِرِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها التَّناجِي، وكَذا عَدَدُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ويَدْخُلُ ما عَداهُما في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ الواحِدُ لِأنَّ التَّناجِيَ لِلْمُشاوَرَةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ، ومَن أدْخَلَهُ لَمْ يَعْتَبِرِ التَّناجِيَ لَها ولا يَضُرُّ دُخُولُ الأشْفاعِ فِيهِ لِأنَّ ألْيَقِيَّةَ كَوْنِ المُتَناجِينَ وتْرًا إنَّما كانَتْ نُكْتَةً لِلتَّصْرِيحِ بِالعَدَدَيْنِ السّابِقَيْنِ ولا تَأْبى تَحَقُّقَ النَّجْوى في الأشْفاعِ كَما لا يَخْفى.
وادَّعى ابْنُ سُراقَةَ أنَّ النَّجْوى مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ بَيْنَ أكْثَرَمِنَ اثْنَيْنِ وأنَّ ما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُسَمّى سِرارًا، وقالَ ابْنُ عِيسى: كُلُّ سِرارٍ نَجْوى، وفي الآيَةِ لَطائِفُ وأسْرارٌ لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ فَلْيُتَأمَّلْ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ثَلاثَةً» و«خَمْسَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ بِإضْمارِ يَتَناجَوْنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَجْوى، أوْ عَلى تَأْوِيلِ نَجْوى بِمُتَناجِينَ ونَصْبُهُما مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ - إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٌ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٌ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا انْتَجَوْا - وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ «ولا أكْثَرُ» بِالرَّفْعِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ -لا أدْنى - كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةُ إلّا بِاللَّهِ بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ، ويَجُوزُ أنَّ يُعْتَبَرَ «أدْنى» مَرْفُوعًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ إلّا هي الخَبَرُ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ مِن نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم، وأكْثَرَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالفَتْحِ مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم، وأنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِأنَّ لا لِنَفْي ِالجِنْسِ، وقَرَأ كُلٌّ مِنَ الحَسَنِ ويَعْقُوبَ أيْضًا ومُجاهِدٍ والخَلِيلِ ابْنِ أحْمَدَ - ولا أكْبَرُ -بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والرَّفْعِ وهو عَلى ما سَمِعْتَ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وإظْهارًا لِما يُوجِبُ عَذابَهم.
وقُرِئَ «يُنْبِئُهم» بِالتَّخْفِيفِ والهَمْزِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتَّخْفِيفِ وتَرْكِ الهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ، <div class="verse-tafsir"
وقَدْ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ إلَخْ، وخَتَمَ جَلَّ وعَلا بِالعِلْمِ أيْضًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ، ومِن هُنا قالَ مُعْظَمُ السَّلَفِ فِيما ذُكِرَ في البَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”رابِعُهم وسادِسُهم ومَعَهم“ أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُهُ تَعالى كَذَلِكَ بِحَسَبِالعِلْمِ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤَوَّلُونَ، وكَأنَّهم لَمْ يَعُدُّواذَلِكَ تَأْوِيلًا لِغايَةِ ظُهُورِهِ واحْتِفافِهِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً لا خَفاءَ فِيها، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ما شاعَ مِن أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ دُونَ المُؤْمِنِينَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ عَلَيْهِمْ يُوهِمُونَهم عَنْ أقارِبِهِمْ أنَّهم أصابَهم شَرٌّ فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تَقَدَّمَ أقارِبُهم فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم شَكا المُؤْمِنُونَإلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَهاهم أنْ يَتَناجَوْا دُونَ المُؤْمِنِينَ فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ ويَتَناجَوْنَ بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ ووَبالٌ عَلَيْهِمْ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ - وإلَيْهِ - لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ودُوَيْسٌ - ويَنْتَجُونَ - بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وضَمِّ الجِيمِ مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ -العِدْوانِ - بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقُرِئَ - مَعْصِيّاتِ - بِالجَمْعِ ونُسِبَتْ فِيما بَعْدُ إلى الضَّحّاكِ ﴿ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكم، قالَتْ عائِشَةُ: وقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السّامُ ولَعَنَكُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْكم»» وفي رِوايَةٍ ««عَلَيْكُمُ السّامُ والذّامُ واللَّعْنَةُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ ولا المُتَفَحِّشَ، فَقُلْتُ: ألا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: السّامُ ؟
!
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوَما سَمِعْتِ أقُولُ: وعَلَيْكم ؟
!» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ » الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامٌ عَلَيْكَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَتْمَهُ ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ إلَخْ»، والسّامُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَشْهُورُ فِيهِ تَرْكُ الهَمْزِ ويَعْنُونَ بِهِ المَوْتَ، وجاءَ في رِوايَةٍ مَهْمُوزًا ومَعْناهُ أنَّكم تَسْأمُونَ دِينَكم، وصَرَّحَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى المَوْتِ عِبْرانِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الهَمْزَ وتَرْكَهُ.
وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مَن قالَ: السّامُ المَوْتُ فَهو مِن سَأمَ الحَياةَ بِذَهابِها وهَذا إرْجاعٌ لَهُ إلى المَهْمُوزِ، وجَعَلَ البَيْضاوِيُّ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُحَيِّهِ بِها اللَّهُ تَعالى تَحِيَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْعِمْ صَباحًا وهي تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَعِمْ صَباحًا ولَمْ نَقِفْ عَلى أثَرٍ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ ﴿ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ ﴾ أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا - أيْ لَوْ كانَ نَبِيًّا عَذَّبَنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ما نَقُولُ مِنَ التَّحِيَّةِ - أوْفَقُ بِالأوَّلِ لِأنَّ أنْعِمْ صَباحًا دُعاءٌ بِخَيْرٍ والعُدُولُ إلَيْهِ عَنْ تَحِيَّةِ الإسْلامِ الَّتِي حَيّا اللَّهُ تَعالى بِها رَسُولَهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ وما جاءَ في التَّشَهُّدِ ««السَّلامَ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ»» لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إثْمٍ يُتَوَقَّعُ مَعَهُ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يُعَذَّبُوا اللَّهُمَّ إلّا إذا انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيرًا وإعْلانًا بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ، ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو أظْهَرُ مِن كَوْنِ قائِلِهِ اليَهُودُ، وحُكْمُ التَّحِيَّةِ بِهِ اليَوْمَ أنَّها خِلافُ السُّنَّةِ، والقَوْلُ بِالكَراهَةِ غَيْرُ بَعِيدٍ.
وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدى بِنَحْوِ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ أوْ قَوّاكَ اللَّهُ جَوابًا ودُعاؤُهُ لَهُ في نَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يَقْصِدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ.
انْتَهى، وأنْعِمْ صَباحًا نَحْوَ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ دُعاءٌ كانَ يُسْتَعْمَلُ تَحِيَّةً في الجاهِلِيَّةِ، نَعَمْ تَحِيَّتُهم بِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدُوهُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ ﴿ حَسْبُهم جَهَنَّمُ ﴾ عَذابًا ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَدْخُلُونَها أوْ يُقاسُونَ حَرَّها أوْ يَصْطَلُونَ بِها.
﴿ فَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أيْ جَهَنَّمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.
﴿ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، فالخِطابُ لِلْخُلَّصِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لَهم وسُمُّوا مُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ ورُوَيْسٌ - فَلا تَنْتَجُوا - مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - فَلا تَناجَوْا - بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ إحْداهُما ﴿ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى ﴾ بِما يَتَضَمَّنُ خَبَرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءِ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ واتَّقُوا ﴾ فِيما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ ﴿ اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما النَّجْوى ﴾ المَعْهُودَةُ الَّتِي هي التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ والمَعْصِيَةِ ﴿ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ لا مِن غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ هو المُزَيِّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ إنَّما هي لِيُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم، وقُرِئَ «لِيَحْزَنَ» بِفَتْحِ الياءِ والزّايِ - فالَّذِينَ - فاعِلٌ ﴿ ولَيْسَ بِضارِّهِمْ ﴾ أيْ لَيْسَ الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ بِأنْ يَقْضِيَ سُبْحانَهُ المَوْتَ أوِ الغَلَبَةَ عَلى أقارِبِهِمْ ﴿ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم.
وحاصِلُهُ أنَّ ما يَتَناجى المُنافِقُونَ بِهِ مِمّا يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ فَبِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ لا دَخْلَ لَهم فِيهِ فَلا يَكْتَرِثُ المُؤْمِنُونَ بِتَناجِيهِمْ ولِيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَحْزَنُوا مِنهُ، فَهَذا الكَلامُ لِإزالَةِ حُزْنِهِمْ، ومِنهُ ضَعُفَ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوازِ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ - لَيْسَ بِضارِّهِمْ - لِلْحُزْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ هَذا الحُزْنَ لا يَضُرُّهم إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى انْدَفَعَ حُزْنُهم، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المَناماتِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ في النَّوْمِ تَسُوؤُهُ ويَحْزَنُ مِنها فَكَأنَّها نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا عَلى ما فِيهِ لا يُناسِبُ السِّباقُ والسِّياقَ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ التَّناجِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الآخَرِ حَتّى تَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ مِن أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» ومِثْلُ التَّناجِي في ذَلِكَ أنْ يَتَكَلَّمَ اثْنانِ بِحُضُورِ ثالِثٍ بِلُغَةٍ لا يَفْهَمُها الثّالِثُ إنْ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ عَلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا آدابَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ ﴾ إلَخْ ولَمّا نَهى عَزَّ وجَلَّ عَمّا هو سَبَبٌ لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ أمَرَ سُبْحانَهُ بِما هو سَبَبٌ لِلتَّوادِّ والتَّوافُقِ أيْ إذا قالَ لَكم قائِلٌ كائِنًا مَن كانَ: تَوَسَّعُوا فَلْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ في المَجالِسِ ولا تَتَضامُّوا فِيها، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي أيْ تَنَحَّ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿ فِي المَجالِسِ ﴾ بِتَفَسَّحُوا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِقِيلَ.
.
وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وقَتادَةُ وعِيسى - تَفاسَحُوا - وقَرَأ الأخِيرانِ وعاصِمٌ في المَجالِسِ، والجُمْهُورُ في -المَجْلِسِ - بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ العَهْدِ، والمُرادُ بِهِ مَجْلِسُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَمْعُ لِتَعَدُّدِهِ بِاعْتِبارِ مَن يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ لِكُلٍّ أجِدُ مِنهم مَجْلِسًا، وفي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُ كُلًّا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ««كانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ في الصُّفَّةِ وفي المَكانِ ضِيقٌ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجالِسِ فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهم فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ لِبَعْضِ مَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَأقامَ نَفَرًا مِقْدارَ مَن قَدِمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعُرِفَتْ كَراهِيَتُهُ في وُجُوهِهِمْ، وقالَ المُنافِقُونَ: ما عَدَلَ بِإقامَةِ مَن أخَذَ مَجْلِسَهُ وأحَبَّ قُرْبَهُ لِمَن تَأخَّرَ عَنِ الحُضُورِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ »» إلَخْ، وكانَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يُفْسِحْ تَنافُسًا في القُرْبِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ورَغْبَةً فِيهِ ولا تَكادُ نَفْسٌ تُؤْثِرُ غَيْرَها بِذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: كانَ الصَّحابَةُ يَتَشاحُّونَ في مَجالِسِ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ لِما كانَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّضامِّ في مَجْلِسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والضِّنَةِ بِالقُرْبِ مِنهُ وتَرْكِ التَّفَسُّحِ لِمُقْبِلٍ وأيًّا ما كانَ فالحُكْمُ مُطَّرِدٌ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصافِّ القِتالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُرِئَ في -المَجْلَسِ - بِفَتْحِ اللّامِ، فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالمَكْسُورِ والفَتْحُ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِتَفَسَّحُوا - أيْ إذا قِيلَ لَكم تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَضايَقُوا فِيهِ ﴿ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ في رَحْمَتِهِ أوْ في مَنازِلِكم في الجَنَّةِ أوْ في قُبُورِكم أوْ في صُدُورِكم أوْ في رِزْقِكم أقْوالٌ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ يُفْسِحُ سُبْحانَهُ لَكم في كُلِّ ما تُرِيدُونَ الفَسْحَ فِيهِ أيْ مِمّا ذُكِرَ وغَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الفَسْحَ يَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقاتِهِ كالمَنازِلِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿ وإذا قِيلَ انْشُزُوا ﴾ أيِ انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ ﴿ فانْشُزُوا ﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا، وأصْلُهُ مِنَ النَّشْزِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ فَإنَّ مُرِيدَ التَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ فَيَتَّسِعُ المَوْضِعُ، أوْ لِأنَّ النُّهُوضَ نَفْسَهُ ارْتِفاعٌ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: المَعْنى إذا دُعِيتُمْ إلى قِتالٍ أوْ صَلاةٍ أوْ طاعَةٍ فَأجِيبُوا، وقِيلَ: إذا دُعِيتُمْ إلى القِيامِ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُومُوا، وهَذا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُؤْثِرُ أحْيانًا الِانْفِرادَ في أمْرِ الإسْلامِ أوْ لِأداءِ وظائِفَ تَخُصُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَتَأتّى أوْ لا تَكْمُلُ بِدُونِ الِانْفِرادِ، وعَمَّمَ الحُكْمَ فَقِيلَ: إذا قالَ صاحِبُ مَجْلِسٍ لِمَن في مَجْلِسِهِ: قُومُوا يَنْبَغِي أنْ يُجابَ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِحاجَةٍ إذا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنها مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِقادِمٍ أنْ يُقِيمَ أحَدًا لِيَجْلِسَ في مَجْلِسِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» .
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وجَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ -انْشِزُوا فانْشِزُوا - بِكَسْرِ الشِّينِ مِنهُما.
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَنْشُزُوا يَرْفَعُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنكم في الآخِرَةِ جَزاءً لِلِامْتِثالِ ﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ الشَّرْعِيَّ ﴿ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ كَثِيرَةً جَلِيلَةً كَما يُشْعِرُ بِهِ المَقامُ، وعَطْفُ -الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ - عَلى ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ تَعْظِيمًا لَهم ”بِعَدِّهِمْ“ كَأنَّهم جِنْسٌ آخَرُ، ولِذا أُعِيدَ المَوْصُولُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا ««فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ»» .
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ»» وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««بَيْنَ العالِمِ والعابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضَرَ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً»» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ»»، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِشَهادَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «خُيِّرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ العِلْمِ والمُلْكِ والمالِ فاخْتارَ العِلْمَ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى المُلْكَ والمالَ تَبَعًا لَهُ» .
وعَنِ الأحْنَفِ «كادَ العُلَماءُ يَكُونُونَ أرْبابًا» وكُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْمٍ فَإلى ذُلٍّ ما يَصِيرُ، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: لَيْتَ شِعْرِي أيُّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ ؟
وأيُّ شَيْءٍ فاتَهُ مَن أدْرَكَ العِلْمَ ؟
والدّالُّ عَلى فَضْلِ العِلْمِ والعُلَماءِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأرْجى حَدِيثٍ عِنْدِي في فَضْلِهِمْ ما رَواهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ العُلَماءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: إنِّي لَمْ أجْعَلْ حِكْمَتِي في قُلُوبِكم إلّا وأنا أُرِيدُ بِكُمُ الخَيْرَ اذْهَبُوا إلى الجَنَّةِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم»» .
وذَكَرَ العارِفُ إلْياسُ الكُورانِيُّ أنَّهُ أحَدُ الأحادِيثِ المُسَلْسَلَةِ بِالأوَّلِيَّةِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى فَضْلِهِمْ ظاهِرَةٌ بَلْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ تَعالى العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ - فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ بِدَرَجاتٍ - وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلَيْهِ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بِحَمْلِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْهَمُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ الَّذِي لا يَعْلَمُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في كَلامِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ -الَّذِينَ أُوتُوا - مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والعَطْفَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ أيْ ويَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ خاصَّةً دَرَجاتٍ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ العامِلِ، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّقْدِيرَ وجَعَلَ الدَّرَجاتِ مَعْمُولًا لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وقالَ: يُضْمَرُ لِلْمَذْكُورِ أحَطُّ مِنهُ مِمّا يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ أنْ يُقالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ أوْ يَرْفَعُهم في الآخِرَةِ بِالإيواءِ إلى ما يَلِيقُ بِهِمْ مِن غُرَفِ الجَنّاتِ، ويَرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ تَعْظِيمًا لَهم، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِالمَوْصُولَيْنِ واحِدًا والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِ، فالمَعْنى يَرْفَعُ اللَّهَ المُؤْمِنِينَ العالِمِينَ دَرَجاتٍ، وكَوْنُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ هو الأظْهَرُ، وفي الِانْتِصافِ في الجَزاءِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ مُناسِبَةٌ لِلْعَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ وهو التَّفْسِيحُ في المَجالِسِ وتَرْكُ ما تَنافَسُوا فِيهِ مِنَ الجُلُوسِ في أرْفَعِها وأقْرَبِها مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا كانَ المُمْتَثِلُ لِذَلِكَ يَخْفِضُ نَفْسَهُ عَمّا يُتَنافَسُ فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ امْتِثالًا وتَواضُعًا جُوزِيَ عَلى تَواضُعِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ كَقَوْلِهِ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرَّفْعَةِ في المَجْلِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما عُرِفُوا بِالحِرْصِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ المَجالِسِ وحُبِّهِمْ لِلتَّصْدِيرِ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في ذَلِكَ.
والخَفاجِيُّ أدْرَجَ هَذا في نَقْلِ كَلامِ صاحِبِ الِانْتِصافِ وكَلامُهُ عَلى ما سَمِعْتَهُ أوْفَقُ بِالأدَبِ مَعَ أهْلِ العِلْمِ، ولا أظُنُّ - بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ -المَذْكُورِينَ في الآيَةِ أنَّهم كالعُلَماءِ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمُ الخَفاجِيُّ، نَعَمْ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صادِقٌ فِيما قالَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ آخِرِ الزَّمانِ كَعُلَماءِ زَمانِهِ وكَعُلَماءِ زَمانِنا - لَكِنْ كَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ - إطْلاقُ اسْمِ العالِمِ عَلى أحَدِهِمْ مَجازٌ لا تُعْرَفُ عَلاقَتُهُ، ومَعَ ذَلِكَ قَدِ امْتَلَأ قَلْبُهُ مِن حُبِّ الصَّدْرِ وجَعَلَ يُزاحِمُ العُلَماءُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ مَحَلَّهُ لَوْ أنْصَفَ العَجْزُ، هَذا واسْتَدَلَّ غَيْرُ واحِدٍ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيمِ العِلْمِ ولَوْ باهِلِيًّا شابًّا عَلى الجاهِلِ ولَوْ هاشِمِيًّا شَيْخًا، وهو بِناءٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْناها لِدَلالَتِها عَلى فَضْلِ العالِمِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ مَنزِلَتَهُ فَوْقَ مَنزِلَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ في مَجالِسِ الدُّنْيا فَوْقَ مَحَلِّ الجاهِلِ.
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في كِتابِ الأحْكامِ قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ.
انْتَهى.
وهَذا المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُتَعاطِفَيْنِ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ والعَطْفُ لِجَعْلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِوَهُوَ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، ويَظْهَرُ مِنهُ أيْضًا أنَّهُ ظَنَّ رَفَعَ يَرْفَعُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ جَزاءَهُ الِامْتِثالُ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الفَسْحِ قَبْلَهُ جَزاءَهُ فَتَأمَّلْهُ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْ بِالأمْرِ واسْتَكْرَهَ، وقُرِئَ بِما - يَعْمَلُونَ -بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ المُناجاةَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ ﴿ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ﴾ أيْ فَتَصَدَّقُوا قَبْلَها، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن لَهُ يَدانِ أوْ مُكَنِّيَةٌ بِتَشْبِيهِ النَّجْوى بِالإنْسانِ، وإثْباتُ اليَدَيْنِ تَخْيِيلٌ، وفي ”بَيْنَ“ تَرْشِيحٌ عَلى ما قِيلَ، ومَعْناهُقَبْلُ، وفي هَذا الأمْرِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ونَفْعٌ لِلْفُقَراءِ وتَمْيِيزٌ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ ومُحِبِّالآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا ودَفْعٌ لِلتَّكاثُرِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ مُهِمَّةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهم وكانَ سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ فَيُكْثِرُونَ مُناجاتَهُ ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ حَتّى كَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طُولَ جُلُوسِهِمْ ومُناجاتِهِمْ فَنَزَلَتْ، واخْتُلِفَ في أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْجَوابِ لَكِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأشْفَقْتُمْ ﴾ إلَخْ، وهو وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ تِلاوَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ نُزُولًا، وقِيلَ: نُسِخَ بِآيَةِ الزَّكاةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ الصَّدَقَةِ لِيَجْزِيَ الكَثِيرُ والقَلِيلُ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ ﴾ إلَخْ قالَ لِي النَّبِيُّ : «ما تَرى في دِينارٍ ؟
قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: نِصْفِ دِينارٍ ؟
قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَكَمْ ؟
قُلْتُ: شَعِيرَةٌ، قالَ: فَإنَّكَ لَزَهِيدٌ» فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ أأشْفَقْتُمْ ﴾ الآيَةَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ»» ولَمْ يَعْمَلْ بِها عَلى المَشْهُورِ غَيْرُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهم عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي آيَةُ النَّجْوى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ﴾ إلَخْ كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ النَّبِيَّ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ ﴿ أأشْفَقْتُمْ ﴾ الآيَةَ، قِيلَ: وهَذا عَلى القَوْلِ بِالوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِلْأغْنِياءِ مُناجاةٌ في مُدَّةِ بَقاءِ الحُكْمِ، واخْتُلِفَ في مُدَّةِ بَقائِهِ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها عَشَرَةُ لَيالٍ، وقالَ قَتادَةُ: ساعَةٌ مِن نَهارٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُسِخَ قَبْلَ العَمَلِ بِهِ ولا يَصِحُّ لِما صَحَّ آنِفًا.
وقُرِئَ - صَدَقاتٍ - بِالجَمْعِ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقاتِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ﴿ وأطْهَرُ ﴾ وأزْكى لِأنْفُسِكم لِما فِيهِ مِن تَعْوِيدِها عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالمالِ وإضْعافِ عَلاقَةِ حُبِّهِ المُدَنِّسِ لَها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في ذَلِكَ إعْدادالنَّفْسِ لِمَزِيدِ الِاسْتِفاضَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُناجاةِ.
وفِي الكَلامِ إشْعارٌ بِنَدْبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يَجِدْ حَيْثُ رَخَّصَ سُبْحانَهُ لَهُ في المُناجاةِ بِلا تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ أظْهَرُ إشْعارًا بِالوُجُوبِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ ﴾ أيْ أخِفْتُمُ الفَقْرَ لِأجْلِ تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ فَمَفْعُولُ أشْفَقْتُمْ مَحْذُوفٌ، و”أنْ“ عَلى إضْمارِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ ﴿ أنْ تُقَدِّمُوا ﴾ فَلا حَذْفَ أيْ أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَّدَقاتِ لِتَوَهُّمِ تَرْتِيبِ الفَقْرِ عَلَيْهِ، وجُمِعَ الصَّدَقاتُ لِما أنَّ الخَوْفَ لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مِن تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةَ الفَقْرِ بَلْ مِنَ اسْتِمْرارِ الأمْرِ، وتَقْدِيمُ ﴿ صَدَقاتٍ ﴾ وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ الجَمْعَ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ إذْ يُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ إفْرادِ الصَّدَقَةِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ﴿ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بِأنْ رُخِّصَ لَكُمُ المُناجاةُ مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ إشْفاقَهم ذَنْبٌ تَجاوَزَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما رُئِيَ مِنهم مَنِ الِانْقِيادِ وعَدَمِ خَوْفِ الفَقْرِ بَعْدَ ما قامَ مَقامَ تَوْبَتِهِمْ و(إذْ) عَلى بابِها أعْنِي أنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى - إذِ -الظَّرْفِيَّةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ .
وقِيلَ: بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنَّكم تَرَكْتُمْ ذَلِكَ فِيما مَضى فَتَدارَكُوهُ بِالمُثابَرَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، واعْتُبِرَتِ المُثابَرَةُ لِأنَّ المَأْمُورِينَ مُقِيمُونَ لِلصَّلاةِ ومُؤْتُونَ لِلزَّكاةِ، وعَدَلَ عَنْ فَصَلُّوا إلى ﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ لِيَكُونَ المُرادُ المُثابَرَةَ عَلى تَوْفِيَةِ حُقُوقِالصَّلاةِ ورِعايَةِ ما فِيهِ كَما لَها لا عَلى أصْلِ فِعْلِها فَقَطْ، ولَمّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ جِيءَ بِما بَعْدَهُ عَلى وزانَهُ ولَمْ يَقُلْ وزَكُّوا لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ ﴿ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ في سائِرِ الأوامِرِ، ومِنها ما تَقَدَّمَ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا ﴾ الآياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو و«يَعْمَلُونَ» بِالتَّحْتِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِصَرْفِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ ﴿ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ والَوْا ﴿ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ ما هُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴿ مِنكُمْ ﴾ مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ ﴿ ولا مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أعْنِي اليَهُودَ لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُذَبْذَبُونَ بَيْنَ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ غَنَمَيْنِ -أيِ المُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ قَطِيعَيْنِ - لا تَدْرِي أيُّهُما تَتْبَعُ» .
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ”هم“ لِلْقَوْمِ، وضَمِيرُ ”مِنهم“ لِلَّذِينَ تَوَلَّوْا، ثُمَّ قالَ: فَيَكُونُ فِعْلُ المُنافِقِينَ عَلى هَذا أخَسَّلِأنَّهم تَوَلَّوْا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ لَيْسُوا مِن أنْفُسِهِمْ فَيَلْزَمُهم ذِمامُهم ولا مِنَ القَوْمِ المُحِقِّينَ فَتَكُونُ المُوالاةُ صَوابًا: والأوَّلُ هو الظّاهِرُ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ ورَدَ بِعَدَمِ الواوِ، وأُجِيبَ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُثْبَتَةَ أوِ المَنفِيَّةَ إذا وقَعَتْ حالًا تَأْتِي بِالواوِ فَقَطْ وبِالضَّمِيرِ فَقَطْ وبِهِما مَعًا، وما ها هُنا أتَتْ بِالضَّمِيرِ أعْنِي هم، وعَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ.
وذَكَرَ المَوْلى سَعْدُ اللَّهِ أنَّ في ﴿ مِنكُمْ ﴾ التِفاتًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ غُلِّبَ فِيهِ خِطابُ الرَّسُولِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا التِفاتَ فِيهِ وإنْ لَمْ يُغَلَّبْ فَكَذَلِكَ لا التِفاتَ فِيهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِسَبْقِ خِطابِهِمْ قَبْلَهُ، وفي جَعْلِهِ التِفاتًا عَلى رَأْيِالسَّكّاكِيِّ نَظَرٌ ﴿ ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِا لتَّعْجِيبِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ ما هم مِنكُمْ ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الحَلِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ - يَحْلِفُونَ - مُفِيدَةٌ لِكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا فَإنَّ الحَلِفَ عَلى ما يُعْلَمُ أنَّهُ كَذِبٌ في غايَةِ القُبْحِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الكَذِبَ يَعُمُّ ما يَعْلَمُ المُخْبِرُ مُطابَقَتَهُ لِلْواقِعِ وما لا يَعْلَمُ مُطابَقَتَهُ لَهُ فَيُرَدُّ بِهِ عَلى مَذْهَبَيِالنَّظّامِ والجاحِظِ إذْ عَلَيْهِما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وبُحِثَ فِيهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَذِبِ ما خالَفَ اعْتِقادَهم ﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ بِمَعْنى يَعْلَمُونَ خِلافَهُ فَيَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً مُؤَكِّدَةً لا مُقَيَّدَةً، نَعَمِ التَّأْسِيسُ هو الأصْلُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، والِاحْتِمالُ يُبْطِلُ الِاسْتِدْلالَ والكَذِبُ الَّذِي حَلَفُوا عَلَيْهِ دَعْواهُمُ الإسْلامَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: إنَّهم ما شَتَمُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ ««أنَّهُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا في ظِلِّ حُجْرَةٍ مِن حُجَرِهِ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: إنَّكم سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ فَإذا جاءَكم فَلا تُكَلِّمُوهُ فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ أزْرَقُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ رَآهُ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ فَقالَ: ذَرْنِي آتِكَ بِهِمْ فانْطَلَقَ فَدَعاهم فَحَلَفُوا»» فَنَزَلَتْ، وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّ آخِرَهُ «فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ » الآيَةَ.
والَّتِي بَعْدَها، ولَعَلَّهُ يُؤَيِّدُ أيْضًا اعْتِبارَ كَوْنِ الكَذِبِ دَعْواهم أنَّهم ما شَتَمُوا.
وفِي البَحْرِ رِوايَةٌ نَحْوَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ، وهو - «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وكانَ أزْرَقَ أسْمَرَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ فَقالَ : عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ فَقالَ لَهُ: فَعَلْتَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ -» فَنَزَلَتْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
وعَبْدُ اللَّهِ هَذا هو الرَّجُلُ المُبْهَمُ في الخَبَرِ الأوَّلِ، وهو ابْنُ نَبْتَلٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وبَعْدَها تاءٌ مُثَنّاةٌ مِن فَوْقُ ولامٌ ابْنُ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ الأوْسِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ والبَلاذِرِيُّ في المُنافِقِينَ، وذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في الصَّحابَةِ فَيُحْتَمَلُ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ اطَّلَعَ عَلى أنَّهُ تابَ، وأمّا قَوْلُهُ في القامُوسِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبِيلٍ - كَأمِيرٍ -مِنَ المُنافِقِينَ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ هو هَذا، واخْتُلِفَ في ضَبْطِ اسْمِ أبِيهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ غَيْرُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ نَوْعًا مِنَ العَذابِ مُتَفاقِمًا ﴿ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ما اعْتادُوا عَمَلَهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ ﴾ الفاجِرَةَ الَّتِي يَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ الحاجَةِ ﴿ جُنَّةً ﴾ وِقايَةً وسُتْرَةً عَنِ المُؤاخَذَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ - إيمانَهم - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ إيمانَهُمُ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، قالَ في الإرْشادِ: والِاتِّخاذُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنِ التَّسَتُّرِ بِالفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَتَّرُوا بِما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ عَنْ أنْ تُسْتَباحَ دِماؤُهم وأمْوالُهم، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ لِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَخْلُصُوا عَنِ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ، وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَدُّوا ﴾ أيِ النّاسَ.
﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في خِلالِ أمْنِهِمْ بِتَثْبِيطِ مَن لَقُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وتَضْعِيفِ أمْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَهم، وقِيلَ: فَصَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِهِمْ فَإنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، وقِيلَ: (صَدُّوا) لازِمٌ، والمُرادُ فَأعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ حَقِيقَةً وهو كَما تَرى ﴿ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ وعِيدٌ ثانٍ بِوَصْفٍ آخَرَ لِعَذابِهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَذابُ القَبْرِ وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ، ويُشْعِرُ بِهِ وصْفُهُ بِالإهانَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلظُّهُورِ فَلا تَكْرارَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وسَبَقَ الكَلامُ فِيهِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ أيْ لِلَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ قائِلِينَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ في الدُّنْيا أنَّهم مُسْلِمُونَ مِثْلُكم، والتَّشْبِيهُ بِمُجَرَّدِ الحَلِفِ لَهم في الدُّنْيا وإنِ اخْتَلَفَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِناءً عَلى ما قَدَّمْنا مِن سَبَبِ النُّزُولِ ﴿ ويَحْسَبُونَ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ أنَّهُمْ ﴾ بِتِلْكَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ ﴿ عَلى شَيْءٍ ﴾ مِن جَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ كَما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويَسْتَجِرُّونَ بِها فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً ﴿ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ البالِغُونَ في الكَذِبِ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ تَجاسَرُوا عَلى الكَذِبِ بَيْنَ يَدَيْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وزَعَمُوا أنَّ أيْمانَهُمُ الفاجِرَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَلَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما تُرَوِّجُهُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ <div class="verse-tafsir"
﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ غَلَبَ عَلى عُقُولِهِمْ بِوَسْوَسَتِهِ وتَزْيِينِهِ حَتّى اتَّبَعُوهُ فَكانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَوْذُ أنْ يَتْبَعَ السّائِقُ حاذِيالبَعِيرِ أيْ أدْبارَ فَخِذَيْهِ فَيُعَنَّفُ في سَوْقِهِ يُقالُ: حاذَ الإبِلَ يَحُوذُها أيْ ساقَها سَوْقًا عَنِيفًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيِ اسْتاقَهم مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، أوْ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَحْوَذَ العِيرُ عَلى الأتانِ أيِ اسْتَوْلى عَلى حاذِيها أيْ جانِبَيْ ظَهْرِها.
اهَـ.
وصَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الحَوْذَ في الأصْلِ السَّوْقُ والجَمْعُ، وفي القامُوسِ تَقْيِيدُ السَّوْقِ بِالسَّرِيعِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الِاسْتِيلاءِ، ومِثْلُهُ الأحْواذُ والأحْوَذِيُّ، وهو كَما قالَ الأصْمَعِيُّ: المُشَمِّرُ في الأُمُورِ القاهِرُ لَها الَّذِي لا يَشِذُّ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ أحْوَذِيًّا نَسِيجٌ وحْدَهُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ، واسْتَحْوَذَ مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ في عَدَمِ إعْلالِهِ عَلى القِياسِ إذْ قِياسُهُ اسْتَحاذَ بِقَلْبِ الواوِ ألِفًا كَما سُمِعَ فِيهِ قَلِيلًا، وقَرَأ بِهِ هَنا أبُو عَمْرٍو فَجاءَ مُخالِفًا لِلْقِياسِ -كاسْتَنْوَقَ واسْتَصْوَبَ - وإنْ وافَقَ الِاسْتِعْمالُ المَشْهُورَ فِيهِ، ولِذا لَمْيُخِلّاسْتِعْمالُهُ بِالفَصاحَةِ، وفي اسْتَفْعَلَ هُنا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في فِعْلِ ﴿ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ في مَعْنى لَمْ يُمَكِّنْهم مِن ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما زَيَّنَ لَهم مِنَ الشَّهَواتِ فَهم لا يَذْكُرُونَهُ أصْلًا لا بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿ حِزْبُ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ جُنُودُهُ وأتْباعُهُ.
﴿ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالخُسْرانِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ وأخَذُوا بَدَلَهُ العَذابَ الألِيمَ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ وإظْهارِ المُتَضايِفَيْنِ مَعًا في مَوْقِعِ الإضْمارِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِن فُنُونِ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن خُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِالصِّلَةِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ فِي الأذَلِّينَ ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مَعْدُودُونَ في عِدادِهِمْ لِأنَّ ذِلَّةَ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ عَلى مِقْدارِ عِزَّةِ الآخَرِ وحَيْثُ كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ كانَتْ ذِلَّةُ مَنحادَّهُ كَذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ في الأذَلِّينَ أيْ أثْبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ قَضى وحَكَمَ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: وأيًّا ما كانَ فَهو جارٍ مَجْرى القَسَمِ فَلِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ أيْ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وما يَجْرِي مَجْراهُ أوْ بِأحَدِهِما، ويَكْفِي في الغَلَبَةِ بِما عَدا الحُجَّةِ تَحَقُّقُها لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أزْمِنَتِهِمْ غالِبًا فَقَدْ أهْلَكَ سُبْحانَهُ الكَثِيرَ مِن أعْدائِهِمْ بِأنْواعِ العَذابِ كَقَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ، والحَرْبُ بَيْنَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَ سِجالًا إلّا أنَّ العاقِبَةَ كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا لِأتْباعِهِمْ بَعْدَهم لَكِنْ إذا كانَ جِهادُهم لِأعْداءِ الدِّينِ عَلى نَحْوِ جِهادِ الرُّسُلِ لَهم بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِطَلَبِ مُلْكٍ وسَلْطَنَةٍ وأغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَلا تَكادُ تَجِدُ مُجاهِدًا كَذَلِكَ إلّا مَنصُورًا غالِبًا، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الغَلَبَةَ بِالحُجَّةِ لا طِرادُها وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَعَنْ مُقاتِلٍ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ وما حَوْلَها قالُوا: نَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ تَعالى عَلى فارِسَ والرُّومِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ الرُّومَ وفارِسَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمْ عَلَيْها، واللَّهِ إنَّهم لَأكْثَرُ عَدَدًا وأشَدُّ بَطْشًا مِن أنْ تَظُنُّوا فِيهِمْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهُ قَوِيٌّ ﴾ عَلى نَصْرِ رُسُلِهِ ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يُغْلَبُ عَلى مُرادِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «ورُسُلِيَ» بِفَتْحِ الياءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ، وتَجِدُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوادُّونَ ﴾ إلَخْ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وإمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِالآخِرِ وبَيْنَمُوادَّةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بِذاكَ، والكَلامُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن بابِ التَّخْيِيلِ خُيِّلَ أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ المُحالِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ ﴿ يُوادُّونَ ﴾ المُشْرِكِينَ.
والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنْهُ والزَّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ والتَّصَلُّبِ في مُجانَبَةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُ هَذا عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ مِن فَرْضِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا مَحْسُوسًا حَيْثُ نَفى الوِجْدانَ عَلى الصِّفَةِ وأُرِيدَ نَفْيُ انْبِغاءِ الوِجْدانِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ فَجَعَلَ الواقِعَ نَفْيَ الوِجْدانِ، وإنَّما الواقِعُ نَفْيُ الِانْبِغاءِ فَخُيِّلَ أنَّهُ هو فالتَّصْوِيرُفِي جَعْلِ ما لا يَمْتَنِعُ مُمْتَنِعًا، وقِيلَ: المُرادُ لا تَجِدُ قَوْمًا كامِلِي الإيمانِ عَلى هَذِهِ الحالِ، فالنَّفْيُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِمُوادَّةِ المُحادِّينَ مُوالاتُهم ومُظاهَرَتُهم، والمُضارِعُ قِيلَ: لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، و ﴿ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ظاهِرٌ في الكافِرِ وبَعْضُ الآثارِ ظاهِرٌ في شُمُولِهِ لِلْفاسِقِ، والأخْبارُ مُصَرِّحَةٌ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الفاسِقِينَ كالمُشْرِكِينَ بَلْ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِيمَن يُخالِطُ السُّلْطانَ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ مَرْفُوعًا ««يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: وعِزَّتِي لا يَنالُ رَحْمَتِي مَن لَمْ يُوالِ أوْلِيائِي ويُعادِ أعْدائِي»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مَرْفُوعًا، «أوْثَقُ الإيمانِ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ - وفي رِوايَةٍ - ولا لِفاسِقِ عَلَيَّ يَدًا ولا نِعْمَةً فَيَوَدُّهُ قَلْبِي فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتَ إلَيَّ ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ »» وحَكى الكَواشِيُّ عَنْ سَهْلٍ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ إيمانَهُ وأخْلَصَ تَوْحِيدَهُ فَإنَّهُ لا يَأْنَسُ إلى مُبْتَدِعٍ ولا يُجالِسُهُ ولا يُؤاكِلُهُ ولا يُشارِبُهُ ولا يُصاحِبُهُ ويُظْهِرُ لَهُ مِن نَفْسِهِ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، ومَن داهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى حَلاوَةَ السُّنَنِ، ومَن تَحَبَّبَ إلى مُبْتَدِعٍ يَطْلُبُ عِزَّ الدُّنْيا أوْ عَرَضًا مِنها أذَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ العِزِّ وأفْقَرَهُ بِذَلِكَ الغِنى ومَن ضَحِكَ إلى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى نُورَ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّبْ.
انْتَهى.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ بَعْضَ المُنْتَسِبِينَ إلى المُتَصَوِّفَةِ - ولَيْسَ مِنهم ولا قُلامَةَ ظُفْرٍ - يُوالِي الظَّلَمَةَ بَلْ مَن لا عَلاقَةَ لَهُ بِالدِّينِ مِنهم ويَنْصُرُهم بِالباطِلِ ويُظْهِرُ مِن مَحَبَّتَهم ما يَضِيقُ عَنْ شَرْحِهِ صَدْرُ القِرْطاسِ، وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ تَعالى وأحادِيثُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الزّاجِرَةُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ يَقُولُ: سَأُعالِجُ قَلْبِي بِقِراءَةِ نَحْوِ ورَقَتَيْنِ مِن كِتابِ المَثْنَوِيِّ الشَّرِيفِ لِمَوْلانا جَلال ِالدِّينِ القَوْنَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وأذْهَبَ ظُلْمَتَهُ - إنْ كانَتْ- بِما يَحْصُلُ لِي مِنَ الأنْوارِ حالَ قِراءَتِهِ، وهَذا لَعَمْرِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ اجْتِنابُ مِثْلِ هَؤُلاءِ ﴿ ولَوْ كانُوا ﴾ أيْ مَن حادَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها ﴿ آباءَهُمْ ﴾ أيِ المُوادِّينَ ﴿ أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِالآخِرِ الَّذِي يُحْشَرُ المَرْءُ فِيهِ مَعَ مَن أحَبَّ أنْ يَهْجُرُوا الجَمِيعَ بِالمَرَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِمَن ذُكِرَ خُصُوصُهم وإنَّما المُرادُ الأقارِبُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الآباءَ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى أبْنائِهِمْ طاعَتُهم ومُصاحَبَتُهم في الدُّنْيا بِالمَعْرُوفِ، وثَنّى بِالأبْناءِ لِأنَّهم أعْلَقُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أكْبادَهم، وثَلَّثَ بِالإخْوانِ لِأنَّهُمُ النّاصِرُونَ لَهم: أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخا لَهُ كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحٍ وخَتَمَ بِالعَشِيرَةِ لِأنَّ الِاعْتِمادَ عَلَيْهِمْ والتَّناصُرَ بِهِمْ بَعْدَ الإخْوانِ غالِبًا: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرُ خُشْنٍ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وعَشائِرَهم» بِالجَمْعِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لايُوادُّونَهُمْوَإنْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ وأمَسَّهم رَحِمًا بِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْفِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ أيْ أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها ولَمّا كانَ الشَّيْءُ يُرادُ أوَّلًا ثُمَّ يُقالُ ثُمَّ يُكْتَبُ عَبَّرَعَنِ المَبْدَأِ بِالمُنْتَهى لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُرُوجِ العَمَلِ مِن مَفْهُومِ -الإيمانِ - فَإنَّ جُزْءَ الثّابِتِ في القَلْبِ ثابِتٌ فِيهِ قَطْعًا، ولا شَيْءَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ يَثْبُتُ فِيهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «كُتِبَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الإيمانُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
﴿ وأيَّدَهُمْ ﴾ أيْ قَوّاهم ﴿ بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ مِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ بِالرُّوحِ نُورُ القَلْبِ وهو نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ تَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ والعُرُوجُ عَلى مَعارِجِ التَّحْقِيقِ، وتَسْمِيَتُهُ رُوحًا مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ الأبَدِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِعارَةً، وقَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ: إنَّ نُورَ القَلْبِ ما سَمّاهُ الأطِبّاءُ رُوحًا وهو الشُّعاعُ اللَّطِيفُ المُتَكَوِّنُ مِنَ القَلْبِ - وبِهِ الإدْراكُ - فالرُّوحُ عَلى حَقِيقَتِهِلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، أوِ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ، واخْتِيرَتِ الِاسْتِعارَةُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلَيْهِ شائِعُ أقْوالٍ.
وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ مِنهُ ﴾ لِلْإيمانِ، والمُرادُ بِالرُّوحِ الإيمانُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ البَدِيعِيِّ - فَمِن - بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى الخِلافِ فِيها، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى الإيمانِ عَلى ما مَرَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُدْخِلُهُمْ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ألْطافِهِ سُبْحانَهُ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْ ويُدْخِلُهم في الآخِرَةِ.
﴿ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ورَضُوا عَنْهُ ﴾ بَيانٌ لِابْتِهاجِهِمْ بِما أُوتُوهُ عاجِلًا وآجِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم بِبَيانِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ تَعالى وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ والكَلامُ في تَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ - بِألا.
وإنَّ - عَلى ما مَرَّ في أمْثالِها، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ صَكَّةً فَسَقَطَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أفَعَلْتَ يا أبا بَكْرٍ ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: لا تَعُدْ، قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَضَرَبْتُهُ - وفي رِوايَةٍ - لَقَتَلْتُهُ فَنَزَلَتْ ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا ﴾ الآياتِ».
وقِيلَ: في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الجَرّاحِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ والِدُ أبِي عُبَيْدَةَ يَتَصَدّى لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ فَلَمّا أكْثَرَ قَصَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ فَنَزَلَتْ ”لاتَجِدُ“ إلَخْ، وفي الكَشّافِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ الواقِدِيُّ في قِصَّةِ قَتْلِهِ إيّاهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ الشّامِ، وقَدْ سَألْتُ رِجالًا مِن بَنِي فِهْرٍ فَقالُوا: تُوُفِّيَ أبُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ أيْ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ.
انْتَهى.
والحَقُّ أنَّهُ قَتَلَهُ في بَدْرٍ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ - أيْ أبُو عُبَيْدَةَ - قَتَلَ أباهُ وهو مِن جُمْلَةِ أسارى بَدْرٍ بِيَدِهِ لَمّا سَمِعَ مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَكْرَهُ ونَهاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيهِ حَيْثُ قَتَلَ أباهُ.
«وفِي أبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: دَعْنِي أكُونُ في الرَّعْلَةِ الأُولى - وهي القِطْعَةُ مِنَ الخَيْلِ - قالَ: «مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ ما تَعْلَمُ أنَّكَ عِنْدِي بِمَنزِلَةِ سَمْعِي وبَصَرِي»» وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ وفي عُمَرَ قَتَلَ خالَهُ العاصِ بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفي عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وتَفْصِيلُ ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ومَعَهُ ابْنُهُ وأخُوهُ فَنادى مَن يُبارِزُ - إلى قَوْلِهِ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «قُمْ يا حَمْزَةُ قُمْ يا عَلِيُّ قُمْ يا عُبَيْدَةُ بْنَ الحارِثِ» فَأقْبَلَ حَمْزَةُ إلى عُتْبَةَ وأقْبَلْتُ إلى شَيْبَةَ واخْتَلَفَتْ بَيْنَ عُبَيْدَةَ والوَلِيدِ ضَرْبَتانِ فَأثْخَنَ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ ثُمَّ مِلْنا عَلى الوَلِيدِ فَقَتَلْناهُ واحْتَمَلْنا عُبَيْدَةَ.
هَذا ورَتَّبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ﴿ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ عَلى قِصَّةِ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي بَكْرٍ ومُصْعَبٍ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا ﴾ إلَخْ نَزَلَ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالآيِالَّتِي في المُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الآياتِ عامٌّ وإنْ نَزَلَتْ في أُناسٍ مَخْصُوصِينَ كَما لا يَخْفى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.