الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الأنعام
تفسيرُ سورةِ الأنعام كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 1204 دقيقة قراءةسُورَةُ الأنْعامِ 6 - كَما أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً واحِدَةً.
ورَوى خَبَرَ الجُمْلَةِ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وغَيْرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ والَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنِ الكَلْبِيِّ وسُفْيانَ قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ وهو الَّذِي قالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ و ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ إلى آخِرِ الثَّلاثِ.
وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ.
وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والشّامِيِّينَ سِتٌّ وسِتُّونَ.
وعِنْدَ الحِجازِيِّينَ سَبْعٌ وسِتُّونَ.
وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ بِفَضْلِها فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ.
والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» وخَبَرُ تَشْيِيعِ المَلائِكَةِ لَها رَواهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ إلّا أنَّ مِنهم مَن رَوى أنَّ المُشَيِّعِينَ سَبْعُونَ ألْفًا ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أقَلَّ ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أكْثَرَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن صَلّى الفَجْرَ بِجَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مَن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ العابِدِ قالَ: مَن قَرَأ ثَلاثَ ءاياتٍ مِن أوَّلِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تَكْسِبُونَ ﴾ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يَدْعُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ وسَقاهُ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وغَسَّلَهُ مِنَ الكَوْثَرِ، وقالَ: أنا رَبُّكَ حَقًّا وأنْتَ عَبْدِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وغالِبُها في هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ وبَعْضُها مَوْضُوعٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَقَّرَ عَنْها.
ولَعَلَّ الأخْبارَ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ جُمْلَةٌ أيْضًا كَذَلِكَ.
وحَكى الإمامُ اتِّفاقَ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن آياتِها إنَّ سَبَبَ نُزُولِها الأمْرُ الفُلانِيُّ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَهُ.
والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ عَدَمُ تَخَلُّلِ نُزُولِ شَيْءٍ مِن آياتِ سُورَةٍ أُخْرى بَيْنَ أوْقاتِ نُزُولِ آياتِها مِمّا لا تُساعِدُهُ الظَّواهِرُ بَلْ في الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ فِيما يَأْباهُ.
والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ دُفْعَةً وتَدْرِيجًا خِلافُ الظّاهِرِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ ويُؤَيِّدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن ضَعْفِ الأخْبارِ بِالنُّزُولِ جُمْلَةُ ما قالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ - الحَدِيثَ الوارِدَ - في أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، رَوَيْناهُ مِن طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ولَمْ نَرَ لَهُ سَنَدًا صَحِيحًا، وقَدْ رُوِيَ ما يُخالِفُهُ انْتَهى.
ومِن هَذا يُعْلَمُ - ما في دَعْوى الإمامِ - اتِّفاقُ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً فَتَدَبَّرْ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآخِرِ المائِدَةِ عَلى ما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِالحَمْدِ وتِلْكَ اخْتُتِمَتْ بِفَصْلِ القَضاءِ وهَما مُتَلازِمانِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ المُناسِبَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ المائِدَةِ ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ ﴾ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ افْتَتَحَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِشَرْحِ ذَلِكَ وتَفْصِيلِهِ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وضَمَّ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ جَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ وهو بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ ما فِيهِنَّ ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ اسْمُهُ أنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ وقَضى لَهُ أجَلًا وجَعَلَ لَهُ أجَلًا آخَرَ لِلْبَعْثِ وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنْشِئُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ فَأُثْبِتَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ المَكانِ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فَأثْبَتَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَلَكَ جَمِيعَ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ الزَّمانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَ سائِرِ الحَيْوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ ثُمَّ خَلْقَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ والمَوْتِ.
ثُمَّ أكْثَرَ عَزَّ وجَلَّ في أثْناءِ السُّورَةِ مَنَ الإنْشاءِ والخَلْقِ لِما فِيهِنَّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ والنُّجُومِ وفَلْقِ الإصْباحِ وفَلْقِ الحَبِّ والنَّوى وإنْزالِ الماءِ وإخْراجِ النَّباتِ والثِّمارِ بِأنْواعِها وإنْشاءِ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَفْصِيلُ ما فِيهِنَّ، وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهًا آخَرَ في المُناسَبَةِ أيْضًا وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ إلَخْ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَهُ ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءً مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى افْتِراءً عَلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وكانَ القَصْدُ بِذَلِكَ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَيُشابِهُوا الكُفّارَ في صُنْعِهِمْ وكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ ساقَ جَلَّ جَلالُهُ هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ في صُنْعِهِمْ فَأتى بِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْيَنِ والنَّمَطِ الأكْمَلِ ثُمَّ جادَلَهم فِيهِ وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى بُطْلانِهِ وعارَضَهم وناقَضَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ السُّورَةُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَفْصِيلًا وبَسْطًا وإتْمامًا وإطْنابًا، وافْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الخَلْقِ والمُلْكِ لِأنَّ الخالِقَ والمالِكَ هو الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ ومَخْلُوقاتِهِ إباحَةً ومَنعًا وتَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا فَيَجِبُ أنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، ولِهَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا اعْتِلاقٌ مِن جِهَةٍ بِالفاتِحَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وبِالبَقَرَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ وبِآلِ عِمْرانَ مِن جِهَةِ تَفْصِيلِها لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ والأنْعامِ والحَرْثِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ إلَخْ وبِالنِّساءِ مِن جِهَةِ ما فِيها مِن بَدْءِ الخَلْقِ والتَّقْبِيحِ لِما حَرَّمُوهُ عَلى أزْواجِهِمْ وقَتْلِ البَناتَ وبِالمائِدَةِ مِن حَيْثُ اشْتِمالِها عَلى الأطْعِمَةِ بِأنْواعِها.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ دائِرًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ حَتّى قالَ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ: إنَّ في سُورَةِ الأنْعامِ كُلَّ قَواعِدِ التَّوْحِيدِ ناسَبَتْ تِلْكَ السُّورَةَ مِن حَيْثُ أنْ فِيها إبْطالَ أُلُوهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ هَذا.
ثُمَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا تَفُوتُ الحَصْرَ ولا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العَدِّ إلّا أنَّها تَرْجِعُ إجْمالًا إلى إيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الأُولى وإيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وأُشِيرَ في الفاتِحَةِ الَّتِي هي أُمُّ الكِتابِ إلى الجَمِيعِ، وفي الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ، وفي الكَهْفِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ وفي سَبَإٍ إلى الإيجادِ الثّانِي وفي فاطِرٍ إلى الإبْقاءِ الثّانِي ابْتُدِئَتْ هَذِهِ الخَمْسُ بِالتَّحْمِيدِ.
ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ في كُلِّ رُبْعٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ المَجِيدِ سُورَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّحْمِيدِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أوْ إنْشائِيَّةٌ وعَيَّنَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِما في حَمْلِها عَلى الإنْشاءِ مِن إخْراجِ الكَلامِ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ لِما يَلْزَمُ عَلى كَوْنِها إنْشائِيَّةً مِنِ انْتِفاءِ الِاتِّصافِ بِالجَمِيلِ قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِ ضَرُورَةُ أنَّ الإنْشاءَ يُقارِنُ مَعْناهُ لَفْظَهُ في الوُجُودِ، وآخَرُونَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ إخْبارًا يَلْزَمُ أنْ لا يُقالُ لِقائِلِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) حامِدٌ إذْ لا يُصاغُ لِلْمُخْبِرِ عَنْ غَيْرِهِ لُغَةً مِن مُتَعَلِّقِ إخْبارِهِ اسْمٌ قَطْعًا، فَلا يُقالُ لِقائِلِ - زَيْدٌ لَهُ القِيامُ - قائِمٌ، واللّازِمُ باطِلٌ فَيُبْطِلُ المَلْزُومَ، ولا يَلْزَمُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إنْشائِيَّةً فَإنَّ الإنْشاءَ يُشْتَقُّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةً لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، فَيُقالُ لِمَن قالَ: بِعْتَ بائِعٌ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كُلِّ إنْشاءٍ في ذَلِكَ، وإلّا لَقِيلَ لِقائِلٍ: ضَرَبَ ضارِبٌ، واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ القائِلُ: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ مُرْضِعٌ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ إنْشاءُ الحالِ مِن أحْوالِ المُتَكَلِّمِ كَما في صِيَغِ العُقُودِ، ولا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ فِيما ذُكِرَ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ جَوازُ الِاعْتِبارَيْنِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وأجابُوا عَمّا يَلْزَمُ مِنَ المَحْذُورِ نَعَمْ رُجِّحَ هُنا اعْتِبارُ الخَبَرِيَّةِ لِما أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ ورَدْعِ الكَفَرَةِ والإعْلامُ بِمَضْمُونِها عَلى وجْهِ الخَبَرِيَّةِ يُناسِبُ المَقامَ وجَعْلُها لِإنْشاءِ الثَّناءِ لا يُناسِبُهُ، وقِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ خَبَرِيَّتِها هُنا لِيَصِحَّ عَطْفُ ما بَعْدُ ثُمَّ الآتِي عَلَيْها، ومَنِ اعْتَبَرَ الإنْشائِيَّةَ ولَمْ يُجَوِّزْ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جَعَلَ العَطْفَ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ أوْ عَلى الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ يَجْعَلُ المَعْطُوفَ لِإنْشاءِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظاهِرِ، وفي تَعْلِيقِ الحَمْدِ أوَّلًا بِاسْمِ الذّاتِ ووَصْفِهِ تَعالى ثانِيًا بِما وصَفَ بِهِ سُبْحانَهُ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ تَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ الإنْعامِ المُؤْذِنِ بِهِ ما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الواقِعِ صِفَةً، ومَعْنى اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الذّاتِيِّ عِنْدَ بَعْضٍ اسْتِحْقاقُهُ جَلَّ وعَلا الحَمْدَ بِجَمِيعِ أوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ، وأنْكَرَ هَذا صِحَّةَ تَوَجُّهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ إلى الذّاتِ مِن حَيْثُ هِيَ وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ في شَرْحِ الإشارَةِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقاماتِ العارِفِينَ أنَّ النّاسَ في العِبادَةِ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، فالأُولى في الكَمالِ والشَّرَفِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والثّانِيَةُ وهي الَّتِي تَلِي الأُولى في الكَمالِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وهي كَوْنُهُ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، والثّالِثَةُ وهي آخِرُ دَرَجاتِ المُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِتَكْمُلَ نُفُوسُهم في الِانْتِسابِ إلَيْهِ، ولا يُشَكِّلُ تَصَوُّرُ تَعْظِيمِ الذّاتِ مِن حَيْثُ هي لِأنَّهُ كَما قالَ الشِّهابُ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ ابْتِداءً قَبْلَ التَّعَقُّلِ بِوُجُوهِ الكَمالِ كانَ مُشْكِلًا أمّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَحْمُودِ جَلَّ جَلالُهُ بِسِماتِ الجَمالِ وتَصَوُّرِهِ بِأقْصى صِفاتِ الكَمالِ فَلا بِدَعَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى تَمْجِيدِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَرَّةً أُخْرى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا سِوى الذّاتِ بَعْدَ الصُّعُودِ بِدَرَجاتِ المُشاهَداتِ ولِذا قالَ أهْلُ الظّاهِرِ: صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْ مَعْرِفَةً لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها فَما بالُكَ بِالعارِفِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ العِرْفانِ وهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ، والَّذِي حَقَّقَهُ السّالَكُوتِيُّ وجَرَيْنا عَلَيْهِ في الفاتِحَةِ أنَّ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ ما لا يُلاحَظُ مَعَهُ خُصُوصِيَّةُ صِفَةٍ حَتّى الجَمِيعِ لا ما يَكُونُ الذّاتُ البَحْتُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا عَلى الجَمِيلِ وسُمِّيَ ذاتِيًّا لِمُلاحَظَةِ الذّاتِ فِيهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ صِفَةٍ أوْ لِدَلالَةِ اسْمِ الذّاتِ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدًا إلى صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ كانَ مُسْنَدًا إلى الذّاتِ وذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ كَلامًا في هَذا المَقامِ رَدَّ بِهِ فِيما عِنْدَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ وحاصِلُهُ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ في (لِلَّهِ) لِمُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ دُونَ الِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ عَلى التَّعْيِينِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا في مِثْلِ لَهُ الحَمْدُ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ فَلَوْ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ تُفِيدُهُ أيْضًا لَما بَقِيَ فَرْقٌ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ ولَهُ الحَمْدُ غَيْرَ كَوْنِ الثّانِي أوْكَدَ مِنَ الأوَّلِ في إفادَةِ القَصْرِ، والمُصَرَّحُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بِإفادَةِ أحَدِهِما القَصْرَ دُونَ الآخَرِ، وإنَّ الِاخْتِصاصاتِ عَلى أنْحاءٍ وتَعْيِينَ بَعْضِها مَوْكُولٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الحُكْمُ، وتَجْعَلُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ غالِبًا وغَيْرِها مِنَ القَرائِنِ، فَإذا رَأيْتَ الحُكْمَ عَلى أوْصافِهِ تَعالى المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى القَصْرِ لِيُطابِقَ المَعْلُولُ عِلَّتَهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْعِمًا عَلى عِبادِهِ وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى الِاسْتِيجابِ لِلتَّطابُقِ أيْضًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلِ الحُكْمُ بِشَيْءٍ أوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ فَإنَّما يَثْبُتُ في الحُكْمِ أدْنى مَراتِبِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي كَوْنُهُ تَعالى حَقِيقًا بِالحَمْدِ مُجَرَّدًا عَنِ القَصْرِ والِاسْتِيجابِ، ويُعَضِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ اخْتِلافُ عِباراتِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَدْلُولاتِ جُمَلِ الحَمْدِ، وأنَّ المُرادَ في الِاسْتِيجابِ الَّذِي جَعَلَهُ بَعْضُ النُّحاةِ مِن مَعانِي اللّامِ ما هو بِمَنزِلَةِ مُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي قَرَّرَهُ لا المَعْنى الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْهُومُ جُمْلَةِ الحَمْدِ لِلَّهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ ولا دَلالَةَ فِيها مِن حَيْثُ هي هي مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ عَلى قَصْرِ الحَقِيقَةِ بِالحَمْدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا عَلى بُلُوغِها حَدَّ الِاسْتِيجابِ نَعَمْ في تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّفَةِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ مُخْتَصًّا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ كَما قالُوا عَلى الوَصْفِ يُشْعَرُ بِمَنطُوقِهِ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ لِلْحَكَمِ وبِمَفْهُومِهِ بِانْتِفاءِ الحُكْمِ عَمَّنْ يَنْتَفِي عَنْهُ الوَصْفُ، ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ إنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) مُدَّعًى ومَدْلُولٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (الَّذِي خَلَقَ) إلَخْ دَلِيلٌ وعِلَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ إلّا حَمْدٌ واحِدٌ مُعَلَّلٌ لِما في حَيِّزِ الوَصْفِ لا حَمْدَ مُعَلَّلٌ بِالذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ بِالذّاتِ البَحْتِ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ وبِالوَصْفِ، ثانِيًا حَتّى يَكُونَ بِمَثابَةِ حَمْدَيْنِ بِاعْتِبارِ العِلَّتَيْنِ لِأنَّ لَفْظَ الجَلالَةِ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ، ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى الأوْصافِ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وعِلَّةً لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلّا مُعَلَّلًا بِالأُمُورِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ ولا يُكْتَفى بِاسْمِ الذّاتِ اللَّهُمَّ إلّا في تَسْبِيحاتِ المُؤْمِنِينَ وتَحْمِيداتِهِمْ لا في مُحاجَّةِ المُنْكِرِينَ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِها وأيْضًا اقْتِضاءُ الذّاتِ البَحْتِ مِن حَيْثُ هو الذّاتُ ماذا يُفِيدُ في الِاحْتِجاجِ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عامَّتُهم لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ وأمّا ما يُقالُ: إنَّما قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ولَمْ يُقَلْ لِلْعالِمِ أوْ لِلْقادِرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الجَلالَةِ أوِ الإكْرامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ فَكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ظَهَرَ لَكَ فَسادُهُ مِن كَوْنِ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ اسْمِ الذّاتِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ المُشْرِكِينَ المَحْجُوجِينَ الجُهّالَ لا يَعْرِفُونَهُ تَعالى ولا يَذْكُرُونَهُ فِيما بَيْنَهم ولا عِنْدَ المُحاجَّةِ إلّا بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ العَلِيمِ لا بِالصِّفاتِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تُحْكى أجْوِبَتُهم بِذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في عامَّةِ السُّؤالاتِ إلّا ما قَلَّ، حَيْثُ كانَ جَوابُهم فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ عَلى أنَّ البَعْضَ جَعَلَ هَذا لازِمَ مَقُولِهِمْ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمالًا أُقِيمَ مَقامُهُ فَكَأنَّهم قالُوا: اللَّهُ، كَما حَكى عَنْهم في مَواضِعَ وحِينَئِذٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ويَذْكُرُونَهُ بِهَذا الِاسْمِ هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ لِكَوْنِهِ خالِقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، ولِكَوْنِهِ كَذا وكَذا وإذا عَرَفْتَ أنَّ الذّاتَ لا يُلائِمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وإنَّما الحَقِيقُ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ هو الصِّفاتُ، وأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الحَمْدُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بَعْضُ الصِّفاتِ بِحَسْبَ اقْتِضاءُ المَقامِ لا جَمِيعَ الصِّفاتِ عَرَفْتَ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ تَرْتِيبَ الحَمْدِ عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ يُوهِمُ اخْتِصاصَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَقَعَ في الوَرْطَةِ الَّتِي فَرَّ مِنها كَما لا يَخْفى فالحُقُّ أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ هو الوَصْفُ الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ، وأنَّ تَخْصِيصَ بَعْضَ الأوْصافِ لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ في بَعْضِ المَواقِعِ إنَّما هو بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ المَقامِ إيّاهُ، فَإنْ قُلْتَ فَما الرَّأْيُ في الحَمْدِ بِاعْتِبارِ الذّاتِ البَحْتِ أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ عَلى ما قِيلَ: هَلْ لَهُ وجْهٌ أمْ لا قُلْتُ: إمّا كَوْنُ الذّاتِ الصَّرْفِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وكَذا كَوْنُ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ بِاسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَلا وجْهَ لَهُ وأمّا ما ذَكَرُوهُ في شَرْحِ خُطَبِ بَعْضِ الكُتُبِ مِن أنَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَلَعَلَّ مَنشَأهُ هو أنَّ الحَمْدَ لِما اقْتَضى وصْفًا جَمِيلًا صالِحًا لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ويَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ وصْفٌ كَذَلِكَ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بَلِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الذّاتِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ ثَبَتَ اعْتِبارُ الوَصْفِ الجَمِيلِ هُناكَ اقْتِضاءٌ ثُمَّ مِن أجْلِ تَعْيِينِ البَعْضِ بِالِاعْتِبارِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ لا يَخْلُو عَنْ لُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجَّحٍ يَلْزَمُ اعْتِبارُ بَعْضِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ بِرُمَّتِها فَيَكُونُ الحَمْدُ بِاعْتِبارِ جَمِيعِها، وحَيْثُ ذُكِرَ مَعَهُ وصْفٌ جَمِيلٌ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ودُلَّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ كانَ عَنْ ضَرُورَةٍ ولا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ كَما لا يَخْفى، ومَن لَمْ يَهْتَدِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما وقَعَ في القُرْآنِ المَجِيدِ لِمَقاصِدَ وما وقَعَ في خُطَبِ الكُتُبِ لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما ذُكِرَ فِيهِ المَحْمُودُ عَلَيْهِ صَرِيحًا أوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ وبَيْنَ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ، وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ مُقْتَضَياتِ بَعْضِ المَقاماتِ بِبَعْضٍ ولَمْ يَدْرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ شَرَفٍ، وكَلامُ غَيْرِهِ في أيِّ وادٍ وقُصارى الكَلامِ أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ الحَمْدِ لِلَّهِ هُنا عَلى الوَصْفِ المُخْتَصِّ بِهِ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ القَصْرِيَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ إلّا أنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أوَّلِ سَبَإٍ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وبَيْنَ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ مِمّا مُحَصِّلُهُ أنَّ جُمْلَةَ (لَهُ الحَمْدُ) جِيءَ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِيُفِيدَ القَصْرَ لِكَوْنِ الإنْعامِ بِنِعَمِ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ﴾ إلَخْ فَإنَّها لَمْ يُجَأْ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ حَتّى لا يُفِيدَ القَصْرَ لِعَدَمِ كَوْنِ الإنْعامِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى مُطْلَقًا بِحَيْثُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْغَيْرِ إذْ يَكُونُ بِتَوَسُّطِ الغَيْرِ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِغَيْرِ الحَمْدِ بِنَوْعِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ وساطَتِهِ آبَ عَنْهُ، إذْ حاصِلُ ما ذَكَرَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ هو أنَّهُ لا قَصْرَ في جُمْلَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ﴾ إلَخْ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ لَهُ الحَمْدُ ﴾ وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ وكَذا الفاتِحَةُ هو أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إذا رَتَّبَ عَلى الأوْصافِ المُخْتَصَّةِ كالخَلْقِ والجَعْلِ المَذْكُورَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا غايَةُ ما في البالِ أنَّ طَرِيقَ.إفادَةِ القَصْرِ في البابَيْنِ مُتَغايِرٌ فَفي إحْداهُنَّ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ وفي الأُخْرى مَفْهُومُ العِلَّةِ فَتَدَبَّرْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وجَمَعَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ مَعَ أنَّها عَلى ما تَقْتَضِيهِ النُّصُوصُ المُتَعَدِّدَةُ مُتَعَدِّدَةٌ أيْضًا، والمُؤاخاةُ بَيْنَ الألْفاظِ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ فَإذا جَمَعَ أحَدٌ المُتَقابِلَيْنِ أوْ نَحْوَهُما يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ الآخَرَ عِنْدَهم ولِذا عِيبَ عَلى أبِي نُواسٍ قَوْلُهُ: وما لَكَ فاعْلَمَن فِينا مَقالًا إذا اسْتَكْمَلْتَ آجالًا ورِزْقًا حَيْثُ جَمَعَ وأفْرَدَ إذْ جَمَعَ لِنُكْتَةٍ سَوَّغَتِ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ الأصْلِ وهي الإشارَةُ إلى تَفاوُتِهِما في الشَّرَفِ، فَجَمَعَ الأشْرَفَ اعْتِناءً بِسائِرِ أفْرادِهِ وأفْرَدَ غَيْرَ الأشْرَفِ، وأشْرَفِيَّةُ السَّماءِ لِأنَّها مَحِلُّ المَلائِكَةِ المُقَدِّسِينَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومِعْراجُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ ولِعِظَمِها وإحاطَتِها بِالأرْضِ عَلى القَوْلِ بِكُرَيَّتِها الذّاهِبُ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا وعِظَمِ آياتِ اللَّهِ فِيها، ولِأنَّها لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها أصْلًا، وفِيها الجَنَّةُ الَّتِي هي مَقَرُّ الأحْبابِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، والأرْضُ وإنْ كانَتْ دارَ تَكْلِيفٍ ومَحِلَّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلتَّبْلِيغِ وكَسْبِ ما يَجْعَلُهم مُتَأهِّلِينَ لِلْقامَةِ في حَضِيرَةِ القُدْسِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِدارِ قَرارٍ وخَلْقُ أبْدانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها ودَفْنُهم فِيها مَعَ كَوْنِ أرْواحِهِمُ الَّتِي هي مَنشَأ الشَّرَفِ لَيْسَتْ مِنها ولا تُدْفَنُ فِيها لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن شَرَفِها وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أشَرَفِيَّتِها فَلا يَكادُ يَسْلَمُ لِأحَدٍ، وكَذا كَوْنُ اللَّهِ تَعالى وصَفَ بِقاعًا مِنها بِالبَرَكَةِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِمّا ذَكَرْنا، ولِهَذا الشَّرَفِ أيْضًا قُدِّمَتْ عَلى الأرْضِ في الذِّكْرِ، وقِيلَ: إنَّ جَمَعَ السَّمَواتِ وإفْرادَ الأرْضِ لِأنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لِتَشابُهِ الأثَرِ، وهو يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ، وأمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ وحاصِلُهُ أنَّ اخْتِلافَ الآثارِ دَلَّ عَلى تَعَدُّدِ السَّماءِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً، والأرْضُ وإنْ كانَتْ مُتَعَدِّدَةً لَكِنْ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلِذَلِكَ جَمَعَها دُونَ الأرْضِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ رُبَّما يَقْتَضِي العَكْسَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا تَعَدُّدَ حَقِيقِيًّا في الأرْضِ، ولِهَذا لَمْ تُجْمَعْ، وأمّا التَّعَدُّدُ الوارِدُ في بَعْضِ الأخْبارِ نَحْوَ قَوْلِهِ : «مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلى التَّعَدُّدِ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ، وكَذا يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟
هَذِهِ أرْضٌ هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: أرْضٌ أُخْرى وبَيْنَهُما مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ»، والتَّحْتِيَّةُ لا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّ الأرْضَ كالسَّماءِ كُرَوِيَّةٌ، وقَدْ يُقالُ لِلشَّيْءِ إذا كانَ بَعْدَ آخِرٍ هو تَحْتَهُ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ : «بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةِ عامٍ أنَّ القَوْسَ مِن إحْدى السَّمَواتِ المَسامِتِ لِأوَّلِ إقْلِيمٍ وأوَّلُ الآخِرِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ» ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَزِيدُ عَلى هَذا المِقْدارِ، وكَثِيرًا ما يُقْصَدُ مِنَ العَدَدِ التَّكْثِيرُ لا الكَمُّ المُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُماثَلَةِ في السَّبْعَةِ المَوْجُودَةِ في الأقالِيمِ لا عَلى التَّعَدُّدِ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ سِوى اتِّهامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَجْزِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَخْلُقَ سَبْعَ أرْضِينَ طِبْقَ ما نَطَقَ بِهِ ظاهِرُ النَّصِّ الوارِدِ عَنْ حَضْرَةِ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ وأزالَ بِزُلالِ كَلامِهِ الكَرِيمِ أُوامَ كُلِّ صادٍّ، وحَمْلُ المُماثَلَةِ في الآيَةِ أيْضًا عَلى المُماثَلَةِ الَّتِي زَعَمَها صاحِبُ القِيلِ خِلافٌ الظّاهِرِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ تَقْدِيمِ السَّمَواتِ عَلى الأرْضِ تَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى خَلْقِ الأرْضِ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ خَلْقَ المُحَدَّدَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُ باقِي الأفْلاكِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِها بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةِ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن صُنُوفِ النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ والمُرادُ بِالخَلْقِ الإنْشاءُ والإيجادُ أيْ أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ ءاياتٌ لِلْمُتَفَكِّرِينَ ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ وإنْ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لِأنَّ جَعْلَهُما مَسْبُوقٌ بِخَلْقِ مَنشَئِهِما ومَحَلِّهِما كَما قِيلَ، والجَعْلُ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌ لَهُ كَما في الآيَةِ ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ أنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ أوْ لَهُ أوْ مِنهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ بَلْ قَيْدًا فِيهِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ الجَعْلِ والخَلْقِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضْمِينِ أيْ كَوْنُهُ مُحَصَّلًا مِن ءاخَرٍ كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ واعْتُرِضَ بِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ جِسْمانِ قَدِيمانِ سَمِيعانِ بَصِيرانِ أوَّلُها خالِقُ الخَيْرِ والثّانِي خالِقُ الشَّرِّ فَهُما حِينَئِذٍ لَيْسا بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُتَعارَفِ فَمُدَّعاهُمُ الفاسِدُ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ هَذا، وأيْضًا الرَّدُّ يَحْصُلُ لِكَوْنِهِما مُحْدَثَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الجَعْلِ ولَوْ أتى بِالخَلْقِ بَدَلَهُ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنهُ، وأيْضًا أنَّ الجَعْلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ قائِمٍ بِنَفْسِهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ ﴿ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ لِيَحْسُنَ التَّقابُلُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أوْ لِما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ وقِيلَ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ وهو مُتَعَدِّدٌ وبِالنُّورِ الهُدى وهو واحِدٌ، ويَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ والوَحْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ هُنا عَلى الأمْرَيْنِ المَحْسُوسَيْنِ وإنْ جاءَ في الكِتابِ الكَرِيمِ بِمَعْنى الهُدى والضَّلالِ وكانَ لَهُ هُنا وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَدْ أمْكَنَ مَعَ وُجُودِ ما يُلائِمُهُ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً ظاهِرًا حَيْثُ قُرِنا بِالسَّمَواتِ والأرْضِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِما الجَنَّةُ والنّارُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ولِلْعُلَماءِ في النُّورِ والظُّلْمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ حَتّى أنَّهم ألَّفُوا في ذَلِكَ الرَّسائِلَ ولَمْ يَتْرُكُوا بَعْدُ مَقالًا لِقائِلٍ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ النُّورَ كَيْفِيَّةً هي كَمالٌ بِذاتِها لِلشَّفّافِ مِن حَيْثُ هو شَفّافٌ أوِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ الإبْصارُ بِها عَلى الإبْصارِ بِشَيْءٍ آخَرَ وأنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ وهو باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كَوْنَها أنْوارًا إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنُ كَوْنِها أجْسامًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ النُّورِيَّةِ مُغايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِيَّةِ، ولِذَلِكَ يَعْقِلُ جِسْمٌ مُظْلِمٌ ولا يَعْقِلُ نُورٌ مُظْلِمٌ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّها أجْسامٌ حامِلَةٌ لِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الأجْسامَ المَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الكَيْفِيّاتِ إمّا أنْ تَكُونَ مَحْسُوسَةً أوْ لا فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنِ الضَّوْءُ مَحْسُوسًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتْ ساتِرَةً لِما تَحْتَها ويَجِبُ أنَّها كُلَّما ازْدادَتِ اجْتِماعًا ازْدادَتْ سَتْرًا لَكِنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الشُّعاعَ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَتْ حَرَكَتُهُ بِالطَّبْعِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لَكِنَّ النُّورَ مِمّا يَقَعُ عَلى كُلِّ جِسْمٍ في كُلِّ جِهَةٍ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ النُّورَ إذا دَخَلَ مِن كُوَّةٍ ثُمَّ سَدَدْناها دَفْعَةً فَتِلْكَ الأجْزاءُ النُّورانِيَّةُ إمّا أنْ تَبْقى أوْ لا فَإنْ بَقِيَتْ فَإمّا أنْ تَبْقى في البَيْتِ، وإمّا أنْ تَخْرُجَ فَإنْ قِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ عَنِ الكُوَّةِ قَبْلَ السَّدِّ فَهو مُحالٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّها عَدِمَتْ فَهو أيْضًا باطِلٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُحْكَمَ أنَّ جِسْمًا لَمّا تَخَلَّلَ بَيْنَ جِسْمَيْنِ عَدِمَ أحَدُهُما فَإذَنْ هي باقِيَةٌ في البَيْتِ، ولا شَكَّ في زَوالِ نُورِيَّتِها عَنْها، وهَذا هو الَّذِي نَقُولُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ المُسْتَضِيءِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأجْسامِ ثَبَتَ في الكُلِّ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ يَسْتَبِينُ وجْهُ الأرْضِ كُلُّهُ دَفْعَةً، ومِنَ البَعِيدِ أنْ تَنْتَقِلَ تِلْكَ الأجْزاءُ مِنَ الفَلَكِ الرّابِعِ إلى وجْهِ الأرْضِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ سِيَّما والخَرْقُ عَلى الفَلَكِ مُحالٌ عِنْدَهم واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ الشُّعاعَ مُتَحَرِّكٌ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ جِسْمٌ فالشُّعاعُ جِسْمٌ (بَيانُ الصُّغْرى بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ)، الأوَّلُ أنَّ الشُّعاعَ مُنْحَدِرٌ مِن ذِيهِ والمُنْحَدِرُ مُتَحَرِّكٌ بِالبَدِيهَةِ، والثّانِي أنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويَنْتَقِلُ بِحَرَكَةِ المُضِيءِ، والثّالِثُ أنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ عَمّا يَلْقاهُ إلى غَيْرِهِ، والِانْعِكاسُ حَرَكَةٌ، والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الشُّعاعُ مُنْحَدِرٌ فَهو باطِلٌ وإلّا لَرَأيْناهُ في وسَطِ المَسافَةِ بَلِ الشُّعاعُ يَحْدُثُ في المُقابِلِ القابِلِ دَفْعَةً، ولَمّا كانَ حُدُوثُهُ مِن شَيْءٍ عالٍ تُوُهِّمَ أنَّهُ يَنْزِلُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْتِقالِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الظِّلَّ يَنْتَقِلُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فالحَقُّ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ حادِثَةٌ في المُقابِلِ وعِنْدَ زَوالِ المُحاذاةِ عَنْهُ إلى قابِلٍ آخَرَ يَبْطُلُ النُّورُ عَنْهُ ويَحْدُثُ في ذَلِكَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الِانْعِكاسِ فَإنَّ المُتَوَسِّطَ شَرْطٌ لِأنْ يَحْدُثَ الشُّعاعُ مِنَ المُضِيءِ في ذَلِكَ الجِسْمِ ثُمَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ كَيْفِيَّةٌ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ فَقَطْ، وزَعَمُوا أنَّ الظُّهُورَ المُطْلَقَ هو الضَّوْءُ وإخْفاءُ المُطْلَقِ هو الظُّلْمَةُ والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الظِّلُّ، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ بِحَسْبِ مَراتِبِ القُرْبِ والبُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ وأطالُوا الكَلامَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما لا يُجْدِي نَفْعًا، ولا يَأْبى أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ الأوَّلُ أنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ إشارَةٌ إلى تَجَدُّدِ أمْرٍ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ اللَّوْنُ أوْ صِفَةً غَيْرَ نِسْبِيَّةٍ أوْ صِفَةً نِسْبِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْعَلَ النُّورُ عِبارَةً عَنْ تَجَدُّدِ اللَّوْنِ أوْ عَنِ اللَّوْنِ المُتَجَدِّدِ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنِيرًا إلّا آنَ تَجَدُّدُهُ، والثّانِي يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ نَفْسَ اللَّوْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِمُ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ مَعْنًى، وإنْ جَعَلُوا الضَّوْءَ كَيْفِيَّةً ثُبُوتِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ وسَمَّوْهُ بِالظُّهُورِ عادَ النِّزاعُ لَفْظِيًّا، وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ تَجَدُّدُ حالَةِ نِسْبِيَّةٍ فَذاكَ باطِلٌ لِأنَّ الضَّوْءَ أمْرٌ غَيْرُ نِسْبِيٍّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بِالحالَةِ النِّسْبِيَّةِ، والثّانِي أنَّ البَياضَ قَدْ يَكُونُ مُضِيئًا و مُشْرِقًا وكَذَلِكَ السَّوادُ فَإنَّ الضَّوْءَ ثابِتٌ لَهُما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما مُضِيئًا نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ بَعْضُهُ مُضادًّا لِلْبَعْضِ وهو مُحالٌ إذِ الضَّوْءُ لا يُقابِلُهُ إلّا الظُّلْمَةُ الثّالِثُ أنَّ اللَّوْنَ يُوجَدُ مِن غَيْرِ الضَّوْءِ فَإنَّ السَّوادَ مَثَلًا قَدْ لا يَكُونُ مُضِيئًا وكَذَلِكَ الضَّوْءُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ اللَّوْنِ مِثْلُ الماءِ والبِلَّوْرِ إذا كانا في الظُّلْمَةِ ووَقَعَ الضَّوْءُ عَلَيْهِ وحْدَهُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُرى ضَوْءُهُ فَذَلِكَ ضَوْءٌ ولَيْسَ بِلَوْنٍ فَإذا وُجِدَ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الآخَرِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ الرّابِعُ أنَّ المُضِيءَ لِلَوْنٍ تارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ وحْدَهُ إلى غَيْرِهِ وتارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ واللَّوْنُ وذَلِكَ إذا كانَ قَوِيًّا فِيهِما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ لاسْتَحالَ أنْ يُفِيدَ غَيْرُهُ بَرِيقًا ساذَجًا، وكَوْنُ هَذا البَرِيقِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ لَوْنِ ذَلِكَ القابِلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لِماذا إذا اشْتَدَّ لَوْنُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ مِنهُ وضَوْءُهُ أخْفى لَوْنَ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ وأبْطَلَهُ وأعْطاهُ لَوْنَ نَفْسِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ والشُّعاعِ والبَرِيقِ بِأنَّ الأجْسامَ إذا صارَتْ ظاهِرَةً بِالفِعْلِ مُسْتَنِيرَةً فَإنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ كَيْفِيَّةٌ ثابِتَةٌ فِيها مُنْبَسِطَةٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّها سَوادٌ أوْ بَياضٌ أوْ حُمْرَةٌ أوْ صُفْرَةٌ، والآخَرُ اللَّمَعانُ وهو الَّذِي يَتَرَقْرَقُ عَلى الأجْسامِ ويَسْتُرُ لَوْنَها وكَأنَّهُ شَيْءٌ يَفِيضُ مِنها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن ذاتِهِ أوْ مِن غَيْرِهِ فالظُّهُورُ لِلشَّيْءِ الَّذِي مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ والنّارِ يُسَمّى ضَوْءًا، والظُّهُورُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ يُسَمّى نُورًا، والتَّرَقْرُقُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ يُسَمّى شُعاعًا، والَّذِي يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ كَما لِلْمِرْآةِ يُسَمّى بَرِيقًا وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ الكَلامُ في الفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا وكَذَلِكَ الكَلامُ في الظُّلْمَةِ والنِّسْبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ النُّورِ، والمَشْهُورُ أنَّ بَيْنَهُما تَقابُلَ العَدَمِ والمَلَكَةِ، ولِهَذا قُدِّمَتِ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الإعْدامَ مُقَدِّمَةٌ عَلى المَلَكاتِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا تَقابَلَ شَيْئانِ أحَدُهُما وجُودِيٌّ فَقَطْ فَإنِ اعْتَبَرَ التَّقابُلَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْضُوعٍ قابِلٍ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ إمّا بِحَسْبِ شَخْصِهِ أوْ بِحَسْبِ نَوْعِهِ أوْ بِحَسْبِ جِنْسِهِ القَرِيبِ أوِ البَعِيدِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ أوْ بِحَسْبِ الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ حُصُولُهُ فِيهِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِما ذَلِكَ فَهُما السَّلْبُ والإيجابُ، فالعَدَمُ المَشْهُورِيُّ في العَمى والبَصَرِ هو ارْتِفاعُ الشَّيْءِ الوُجُودِيِّ كالقُدْرَةِ عَلى الإبْصارِ مَعَ ما يَنْشَأُ مِنَ المادَّةِ المُهَيِّئَةِ لِقَبُولِهِ في الوَقْتِ الَّذِي مِن شَأْنِها ذَلِكَ فِيهِ كَما حَقَّقَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحِها، فَإذا تَحَقَّقَ أنَّ كُلَّ قابِلٍ لِأمْرٍ وُجُودِيٍّ في ابْتِداءِ قابِلِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالفِعْلِ تَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَلَكَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِعَدَمِها لِأنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالقُوَّةِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها بِالفِعْلِ، وقالَ المَوْلى مِيرَزاجانَ: لا بُدَّ في تَقابُلِ العَدَمِ والمَلَكَةِ أنْ يُؤْخَذَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لِلْوُجُودِيِّ، ولا يَكْفِي نِسْبَةُ المَحِلِّ القابِلِ لِلْوُجُودِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لَهُ، ولِذا صَرَّحُوا بِأنَّ تَقابُلَ العَدَمِ والوُجُودِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ قالَ في الشِّفاءِ: العَمى هو عَدَمُ البَصَرِ بِالفِعْلِ مَعَ وُجُودِهِ بِالقُوَّةِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في مَعْناهُ المَشْهُورِ انْتَهى، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَعْضُ الشُّكُوكِ الَّتِي عَرَّضَتْ لِبَعْضِ النّاظِرِينَ في هَذا المَقامِ، وقِيلَ في تَقَدُّمِ عَدَمِ المَلَكَةِ عَلى الوُجُودِ: إنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ عَدَمٌ مَخْصُوصٌ والعَدَمُ المُطْلَقُ في ضِمْنِهِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى الوُجُودِ في سائِرِ المَخْلُوقاتِ ولِذا قالَ الإمامُ: إنَّما قَدَّمَ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ لِأنَّ عَدَمَ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها كَما جاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ وفي أُخْرى ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ نُورُهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ“ وعَلَيْهِ الظُّلْمَةُ في الخَبَرِ بِمَعْنى العَدَمِ، والنُّورُ بِمَعْنى الوُجُودِ ولا يُلائِمُهُ سِياقُ الحَدِيثِ، والظّاهِرُ ما قِيلَ الظُّلْمَةُ عَدَمُ الهِدايَةِ وظُلْمَةُ الطَّبِيعَةِ، والنُّورُ الهِدايَةُ ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادِ النَّوْرَ واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ أنَّ الجَعْلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ بَلْ تَضْمِينُ شَيْءٍ شَيْئًا وتَصْيِيرُهُ قائِمًا بِهِ قِيامَ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والعَدَمُ مِنَ الثّانِي فَصَحَّ تُعَلُّقُ الجَعْلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عَيْنًا، وفي الطَّوالِعِ أنَّ العَدَمَ المُتَجَدِّدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الفاعِلِ كالوُجُودِ الحادِثِ فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ 1 - يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَعْدِلُونَ) فِيهِ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أوْ مِنهُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والكُفْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ أوْ بِمَعْنى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، والباءُ يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (كَفَرُوا)، وأنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (يَعْدِلُونَ) وعَلى التَّقادِيرِ فالجُمْلَةُ إمّا إنْشائِيَّةٌ إنْشاءَ الِاسْتِبْعادِ أوْ إخْبارِيَّةٌ وارِدَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ شَناعَةِ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ هي إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إنْشاءً أوْ إخْبارًا أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (خَلَقَ) صِلَةُ (الَّذِي) أوْ عَلى (الظُّلُماتِ) مَفْعُولُ (جَعَلَ)، فالِاحْتِمالاتُ تَرْتَقِي إلى أرْبَعَةٍ وسِتِّينَ حاصِلَةً مِن ضَرْبِ سِتَّةَ عَشَرَ، احْتِمالاتُ المَعْطُوفِ في أرْبَعَةٍ أعْنِي احْتِمالاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا لُوحِظَ هُناكَ أُمُورٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ بَلَغَتِ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةَ آلافٍ وزِيادَةً، ولَكِنْ لَيْسَ لَنا إلى هَذِهِ المُلاحَظَةِ كَبِيرُ داعٍ، والَّذِي اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِن تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحَمْدِ والعَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أيِ الِانْصِرافُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَفَرُوا) وهو مِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى الشِّرْكِ أوْ كُفْرانِ النِّعْمَةِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَعْدَ الجارِّ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ مِنَ النِّعَمِ الجِسامِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى الخاصِّ والعامِّ، ثُمَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ أوْ كَفَرُوا بِنِعَمِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والعَدْلُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والكَفْرُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ والمَخْلُوقاتِ العِظامَ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ أوْ هَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها وهم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ ومِهادِ تَرْبِيَتِهِ و(ثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ ما وقَعَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ لِمُجَرَّدِ التَّراخِي في الزَّمانِ وهو وإنْ صَحَّ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مُمْتَدٍّ يَصِحُّ فِيهِ التَّراخِي بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ والفَوْرُ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ كَما حَقَّقَهُ النُّحاةُ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ أوْفَقُ بِالمَقامِ، ونُكْتَةُ وضْعِ الرَّبِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ تَأْكِيدِ أمْرِ الِاسْتِبْعادِ، ووَجْهُ جَعْلِ الباءَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يِعْدَلُونَ) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْهِ وبِـ (كَفَرُوا) عَلى الِاحْتِمالِ الآخَرِ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ يَقْتَضِي التَّوَصُّلَ بِالباءَ بِخِلافِ ما إذا كانَ مِنهُ بِمَعْنى العُدُولِ، فالظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وما قالَهُ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ مِنِّي أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِكُلٍّ مِن تَوْجِيهَيْ ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ بِواحِدٍ مِنَ العَطْفَيْنِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلٍّ بِما خُصِّصَ بِهِ اتِّساقُ نَظْمِ الآيَةِ حِينَئِذٍ، وظُهُورُ شِدَّةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما عُطِفَ بِـ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعادِيَّةِ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الأُولى إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَحَقَ جَمِيعَ المَحامِدِ مِنَ العِبادِ فُهِمَ أنَّ العُدُولَ عَنْهُ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ، فَيُناسِبُ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ فَلا يَحْمَدُونَهُ ولا يَلْتَفِتُونَ لَفْتَةً، ولا يُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ إذْ لَمْ يُسْبَقْ صَرِيحًا، وبِالقَصْدِ الأوْلى ما يَنْفِي التَّسْوِيَةَ، وإذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ: إنَّهُ جَعْلُ شَأْنِهِ خَلْقَ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ناسَبَ في الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسَوُّونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا أنَّهم لا يَحْمَدُونَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إذا كانَ المَعْنى عَلى الأوَّلِ الحَمْدَ والثَّناءَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُنْعِمِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الشّامِلَةِ سائِرَ الأُمَمِ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنَ الكَفَرَةِ والمُشْرِكِينَ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ إحْسانِهِ العُدُولُ عَنْهُ، وعَلى الثّانِي المَعْرُوفِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الخاصِّ والعامِّ كَيْفَ يَتَسَنّى لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أوْ لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ أنْ يُسَوُّوا بِهِ غَيْرَهُ وهم في قَبْضَتِهِ، فَوَجْهُ التَّخْصِيصِ في الأوَّلِ أنَّهُ لا يَخْفى اسْتِبْعادُ انْصِرافِ العَبْدِ عَنْ سَيِّدِهِ ووَلِيِّ نِعْمَتِهِ إلى سِواهُ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّ المُنْعِمَ قَدْ يُساوِيهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ إلى غَيْرِهِ، وفي الثّانِي أنَّ اسْتِبْعادَ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ بِخِلافِ العُدُولِ عَنْهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لِجَهْلِ العادِلِ بِحَقِّهِ فَإنَّ العُدُولَ لا يُنافِي عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّهُ لا يُسَوِّي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَعْرِفُهُما بِوَجْهٍ ما فَتَدَبَّرْ واعْتَرَضَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِضَمِّ ما لا دَخْلَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلى مالِهِ ذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَ المَجْمُوعَ صِلَةً في مَقامٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الصِّلَةِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعُمُومِ إحْسانِهِ لِلْمُسْتَحَقِّ وغَيْرِهِ حَيْثُ يُنْعِمُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ ويُشْرِكُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ مُنْبِئٌ عَنْ كَمالِ الِاسْتِحْقاقِ وقَدْ يُقالُ: وُقُوعُ هَذا المَعْطُوفِ مَوْقِعَ المَحْمُودِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْنى التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِن إنْكارِ مَضْمُونِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ جَلَّ جَنابُهُ عَنْ أنْ يُعْدَلَ بِهِ شَيْءٌ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ يَجِبُ في المَشْهُورِ أنْ يَكُونَ جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ في الِاعْتِراضِ عَلى العَطْفِ المَذْكُورِ أنَّ ما يَنْتَظِمُ في سِلْكِ الصِّلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ مُوجِباتِ حَمْدِهِ تَعالى حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ الإنْباءِ في الجُمْلَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ كُفْرَهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ وادِّعاءَ أنَّ لَهُ دَخْلًا فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العِظامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ تَعَسُّفٌ لا يُساعِدُهُ النِّظامُ وتَعْكِيسٌ يَأْباهُ المَقامُ كَيْفَ لا وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الآياتُ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ لا بَيانِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقْتَضِيهِ الِادِّعاءُ المَذْكُورُ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ المَعْطُوفِ مِن رَوادِفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما أنَّ حَقَّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإفادَةِ فَما ظَنُّكَ بِرَوادِفِها وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَعْطُوفَ هو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ انْتَهى ورُدَّ بِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ، ولا تَعَسُّفَ فِيهِ لِبَلاغَتِهِ، وادِّعاءُ التَّعْكِيسِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ الحَمْدِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرُ بِها، وما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ ولا يُتْرَكُ مُقْتَضى مَقامٍ لِأجْلِ مُقْتَضى مَقامٍ آخَرَ إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ خالِيَةٌ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِالمَوْصُولِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ حَيْثُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ، إلّا أنَّ هَذا مِنَ النُّدُورِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِهِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الفَصِيحِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ ذَلِكَ في رَبْطِ الصِّلَةِ ابْتِداءُ ضَعْفِهِ فِيما عُطِفَ عَلَيْها فَكَثِيرًا ما يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، والجَوابُ بِأنَّ هَذا العَطْفَ لا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ عَجِيبٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ بِـ (ثُمَّ) يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الرّابِطِ، وغايَةُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ نُكْتَةٌ لِلرَّبْطِ بِالِاسْمِ واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالعَدْلِ العُدُولُ مَعَ اعْتِبارِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَمْدِ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ تَعالى لا سِيَّما بِاعْتِبارِ رُبُوبِيَّتِهِ أشَدُّ شَناعَةً وأعْظَمُ جِنايَةً مِن عُدُولِهِمْ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ فَجَعْلُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً في الكَلامِ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ وإخْراجُ أعْظَمِهِما مَخْرَجَ القَيْدِ المَفْرُوغِ مِنهُ مِمّا لا عُهْدَةَ لَهُ في الكَلامِ السَّدِيدِ فَكَيْفَ بِالنَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ الحَمْدِ ناسَبَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلا يَرِدُ اعْتِراضُ الشَّيْخِ، وقَدْ ذَكَرَ هو - قُدِّسَ سِرُّهُ - تَوْجِيهًا لِلْآيَةِ وادَّعى أنَّهُ الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وحَطَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ، والَّذِي تَصْدَحُ بِهِ كَلِماتُهم أنَّ صِلَةَ (يَعْدِلُونَ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ مَتْرُوكَةً لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ وإنَّما قَدَّرُوا لَهُ مَفْعُولًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ فَقالُوا: غَيْرَهُ أوِ الأوْثانَ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ إنْكارُ العَدْلِ بِخِلافِ إنْكارِ العُدُولِ، ونُظِرَ في ذَلِكَ بِأنَّ مُجَرَّدَ العُدُولِ بِدُونِ اعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ألا تَرى أنَّ العُدُولَ عَنِ الباطِلِ لا يُنْكَرُ، فالظّاهِرُ اعْتِبارُ المُتَعَلِّقِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ (بِرَبِّهِمْ) عَلى احْتِمالِ تُعَلِّقِهِ بِما بَعُدَ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاهْتِمامِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ العُدُولَ وإنْ كانَ لَهُ فَرْدانِ أحَدُهُما مَذْمُومٌ وهو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومَمْدُوحٌ وهو العُدُولُ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ لَكِنَّ العُدُولَ المَوْصُوفَ بِهِ الكُفّارُ لا يَحْتَمِلُ الثّانِيَ، فَتَعَيُّنُهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أبْلَغُ عِنْدَ التَّأمُّلِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّها مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لا تَتَصَوَّرُ بِدُونِ المُتَعَلِّقِ فَلِذا قَدَّرُوهُ، ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ تَنْزِيلَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، إنَّما يَكُونُ أوْ يَحْسُنُ فِيما لَيْسَ مِن قَبِيلِ النَّسَبِ هَذا، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِ القُرْءانِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: فُتِحَتِ التَّوْراةُ بِـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ وخُتِمَتْ بِـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، والخِطابُ وإنْ صَحَّ كَوْنُهُ عامًّا لَكِنَّهُ هُنا خاصٌّ بِـ (الَّذِينِ كَفَرُوا) كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ الآتِي فَفِيهِ التِفاتٌ، والنُّكْتَةُ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أدِلَّةِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أظْهَرِ أدِلَّتِهِ لِما أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن دَلِيلِ الآفاقِ الَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى خَلْقِ المُخاطَبِينَ مِن طِينٍ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَلَقَهم مِنهُ فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِما أنَّهُ أصْلُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أصْلُ سائِرِ البَشَرِ، ولَمْ يَنْسِبْ سُبْحانَهُ الخَلْقَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقِيَّةً، وكِفايَةُ ذَلِكَ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَوْضِيحًا لِمِنهاجِ القِياسِ، ومُبالَغَةً في إزاحَةِ الشُّبْهَةِ والِالتِباسِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ خَلْقِهِمْ مِنهُ: إنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّمْثِ وهُما مِنَ الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التُّرابِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ وقالَ المَهْدَوِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ إنْسانٍ مَخْلُوقٌ ابْتِداءً مِن طِينٍ لِخَبَرِ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا ويُذَرُّ عَلى نُطْفَتِهِ مِن تُرابِ حُفْرَتِهِ» وفي القَلْبِ مِن هَذا شَّيْءٌ، والحَدِيثُ إنْ صَحَّ لا يَخْلُو مِن ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ آباءَكُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرَ قُدْرَةً ﴿ ثُمَّ قَضى ﴾ أيْ قَدَّرَ وكَتَبَ ﴿ أجَلا ﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ لِلْمَوْتِ، و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ دُونَ الزَّمانِ لِتَقَدَّمَ القَضاءُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ التَّرْتِيبُ في الزَّمانِ، ويُرادُ بِالتَّقْدِيرِ والكِتابَةِ ما تَعْلَمُ بِهِ المَلائِكَةُ وتَكْتُبُهُ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمِلِهِ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ» ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أيْ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهو مُبْتَدَأٌ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ أوْ لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ و ﴿ عِنْدَهُ ﴾ هو الخَبَرُ وتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنُهُ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، وقُدِّمَ عَلى خَبَرِهِ الظَّرْفُ مَعَ أنَّ الشّائِعَ في النَّكِرَةِ المُخْبِرِ عَنْها بِهِ لُزُومُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها وفاءً بِحَقِّ التَّفْخِيمِ، فَإنَّ ما قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالتَّقْدِيمِ، فالمَعْنى وأجَلٌ أيْ أجَلٌ مُسْتَقِلٌّ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، وهَذا بِخِلافِ أجَلِ المَوْتِ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ إجْمالًا بِناءً عَلى ظُهُورِ أماراتِهِ أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمالِ الإنْسانِ وقِيلَ: وجْهُ الإخْبارِ عَنْ هَذا أوِ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مِن نَفْسِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ أيْضًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ لَكِنّا نَعْلَمُهُ لِلَّذِينِ شاهَدْنا مَوْتَهُمْ، وضَبَطْنا تَوارِيخَ وِلادَتِهِمْ ووَفاتِهِمْ فَنَعْلَمُهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِ آخِرُ المُدَّةِ أوْ جُمْلَتُها مَتى كانَتْ وكَمْ مُدَّةً كانَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، ورَوى ذَلِكَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: قَضى أجَلًا مِن مَوْلِدِهِ إلى مَماتِهِ، وأجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ مِنَ المَماتِ إلى البَعْثِ لا يَعْلَمُ مِيقاتَهُ أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا واصِلًا لِرَحِمِهِ زادَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في أجَلِ الحَياةِ مِن أجَلِ المَماتِ إلى البَعْثِ، وإذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ ولا واصِلٍ نَقَصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أجَلِ الحَياةِ وزادَ مِن أجَلِ المَماتِ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ ﴾ ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى عَدَمِ تَغْيِيرِ الأجَلِ عَدَمُ تَغْيِيرِ آخِرِهِ، وقِيلَ: الأجَلُ الأوَّلُ الزَّمَنُ الَّذِي يَحْيى بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلى أنْ يَمُوتُوا، والأجَلُ الثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ ولا يَخْفى بُعْدُ إطْلاقِ الأجَلِ عَلى المُدَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ أجَلُ مَن مَضى، والثّانِي أجَلُ مَن بَقِيَ ومَن يَأْتِي، وقِيلَ: الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي: المَوْتُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ النَّوْمَ وإنْ كانَ أخا لِلْمَوْتِ لَكِنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ تَسْمِيَتُهُ أجَلًا وإنْ سُمِّيَ مَوْتًا، وقِيلَ: إنَّ كِلا الأجَلَيْنِ لِلْمَوْتِ ولِكُلِّ شَخْصٍ أجَلانِ أجَلٌ يَكْتُبُهُ وهو يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ وهو المُرادُ بِالعُمُرِ في خَبَرِ «إنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» ونَحْوِهِ، ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الوارِدَةِ في غَيْرِ ما خَبَرِ الزِّيادَةِ بِالبَرَكَةِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ طُولُ العُمُرِ بِبَقاءِ الذِّكْرِ الجَمِيلِ كَما قالُوا: ذِكْرُ الفَتى عُمُرَهُ الثّانِيَ وضَعَّفَهُ الشِّهابُ، وقِيلَ: الأجَلانِ واحِدٌ والتَّقْدِيرُ وهَذا أجَلٌ مُسَمًّى فَهو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ و (عِنْدَهُ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُسَمًّى) وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ 2 - أيْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، وعَنِ الرّاغِبِ المِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مَأْخُوذٌ مِن مُرّى الضَّرْعِ إذا مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ في اسْتِعْمالِهِ في الشَّكِّ أنَّ الشَّكَّ سَبَبٌ لِاسْتِخْراجِ العِلْمِ الَّذِي هو كاللَّبَنِ الخالِصِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، قِيلَ: الِامْتِراءُ الجَحْدُ، وقِيلَ: الجِدالُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ امْتِرائِهِمْ في وُقُوعِ البَعْثِ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ ما يَقْطَعُ مادَّةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إفاضَةِ الحَياةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها عَلى مادَّةٍ غَيْرِ مُسْتَعِدَّةٍ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كانَ أوْضَحَ اقْتِدارًا عَلى إفاضَتِهِ عَلى مادَّةٍ قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُ وقارَنَتْهُ مُدَّةً ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ شَطْرًا مِن تِلْكَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ آنِفًا لا يُلائِمُ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وتَوْجِيهَ الِاسْتِبْعادِ إلى الِامْتِراءِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ المُخاطَبِينَ جازِمُونَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ مُصِرُّونَ عَلى جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ كَما أنَّ هَذِهِ دَلِيلُ البَعْثِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ الثَّناءُ والتَّعْظِيمُ بِشَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ المُنْعِمُ لا أحَدَ غَيْرُهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ ولا إلَهَ سِواهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا بِمُلاحَظَةِ بُرْهانَ التَّمانُعِ إذْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن وُجُودِ الصّانِعِ، ومَنشَأُ ذَلِكَ حَمْلُ الدَّلِيلِ عَلى البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوْ مُقَدِّماتِهِ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها أشْكالُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللّازِمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ الأُولى أيْضًا دَلِيلًا عَلى البَعْثِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ وهُوَ اللَّهُ ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ عائِدٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الجُمْهُورُ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ ِأحْكامِ إلَهِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ ما تَقَدَّمَ، والحَمْلُ ظاهِرُ الفائِدَةِ إذا اعْتُبِرَ ما يَأْتِي وإلّا فَهو عَلى حَدٍّ - أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ كَما في قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيِّءٍ عَلى مَعْنى الجَوادِ والمَعْنى الَّذِي يُعْتَبَرُ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَأْخُوذَ مِن أصْلِ اشْتِقاقِ الِاسْمِ الكَرِيمِ أعْنِي المَعْبُودَ أوْ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلّا أنَّهُ يُلاحِظُ في هَذا المَقامِ ما يَقْتَضِيهِ مِنها أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ لِتَعْرِيفِ طَرَفَيِ الإسْنادِ فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ أوْ ما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما أوْ وهو المالِكُ والمُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ وهو المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ فِيهِما أوْ وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ، ومَعْنى ذَلِكَ مُجَرَّدُ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، ويَكْفِي مِثْلَ ذَلِكَ في تَعَلُّقِ الجارِّ لا أنَّهُ يَحْمِلُ لَفْظَ اللَّهِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أوْ عَلى المالِكِ والمُتَصَرِّفِ أوِ المُتَوَحِّدِ أوْ يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ الظَّرْفَ لا يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لِجُمُودِهِ ولا بِكائِنٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِكائِنٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ كِنايَةٌ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ جَوازَ المَعْنى الأصْلِيِّ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الحالَةُ الَّتِي حَصَلَتْ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالسَّمَواتِ والأرْضِ وبِما فِيهِما بِحالَةِ بَصِيرٍ تَمَكَّنَ في مَكانٍ يَنْظُرُهُ وما فِيهِ والجامِعُ بَيْنَهُما حُضُورُ ذَلِكَ عِنْدَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو ظاهِرٌ، وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً بِالكِتابَةِ بِأنْ شُبِّهَ - عَزَّ اسْمُهُ - بِمَن تَمَكَّنَ في مَكانٍ وأُثْبِتَ لَهُ مِن لَوازِمِهِ وهو عِلْمُهُ بِهِ رُبَّما فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المَحْظُورِ في شَيْءٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ أيْ ما أسْرَرْتُمُوهُ وما جَهَرْتُمْ بِهِ مِنَ الأقْوالِ أوْ مِنها ومِن الأفْعالِ بَيانًا لِلْمُرادِ وتَوْكِيدًا لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ خاصَّةً مَعَ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ مَن في السَّمَواتِ وصاحِبَتِها لِانْسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ إلى بَيانِ حالِ المُخاطَبِينَ، وكَذا يُعْتَبَرُ بَيانًا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الجارِّ عَلى ما عَلِمْتَ فَإنَّ مُلاحَظَتَهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ حَتْمًا وعَلى التَّقادِيرِ الأُخَرِ لا مَساغَ كَما قِيلَ لِجَعْلِهِ بَيانًا لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في مَفْهُومِ شَيْءٍ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ واخْتِصاصِ اطِّلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى، وكَذا مَفْهُومُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا بَيانًا لِذَلِكَ، واعْتِبارُ العِلْمِ فِيما صَدَقَ عَلَيْهِ المُتَوَحِّدُ غَيْرُ كافٍ في البَيانِيَّةِ، وقِيلَ في بَيانِها عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ: إنَّ حَصْرَ الأُلُوهِيَّةِ بِمَعْنى تَدْبِيرِ الخَلْقِ ومَن تَفَرَّدَ بِتَدْبِيرِ جَمِيعِ أُمُورِ أحَدٍ لَزِمَهُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِها حَتّى يَتِمَّ لَهُ تَدْبِيرُها، فَمُلاحَظَةُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ عَلى طُرُزِ ما تَقَرَّرَ في مُلاحَظَةِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ ومِن هَذا يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما أُورِدَ عَلى احْتِمالِ تَعَلُّقِ الجارِّ السّابِقِ بِاعْتِبارِ مُلاحَظَةِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مِن أنَّ التَّوَحُّدَ بِها أمْرٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَكانٍ، فَلا مَعْنًى لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَكانٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فَإنَّ تَدْبِيرَ الخَلْقِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما في حَيِّزِ الجارِّ مِنَ الحَيِّزِ، وكَذا بِما فِيهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِمَنعِ تَفْسِيرِ الأُلُوهِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هاتِيكَ التَّقادِيرِ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَدْ جَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالمُفْرَدِ، وبَعْضُهم جَعَلَها كَذَلِكَ مُطْلَقًا، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ المُرادِ مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ حِينَئِذٍ عَقْلِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَقَدَّسَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ المَكانِ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ إذْ لَمْ يُرْدَفْ بِما يُبَيِّنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ ورَجَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ويُتَكَلَّفُ لَهُ تَقْدِيرُ سُؤالٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ هي خَبَرُ (هُوَ) والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنهُ، والظَّرْفُ يَتَعَلَّقُ بـِ (يَعْلَمُ) ويَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيما ذُكِرَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ العالَمِ فِيهِ لِيَلْزَمَ تَحَيُّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُحالُ، وهَذا كَما قِيلَ كَقَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ صادِقٌ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ ونَقَلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ عَنِ الإمامِ التَّمْرُتاشِيِّ في ”الإيْمانِ“ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ كَما إذا قُلْتَ: إذا ضَرَبْتَ في الدّارِ أوْ في المَسْجِدِ، فَإنْ كانَ مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبِرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ فَلِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَكَذا فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، وإنْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَكَذا فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وفُرِّقَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ المُتَعَدِّي بِإلى والمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ بِأنَّ الأوَّلَ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّةٍ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، والثّانِي إرْسالُ السَّهْمِ أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمى إلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، ولِذا عُدَّ كُلٌّ مِنهُما في قَبِيلٍ وعَلى هَذا يُشَكِّلُ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَعْلُومِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ شَتْمَتِهِ في المَسْجِدِ ويَجِيءُ المُحالُ، وكَوْنُ العِلْمِ هُنا مَجازًا عَنِ المُجازاةِ وهي مِمّا يَظْهَرُ أثَرُها في المَفْعُولِ فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ ويَكْفِي المَفْعُولُ فِيهِ دُونَ الفاعِلِ، في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ عَلى أنَّ كَوْنَ المَفْعُولِ هُنا أعْنِي سِرَّ المُخاطَبِينَ وجَهْرَهم في السَّمَواتِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَعْلَمُ نُفُوسَكُمُ المُفارِقَةَ الكائِنَةَ في السَّمَواتِ ونُفُوسَكُمُ المُقارِنَةَ لِأبْدانِكُمُ الكائِنَةِ في الأرْضِ تَعَسُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ عَلى أنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ فِيما قَبْلُ لِلْكافِرِينَ فَتَفُوتُ المُناسَبَةُ والِارْتِباطُ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ المَلائِكَةَ، وظاهِرٌ أنَّ سِرَّهم وجَهْرَهم في السَّمَواتِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ سِرِّ المُخاطَبِينَ وجَهْرِهِمْ فِيها لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ في أيِّ مَكانٍ كانَ لا أنَّهُما يَكُونانِ في السَّمَواتِ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسِّرِّ ما كُتِمَ عَنْهم مِن عَجائِبِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ مِمّا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وبِالجَهْرِ ما ظَهَرَ لَهم مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ.
وإضافَةُ السِّرِّ والجَهْرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَجازِيَّةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُ أيْضًا التَّنازُعُ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجَوِّزُ التَّنازُعَ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ ومَن يَقُولُ: بِجَوازِ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى المَصْدَرِ لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ مُتَعَلِّقِ المَصْدَرِ إذا قُدِّرَ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِمّا مَنَعُوهُ، وقالَ مَوْلانا صَدْرُ الدِّينِ: يَرُدُّ عَلى مَنعِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ تَعَلُّقُهُ بِـ (إلَهٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ ﴾ مَعَ أنَّ إلَهًا مَصْدَرٌ وصَرَّحَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ فَإنْ أُوِّلَ بِالصِّفَةِ مِثْلَ المَعْبُودِ فَلْيُؤَوَّلِ السِّرُّ والجَهْرُ بِالخَفِيِّ والظّاهِرِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ جَعَلَ (هُوَ) ضَمِيرَ الشَّأْنِ و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أيِ الشَّأْنُ والقِصَّةُ ذَلِكَ ﴿ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ 3 - أيْ ما تَفْعَلُونَهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنَ الأعْمالِ المُكْتَسَبَةِ بِالقُلُوبِ والجَوارِحِ سِرًّا وعَلانِيَةً.
وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ تَعْمِيمِ السِّرِّ والجَهْرِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ وهو السِّرُّ في إعادَةِ (يَعْلَمُ) ومِنَ النّاسِ مَن غايَرَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَعْلِ العِلْمِ هُنا عِبارَةً عَنْ جَزائِهِ وإبْقائِهِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ فِيما تَقَدَّمَ.
وتَفْسِيرُ المُكْتَسَبِ بِجَزاءِ الأعْمالِ مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ غَيْرُ ظاهِرٍ.وكَذا حَمْلُ السِّرِّ والجَهْرِ عَلى ما وقَعَ والمُكْتَسَبُ عَلى ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ وامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ أدِلَّتِهِ.
والإعْراضُ عَنْ خِطابِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهُمُ السّابِقَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا اقْتَضى أنْ لا يُوَجَّهُوا بِكَلامٍ بَلْ يُضْرَبُ عَنْهم صَفْحًا وتَعَدُّدُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ.
فَـ (ما) نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ،و (مِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ يُنافِي كَوْنَ الأوْلى لِلِاسْتِغْراقِ إذِ الآيَةُ المُسْتَغْرِقَةُ لا تَكُونُ بَعْضًا مِنَ الآياتِ.
ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ هَهُنا لِآيَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالإتْيانِ فَهي وإنِ اسْتُغْرِقَتْ بَعْضٌ مِن جَمِيعِ الآياتِ عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ أوِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ والإتْيانِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى النُّزُولِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى الظُّهُورِ عَلى ما قِيلَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُطْلَقًا بِمَعْنى الظُّهُورِ اسْتِعْمالًا لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وهو المَجِيءُ الَّذِي لا يُوصَفُ بِهِ إلّا الأجْسامُ مَجازًا لا كِنايَةً كَما قِيلَ وحاصِلُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: ما تَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المُنْبِئَةِ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ عَلى كافَّةِ الكائِناتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها ﴿ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ 4 - غَيْرَ مُقْبِلِينَ عَلَيْها ولا مُعْتَنِينَ بِها وعَلى الثّانِي ما تَظْهَرُ لَهم آية مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا كانُوا تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها، وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ، واسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ الِاعْتِناءِ أوْ تَرْكِ النَّظَرِ مُجازٌ عَلى ما حَقَّقَهُ البَعْضُ، وفَسَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ الإعْراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِما كانَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ و (عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ.
والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا -كَما قالَ الكَرْخِيُّ- في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي أوْ مِن فاعِلِهِ المُخَصَّصِ بِالوَصْفِ كَما قِيلَ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما.
وإيثارُها عَلى أعْرَضُوا عَنْها كَما وقَعَ مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسْبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى غايَةِ انْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ إعْراضَهم عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ أنَّ الإتْيانَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ لَمّا في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ فَإنَّ الحَقَّ عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلٍّ آيَةً آيَةً مِنهُ.
وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إظْهارًا لِكَمالِ فَظاعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ.
والفاءُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالآياتِ الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ -كَما هو الأظْهَرُ عَلى ما قَرَّرَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ- لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُغايِرٌ لَهُ حَقِيقَةَ واقِعٍ عَقِيبَهُ أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّهُ عَيَّنَهُ في الحَقِيقَةِ والتَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ حَيْثُ أنَّ مَفْهُومَ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ أشْنَعُ مِنَ الإعْراضِ المَذْكُورِ إذْ هو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ ولِذَلِكَ أُخْرِجَ مَخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ.
ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ بَلْ آنَ المَجِيءُ تَأْكِيدًا لِشَناعَةِ فِعْلِهِمُ الفَظِيعِ.
وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى عَلى الأوَّلِ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ حِينَ إتْيانِها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ تَكْذِيبُهُ أصْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ.
وعَلى الثّانِي أنَّهم إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ حالَ إتْيانِها فَلا تَعَجُّبَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ.
واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الفاءِ سَبَبِيَّةً وما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها.
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها سَبَبِيَّةً عَلى مَعْنى أنَّ ما بَعْدَها سَبَبٌ لِما قَبْلَها فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: وقَدْ تَكُونُ الفاءُ السَّبَبِيَّةُ بِمَعْنى لامِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ إذا كانَ ما بَعْدَها سَبَبًا لِما قَبْلَها نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ وأطْلَقَ عَلَيْها الكَثِيرُ حِينَئِذٍ الفاءَ التَّعْلِيلِيَّةَ.
وهَلْ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ حِينَئِذٍ أمْ لا؟
لَمْ يُصَرِّحِ الرَّضِيُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ أيْضًا واسْتُشْكِلَ بِأنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ عَلى المُسَبِّبِ ولا مُتَعَقِّبَ إيّاهُ، وتَكَلَّفَ صاحِبُ التَّوْضِيحِ لِتَوْجِيهِهِ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ عِلَّةٌ بِاعْتِبارِ مَعْلُولٍ، ودُخُولُ الفاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المُعْلَوْلِيَةِ لا بِاعْتِبارِ العِلِّيَّةِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تَتَأتّى في كُلِّ مَحَلٍّ وفي التَّلْوِيحِ الأقْرَبُ ما ذَكَرَهُ القَوْمُ مِن أنَّها إنَّما تُدْخِلُ عَلى العِلَلِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَدُومُ فَتَتَراخى عَنِ ابْتِداءِ الحُكْمِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تُرَتُّبُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ قُلْتَ: مِن حَيْثُ أنَّ ذِكْرَ المُسَبِّبِ يَقْتَضِي ذِكْرَ السَّبَبِ انْتَهى، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّرْتِيبِ هُنا مُطْلَقًا لَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِ النُّحاةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الفاءَ تَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ بَعْدَ الأمْرِ: كَأكْرِمْ زَيْدًا فَإنَّهُ أبُوكَ، واعْبُدِ اللَّهَ فَإنَّ العِبادَةَ حَقٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى ولَيْسَتِ الفاءُ فَصِيحَةً كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم مِن قَوْلِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُقَدَّرُ جَوابَ (لَمّا)، لِأنَّ جَوابَها الماضِيَ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ عَلى الفَصِيحِ فَكَيْفَ يُقَدَّرُ لِلْفاءِ ما يَقْتَضِي عَدَمَها فَما مُرادُ العَلّامَةِ إلّا بَيانُ حاصِلِ المَعْنى، ولِذا أسْقَطَ الفاءَ نَعَمْ قِيلَ: إنَّ هَذا المَعْنى مِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ يَجْرِي في الآيَةِ سَواءً كانَتِ الآيَةُ بِمَعْنى الدَّلِيلِ أوِ المُعْجِزَةِ أوِ الآيَةُ القُرْآنِيَّةُ لِتَغايُرِ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ فِيها، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ 5 - لِلتَّرْتِيبِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ أمْرًا عَظِيمًا يَقْتَضِي تَرَتُّبَ الوَعِيدِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: (يستهزئون) إيذانًا بِأنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا أيْ فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، و(ما) عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، و(الأنْباءُ) جَمْعُ نَبَإٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، والمُرادُ بِأنْباءِ القُرْآنِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ ويَتَحَقَّقُ مَدْلُولُها فِيهِمْ ويُظْهِرُ لَهم آياتِ وعِيدِهِ وإخْبارُهُ بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ والعُقُوباتِ الَّتِي تَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ ونَحْوِهِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أنْباءِ) ذَلِكَ ما تَضَمَّنَ عُقُوباتِ الآخِرَةِ أوْ ظُهُورَ الإسْلامِ وعُلُوَّ كَلِمَتِهِ.
وظاهِرُ ما يَأْتِي مِنَ الآياتِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ إضافَةَ (أنْباءٍ) بَيانِيَّةٌ وهو احْتِمالٌ مَقْبُولٌ.
وادِّعاءُ أنَّهُ مُقْحَمٌ وأنَّ المَعْنى سَيَظْهَرُ لَهم ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الواقِعِ فِيهِ أوْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا داعِيَ لِإقْحامِهِ.
وفي البَحْرِ إنَّما قُيِّدَ الكَذِبُ بِالحَقِّ هُنا وكانَ التَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) وفي الشُّعَراءِ (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ) بِدُونِ تَقْيِيدِ الكَذِبِ والتَّنْفِيسِ بِالسِّينِ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ فاسْتُوفِيَ فِيها اللَّفْظُ وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ وهو مُرادٌ إحالَةً عَلى الأوَّلِ.
وناسَبَ الحَذْفُ الاخْتِصارَ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ فَجِيءَ بِالسِّينِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: شُرُوعٌ في تَوْبِيخِهِمْ بِبَذْلِ النُّصْحِ لَهم والأوَّلُ أظْهَرُ.
والرُّؤْيَةُ عِرْفانِيَّةٌ، وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ في أسْفارِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَسْتَدْعِي مَفْعُولًا واحِدًا، و(كَمْ) اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً مُعَلَّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها.
وهي مَنصُوبَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وهي عِبارَةٌ عَنِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّها و(مِن قَرْنٍ) مُمَيِّزٌ لِـ (كَمْ) عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ فَهو مِن قَرَنْتَ.
واخْتُلِفَ في مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ فَقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سُنُونَ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِقْدارُ الأوْسَطِ في أعْمارِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ.
ولَمّا كانَ هَذا لا ضابِطَ لَهُ يَضْبِطُ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ فِيهِمْ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِائَةَ سَنَةٍ لِما ورَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَها أمْرَ دِينِها وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ اخْتُلِفَ فِيها عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ وفي أهْلِهِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا الأهْلُ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ انْتِصابَ (كَمْ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِـ (أهْلَكْنا) بِمَعْنى (إهْلاكٍ) أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى (أزْمِنَةٍ)، وهو تَكَلُّفٌ، و(مِنِ) الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، والمَعْنى ألَمْ يَعْرِفْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ المُسْتَهْزِءُونَ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأضْرابِهِمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ حالُهُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةُ (قَرْنٍ) لِأنَّ الجُمَلَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ لِاحْتِياجِها إلى التَّخْصِيصِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِسِياقِ النَّظْمِ مُؤَدٍّ إلى اخْتِلالِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا وبِإهْلاكِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ التَّنْوِينَ التَّفْخِيمِيَّ لا يَأْبى الوَصْفَ، وما ورَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ النَّكِراتِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْدُ فَقَدْ قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ غَفْلَةٌ مِنهُ أوْ تَغافُلٌ عَنْ تَفْسِيرِهِمْ فَأهْلَكْناهم إلْخِ الآتِي بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَعْلُهُ قارًا فِيها ولِما لَزِمَ ذَلِكَ جَعْلُها مُقَرًّا لَهُ ورُدَّ الِاسْتِعْمالُ بِكُلٍّ مِنهُما فَقِيلَ تارَةً: مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مَجْرى الآخَرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ بَعْدَما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: (مَكَّنا لَهُمْ) وفي الثّانِي: (ما لَمْ نُمَكِّنْكُمْ) وفِي التّاجِ إنْ مَكَّنْتَهُ ومَكَّنْتَ لَهُ مِثْلُ نَصَحْتَهُ ونَصَحْتَ لَهُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ زائِدَةٌ مِثْلُ (رَدِفَ لَكُمْ) وكَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ يُؤَيِّدُهُ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَكَّنَهُ أبْلَغُ مِن مَكَّنَ لَهُ.
ولِذَلِكَ خَصَّ المُتَقَدِّمَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرَ بِالمُتَأخِّرِينَ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ التَّمْكِينُ الَّذِي نُمْكِنُهُ لَكم أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ.
وعَلَيْهِما فَهي مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّمْكِينِ الإعْطاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْ أعْطَيْناهم ما تَمَكَّنُوا بِهِ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ ما لَمْ نُعْطِكم.
وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ مُدَّةُ عَدَمِ تَمْكِينِكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ.
وقِيلَ: لِجَمِيعِ النّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ.
والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ حالِهِمْ مِنَ التَّبْكِيتِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: لِيَتَّضِحَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ ولا يَشْتَبِهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهي نُكْتَةٌ مِنَ الِالتِفاتِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أهْلُ المَعانِي ﴿ وأرْسَلْنا السَّماءَ ﴾ أيِ المَطَرَ كَما رُوِيَ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا.
وقِيلَ: السَّحابُ واسْتِعْمالُها في ذَلِكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ.
وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها بِمَعْنى المِظَلَّةُ والمَجازُ في إسْنادِ الإرْسالِ إلَيْها لِأنَّ المُرْسَلَ ماءُ المَطَرِ وهي مَبْدَأٌ لَهُ.
وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى.
والإرْسالُ والإنْزالُ -كَما في البَحْرِ- مُتَقارِبانِ في المَعْنى لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”رِسْلٍ“ اللَّبَنِ وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا ﴿ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ﴾ أيْ غَزِيرًا كَثِيرَ الصَّبِّ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ يَسْتَوِي في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ وهو حالٌ مِنَ السَّماءِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـأرْسَلْنا ﴿ وجَعَلْنا الأنْهارَ ﴾ أيْ صَيَّرْناها تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ أيْ مِن تَحْتِ مَساكِنِهِمْ.
والمُرادُ أنَّهم عاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِجَعَلْنا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: أجْرَيْنا الأنْهارَ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأرْسَلْنا السَّماءَ ﴾ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً مُسْتَمِرَّةَ الجَرَيانِ لا لِأنَّ النَّهْرَ لا يَكُونُ إلّا جارِيًا فَلا يُفِيدُ الكَلامُ لِأنَّ النَّظْمَ حِينَئِذٍ ناظِرٌ إلى كَوْنِهِ مِن تَحْتِهِمْ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ صَحِيحًا لَما ورَدَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) واسْتَظْهَرَ كَوْنُ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإيجادِ وهو مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى فَلِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ.
وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ ولَيْسَ المُرادُ -عَلى ما قِيلَ- بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ بَيانُ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانُ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ ومَبادِئِ الأمْنِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ وعَدَمِ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا ويُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الإغْناءِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ، والمُرادُ: فَكَفَرُوا فَأهْلَكْناهُمْ، ورُجِّحَ الأوَّلُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ كَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْشَأنا) أيْ أوْجَدْنا ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ 6 - بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ قَرْنًا ويُخْلِيَ بِلادَهُ مِنهم فَإنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم آخَرِينَ يُعَمِّرَ بِهِمُ البِلادَ فَهو كالتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخافُ عُقْباها ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قُلِعُوا مَن أصْلِهِمْ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن نَسْلِهِمْ لِجَعْلِهِمْ آخَرِينَ وكَوْنِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إثْرَ بَيانِ ما هم فِيهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ وعَنِ الكَلْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لَمّا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ"، والكِتابُ المَكْتُوبُ، والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ فالجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، وإنْ جُعِلَ مُصَدِّرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (نَزَّلْنا) وفِيهِ بَعْدُ، و(القِرْطاسُ) بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها وقُرِئَ بِهِما مُعَرَّبُ كُرّاسَةٍ كَما قِيلَ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ الجَوالِيقِيُّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ ومَعْناهُ الوَرَقُ وعَنْ قَتادَةَ: الصَّحِيفَةُ، وفي القامُوسِ: القِرْطاسُ مُثَلَّثَةُ القافِ وكَجَعْفَرٍ ودِرْهَمٍ والكاغِدُ، وقالَ الشِّهابُ: هو مَخْصُوصٌ بِالمَكْتُوبِ أوْ أعَمُّ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ 0 - ﴿ فَلَمَسُوهُ ﴾ أيِ الكِتابُ أوِ القِرْطاسُ، و(اللَّمْسُ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ المَسُّ بِاليَدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴾ أيْ تَفَحَّصْنا، وقِيلَ: إنَّهُ أعَمُّ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، فَعَنِ الرّاغِبِ: المَسُّ ادِّراكٌ بِظاهِرِ البَشَرَةِ كاللَّمْسِ وبِالتَّقْيِيدِ بِهِ يَنْدَفِعُ احْتِمالُ التَّجَوُّزِ أيْضًا وقِيلَ: إنَّما قُيِّدَ بِذَلِكَ لِأنَّ الإحْساسَ بِاللُّصُوقِ يَكُونُ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ ولِلْيَدِ خُصُوصِيَّةٌ في الإحْساسِ لَيْسَتْ لِسائِرِها، وأمّا التَّجَوُّزُ بِاللَّمْسِ عَنِ الفَحْصِ فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُباشَرَتِهِمُ الفَحْصَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يَنْدَفِعُ لِكَوْنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ أنْسَبَ بِالمَقامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِيُفِيدَ أنَّ اللَّمْسَ كانَ بِكِلْتا اليَدَيْنِ ولا يَظْهَرُ وجْهُ الإفادَةِ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، ولِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إذا تَرَكَ العِنادَ والتَّعَنُّتَ: ﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّمْسَ هُنا إنَّما يَدْفَعُ احْتِمالَ كَوْنِ المَرْئِيِّ مُخَيَّلًا، وأمّا نُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ فَلا يُثْبُتُ بِهِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا تَأيَّدَ الِادِّراكُ البَصَرِيُّ في النُّزُولِ بِالِادِّراكِ اللَّمْسِيِّ في المَنزِلِ بِجَزْمِ العَقْلِ بَدِيهَةً بِوُقُوعِ المُبْصَرِ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلا يَبْقى بَعْدَهُ إلّا مُجَرَّدُ العِنادِ مَعَ أنَّ حُدُوثَهُ هُناكَ مِن غَيْرِ مُباشِرَةِ أحَدٍ يَكْفِي في الإعْجازِ كَما لا يَخْفى، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ زِيادَةِ لَمْسِهِمْ بِأيْدِيهِمْ تَحْقِيقُ القِراءَةِ عَلى قُرْبِ أيْ فَقَرَءُوهُ وهو بِأيْدِيهِمْ لا بَعِيدٌ عَنْهم لَما آمَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ جَوابُ (لَوْ) عَلى الأفْصَحِ مِنِ اقْتِرانِ جَوابِها المُثْبَتِ بِاللّامِ، والمُرادُ (لَقالُوا) تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ، وإنَّما وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزَ الصِّلَةَ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يُكَفِّرُ - كَما قِيلَ - حَسَنُ مَوْقِعِهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَحَدِيثُ الوَضْعِ حِينَئِذٍ مَوْضُوعٌ، و(إنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيِ الكِتابُ نافِيَةٌ أيْ ما هَذا ﴿ إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ 7 - أيْ ظاهِرُ كَوْنِهِ سِحْرًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَدْحِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما هو أصْرَحُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ (لَوْ) ويُغْتَفَرُ في الثَّوانِي ما يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرُ تَنْزِيلُ الكِتابِ المَذْكُورِ بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بُعْدَ في تَقْدِيرِ صُدُورِ هَذِهِ المَقالَةِ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِأنَّهُ مِمّا يُوقِعُ الكافِرَ المُعانِدَ في حَيْصَ بَيْصَ فَلا يَدْرِي بِماذا يُقابِلُهُ، وأيَّ شَيْءٍ يَتَشَبَّثُ بِهِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّوْبِيخُ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِمَلَكٍ يُشاهَدُ مَعَهُ حَتّى تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ بِزَعْمِهِمْ أخْرَجَ أبُو المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَّغَنِي فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ وعَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وابْنُ أبِي خَلَفِ بْنُ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويُرى مَعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ إلَخْ» أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ هَذا نَظِيرُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ وجَعْلِهِ مَعَهُ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُنْذِرُهم أُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَبايِنَيْنِ فَإنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا وجَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنْزَلْنا ﴾ عَلَيْهِ مَلَكًا عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَشاهَدُوهُ بِأعْيُنِهِمْ: لَقُضِيَ الأمْرُ أيْ لَأُتِمَّ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ لِمَزِيدِ هَوْلِ المَنظَرِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن ضَعْفِ القُوى وعَدَمِ اللِّياقَةِ وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم هم إنَّما رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنهم عَلى صُورَتِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ رَآهُ كَذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ بِجِيادٍ ومَرَّةً في السَّماءِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مُحْتاجٌ إلى نَقْلٍ عَنِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والَّذِي صَحَّ مِن رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ النَّبِيَّ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّتَيْنِ كَما ذُكِرَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ أنَّ أحَدًا مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَرِدْ هَذا -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ وناهِيكَ بِهِ حافِظًا في شَيْءٍ- مِن كُتُبِ الآثارِ، وأمّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ وكَذا رُؤْيَةُ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصُّورَةِ الأصْلِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ بِلا رَيْبٍ، وظاهِرُ الأخْبارِ وُقُوعُها أيْضًا لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا وُقُوعُ رُؤْيَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ أقِفْ فِيها عَلى شَيْءٍ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وعَدَمُ وُقُوعِ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَتْ صُوَرُ المَلائِكَةِ كُلُّهم كَصُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العِظَمِ، وخَبَرُ الخَصْمَيْنِ والأضْيافِ لِإبْراهِيمَ ولُوطٍ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةً عَلى أكْثَرِ مِن رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ لِلْمَلائِكَةِ بِصُورَةِ الآدَمِيِّينَ وهي لا تَسْتَلْزِمُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم إلّا كَذَلِكَ وإلّا لاسْتَلْزَمَتْ رُؤْيَةُ نَبِيِّنا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا عَدَمَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم إلّا بِالصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ وهو خِلافُ ما تَفْهَمُهُ الأخْبارُ، وبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى نُونِ العَظَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ.
وكَلِمَةُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ 8 - أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ إنْزالِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحْظَوْا مِنهُ بِكَلِمَةٍ أوْ يُزِيلُوا بِهِ بِزَعْمِهِمْ شُبْهَةً لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَضاءُ الأمْرِ وعَدَمُ الإنْظارِ فَإنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مُهْلَةً قُدِّرَ أنْ يَتَأمَّلُوا واعْتُرِضَ بَأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (لَقُضِيَ) ولا يُمْهِلُ لِلتَّأمُّلِ بَعْدَ قَضاءِ الأمْرِ وقِيلَ في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ: إنَّهم إذا عايَنُوهُ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ وهي آية لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِ ما اقْتَرَحَ.
ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَزُولُ اخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِهِ لِأنَّ هَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ قالَ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ فَيَجِبُ إهْلاكُهم لِئَلّا يَبْقى وجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى قَواعِدِ المُعْتَزِلَةِ وهي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ ومَعَ هَذا هو غَيْرُ صافٍ عَنِ الأشْكالِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الوَجْهَ يُنافِي ما قَبْلَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلى بَقاءِ الِاخْتِيارِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ ودَلالَةُ هَذا عَلى سَلْبِ الِاخْتِيارِ وزَوالِهِ وأنَّ الإيمانَ إيمانُ يَأْسٍ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا يُحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجَزَتِهِمْ بِالهَلَكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لا المُعْجِزُ الخاصُّ فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظْرَةِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ هو الأوْلى وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ﴿ لا يُنْظَرُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ لا عَلى هَلاكِهِمْ بِرُؤْيَةِ المَلَكِ يَنْدَفِعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ بِتَكَلُّفٍ يُتْرَكُ لَهُ كَلامُ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المُحَدِّثِ لِلنّاسِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَفْهُومُ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، والضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ أيْ: ولَوْ جَعَلَنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحْتُمْ إنْزالَهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ مُعايَنَةَ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ الأصْلِيِّ، وفي إيثارِ (رَجُلًا) عَلى (بَشَرًا) إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطْرِيقَ قَلْبِ الحَقِيقَةِ وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وفِيهِ إشْعارٌ كَما قالَ عِصامُ الدِّينِ وغَيْرُهُ بِأنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ امْرَأةً وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في نُبُوَّتِها والعُدُولُ عَنْ (ولَوْ أنْزَلْناهُ مَلَكًا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ يُعْلَمُ سِرُّهُ مِمّا تَقَدَّمَ في بَيانِ المُرادِ وقِيلَ: العُدُولُ لِرِعايَةِ المُشاكَلَةِ لِما بَعْدُ، ووَجَّهَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ جَعْلِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلَكِ المَذْكُورِ قَبِلَ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: ولَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا بِأنَّهُ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ومَدارُ اسْتِلْزامِهِ الثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلُ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ فَحَيْثُ كانَتْ (لَوِ) امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي وجَبَ أنْ يَجْعَلَ مَدارَ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جَعَلَ مُقابِلَهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ إبْرازًا لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ <div class="verse-tafsir"
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ ﴾ إلَخْ جَوابَ اقْتِراحٍ ثانٍ وذَلِكَ لِأنَّ لِلْكَفَرَةِ اقْتِراحَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مَلَكٌ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ بِحَيْثُ يُعايِنُهُ القَوْمُ، والآخَرُ أنْ يَنْزِلَ إلى القَوْمِ ويُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَكانَ الرَّسُولِ البَشَرِ مَلَكٌ فَإنَّهم كَما كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ فَيَكُونُ مَعَهُ نَذِيرًا، كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ فَأُجِيبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا ﴾ إلَخْ وعَنْ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ بِما ذُكِرَ، فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) لِلرَّسُولِ المُنَزَّلِ إلى القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ ولا داعِيَ إلَيْهِ أصْلًا وبَعْضُهم جَعَلَهُ جَوابًا آخَرَ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمَطْلُوبِ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَطْلُوبَ أيْضًا مَلَكٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: لَوْ جَعَلْنا المَلَكَ مَلَكًا إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ لَوْ جَعَلْنا المَطْلُوبَ مَلَكِيَّتَهُ مَلَكًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَطْلُوبَ هو النّازِلُ المُقارِنُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا غُبارَ في الكَلامِ خَلا أنَّ لُزُومَ جَعْلِ المَلَكِ النّازِلِ رَجُلًا لِجَعْلِهِ مَلَكًا كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الثّانِيَةِ يُنافِي لُزُومَ هَلاكِهِمْ لَهُ كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الأُولى لِتَوَقُّفِ الثّانِي عَلى عَدَمِ الأوَّلِ لِأنَّ مَبْناهُ عَلى نُزُولِهِ في صُورَتِهِ لا في صُورَةِ رَجُلٍ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ لا جَوابًا آخَرَ عَنِ الِاقْتِراحِ الأوَّلِ حَتّى لا يَلْزَمَ المُنافاةَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ جَوابًا آخَرَ يَكُونُ جَوابًا عَلى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ، والمَعْنى لَوْ أنْزَلْناهُ كَما اقْتَرَحُوا لَهَلَكُوا، ولَوْ فَرَضْنا عَدَمَ هَلاكِهِمْ فَلا بُدَّ مَن تُمَثُّلِهِ بَشَرًا لِأنَّهم لا يُطِيقُونَ رُؤْيَتَهُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَكُونُ الإرْسالُ لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَوَّلْنا عَلَيْهِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ سالِمٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ، نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ إشْكالًا وهو أنَّ المُقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ المِيزانِ أنَّ صِدْقَ العَكْسِ لازِمٌ لِصِدْقِ الأصْلِ فَعَلى هَذا يَلْزَمُ مِن كَذِبِ اللّازِمِ كَذِبُ المَلْزُومِ فَهَهُنا عَكْسُ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ وهي لَوْ جَعَلْناهُ مَلِكًا لَجَعَلَناهُ رَجُلًا غَيْرَ صادِقٍ إذْ هو لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَجَعَلَناهُ مَلَكًا، ولا خَفاءَ في عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا، والجَوابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المِيزانِ اصْطِلاحٌ جارٍ فَلا يَجِبُ مُوافَقَةُ قاعِدَتِهِمْ لِقاعِدَةِ أهْلِ اللِّسانِ غَيْرُ مُرْضى فَإنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ تِلْكَ القاعِدَةَ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِقاعِدَةِ اللُّغَةِ وأنَّها مِمّا لا خِلافَ فِيهِ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَمْهِيدِ مُقَدِّمَةٍ وهي أنَّ لِـ (لَوِ) الشَّرْطِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ لُغَوِيًّا وهي فِيهِ لِانْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ كَما في لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ ومَفْهُومُ القَضِيَّةِ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِأنَّ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِسَبَبِ عَدَمِ تَحَقُّقِ شَيْءٍ آخَرَ، وعُرْفِيًّا تَعارَفَهُ المِيزانِيُّونَ فِيما بَيْنَهم وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوها مِن أدَواتِ الِاتِّصالِ لُزُومِيًّا واتِّفاقِيًّا وصِدْقُ القَضِيَّةِ الَّتِي هي فِيها بِمُطابَقَةِ الحُكْمِ بِاللُّزُومِ لِلْواقِعِ وكَذِبُها بِعَدَمِها، ويَحْكُمُونَ بِكَذِبِها وإنْ تَحَقَّقَ طَرَفاها إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما لُزُومٌ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها اللُّغَوِيُّونَ أيْضًا في هَذا المَعْنى إمّا بِالِاشْتِراكِ أوْ بِالمَجازِ كَما يُقالُ: لَوْ كانَ زَيْدٌ في البَلَدِ لَرَآهُ أحَدٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَزارَنِي ومِنَ البَيْنِ أنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ لا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ انْتِفاءَ الثّانِي سَبَبُ انْتِفاءِ الأوَّلِ وجَعَلُوا مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ وقَدِ اشْتَبَهَ هَذانِ الِاسْتِعْمالانِ عَلى ابْنِ الحاجِبِ حَتّى قالَ ما قالَ بِأنَّ قَوْلَ المُسْتَشْكِلِ: أنَّ عَكْسَ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ إلَخْ إنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ عَكْسَهُ ما ذُكِرَ فَإنَّ عَكْسَ:لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ لَيْسَ: لَوْ أكْرَمْتُكَ لَجِئْتَنِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ الحُكْمُ في هَذا الِاسْتِعْمالِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِالِاتِّصالِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ القَضِيَّةُ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ السَّكّاكِيُّ عَلى أنَّ بَعْضَ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ قالُوا: المُرادُ مِنَ الآيَةِ ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ ﴾ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ انْتِقاضِ غَرَضِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، يَعْنِي أنَّ نُزُولَ المَلَكِ لا يُجْدِيهِمْ لِأنَّهم وهم هم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُشاهَدَةِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها إلّا أنْ يَجْعَلَهُ مُتَمَثِّلًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ في مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ التَّنَزُّلِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم مَعَهُ مُناسَبَةٌ فَيَرَوْهُ فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا بِمَراحِلَ عَنْ أنْ يُبْحَثَ فِيها عَنْ أنَّ عَكْسَها ماذا أوْ كَيْفَ حالُها في الصِّدْقِ والكَذِبِ، فَإنَّها لَمْ تُسَقْ لِبَيانِ لُزُومِ الجَعْلِ الثّانِي لِلْجَعْلِ الأوَّلِ حَتّى يُسْتَدَلَّ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ أوْ بِالوُجُودِ عَلى الوُجُودِ، فَنِسْبَةُ هَذا البَحْثِ إلى الآيَةِ كَنِسْبَةِ السَّمَكِ إلى السَّمّاكِ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ العُرْفِيِّ المَنطِقِيِّ فَمُسَلَّمٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن صِدْقِ عَكْسِها عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ أصْلِها لَكِنْ لا نُسَلِّمُ كَذِبَ العَكْسِ هُنا عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ إذا فُرِضَ لُزُومُ الجَعْلِ رَجُلًا لِلْجَعْلِ الأوَّلِ كُلِّيًّا عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَصْدُقُ لُزُومُ الجَعْلِ مَلَكًا لِلْجَعْلِ رَجُلًا عَلى بَعْضِ الأوْضاعِ والتَّقادِيرِ وهو اللّازِمُ المُقَرَّرُ في قَواعِدِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا لا يَلِيقُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ مِن مِثْلِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ، وهو كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: إذا قُلْنا إنْ كانَ زَيْدٌ صاهِلًا كانَ حَيْوانًا لا يَصْدُقُ عَكْسُهُ وهو قَدْ يَكُونُ إذا كانَ زَيْدٌ حَيْوانًا كانَ صاهِلًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِصاهِلٍ في الواقِعِ، ومَنشَأُ هَذا هو ظَنُّ أنَّ عَدَمَ تَحَقُّقٍ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أوْ كِلَيْهِما يُنافِي اللُّزُومَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ صِدْقَ اللُّزُومِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَحَقُّقِ الطَّرَفَيْنِ ولا تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ اهـ، وبَحَثَ فِيهِ المَوْلى العَلائِيُّ أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ كَوْنَ القَضِيَّةِ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ، والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها، كَلامٌ ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ ورَدَّهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ وحَقَّقَ اتِّفاقَ الفَرِيقَيْنِ عَلى كَوْنِ الجُمْلَةِ هي المَجْمُوعَ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَصِحُّ بِناءُ الجَوابِ عَلى ذَلِكَ وأُمًّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَشْكِلَ لَمْ يَسْتَدِلْ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في عِبارَتِهِ فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: أكْثَرُ اسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ لِمَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ انْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ، والثّانِي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ لازِمُ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وذَلِكَ إذا كانَ الشَّرْطُ يُسْتَبْعَدُ اسْتِلْزامُهُ لِذَلِكَ الجَزاءِ، ويَكُونُ نَقِيضُ ذَلِكَ الشَّرْطِ أنْسَبَ وألْيَقَ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَيَلْزَمُ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ كَما في «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْصِهْ،» وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُونَ أنَّ الآيَةَ إمّا مِن قَبِيلِ الأوَّلِ: أيْ لَوْ جَعَلْناهُ قَرِينًا لَكَ مَلَكًا يُعايِنُونَهُ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلَناهُ ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ، وما جَعَلَنا ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ لِأنّا لَمْ نَجْعَلِ القَرِينَ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا وإمّا مِن قَبِيلِ الثّانِي: أيْ ولَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا لَكانَ في صُورَةِ رَجُلٍ فَكَيْفَ إذا كانَ إنْسانًا وكُلٌّ مِنهُما لا يَقْبَلُ العَكْسَ المَذْكُورَ ولا ثالِثَ فَلا إشْكالَ فَتَدَبَّرْ فالبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى بَسْطِ كَلامٍ، ولَوْ بَسَطْناهُ لَأمَلَّ النّاظِرِينَ ﴿ ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ 9 - جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابَ مَحْذُوفٍ أيْ: ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَلَبَسْنا إلَخْ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ إعادَةُ لامِ الجَوابِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ، وأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ إرْسالِ المَلَكِ واللَّبْسِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لَهُ بَلْ لِعَكْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ عَطْفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) المَذْكُورِ ولا ضَيْرَ في عَطْفِ لازِمِ الجَوابِ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ إعادَةِ اللّامِ أنَّ لازِمَ الشَّيْءِ بِمُنْزِلَتِهِ فَكَأنَّهُ جِلْبابٌ واللَّبْسُ في الأصْلِ السَّتْرُ بِالثَّوْبِ، ويُطْلَقُ عَلى مَنعِ النَّفْسِ مِن إدْراكِ الشَّيْءِ بِما هو كالسَّتْرِ لَهُ يُقالُ: لَبِسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبَسُهُ إذا شَبَّهْتُ عَلَيْهِمْ وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ لَبِسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ إذا خَلَطْتُهُ عَلَيْهِ حَتّى لا يَعْرِفَ جِهَتَهُ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتَدَلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالمُعْجِزِ كالقُرْآنِ ونَحْوَهُ كَذَّبُوهُ كَما كَذَبُوا مُحَمَّدًا وإسْنادُ اللَّبْسِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ لِلُزُومِهِ لِجَعْلِهِ رَجُلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ، ونِسْبَةُ آياتِهِ البَيِّناتِ إلى السِّحْرِ، و (ما) عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشْفِ عَلى الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وهو الأظْهَرُ لِاسْتِمْرارِ حَذْفِ المَثَلِ في نَحْوِ ضَرَبْتُ ضَرْبَ الأمِيرِ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ مِثْلَ الَّذِي يَلْبِسُونَهُ.
ومُتَعَلِّقُ (يَلْبِسُونَ) عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عَلى ضُعَفائِهِمْ حَيْثُ قالَ: كانُوا يَلْبِسُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ في أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُونَ: إنَّما هَذا بَشَرٌ مِثْلُكم فَأخَبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَوْ جَعَلْنا المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَأرَيْناهم إيّاهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ وحِينَئِذٍ يَلْحَقُهم فِيهِ مِنَ اللَّبْسِ مِثْلَ ما لَحِقَ ضُعَفاءَهم مِنهُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (ولَبَّسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ.
والزُّهْرِيُّ ﴿ ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ في بَيانِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَعْلِ المَلَكِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِهِ في صُورَةِ البَشَرِ أُمُورًا: الأوَّلُ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ.
الثّانِي أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ.
الثّالِثُ أنَّ طاعاتِ المَلَكِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعاتِ البَشَرِ ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي.
الرّابِعُ أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءً كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا.
ولا يَخْفى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا تَبَدَّلَتْ حَقِيقَةُ المَلَكِ المُقَدَّرِ نُزُولُهُ بِحَقِيقَةِ البَشَرِ وهو مَعَ كَوْنِهِ مِنِ انْقِلابِ الحَقائِقِ خِلافُ ما يُفْهَمُ مِن كُتُبِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ التَّبَدُّلَ صُورِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ، وأنَّ الوَجْهَ الرّابِعَ لا يُظْهِرُ وجْهَ كَوْنِهِ حِكْمَةً لِتَصْوِيرِ المَلَكِ بِصُورَةِ البَشَرِ وقَوْلُ العَلائِيِّ: لَعَلَّ وجْهَهُأنَّ المُصَوَّرَ الَّذِي قُدِّرَ كَوْنُهُ نَبِيًّا لَمّا اشْتَمَلَ عَلى جِهَتَيْنِ: البَشَرِيَّةِ صُورَةً والمَلَكِيَّةِ حَقِيقَةً لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءٌ كانَ مَلَكًا كَهَذا المُصَوَّرِ بِاعْتِبارِ حَقِيقَتِهِ أوْ بَشَرًا مِثْلَهُ بِاعْتِبارِ صُورَتِهِ مِمّا لا يَتَبَلَّجُ لَهُ وجْهُ القَبُولِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِمْ أيْ أنَّكَ لَسْتَ أوَّلَ رَسُولٍ اسْتَهْزَأ بِهِ قَوْمُهُ فَكَمْ وكَمْ مِن رَسُولٍ جَلِيلِ الشَّأْنِ فُعِلَ مَعَهُ ذَلِكَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِداءٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ) والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما لا يَخْفى.
وكَوْنُ التَّسْلِيَةِ بِهَذا المِقْدارِ مِمّا خَفِيَ عَلى بَعْضِ الفُضَلاءِ وهو ظاهِرٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ التَّسْلِيَةَ بِهِ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ 1 - لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ عُوقِبَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُقُوبَةِ مَنِ اسْتَهْزَأ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ (وحاقَ) بِمَعْنى أحاطَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِعادَ عَلَيْهِ وبالُ أمْرِهِ، وقِيلَ: حَلَّ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: نَزَلَ وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ ومَعْناهُ يَدُورُ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في السِّرِّ كَما قالَ: فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَرْبَةٍ حائِقُ وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ ”حَقَّ“ فَأُبْدِلَ مِن أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ حَرْفُ عِلَّةٍ كَتَظَنَّنْتُ وتَظَنَّيْتُ أوْ هو مِثْلُ ذَمَّةٌ وذامَةٌ، والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ ما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ الأزْهَرِيُّ: جَعَلَ أبُو إسْحاقَ (حاقَ) بِمَعْنى أحاطَ وكَأنَّهُ جَعَلَ مادَّتَهُ مِنَ الحُوقِ بِالضَّمِّ وهو ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها.
وقَدْ يُفْتَحُ كَما في القامُوسِ وجُعِلَ أحَدُ مَعانِي الحَوْقِ بِالفَتْحِ الإحاطَةِ؛ وفِيهِ أيْضًا حاقَ بِهِ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا بِفَتْحِ الياءِ أحاطَ بِهِ كَأحاقَ وفِيهِ السَّيْفُ حاكَ وبِهِمُ الأمْرُ لَزِمَهم ووَجَبَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ، وأحاقَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَكْرَهُمْ، والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ.
وظاهِرُهُ أنَّ حاقَ يائِيٌّ وعَلَيْهِ غالِبُ أهْلِ اللُّغَةِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ الأزْهَرِيِّ مِن أنَّهُ واوِيٌّ.
و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَخِرُوا) والضَّمِيرِ المُرْسَلِ.
ويُقالُ: سَخِرُوا مِنهُ وبِهِ كَهَزِأ مِنهُ وبِهِ فَهُما مُتَّحِدانِ مَعْنًى واسْتِعْمالًا.
وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ بِمَعْنًى لَكِنَّ الأوَّلَ قَدْ يَتَعَدّى بِمِن والباءِ.
وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا يُقالُ إلّا اسْتَهْزَأ بِهِ ولا يَتَعَدّى بِمِن.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ والجارُّ والمَجْرُورُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) ورُدَّ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ فَحاقَ بِالَّذِينِ سَخِرُوا كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ ولا فائِدَةَ لِهَذِهِ الحالِ لِانْفِهامِها مِن سَخِرُوا وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ والسُّخْرِيَةَ بِمَعْنًى ولَيْسَ بِلازِمٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ يَجْعَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِمَعْنى طَلَبِ الهُزْءِ فَيَصِحُّ بَيانُهُ ولا يَكُونُ في النَّظْمِ تَكْرارٌ.
فَعَنِ الرّاغِبِ الِاسْتِهْزاءُ وارْتِيادُ الهُزْءِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَعاطِي الهُزْءِ كالِاسْتِجابَةِ في كَوْنِها ارْتِيادًا لِلْإجابَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الإجابَةِ وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ ونُسِبَ إلى الحَوْفِيِّ.
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ.
و(بِالَّذِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ وهو (ما) لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ.
وهي إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ بِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي في ضِمْنِ الرُّسُلِ.
وإمّا مَوْصُولَةٌ والضَّمِيرُ لَها والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَأحاطَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ أوْ وبالُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ بِهِ.
وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وفي الكَلامِ إطْلاقُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ لِأنَّ المُحِيطَ بِهِمْ هو العَذابُ ونَحْوَهُ لا الِاسْتِهْزاءُ ولا المُسْتَهْزَأُ بِهِ لَكِنْ وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ مُبالَغَةً وقِيلَ:أنَّ المُرادَ مِنَ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ هو العَذابُ الَّذِي كانَ الرُّسُلُ يُخَوِّفُونَهم إيّاهُ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ السّابِقِ أوِ الحَذْفِ.
وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ.
والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هو العَذابُ بَلِ السِّياقُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَهْزَأ بِهِمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْفَعُهُ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ وتَوَعَّدُوا قَوْمَهم بِنُزُولِهِ وإنَّ مِثْلَهُ لِظُهُورِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (حاقَ بِهِمْ) كِنايَةً عَنْ إهْلاكِهِمْ وإسْنادُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن قَبِيلِ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ أنَّ المُهْلِكَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإسْنادُهُ إلى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَيْقَ الإحاطَةُ ونِسْبَتَها إلى العَذابِ لا شُبْهَةَ في أنَّها حَقِيقَةً ولا داعِيَ إلى تَفْسِيرِهِ بِالإهْلاكِ وارْتِكابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ بَيانُ مُؤَدّى الكَلامِ ومَجْمُوعِ مَعْناهُ.
نَعَمْ إذا قُلْنا: أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَكُونُ لِلْأجْسامِ دُونَ المَعانِي فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ في الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ إسْنادِها إلى العَذابِ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا الزَّعْمُ كَما لا يَخْفى.
وفي جَمْعِ (كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ) ما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ في أمْثالِهِ.
و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ.
وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ 11 - خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ وما حاقَ بِهِمْ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُحاكِي تِلْكَ الأفْعالَ.
وفي ذَلِكَ أيْضًا تَكْمِلَةٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، وقَدْ أنْجَزَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ إنْجازًا أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ يَوْمَ بَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ النَّظَرِ التَّفَكُّرُ، وقِيلَ: النَّظَرُ بِالإبْصارِ وجَمَعَ بَيْنِهِما الطَّبَرْسِيُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِجَوازِ مِثْلِ ذَلِكَ، و (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ (كانَ) أوْ حالٌ وهي تامَّةٌ، والعاقِبَةُ مَآلُ الشَّيْءِ وهي مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُكَذِّبِينَ دُونَ المُسْتَهْزِئِينَ قِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَآلَ مَن كَذَبَ إذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في مَآلِ مَن جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ تَعْرِيفَ المُكَذِّبِينَ لِلْعَهْدِ وهُمُ الَّذِينَ سَخِرُوا فَيَكُونُونَ جامِعِينَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مَعَ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِما جاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُ، ولا يَخْفى أنَّ مَقْصُودَ القائِلِ إنَّ أُولَئِكَ وإنْ جَمَعُوا الأمْرَيْنِ لَكِنْ في الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ هُنا ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى فَظاعَةِ ما نالَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ وضْعَ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ مَدارُ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ وعُطِفَ الأمْرُ بِالنَّظَرِ عَلى الأمْرِ بِالسَّيْرِ بِـ (ثُمَّ) قِيلَ لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما وإنْ كانَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ واجِبًا لِأنَّ الأوَّلَ إنَّما يَطْلُبُ الثّانِي كَما في قَوْلِكَ: تَوَضَّأْ ثُمَّ صِلْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ لِأنَّ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ولا رَيْبَ في تَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ،وأُورِدَ عَلَيْهِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّهُ يَأْباهُ سَلامَةُ الذَّوْقِ لِأنَّ فِيهِ إقْحامَ أمْرٍ أجْنَبِيٍّ وهو بَيانُ إباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْ حالِ المُسْتَهْزِئِينَ وما يُناسِبُهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالِاعْتِبارِ بِآثارِهِمْ وهو مِمّا يُخِلُّ بِالبَلاغَةِ إخْلالًا ظاهِرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ إذْ ذاكَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ لِأنَّ المُرادَ خِذْلانُهم وتَخْلِيَتُهم وشَأْنَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ بِالتَّشاغُلِ بِأمْرِ دُنْياهم كَقَوْلِهِ تَعالى: (ولِيَتَمَتَّعُوا) وهَذا حاصِلُ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَجازٌ عَنِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ وإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُتَسَخَّطٌ إلى الغايَةِ كَما تَقُولُ لِمَن عَزَمَ عَلى أمْرٍ مُؤَدٍّ إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَبالَغَتْ في نُصْحِهِ ولَمْ يَنْجَعْ فِيهِ أنْتَ وشَأْنَكَ، وافْعَلْ ما شِئْتَ فَإنَّكَ لا تُرِيدُ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الأمْرِ، كَيْفَ والآمِرُ بِالشَّيْءِ مُرِيدٌ لَهُ وأنْتَ شَدِيدُ الكَراهَةِ مُتَحَسِّرٌ ولَكِنَّكَ كَأنَّكَ قُلْتَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ النُّصْحَ فَأنْتَ أهْلٌ لِأنْ يُقالُ لَكَ: افْعَلْ ما شِئْتَ ولا يَخْفى أنَّ انْفِهامَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا ﴾ بِحَمْلِ الأمْرِ بِالسَّيْرِ هُنا عَلى الإباحَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا وحَمْلِ الأمْرِ بِهِ هُناكَ عَلى السَّيْرِ لِأجْلِ النَّظَرِ ولِهَذا كانَ العَطْفُ بِالفاءِ في تِلْكَ الآيَةِ ونَظَرَ بَعْضُهم بِغَيْرِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أيْضًا وذُكِرَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ هُنا: ﴿ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾ وفي غَيْرِ ما مَوْضِعٍ (فانْظُرُوا) لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي (ثُمَّ) دُونَهُ في هاتِيكَ المَواضِعِ، وذَلِكَ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهالِكِينَ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ، والثّانِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنْشَأ بَعْدَهم أيْضًا كَثِيرُونَ فَيَكُونُ أمْرُهم بِالسَّيْرِ دُعاءً لَهم إلى العِلْمِ بِذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ اسْتِقْراءَ البِلادِ ومَنازِلِ أهْلِ الفَسادِ عَلى كَثْرَتِها لِيَرَوُا الآثارَ في دِيارٍ بَعْدَ دِيارٍ، وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَمْنَعُ مِنَ التَّعْقِيبِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الفاءُ و(لا) كَذَلِكَ في المَواضِعِ الأُخَرِ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٍ هُنا ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ يُعْطَفُ النَّظَرُ عَلَيْهِ بِالفاءِ تارَةً نَظَرًا إلى آخِرِهِ وبِثُمَّ أُخْرى نَظَرًا إلى أوَّلِهِ وكَذا شَأْنُ كُلِّ مُمْتَدٍّ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ ﴿ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ أيْ لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا؟
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجَوابِ نِيابَةً عَنْهم أوْ إلْجاءً لَهم إلى الإقْرارِ بِأنَّ الكُلَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكَرٌ ولا عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ، فَإنَّ أمْرَ السّائِلِ بِالجَوابِ إنَّما يَحْسُنُ كَما قالَ الإمامُ في مَوْضِعٍ يَكُونُ الجَوابُ كَذَلِكَ، قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم تَثاقَلُوا في الجَوابِ مَعَ تَعَيُّنِهِ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوجِينَ وذَكَرَ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (قُلْ لِمَن) إلَخْ مَعْناهُ الأمْرُ بِطَلَبِ هَذا المَطْلَبِ والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِهِ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ مَعْناهُ إنَّكَ إذا طَلَبْتَ وأدّى نَظَرُكَ إلى الحَقِّ فاعْتَرِفْ بِهِ ولا تُنْكِرْهُ، وهَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ في الأفْعالِ بَعْدَ الإرْشادِ إلى التَّوْحِيدِ في الأُلُوهِيَّةِ وهو الِاحْتِرازُ عَنْ حالِ المُكَذِّبِينَ وفِي هَذا إشارَةٌ إلى وجْهِ الرَّبْطِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُعْلَمُ مِنهُ الوَجْهُ الوَجِيهُ لِذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِلَّهِ تَعالى ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ صادِحَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِجَمِيعِ الخُلُقِ إثْرَ بَيانِ شُمُولِ مِلْكِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْكُلِّ المُصَحِّحِ لِإنْزالِ العُقُوبَةِ بِالمُكَذِّبِينَ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ، وما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ إلّا مِن سُوءِ اخْتِيارِ العِبادِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ لا مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ جَلَّ وعَلا، ﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، ومَعْنى (كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ) جَلَّ شَأْنُهُ إيجابُها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ وقِيلَ: هو ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لِما قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ ”أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“،» وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا بِيَدِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فَوَضَعَهُ تَحْتَ عَرْشِهِ فِيهِ ”رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ومَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها فِيها أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ قالَ العُلَماءُ: غَضَبُ اللَّهِ تَعالى ورِضاهُ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الإرادَةِ فَإرادَتُهُ الثَّوابُ لِلْمُطِيعِ، والمَنفَعَةُ لِلْعَبْدِ تُسَمّى رِضا ورَحْمَةً، وإرادَتُهُ عِقابُ العاصِي وخِذْلانُهُ تُسَمّى غَضَبًا، وإرادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيدُ بِها، قالُوا: والمُرادُ بِالسَّبْقِ والغَلَبَةِ هُنا كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها كَما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ والشَّجاعَةُ إذا كَثُرَ مِنهُ.
انْتَهى، وهو يَرْجِعُ إلى ما قُلْنا، وحاصِلُ الكَلامِ في ذَلِكَ أنَّ السَّبْقَ والغَلَبَةَ في التَّعَلُّقاتِ في نَفْسِ الصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ إذْ يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ فِيهِ تَعالى لِاسْتِلْزامِهِ حُدُوثَ المَسْبُوقِ وكَذا يُتَصَوَّرُ الكَثْرَةُ والقِلَّةُ بَيْنَ صِفَتَيْنِ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الحُدُوثِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَرْحَمُ بِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى تَتَّصِفُ بِالتَّعَدُّدِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا، وعَلَيْهِ يُخْرَجُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِباقُ ما بَيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأرْضِ رَحْمَةً بِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ عَلى ولَدِها والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «إنَّ لِلَّهِ تَعالى مِائَةَ رَحْمَةٍ أهْبَطَ مِنها رَحْمَةً واحِدَةً إلى أهْلِ الدُّنْيا يَتَراحَمُ بِها الجِنُّ والإنْسُ وطائِرُ السَّماءِ وحِيتانُ الماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها وما بَيْنَ الهَواءِ واخْتَزَنَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً حَتّى إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اخْتَلَجَ الرَّحْمَةَ الَّتِي كانَ أهْبَطَها إلى أهْلِ الدُّنْيا فَحَواها إلى ما عِنْدَهُ فَجَعَلَها في قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ وعَلى أهْلِ الجَنَّةِ»، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ في الآيَةِ ما يَعُمُّ الدّارِينَ مَعَ عُمُومِ مُتَعَلِّقِها فَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ مِن أنَّ المَعْنى أوْجَبَ لِنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِأنْ لا يُعَذِّبَهم عِنْدَ التَّكْذِيبِ كَما عَذَّبَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ يُؤَخِّرُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا إظْهارُ ما يُناسِبُ المَقامَ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً واعْتِبارُ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ غَيْرَ ظاهِرٍ كَما هو ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وقَعَ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ كَتَبَ مَوْقِعَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وأغْفالِهِمُ النَّظَرَ، وقِيلَ: بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الرَّحْمَةُ، فَقِيلَ: إنَّهُ تَعالى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إلَخْ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا خَوْفُ القِيامَةِ والعَذابِ لَحَصَلَ الهَرْجُ والمَرَجُ، وارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ ما ذُكِرَ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ ولَيْسَ فَلَيْسَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْضًا: إنَّهُ تَكَلُّفٌ ولا يَتَوَجَّهُ فِيهِ الجَوابُ إلّا بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ التَّخْوِيفُ مِنَ الِامْتِناعِ عَنِ المَناهِي المُسْتَلْزِمِ لِلرَّحْمَةِ، وقِيلَ: صَلاحِيَةُ ما في الآيَةِ لِلْجَوابِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ الآنَ عَلى تَكْذِيبِكم عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ: إنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةِ) بَدَلُ البَعْضِ، وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ أنَّ الجُمْلَةَ تُبْدَلُ مِنَ المُفْرَدِ.
نَعَمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لأنْواعِ البَدَلِ في ذَلِكَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمٍ إلَخْ عَلى أنَّ البَعْثَ بِمَعْنى الإرْسالِ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِـ (إلى) ولا يَحْتاجُ إلى ارْتِكابِ التَّضْمِينِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْثَ يَكُونُ إلى المَكانِ لا إلى الزَّمانِ إلّا أنْ يُرادَ بِيَوْمِ القِيامَةِ واقِعَتُها في مَوْقِعِها؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ، والمُرادُ جَمْعٌ فِيهِ مَعْنى السَّوْقِ والِاضْطِرارِ كَأنَّهُ قِيلَ لِيَبْعَثَنَّكم ويَسُوقُنَّكم ويَضْطَرَّنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ إلى حِسابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ و (إلى) بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ: لا تَتْرُكْنِي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءَ (إلى) بِمَعْنى (فِي) في كَلامِهِمْ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِجازَ زَيْدٌ إلى الكُوفَةِ بِمَعْنى في الكُوفَةِ وتَأوَّلَ البَيْتَ بِتَضْمِينِ مُضافًا أوْ مُبْغَضًا أوْ مَكْرُوهًا، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُرَدُّ إذا قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَ إلى بِمَعْنى في قِياسٌ مُطَّرِدٌ ولَعَلَّ القائِلَ بِالِاسْتِعْمالِ لا يَقُولُ بِما ذُكِرَ، وارْتِكابُ التَّضْمِينِ خِلافُ الأصْلِ، وارْتِكابُ القَوْلِ بِأنَّ إلى بِمَعْنى في وإنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا أهْوَنُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ والخِطابُ لِلْكافِرِينَ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: عامٌّ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كانَ خاصًّا بِالكافِرِينَ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم أيُّها النّاسُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ أدِلَّتِهِ وسُطُوعِ بَراهِينِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضٌ مِنها والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ اليَوْمِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والضَّمِيرُ لَهُ أيْ جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَها كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ واسْتِماعِ الوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ، ومَوْضِعُ المَوْصُولِ قِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ وهو نَعْتٌ مَقْطُوعٌ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَعْتٍ مَقْطُوعٍ يَصِحُّ اتِّباعُهُ نَعْتًا بَلْ يَكْفِي فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ ، كَيْفَ قَطَعَ فِيهِ (الَّذِي) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ اتِّباعِهِ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ فَلا يُرَدُّ أنَّ القَطْعَ إنَّما يَكُونُ في النَّعْتِ، والضَّمِيرُ يُنْعَتُ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَلى القَطْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، ولا اخْتِصاصَ لِلْقَطْعِ بِالنَّعْتِ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَجْعَلُوهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِما ذُكِرَ لِدَعْواهم أنَّ مُجَرَّدَ التَّقْدِيرِ لا يُفِيدُ الذَّمَّ أوِ المَدْحَ إلّا مَعَ القَطْعِ، واخْتارَ الأخْفَشُ البَدَلِيَّةَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُما لِوُضُوحِهِما غايَةَ الوُضُوحِ وغَيْرُهُما دُونَهُما في ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ 21 - والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ وإصْرارَهم عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ، والوَهْمُ والِانْهِماكُ في التَّقْلِيدِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ عَنِ الإيمانِ، وفي الكَشّافِ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ عَدَمُ إيمانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرانِهِمْ والأمْرُ عَلى العَكْسِ، قُلْتُ: مَعْناهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤَمِّنُونَ وحاصِلُ الكَلامِ عَلى هَذا الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِخُسْرانِهِمْ لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، والحُكْمُ بِالخُسْرانِ سابِقٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ لِأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعِلْمِ بِاخْتِيارِ الكُفْرِ لا لِحُصُولِهِ بِالفِعْلِ فَيَصِحُّ تَرَتُّبُ عَدَمِ الإيمانِ عَلَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا السُّؤالَ يَنْدَفِعُ بِحَمْلِ الخُسْرانِ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا في الكَشّافِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّغْدَغَةِ، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ وقِيلَ: الظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ الِابْتِداءِ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فَيَحْتاجُ الفَصْلُ إلى تَكْلِيفِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ يَرْتابُ الكافِرُونَ بِهِ؟
فَأُجِيبَ بِأنَّ خُسْرانَهم أنْفُسَهم صارَ سَبَبًا لِعَدَمِ الإيمانِ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً وهو كَما تَرى * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ سَمَواتُ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضُ عالَمِ الجِسْمِ، ويُقالُ: الرُّوحُ سَماءُ القَلْبِ لِأنَّ مِنها يَنْزِلُ غَيْثُ الإلْهامِ والقَلْبُ أرْضُها لِأنَّهُ فِيهِ يَنْبُتُ زَهْرُ الحِكْمَةِ ونُورُ المَعْرِفَةِ ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ ﴾ أيْ وأنْشَأ في عالَمِ الجِسْمِ ظُلُماتِ المَراتِبِ الَّتِي هي حُجُبٌ ظُلْمانِيَّةٌ لِلذّاتِ المُقَدَّسِ، وأنْشَأ في عالَمِ الأرْواحِ نُورَ العِلْمِ والِادِّراكِ، ويُقالُ: الظُّلُماتُ الهَواجِسُ والخَواطِرُ الباطِلَةُ، والنُّورُ الإلْهامُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الظُّلُماتُ أعْمالُ البَدَنِ والنُّورُ أحْوالُ القَلْبِ ثُمَّ بَعْدَ ظُهُورِ ذَلِكَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ غَيْرَهُ، ويُثْبِتُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَن يُساوِيهِ في الوُجُودِ، وهو اللَّهُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في سائِرِ صِفاتِهِ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ وهو طِينُ المادَّةِ الهَيُولانِيَّةِ، ﴿ ثُمَّ قَضى أجَلا ﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ إذا بَلَغَهُ السّالِكُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَنى فِيهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ عِنْدَهُ وهو البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ الأجَلُ الأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ طَبْعًا بِحَسْبِ الهُوِيَّةِ وهو المُسَمّى أجَلًا طَبِيعِيًّا لِلشَّخْصِ بِالنَّظَرِ إلى مِزاجِهِ الخاصِّ وتَرْكِيبِهِ المَخْصُوصِ بِلا اعْتِبارِ عارِضٍ مِنَ العَوارِضِ الزَّمانِيَّةِ، ونُكِّرَ لِأنَّهُ مِن أحْكامِ القَضاءِ السّابِقِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ وهي كُلِّيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشَخُّصاتِ إذْ مَحَلُّها الرُّوحُ الأوَّلُ المَقَدَّسُ، والأجْلُ الثّانِي هو الأجَلُ المُقَدَّرُ الزَّمانِيُّ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ وارْتِفاعِ المَوانِعِ وهو مُثْبَتٌ في كِتابِ النَّفْسِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي لَوْحُ القَدْرِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ بَعْدَما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ وتَشُكُّونَ في تَصَرُّفِهِ فِيكم كَما يَشاءُ ﴿ وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ أيْ سَواءٌ أُلُوهِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيُّ ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ في عالِمُ الأرْواحُ وهو عالَمُ الغَيْبِ ﴿ وجَهْرَكُمْ ﴾ في عالَمِ الأجْسامِ وهو عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ فِيهِما مِنَ العُلُومِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ وغَيْرِها فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، وقِيلَ: المَعْنى يَعْلَمُ جَوَلانَ أرْواحِكم في السَّماءِ لِطَلَبِ مَعادِنِ الأفْراحِ وتَقَلُّبِ أشْباحِكم في الأرْضِ لِطَلَبِ الوَسِيلَةِ إلى مُشاهَدَتِهِ ويَعْلَمُ ما تُحَصِّلُونَهُ بِذَلِكَ، ﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ ﴿ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وعَمى أعْيُنِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى السّاطِعَةِ عَلى صَفَحاتِ الوُجُودِ وقالُوا لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ فَنَراهُ لِتَزُولَ شُبْهَتُنا ﴿ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ أمْرُ هَلاكِهِمْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحَمُّلِ مُشاهَدَتِهِ ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ لِيُمْكِنَهم مُشاهَدَتُهُ ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ ما في العالَمِينَ ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ إيجادًا وإفْناءً ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ قالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عامَّةٌ وهي نِعْمَةُ الِامْتِنانِ الَّتِي تَنالُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحْمَنِ في البَسْمَلَةِ وخاصَّةً وهي الواجِبَةُ المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحِيمِ فِيها.
ويُشِيرُ كَلامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في الفُتُوحاتِ إلى أنَّ ما في الآيَةِ هو الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ، ومُقْتَضى السِّياقِ أنَّها الرَّحْمَةُ العامَّةُ وذَكَرَ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى الرَّحْمَةِ وقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ”شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وشَفَعَتِ النَّبِيُّونَ والمُؤْمِنُونَ وبَقِيَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى سَبَقَتْ غَضَبَهُ“ كَما في الخَبَرِ فَهي أمامَ الغَضَبِ فَلا يَزالُ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى يَجْرِي في شَأواهُ بِالِانْتِقامِ مِنَ العِبادِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى آخِرِ مَداهُ فَيَجِدُ الرَّحْمَةَ قَدْ سَبَقَتْهُ فَتَتَناوَلُ مِنهُ العَبْدَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَتُبْسَطَ عَلَيْهِ ويَرْجِعُ الحُكْمُ لَها فِيهِ، والمَدى الَّذِي يَقْطَعُهُ الغَضَبُ ما بَيْنَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الَّذِي في البَسْمَلَةِ وبَيْنَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الَّذِي بَعْدَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .
فالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هُوَ المَدى وأوَّلُهُ وآخِرُهُ ما قَدْ عَلِمْتَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَيْنُ المَدى لِأنَّ فِيهِ يَظْهَرُ السَّرّاءُ والضَّرّاءُ، ولِهَذا كانَ فِيهِ الحَمْدُ وهو الثَّناءُ ولَمْ يُقَيَّدْ بِسَرّاءَ ولا ضَرّاءَ فَيَعُمُّهُما، ويَقُولُ الشَّرْعُ في حَمْدِ السَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ المُنَعِمِ المُتَفَضِّلِ، ويَقُولُ في حَمْدِ الضَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ.
فالحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ جاءَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَلِهَذا كانَ عَيْنَ المَدى، وما مِن أحَدٍ في الدّارِ الآخِرَةِ إلّا هو يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى ويَرْجُو رَحْمَتَهُ ويَخافُ عَذابَهُ، واسْتَمْراهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى عُقَيْبَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فالعالَمُ بَيْنَهُما بِما هو عَلَيْهِ مِن مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ، وهَذا شَبِيهٌ بِما جاءَ في سُورَةِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ لِيَتَقَوّى عِنْدَهُمُ الرَّجاءُ والطَّمَعُ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنْتَ إذا التَفَتَّ أدْنى التِفاتٍ تَعْلَمُ أنَّهُ ما مِن أثَرٍ مِن آثارِ البَطْشِ إلّا وهو مُطَرَّزٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ ما مِن سَعْدٍ ونَحْسٍ إلّا وقَدْ خَرَجَ مِن مَطالِعِ أفْلاكِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أفاضَتْ شَآبِيبَها عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ؛ ومِمّا يُظْهِرُ سَبْقَ الرَّحْمَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مَسْبُوقٌ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإيجادِهِ وإخْراجِهِ مِن حَيِّزِ العَدَمِ الَّذِي هو مَعْدِنُ كُلِّ نَقْصٍ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ كَما أنَّهُ لا رَيْبَ في سَبْقِهِ، نَعَمْ تَنْقَسِمُ الرَّحْمَةُ في بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ إلى قِسْمَيْنِ: رَحْمَةٌ مَحْضَةٌ لا يَشُوبُها شَيْءٌ مِنَ النِّقْمَةِ كَنَعِيمِ الجَنَّةِ وهي الطّالِعَةُ مِن بُرُوجِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ الرَّحِيمِ ولِكَوْنِهِ يُحِبُّ دُخُولَ أُمَّتِهِ الجَنَّةَ ويَكْرَهُ لَهُمُ النّارَ سَمّاهُ الحَقُّ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحِيمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ورَحْمَةٌ قَدْ يَشُوبُها نِقْمَةٌ كَتَأْدِيبِ الوَلَدِ بِالضَّرْبِ رَحْمَةً بِهِ وكَشُرْبِ الدَّواءِ المُرِّ البَشِعِ وهي المُشْرِقَةُ مِن مَطالِعِ آفاقِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ، ولَعَلَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ العامَّةَ هي المُرادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ سَبْقَ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ يَقْتَضِي ظاهِرًا سَبْقَ تَجَلِّياتِ الجَمالِ عَلى تَجَلِّياتِ الجَلالِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الجَمالِ والغَضَبَ مِنَ الجَلالِ وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ الجَلالَ أسْبَقُ مِنَ الجَمالِ.
فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «العَظَمَةُ إزارِي والكِبْرِياءُ رِدائِي» ولا أقْرَبَ مِن ثَوْبِ الرِّداءِ والإزارِ إلى الشَّخْصِ.
ثُمَّ قالَ: ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: «قَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» فَإنَّ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ إنَّما هي بِشَرْطِ العُمُومِ والعُمُومُ مِنَ الجَلالِ.
وادُّعِيَ أنَّ الصِّفَةَ الواحِدَةَ الجَمالِيَّةَ إذا اسْتَوْفَتْ كَمالَها في الظُّهُورِ أوْ قارَبَتْ سُمِّيَتْ جَلالًا لِقُوَّةِ ظُهُورِ سُلْطانِ الجَمالِ فَمَفْهُومُ الرَّحْمَةِ مِنَ الجَمالِ وعُمُومُها وانْتِهاؤُها جَلالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا فُسِّرَ السَّبْقُ بِالمَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ العُلَماءِ سابِقًا وهو الكَثْرَةُ والشُّمُولُ فَهو مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِهِ في الرَّحْمَةِ إذْ في كُلِّ غَضَبٍ رَحْمَةٌ ولَيْسَ في كُلِّ رَحْمَةٍ غَضَبٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن حَقَّقَ النَّظَرَ وبِالجُمْلَةِ في رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَطْمَعٌ أيُّ مَطْمَعٍ حَتّى أنَّ إبْلِيسَ يَرْجُوها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ.
وأحْظى النّاسِ بِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنها ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ المَحْجُوبُونَ ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِإهْلاكِها في الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ فَحُجِبُوا عَنِ الحَقائِقِ الباقِيَةِ النُّورانِيَّةِ واسْتَبْدَلُوا بِها المَحْسُوساتِ الفانِيَةَ الظُّلْمانِيَّةَ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِذَلِكَ، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (لِلَّهِ) فَهو داخِلٌ تَحْتَ (قُلْ) عَلى أنَّهُ احْتِجاجٌ ثانٍ عَلى المُشْرِكِينَ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ أخْبارٍ ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ أيْ ولِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى خاصَّةً ﴿ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيِ الوَقْتَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ و(ما) مَوْصُولَةٌ و(سَكَنَ) إمّا مِنَ السُّكْنى فَيَتَناوَلُ الكَلامُ المُتَحَرِّكَ والسّاكِنَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وتَعْدِيَتُها بِـ (فِي) إلى الزَّمانِ مَعَ أنَّ حَقَّ اسْتِعْمالِها في المَكانِ لِتَشْبِيهِ الِاسْتِقْرارِ بِالزَّمانِ بِالِاسْتِقْرارِ بِالمَكانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً لِأنَّ مَعْنى لِلَّهِ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ ما سَكَنَ فِيهِما واسْتَقَرَّ، والمُرادُ ولَهُ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ وإمّا مِنَ السُّكُونِ ضِدِّ الحَرَكَةِ كَما قِيلَ، وفي الكَلامِ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ والتَّقْدِيرُ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالسُّكُونِ عَنْ ضِدِّهِ دُونَ العَكْسِ لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا وعاقِبَةُ كُلِّ مُتَحَرِّكٍ السُّكُونُ كَما قِيلَ: إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها فَإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكُونًا ولِأنَّ السُّكُونَ في الغالِبِ نِعْمَةٌ لِكَوْنِهِ راحَةً ولا كَذَلِكَ الحَرَكَةُ ورُدَّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلِاكْتِفاءِ بِالسُّكُونِ عَنِ التَّحَرُّكِ في مَقامِ البَسْطِ والتَّقْرِيرِ وإظْهارِ كَمالِ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا المَحْذُوفَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ لِسُرْعَةِ انْفِهامِهِ مِن ذِكْرِ ضِدِّهِ، والمَقامُ يَسْتَدْعِي الذِّكْرَ، وإنَّما يَسْتَدْعِي عُمُومَ التَّغَيُّراتِ والتَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَتى التُزِمَ كَوْنُ السُّكُونِ مَعَ ضِدِّهِ السَّرِيعِ الِانْفِهامِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ناسَبَ المَقامَ وقِيلَ: إنَّ ما سَكَنَ يَعُمُّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالسُّكُونِ حَتّى المُتَحَرِّكِ حالَ ما يُرى مُتَحَرِّكًا بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ تَفاوُتَ الحَرَكاتِ بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِقِلَّةِ السَّكَناتِ المُتَخَلِّلَةِ وكَثْرَتِها، وفي مَعْنى الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وبَيانِ أقْسامِ الحَرَكَةِ المَشْهُورَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ أيِ المَبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ هَواجِسَ كُلِّ ما يَسْكُنُ في المَلَوَيْنِ العَلِيمُ 31 - أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مِنَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ بَيانِ إحاطَةِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ لِلْوَعِيدِ عَلى أقَوْالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ولِذا خَصَّ السَّمْعَ والعِلْمَ بِالذِّكْرِ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ القَوْلِ وأنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ اللَّهَ تَعالى <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ إنْكارًا لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا، ولِذا قَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ وأوْلى الهَمْزَةَ، ونَحْوُهُ ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ﴾ والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا المَعْبُودُ لِأنَّهُ رَدٌّ لِمَن دَعاهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَ مِلَّةَ قَوْمِكَ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَحْمِلُكَ عَلى ذَلِكَ إلّا الفَقْرُ فارْجِعْ فَإنّا نَجْمَعُ لَكَ مِن أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ مِن أغْنانا فَنَزَلَتْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُشْرِكَ لَمْ يَخُصَّ عِبادَتَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فالرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ لَوْ قِيلَ: أأتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا؟، وأُجِيبُ بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى غَيْرَهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ تَعالى مَعْبُودًا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ عِبادَتُهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ المَشْهُورَةِ، ويُعْلَمُ مِن إنْكارِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ناصِرًا أنَّهُ لا يَتَّخِذُهُ مَعْبُودًا مِن بابِ الأوْلى، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ مِنَ الإخْراجِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ قَصْدًا إلى إمْحاضِ النُّصْحِ لِيَكُونَ أعْوَنَ عَلى القَبُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها، وهو نَعْتٌ لِلْجَلالَةِ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ، وصَحَّ وُقُوعُهُ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي سَواءً كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً أوْ مَحْكِيًّا عَنِ الرَّسُولِ إذِ المُعْتَبَرُ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانَ التَّكَلُّمِ ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُضِيِّ أنَّهُ قَرَأ الزَّهْرِيُّ فَطَرَ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالجُمْلَةِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ إذْ هي عامِلَةٌ في عامِلِ المَوْصُوفِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفَصْلَ فِيهِ أسْهَلُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أيْ هو فاطِرٌ أوْ أمْدَحُ فاطِرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (ولِيًّا) لا الوَصْفِيَّةِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، نَعَمْ يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ وصْفِيَّةً لَهُ ﴿ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ، فالمُرادُ مِنَ المَطْعَمِ الرِّزْقُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ مُقابِلًا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ وعُبِّرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ مَجازًا لِأنَّهُ أعْظَمُهُ وأكْثَرُهُ لِشِدَّةِ الحاجَّةِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ ما سِواهُ فَهو حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَحَلُّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ولا يَطْعَمُ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ أيْ ولا يَأْكُلُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ومِثْلُهُ قِراءَةُ عَبْلَةَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِعَكْسِ القِراءَةِ الأُولى أعْنِي بِناءَ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ في الفِعْلَيْنِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أيْ أتَّخِذُ مَن هو مَرْزُوقٌ غَيْرَ رازِقٍ ولِيًّا، والكَلامُ وإنْ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ نَظَرٌ إلى عُمُومِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وتَغْلِيبِ أوْلى العُقُولِ كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ فِيهِ إنْكارَ أنْ يَصْلُحَ الأصْنامُ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وقَدْ يُقالُ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا غَيْرَ خالِقٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ ويُحْمَلُ الفِعْلُ عَلى مَعْنى النَّفْعِ لا يَرُدُّ شَيْءٌ رَأْسًا، وقَرَأ الأشْهَبُ (وهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) بِبِنائِهِما لِلْفاعِلِ، ووُجِّهَتْ إمّا بِأنَّ أفْعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ أيْ وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ أيْ لا يَطْلُبُ طَعامًا ويَأْخُذُهُ مِن غَيْرِهِ أوْ بِأنَّ المَعْنى يُطْعِمُ تارَةً ولا يَطْعِمُ أُخْرى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ والضَّمِيرانِ لِلَّهِ تَعالى، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ الثّانِي لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، ﴿ قُلْ ﴾ بَعْدَ بَيانِ أنَّ اتِّخاذَ غَيْرِهِ تَعالى ولِيًّا مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ ﴿ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ مِن جَنابِ ولِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ وجْهَهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْلِصًا لَهُ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِما شَرَعَهُ إلّا ما كانَ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو إمامُ أُمَّتِهِ ومُقْتَداهم ويَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ لِيَكُونَ أدْعى لِلِامْتِثالِ، ومِن ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِلتَّحْرِيضِ كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ وأنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْمِلَهم عَلى الِامْتِثالِ وإلّا فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ امْتِناعٌ عَنْ ذَلِكَ حَتّى يُؤْمَرَ بِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ 41 - أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وفي الكَلامِ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ، قالُوا و(مِن) لِلْحِكايَةِ عاطِفَةٌ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ عَلى أُمِرْتُ، وحاصِلُ المَعْنى إنِّي أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَقُولِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ عَلى المَعْنى إذْ هو في مَعْنى قُلْ إنِّي قِيلَ لِي كُنْ أوَّلَ مُسْلِمٍ ولا تَكُونَنَّ فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى (قُلْ) عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ كَذا ونُهِيَ عَنْ كَذا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ سَلاسَةَ النُّظُمِ تَأْبى عَنْ فَصْلِ الخِطاباتِ التَّبْلِيغِيَّةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِخِطابٍ لَيْسَ مِنها، وجُوِّزَ أنْ يَعْطِفَهُ عَلى (إنِّي أُمِرْتُ) داخِلًا في حَيِّزِ (قُلْ) والخِطابُ لِكُلٍّ مِنَ المُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ وتَعَسُّفُهُ، وعَدَمُ صِحَّةِ عَطْفٍ عَلى (أكُونَ) ظاهِرٌ إذْ لا وجْهَ لِلِالتِفاتِ ولا مَعْنى لِأنْ يُقالَ أُمِرْتَ أنْ لا تَكُونَنَّ: ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ أيْ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ 51 - أيْ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ.
وعِظَمُهُ لِعِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ مَفْعُولُ (أخافُ) والشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُما وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا.
وما تَقَدَّمَ عَلى الأداةِ شَبِيهٌ بِهِ فَهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ إيّاهُ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ، والتَّقْدِيرُ إنْ عَصَيْتُ أخَفْ أوْ أخافُ عَذابَ إلَخْ، وقِيلَ: صِرْتُ مُسْتَحِقًّا لِعَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وفي الكَلامِ مُبالَغَةٌ أُخْرى بِالنَّظَرِ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في قَطْعِ أطْماعِهِمْ وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ حَيْثُ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ.
وقُرِنَ بَأنِ الَّتِي تُفِيدُ الشَّكَّ وجِيءَ بِالماضِي إبْرازًا لَهُ في صُورَةِ الحاصِلِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.
ويُؤَوَّلُ المَعْنى في الآخِرَةِ إلى تَخْوِيفِهِمْ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنهم فَلَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِعِصْمَتِهِ .
وأوْرَدَ بَعْضُهم دَلالَةَ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بَحْثًا ثُمَّ قالَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الخَوْفَ تَعَلَّقَ بِالعِصْيانِ المُمْتَنِعِ الوُقُوعِ امْتِناعًا عادِيًّا فَلا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخافُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ وحاشاهُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيما قَدَّمْنا غِنًى عَنْ ذَلِكَ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ خَوَّفَ المَعْصُومِ مِنَ المَعْصِيَةِ لا يُنافِي العِصْمَةَ لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وأنَّهُ لا يُجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُوسى لا تَأْمَن مَكْرِي حَتّى تَجُوزَ الصِّراطَ وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ يَصْفَرُّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ ويَقُولُ أخافُ أنْ تَقُومَ السّاعَةُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهُ أنَّ بَيْنَ يَدَيْها ظُهُورَ المَهْدِيِّ، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وخُرُوجَ الدَّجّالِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأماراتِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ إذْ ذاكَ ولَمْ تُحَقَّقْ بَعْدُ.
وصَحَّ أنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ عَدَمِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِصَلاةِ التَّراوِيحِ بَعْدَ أنْ صَلّاها أوَّلَ رَمَضانَ وتَكاثَرَ النّاسُ رَغْبَةً فِيها بِقَوْلِهِ «خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكم» مَعَ أنَّ ما كانَ لَيْلَةَ الإسْراءِ إذْ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْرِضُ زِيادَةً عَنِ الخَمْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ وقُصارى ما يَلْزَمُ في أمْثالِ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَ تَغَيُّرُ تَعَلُّقِ الصِّفَةِ وهو لا يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ الصِّفَةِ لِيَلْزَمَ الحُدُوثُ وقِيامُ الحَوادِثِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وهَذا بِحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ مَن يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ فَنائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ العَذابِ، وضَمِيرُ (عَنْهُ) يَعُودُ عَلى (مَن)، وجُوِّزَ العَكْسُ أيْ مَن يُصْرَفْ عَنِ العَذابِ.
و(مَن) عَلى الوَجْهَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الشَّرْطُ أوِ الجَوابُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ أوْ بِالعَذابِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نائِبَ الفاعِلِ.
وهَلْ يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَذابُ يَوْمَئِذٍ أمْ لا؟
فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ الظَّرْفَ غَيْرَ التّامِّ أيِ المَقْطُوعَ عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ لا يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ و(يَوْمَئِذٍ) لَهُ حُكْمُهُ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّ التَّنْوِينَ لِكَوْنِهِ عِوَضًا يُجْعَلُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ خِلافًا لِلْأخْفَشِ.
وذَكَرَ الأُجْهُورِيُّ أنَّ التَّنْوِينَ هُنا عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ يَتَضَمَّنُها الكَلامُ السّابِقُ والأصْلُ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ الجَزاءُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ؛ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةَ (عَذابٍ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مَن يَصْرِفْ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى.
وقَرَأ أُبَيٌّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ) بِإظْهارِ الفاعِلِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيِ العَذابَ أوْ (يَوْمَئِذٍ) بِحَذْفِ المُضافِ أوْ يَجْعَلُ اليَوْمَ عِبارَةً عَمّا يَقَعُ فِيهِ، و(مَن) في هَذِهِ القِراءَةِ مُبْتَدَأٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تُجْعَلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَن يُكْرَمْ يَصْرِفِ اللَّهُ العَذابَ عَنْهُ فَجَعَلَ (يَصْرِفْ) تَفْسِيرًا لِلْمَحْذُوفِ، وأنْ يُجْعَلَ مَنصُوبًا بِـ (يَصْرِفْ) ويُجْعَلَ ضَمِيرُ (عَنْهُ) لِلْعَذابِ أيْ: أيُّ إنْسانٍ يَصْرِفُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ العَذابَ ﴿ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ أيِ الرَّحْمَةَ العُظْمى وهي النَّجاةُ كَقَوْلِكَ: إنْ أطْعَمْتَ زَيْدًا مِن جُوعِهِ فَقَدْ أحْسَنْتَ إلَيْهِ؛ تُرِيدُ فَقَدْ أتْمَمْتَ الإحْسانَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ -مَن أدْرَكَ مَرْعى الضَّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ- «ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى» الخَبَرُ، ومِن قَبِيلِ صَرْفِ المُطْلَقِ إلى الكامِلِ، وقِيلَ: المُرادُ فَقَدْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ فَذُكِرَ المَلْزُومُ وأُرِيدَ اللّازِمُ لِأنَّ إدْخالَ الجَنَّةِ مِن لَوازِمِ الرَّحْمَةِ إذْ هي دارُ الثَّوابِ اللّازِمِ لِتَرْكِ العَذابِ ونُقِضَ بِأصْحابِ الأعْرافِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ 61 - حالٌ مُقَيِّدَةٌ لِما قَبْلَهُ، والفَوْزُ المُبِينُ إنَّما هو بِدُخُولِهِ الجَنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قُلْنا: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَواصُّ المُؤْمِنِينَ كَما هو أحَدُ الأقْوالِ لا يَرُدُّ النَّقْضَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مِنَ الجَوابِ مَبْنِيٌّ عَلى ما لا يَخْفى بُعْدُهُ، والدّاعِي إلى التَّأْوِيلِ اتِّحادُ الشَّرْطِ والجَزاءِ المُمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ وقالَ بَعْضُ الكامِلِينَ: إنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ نَظِيرُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَنْ يُجَزِئَ ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» يَعْنِي بِالشِّراءِ المَذْكُورِ، وأنَّ اخْتِلافَ العُنْوانِ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبٌ لِلصَّرْفِ سابِقٌ عَلَيْهِ عَلى ما تُلَوِّحُ إلَيْهِ صِيغَةُ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ الأخْبارِ، وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لِأنَّ السَّبَبَ والمُسَبِّبَ لا بُدَّ مِن تُغايُرِهِما مَعْنًى، والحَدِيثُ المَذْكُورُ مِنهم مَن أخَذَ بِظاهِرِهِ ومِنهم مَن أوَّلَهُ بِأنَّ المُرادَ لا يَجْزِيهِ أصْلًا وهو دَقِيقٌ لِأنَّهُ تَعْلِيقٌ بِالمُحالِ.
وأمّا كَوْنُ الجَوابِ ماضِيًا لَفْظًا ومَعْنًى فَفِيهِ خِلافٌ حَتّى مَنَعَهُ بَعْضُهم في غَيْرِ كانَ لِعَراقَتِها في المُضِيِّ.
اهـ فَلْيُفْهَمْ والإشارَةُ إمّا إلى الصَّرْفِ الَّذِي في ضِمْنِ (يُصْرَفْ) وإمّا إلى الرَّحْمَةِ، وذُكِرَ لِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِأنْ والفِعْلِ.
ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ”الرُّحْمَ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أوْ بِضَمَّتَيْنِ وهو -عَلى ما في القامُوسِ- بِمَعْنى الرَّحْمَةِ.
ومَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، و(ال) لِقَصْرِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ أيْ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وحاجَةٍ ﴿ فَلا كاشِفَ ﴾ أيْ لا مُزِيلَ ولا مُفْرِّجَ (لَهُ) عَنْكَ ﴿ إلا هُوَ ﴾ والمُرادُ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ مِن صِحَّةٍ وغِنًى ﴿ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ 71 - ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ فَيَقْدِرُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُ بِهِ ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ ورَفْعِهِ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ويَظْهَرُ مِن هَذا ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلا رادَّ لَهُ غَيْرُهُ تَعالى، والمَذْكُورُ تَأْكِيدٌ لِلْجَوابَيْنِ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تُؤَكِّدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كاشِفُ الضُّرِّ وحافِظُ النِّعَمِ ومُدِيمُها، وزَعْمُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالجَوابِ الأوَّلِ بَلْ هو عِلَّةُ الجَوابِ الثّانِي ظاهِرُ البُطْلانِ إذِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُؤَكِّدُ كَشْفَ الضُّرِّ بِلا شُبْهَةٍ وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، وأصِلُ المَسِّ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- تَلاقِي الجِسْمَيْنِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإصابَةُ.
وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الباءَ في (بِضُرٍّ) وفي (بِخَيْرٍ) لِلتَّعْدِيَةِ وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ الضُّرَّ) وفَسَّرُوا الضُّرَّ بِالضَّمِّ بِسُوءِ الحالِ في الجِسْمِ، وغَيْرَهُ بِالفَتْحِ بِضِدِّ النَّفْعِ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ المُقابِلِ لِلْخَيْرِ إلى الضُّرِّ -عَلى ما في البَحْرِ- لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ فَأُتِيَ بِلَفْظِ الأخَصِّ مَعَ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ رِعايَةً لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ مُقابَلَةَ الخَيْرِ بِالضُّرِّ مَعَ أنَّ مُقابِلَهُ الشَّرُّ وهو أخَصُّ مِنهُ مِن خَفْيِّ الفَصاحَةِ لِلْعُدُولِ عَنْ قانُونِ الضَّعَةِ وطَرْحِ رِداءِ التَّكَلُّفِ وهو أنْ يُقْرَنَ بِأخَصَّ مِن ضِدِّهِ ونَحْوِهِ لِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِالمَعْنى وألْصَقَ بِالمَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ فَجِيءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرْيِ وبِالظَّمَإ مَعَ الضَّحْوِ وكانَ الظّاهِرُ خِلافَهُ.
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالٍ ولَمْ أسْبَإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ∗∗∗ ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وإيضاحُهُ أنَّهُ في الآيَةِ قَرَنَ الجُوعَ الَّذِي هو خُلُوُّ الباطِنِ بِالعُرْيِ الَّذِي هو خُلُوُّ الظّاهِرِ، والظَّمَأ الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الباطِنِ بِالضُّحى الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الظّاهِرِ.
وكَذَلِكَ قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ عُلُوَّهُ عَلى الجَوادِ بِعُلُوِّهِ عَلى الكاعِبِ لِأنَّهُما لَذَّتانِ في الِاسْتِعْلاءِ، وبَذْلَ المالِ في شِراءِ الرّاحِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ في الكِفاحِ لِأنَّ في الأوَّلِ سُرُورَ الطَّرَبِ وفي الثّانِي سُرُورَ الظَّفَرِ.
وكَذا هُنا أُوثِرَ الضُّرُّ لِمُناسَبَتِهِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّرْهِيبِ فَإنَّ انْتِقامَ العَظِيمِ عَظِيمٌ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ أتى بِما يَعُمُّ أنْواعَهُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ فَإنَّ مَسَّ الضُّرِّ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إلَخْ ومَسَّ الخَيْرِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ ﴾ إلَخْ.
وهي عَلى ما قِيلَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ (قُلْ) والخِطابُ عامُّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و(كاشِفَ) اسْمُها، و(لَهُ) خَبَرُها والضَّمِيرُ المُنْفَصِلِ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (لا كاشِفَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ -عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ- أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِكاشِفٍ ولا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ لِأنَّكَ في الحالَيْنِ تُعْمِلُ اسْمَ لا ومَتى أعْمَلْتَهُ في ظاهِرٍ نَوَّنْتَهُ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلى مَن رَجا كَشْفَ الضُّرِّ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَّلَ أحَدًا سِواهُ وفِي فُتُوحِ الغَيْبِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ سَيِّدِي عَبْدِ القادِرِ الجِيلانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: إنَّ مَن أرادَ السَّلامَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَعَلَيْهِ بِالصَّبْرِ، والرِّضا، وتَرْكِ الشَّكْوى إلى خَلْقِهِ، وإنْزالِ حَوائِجِهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولُزُومِ طاعَتِهِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِانْقِطاعِ إلَيْهِ؛ فَحِرْمانُهُ عَطاءٌ، وعُقُوبَتُهُ نَعْماءٌ، وبَلاؤُهُ دَواءٌ، ووَعْدُهُ حالٌّ، وقَوْلُهُ فِعْلٌ، وكُلُّ أفْعالِهِ حَسَنَةٌ وحِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ غَيْرَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ طَوى عِلْمَ المَصالِحِ عَنْ عِبادِهِ وتَفَرَّدَ بِهِ فَلَيْسَ إلّا الِاشْتِغالَ بِالعُبُودِيَّةِ مِن أداءِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّسْلِيمِ في القَدَرِ، وتَرْكِ الِاشْتِغالَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، والسُّكُونِ عَنْ لِمَ وكَيْفَ ومَتى؟
وتَسْتَنِدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إلى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «بَيْنَما أنا رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ إذْ قالَ: يا غُلامُ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى تَجِدْهُ أمامَكَ وإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ ولَوْ جَهَدَ العِبادُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ولَوْ جَهِدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ تَعالى بِالصِّدْقِ في اليَقِينِ فاعْمَلْ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وأنْ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ هَذا الحَدِيثَ مِرْآةَ قَلْبِهِ وشِعارَهُ ودِثارَهُ وحَدِيثَهُ فَيَعْمَلُ بِهِ مِن جِهَةِ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ حَتّى يَسْلَمَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَجِدَ العِزَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ قِيلَ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وتَصْوِيرٌ لَقَهْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعُلُوِّهُ عَزَّ شَأْنُهُ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ بِالظَّرْفِ بِأنْ شَبَّهَ الغَلَبَةَ بِمَكانٍ مَحْسُوسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ القَهْرِ والعُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ (فَوْقَ) زائِدَةٌ.
وصَحَّحَ زِيادَتَها وإنْ كانَتِ اسْمًا كَوْنُها بِمَعْنى عَلى وهو كَما تَرى، والدّاعِي إلى التِزامِ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالجِهَةِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْها لِأنَّها مُحْدَثَةٌ بِإحْداثِ العالَمِ وإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ويَلْزَمُ أيْضًا مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في جِهَةٍ مَفاسِدُ لا تَخْفى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إثْباتُ الفَوْقِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الطَّحاوِيُّ وغَيْرُهُ واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِنَحْوِ ألْفِ دَلِيلٍ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في حَدِيثِ الأوْعالِ عَنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «والعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ ”» ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ الَّذِي اسْتَشْفَعَ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ:“ ويْحَكَ أتَدْرِي ما اللَّهُ تَعالى؟
إنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ وعَرْشُهُ فَوْقَ سَماواتِهِ وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ وإنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ الجَدِيدِ بِالرّاكِبِ» وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مُغازِيهِ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِسَعْدٍ يَوْمَ حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ: ”لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ“» ورَوى ابْنُ ماجَهَ يَرْفَعُهُ قالَ: «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم فَإذا الجَبّارُ جَلَّ جَلالُهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ وقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ».
وصَحَّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ أنْشَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ أبْياتَهُ الَّتِي عَرَّضَ بِها عَنِ القِراءَةِ لِامْرَأتِهِ حِينَ اتَّهَمَتْهُ بِجارِيَتِهِ وهي: شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا وتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوِّمِينا فَأقَرَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قالَهُ وضَحِكَ مِنهُ»، وكَذا «أنْشَدَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: شَهِدْتُ بِإذْنِ اللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ ∗∗∗ الَّذِي فَوْقَ السَّمَواتِ مِن عَلِ وأنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ مِن رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ، وأنَّ الَّذِي عادى اليَهُودَ ابْنُ مَرْيَمَ ∗∗∗ رَسُولٌ أتى مِن عِنْدِ ذِي العَرْشِ مُرْسَلٌ وأنَّ أخا الأحْقافِ إذْ قامَ فِيهِمْ ∗∗∗ يَقُومُ بِذاتِ اللَّهِ فِيهِمْ ويَعْدِلُ فَقالَ النَّبِيُّ : وأنا أشْهَدُ،» ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُولَ ومِن فَوْقِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سُبْحانَهُ مِن فَوْقِهِمْ، والآياتُ والأخْبارُ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِما يَدُلُّ عَلى الفَوْقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ، و ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ، و ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ ، و ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: «(وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ)» كَثِيرَةٌ جِدًّا، وكَذا كَلامُ السَّلَفِ في ذَلِكَ فَمِنهُ ما رَوى شَيْخُ الإسْلامِ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ الفارُوقِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ أنَّهُ سَألَ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمَّنْ قالَ: لا أعْرِفُ رَبِّي سُبْحانَهُ وتَعالى في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ، فَقالَ: قَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ الرَّحْمَنَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى، وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ فَقالَ: قَلْتُ فَإنْ قالَ إنَّهُ عَلى العَرْشِ ولَكِنْ لا أدْرِي العَرْشَ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هو كافِرٌ لِأنَّهُ أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ، ومَن أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ فَقَدْ كَفَرَ، وزادَ غَيْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى في أعْلى عِلِّيِّينَ وهو يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ اهـ وأُيِّدَ القَوْلُ بِالفَوْقِيَّةِ أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَخْلُقْهم في ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ ولَمْ يُولَدْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَهم خارِجًا عَنْ ذاتِهِ ولَوْ لَمْ يَتَّصِفْ سُبْحانَهُ بِفَوْقِيَّةِ الذّاتِ مَعَ أنَّهُ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ لَكانَ مُتَّصِفًا بِضِدٍّ ذَلِكَ لِأنَّ القابِلَ لِلشَّيْءِ لا يَخْلُو مِنهُ أوْ مِن ضِدِّهِ، وضِدُّ الفَوْقِيَّةِ السُّفُولُ وهو مَذْمُومٌ عَلى الِإطْلاقِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ قابِلٌ لِلْفَوْقِيَّةِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِها ثُبُوتُ ضِدِّها مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قابِلًا لِلْعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها فَمَتى سُلِّمَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ذاتٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ، وأنَّهُ مَوْجُودٌ في الخارِجِ لَيْسَ وُجُودُهُ ذِهْنِيًّا فَقَطْ بَلْ وجُودُهُ خارِجَ الأذْهانِ قَطْعًا، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ما كانَ وُجُودُهُ كَذَلِكَ فَهو إمّا داخِلُ العالِمِ وإمّا خارِجٌ عَنْهُ، وإنْكارُ ذَلِكَ إنْكارُ ما هو أجْلى البَدِيهِيّاتِ فَلا يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ إلّا كانَ العِلْمُ بِالمُبايَنَةِ أظْهَرَ مِنهُ وأوْضَحَ، وإذا كانَ صِفَةُ الفَوْقِيَّةِ صِفَةَ كَمالٍ لا نَقْصَ فِيها، ولا يُوجِبُ القَوْلُ بِها مُخالَفَةَ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ كانَ نَفْيُها عَيْنَ الباطِلِ لا سِيَّما والطِّباعُ مَفْطُورَةٌ عَلى قَصْدِ جِهَةِ العُلُوِّ عِنْدَ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ المَقْدِسِيُّ أنَّ الشَّيْخَ أبا جَعْفَرٍ الهَمْدانِيُّ حَضَرَ مَجْلِسَ إمامِ الحَرَمَيْنِ وهو يَتَكَلَّمُ في نَفْيِ صِفَةِ العُلُوِّ ويَقُولُ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولا عَرْشَ وهو الآنَ عَلى ما كانَ، فَقالَ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ: أخْبِرْنا يا أُسْتاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا فَإنَّهُ ما قالَ عارِفٌ قَطُّ يا اللَّهُ إلّا وجَدَ في قَلْبِهِ ضَرُورَةً بِطَلَبِ العُلُوِّ لا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةَ فَكَيْفَ تَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أنْفُسِنا، قالَ: فَلَطَمَ الإمامُ عَلى رَأْسِهِ ونَزَلَ وأظُنُّهُ قالَ وبَكى وقالَ: حَيَّرَنِي الهَمْدانِيُّ، وبَعْضُهم تَكَلَّفَ الجَوابَ عَنْ هَذا بِأنَّ هَذا التَّوَجُّهَ إلى فَوْقٍ إنَّما هو لِكَوْنِ السَّماءِ قِبْلَةَ الدُّعاءِ كَما أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلاةِ، ثُمَّ هو أيْضًا مَنقُوضٌ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ في جِهَةِ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا باطِلٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ ولا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن سُلْطانٍ، والَّذِي صَحَّ أنَّ قِبْلَةَ الدُّعاءِ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلدّاعِي أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وقَدِ اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ الكَعْبَةَ في دُعائِهِ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ فَمَن قالَ: إنَّ لِلدُّعاءِ قِبْلَةً غَيْرَ قِبْلَةِ الصَّلاةِ فَقَدِ ابْتَدَعَ في الدِّينِ وخالَفَ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ القِبْلَةَ ما يَسْتَقْبِلُهُ الدّاعِي بِوَجْهِهِ كَما تُسْتَقْبَلُ الكَعْبَةُ في الصَّلاةِ وما حاذا الإنْسانُ بِرَأْسِهِ أوْ يَدَيْهِ مَثَلًا لا يُسَمّى قِبْلَةً أصْلًا، فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ قِبْلَةَ الدُّعاءِ لَكانَ المَشْرُوعُ أنْ يُوَجِّهَ الدّاعِيَ وجْهَهُ إلَيْها، ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في شَرْعٍ أصْلًا، وأمّا النَّقْضُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ فَما أفْسَدَهُ مِن نَقْضٍ فَإنَّ واضِعَ الجَبْهَةِ إنَّما قَصْدُهُ الخُضُوعُ لِمَن فَوْقَهُ بِالذُّلِّ لا أنْ يَمِيلَ إلَيْهِ إذْ هو تَحْتَهُ بَلْ هَذا لا يَخْطُرُ في قَلْبٍ ساجِدٍ نَعَمْ سُمِعَ عَنْ بَشَرٍ المَرِيسِيِّ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ والظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وتَأوَّلَ بَعْضُهم كُلَّ نَصٍّ فِيهِ نِسْبَةُ الفَوْقِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى بِأنَّ فَوْقَ فِيهِ بِمَعْنى خَيْرٍ وأفْضَلَ كَما يُقالُ: الأمِيرُ فَوْقَ الوَزِيرِ والدِّينارُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ وتَشْمَئِزُّ مِنهُ القُلُوبُ الصَّحِيحَةُ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ ابْتِداءً: اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ مِن عِبادِهِ أوْ خَيْرٌ مِن عَرْشِهِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ: الثَّلْجُ بارِدٌ والنّارُ حارَّةٌ، والشَّمْسُ أضْوَأُ مِنَ السِّراجِ، والسَّماءُ أعْلى مِن سَقْفِ الدّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ أيْضًا تَمَجُّدٌ ولا تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى بَلْ هو مِن أرْذَلِ الكَلامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ حَمْلُ الكَلامِ المَجِيدِ عَلَيْهِ وهو الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَنْقِيصًا لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَفي المَثَلِ السّائِرِ: ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ خَيْرٌ مِنَ العَصا نَعَمْ إذا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِأنْ كانَ احْتِجاجًا عَلى مُبْطِلٍ كَما في قَوْلِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، ﴿ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فَهو أمْرٌ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا تُوَجَّهُ سِهامُ الطَّعْنِ إلَيْهِ، والفَوْقِيَّةُ بِمَعْنى الفَوْقِيَّةِ في الفَضْلِ مِمّا يُثْبِتُها السَّلَفُ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، وهي مُتَحَقِّقَةٌ في ضِمْنِ الفَوْقِيَّةِ المُطْلَقَةِ وكَذا يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ القَهْرِ والغَلَبَةِ كَما يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ الذّاتِ، ويُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزِّهِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ولا يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولا يَعْدِلُونَ عَنِ الألْفاظِ الشَّرْعِيَّةِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِئَلّا يُثْبِتُوا مَعْنًى فاسِدًا أوْ يَنْفُوا مَعْنًى صَحِيحًا فَهم يُثْبِتُونَ الفَوْقِيَّةَ كَما أثْبَتَها اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، وأمّا لَفْظُ الجِهَةِ فَقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَوْجُودٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَعْدُومٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا الخالِقُ والمَخْلُوقُ، فَإذا أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كانَ مَخْلُوقًا واللَّهُ تَعالى لا يَحْصُرُهُ شَيْءٌ ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ عَدَمِيٌّ وهو ما فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ، فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ المَخْلُوقاتُ، ونُفاةُ لَفْظِ الجِهَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفْيَ العُلُوِّ يَذْكُرُونَ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ قَبْلَ الجِهاتِ، وأنَّهُ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ العالَمِ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الجِهَةِ ثُمَّ صارَ فِيها، وهَذِهِ الألْفاظُ ونَحْوُها تَنْزِلُ عَلى أنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ سَواءٌ سُمِّيَ جِهَةً أمْ لَمْ يُسَمَّ، وهو كَلامٌ حَقٌّ ولَكِنَّ الجِهَةَ لَيْسَتْ أمْرًا وُجُودِيًّا بَلْ هي أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وتَفْوِيضِ عِلْمِ ما جاءَ مِنَ المُتَشابِهاتِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والإيمانُ بِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي جاءَتْ عَلَيْهِ والتَّأْوِيلُ القَرِيبُ إلى الذِّهْنِ الشّائِعِ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي عَلى أنَّ بَعْضَ الآياتِ مِمّا أجْمَعَ عَلى تَأْوِيلِها السَّلَفُ والخَلَفُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ أيْ ذُو الحِكْمَةِ البالِغَةِ وهي العِلْمُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوِ المُبالِغُ في الإحْكامِ وهو إتْقانُ التَّدْبِيرِ وإحْسانُ التَّقْدِيرِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ 81 - أيِ العالِمِ بِما دَقَّ مِن أحْوالِ العِبادِ وخَفِيَ مِن أُمُورِهِمْ.
واللّامُ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ لِلْقَصْرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ رَوى الكَلْبِيُّ «أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : يا مُحَمَّدُ أما وجَدَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا غَيْرَكَ ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيما تَقُولُ ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ «جاءَ النَّحّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ والأوَّلُ أوْفَقُ بِأوَّلِ الآيَةِ والثّانِي بِآخِرِها فَـ (أيُّ) مُبْتَدَأٌ و(أكْبَرُ) خَبَرُهُ و(شَهادَةً) تَمْيِيزٌ.
والشَّيْءُ في اللُّغَةِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في البابِ المُتَرْجَمِ بِبابِ مَجارِي أواخِرِ الكَلِمِ، وإنَّما يَخْرُجُ التَّأْنِيثُ مِنَ التَّذْكِيرِ ألا تَرى أنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يَعْلَمَ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى والشَّيْءُ مُذَكَّرٌ، انْتَهى.
وهَلْ يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى أمْ لا؟
فِيهِ خِلافٌ فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: شَيْءٌ لا كالأشْياءِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالسُّؤالِ والجَوابِ الواقِعَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ حَيْثُ اسْتَثْنى مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَجْهَ وهو بِمَعْنى الذّاتِ عِنْدَهم وبِأنَّهُ أعَمُّ الألْفاظِ فَيَشْمَلُ الواجِبَ والمُمْكِنَ ونَقَلَ الإمامُ أنَّ جَهْمًا أنْكَرَ صِحَّةَ الِإطْلاقِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ فَقالَ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا ما يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ والشَّيْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ”المَواقِفِ“ وشَرْحِهِ الشَّيْءُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ يُطْلَقُ عَلى المَوْجُودِ فَقَطْ فَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم مَوْجُودٌ وكُلُّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، ثُمَّ سِيقَ فِيهِما مَذاهِبُ النّاسِ فِيهِ ثُمَّ قِيلَ: والنِّزاعُ لَفْظِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ الشَّيْءِ وأنَّهُ عَلى ماذا يُطْلَقُ، والحَقُّ ما ساعَدَ عَلَيْهِ اللُّغَةُ والنَّقْلُ إذْ لا مَجالَ لِلْعَقْلِ في إثْباتِ اللُّغاتِ.
والظّاهِرُ مَعَنا فَأهْلُ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ يُطْلِقُونَ لِفَظَّ الشَّيْءِ عَلى المَوْجُودِ حَتّى لَوْ قِيلَ عِنْدَهُمُ المَوْجُودُ شَيْءٌ تُلْقُوهُ بِالقَبُولِ، ولَوْ قِيلَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ تُلَقَّوْهُ بِالإنْكارِ.
ونَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ يَنْفِي إطْلاقَهُ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ لِأنَّ الحَقِيقَةَ لا يَصِحُّ فِيها، انْتَهى وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ أنَّ البَحْثَ في أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ حَقِيقَةً أمْ لا لُغَوِيٌّ يُرْجَعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ والِاسْتِعْمالِ وقَدْ وقَعَ فِيهِ اخْتِلافاتٌ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالاتِ، فَعِنْدَنا هو اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ لِما نَجِدُهُ شائِعَ الِاسْتِعْمالِ في هَذا المَعْنى ولا نِزاعَ في اسْتِعْمالِهِ في المَعْدُومِ مَجازًا ثُمَّ قالَ: وما نُقِلَ عَنْ أبِي العَبّاسِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدِيمِ.
وعَنِ الجَهْمِيَّةِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْحادِثِ، وعَنْ هُشامٍ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يَقْبَلُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهى.
وفي ذَلِكَ كُلِّهِ بَحْثٌ فَإنَّ دَعْوى الأشاعِرَةِ التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْءِ والمَوْجُودِ لُغَةً أوِ التَّرادُفُ كَما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكُلِّيَّتَيْنِ لَيْسَ لَها دَلِيلٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ إلَخْ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، وأمّا أنَّ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِفَظُ الشَّيْءِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَوْجُودٌ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن أنْ يُطْلَقَ عَلى المَوْجُودِ لَفْظُ شَيْءٍ دُونَ لا شَيْءٍ أنْ يَخْتَصَّ الشَّيْءُ لُغَةً بِالمَوْجُودِ لِجَوازِ أنْ يُطْلَقَ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ والمَوْجُودِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَعَ اخْتِصاصِ المَوْجُودِ بِإطْلاقِ الشَّيْءِ دُونَ اللّاشَيْءِ.
وإنْكارُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى مَن يَقُولُ: المَوْجُودُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ سَلْبًا لِلْأعَمِّ عَنِ الأخَصِّ وهو لا يَصِحُّ لِكَوْنِهِما مُتَرادِفَيْنِ أوْ مُتَساوِيَيْنِ.
وقَدْ أُطْلِقَ عَلى المَعْدُومِ الخارِجِيِّ كِتابًا وسُنَّةً فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ سَألَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي لِأُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَوْ تَكَلَّمْتُ بِهِ لَأُحْبِطَ أجْرِي يَقُولُ: ”لا يَلْقى ذَلِكَ الكَلامَ إلّا مُؤْمِنٌ»“ ونَحْوُهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والأصْلُ في الِإطْلاقِ الحَقِيقَةُ فَلا يُعْدَلُ عَنْها إلّا إذا وُجِدَ صارِفٌ.
وشُيُوعُ الِاسْتِعْمالِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ صارِفًا بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْ سِيبَوَيْهِ ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ الشُّيُوعِ أنَّ تَعَلُّقَ الغَرَضِ في المُحاوَراتِ بِأحْوالِ المَوْجُوداتِ أكْثَرُ لا لِاخْتِصاصِ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ لُغَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ إنَّما يُلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ إطْلاقِهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ وهو يَضُرُّنا لَوْ كانَ المُدَّعى تَخْصِيصَ إطْلاقِ الشَّيْءِ لُغَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَنا أنَّ الشَّيْءَ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وهو مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ يُصَدِّقُ عَلى المَوْجُودِ والمَعْدُومِ الواجِبِ والمُمْكِنِ وتَخْصِيصُ إطْلاقِهِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ لا يُنافِي شُمُولَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ وإلّا لَكانَ شُمُولُهُ المَعْدُومُ والمَوْجُودُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: (واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ) جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ ولا خِلافَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ مُطْلَقًا بِهَذِهِ الآيَةِ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ شُمُولَهُ لِلْمَعْدُومِ والمَوْجُودِ مَعًا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ زَعْمِهِ اخْتِصاصَ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ أنَّهُ في الأصْلِ مُصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى شاءَ أوْ مَشِيءٍ فَإنْ كانَ بِمَعْنى شاءَ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ التَّحْقِيقِ لا مانِعَ مِن إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ تَعالى مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى هَذا التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ فَيَكُونُ إطْلاقُ الشَّيْءِ بِهَذا المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَإطْلاقِ المَعْلُومِ مَثَلًا، ومَعْنى ﴿ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ أعْظَمُ وأصْدَقُ ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أمْرٌ لَهُ أنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِنَفْسِي هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ قَرِيبًا.
والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً وجُوِّزَ العَكْسُ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إذا كانَتِ النَّكِرَةُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ تَقَعُ مُبْتَدَأً يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شَهِيدٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ شَهِيدٌ ﴿ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (اللَّهُ) والمَجْمُوعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ هو الجَوابُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَأكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدٌ لَهُ، ونُقِلَ في الكَشْفِ أنَّهُ إنْ جُعِلَ تَمامُ الجَوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (اللَّهُ) فَهو لِلتَّسَلُّقِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ إلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بِأنَّ هَذا الشّاهِدَ الَّذِي لا أصْدَقَ مِنهُ شَهِدَ لِي بِإيحاءِ هَذا القُرْآنِ.
وإنْ جَعَلَ الكَلامَ بِمَجْمُوعِهِ الجَوابَ فَهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الوَهْمَ لا يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا الشّاهِدَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ تَعالى بَلِ الكَلامُ في أنَّهُ يَشْهَدُ لِنَبُّوتِهِ أوْ لا فَلْيُفْهَمْ ﴿ وأُوحِيَ إلَيَّ ﴾ مِن قِبَلِهِ تَعالى ﴿ هَذا القُرْآنُ ﴾ العَظِيمُ الشّاهِدُ بِصِحَّةِ رِسالَتِي ﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ.
واكْتُفِيَ بِذِكْرِ الإنْذارِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يُبَشِّرُ.
وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ﴿ ومَن بَلَغَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ وسائِرَ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ ووَصَلَ إلَيْهِ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أوْ ﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ أيُّها المَوْجُودُونَ ومَن سَيُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ» ”واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في ذَلِكَ هو بِطْرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ أوْ بِالإجْماعِ في غَيْرِ المَوْجُودِينَ وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ.
فَذَهَبَ الحَنابِلَةُ إلى الأوَّلِ والحَنَفِيَّةُ إلى الثّانِي وتَحْقِيقُهُ في الأُصُولِ.
وعَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ القُرْآنُ غَيْرَ مُؤاخَذٍ بِتَرْكِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ“ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِأُسارى فَقالَ لَهم: هَلْ دُعِيتُمْ إلى الإسْلامِ؟
فَقالُوا: لا، فَخَلّى سَبِيلَهم ثُمَّ قَرَأ ﴿ وأُوحِيَ إلَيَّ ﴾ الآيَةُ» وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَفْهُومِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَفْهُومَها انْتِفاءُ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وذَلِكَ لَيْسَ عَيْنَ انْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ وهو ظاهِرٌ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ خُصُوصًا عِنْدَ القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ إلّا أنْ يُلاحَظَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وفِيهِ أنَّ عَدَمَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ لِانْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ مَمْنُوعٌ، والحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ قَدْ طُوِيَ بِساطُ رَدِّهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مَن) عَطْفًا عَلى الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في ﴿ أُنْذِرُكُمْ ﴾ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ أيْ لِأُنْذِرَكم أنا بِالقُرْآنِ ويُنْذِرَكم بِهِ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ أيْضًا، ورَوى الطَّبَرْسِيُّ ما يَقْتَضِيهِ عَنِ العَيّاشِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ ﴿ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُنْدَرِجَةٌ في القَوْلِ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أوْ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: لَهُما، وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ (وأُخْرى) صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- كَصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ نَحْوَ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ (ولِلَّهِ تَعالى الأسْماءُ الحُسْنى) .
ولَمّا كانَتِ الآلِهَةُ حِجارَةً وخَشَبًا مَثَلًا أُجْرِيَتْ هَذا المَجْرى تَحْقِيرًا لَها قُلْ لَهم لا أشْهَدُ بِذَلِكَ وإنْ شَهِدْتُمْ بِهِ فَإنَّهُ باطِلٌ صِرْفٌ ﴿ قُلْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ لِلتَّأْكِيدِ، ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ بَلْ إنَّما أشْهَدُ أنَّهُ تَعالى لا إلَهَ إلّا هو و(ما) كافَّةٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وزَعَمَ أنَّهُ الألْيَقُ بِما قَبْلَهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً، ويُبْعِدُهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً وعَلَيْهِ يَكُونُ (واحِدٌ) خَبَرًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ 91 - مِنَ الأصْنامِ أوْ مِن إشْراكِكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ جَوابٌ عَمّا سَبَقَ في الرِّوايَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ: سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى إلَخْ أُخِّرَ عَنْ تَعْيِينِ الشَّهِيدِ مُسارَعَةً إلى الجَوابِ عَنْ تَحَكُّمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: أرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ اليَهُودَ والنَّصارى ومِنَ الكِتابِ جِنْسُهُ الصّادِقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وإيرادِهِمْ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِمَدارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِحِلْيَتِهِ ونُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ فِيهِما، وفِيهِ التِفاتٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ والأوَّلُ هو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الأخْبارُ كَما سَتَعْرِفُهُ ﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ بِحُلاهم بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ أصْلًا، رَوى أبُو حَمْزَةَ وغَيْرُهُ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ المَدِينَةَ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَعْرِفُ نَبِيَّ اللَّهِ بِالنَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إذا رَأيْناهُ فِيكم عَرَفْناهُ كَما يَعْرِفُ أحَدُنا ابْنَهُ إذا رَآهُ بَيْنَ الغِلْمانِ، وايْمُ اللَّهِ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ ابْنُ سَلامٍ لَأنا بِمُحَمَّدٍ أشَدُّ مَعْرِفَةً مِنِّي بِابْنِي لِأنِّي لا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ وُفِّقْتَ وصَدَقْتَ» وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَعْرِفَةِ هُنا ما هو بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِتَفاصِيلِ حِلْيَتِهِ إمّا أنْ يَكُونَ باقِيًا وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ أوَّلًا بَلْ مُحَرَّفًا مُغَيَّرًا، والأوَّلُ باطِلٌ ولا يَتَأتّى لَهم إخْفاءُ ذَلِكَ لِأنَّ إخْفاءَ ما شاعَ في الآفاقِ مُحالٌ، وكَذا الثّانِي لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ عارِفِينَ حِلْيَتَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَعْرِفُونَ حِلْيَةَ أبْنائِهِمْ وفِيهِ أنَّ الإخْفاءَ مُصَرَّحٌ بِهِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ وإخْفاؤُها لَيْسَ بِإخْفاءِ النُّصُوصِ بَلْ بِتَأْوِيلِها وبِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ سَيَخْرُجُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ 2 - بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا التَّرْكِيبِ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِادِّعائِهِ أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا وبِقَوْلِهِ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، و ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وعُدَّ مِن ذَلِكَ وصْفُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَوْعُودِ في الكِتابَيْنِ بِخِلافِ أوْصافِهِ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِعْظامِ الِادِّعائِيِّ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا لَهُ، والتَّرْكِيبُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى إنْكارِ المُساواةِ وضْعًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المَقاصِدِ وحَواشِي الكَشّافِ يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمالًا فَإذا قُلْتَ: لا أفْضَلَ في البَلَدِ مِن زَيْدٍ فَمَعْناهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ بِحَسْبِ العُرْفِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّما تُتَصَوَّرُ غالِبًا لا سِيَّما في بابِ المُغالَبَةِ بِالتَّفاوُتِ زِيادَةً ونُقْصانًا فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أزْيَدَ يَتَحَقَّقُ النُّقْصانُ لا مَحالَةَ وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ سَنَحَ لَهُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ ودَقِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ وهي أنَّ المُتَساوِيَيْنِ بَلِ المُتَقارِبِينَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَسْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَقْدُرَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّ قَدْرِهِ، وكُلُّ إنْسانٍ لا يَقْوى عَلى أنْ يَعْرِفَ كُلَّ أمْرٍ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَإنَّ الأفْهامَ في مُقابَلَةِ الأوْهامِ مُتَفاوِتَةٌ والعُقُولَ في مُدافَعَةِ الشُّكُوكِ مُتَبايِنَةٌ فَإذا حَكَمَ بَعْضُ النّاسِ مَثَلًا بِالمُساواةِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ في نَفْسِ الأمْرِ فَقَدْ يَحْكُمُ البَعْضُ الآخَرُ بِرُجْحانِ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مُنْتَهى أفْهامِهِمْ ومَبْلَغِ عُقُولِهِمْ ومُدْرَكِ ادِّراكِهِمْ فَكُلُّ ما يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ النّاسِ بَلْ كُلَّما يُوجَدُ مَن يُقارِبُهُ فِيهِ يُوجَدُ مَن يَفُوقُهُ في ظُنُونِ العامَّةِ ويَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ إلى قَوْلِنا كُلَّما لا يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ لا يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ بَلْ مَن يُقارِبُهُ أيْضًا وهو المَطْلُوبُ، وبِالجُمْلَةِ أنْ إثْباتَ المُساوِي يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ الرّاجِحِ الفاضِلِ، فَنَفْيُّ الفاضِلِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُساوِي لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المَلْزُومِ كَما أنَّ إثْباتَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ اللّازِمِ، وفِيهِ تَأمَّلْ وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ دَلالَةَ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ المُساواةِ وضْعِيَّةٌ لِأنَّ غَيْرَ الأفْضَلِ إمّا مُساوٍ أوْ أنْقَصُ فاسْتُعْمِلَ في أحَدِ فَرْدَيْهِ قالَ ابْنُ الصّائِغِ في مَسْألَةِ الكُحْلِ: إنَّ ما رَأيْتُ رَجُلًا أحْسَنَ في عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنهُ في عَيْنِ زَيْدٍ وإنْ كانَ نَصًّا في نَفْيِ الزِّيادَةِ وهي تَصْدُقُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلّا أنَّ المُرادَ الأخِيرُ وهو مِن قَصْرِ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ كالدّابَّةِ، انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بِاعْتِبارِ العُرْفِ أيْضًا ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ كَأنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ الَّذِي جُمْلَتُهُ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم أوْ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أُيِّدَ بِها رَسُولُ اللَّهِ بِأنْ سَمّاها سِحْرًا، وعُدَّ مِن ذَلِكَ تَحْرِيفُ الكِتابِ وتَغْيِيرُ نُعُوتِهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وإنَّما ذَكَرَ (أوْ)، وهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ إيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: نُبِّهَ بِكَلِمَةِ (أوْ) عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ يَعْنِي أنَّهم أثْبَتُوا المَنفِيَّ ونَفَوُا الثّابِتَ، والمُرادُ بِالمُتَناقِضِينَ أمْرانِ مِن شَأْنِهِما أنْ لا يُجْمَعَ بَيْنَهُما عُرْفًا أوْ يُقالَ: إنَّ مِن نَفَيِّ الثّابِتَ بِالبُرْهانِ يَكُونُ بِنَفْيِ ما لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أوْلى كَذَلِكَ في الطَّرَفِ الآخَرِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ المُتَناقِضِينَ مِن هَذا الوَجْهِ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ وجْهَ التَّناقُضِ المُشْعَرِ بِهِ هَذا العَطْفُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى دَعْوى وُجُوبِ القَبُولِ بِلا حُجَّةِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى وتَكْذِيبُ الآياتِ دَعْوى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يُقْبَلَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى ولَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ويَجِبُ أنْ يُنْكِرَ التَّنْبِيهَ ويَرْتَكِبَ المُكابَرَةَ بِناءً عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونُ مَلَكًا ولا يَخْفى أنَّ في دَعْوى التَّناقُضِ خَفاءً، وهَذِهِ التَّوْجِيهاتُ لا تَرْفَعُهُ (إنَّهُ) أيِ الشَّأْنُ، والمُرادُ أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا وهو ﴿ لا يُفْلِحُ ﴾ أيْ لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ ﴿ الظّالِمُونَ ﴾ 12 - مِن حَيْثُ أنَّهم ظالِمُونَ فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ مِن حَيْثُ أنَّهُ أظْلَمُ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، وضَمِيرُ (نَحْشُرُهُمْ) لِلْكُلِّ أوِ لِلْعابِدِينَ لِلْآلِهَةِ الباطِلَةِ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِنهُ أيْ ويَوْمَ نَحْشُرُ كُلَّ الخَلْقِ أوِ الكُفّارِ وآلِهَتِهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لَهم ما نَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ، وتَرَكَ هَذا الفِعْلَ مِنَ الكَلامِ لَيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ والتَّهْوِيلِ، وقُدِّرَ ماضِيًا لِيَدُلَّ عَلى التَّحْقِيقِ ويَحْسُنُ عَطْفُ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ واذْكُرْ لَهم لِلتَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِيَتَّقُوا أوْ لِيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم إلَخْ ثُمَّ نَقُولُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ﴿ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ﴾ أيْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ و (أيْنَ) لِلسُّؤالِ عَنْ غَيْرِ الحاضِرِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ يَقْتَضِي حُضُورَهم مَعَهم في المَحْشَرِ فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا السُّؤالَ حِينَ يُحالُ بَيْنَهم بَعْدَ ما شاهَدُوهم لِيُشاهِدُوا خَيْبَتَهم كَما قِيلَ: كَما أبْرَقَتْ قَوْمًا عِطاشًا غَمامَةٌ فَلَمّا رَأوْها أقْشَعَتْ وتَجَلَّتِ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ الغَيْبِ كَما تَقُولُ لِمَن جَعَلَ أحَدًا ظَهِيرًا يُعِينُهُ في الشَّدائِدِ إذا لَمْ يُعِنْهُ وقَدْ وقَعَ في ورْطَةٍ بِحَضْرَتِهِ أيْنَ زِيدٌ؟
فَتَجْعَلَهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ وإنْ كانَ حاضِرًا كالغائِبِ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أيْنَ نَفْعُهم وجَدْواهم والتَزَمَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهم غَيْبٌ لِظاهِرِ السُّؤالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ وأُجِيبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ جَمْعًا بَيْنَ الآياتِ أوِ المَعْنى وما نَرى شَفاعَةَ شُفَعائِكُمْ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا السُّؤالَ المُنْبِئَ عَنْ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ مَعَ عُمُومِ الحَشْرِ لَها لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ التَّبَرِّي مِنَ الجانِبَيْنِ وتَقَطُّعِ ما بَيْنَهم مِنَ الأسْبابِ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ إلَخْ ونَحْوُهُ إمّا لِعَدَمِ حُضُورِها حِينَئِذٍ في الحَقِيقَةِ بِإبْعادِها مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ وإمّا بِتَنْزِيلِ عَدَمِ حُضُورِها بِعُنْوانِ الشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ حُضُورِها في الحَقِيقَةِ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْها مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ عَدَمَ الوَصْفِ يُوجِبُ عَدَمَ المَوْصُوفِ مِن حَيْثُ هو مَوْصُوفٌ فَهي مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ غائِبَةٌ لا مَحالَةَ وإنْ كانَتْ حاضِرَةً مِن حَيْثُ ذَواتِها أصْنامًا كانَتْ أوَّلًا وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ يُحالُ بَيْنَها وبَيْنَهم وقْتَ التَّوْبِيخِ لِيُفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فَيَرَوْا مَكانَ حُزْنِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، فَرُبَّما يَشْعُرُ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِحَقِيقَةِ الحالِ وعَدَمِ انْقِطاعِ حِبالِ رَجائِهِمْ عَنْها بَعْدُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم شاهَدُوها قَبْلَ ذَلِكَ وانْصَرَمَتْ عُرْوَةُ أطْماعِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ، وإنَّما الَّذِي يَحْصُلُ في الحَشْرِ الِانْكِشافُ الجَلِيُّ واليَقِينُ القَوِيُّ المُتَرَتِّبُ عَلى المُحاضَرَةِ والمُحاوَرَةِ اهـ وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا الشِّهابُ بِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا أصْلَ لَهُ لِأنَّ التَّوْبِيخَ مُرادٌ في الوُجُوهِ كُلِّها ولا يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ التَّوْبِيخُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ خِلافِهِ مَعَ أنَّ كَوْنَ هَذا واقِعًا بَعْدَ التَّبَرِّي في مَوْقِفٍ آخَرَ لَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ هَذا مَوْقِفَ التَّبَرِّي، والإشْعارُ المَذْكُورُ لا يَتَأتّى مَعَ أنَّهُ تَوْبِيخٌ وأمّا العِلاوَةُ الَّتِي زُيِّلَ بِها كَلامُهُ فَوارِدَةٌ عَلَيْهِ أيْضًا مَعَ أنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ اهـ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَذابَهم إنْ كانَ بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمُ النَّفْعَ فِيهِمْ ورَجاءِ شَفاعَتِهِمْ أُولَئِكَ المُعَذَّبُونَ لأنَّ عَذابَهم لِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي إلَخْ، لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وكَذا قَوْلُهُ: فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ، إنْ أرادَ بِهِ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ لِمَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ مَن يَشْفَعُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يُفِيدُ، وإنْ أرادَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ بِسَبَبِ عِبادَةِ شَيْءٍ يَشْفَعُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَمَنعُهُ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ يَحْشُرُهم ثُمَّ يَقُولُ بِالياءِ فِيهِما والضَّمِيرُ فِيهِما لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ 22 - إمّا بِالواسِطَةِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والتَّكْلِيمُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) إلَخْ تَكْلِيمُ تَشْرِيفٍ ونَفْعٍ لا مُطْلَقًا، فَقَدْ كَلَّمَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما كَلَّمَ، والزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ : ”زَعَمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ“، وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: زَعَمَ رَسُولُكَ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ في أشْياءَ يَرْتَضِيها: زَعَمَ الخَلِيلُ ويُسْتَعْمَلُ في الباطِلِ والكَذِبِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ وهو هُنا مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ وحُذِفا لِانْفِهامِهِما مِنَ المَقامِ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ أصْلُ مَعْنى الفِتْنَةِ عَلى ما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ مِنَ الفِتَنِ وهو إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَعْلَمَ جَوْدَتَهُ مِن رَداءَتِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في مَعانٍ كالعَذابِ والِاخْتِبارِ والبَلِيَّةِ والمُصِيبَةِ والكُفْرِ والَإثْمِ والضَّلالِ والمَعْذِرَةِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا فَقِيلَ: الشِّرْكُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الشِّرْكِ بِالفِتْنَةِ أنَّها ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ.
والكَلامُ حِينَئِذٍ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ، وإمّا عَلى جَعْلِ عاقِبَةِ الشَّيْءِ عَيْنَهُ ادِّعاءً وهو أحْلى مَذاقًا وأبْعَدُ مَغْزًى.
والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسِ الأقْوالِ أوِ ادِّعائِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ 32 - كِنايَةٌ عَنِ التَّبَرِّي عَنِ الشِّرْكِ وانْتِفاءِ التَّدَيُّنِ بِهِ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ شِرْكِهِمْ شَيْئًا إلّا تَبَرُّئَهم مِنهُ، ونَصَّ الزَّجّاجُ أنَّ مِثْلَ ما في الآيَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في مَهْلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَيُقالُ لَهُ: ما كانَ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ تَبَرَّأْتَ مِنهُ.
ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ عِتابُكَ السَّيْفُ ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ ذَلِكَ فِيهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ لَطِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ كَلامَ العَرَبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها العُذْرُ واسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لِأنَّها عَلى ما تَقْدَّمَ التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ فاسْتُعِيرَتْ لَهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ.
ووَجْهُ الِإطْلاقِ أنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ فَتَجُوزُ بِها عَنْهُ إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الجَوابَ مُخْلَصٌ لَهم أيْضًا كالمَعْذِرَةِ، قِيلَ: والحُصْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقِيٌّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ عَلى ظاهِرِها و(تَكُنْ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، و (فِتْنَتُهُمْ) بِالرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ و (فَتَنَتْهُمْ) بِالنَّصْبِ، وكَذا قَرَأ (رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المِدَحِ وقُرِئَ في الشَّواذِّ (رَبُّنا) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو تَوْطِئَةٌ لِنَفْيِ إشْراكِهِمْ، وفائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإشْراكِ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ تَقَدَّسَ وتَعالى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ ونَصْبِ (فِتْنَتُهُمْ) أيْضًا، وخَرَّجُوا قِراءَةَ الأوَّلِينَ عَلى أنَّ فِتْنَتَهُمُ اسْمُ (تَكُنْ)، وتَأْنِيثُ الفِعْلِ إسْنادُهُ إلى مُؤَنَّثٍ (وأنْ قالُوا) خَبَرُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى أنَّ (أنْ قالُوا) هو الِاسْمُ، ولَمْ يُؤَنَّثُ الفِعْلُ لِإسْنادِهِ إلى مُذَكَّرٍ، و(فِتْنَتُهُمْ) هو الخَبَرُ وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى نَحْوِ هَذا خَلا أنَّ التَّأْنِيثَ فِيها بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهَمْ يُجِيزُونَ في سِعَةِ الكَلامِ تَأْنِيثَ اسْمِ كانَ إذا كانَ مَصْدَرًا مُذَكَّرًا وكانَ الخَبَرُ مُؤَنَّثًا مُقَدَّمًا كَقَوْلِهِ: وقَدْ خابَ مَن كانَتْ سَرِيرَتَهُ الغَدْرُ ويَسْتَشْهِدُونَ عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْنِيثَ عَلى مَعْنى المَقالَةِ وهو مِن قَبِيلِ (جاءَتْهُ كِتّابِي) أيْ رِسالَتِي، ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ونُقِلَ بِعَيْنِهِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ: مَن كانَتْ أُمُّكَ، ونُوقِشَ بِما لا طائِلَ فِيهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أفْصَحُ مِنَ القِراءَةِ الأُولى لِأنَّ فِيها جُعِلَ الأعْرَفُ خَبَرًا وغَيْرُ الأعْرَفِ اسْمًا، لِأنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ، والمُضْمَرُ أعْرَفُ المَعارِفِ وهو خِلافُ الشّائِعِ المَعْرُوفِ دُونَهُما وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن مُشابَهَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ في حُكْمِ مُشابَهَتِهِ لَهُ في جَمِيعِ الأحْكامِ، والجُمْلَةُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ العامِلِ في (يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) إلَخْ.
عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ وجَعَلَها غَيْرُ واحِدٍ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، و(ثُمَّ) إمّا عَلى ظاهِرِها بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وإمّا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بِناءً عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ لَأنَّ مَعْذِرَتَهم أوْ جَوابَهم هَذا أعْظَمُ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَراخٍ في الزَّمانِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْقِفَ عَظِيمٌ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عايَنُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَجَلِّي المَلِكِ الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْهِمْ بِصِفَةِ الجَلالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ حارُوا ودَهِشُوا فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الجَوابَ إلّا بَعْدَ زَمانٍ، ومِمّا يُنْبِئُ عَلى دَهْشَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ أنَّهم كَذَبُوا وحَلَفُوا في كَلامِهِمْ هَذا ولَوْ لَمْ يَكُونُوا حَيارى مَدْهُوشِينَ لَما قالُوا الَّذِي قالُوا لِأنَّ الحَقائِقَ تَنْكَشِفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا اطَّلَعَ أهْلُها عَلَيْها وعَلى أنَّها لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ اسْتَحالَ صُدُورُهُ عَنْهُمْ ولِلْغَفْلَةِ عَنْ بِناءِ الأمْرِ عَنِ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، مَنَعَ الجَبائِيُّ والقاضِي ومَن وافَقَهُما جَوازَ الكَذِبِ عَلى أهْلِ القِيامَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِما ذَكَرْنا وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ المَعْنى ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم مُوَحِّدُونَ مُتَباعِدُونَ عَنِ الشِّرْكِ واعْتَرَضُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا فَلِمَ قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ ﴿ ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وأجابُوا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم كَذَبُوا في الآخِرَةِ بَلِ المُرادُ انْظُرُ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في الدُّنْيا، ورُدَّ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى بِوَجْهٍ ولا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لِأنَّها في شَأْنِ خُسْرِهم وأمْرِهِمْ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا بَلْ تَنْبُو عَنْهُ أشَدُّ نَبْوٍ لِأنَّ أوَّلَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وآخِرَهُ في ذَلِكَ فَتَخَلَّلَ بَيانَ حالِهِمْ في الدُّنْيا تَفْكِيكٌ لَهُ وتَعَسَّفَ جِدًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ حَيْثُ شَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا ويُشِيرُ إلى هَذا التَّشْبِيهِ أيْضًا الأمْرُ بِالنَّظَرِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَظَرَ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ لِمُخْبِرِهِ ألا تَراهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبَرُّؤَهم كَذِبا مَعَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ 42 - أيْ سُلِبُوا عِلْمَهُ حِينَئِذٍ دَهَشًا وحَيْرَةً فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إطْلاقَ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها ويَقُولُونَ فِيها: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإيقاعُ الِافْتِراءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى أيْ لا زالَتْ وذَهَبَتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي يَفْتَرُونَ فِيها ما يَفْتَرُونَ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: إنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ضَلَّ افْتِراؤُهم كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ أيْ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها عَطْفٌ عَلى (كَذَبُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّعَجُّبِ إذِ الِاسْتِفْهامُ السّابِقُ المُعَلَّقُ لا نَظَرَ لِذَلِكَ، وجَعَلَ المَعْنى عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِ والمَصْدَرِيَّةِ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ المُغَلَّظَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِإنْكارِ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم أوْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإشْراكِ حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وتَبَرَّءُوا بِالمَرَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِحِكايَةِ ما صَدَرَ في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أحْكامِ الكُفْرِ ثُمَّ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ الحَشْرِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، وضَمِيرُ (مِنهُمْ) لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، والِاسْتِماعُ بِمَعْنى الإصْغاءُ وهو لازِمٌ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ وهو القُرْآنُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «إنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ اسْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ وهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأُولى، وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وأفْرَدَ ضَمِيرَ (مَن) في يَسْتَمِعُ وجَمَعَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ نَظَرًا إلى لَفْظِهِ ومَعْناهُ، وعَنِ الكَرْخِيِّ إنَّما قِيلَ: هُنا يَسْتَمِعُ وفي يُونُسَ يَسْتَمِعُونَ لِأنَّ ما هُنا في قَوْمِ قَلِيلِينَ فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ الواحِدِ، وما هُناكَ في جَمْعِ الكُفّارِ فَناسَبَ الجَمْعَ، وإنَّما لَمْ يَجْمَعْ ثَمَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ ﴾ لِأنَّ المُرادَ النَّظَرُ المُسْتَتْبِعُ لِمُعايَنَةِ أدِلَّةِ الصِّدْقِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، والنّاظِرُونَ كَذَلِكَ أقَلُّ مِنَ المُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ، والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ لَفْظًا ومَعْنى لِأنَّ فَعالًا بِفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِها يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْعِلَةٍ كَأحْمِرَةٍ وأقْذِلَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُعْلٍ كَحُمْرٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُضاعَفًا أوْ مُعْتَلَّ اللّامِ فَيَلْزَمُ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ كَأكِنَّةٍ وأخْبِيَةٍ إلّا نادِرًا، وفِعْلُ الكَنِّ ثَلاثِيٌّ ومَزِيدٌ يُقالُ: كَنَّهُ وأكَنَّهُ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما الرّاغِبُ فَقالَ: أكْنَنْتُ يُسْتَعْمَلُ لِما يُسْتَرُ في النَّفْسِ، والثُّلاثِيُّ لِغَيْرِهِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والواوُ لِلْعَطْفِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ أيْ وقَدْ جَعَلْنا، و ﴿ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ إنْ كانَ بِمَعْنى ألْقى فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَمُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْنا: وأنْشَأْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ يَفْهَمُوا ما يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ القُرْآنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الِاسْتِماعِ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَ (لا) دُونُهُ أيْ أنْ لا يَفْقَهُوهُ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في أمْثالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أكِنَّةً) وحْدَهُ مِن ذَلِكَ، ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ أيْ صَمَمًا وثِقَلًا في السَّمْعِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ عَلى ما هو حَقُّهُ، والكَلامُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ تَمْثِيلٌ مُعْرِبٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ وفَرْطِ نَبْوِ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ أصَمَّها اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ وقَدْ مَرَّ لَكَ في البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ وقَرَأ طَلْحَةُ (وِقْرًا) بِالكَسْرِ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ حِمْلُ البَغْلِ ونَحْوُهُ، ونَصْبُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالعَطْفِ عَلى أكِنَّةٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ﴿ وإنْ يَرَوْا ﴾ أيْ يُشاهِدُوا ويُبْصِرُوا كُلَّ آية أيْ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانْشِقاقِ القَمَرِ ونَبْعِ الماءِ بَيْنَ أصابِعِهِ الشَّرِيفَةِ وتَكْثِيرِ القَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ، والكَلامُ مِن بابِ عُمُومِ النَّفْيِ كَكُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لا مِن بابِ نَفْيِ العُمُومِ والمُرادُ ذَمُّهم بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِحاسَّةِ البَصَرِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَدَمَ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ وأسْماعِهِمْ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الآيَةِ بِغَيْرِ المُلْجِئَةِ دَفْعًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ واكْتَفى بَعْضُهم بِحَمْلِ الإيمانِ عَلى الإيمانِ بِالِاخْتِيارِ وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُضُوعِ الأعْناقِ فَلْيُفْهَمْ، وخَصَّ شَيْخُ الإسْلامِ الآيَةَ بِما كانَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أيْ وإنْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِأنْ يُشاهِدُوهُ بِسَماعِهِ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ أحْلى لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ ﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ ﴾ أيْ يُخاصِمُونَكَ ويُنازِعُونَكَ و (حَتّى) هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ ويُقالُ لَها: حَتّى الِابْتِدائِيَّةُ ولا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها خِلافًا لِلزُّجاجِ وابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ زَعْمًا أنَّها في مَحَلِّ جَرٍّ بِحَتّى، ويَرُدُّهُ أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ لا تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى المُفْرَدِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ، والجُمْلَةُ هُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءُوكَ ﴾ مَعَ جَوابِ الشَّرْطِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٍ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، و(إذا) مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِالشَّرْطِ أوِ الجَوابِ عَلى الخِلافِ الشَّهِيرِ في ذَلِكَ واعْتُرِضَ بِأنَّ جَعْلَ (يُجادِلُونَكَ) في مَوْضِعِ الحالِ (ويَقُولُ الَّذِينَ) جَوابًا مُفْضٍ إلى جَعْلِ الكَلامِ لَغْوًا لِأنَّ المُجادَلَةَ نَفْسُ هَذا القَوْلِ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ المُجادِلَةُ بِقَصْدِها ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ المُجادَلَةَ مُطْلَقُ المُنازَعَةِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ أيِ الأرْضِ، والقَوْلُ المَذْكُورُ فَرْدٌ مِنها فالكَلامُ مُفِيدٌ أبْلَغَ فائِدَةً كَقَوْلِكَ: إذا أهانَكَ زَيْدٌ شَتَمَكَ، وذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (حَتّى) إذا وقَعَ بَعْدَها (إذا) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إلى) والغايَةُ مُعْتَبَرَةٌ في الوَجْهَيْنِ أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَكَ لا يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ بَلْ يَقُولُونَ (إنْ هَذا) أيْ ما هَذا ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ 52 - أيْ أحادِيثُهُمُ المَسْطُورَةُ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وقالَ قَتادَةُ: كَذِبُهم وباطِلُهُمْ وحاصِلُ ما ذُكِرَ أنَّ تَكْذِيبَهم بَلَغَ النِّهايَةَ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ماتَ النّاسُ حَتّى الأنْبِياءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (حَتّى) هي الجارَّةَ، ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ : في مَوْضِعِ الجَرِّ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ في شَرْحِهِ وعَلَيْهِ فَـ (إذا) خارِجَةٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ كَما صَرَّحُوا بِهِ وعَنِ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا فَلا جَوابَ لَها فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: تَفْسِيرٌ (لَيُجادِلُونَكَ) وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا.
والأساطِيرُ عِنْدَ الأخْفَشِ جَمْعٌ لا مُفْرَدَ لَهُ كَأبابِيلَ ومَذاكِيرَ، وقالَ بَعْضُهم: لَهُ مُفْرَدٌ.
وفي القامُوسِ إنَّهُ جَمْعُ إسْطارٍ وإسْطِيرٍ بِكَسْرِهِما وأُسْطُورٍ وبِالهاءِ في الكُلِّ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ سَطْرٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ فَهو جَمْعُ جَمْعٍ وأصْلُ السَّطْرَ بِمَعْنى الخَطِّ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ أيْ لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ وعَدِّهِ حَدِيثَ خُرافَةٍ بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ لِئَلّا يَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْأوْنَ عَنْهُ أيْ يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ النَّأْيِ عَنِ النَّهْيِ وهَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّسُولِ عَلى مَعْنى يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ وهو التَّفْسِيرُ الَّذِي أخْرَجَهُ أبْناءُ جَرِيرٍ والمُنْذِرِ وأبِي حاتِمٍ ومَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِأبِي طالِبٍ وأتْباعِهِ أوْ أضْرابِهِ، والمَجْرُورُ لِلنَّبِيِّ عَلى مَعْنى يَنْهَوْنَ عَنْ أذِيَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلالٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ وكانُوا عَشْرَةً، وكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في السِّرِّ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الجَمْعِ لِأبِي طالِبٍ وحْدَهُ وجُمِعَ اسْتِعْظامًا لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَنزِلَةَ أفْعالٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: قِفا عِنْدَ المازِنِيِّ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ورَوى هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ عِنْدَ أبِي طالِبٍ يَدْعُوهُ لِلْإسْلامِ فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إلَيْهِ يُرِيدُونَ سُوءًا بِالنَّبِيِّ فَقالَ مُنْشِدًا: واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ وقَرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونًا ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
وفِيها عَلى هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ التِفاتٌ، ورَدَّ الإمامُ القَوْلَ الأخِيرَ بِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في ذَمِّ فِعْلِ المُشْرِكِينَ فَلا يُناسِبُهُ ذِكْرُ النَّهْيِ عَنْ أذِيَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ.
ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الذَّمَّ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ.
وبِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنِ ادَّعى أنَّ أبا طالِبٍ لَمْ يُؤْمِن بِرَسُولِ اللَّهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ في مَوْضِعِهِ والنَّأْيُ لازِمٌ يَتَعَدّى بِعْنَ كَما في الآيَةِ.
ونُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ سَمِعَ تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ عَنِ المُبَرِّدِ وأنْشَدَ: أُعاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدًى بِقَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ نَآنِي زائِرِي وقَرِيبِي وخَرَّجَهُ البَعْضُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، ولا يَخْفى ما في (يَنْهَوْنَ ويَنْأوْنَ) مِنَ التَّجْنِيسِ البَدِيعِ وقُرِئَ (ويَنَوْنَ) عَنْهُ ﴿ وإنْ يُهْلِكُونَ ﴾ أيْ وما يُهْلِكُونَ بِذَلِكَ ﴿ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهُ وهو عَذابُ الضَّلالِ والإضْلالِ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ 62 - حالٌ مِن ضَمِيرِ يُهْلِكُونَ أيْ يَقْصُرُونَ الإهْلاكَ عَلى أنْفُسِهِمْ والحالُ أنَّهم غَيْرُ شاعِرِينَ لا بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم ولا بِاقْتِصارِ ذَلِكَ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ أوِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإهْلاكِ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقُ الضَّرَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ هو الهَلاكُ لا الضَّرَرُ المُطْلَقُ عَلى أنَّ مَقْصِدَهم لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ المُمانَعَةِ فِيما ذَكَرُوا بَلْ كانُوا يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي هو نِظامُ عِقْدِ لَآلِئِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُعْتَبَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالنَّهْيِ فَقَصْرُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ عَذابِ الضَّلالِ عِنْدَ عَذابِ الإضْلالِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.
ونَفْيُ الشُّعُورِ -عَلى ما في البَحْرِ- أبْلَغُ مِن نَفْيِ العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِكُونَ ذَلِكَ أصْلًا <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ القَوْلِ المُتَناقِضِ لِما صَدَرَ عَنْهم في الدُّنْيا مِنَ القَبائِحِ المَحْكِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ كاذِبًا في نَفْسِهِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ قَصْدًا إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الشَّناعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِها راءٍ دُونَ راءٍ.
و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ عَلى أصْلِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلَةُ امْرِئِ القَيْسِ: وجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا، وقَوْلُهُمْ: لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي.
و(تَرى) بَصَرِيَّةٌ وحُذِفَ مَفْعُولُها لِدَلالَةِ ما في حَيِّزِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ.
والإيقافُ إمّا مِنَ الوُقُوفِ المَعْرُوفِ أوْ مِنَ الوُقُوفِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ كَما يُقالُ أوْقَفْتُهُ عَلى كَذا إذا فَهَّمْتُهُ وعَرَّفْتُهُ.
واخْتارَهُ الزَّجّاجُ أيْ ولَوْ تَرى حالَهم حِينَ يُوقَفُونَ عَلى النّارِ حَتّى يُعايِنُوها أوْ يُرْفَعُوا عَلى جِسْرِها وهي تَحْتَهم فَيَنْظُرُونَها أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها لَرَأيْتَ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ وقِيلَ: إنَّ (لَوْ) بِمَعْنى إنَّ.
وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ تَرى عِلْمِيَّةً وهو كَما تَرى.
وقُرِئَ (وقَفُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْهِ اللّازِمُ ومَصْدَرُهُ غالِبًا لِلْوُقُوفِ.
ويُسْتَعْمَلُ وقَفَ مُتَعَدِّيًا أيْضًا ومَصْدَرُهُ الوَقْفُ وسُمِعَ فِيهِ أُوقِفَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وقِيلَ: إنَّهُ بِطَرِيقِ القِياسِ (فَقالُوا) لِعَظَمِ أمْرِ ما تَحَقَّقُوهُ ﴿ يا لَيْتَنا نُرَدُّ ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا.
و(يا) لِلتَّنْبِيهِ أوْ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ أيْ يا قَوْمَنا مَثَلًا ﴿ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ﴾ أيِ القُرْآنِ كَما كُنّا نُكَذِّبُ مِن قَبْلُ ونَقُولُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآياتِ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ والمُعْجِزاتِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِأحْوالِ النّارِ وأهَوالِها الآمِرَةِ بِاتِّقائِها بِناءً عَلى أنَّها الَّتِي تَخْطُرُ حِينَئِذٍ بِبالِهِمْ ويَتَحَسَّرُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادُ بِها جَمِيعُ الآياتِ المُنْتَظِمَةِ لِتِلْكَ الآياتِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا ﴿ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ 72 - بِها حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ كَما لَمْ يَرَ المُؤْمِنُونَ.
ونَصْبُ الفِعْلَيْنِ -عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَبَقَهُ إلَيْهِ كَما قالَ الحَلَبِيُّ الزَّجّاجُ- بِإضْمارِ أنْ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي.
والمَعْنى إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ نَصْبَ الفِعْلِ بَعْدَ الواوِ لَيْسَ عَلى الجَوابِيَّةِ لِأنَّها لا تَقَعُ في جَوابِ الشَّرْطِ فَلا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَها أوْ ما بَعْدَها شَرْطُ جَوابٍ، وإنَّما هي واوٌ تَعْطِفُ ما بَعْدَها عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ قَبْلَها وهي عاطِفَةٌ يَتَعَيَّنُ مَعَ النَّصْبِ أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ وهي المَعِيَّةُ ويُمَيِّزُها عَنِ الفاءِ صِحَّةَ حُلُولِ مَحَلِّها أوِ الحالِ.
وشُبْهَةُ مَن قالَ: إنَّها جَوابٌ أنَّها تُنْصَبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَنْصِبُ فِيها الفاءُ فَتُوهِمُ أنَّها جَوابٌ.
ويُوَضِّحُ لَكَ أنَّها لَيْسَتْ بِهِ انْفِرادُ الفاءِ دُونَها بِأنَّها إذا حُذِفَتِ انْجَزَمَ الفِعْلُ بَعْدَها بِما قَبْلَها لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ أُجْرِيَتْ هُنا مَجْرى الفاءِ.
وجَعَلَها ابْنُ الأنْبارِيِّ مُبْدَلَةً مِنها.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ إسْحاقَ (فَلا نُكَذِّبَ)، واعْتُرِضَ أيْضًا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن مَعْنى الجَزائِيَّةِ بِأنَّ رَدَّهم لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ.
وأُجِيبَ بِأنَّ السَّبَبِيَّةَ يَكْفِي فِيها كَوْنُها في زَعْمِهِمْ.
ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الرَّدِّ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ العِنايَةِ بِأنْ يُرادَ الرَّدُّ الكائِنُ بَعْدَ ما ألْجَأهم إلى ذَلِكَ إذْ قَدِ انْكَشَفَتْ لَهم حَقائِقُ الأشْياءِ.
ولِهَذِهِ الدَّغْدَغَةِ اخْتارَ مَنِ اخْتارَ العَطْفَ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءَ تَكْذِيبٍ وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ، وخَرَجَ عَلى أنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهم غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ والَوْاوُ كالزّائِدَةِ؛ كَقَوْلِ المُذْنِبِ لِمَن يُؤْذِيهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ: دَعْنِي ولا أعُودُ يُرِيدُ لا أعُودُ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي.
ومِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الإمامُ عَبْدُ القاهِرِ قَوْلُهُ: اليَوْمَ يَوْمانِ مُذْ غُيِّبْتَ عَنْ نَظَرِي ∗∗∗ نَفْسِي فِداؤُكَ ما ذَنْبِي فَأعْتَذِرُ وكَأنَّ المُقْتَضى لِنَظْمِهِ في هَذا السِّلْكِ إفادَةُ المُبالِغَةِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ المُغازَلَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ ابْتِداءَ كَلامٍ بِمَعْنى كَوْنِهِ مَقْطُوعًا عَمّا في حَيِّزِ التَّمَنِّي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ إخْبارٍ عَلى إنْشاءٍ، ومِنَ النُّحاةِ مِن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ داخِلًا في حُكْمِ التَّمَنِّي عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى (نُرَدُّ) أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، فالمَعْنى -كَما قالَ الشِّهابُ- عَلى تَمَنِّي مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ الرَّدِّ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ أيِ التَّصْدِيقِ الحاصِلِ بَعْدَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِأنَّ الرَّدَّ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ هُنا، وكَوْنُهُ مُتَمَنًّى ظاهِرٌ لِعَدَمِ حُصُولِهِ حالَ التَّمَنِّي وإنْ كانَ التَّمَنِّي مُنْصَبًّا عَلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ فَتَمَنِّيهِ لِأنَّ الحاصِلَ الآنَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّهم لَيْسُوا في دارِ تَكْلِيفٍ فَتَمَنَّوْا إيمانًا يَنْفَعُهم وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الرَّدِّ المُحالِ والمُتَوَقِّفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى ما عَلِمْتَ آنِفًا، والجَوابِيَّةُ إمّا بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ أوْ بِالنَّظَرِ إلى الثّانِي وعَدَمُ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ والتَّصْدِيقِ فَلا اتِّحادَ وقُرِئَ شاذًّا بِعَكْسِ هَذِهِ القِراءَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُؤْذِنُ بِهِ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزْمٍ صَحِيحٍ ناشِئٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ بَلْ لِأنَّهُ بَدا وظَهَرَ لَهم في وُقُوفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِن ثالِثَةِ الأثافِي والدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ فَلِشَدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ ومَزِيدِ ضَجَرِهِمْ مِنهُ قالُوا ما قالُوا، فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ النّارُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السَّوْقُ ومِن إخْفائِها سَتْرُ أمْرِها وذَلِكَ بِإنْكارِ تَحَقُّقِها وعَدَمِ الإيمانِ بِثُبُوتِها أصْلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا ويُنْكِرُونَ تَحَقُّقَهُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِالتَّكْذِيبِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِما قَبْلُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ﴾ مَراعاةً لِما في مُقابِلِهِ مِنَ البَدْوِ في الجُمْلَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الرَّمْزِ الخَفِيِّ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم هَذا لَمْ يَكُنْ في مَحَلِّهِ رَأْسًا لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما كانُوا يُخْفُونَهُ قَبائِحُهم مِن غَيْرِ الشِّرْكِ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها عَنِ النّاسِ فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ الَّذِي أنْكَرُوهُ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أمْرُ البَعْثِ والنُّشُورِ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِرُؤَساءِ الكُفّارِ والمَجْرُورُ لِأتْباعِهِمْ أيْ ظَهَرَ لِلتّابِعِينَ ما كانَ الرُّؤَساءُ المَتْبُوعُونَ يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُسِبَ إلى الحَسَنِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقِيلَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لَهُمْ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكُفْرُ أيْ بَلْ ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما كانَ المُنافِقُونَ يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ ويَكْتُمُونَهُ عَنْهم في الدُّنْيا، وقِيلَ: هي في أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا أوْ عُلَمائِهِمْ، والَّذِي أخْفَوْهُ نُبُوَّةَ خاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرانِ المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لِلْخَواصِّ والعَوامِّ.
وتُعُقِّبَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ الِاعْتِسافِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهُمُ المَذْكُورَ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي وأزْجُرُ الزَّواجِرِ إلى ما دُونَها في ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ ثَمَّةَ أمْرٌ يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بَدا لَهم وبالُ ما كانُوا يُخْفُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا فَتَدَبَّرْ ﴿ ولَوْ رُدُّوا ﴾ مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا ﴿ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أوْ مِنَ الأعَمِّ مِن ذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ووَجْهُ اللُّزُومِ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ سَبْقُ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ التّابِعِ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ ونَجاسَةِ جِبِلَّتِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ولِهَذا لا يَنْفَعُهم مُشاهِدَةَ ما شاهَدُوهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى حالِهِمُ الأُولى مِن عَدَمِ العِلْمِ والمُشاهَدَةِ لَعادُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ ذَمِّهِمْ بِغُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ والإصْرارِ، وكَوْنُ هَذا جَوابًا لِما مَرَّ مِن تَمَنِّيهِمْ.
وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ في تَوْجِيهِ عَدَمِ نَفْعِ المُشاهَدَةِ في الآخِرَةِ لِأهْوالِها المُتَرَتِّبَةِ عَلى المَعاصِي بَعْدَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا أنَّها حِينَئِذٍ كَخَبَرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ فَحَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وصَدَّهم ما صَدَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما هو مِثْلُهُ ويَصُدُّهم أيْضًا ما يَصُدُّهُمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ المُشاهَدَةِ بَعْدَ الرَّدِّ كَخَبَرِ الصّادِقِ يَرْجِعُ في الآخِرَةِ إلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَبْقِ القَضاءِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ، ومِن خُلِقَ لِلشَّقاءِ والعِياذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلشَّقاءِ يَكُونُ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ 82 - أيْ لَقَوْمٌ كاذِبُونَ فِيما تَضَمَّنَهُ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الخَبَرِ بِأنَّ ذَلِكَ مُرادٌ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى بِأنَّ دَيْدَنَ هَؤُلاءِ وهَجِيراهُمُ الكَذِبُ.
ولَيْسَ الكَذِبُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَوَجِّهًا إلى التَّمَنِّي نَفْسِهِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ، والإنْشاءُ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ.
وقالَ الرَّبَعِيُّ: لا بَأْسَ بِتَوْجِيهِ الكَذِبِ إلى التَّمَنِّي لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ بِنَفْسِهِ.
واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُنًى إنْ تَكُنْ حَقًّا أحْسَنَ المُنى وإلّا فَقَدَ عِشْنا بِها زَمَنًا رَغْدًا لِأنَّ الحَقَّ بِمَعْنى الصِّدْقِ وهو ضِدُّ الباطِلِ والكَذِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَهو مَجازٌ أيْضًا، وقِيلَ الخَبَرُ الضِّمْنِيُّ هُنا هو الوَعْدُ بِالإيمانِ وعَدَمُ التَّكْذِيبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعْدَ كالوَعِيدِ مِن قَبِيلِ الإنْشاءِ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ فَلا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الكَذِبُ والصِّدْقُ كَما لا يَتَوَجَّهانِ إلى الإنْشاءِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المُسْئِلَةِ ثانِيهُما أنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ لا الإنْشاءِ وهَذا القِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالكَذِبِ المُتَوَجِّهِ إلى الوَعْدِ عَدَمُ الوَفاءِ بِهِ لا عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى (عادَوْا) كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ واعْتَرَضَهُ ابْنُ الكَمالِ بِأنَّ حَقَّ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ حِينَئِذٍ يُؤَخَّرُ عَنِ المَعْطُوفِ أوْ يُقَدَّمُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَوْسِيطَهُ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (إنَّهم لَكاذِبُونَ) أوْ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ عَلى (نُهُوا)، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوهُ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بِذِكْرِ ما قالُوا في الدُّنْيا، ﴿ إنْ هِيَ ﴾ أيْ ما هي ﴿ إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ والضَّمِيرُ لِلْحَياةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِ المُتَنَبِّي: هو الجَدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها وحَتّى يَكُونَ اليَوْمُ لِلْيَوْمِ سَيِّدًا وقَدْ نَصُّوا عَلى صِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مَواضِعَ مِنها ما إذا كانَ خَبَرُ الضَّمِيرِ مُفَسِّرًا لَهُ كَما هُنا وجَعَلَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّهُمُ اشْتَرَطُوا في خَبَرِهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وخالَفَهم بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم جَوازُ كَوْنِ خَبَرِهِ مُفْرَدًا إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ كَوْنِ المُفْرَدِ عامِلًا عَمَلَ الفِعْلِ كاسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ: إنَّهُ قائِمٌ زَيْدٌ، بِناءً عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ سَدَّ مَسَدَّ الجُمْلَةِ، وقِيلَ -وفِيهِ بُعْدٌ-: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عِبارَةً عَمّا في الذِّهْنِ وهو الحَياةُ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: الدُّنْيا لا القَرِيبَةُ الزَّوالِ أوِ الدَّنِيئَةُ أوِ المُتَقَدِّمَةُ عَلى الآخِرَةِ كَما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ إذْ كَلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ لاسِيَّما الأخِيرُ ﴿ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ 92 - أيْ إذا فارَقَتْنا هَذِهِ الحَياةُ أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ تَمْثِيلٌ لِحَبْسِهِمْ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ أوْ كِنايَةٌ عَنْهُ عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ فِيها إمْكانُ الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّجَوُّزِ في المُفْرَدِ إلّا أنَّ الأرْجَحَ عِنْدَهُمُ اعْتِبارُهُ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: الوُقُوفُ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ المُتَعَدِّي بِعَلى أيْضًا، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، ولا حاجَةَ إلى التَّضْمِينِ وجَعْلِهِ مِنَ القَلْبِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الِاطِّلاعِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى مَعْنى عَرَفُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقَّ التَّعْرِيفِ، ولا يَلْزَمُ مَن حَقِّ التَّعْرِيفِ حَقُّ المَعْرِفَةِ لِيُقالَ: كَيْفَ هَذا وقَدْ قِيلَ: ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مَوْقِفِ الحِسابِ ولا يَخْفى ما فِيهِ قالَ: اسْتِئْنافٌ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ ذاكَ فَقِيلَ: قالَ: إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ قائِلًا ألَيْسَ هَذا أيِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ بِالحَقِّ أيْ حَقًّا لا باطِلًا كَما زَعَمْتُمْ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى العِقابِ وحْدَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلالَةَ في (فَذُوقُوا ) عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ عَلى ذَلِكَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ قالُوا اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ (بَلى) هو حُقُّ ﴿ ورَبِّنا ﴾ أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ تَيَقُّنِهِمْ بِحَقِّيَتِهِ وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ طَمْعًا بِأنْ يَنْفَعَهم وهَيْهاتَ، ﴿ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ وأنْكَرْتُمُوهُ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ 3 - أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِبَدَلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ أوْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِهِ، فَـ (ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والأوَّلُ أوْلى، ولَعَلَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ كَما قِيلَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَما وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا ما قالُوا إذِ الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلّا العَذابُ، ويُحْتَمَلُ العَكْسُ وأمْرُ الأمْرِ سَهْلٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهم لَكِنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِتَسَبُّبِ خُسْرانِهِمْ عَمّا في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ لِقاءُ ما وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ لِقاءُ جَزاءٍ بِاللَّهِ تَعالى، وصَرَّحَ آخَرُونَ بِأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ عَنِ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ ﴾ أيِ الوَقْتُ المَخْصُوصُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وأصِلُ السّاعَةِ القِطْعَةُ مِنَ الزَّمانِ، وغَلَبَتْ عَلى الوَقْتِ المَعْلُومِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وسُمِّيَ ساعَةً لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخُلُودِ أوْ بِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيهِ عَلى البارِّي عَزَّ اسْمُهُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِوَقْتِ المَوْتِ، والغايَةُ المَذْكُورَةُ لِلتَّكْذِيبِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِلْخُسْرانِ لَكِنْ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ أيْ إنَّكَ مَذْمُومٌ مَدْعُوٌّ عَلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ فَإذا جاءَ اليَوْمُ لَقِيتَ ما تَنْسى اللَّعْنَ مَعَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خَسِرَ المُكَذِّبُونَ إلى يَوْمِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنْواعِ المِحَنِ والبَلاءِ فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يَقَعُونَ فِيما يَنْسَوْنَ مَعَهُ هَذا الخُسْرانَ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً وبَغْتَةً بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُها، وبَغَتَهُ كَمَنَعَهُ فَجْأةً أيْ هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ شُعُورِ، وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ (جاءَتْهُمْ) أيْ مُباغَتَةً أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ مَبْغُوتِينَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَـ (جاءَتْهُمْ) عَلى حَدِّ رَجَعَ القَهْقَرى أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ اللَّفْظِ أوْ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قالُوا ﴾ جَوابُ إذا ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ نِداءٌ لِلْحَسْرَةِ وهي شِدَّةُ النَّدَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا تَعالىْ فَهَذا أوانُكِ، قِيلَ: وهَذا التَّحَسُّرُ وإنْ كانَ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمّا كانَ المَوْتُ مِن مُقَدِّماتِ الآخِرَةِ جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ، وسُمِّيَ بِاسْمِها ولِذا قالَ : «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» أوْ جَعَلَ مَجِيءَ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ لِسُرْعَتِهِ كالواقِعِ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ يا حَسْرَةُ احْضُرِي هَذا أوانُكِ، وهو نِداءٌ مَجازِيٌّ ومَعْناهُ تَنْبِيهُ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ أسْبابِ الحَسْرَةِ لِأنَّ الحَسْرَةَ نَفْسَها لا تُطْلَبُ ولا يَتَأتّى إقْبالُها، وإنَّما المَعْنى عَلى المُبالَغَةِ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم ذُهِلُوا فَنادَوْها، ومِثْلُ ذَلِكَ نِداءُ الوَيْلِ ونَحْوِهِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ﴿ عَلى ما فَرَّطْنا ﴾ أيْ عَلى تَفْرِيطِنا فَـ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فالتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ فِيما قُدِرَ عَلى فِعْلِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْناهُ التَّضْيِيعُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ السَّبْقُ ومِنهُ الفارِطُ لِلسّابِقِ، ومَعْنى فَرَّطَ خَلا السَّبْقَ لِغَيْرِهِ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلسَّلْبِ كَجَلَّدْتُ البَعِيرَ أزَلْتُ جِلْدَهُ وسَلَبْتُهُ، (فِيها) أيِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ في السّاعَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ مِنَ التَّفْرِيطِ في السّاعَةِ التَّقْصِيرُ في مُراعاةِ حَقِّها والِاسْتِعْدادِ لَها بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ أيْ عَلى ما فَرَّطْنا في طَلَبِها، ونُسِبَ إلى السُّدِّيِّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«يَرى أهْلُ النّارِ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُونَ يا حَسْرَتَنا» إلَخْ، لا يَخْلُو مَن نَظَرٍ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ بَعْدُ وهو يُبْطِلُ الِاسْتِدْلالَ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ الهاءَ يَعُودُ إلى الصِّفَةِ لِدَلالَةِ الخُسْرانِ عَلَيْها وهو بَعِيدٌ أيْضًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّتِي)، والمُرادُ بِها الأعْمالُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي قَصَّرْنا فِيها، نَعَمْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا مَذْكُورٌ في كَلامِهِمْ دُونَهُ عَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ بَلْ ولا في كَلامِهِ تَعالى في قَصِّ حالِ هَؤُلاءِ القائِلِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ فَتَدَبَّرْ، ﴿ وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قالُوا) وهي حالٌ مُقارَنَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، والوِزْرُ في الأصْلِ الثِّقْلُ ويُقالُ: الذَّنْبُ وهو المُرادُ هُنا أيْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهم وخَطاياهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَكَرَ الظُّهُورَ لِأنَّ المُعْتادَ الأغْلَبَ الحِمْلُ عَلَيْها كَما في ﴿ كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ فَإنَّ الكَسْبَ في الأكْثَرِ بِالأيْدِي، وفي ذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى مَزِيدِ ثِقَلِ المَحْمُولِ وجَعَلَ الذُّنُوبَ والآثامَ مَحْمُولَةً عَلى الظَّهْرِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ بَيانُ سُوءِ حالِهِمْ وشَدَّةِ ما يَجِدُونَهُ مِنَ المَشَقَّةِ والآلامِ والعُقُوباتِ العَظِيمَةِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: حَمْلُها عَلى الظَّهْرِ حَقِيقَةٌ وإنَّها تُجَسَّمُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ ظالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ إلّا جاءَهُ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ عَلَيْهِ ثِيابٌ دَنِسَةٌ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ فَإذا رَآهُ قالَ ما أقْبَحَ وجْهَكَ قالَ كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا، قالَ: ما أنْتَنَ رِيحَكَ، قالَ: كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا، قالَ: ما أدْنَسَ ثِيابَكَ فَيَقُولُ: إنَّ عَمَلَكَ كانَ دَنِسًا قالَ: مَن أنْتَ، قالَ: أنا عَمَلُكَ فَيَكُونُ مَعَهُ في قَبْرِهِ فَإذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ قالَ لَهُ: إنِّي كُنْتُ أحْمِلُكَ في الدُّنْيا بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ فَأنْتَ اليَوْمَ تَحْمِلُنِي فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتّى يَدْخُلَهُ النّارَ، وأخْرَجا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ شَيْءٍ صُورَةً وأطْيَبِهِ رِيحًا فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وحَسَّنَ صُورَتَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ طالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فارْكَبْنِي أنْتَ اليَوْمَ وتَلا ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ﴾ ، وإنْ كانَ الكافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أقْبَحَ شَيْءٍ صُورَةً وأنْتَنُهُ رِيحًا فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ ونَتَّنَ رِيحَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ السَّيِّئُ طالَما رَكِبْتِنِي في الدُّنْيا فَأنا اليَوْمَ أرْكَبُكَ وتَلا ﴿ وهم يَحْمِلُونَ ﴾ الآيَةَ وبَعْضُهم يَجْعَلُ كُلَّ ما ورَدَ في هَذا البابِ مِمّا ذُكِرَ تَمْثِيلًا أيْضًا، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وإجْراءِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِتَجْسِيمِ الأعْمالِ في تِلْكَ الدّارِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الوَزْنِ ألّا ساءَ ما يَزْرُونَ 13 - تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْمِلَةٌ لَهُ، و(ساءَ) تَحْتَمِلُ كَما قِيلَ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ أحَدُها أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ المُتَصَرِّفَةَ وزْنُها فَعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْنى ألا ساءَ ما يَزِرُونَ و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ فاعِلٌ لَها والكَلامُ خَبَرٌ، وثانِيهُما أنَّها حُوِّلَتْ إلى فِعْلِ اللّازِمِ بِضَمِّ العَيْنِ وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أسْوَأ الَّذِي يَزِرُونَهُ أوْ ما أسْوَأ وِزْرَهُمْ، وثالِثُها أنَّها حُوِّلَتْ أيْضًا لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ فَتُساوِي“بِئْسَ" في المَعْنى والإحْكامِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ لِما حَقَّقَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما سَبَقَ أنَّ وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا حَياةً أُخْرى يَلْقَوْنَ فِيها مِنَ الخُطُوبِ ما يَلْقَوْنَ بَيَّنَ - جَلَّ شَأْنُهُ- حالَ تَيْنِكَ الحَياتَيْنِ في أنْفُسِهُما، وجَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) وفِيهِ بُعْدٌ، وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ وما أعْمالُ الحَياةِ الدُّنْيا المُخْتَصَّةُ بِها إلّا كاللَّعِبِ واللَّهْوِ في عَدَمِ النَّفْعِ والثَّباتِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ خَرَجَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ما فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كالعِبادَةِ وما كانَ لِضَرُورَةِ المَعاشِ، والكَلامُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ، وجُعِلَتِ الدُّنْيا نَفْسُها لَعِبًا ولَهْوًا مُبالَغَةً كَما في قَوْلِهِ: وإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ صَحَّ، واللَّهْوُ واللَّعِبُ - عَلى ما في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ - يَشْتَرِكانِ في أنَّهُما الِاشْتِغالُ بِما لا يَعْنِي العاقِلَ ويُهِمُّهُ مِن هَوًى وطَرَبٍ سَواءً كانَ حَرامًا أوْ لا، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ اللَّعِبَ ما قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ والِاسْتِرْواحِ بِهِ، واللَّهْوُ كُلُّ ما شَغَلَ مِن هَوًى وطَرَبٍ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ، وإذا أُطْلِقَ اللَّهْوُ فَهو عَلى ما قِيلَ: اجْتِلابُ المَسَرَّةِ بِالنِّساءِ كَما في قَوْلِهِ: ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمِ أنَّنِي كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي، وقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ في لُغَةِ اليَمَنِ المَرْأةُ، وقِيلَ: اللَّعِبُ طَلَبُ المَسَرَّةِ والفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ بِهِ، واللَّهْوُ صَرْفُ الهَمِّ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يُصْرَفَ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ شُغْلٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِأنَّ مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا أقْبَلَ عَلى الباطِلِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ فالإقْبالُ عَلى الباطِلِ لَعِبٌ، والإعْراضُ عَنِ الحَقِّ لَهْوٌ، وقِيلَ: العاقِلُ المُشْتَغِلُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ لَهُ مِن تَرْجِيحِهِ وتَقْدِيمِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَإنْ قَدَّمَهُ مِن غَيْرِ تَرْكٍ لِلْآخَرِ فَلَعِبٌ، وإنْ تَرَكَهُ ونَسِيَهُ بِهِ فَهو لَهُ، وقَدْ بَيَّنَ صاحِبُ الدُّرَّةِ بَعْدَ أنْ سَرَدَ هَذِهِ الأقْوالَ سِرَّ تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلى اللَّهْوِ حَيْثُ جُمِعا كَما هُنا، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَما في العَنْكَبُوتِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الكَلامُ مَسُوقًا لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن إنْكارِ الآخِرَةِ والحَصْرِ السّابِقِ ولَيْسَ في اعْتِقادِهِمْ لِجَهْلِهِمْ إلّا ما عُجِّلَ مِنَ المَسَرَّةِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيا الفانِيَةِ قَدَّمَ اللَّعِبَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ وتَمَّمَ بِاللَّهْوِ أوْ لَمّا طَلَبُوا الفَرَحَ بِها وكانَ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ، وصَرْفُ الهَمِّ لازِمٌ وتابِعٌ لَهُ، قُدِّمَ ما قُدِّمَ أوْ لَمّا أقْبَلُوا عَلى الباطِلِ في أكْثَرِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ لَمّا كانَ التَّقْدِيمُ مُقَدَّمًا عَلى التَّرْكِ والنِّسْيانِ قُدِّمَ اللَّعِبُ عَلى اللَّهْوِ رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ، وأمّا في العَنْكَبُوتِ فالمَقامُ لِذِكْرِ قَصْرِ مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى الآخِرَةِ وتَحْقِيرِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ المُشْعِرِ بِالتَّحْقِيرِ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ ﴾ والِاشْتِغالُ بِاللَّهْوِ مِمّا يَقْصُرُ بِهِ الزَّمانُ وهو أدْخَلُ مِنَ اللَّعِبِ فِيهِ وأيّامِ السُّرُورِ فَصارُوا كَما قالَ: ولَيْلَةُ إحْدى اللَّيالِي الزُّهْرِ لَمْ تَكُ غَيْرَ شَفَقٍ وفَجْرٍ، ويَنْزِلْ عَلى هَذا الوُجُوهُ في الفَرْقِ، وتَفْصِيلُهُ في الدُّرَّةِ قالَهُ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ فَلْيُفْهَمْ، ﴿ ولَلدّارُ الآخِرَةُ ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَياةِ الأُخْرى ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لِخُلُوصِ مَنافِعِها عَنِ المَضارِّ والآلامِ وسَلامَةِ لَذّاتِها عَنِ الِانْصِرامِ ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ 23 - ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ أتَغْفُلُونَ أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ وما الدّارُ الآخِرَةُ إلّا جِدٌّ وحَقٌّ لِمَكانٍ، ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ إلّا أنَّهُ وضَعَ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما عَدا أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الدّارَ الآخِرَةَ في مُقابَلَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وحُكِمَ عَلى الأعْمالِ المُقابِلَةِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ عُلِمَ تُقابِلُ العَمَلَيْنِ حَسْبَ تَقابُلِ ما أُضِيفا إلَيْهِ أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةَ فَإذا خَصَّ الخَيْرِيَّةَ بِالمُتَّقِينَ لَزِمَ مِنهُ أنَّ ما عَدّا أعْمالِهِمْ لَيْسَ مِن أعْمالِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ فَهو لَعِبٌ ولَهْوٌ لا يَعْقُبُ مَنفَعَةً وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِالإضافَةِ وهي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَدْ جَوَّزَها الكُوفِيُّونَ ومَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ تَأوَّلَهُ بِتَقْدِيرِ: ولَدارُ النَّشْأةِ الآخِرَةِ أوْ إجْراءِ الصِّفَةِ مَجْرى الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ (يَعْقِلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، وقِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ والحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والمُبالَغَةِ، وكَلِمَةُ قَدْ لِلتَّكْثِيرِ وهو -كَما قالَ الحَلَبِيُّ رادًّا بِهِ اعْتِراضَ أبِي حَيّانَ- راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقاتِ العَلَمِ لا العَلَمِ نَفْسِهِ إذْ صِفَةُ القَدِيمِ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والتَّكْثِيرَ وإلّا لَزِمَ حُدُوثُها المُسْتَلْزِمُ لِحُدُوثِ مَن قامَتْ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قَدْ تَصِحُّ الكَثْرَةُ بِاعْتِبارِ المَعْلُوماتِ وما في حَيِّزِ العِلْمِ هَنا كَثِيرٌ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ دالٌّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وأنْشَدُوا عَلى إفادَتِها ذَلِكَ بُقُولِ الهُذَلِيِّ: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ إفادَتَها لِلتَّكْثِيرِ قَوْلٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلنُّحاةِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قالَ: وتَكُونُ (قَدْ) بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ وما اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلى دَعْواهم إنَّما فُهِمَ التَّكْثِيرُ فِيهِ مِن سِياقِ الكَلامِ ومِنهُ البَيْتُ فَإنَّ التَّكْثِيرَ إنَّما فُهِمَ فِيهِ لِأنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ المُفْتَخَرِ بِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ إطْلاقَ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما في التَّقْلِيلِ والصَّرْفِ إلى المُضِيِّ والبَيْتُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَإنَّ الفَخْرَ يَقَعُ بِتَرْكِ الشُّجاعِ قَرْنَهُ وقَدْ صُبِغَتْ أثْوابُهُ بِدِمائِهِ في بَعْضِ الأحْيانِ وقَوْلُ أبِي حَيّانَ أنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةٍ إلَخْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ هو فِيما يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وأمّا ما يَنْدُرُ فَيُفْتَخَرُ بِوُقُوعِهِ نادِرًا لِأنَّ قِرْنَ الشُّجاعِ لَوْ غَلَبَهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُنْ قِرْنًا لَهُ لَأنَّ القِرْنَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ المُقاوِمُ المُساوِي وفِي القامُوسِ القِرْنُ كُفْؤُكَ في الشَّجاعَةِ أوْ أعَمُّ فَلَفْظِهُ يَقْتَضِي بِحَسَبِ دَقِيقِ النَّظَرِ أنَّهُ لا يَغْلِبُهُ إلّا قَلِيلًا وإلّا لَمْ يَكُنْ قِرْنًا، ويَتَناقَضُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُهُ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ لَفْظَ (قَدْ) لِلتَّقْلِيلِ وقَدْ يُرادُ بِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ ضِدُّهُ وهو مِن بابِ اسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخِرِ، والنُّكْتَةُ هُنا تَصْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ مِن أذى قَوْمِهِ وتَكْذِيبِهِمْ يَعْنِي مِن حَقِّكَ وأنْتَ سَيِّدُ أُولِي العَزْمِ أنْ لا تُكْثِرَ الشَّكْوى مِن أذى قَوْمِكَ وأنْ لا يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى مِن إظْهارِكَ الشَّكْوى إلّا قَلِيلًا وأنْ يَكُونَ تَهَكُّمًا بِالمُكَذِّبِينَ وتَوْبِيخًا لَهُمْ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ (قَدْ) هُنّا لِلتَّقْلِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ ما هم فِيهِ أقَلُّ مَعْلُوماتِهِ تَعالى، وضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلشَّأْنِ وهو اسْمُ (إنَّ) وخَبَرُها الجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لَهُ والمَوْصُولُ فاعِلُ يَحْزُنُكَ وعائِدُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يَقُولُهُ وهو ما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ هو وما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِن هَذَيانِهِمْ وجُمْلَةُ (إنَّهُ) إلَخْ، سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (يَعْلَمُ) وقَرَأ نافِعٌ: (لِيُحْزِنُكَ) مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاعْتِدادِ بِما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسَلِّي بِما يُفِيدُهُ مِن بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ غايَةً لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ نَفى تَكْذِيبَهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأثْبَتَهُ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ واضْمِحْلالِ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا اسْتِعْظامٌ لِجِنايَتِهِمْ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدَّ بِهِ وكُلُّهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ ﴿ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ 33 - أيْ ولَكِنَّهم بِآياتِهِ تَعالى يُكَذِّبُونَ فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الظُّلْمِ الَّذِي جُحُودُهم هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِهِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ مُطْلَقَهُ، فالوَضْعُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم ودَيْدَنُهم وأنَّهُ عِلَّةُ الجَحُودِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ المَأْخَذِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الظُّلْمُ المَخْصُوصُ فَهو عَيْنُ الجَحْدِ وواقِعٌ بِهِ نَحْوَ: ﴿ ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ ﴾ فَيَكُونُ المُبْتَدَأُ مُشِيرًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ، وقِيلَ: أنَّ (ألْ) في الظّالِمِينَ إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الحُدُوثِ أفادَ الكَلامَ سَبَبِيَّةَ الجَحْدَ لِلظُّلْمِ، وإنْ كانَتْ حَرْفَ تَعْرِيفٍ واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الثُّبُوتِ أفادَ سَبَبِيَّةَ الظُّلْمِ لِلْجَحْدِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ واسْتِعْظامًا لِما قَدِمُوا عَلَيْهِ، وإيرادُ الجُحُودِ في مَوْرِدِ التَّكْذِيبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ آياتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يُشاهِدُ صِدْقَها كُلُّ أحَدٍ، وأنَّ مَن يُنْكِرُها فَإنَّما يُنْكِرُها بِطَرِيقِ الجَحُودِ، وهو كالجَحْدِ نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ أوْ إثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَجْحَدُونَ) والجَحْدُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ، فَيُقالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ وبِحَقِّهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ والرّاغِبِ، وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ هَهُنا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ مُراعاةً لِرُءُوسِ الآيِ أوْ لِلْقَصْرِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (الظّالِمِينَ) وفِيهِ خَفاءٌ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ الفاءَ لِتَعْلِيلِ ما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ هو الَّذِي قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ أنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ قَدْ نَعْلَمُ إلَخْ بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ لا تَحْزَنُ كَما يُقالُ في مَقامِ المَنعِ والزَّجْرِ: نَعْلَمُ ما تَفْعَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنُ مِمّا يَقُولُونَ فَإنَّ التَّكْذِيبَ في الحَقِيقَةِ لِي وأنا الحَلِيمُ الصَّبُورُ فَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهُ يَحْزُنُكَ قَوْلُهم لِأنَّهُ تَكْذِيبٌ لِي فَأنْتَ لَمْ تَحْزَنْ لِنَفْسِكَ بَلْ لِما هو أهَمُّ وأعْظَمُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ المُتَبادِرِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ السُّدِّيُّ أنَّهُ التَقى الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وأبُو جَهْلٍ فَقالَ الأخْنَسُ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ - - أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ هَهُنا أحَدٌ يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قَصِيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنَّدْوَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وكَذا ما أخْرَجُهُ الواحِدِيُّ عِنْدَ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قَصِّيِ بْنِ كِلابٍ يُكَذِّبُ النَّبِيَّ في العَلانِيَةِ فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ قالَ: ما مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكَذِبِ ولا أحْسَبُهُ إلّا صادِقًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم لَيْسَ قَصْدُهم تَكْذِيبَكَ لِأنَّكَ عِنْدَهم مَوْسُومٌ بِالصِّدْقِ، وإنَّما يَقْصِدُونَ تَكْذِيبِي والجُحُودَ بِآياتِي، ونُسِبَ هَذا إلى الكِسائِيِّ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ : ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ ولَكُنّا نُكَذِّبُ ما جِئْتِنا بِهِ فَنَزَلَتْ، وكَذا أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، واعْتَرَضَ الرَّضِيُّ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقُوهُ في نَفْسِهِ ويُكَذِّبُوا ما أتى بِهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أتى بِهِ وصِدْقِهِ وأنَّهُ الدِّينُ القَيِّمُ والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ ويَكُونُ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا بَلْ إنْ كانَ صادِقًا فالَّذِي أُتِيَ بِهِ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فِيهِ، وقالَ مَوْلانا سِنانٌ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّكَ صادِقٌ ولَكِنْ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ اعْتَرى عَقْلَكَ وحاشاكَ نَوْعُ خَلَلٍ فَخُيِّلَ إلَيْكَ أنَّكَ نَبِيٌّ ولَيْسَ الأمْرُ بِذاكَ وما جِئْتَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقالَ الطِّيبِيُّ: مُرادُهم إنَّكَ لا تَكْذِبُ لِأنَّكَ الصّادِقُ الأمِينُ ولَكِنْ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنِ اعْتِراضِ الرَّضِيِّ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ فِيما وافَقَ كُتُبَهم وإنْ كَذَّبُوكَ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُكَذِّبُكَ جَمِيعُهم وإنْ كَذَّبَكَ بَعْضُهم وهُمُ الظّالِمُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ ذِكْرُ الظّالِمِينَ مِن وضْعِ المَظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما الألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: (لا يَكْذِبُونَكَ) مِنَ الإكْذابِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورُوِيَتْ أيْضًا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ الجُمْهُورُ: كِلاهُما بِمَعْنى كَأكْثَرَ وكَثُرَ وأنْزَلَ ونَزَلَ، وقِيلَ: مَعْنى أكْذَبْتُهُ وجَدْتُهُ كاذِبًا كَأحْمَدْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، ونَقَلَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتَ بِالتَّشْدِيدِ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلَيْهِ وأكْذَبْتَهُ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ دُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ إثْرَ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ فَإنَّ عُمُومَ البَلْوى رُبَّما يُهَوِّنُها بَعْضُ تَهْوِينٍ وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى وعُدَّةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْذِيبٍ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ)، ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تُوصَفُ بِالزَّمانِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى تاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ: (وأُوذُوا) عَطْفٌ عَلى (كُذِّبُوا) داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ ومَصْدَرُ كُذِّبَ التَّكْذِيبُ، وآذى أذًى وأذاةً وأذِيَّةً كَما في القامُوسِ وإيذاءً كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً خَطَأٌ والَّذِي غَرَّهُ تَرْكُ الجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ لَهُ، وهو وسائِرُ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَذْكُرُونَ المَصادِرَ القِياسِيَّةَ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِها، والمَصْدَرانِ هُنا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وهو ظاهِرٌ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم وإيذائِهِمْ إيّاهم فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ،والمُرادُ بِإيذائِهِمْ إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ أوْ ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وفِيهِ تَأْكِيدُ لِلتَّسْلِيَةِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (كُذِّبَتْ) أوْ عَلى (صَبَرُوا)، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا ثُمَّ رَجَّحَ الأوَّلَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى وعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ غايَةً لِلْإيذاءِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ ﴿ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى -كَما قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ- الآياتُ الَّتِي وعَدَ فِيها نَصْرَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةُ عَلى نَصْرِ النَّبِيِّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ ﴿ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْمَواعِيدِ الكَرِيمَةِ ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ ولا يَقَعَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ تَعالى لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبَدِّلَ كَلِماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْنى أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ويَحُولَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وأمّا أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أنَّهُ سُبْحانَهُ رُبَّما يُبَدِّلُ الوَعِيدَ ولا يُبَدِّلُ الوَعْدَ ﴿ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ 43 - تَقْرِيرٌ أيُّ تَقْرِيرٍ لِما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ أوْ تَقْرِيرٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذائِهِمْ ونَصْرِهِمْ، والنَّبَأُ كالقَصَصِ لَفْظًا ومَعْنًى وفِي القامُوسِ النَّبَأُ - مُحَرَّكَةٌ- الخَبَرُ جَمْعُهُ أنْباءٌ وقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِما لَهُ شَأْنٌ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ المُجَوِّزُ زِيادَةَ ”مِن“ في الإثْباتِ وقَبْلَ المَعْرِفَةِ مُخالِفًا في ذَلِكَ لِسِيبَوَيْهِ فاعِلُ (جاءَ)، وصَحَّحَ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ هو أيِ النَّبَإ أوِ البَيانِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ -وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرُّمّانِيُّ- إنَّهُ مَحْذُوفٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتُهُ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ كائِنٌ مَن نَبَّإ المُرْسَلِينَ، وفِيهِ أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ هُنا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ وما يَتْبَعُهُ وقِيلَ -ورُبَّما يَشْعُرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ-: إنَّ مِن هي الفاعِلُ، والمُرادُ بَعْضُ أنْبائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإنْ كانَ كَبُرَ ﴾ أيْ شَقَّ وعَظُمَ، وأتى بِـ (كانَ) عَلى ما قِيلَ لِيَبْقى الشَّرْطُ عَلى المُضِيِّ ولا يَنْقَلِبُ مُسْتَقْبَلًا لِأنَّ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْلِبُهُ (إنْ) لِلِاسْتِقْبالِ بِخِلافِ سائِرٍ الأفْعالِ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، والنَّحْوِيُّونَ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ وإنْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ أنَّهُ ﴿ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ عَنِ الإيمانِ بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهم فِيهِ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) ويُنْبِئُ عَنْهُ فِعْلُهم مِنَ النَّأْيِ والنَّهْيِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالإعْراضِ دُونَ التَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّسْلِيَةَ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ كانَتْ عَنْهُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وهو فاعِلُ (كَبُرَ)، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا.
والجُمْلَةُ خَبَرُ (كانَ) مُفَسِّرَةٌ لِاسْمِها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (قَدْ)، وقِيلَ: اسْمُ كانَ (إعْراضُهُمْ) و (كَبُرَ) مَعَ فاعِلِهِ المُسْتَتِرِ الرّاجِعِ إلى الِاسْمِ خَبَرٌ لَها مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الصَّبْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ في مَحْضَرٍ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ وإنّا نَصْدُقُكَ فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ فَكانَ إذا سَألُوهُ آيَةً يَوَدُّ أنْ يَنْزِلَها اللَّهُ تَعالى طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَنَزَلَتْ ﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتَ وتَهَيَّأ لَكَ ﴿ أنْ تَبْتَغِيَ ﴾ أيْ تَطْلُبَ نَفَقًا في الأرْضِ هو السَّرَبُ فِيها لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ كَما في القامُوسِ، وأصْلُ مَعْناهُ جُحْرُ اليَرْبُوعِ ومِنهُ النّافِقاءُ لِأحَدِ مَنافِذِهِ ويُقالُ لَها النُّفَقَةُ كَهُمَزَةٍ وهي الَّتِي يَكْتُمُها ويُظْهِرُ غَيْرَها فَإذا أُتِيَ مِنَ القاصِعاءِ ضَرَبَها بِرَأْسِهِ فانْتَفَقَ ومِنهُ أُخِذَ النِّفاقُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿ نَفَقًا ﴾ ، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ في رَأْيٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ ﴿ تَبْتَغِيَ ﴾ وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أيْ ﴿ نَفَقًا ﴾ كائِنًا في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ أنْتَ حالَ كَوْنِكَ في الأرْضِ ﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ أيْ مِرْقاةً فِيها أخْذًا مِنَ السَّلامَةِ، قالَ الزَّجّاجُ لِأنَّهُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ وهو كَما قالَ الفَرّاءُ مُذَكَّرٌ واسْتَشْهَدُوا لِتَذْكِيرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ ثُمَّ قالَ: وأنْشَدْتُ في تَأْنِيثِهِ بَيْتًا أنَسِيتَهُ انْتَهى قالَ الغَضايِرِيُّ: البَيْتُ الَّذِي أُنْسِيَهُ الفَرّاءُ بَيْتُ أوْسٍ وهو: لَنا سُلَّمٌ في المَجْدِ لا يَرْتَقُونَها ولَيْسَ لَهم في سُورَةِ المَجْدِ سُلَّمُ وأنْشَدُوا أيْضًا في تَذْكِيرِهِ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطَوِيلٌ سُلَّمُهْ إذا ارْتَقى فِيهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهْ يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمَهْ، وفي السَّماءِ نَظِيرُ ما في الجارِّ قَبْلَهُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ ﴾ أيْ مِنها ﴿ بِآيَةٍ ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، والفاءُ في صَدْرِ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ جَوابِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ فِيها مَحْذُوفٌ، ولَكَ تَقْدِيرُهُ أتَيْتَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ أوْ فافْعَلْ فِعْلَ أمْرٍ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، والمَعْنى إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ وأحْبَبْتُ أنْ تُجِيبَهم عَمّا سَألُوهُ اقْتِراحًا لِيُؤْمِنُوا فَإنِ اسْتَطَعْتَ كَذا فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ فافْعَلْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ وتَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِمْ واقْتِراحِهِمْ مَعَ الإيماءِ إلى تَوْبِيخِ القَوْمِ، أوِ المَعْنى: إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَلَوْ قَدَرْتَ أنْ تَأْتِيَ بِالمُحالِ أتَيْتَ بِهِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ بَلَغَ في الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ إلى هَذِهِ الغايَةِ وفِيهِ إشْعارٌ بِبُعْدِ إسْلامِهِمْ عَنْ دائِرَةِ الوُجُودِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وإيثارُ الِابْتِغاءِ عَلى الِاتِّخاذِ ونَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفَقِ والسُّلَّمِ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ ابْتِغاءَهُ فَكَيْفَ بِاتِّخاذِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ابْتِغاءُ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أعْنِي نَفْسَ النُّفُوذِ في الأرْضِ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ آيَةً، فالفاءُ في (فَتَأْتِيَهُمْ) حِينَئِذٍ تَفْسِيرِيَّةٌ وتَنْوِينُ (آيَةٍ) لِلتَّفْخِيمِ، والمَعْنى عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ ابْتِغاءَهُما فَتَجْعَلْ ذَلِكَ آيَةً لَهم فَعَلْتَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا يَظْهَرُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ التَّرْكِيبُ فَتَأْتِيَهم بِذَلِكَ آيَةً أيَّ آيَةٍ، وأيْضًا فَأيُّ آيَةٍ في دُخُولِ سَرَبٍ في الأرْضِ وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ الرُّقِيُّ إلى السَّماءِ آيَةً وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ إيتاءَ الآيَةِ مِنهُما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الأذْهانِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: أنَّ المُرادَ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِنَ السَّماءِ وابْتِغاءُ النَّفَقِ لِلْهَرَبِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجُهُ الطَّسْتِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَرَبًا في الأرْضِ فَتَذْهَبَ هَرَبًا وفِيهِ بُعْدٌ، وخَبَرُ الأزْرَقِ قَدْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جَمْعَهم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى لَجَمَعَهم عَلَيْهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ فَيُؤْمِنُوا مَعَكم ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ حَسْبَما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم في أزَلِ الآزالِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ جَمْعَهم عَلى الهُدى لَفَعَلَ بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، والحَقُّ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ 53 - أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهم وإيمانَهم فَلا تَكُنْ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحاتِهِمْ مِن قَوْمٍ يُنْسَبُونَ إلى الجَهْلِ بِدَقائِقِ شُئُونِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِينَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُعْتَزِلَةِ المُقْتَرِحُونَ، ويُرادُ بِالنَّهْيِ مَنعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُساعَدَةِ عَلى اقْتِراحِهِمْ إيرادَهم بِعُنْوانِ الجَهْلِ دُونَ الكُفْرِ لِتَحَقُّقِ مَناطِ النَّهْيِ وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ لا تَجْزَعْ في مَوْطِنِ الصَّبْرِ فَيُقارِبُ حالُكَ حالَ الجاهِلِينَ بِأنْ تَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ، والأوَّلُ أوْلى وفي خِطابِهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذا الخِطابِ دُونَ خِطابِهِ بِما خُوطِبَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ شَفَقَتِهِ واشْتِبابِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ والنَّهارُ إشارَةً إلى قَلْبِ الكافِرِ وقَلْبِ المُؤْمِنِ وما سَكَنَ فِيهِما الكَفْرُ والإيمانُ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ لَهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن آثارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى قَلْبِ العارِفِ في حالَتَيِ القَبْضِ والبَسْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَهُ ما سَكَنَ في قُلُوبِ العارِفِينَ المُنْقَبِضَةِ والمُنْبَسِطَةِ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ فَلا تَلْتَفِتْ في الحالَتَيْنِ إلى سِواهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ فَيَسْمَعُ خَواطِرَها السَّيِّئَةَ والحَسَنَةَ ويَعْلَمُ شَرَّها وخَيْرَها أوْ فَيَسْمَعُ أنِينَها في شَوْقِهِ ويَعْلَمُ انْسِهابَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ أيْ ناصِرًا ومُعِينًا ﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُها فَهي مِلْكُهُ سُبْحانَهُ ونِسْبَةُ المَمْلُوكِ إلى المالِكِ نِسْبَةُ اللّاشَيْءِ إلى الشَّيْءِ ﴿ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ وغَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُحْتاجٌ بَحْتٌ، وطَلَبُ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضِلَّةٌ مِن عَقْلِهِ ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الأمْرُ الكَوْنِيُّ أيْ قُلْ إنِّي قِيلَ لِي كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ فَكُنْتُ وذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِيناتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما شاعَ مِن قَوْلِهِ : " «كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» فَأوَّلُ رُوحٍ رَكَضَتْ في مَيْدانِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ والمَحَبَّةِ رَوْحُ نَبِيِّنا قَدْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِمَوْلاهُ بِلا واسِطَةٍ وكُلُّ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أسْلَمُوا نُفُوسَهم بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو المُرْسَلُ إلى الأنْبِياءُ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عالَمِ الأرْواحِ وكُلُّهم أُمَّتُهُ وهم نُوّابُهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ بَعْضِهِمْ في النَّشْأةِ الجُسْمانِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ اسْتِجْلابِ المُعْتَقِدِينَ بِأُولَئِكَ البَعْضِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى أحَدًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ بِإفْنائِهِمْ والتَّصَرُّفِ بِهِمْ كَيْفَ شاءَ، ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ أيِ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ في عِبادِهِ بِالحِكْمَةِ، ﴿ الخَبِيرُ ﴾ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى خَفايا الأحْوالِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ ظُهُورُ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ الشَّرِيفِ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ وذَلِكَ بِالصِّفاتِ الَّتِي وجَدُوها في كِتابِهِمْ لا بِالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ عَلى صَفَحاتِ ذَلِكَ الوَجْهِ الكَرِيمِ ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِإثْباتِ وُجُودِ غَيْرِهِ تَعالى ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَأظْهَرَ صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِما وضَعُوهُ في مَوْضِعِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى وعَيْنِ الجَمْعِ ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِإثْباتِ الغَيْرِ ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ ولَهم وُجُودٌ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ أيْ نِهايَةُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ وبُرُوزِ الكُلِّ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ لِامْتِناعِ وُجُودِ شَيْءٍ نُشْرِكُهُ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها مَعَ رُسُوخِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ فِيها، (وضَلَّ) أيْ ضاعَ عَنْهم ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فَلَمْ يَجِدُوهُ ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ وهي ظُلُماتُ النَّفْسِ الأمارَةِ ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ وهو وقْرُ الضَّلالَةِ ﴿ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِأنَّ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةَ العَجَبِ والجَهْلِ ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ﴾ مِن تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ في أنْفُسِهِمْ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ والصِّفاتِ المُهْلِكَةِ، ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ لِرُسُوخِ ذَلِكَ فِيهِمْ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ الكَذِبَ عَنْ مَلَكَةٍ فِيهِمْ، ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ هَذا التَّصْوِيرُ لِحالِهِمْ في الِاحْتِجابِ والبُعْدِ وإنْ كانُوا في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ، والوُقُوفُ عَلى الشَّيْءِ غَيْرُ الوُقُوفِ مَعَهُ فَإنَّ الأوَّلَ لا يَكُونُ إلّا كَرْهًا والثّانِي يَكُونُ طَوْعًا ورَغْبَةً، فالواقِفُ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْحِيدِ لا يُوقَفُ لِلْحِسابِ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ ، ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ويُثابُ هَذا بِأنْواعِ النَّعِيمِ في الجِنانِ كُلِّها ومَن وقَفَ مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ وُقِفَ عَلى الرَّبِّ تَعالى وعُذِّبَ بِأنْواعِ العَذابِ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ ومَن وقَفَ مَعَ النّاسُوتِ بِمَحَبَّةِ الشَّهَواتِ وقَفَ عَلى المَلَكُوتِ وعُذِّبَ بِنِيرانِ الحِرْمانِ وسُلِّطَ عَلَيْهِ زَبانِيَةُ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وقُرِنَ بِشَياطِينِ الأهْواءِ المُرْدِيَةِ، ومَن وقَفَ مَعَ الأفْعالِ وقَفَ عَلى الجَبَرُوتِ وعُذِّبَ بِنارِ الطَّمَعِ والرَّجاءِ ورُدَّ إلى مَقامِ المَلَكُوتِ ومَن وقَفَ مَعَ الصِّفاتِ وقَفَ عَلى الذَّواتِ وعُذِّبَ بِنارِ الشَّوْقِ والهِجْرانِ ولَيْسَ هَذا هو الوُقُوفَ عَلى الرَّبِّ لِأنَّ فِيهِ حِجابَ الآنِيَةِ، وفي الوُقُوفِ عَلى الذّاتِ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ اللُّطْفِ، والمُشْرِكُ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى الرَّبِّ فَيُحْجَبُ بِالرَّدِّ والطَّرْدِ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ فَيُطْرَدُ بِالسُّخْطِ واللَّعْنِ ولا يُكَلِّمُهم ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ فَيُزْجَرُ بِالغَضَبِ واللَّعْنِ ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ ﴾ ثُمَّ عَلى النّارِ يُسْجَرُونَ فَيُعَذَّبُ بِأنْواعِ النِّيرانِ أبَدًا فَيَكُونُ وقْفُهُ عَلى النّارِ مُتَأخِّرًا عَلى وقْفِهِ عَلى الرَّبِّ تَعالى مَعْلُولًا لَهُ قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ وأمّا الواقِفُ مَعَ النّاسُوتِ فَيُوقَفُ لِلْحِسابِ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ وقَدْ يَنْجُو لِعَدَمِ السُّخْطِ وقَدْ لا يَنْجُو لِوُجُودِهِ، والواقِفُ مَعَ الأفْعالِ لا يُوقَفُ عَلى النّارِ أصْلًا بَلْ يُحاسَبُ ويَدْخُلُ الجَنَّةَ، وأمّا الواقِفُ مَعَ الصِّفاتِ فَهو مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ انْتَهى فَتَأمَّلْ فِيهِ، ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ وهي القِيامَةُ الصُّغْرى أعْنِي المَوْتَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الكِبارِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا ماتَ فَجْأةً فَقالَ: لا عَجَبَ إذْ مَن لَمْ يَمُتْ فَجْأةً مَرِضَ فَجْأةً فَماتَ، ﴿ قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ﴾ أيْ في حَقِّ تِلْكَ السّاعَةِ بِتَرْكِ العَمَلِ النّافِعِ ﴿ وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالِهِمْ ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيِ الحَياةُ الحِسِّيَّةُ فَإنَّ المَحْسُوسَ أدْنى وأقْرَبُ مِنَ المَعْقُولِ ﴿ إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ سَرِيعُ الفَناءِ والِانْقِضاءِ ﴿ ولَلدّارُ الآخِرَةُ ﴾ أيْ عالَمُ الرَّوْحانِيّاتِ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ مَلابِسِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ﴾ لِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ (الَّذِينَ يَقُولُونَ) ما يَقُولُونَ ﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ في الحَقِيقَةِ ﴿ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الَّتِي تُجَلّى بِها ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ فَتَأسَّ بِهِمْ وانْتَظِرِ الغايَةَ ﴿ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ الَّتِي يَتَجَلّى بِها لِعِبادِهِ فَلْيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ ولا تُكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ لا يَطَّلِعُونَ عَلى حِكْمَةِ تَفاوُتِ الِاسْتِعْداداتِ فَتَتَأسَّفُ عَلى احْتِجابِ مَنِ احْتَجَبَ وتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ.
واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
والِاسْتِجابَةُ بِمَعْنى الإجابَةِ، وكَثِيرًا ما أُجْرِيَ اسْتَفْعَلَ مَجْرى أفَعَلَ كاسْتَخْلَصَ بِمَعْنى أخَلَصَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُ الغَنَوِيِّ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُجِيبٌ ولَمْ يَقُلْ: مُسْتَجِيبٌ.
ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ اسْتَجابَ وأجابَ بِأنَّ اسْتَجابَ يَدُلُّ عَلى قَبُولٍ والمُرادُ بِالسَّماعِ الفَرْدُ الكامِلُ وهو سَماعُ الفَهْمِ والتَّدَبُّرِ بِجَعْلِ ما عَداهُ كَلّا سَماعٌ أيْ إنَّما يُجِيبُ دَعْوَتَكَ إلى الإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ سَماعَ فَهْمٍ وتُدَبُّرٍ دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ (والمَوْتى) أيِ الكُفّارَ كَما قالَ الحَسَنُ، ورَواهُ غَيْرُ واحِدٍ ﴿ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ مِن قُبُورِهِمْ إلى المَحْشَرِ، وقِيلَ: بَعَثُهم هِدايَتُهم إلى الإيمانِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ 63 - لِلْجَزاءِ فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى سَماعِهِمْ لِما أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً وفي آذانِهِمْ وقْرًا، وفي إطْلاقِ المَوْتى عَلى الكُفّارِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالمَوْتِ كَما قِيلَ: لا يَعْجَبَنَّ الجَهُولُ بِزِيِّهِ فَذاكَ مَيِّتٌ ثِيابُهُ كَفَنُ وقِيلَ: ”المَوْتى“ عَلى حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى تَوْفِيقِ أُولَئِكَ الكُفّارِ لِلْإيمانِ بِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ المَوْتى الَّذِينَ رَمَّتْ عِظامُهم مِنَ القُبُورِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ لِأنَّها كَبَعْثِ المَوْتى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لَيْسَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ كَبِيرُ دَخْلٍ في التَّمْثِيلِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإيمانِ مِنَ الآثارِ، وفي إعْرابِ (المَوْتى) وجْهانِ، أحَدُهُما أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والثّانِي أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ مُجاهِدٍ أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى المَوْصُولِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الحالِ والظّاهِرُ خِلافُهُ.
وقُرِئَ (يَرْجِعُونَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا.
والمُتَواتِرَةُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإنْبائِها عَنْ كَوْنِ مَرْجِعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ أيْ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بَلَغَ بِهِمُ الجَهْلُ والضَّلالُ إلى حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ هَلّا ﴿ نُزِّلَ ﴾ أيْ أُنْزِلَ ﴿ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ مُلْجِئَةٌ لِلْإيمانِ ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ 73 - فَلا يَدْرُونَ أنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِها مَعَ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الاخْتِيارِ أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ إذْ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ جَحْدِ الآيَةِ المُلْجِئَةَ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا المُلْجِئَ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُشاهَدِ طَلَبُهُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا غَيْرَ الحاصِلِ مِمّا لا يُلْجِئُ لَجاجًا وعِنادًا، ويَكُونُ الجَوابُ بِالمُلْجِئِ حِينَئِذٍ مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ أوْ يَكُونُ جَوابًا بِما يَسْتَلْزِمُ مَطْلُوبَهم بِطَرِيقٍ أقْوى وهو أبْلَغُ.
و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (نُزِّلَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (آيَةً) .
وما يُفِيدُهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالتَّهَكُّمِ مِن جِهَتِهِمْ.
والِاقْتِصارُ في الجَوابِ عَلى بَيانِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَّنْزِيلِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِهِ تَعالى لِلْآيَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَجِبُ مَعْرِفَتُها وهم عَنْها غافِلُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) إمّا مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا.
وتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابَرَةً وعِنادًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (يَنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى هُنا كَما قِيلَ واحِدٌ لِأنَّهُ لَمْ يُنْظَرْ إلى التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ -كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ- لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإنْزالِ وإنَّما لا يُنْزِلُ مُحافَظَةً عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، والأوَّلُ أنْسَبُ، وزِيدَتْ (مِن) تَنْصِيصًا عَلى الِاسْتِغْراقِ.
والدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ، وأصْلُهُ مِن دَبَّ يَدِبُّ دَبِيبًا إذا مَشى مَشْيًا فِيهِ تَقارُبُ خَطْوٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أوْ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ وجْهِها أوْ جَوْفِها، وكَذا الوَصْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا أيْ ولا فَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّيْرِ يَطِيرُ في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الجَوِّ بِجَناحَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِقَطْعِ مَجازِ السُّرْعَةِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الطَّيَرانُ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا وكَذا اسْتُعْمِلَ الطّائِرُ في العَمَلِ والنَّصِيبِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ واحْتِمالُ التَّجَوُّزِ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ بَعِيدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِدُونِ قَرِينَةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ وجْهَ الوَصْفِ تَصْوِيرُ تِلْكَ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ.
وأُورِدَ عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولا طائِرَ في السَّماءِ لَكانَ أخْصَرُ وفي إفادَةِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أظْهَرُ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ بِذِكْرِ جِهَةِ العُلُوِّ في إحْداهِما وجِهَةِ السِّفْلِ في الأُخْرى، ورُدَّ -كَما قالَ الشِّهابُ- بِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: في السَّماءِ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ لَمْ يَشْمَلْ أكْثَرَ الطُّيُورِ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِها في السَّماءِ، ثُمَّ أنَّ قَصْدَ التَّصْوِيرِ لا يُنافِي قَطْعَ المَجازِ إذْ لا مانِعَ مِن إرادَتِهِما جَمِيعًا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الدَّلالَةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِبَيانِ ما يَعْرِفُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ لَهُما كانَ غَيْرُهُما غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالبَيانِ، فالِاعْتِراضُ بِأنَّ أمْثالَ حِيتانِ البَحْرِ خارِجَةٌ عَنْهُما، والجَوابُ بِأنَّها داخِلَةٌ في القِسْمِ الأوَّلِ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ بِمَعْنى جِهَةِ السِّفْلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا طائِرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما دابَّةُ ولا طائِرُ ﴿ إلا أُمَمٌ ﴾ أيْ طَوائِفَ مُتَخالِفَةً ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ في أنَّ أحْوالَها مَحْفُوظَةٌ وأُمُورَها مَعْنِيَّةٌ ومَصالِحَها مَرْعِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ السَّدادِ مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ التَّقْدِيراتِ الإلَهِيَّةِ والتَّدْبِيراتِ الرَّبّانِيَّةِ، وجَمَعَ الأُمَمَ بِاعْتِبارِ الحَمْلِ عَلى مَعْنى الجَمْعِيَّةِ المُسْتَفادِ مِنَ العُمُومِ كَما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو يَقْتَضِي جَوازَ أنْ يُقالَ: لا رَجُلَ قائِمُونَ، والقِياسُ -كَما قِيلَ- لا يَأْباهُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا مَعَ الفَصْلِ.
وصَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ النَّكِرَةَ هَهُنا مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ النَّكِرَةَ المَذْكُورَةَ مِن حَيْثُ الإخْبارِ عَنْها مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ لا أنَّهُ مُرادٌ مِنها، فَلا يَرِدُ أنَّ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إلا أُمَمٌ ﴾ يَأْبى أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ فِيما سَبَقَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِلْفَرْدِيَّةِ لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعَةٍ، وكَذا يَأْبى أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْضًا لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعاتٍ وهو ظاهِرٌ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ النَّوْعَ يَشْتَمِلُ عَلى أصْنافٍ وكُلُّ صِنْفٍ أُمَّةٌ، أوِ الأُمَّةُ كُلُّ جَماعَةٍ في زَمانٍ فَيَدْفَعُهُ تَوْصِيفُ أُمَمٍ بِـ (أمْثالُكُمْ) إذِ الخِطابُ بِـ (كُمْ) لَإفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ فالمُناسِبُ تَشْبِيهُ النَّوْعِ بِالنَّوْعِ في كَوْنِهِما مَحْفُوظِي الأحْوالِ لا تَشْبِيهَ الصِّنْفِ بِالنَّوْعِ أوْ تَشْبِيهَ جَماعَةٍ في وقْتٍ بِالنَّوْعِ، نَعَمْ قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ: إنَّ ذِكْرَ (فِي الأرْضِ) مَعَ دابَّةٍ و(يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) مَعَ طائِرٍ لِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن لَفْظِ دابَّةٍ ولَفْظِ طائِرٍ إنَّما هو إلى الجِنْسَيْنِ وإلى تَقْرِيرِهِما، وعَلَيْهِ لا إشْكالَ في صِحَّةِ الحَمْلِ لِاشْتِمالِ كُلٍّ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كُلٌّ مِنها أُمَّةٌ كالإنْسانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن جِنْسٍ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ إلّا أُمَمٌ إلَخْ وهَذا كَما يُقالُ: ما مِن رَجُلٍ مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلّا كَذا، ومُرادُهُ أنَّ لَفْظَ دابَّةٍ وطائِرٍ حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِ والوَحْدَةِ فَلِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن كُلٍّ مِنهُما إلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هو دُونَ الوَحْدَةِ والكَثْرَةِ ووُصِفَ بِصِفَةٍ لازِمَةٍ لِلْجِنْسِ مِن حَيْثُ هو أيْ بِلا شَرْطِ شَيْءٍ مِنهُما والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ (مِن) بِالنَّظَرِ إلى الجِنْسَيْنِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ القَوْلُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ كَلامِ السَّكّاكِيِّ وإرْجاعِهِ إلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ، وعَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الوَصْفِ مُفِيدًا لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ والإحاطَةِ لِأنَّ الجِنْسَ مِن حَيْثُ هو أيْ لا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَفْهُومٍ واحِدٍ كَما لا يَخْفى واعْتُرِضَ أيْضًا القَوْلُ بِالعُمُومِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ مَعَ وُجُوبِ خُرُوجِ المُشَبَّهِ بِهِ عَنْهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ القَصْدَ أوَّلًا إلى العامِّ والمُشَبَّهُ بِهِ في حُكْمِ المُسْتَثْنى بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن واحِدٍ مِن أفْرادِ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ بِعُمُومِهِما سِواكم إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ، ولَكَ أنْ تَدَّعِيَ دُخُولَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ بِالتِزامِ أنَّ لَهُ اعْتِبارَيْنِ اعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ واعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ فَتَأْمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ التَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ (فِي) وقَدْ ضَمِنَ هُنا مَعْنى أغْفَلْنا وتَرَكْنا فَـ (مِن شَيْءٍ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَبْعُدُ جَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً أيْ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ بَعْضَ شَيْءٍ وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ وجَماعَةٌ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا بَلْ وغَيْرِ ذَلِكَ إمّا مُفَصَّلًا وإمّا مُجْمَلًا فَعَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ في الدِّينِ نازِلَةً إلّا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى الهُدى فِيها ورَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ في ذَلِكَ: فَقالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيهِ أما قَرَأْتِ ﴿ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ قالَتْ: بَلى قالَ: فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَهى عَنْهُ،» وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَرَّةً بِمَكَّةَ سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ أُخْبِرْكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقِيلَ لَهُ ما تَقُولُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ: فَأجابَ بِأنَّهُ يَقْتُلُهُ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِنَحْوِ اسْتِدْلالِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى وقالَ المُرْسِيُّ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ خَلا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ سَمِعْتُ مِن بَعْضِهِمْ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ وقَعَ يَوْمًا عَنْ حِمارِهِ فَرَضَّتْ رِجْلُهُ فَجاءُوا لِيَحْمِلُوهُ فَقالَ: أمْهِلُونِي فَأمْهَلُوهُ يَسِيرًا ثُمَّ أذِنَ لَهم فَحَمَلُوهُ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: راجَعْتُ كِتابَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَدْتُ فِيهِ خَبَرَ هَذِهِ الحادِثَةِ قَدْ ذُكِرَتْ في الفاتِحَةِ، وهَذا أمْرٌ لا تَصِلُهُ عُقُولُنا.
ومِثْلُهُ اسْتِخْراجُ بَعْضِهِمْ مِنَ الفاتِحَةِ أيْضًا أسْماءَ سَلاطِينِ ءالِ عُثْمانَ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ سَلْطَنَتِهِمْ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزَّمانِ ولا بِدْعَ فَهي أُمُّ الكِتابِ وتَلِدُ كُلَّ أمْرٍ عَجِيبٍ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّكالِيفِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ شَيْئًا هُنا واقِعٌ مَوْقِعَ المَصْدَرِ أيْ تَفْرِيطًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّ فَرَّطْنا لا تَتَعَدّى بِنَفْسِها بَلْ بِحَرْفِ الجَرِّ وقَدْ عُدِّيَتْ بِفي إلى الكِتابِ فَلا تَتَعَدّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وجَعَلُوا ما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ مِن تَعَدِّي هَذا الفِعْلِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: فَرَّطَ الشَّيْءَ وفَرَّطَ فِيهِ تَفْرِيطًا ضَيَّعَهُ وقَدَّمَ العَجْزَ فِيهِ وقَصَّرَ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ في مُقابَلَةِ مَن هو أطْوَلُ باعًا مِنهُ مَعَ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ المَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ وضِيعَةً بَلْ مَجازِيَّةً أوْ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، وعَلى هَذا يَبْقى كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ظَنَّ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ أيْ ضَيْرًا وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ إذا تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى المَصْدَرِ كانَ مَنفِيًّا عَلى جِهَةِ العُمُومِ ويَلْزَمُهُ نَفْيُ أنْواعِ المَصْدَرِ، وهو يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّفْرِيطِ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَلْزَمُهُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ كَما لَزِمَ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَإنَّ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما يَنْبَغِي وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما كانَ ويَكُونُ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمُرادُ بِالِاعْتِراضِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ مُسْتَقْصاةٌ هُناكَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذا القَدْرِ المُجْمَلِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ الأجَلُ أيْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وقَدْ جَعَلَنا لَهُ أجَلًا هو بالِغُهُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ما فَرَطْنا بِالتَّخْفِيفِ وهو والمُشَدَّدُ بِمَعْنًى، وقالَ أبُو العَبّاسِ: مَعْنى فَرَطْنا المُخَفَّفِ أخَّرْنا كَما قالُوا فَرَطَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ المَرَضَ أيْ أزالَهُ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ 83 - الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ مُطْلَقًا وتَكُونُ صِيغَةُ الجَمْعِ لِلتَّغْلِيبِ أيْ إلى مالِكِ أُمُورِهِمْ لا إلى غَيْرِهِ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيهِمْ ويُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَبْلُغُ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ كَما جاءَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ الشَّيْخانِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَشْرَ الحَيْواناتِ مَوْتُها ومُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ مَجْمُوعُهُ مُسْتَعارٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمَوْتِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَشْرَ بَعْثٌ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ المَوْتُ مَعَ أنَّ في المَوْتِ أيْضًا نَقْلًا مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ الجَماعَةُ أوْفَقُ بِمَقامِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ، هَذا وفي رِسالَةِ المَعادِ لِأبِي عَلِيٍّ قالَ المُعْتَرِفُونَ بِالشَّرِيعَةِ مِن أهْلِ التَّناسُخِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ﴿ وما مِن دابَّةٍ ﴾ إلَخْ وفِيهِ الحُكْمُ بِأنَّ الحَيْواناتِ الغَيْرَ النّاطِقَةِ أمْثالُنا ولَيْسُوا أمْثالَنا بِالفِعْلِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهم أمْثالَنا بِالقُوَّةِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ هَذا الحُكْمِ وعَدَمِ الواسِطَةِ بَيْنَ الفِعْلِ والقُوَّةِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحَيْواناتِ وهو التَّناسُخُ المَطْلُوبُ.
ولا يَخْفى أنَّهُ دَلِيلٌ كاسِدٌ عَلى مَذْهَبٍ فاسِدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها دَلِيلًا عَلى أنَّ لِلْحَيْواناتِ بِأسْرِها نُفُوسًا ناطِقَةً كَما لِأفْرادِ الإنْسانِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الحُكَماءِ الإسْلامِيِّينَ.
وأوْرَدَ الشَّعْرانِيُّ في الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِذَلِكَ أدِلَّةً غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنها أنَّهُ لَمّا هاجَرَ وتَعَرَّضَ كُلٌّ مِنَ الأنْصارِ لِزِمامِ ناقَتِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «دَعُوها فَإنَّها مَأْمُورَةٌ» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّ النّاقَةَ مَأْمُورَةٌ ولا يَعْقِلُ الأمْرَ إلّا مَن لَهُ نَفْسٌ ناطِقَةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لِلنّاقَةِ نَفْسًا كَذَلِكَ ثَبَتَ لِلْغَيْرِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومِنها ما يُشاهَدُ في النَّحْلِ وصَنْعَتِها أقْراصَ الشَّمْعِ، والعَناكِبِ واحْتِيالِها لِصَيْدِ الذُّبابِ، والنَّمْلِ وادِّخارِهِ لِقُوتِهِ عَلى وجْهٍ لا يَفْسَدُ مَعَهُ ما ادَّخَرَهُ.
وأوْرَدَ بَعْضُهم دَلِيلًا لِذَلِكَ أيْضًا النَّمْلَةَ الَّتِي كَلَّمَتْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا عَنْها مِمّا لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ إلّا العالِمُونَ؛ وخَوْفُ الشّاةِ مِن ذِئْبٍ لَمْ تُشاهِدْ فِعْلَهُ قَبْلُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنِ اسْتِدْلالٍ وهو شَأْنُ ذَوِي النُّفُوسِ النّاطِقَةِ، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحَبَهُ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِ النَّفْعِ ومَعْرِفَةِ الحَسَنِ وهو مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ.
وأغْرَبُ مِن هَذا دَعْوى الصُّوفِيَّةِ ونَقَلَهُ الشَّعْرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَواصِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ أنَّ الحَيَواناتِ مُخاطَبَةٌ مُكَلَّفَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المَحْجُوبُونَ ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الأُمَّةَ والنَّذِيرَ وهم مِن جُمْلَةِ الأُمَمِ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَقُولُ: جَمِيعُ ما في الأُمَمِ فِينا حَتّى أنَّ فِيهِمُ ابْنَ عَبّاسٍ مِثْلِي.
وذَكَرَ في الأجْوِبَةِ المُرْضِيَّةِ أنَّ فِيهِمْ أنْبِياءَ.
وفي الجَواهِرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ مِن أنْفُسِهِمْ وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهم مِن جِنْسِهِمْ.
وحَكى شَيْخُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ تَشْبِيهَ اللَّهِ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنْ هم إلا كالأنْعامِ ﴾ لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيها وإنَّما هو لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى حارَتْ فِيهِ فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى هو مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ أيْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُئُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ.
ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لَهم والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ وذَلِكَ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، اهـ.
ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ البَهائِمَ والهَوامَّ مُكَلِّفَةٌ لَها رُسُلٌ مِن جِنْسِها فَهو مِنَ المَلاحِدَةِ الَّذِينَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ كالجاحِظِ وغَيْرِهِ وعَلى إكْفارِ القائِلِ بِذَلِكَ نَصٌّ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ والجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَيْواناتِ عِنْدَهم لَيْسَ جَزاءَ تَكْلِيفٍ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ الحَيْواناتِ لا تُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ وأوَّلُ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.
وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا أصْلَ لَهُ والمِثْلِيَّةُ في الأيَّةِ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ.
وأغْرَبُ الغَرِيبِ عِنْدَ أهْلِ الظّاهِرِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم جَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ في الوُجُودِ حَيًّا دَرّاكًا يَفْهَمُ الخِطابَ ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيْوانُ وما يَزِيدُ الحَيْوانُ عَلى الجَمادِ إلّا بِالشَّهْوَةِ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى الشُّهُودِ.
ورُبَّما يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ وبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ أنَّ التَّسْبِيحَ حالِيٌّ لا قالِيٌّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ شَكى إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى وامْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي وما يَصْدُرُ مِن بَعْضِ الجَماداتِ مِن تَسْبِيحٍ كَتَسْبِيحِ الحَصى في كَفِّهِ الشَّرِيفِ مَثَلًا إنَّما هو عَنْ خَلْقِ ادِّراكِ إذْ ذاكَ، وما يُشاهَدُ مِنَ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ لِبَعْضِ الحَيْواناتِ لَيْسَ كَما قالَ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ مِمّا يَصْدُرُ عَنِ اسْتِنْباطٍ وقِياسٍ بَلْ عَنْ إلْهامٍ وتَسْخِيرٍ، ولِذَلِكَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَنَوَّعُ، والنَّقْضُ بِالحَرَكَةِ الفَلَكِيَّةِ لا يَرِدُ بِناءً عَلى قَواعِدِنا، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحِبَهُ لَيْسَ عَنِ اعْتِقادٍ بَلْ هُناكَ هَيْئَةٌ أُخْرى نَفْسانِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ حَيْوانٍ يُحِبُّ بِالطَّبْعِ ما يُلِذُّهُ والشَّخْصُ الَّذِي يُطْعِمُهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا مِنِ افْتِراسِهِ، ورُبَّما يَقَعُ هَذا العارِضُ عَنِ إلْهامٍ إلَهِيٍّ مِثْلَ حُبِّ كُلِّ حَيْوانٍ ولَدَهُ.
وعَلى هَذا الطَّرْزِ يَخْرُجُ الخَوْفُ مَثَلًا الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَ الحَيْواناتِ وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ وأنا لا أرى مانِعًا مِنَ القَوْلِ بِأنَّ لِلْحَيْواناتِ نُفُوسًا ناطِقَةً وهي مُتَفاوِتَةُ الِادِّراكِ حَسَبَ تَفاوُتِها في أفْرادِ الإنْسانِ وهي مَعَ ذَلِكَ كَيْفَما كانَتْ لا تَصِلُ في ادِّراكِها وتَصَرُّفِها إلى غايَةٍ يَصِلُها الإنْسانُ والشَّواهِدُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في مُقابَلَتِها قَطْعِيٌّ يَجِبُ تَأْوِيلُها لِأجْلِهِ.
وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّها عارِفَةٌ بِرَبِّها جَلَّ شَأْنُهُ، وأمّا إنَّ لَها رُسُلًا مِن جِنْسِها فَلا أقُولُ بِهِ ولا أُفْتِي بِكُفْرِ مَن قالَ بِهِ.
وأمّا أنَّ الجَماداتِ حَيَّةٌ مُدْرِكَةٌ فَأمْرٌ وراءَ طَوْرِ عَقْلِي، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيِ القُرْآنِ أوْ سائِرِ الحُجَجِ ويَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودَيْنِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ إلَخْ أوِ الأعَمُّ مِن أُولَئِكَ، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ما فَرَّطْنا ﴾ إلَخْ أوْ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (صُمٌّ بُكْمٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْضُهم صُمٌّ وبَعْضُهم بُكْمٌ.
والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَإ والأوَّلُ أوْلى.
وهو مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في أمْثالِهِ أيْ أنَّهم كالصُّمِّ وكالبُكْمِ فَلا يَسْمَعُونَ الآياتِ سَماعًا تَتَأثَّرُ مِنهُ نُفُوسُهم ولا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِالحَقِّ ولِذَلِكَ لا يَسْتَجِيبُونَ ويَقُولُونَ في الآياتِ ما يَقُولُونَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ أيْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ وأنْواعِهِ أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ في الباطِلِ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ ﴿ عَمًى ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ ووَجْهُ تَرْكِ العَطْفِ فِيهِ دُونَ ما تَقَدَّمَهُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وحْدَهُ كافٍ في الذَّمِّ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ، واخْتِيرَ العَطْفُ فِيما تَقَدَّمَ لِلتَّلازُمِ، وقَدْ يُتْرَكُ رِعايَةً لِنُكْتَةٍ أُخْرى وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ضالُّونَ خابِطِينَ أوْ كائِنِينَ في الظُّلُماتِ.
ورَجَحَتِ الحالِيَّةُ بِأنَّها أبْلَغُ إذْ يُفْهَمُ حِينَئِذٍ أنَّ صَمَمَهم وبُكْمَهم مُقَيَّدٌ بِحالِ كَوْنِهِمْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ أوِ الجَهْلِ وأخَوَيْهِ حَتّى لَوْ أُخْرِجُوا مِنها لَسَمِعُوا ونَطَقُوا، وعَلَيْها لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ تَرْكِ العَطْفِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في الظُّلُماتِ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ (بُكْمٍ) أوْ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِـ (صُمٍّ) أوْ لِما يَنُوبُ عَنْهُما مِنَ الفِعْلِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجَبائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الآخِرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ أيْ أنَّهم كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِقابًا لَهم عَلى كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، والكَلامُ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأُمَمِ عَلى الِإطْلاقِ وفِيهِ بُعْدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن حالِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا فَـ (مَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ ومَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ أيْ إضْلالَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لَهُ لِفَسادِ المَعْنى، والمُرادُ: مَن يُرِدْ سُبْحانَهُ أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ يَخْلُقْهُ فِيهِ حَسَبَ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ عَنِ اسْتِعْدادِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ مَن يَشُقَّ أوْ يُعَذِّبْ يَشَأْ إضْلالَهُ ﴿ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ 93 - عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ والآيَةُ دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمِانَ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّ الإرادَةَ لا تَتَخَلَّفُ عَنِ المُرادِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لِما رَأى تَخَرُّقَ عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ رامَ رَقْعَها كَما هو دَأْبُهُ فَقالَ: مَعْنى يُضْلِلْهُ يَخْذُلْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ و (يَجْعَلْهُ) إلَخْ يَلْطُفُ بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ مَن يَشَأْ إضْلالَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى الصِّراطِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ وهو كَما تَرى وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ ومَن يَشَأْ يَهْدِهِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّ هِدايَتَهُ تَعالى وهي إرْشادُهُ إلى الهُدى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِ (يَجْعَلْهُ) إلَخْ أيْ يُرْشِدُهُ إلى الهُدى ويَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ بِأنْ يُبَكِّتُهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجْرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، والتّاءُ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ ضَمِيرُ الفاعِلِ وما بَعْدَهُ حَرْفُ خِطابٍ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَ اسْمًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إمّا مَجْرُورًا ولا جارَّ هُنا أوْ مَرْفُوعًا ولَيْسَ مِن ضَمائِرِ الرَّفْعِ، ولا مُقْتَضى لَهُ أيْضًا أوْ مَنصُوبًا وهو باطِلٌ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّ هَذا الفِعْلَ قَلْبِيٌّ بِمَعْنى عَلَمٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما فَعَلَ، فَلَوْ جُعِلَ المَذْكُورُ مَفْعُولًا لَكانَ ثالِثًا والثّانِي أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَكانَ هو الفاعِلَ في المَعْنى، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ أرَأيْتَ نَفْسَكَ بَلْ أرَأيْتَ غَيْرَكَ ولِذَلِكَ قُلْتَ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا وزَيْدٌ غَيْرُ المُخاطَبِ ولا هو بَدَلٌ مِنهُ، والثّالِثُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَظَهَرَتْ عَلامَةُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّأْنِيثِ في التّاءِ فَكُنْتَ تَقُولُ: أرَأيْتُما كَما وأرَأيْتُمُوكم وأرَأيْتُكُنَّ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والمَفْعُولانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: الأوَّلُ مِنهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أرَأيْتُكم إيّاهُ أوْ إيّاها أيِ العَذابَ أوِ السّاعَةَ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ أيِ الدُّنْيَوِيِّ حَسْبَما أتى مَن قَبْلَكم ﴿ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ ﴾ أيْ هَوْلُها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ لِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ حَيْثُ تَنازَعَ رَأْيٌ وأتى في مَعْمُولٍ واحِدٍ هو ﴿ عَذابُ اللَّهِ ﴾ والسّاعَةُ فَأُعْمِلَ الثّانِي وأُضْمِرَ في الأوَّلِ، والثّانِي مِنهُما جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ والرّابِطُ لَها بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَنازُعَ والتَّقْدِيرُ أرَأيْتَكم عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ أوِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ تَنْفَعُكُمْ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ وذَهَبَ الرَّضِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ (رَأى) هُنا بَصَرِيَّةٌ وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى عَرَفَ وهي عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، وأصْلُ اللَّفْظِ الِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلْمِ أوِ العِرْفانِ أوِ الإبْصارِ إلّا أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى أخْبِرْنِي ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الِاسْتِخْبارِ عَنْ حالَةٍ عَجِيبَةٍ لِشَيْءٍ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ تَجُوزانِ إطْلاقُ الرُّؤْيَةِ وإرادَةُ الإخْبارِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بِأيِّ مَعْنًى كانَتْ سَبَبٌ لَهُ، وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الأمْرِ بِجامِعِ الطَّلَبِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعْجِيبِ لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِما قِيلَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الكَلامِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّ العَرَبَ أخْرَجَتْ هَذا اللَّفْظَ عَنْ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَقالُوا: أرَأيْتُكَ وأرَيْتُكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ إذا كانَ بِمَعْنى أخْبَرْتَ وإذا كانَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ وألْزَمَتْهُ أيْضًا الخُطّابَ عَلى هَذا المَعْنى فَلا تَقُولُ أبَدًا أرانِي زَيْدٌ عُمَرًا ما صَنَعَ هَذا عَلى مَعْنى أعْلَمَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ لِمَعْنى إمّا بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ الآيَةِ فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ خَرَجَتْ لِمَعْنى أما، والمَعْنى أما إذا أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فالأمْرُ كَذا وكَذا، وقَدْ أخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى أخْبِرْنِي كَما قَدَّمْنا وإذا كانَ بِهَذا المَعْنى فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنِ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ اهـ، ولَمْ يُوافَقْ في جَمِيعِ ذَلِكَ وذَهَبَ شَيْخُ أهْلِ الكُوفَةِ الكِسائِيُّ إلى أنَّ التّاءَ ضَمِيرُ الفاعِلِ وأداةُ الخِطابِ اللّاحِقَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ التّاءَ حَرْفُ خِطابٍ واللَّواحِقُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهي ضَمائِرُ نَصْبٍ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ ضَمائِرِ الرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ، والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن جَعْلِ (كُمْ) هُنا، وكَذا سائِرُ اللَّواحِقِ حَرْفُ خِطابٍ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ عِنْدَهم ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ 4 - مُتَعَلِّقٌ بِأرَيْتَكم مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ كاشَفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ أوْ أنَّ عِبادَتَكم لَها نافِعَةٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مِن شَأْنِكُمُ الصِّدْقُ فَأخْبِرُونِي أألَهًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ، فَإنَّ صِدْقَهم مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ أيْ فادْعَوْهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عِنْدَ إتْيانِ ما يَأْتِي نَفْسَ دُعائِهِمْ إيّاهُ، وجَوَّزَ آخَرُونَ كَوْنَ مُتَعَلِّقِ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ اللَّهِ إلَخْ، اسْتِئْنافًا لِلتَّبْكِيتِ عَلى مَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ كَما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَها، وعَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ وبَعْضُهم جَعَلَ تَقْدِيمَهُ لِأنَّ الإنْكارَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وأنْكَرَ تَعَلُّقَهُ بِالتَّخْصِيصِ، نَعَمِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ لِلتَّخْصِيصِ أيْ بَلْ تَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ ولَيْسَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والتَّخْصِيصُ مُسْتَفادٌ مِمّا بَعْدُ وهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ تُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ، وجَعَلَهُ في الكَشْفِ عَطْفًا عَلى أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ، وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى كَوْنِ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ يَأْباهُ فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وأجابَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنْ شاءَ ﴾ وهو عَزَّ وجَلَّ لا يَشاءُ كَشْفَ هاتِيكَ القَوارِعِ عَنْهم وخُصَّ الإيرادُ بِذَلِكَ الوَجْهِ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ لِما كانا مُتَعَلِّقَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ إلَخْ، وكانَ ﴿ بَلْ إيّاهُ ﴾ إلَخْ عَطْفًا عَلَيْهِ إضْرابًا عَنْهُ، والمَعْطُوفُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا، ولَمّا كانَ الكَشْفُ مُسْتَعْقَبَ الدُّعاءِ مُسْتَفادًا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا فَجاءَ سُؤالٌ أنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ، وأمّا في الوَجْهِ الآخَرِ فَلِأنَّ (أغَيْرَ) إلَخْ، لَمّا كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الشَّرْطانِ لَفْظًا بَلْ جازَ أنْ يُقَدَّرا أوْ هو الظّاهِرُ إنْ ساعَدَ المَعْنى، وأنْ يُقَدَّرَ واحِدٌ مِنهُما حَسْبَ اسْتِدْعاءِ المَقامِ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَكَّتَهم بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ إيّاهُ تَعالى بِالدُّعاءِ عِنْدَ الكَرْبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ فَلا مانِعَ مِن ذِكْرِ أمْرَيْنِ والتَّقْرِيعِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لاسِيَّما عِنْدَ اخْتِصاصِهِ بِالتَّقْرِيعِ انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ كَشْفَ القَوارِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِدُعاءِ المُؤْمِنِ أوِ المُشْرِكِ بَلْ قَبُولِهِ الدُّعاءَ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ، وبِذَلِكَ تُقَيِّدُ آيَةُ ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ﴿ وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ﴾ لَكِنَّ انْتِفاءَ المَشِيئَةِ مُتَحَقِّقٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَما في قَبُولِهِ دُعاءَ الكُفّارِ بِكَشْفِ قَوارِعِ السّاعَةِ وما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ الجَزاءِ عَلى كُفْرِهِمْ وكَشْفِ بَعْضِ الأهْوالِ عَنْهم كَكَرْبِ طُولِ الوُقُوفِ حِينَ يُشَفَّعُ فَيَشْفَعُ في الفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ مِن بابِ اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ في شَيْءٍ عَلى أنَّ كَرْبَ طُولِ الوُقُوفِ الَّذِي يُفارِقُونَهُ نَعِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُلاقُونَهُ بَعْدُ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا قَبْلُ، فالقَوارِعُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُفارِقُهم أصْلًا، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ فِيها مِن شَدِيدٍ إلى أشَدَّ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إثْرَ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ الأحْسَنُ عِنْدِي أنَّ هَوْلَ القِيامَةِ يُكْشَفُ أيْضًا كَكَرْبِ المَوْقِفِ إذا طالَ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ قائِلُونَ بِنَفْيِ الشَّفاعَةِ، وقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا مَنِ اتَّبَعَهُ مِن كَلامٍ خالٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى ما في مَجْمَعِ البِحارِ لا يَنْفُونَ الشَّفاعَةَ في فَصْلِ القَضاءِ وإنَّما يُنْكِرُونَ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ والكُفّارِ في النَّجاةِ مِنَ النّارِ هَذا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في جَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ فَقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَدْعُونَ، وقِيلَ: وعَلَيْهِ أبُو البَقاءِ تَقْدِيرُهُ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مَذْكُورٌ وهو أرَأيْتَكُمْ، وقِيلَ -ونُسِبَ لِلرَّضِيِّ- هو الجُمْلَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ وهو كالمُتَعَيِّنِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ ورَدَّهُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ كَذَلِكَ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِدُونِ فاءٍ وبَحَثَ في ذَلِكَ الشِّهابُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ الَّذِي أذْهَبَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أرَأيْتَكم عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ تَعالى فَأخْبِرُونِي عَنْهُ أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِكَشْفِهِ كَما تَقُولُ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، انْتَهى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾ 14 - عَطْفٌ عَلى (تَدْعُونَ) والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم لِشِدَّةِ الهَوْلِ يَنْسَوْنَ ذَلِكَ حَقِيقَةً ولا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ ولا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَنْسى اللَّهَ تَعالى لِأنَّ المُعْتادَ في الشَّدائِدِ أنْ يَلْهَجَ بِذِكْرِهِ تَعالى ويَنْسى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وقَدَّمَ الكَشْفَ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النِّسْيانِ كَتَأخُّرِهِ عَنِ الدُّعاءِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ لِتَمادِيهِ في الغَيِّ والضَّلالِ ولا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقِيلَ: مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ وتَنْوِينُ (أُمَمٍ) لِلتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى في أوْ زائِدَةٌ بِناءً عَلى جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ وضُعِّفَ أيْ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ كائِنَةٍ مِن زَمانٍ أوْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ أيْ فَكَذَّبُوا فَعاقَبْناهم ﴿ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ أيْ بِالبُؤْسِ والضُّرِّ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ إنَّهُ قالَ: خَوْفُ السُّلْطانِ وغَلاءُ السِّعْرِ، وقِيلَ: البَأْساءُ القَحْطُ والجُوعُ، والضَّرّاءُ المَرَضُ ونُقْصانُ الأنْفُسِ والأمْوالِ.
وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما عَلى أفْعَلَ كَأحْمَرَ حَمْراءِ كَما هو القِياسُ فَإنَّهُ لَمْ يُقَلْ: أضَرَّ وأبْأسَّ صِفَةً بَلْ لِلتَّفْضِيلِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ 24 - أيْ لِكَيْ يَتَذَلَّلُوا فَيَدْعُوا ويَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ﴾ أيْ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضى وانْتِفاءِ المانِعِ الَّذِي يُعْذَرُونَ بِهِ، (ولَوْلا) عِنْدَ الهَرَوِيِّ تَكُونُ نافِيَةً حَقِيقِيَّةً وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ والجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وهو يُفِيدُ التُّرْكَ وعَدَمَ الوُقُوعِ ولِذا ظَهَرَ الِاسْتِدْراكُ والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ولَيْسَتْ (لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةً كَما تُوُهِّمَ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِالمُضارِعِ، واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَهَبَ إلَيْهِ الهَرَوِيُّ.
ولَمّا كانَ التَّضَرُّعُ ناشِئًا مِن لِينِ القَلْبِ كانَ نَفْيُهُ نَفْيَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَما لانَتْ قُلُوبُهم ولَكِنْ قَسَتْ، وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّضَرُّعُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما ذُكِرَ لِأنَّ قَساوَةَ القَلْبِ الَّتِي هي المانِعُ يُشْعِرُ بِأنَّ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ، ومَعْنى (قَسَتْ) إلَخْ، اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً ﴿ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ 34 - مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يُخْطَرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ.
والتَّزْيِينُ لَهُ مَعانٍ، أحَدُهُما إيجادُ الشَّيْءِ حَسَنًا مُزَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ ، والثّانِي جَعْلُهُ مُزَيَّنًا مِن غَيْرِ إيجادٍ كَتَزْيِينِ الماشِطَةِ العَرُوسَ، والثّالِثُ جَعْلُهُ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ مُشْتَهًى لِلطَّبْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ وهَذا إمّا بِمَعْنى خَلْقِ المَيْلِ في النَّفْسِ والطَّبْعِ وإمّا بِمَعْنى تَزْوِيقِهِ وتَرْوِيجِهِ بِالقَوْلِ وما يُشْبِهُهُ كالوَسْوَسَةِ والإغْراءِ، وعَلى هَذا يُبْنى أمْرُ إسْنادِهِ فَإنَّهُ جاءَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تارَةً مُسْنَدًا إلى الشَّيْطانِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وتارَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ وتارَةً إلى البَشَرِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ فَإنْ كانَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، وكَذَلِكَ إذا كانَ بِالمَعْنى الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ أوَّلًا، وإنْ كانَ بِالمَعْنى الثّانِي أوِ الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ ثانِيًا فَإسْنادُهُ إلى الشَّيْطانِ أوِ البَشَرِ حَقِيقَةٌ، ولا يُمْكِنُ إسْنادُ ما يَكُونُ بِالإغْواءِ والوَسْوَسَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ.
وجاءَ أيْضًا غَيْرَ مَذْكُورِ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ في كُلِّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البَحْثِ فَتَذَكَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أيْ تَرَكُوا ما دَعاهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ ورَدُّوهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِما نالَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَلَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا ﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ كالرَّخاءِ وسَعَةِ الرِّزْقِ مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهُمْ فَقَدْ رَوى أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن حَدِيثِ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا ”إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العَبْدَ في الدُّنْيا وهو مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (فَلَمّا نَسُوا) الآيَةَ وما بَعْدَها“، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: ”مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ أُعْطُوا حاجَتَهم ثُمَّ أُخِذُوا“ وقِيلَ: المُرادُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ (فَتَحْنا) جَوابٌ لِـ (ما) لِأنَّ فِيها سَواءً قِيلَ بِحَرْفِيَّتِها أوِ اسْمِيَّتِها مَعْنى الشَّرْطِ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ وجْهُ سَبَبِيَّةِ النِّسْيانِ لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ سَبَبُ الِاسْتِدْراجِ المُتَوَقِّفِ عَلى فَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وسَبَبِيَّةُ شَيْءٍ لِآخَرَ تَسْتَلْزِمُ سَبَبِيَّتَهُ لِما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
أوْ يُقالُ إنَّ الجَوابَ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ ومُحَصِّلِهِ وهو ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ ونَحْوَهُ، وتَسَبُّبُهُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِاعْتِبارِ غايَتِهِ وهو أخْذُهم بَغْتَةً.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا ﴾ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿ بِما أُوتُوا ﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ المُنْعِمِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أخَذْناهُمْ ﴾ عاقَبْناهم وأنْزَلْنا بِهِمُ العَذابَ ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وأفْظَعَ هَوْلًا، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ مُباغَتِينَ أوْ مَبْغُوتِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ بَغَتْناهم بَغْتَةً ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ 44 - أيْ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ والرَّحْمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقالَ البَلْخِيُّ: أذِلَّةٌ خاضِعُونَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الإبْلاسُ تَغَيُّرُ الوَجْهِ ومِنهُ سُمِّيَ إبْلِيسُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَكَّسَ وجْهَهُ وغَيْرَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو بِمَعْنى الِاكْتِئابِ وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لِلْإبْلاسِ ثَلاثَةُ مَعانِي في اللُّغَةِ الحُزْنُ، والحَسْرَةُ، واليَأْسُ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ.
وقالَ الرّاغِبُ: هو الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ولَمّا كانَ المُبْلَسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فَلانٌ إذا سَكَتَ وإذا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ و(إذا) هي الفُجائِيَّةُ وهي ظَرْفُ مَكانٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ.
وعَنْ جَماعَةٍ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها حَرْفٌ؛ وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينِ النّاصِبُ لَها خَبَرُ المُبْتَدَإ أيْ أبْلَسُوا في مَكانِ إقامَتِهِمْ أوْ في زَمانِها <div class="verse-tafsir"
﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ آخِرُهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وهو مِن دُبُرِهِ إذا تَبِعَهُ فَكَأنَّهُ في دُبُرِهِ أيْ خَلْفَهُ، ومِنهُ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا أيْ في آخِرِ الوَقْتِ وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ ومِنهُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أصْلَهُ.
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ 54 - عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ والإهْلاكِ فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها فَهَذا مِنهُ تَعالى تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ حَمِدَ مِنهُ عَزَّ اسْمُهُ لِنَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ أيْضًا ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ ﴾ أيْ أصَمَّكم وأعْماكم فَأخَذَهُما مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ لازِمٌ لَهُ والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى بَقاءِ العَرْضِ زَمانَيْنِ مَحَلُّ نَظَرٍ ﴿ وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقَلَ وفَهِمَ أصْلًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ فَإنَّ البَصَرَ والسَّمْعَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما يَرُدُّ ما يَرُدُّ مِنَ المُدْرَكاتِ فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى الخَتْمِ عَلَيْها، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُدْرَكاتِ ما يَتَوَقَّفُ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى عَلى مَن وُلِدَ أعْمى أصَمَّ بَلَغَ سِنَّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: في التَّقْدِيمِ إنَّهُ مِن بابِ تَقْدِيمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ السَّمْعِ وإفْرادِهِ قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ ﴾ أيْ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ الَّذِي كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ أشْياءَ عِدَّةٍ، وأمّا الضَّمِيرُ المُفْرَدُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المَأْخُوذِ والمَخْتُومِ عَلَيْهِ في ضِمْنِ ما مَرَّ أيِ المَسْلُوبِ مِنكم أوْ راجِعٌ إلى السَّمْعِ وما بَعْدَهُ داخِلٌ مَعَهُ في القَصْدِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى أحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ و (إلَهٌ) خَبَرُهُ و (غَيْرُ) صِفَةٌ لِلْخَبَرِ (ويَأْتِيكُمْ) صِفَةٌ أُخْرى، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ أيْ أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ تَعالى مَشاعِرَكم، مَن إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَأْتِيكم بِهِ، وتَرَكَ كافَ الخِطابِ هُنا، قِيلَ: لِأنَّ التَّخْوِيفَ فِيهِ أخَفُّ مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا يَأْتِي وقِيلَ: اكْتِفاءٌ بِالسّابِقِ واللّاحِقِ لِتَوَسُّطِ هَذا الخِطابِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يَبْقى القَوْمُ مَعَهُ أهْلًا لِلْخِطابِ حُذِفَتْ كافَّةً إيماءً لِذَلِكَ ورِعايَةً لِمُناسَبَةٍ خَفِيَّةٍ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ أيْ نُكَرِّرُها عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ والمُرادُ مِنَ الآياتِ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ: الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وهَلْ هي عَلى الِإطْلاقِ أوْ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا أقْوالٌ أقْرَبُها عِنْدِي الأقْرَبُ وفِيها الدّالُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وتَوْحِيدِهِ وما فِيهِ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ والتَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِمَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الآياتِ الباهِراتِ ﴿ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ ﴾ 64 - أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنْشَدَ لِهَذا المَعْنى قَوْلَ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ: عَجِبْتُ لِحُكْمِ اللَّهِ فِينا وقَدْ بَدا لَهُ صَدْفُنا عَنْ كُلِّ حَقٍّ مُنَزَّلِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ صُدُوفًا إذا مالَ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الصَّدْفِ الجانِبُ والنّاحِيَةُ ومِثْلُهُ الصَّدَفَةُ، وتُطْلَقُ عَلى كُلِّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ، وجاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ مَرَّ بِصَدَفٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى تَصَرُّفٍ داخِلٍ مَعَهُ في حُكْمِهِ وهو العُمْدَةُ في التَّعَجُّبِ، و(ثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ أيْ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ والإيمانِ يُدَبِّرُونَ ويَكْفُرُونَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ ﴿ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ أيِ العاجِلُ الخاصُّ بِكم كَما أتى أضْرابُكم مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً مِن غَيْرِ ظُهُورِ أمارَةٍ وشُعُورٍ، ولِتَضَمُّنِها بِهَذا الِاعْتِبارِ ما في الخُفْيَةِ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ صَحَّ مُقابَلَتُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ جَهْرَةً ﴾ وبَدَأ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: خِفْيَةً لِأنَّ الإخْفاءَ لا يُناسِبُ شَأْنَهُ تَعالى وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ البَغْتَةَ اسْتِعارَةٌ لِلْخِفْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِها بِالجَهْرَةِ، وأنَّها مَكْنِيَّةٌ مِن غَيْرِ تَخْيِيلِيَّةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ والقَرِيبِ مِن مُقابِلِهِ كَثِيرَةٌ في الفَصِيحِ ومِنهُ قَوْلُهُ : ”بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا“ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ البَغْتَةَ أنْ يَأْتِيَهم لَيْلًا، والجَهْرَةُ أنْ يَأْتِيَهم نَهارًا وقُرِئَ: بَغَتَةً أوْ جَهَرَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ والهاءِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ كالغَلَبَةِ أيْ إتْيانًا بَغْتَةً أوْ إتْيانًا جَهْرَةً، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ مَذْهَبَ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحٍ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ والحَلْبِ والحَلَبِ والطَّرْدِ والطَّرَدِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا قِياسًا مُطْرَدًا كالبَحْرِ والبَحَرِ، وما أرى الحَقَّ إلّا مَعَهُمْ، وكَذا سَمِعْتُ مِن عامَّةِ عَقِيلٍ، وسَمِعْتُ الشَّجَرِيَّ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَفْعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: اللَّحَمُ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَغَدُوا بِمِعْنى تَغْدُوا، ولَيْسَ في كَلامِهِمْ مَفَعَلَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: سارَ نَحَوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ولَوْ كانَتِ الحَرَكَةُ أصْلِيَّةً ما صَحَّتِ اللّامُ أصْلًا اهـ، وهي كَما قالَ الشِّهابُ فائِدَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُها وقُرِئَ بَغْتَةً وجَهْرَةً بِالواوِ الواصِلَةِ ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ 74 - أيْ إلّا أنْتُمْ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهم ووَضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ والإعْراضَ مَوْضِعَ الإقْبالِ، وهَذا كَما قالَ الجَماعَةُ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ أيْ قُلْ تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ أيْ هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، والأصْلُ فِيهِ النَّفْيُ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ عَزَّ وجَلَّ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً ماذا يَكُونُ الحالُ، ثُمَّ قِيلَ: بَيانًا لِذَلِكَ ما ﴿ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ وقَيَّدَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ تَوْجِيهًا لِلْحَصْرِ إذْ قَدْ يُهْلَكُ غَيْرُ الظّالِمِ لَكِنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى بِهِ لِيَجْزِيَهُ الجَزاءَ الأوْفى عَلى ابْتِلائِهِ، ولَعَلَّهُ اشْتِغالٌ بِما لا يَعْنِي، وقُرِئَ يَهْلَكُ بِفَتْحِ الياءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ ﴾ إلى الأُمَمِ ﴿ إلا مُبَشِّرِينَ ﴾ مَن أطاعَ مِنهم بِالثَّوابِ ﴿ ومُنْذِرِينَ ﴾ مَن عَصى مِنهم بِالعَذابِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّهُما أعْظَمُ ما يُبَشَّرُ بِهِ ويُنْذَرُ بِهِ، والمُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُقَدَّرَتانِ مُفِيدَتانِ لِلتَّعْلِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ، والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِأجْلِ أنْ يُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمْ ويُسْخَرَ بِهِمْ ﴿ فَمَن آمَنَ ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ والإتْيانِ بِهِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها (ومَن) مَوْصُولَةٌ ولِشِبْهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرَ الرُّسُلُ بِهِ ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ 84 - لِفَواتِ الثَّوابِ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيِ الَّتِي بَلَّغَتْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها نَبِيُّنا ومُعْجِزاتُهُ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمَسُّهُمُ العَذابُ ﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (مَن آمَنَ) إلَخْ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الَّذِي أُنْذِرُوهُ عاجِلًا أوْ آجِلًا أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لِذَلِكَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وفي جَعْلِهِ ماسًّا إيذانًا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحَيِّ الفاعِلِ لِما يُرِيدُ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ عَلى ما قِيلَ وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أنْ يَكُونَ المَسُّ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في العَذابِ، والظّاهِرُ أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنْ المَسَّ مِن خَواصِّ الأحْياءِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيارِ، ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى عِصامُ المِلَّةِ أنَّهُ أُشِيرَ بِالمَسِّ إلى أنَّ العَذابَ لا يَأْخُذُهم بِحَيْثُ يَعْدَمُهم حَتّى يَتَخَلَّصُوا بِالهَلاكِ ولَهُ وجْهٌ ﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ 94 - أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ كُلَّ فِسْقٍ في القُرْآنِ مَعْناهُ الكَذِبُ، ولَعَلَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ وخُرُوجِهِمُ المُسْتَمِرِّ عَنْ حَظِيرَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَدْ يُقالُ: الفاسِقُ لِمَن خَرَجَ عَنِ التِزامِ بَعْضِ الأحْكامِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ هَهُنا قُلْ أيُّها الرَّسُولُ البَشِيرُ النَّذِيرُ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ ما يَقْتَرِحُونَ: <div class="verse-tafsir"
﴿ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَقْدُوراتُهُ جَمْعُ خَزِينَةٍ أوْ خِزانَةٍ أوْ خَزْنَةٍ وهي في الأصْلِ ما يُحْفَظُ فِيهِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ تُجُوِّزَ فِيها عَمّا ذُكِرَ، وعَلى ذَلِكَ الجَبائِيُّ وغَيْرُهُ ولَمْ يَقُلْ: لا أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ كَأنَّ مَقْدُوراتِهِ مَخْزُونَةٌ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ مَجازٌ عَنِ المَرْزُوقاتِ مِن إطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِ أوِ اللّازِمِ عَلى المُلْزَمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ خَزائِنُ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَقْدُوراتِهِ، والمَعْنى لا أدَّعِي أنَّ هاتِيكَ الخَزائِنَ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ اسْتِقْلالًا أوْ اسْتِدْعاءً حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنَزُّلَ الآياتِ أوْ إنْزالَ العَذابِ أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي ولا أعْلَمَ الغَيْبَ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فَهو مَقُولٌ أقُولُ أيْضًا، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ ولا أقُولُ لَكم لا أعْلَمُ الغَيْبَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ ولا أقُولُ لَكم أعْلَمُ الغَيْبَ بِإضْمارِ القَوْلِ بَيْنَ لا وأعْلَمُ لا بَيْنَ الواوِ (ولا)، وقِيلَ: لا في - لا أعْلَمُ - مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (لا أقُولُ) لا مَعْمُولَ لَهُ فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو (قُلْ)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ، وإنَّما الفائِدَةُ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ لِيَكُونَ نَفْيًا لِادِّعاءِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ لِيَكُونَ المَعْنى إنِّي لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ ﴿ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ، ويَكُونُ تَكْرِيرُ (لا أقُولُ) إشارَةً إلى هَذا المَعْنى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَفْهُومِي ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ ، و ﴿ إنِّي مَلَكٌ ﴾ لَمّا كانَ حالُهُما مَعْلُومًا عِنْدَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى نَفْيِهِما، وإنَّما الحاجَةُ إلى نَفْيِ ادِّعائِهِما تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الباطِلِ، ومَفْهُومُ (إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ لَمًّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا احْتِيجَ هُنا إلى نَفْيِهِ فَدَعْوى أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ مَنظُورٌ فِيها، والَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ المَعْنى ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ أوْ وقْتِ إنْزالِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما وخَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الغَيْبَ بِعاقِبَةِ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ أيْ لا أدَّعِي ذَلِكَ، ولا أدَّعِي أيْضًا المَلَكِيَّةَ حَتّى تَكْفُلُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ أوْ تَعُدَّوْا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها هو مَحَلُّ النِّزاعِ كَما زَعَمَ الجَبائِيُّ لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ إلَخْ وتَكْلِيفِهِمْ لَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوِ الرُّقِيِّ في السَّماءِ.
ونَحْنُ لا نَدَّعِي تَمَيُّزَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَدَمِ الأكْلِ مَثَلًا والقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الخارِقَةِ كالرُّقِيِّ ونَحْوِهِ ولا مُساواتَهم لَهم في ذَلِكَ بَلْ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُتَمَيِّزِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ اتِّفاقًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنهم بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ وإلّا لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الحَيْواناتِ أفْضَلَ مِنَ الإنْسانِ، ولا يَدَّعِي ذَلِكَ إلّا جَمادٌ وهَذا الجَوابُ أظْهَرُ مِمّا نُقِلَ عَنِ القاضِي زَكَرِيّا مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ مِن بابِ التَّواضُعِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» في رَأْيٍ بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الأفْضَلِيَّةَ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ وهو مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقِيلَ: حَيْثُ كانَ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لا يَكُونُ فِيها تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَلْ هي حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ في التَّدَلِّي، وبِذَلِكَ تَهْدِمُ قاعِدَةَ اسْتِدْلالِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ التَّرَقِّي مِنَ الأُلُوهِيَّةِ إلى ما هو أعْلى مِنها إذْ لا أعَلا لِيُتَرَقّى إلَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا هَدْمَ لَها مَعَ إعادَةِ (لا أقُولُ) الَّذِي جَعَلَهُ أمْرًا مُسْتَقِلًّا كالإضْرابِ إذِ المَعْنى لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ بَلْ ولا المَلَكِيَّةَ ولِذا كَرَّرَ (لا أقُولُ) وقالَ بَعْضُهم في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَقامَيْنِ: إنَّ مَقامَ نَفْيِ الِاسْتِنْكافِ يَنْبَغِي فِيهِ أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ أعَلا لِئَلّا يَلْغُوا ذِكْرُهُ، ومُقامُ نَفْيِ الِادِّعاءِ بِالعَكْسِ فَإنَّ مَن لا يَتَجاسَرُ عَلى دَعْوى المَلَكِيَّةِ أوَّلًا أنْ لا يَتَجاسَرَ عَلى دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ الأشَدِّ اسْتِبْعادًا، نَعَمْ في كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ نَفْيَ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنها نَظَرٌ وإلّا لَقِيلَ لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ كَما قِيلَ ﴿ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِـ ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، وإضافَةُ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى مُنافِيَةٌ لَها.
ودَفَعَ المُنافاةَ بِأنَّ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَيْسَ دَعْوى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى بَلْ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ عَزَّ اسْمُهُ في الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ إضافَةَ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى اخْتِصاصِيَّةٌ فَتُنافِي الشَّرِكَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ خَزائِنُ مِثْلَ خَزائِنَ أوْ تُنْسَبُ إلَيْهِ وهو كَما تَرى.
ومِن هُنا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا ﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ ما في الوَحْيِ أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
وحاصِلُهُ إنِّي عَبْدٌ يَمْتَثِلُ أمْرَ مَوْلاهُ ويَتَّبِعُ ما أوْحاهُ ولا أدَّعِي شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا أبْلَغُ مِن إنِّي نَبِيٌّ أوْ رَسُولٌ ولِذا عَدَلَ إلَيْهِ ولا دَلالَةَ لِنَفاةِ القِياسِ ولا لِمَعانِي جَوازِ اجْتِهادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما لا يَخْفى.
وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى ولَيْسَتْ مِمّا يُسْتَبْعَدُ إنَّما المُسْتَبْعَدُ ادِّعاءُ الأُلُوهِيَّةِ أوِ المَلَكِيَّةِ ولَسْتُ أدَّعِيها.
وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا ما في دَعْوى أنَّ المَقْصُودَ مِمّا تَقَدَّمَ نَفْيُ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ أيِ الضّالُّ والمُهْتَدِي عَلى الِإطْلاقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها مَعَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها والتَّنْفِيرُ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبُ في الِاهْتِداءِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْبِيتِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ ﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ 5 - عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ أوْ أتَسْمَعُونَهُ فَلا تَتَفَكَّرُونَ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
والكَلامُ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ.
ومَناطُ التَّوْبِيخِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ عَلى الأوَّلِ وعَدَمُ التَّفْكِيرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ عَلى الثّانِي وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الأعْمى والبَصِيرِ ثَلاثَ احْتِمالاتٍ إمّا أنْ يَكُونا مِثالًا لِلضّالِّ والمُهْتَدِي أوْ مِثالًا لِلْجاهِلِ والعالِمِ أوْ مِثالًا لِمُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ.
وأنَّ المَعْنى لا يَسْتَوِي هَذانَ الصِّنْفانِ ﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَتَهْتَدُوا أيْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ.
والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما مَضى إمّا مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ إلَخْ أوْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ (لا أقُولُ) .
ورَجَّحَ في الكَشْفِ الأوَّلَ ثُمَّ الثّانِيَ.
ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا التَّرْجِيحِ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِإحالَةِ المَلَكِيَّةِ بِأنَّها مِنَ المُمْكِناتِ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَماثِلَةٌ والمَعانِيَ القائِمَةَ بِبَعْضِها يَجُوزُ أنْ تَقُومَ بِكُلِّها وأُجِيبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ما فِيهِ أنَّ البَشَرَ حالَ كَوْنِهِ بَشَرًا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لِتَمايُزِهِما بِالعَوارِضِ المُتَنافِيَةِ بِلا خِلافٍ.
وإقْدامُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ﴿ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ عَلى الأكْلِ لَيْسَ طَمَعًا في المَلَكِيَّةِ حالَ البَشَرِيَّةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ في المَلَكِيَّةِ أصْلًا وإنَّما طَمِعَ في الخُلُودِ فَأكَلَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وأنْذِرْ ﴾ أيْ عِظْ وخَوِّفْ يا مُحَمَّدُ بِهِ أيْ بِما يُوحى أوْ بِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والزَّجّاجِ، وقِيلَ: أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وهَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ بَعْدَما حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ مَن لا يَتَّعِظُ ولا يَتَأثَّرُ قَدِ التَحَقَ بِالأمْواتِ وانْتَظَمَ في سِلْكِ الجَماداتِ فَما يَنْجَعُ فِيهِ دَواءُ الإنْذارِ ولا يُفِيدُهُ العِظَةُ والتِّذْكارُ إذْ يُنْذَرُ مَن يُتَوَقَّعُ في الجُمْلَةِ مِنهُمُ الِانْتِفاعُ ويُرْجى مِنهُمُ القَبُولُ والسَّماعُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المَجُوزُونَ لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ المُتَرِدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ كالأوَّلِينَ أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِهِ يَخافُونَ أنْ يَكُونُ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا والقائِلُونَ بِهِ القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ وارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّهم قَيَّدُوا بِالمُفَرِّطِينَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْإنْذارِ ورَجاءَ التَّقْوى، وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وبَيَّنَهُ بِما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ وعَلَّلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، وبِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ ولا يُخْفى ما فِيهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ إمّا بِالعَذابِ الأُخْوَرِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِتَحْقِيقِ المَخافَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ التَّرْبِيَةَ المَفْهُومَةَ مِنها مُقْتَضِيَةٌ خِلافَ ما خافُوا لِأجْلِهِ الحَشْرَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها مُنْبِئَةٌ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ كَما قِيلَ والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الحَشْرُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ عَزَّ وجَلَّ مَحِلًّا لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُحْشُرُوا) والعامِلُ فِيهِ فِعْلُهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَخافُونَ)، والأوَّلُ أوْلى ومَن دُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، والحالُ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ تِلْكَ الحالَةُ لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الإنْذارِ، والحالُ الثّانِيَةُ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ وهو فِقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم وذَلِكَ إنَّما هو غَيْرُهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ ولَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِاسْتِلْزامِهِ ثُبُوتَ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ وذَلِكَ فاسِدٌ، والمَعْنى أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ حَشْرَهم غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ بِزَعْمِهِمْ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ سَواءً - عَزَّ وجَلَّ - لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرُ بِدُونِ نُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ويَصْغُرُ لَدَيْهِ ما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما فَتَدَبَّرْ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ 15 - أيْ لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ أيْ أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم أوْ مِنَ المَوْصُولِ أيْ أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ لِما أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لَعَلَّهم يَنْتَظِمُونَ في سَلْكِ المُتَّقِينَ نُهِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا مَعًا ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى النَّبِيِّ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وعَمّارٌ وبِلالٌ وخَبّابٌ ونَحْوُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ رَضِيَتْ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُرْءانَ ﴿ وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ ﴾ » وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهم عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ فَوَجَدا النَّبِيَّ مَعَ بِلالٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ في أُناسٍ ضُعَفاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ حَقَّرُوهم فَأتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فَقالُوا: نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا العَرَبُ لَهُ فَضْلَنا فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا قُعُودًا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا عَلَيْكَ بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ ودَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِيَكْتُبَ ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ، ثُمَّ دَعانا فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فَكُنّا نَقْعُدُ مَعَهُ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ إلَخْ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْعُدُ مَعَنا بَعْدُ فَإذا بَلَغَ السّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيها يَقُومُ فِيها قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ،» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «مَشى عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ في أشْرافِ الكُفّارِ مِن عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ طَرَدَ عَنّا هَؤُلاءِ الأعْبُدَ والحُلَفاءَ كانَ أعْظَمَ لَهُ في صُدُورِنا وأطْوَعَ لَهُ عِنْدَنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ لِلنَّبِيِّ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى نَنْظُرَ ما يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: وما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْذِرْ بِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ » وكانُوا بِلالًا وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وصُبَيْحًا مَوْلى أُسَيْدٍ والحُلَفاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ والمِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو وواقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيَّ وعَمْرَو بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو ومَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ وأشْباهَهم ونَزَلَ في أئِمَّةِ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ والمَوالِي والحُلَفاءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ الآيَةَ، والغَداةُ أصْلُهُ غَدْوَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأصْلُ العَشِيِّ عَشَوِيٌّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، والظّاهِرِ أنَّهُ مُفْرَدٌ كالعَشِيَّةِ وجَمْعُهُ عَشايا وعَشِيّاتٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشِيَّةٍ وفِيهِ بُعْدٌ، ومَعْنى الأوَّلِ لُغَةً البُكْرَةُ أوْ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، ومَعْنى الثّانِي آخِرُ النَّهارِ، والمُرادُ بِهِما هَهُنا الدَّوامُ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ مَساءً وصَباحًا إذا داوَمَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالدُّعاءِ حَقِيقَتُهُ أوِ الصَّلاةُ أوِ الذِّكْرُ أوْ قِراءَةُ القُرْآنِ أقْوالٌ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ لِأنَّ الزَّمانَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ ما يَقَعُ فِيهِ كَما يُقالُ صَلّى الصُّبْحَ والمُرادُ صَلاتُهُ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُرادُ بِالصَّلاةِ زَمانُها نَحْوَ قَرُبَتِ الصَّلاةُ أيْ وقْتُها، وقَدْ يُرادُ بِها مَكانُها كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ المَساجِدُ وخُصّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما، والأقْوالُ في الدُّعاءِ جارِيَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ خَلا الثّانِيَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هُنا وفي الكَهْفِ (الغَدْوَةِ) بِالواوِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ وأبِي رَجاءٍ العَطارِدِيِّ وغَيْرِهِمْ، وزَعَمَ أبُو عَبِيدٍ أنَّ مَن قَرَأ بِالواوِ فَقَدْ أخْطَأ لِأنَّ غَدْوَةً عَلَمُ جِنْسٍ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللّامُ، ومَنشَأُ خَطَئِهِ أنَّهُ اتَّبَعَ رَسْمَ الخَطِّ لِأنَّ الغَداةَ تُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ والزَّكاةِ، وقَدْ أخْطَأ في هَذِهِ التَّخْطِئَةِ لِأنَّ (غَدْوَةً) وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها ما ذَكَرَهُ لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مَجِيئُها اسْمَ جِنْسٍ أيْضًا مُنَكَّرًا مَصْرُوفًا فَتَدْخُلُها (ألْ) حِينَئِذٍ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ وتَصْدِيرُهُ بِالزَّعْمِ لا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ جَمٌّ غَفِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرَ المُبَرِّدُ أيْضًا عَنِ العَرَبِ تَنْكِيرَهُ غَدْوَةً وصَرْفَها وإدْخالَ اللّامِ عَلَيْها إذا لَمْ يُرَدْ بِها غَدْوَةُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وكَفى بِوُرُودِهِ في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ حُجَّةً فَلا حاجَةَ - كَما قِيلَ - إلى التِزامِ أنَّها عَلَمٌ لَكِنَّها نُكِّرَتْ فَدَخَلَتْها (ألْ) لِأنَّ تَنْكِيرَ العَلَمِ وإدْخالَ (ألْ) عَلَيْهِ أقَلُّ قَلِيلٍ في كَلامِهِمْ بَلْ إنَّ تَنْكِيرَ عَلَمِ الجِنْسِ لَمْ يُعْهَدْ ولا إلى التِزامِ أنَّها مَعْرِفَةٌ ودَخَلَتْها اللّامُ لِمُشاكَلَةِ العَشِيِّ كَما دَخَلَتْ عَلى يَزِيدَ لِمُشاكَلَةِ الوَلِيدِ في قَوْلِهِ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ، لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المُشاكَلَةِ وهو المُشاكَلَةُ الحَقِيقَةُ قَلِيلٌ أيْضًا والكَثِيرُ في المُشاكَلَةِ المَجازُ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ وقَعَ مِنهُ الطَّرْدُ لِيَخْدِشَ وجْهَ العِصْمَةِ، والَّذِي تَحْكِيهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ أنْ يَجْعَلَ أُولَئِكَ الدّاعِينَ المُتَّقِينَ وقْتًا خاصًّا وأشْرافَ قُرَيْشٍ وقْتًا آخَرَ لِيَتَآلَفُوا فَيَقُودَهم إلى الإيمانِ، وأُولَئِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَعْلَمُونَ ما قَصَدَ فَلا يَحْصُلُ لَهم إهانَةٌ وانْكِسارُ قَلْبٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْعُونَ) وفي المُرادِ بِالوَجْهِ عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ خِلافٌ فَقِيلَ وهو المَشْهُورُ إنَّهُ الذّاتُ أيْ مُرِيدِينَ ذاتَهُ تَعالى، ومَعْنى إرادَةِ الذّاتِ عَلى ما قِيلَ الإخْلاصُ لَها بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُرادًا لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الإرادَةَ صِفَةٌ لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُمَكَّناتِ لِأنَّها تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفِيِ المُرادِ عَلى الآخَرِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيها أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فِيهِ، وقُيِّدَ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ المُضادِّ لِلطَّرْدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِهَةُ والطَّرِيقُ، والمَعْنى مُرِيدِينَ الطَّرِيقَ الَّذِي أمَرَهم جَلَّ شَأْنُهُ بِإرادَتِهِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ وطَلَبِ الرِّضا لِأنَّ مَن أحَبَّ ذاتًا أحَبَّ أنْ يَرى وجْهَهُ فَرُؤْيَةُ الوَجْهِ مِن لَوازِمِ المَحَبَّةِ فَلِهَذا جُعِلَ كِنايَةً عَنْها قالَهُ الإمامُ وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: هَذا وجْهُ الرَّأْيِ وهَذا وجْهُهُ الدَّلِيلُ والمَعْنى يُرِيدُونَهُ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمَوْصُولِ السّابِقِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وغالِبِ المُفَسِّرِينَ وجُوِّزَ في (ما) أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً وحِجازِيَّةً وفي (شَيْءٍ) أنْ يَكُونَ فاعِلَ الظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ و (مِن حِسابِهِمْ) وصْفٌ لَهُ قُدِّمَ فَصارَ حالًا وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشِيرُ إلى اخْتِيارِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضُ وسَطٍ بَيْنِ النَّهْيِ وجَوابِهِ تَقْرِيرًا لَهُ ودَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِ المُتَّقِينَ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالُوا: ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ، والمَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ ما مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ حَتّى تَتَصَدّى لَهُ وتَبْنِي عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ الرِّسالَةِ النَّظَرُ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وإجْراءِ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها وتَفْوِيضِ البَواطِنِ وحِسابِها إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وظَواهِرُ هَؤُلاءِ دُعاءُ رَبِّهِمْ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ فَقْرِهِمْ والمُرادُ لا يَضُرُّكَ فَقْرُهم شَيْئًا لِيَصِحَّ لَكَ الإقْدامُ عَلى ما أرادَهُ المُشْرِكُونَ مِنكَ فِيهِمْ ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجِيءَ بِهِ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في بَيانِ كَوْنِ انْتِفاءِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَظْمِهِ في سَلْكٍ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ عَلَيْهِمْ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ في رَأْيٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ الجُمْلَتَيْنِ في مَعْنى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ تُؤَدِّي مُؤَدّى (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ التَّنْزِيلِ وتَقْدِيمِ خِطابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَوْضِعَيْنِ - قِيلَ - لِلتَّشْرِيفِ لَهُ عَلَيْهِ أشْرَفُ الصَّلاةِ وأفْضَلُ السَّلامِ وإلّا كانَ الظّاهِرُ وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ بِتَقْدِيمِ (عَلى) ومَجْرُورِها كَما في الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيمَ عَلَيْكَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِلْقَصْدِ إلى إيرادِ النَّفْيِ عَلى اخْتِصاصِ حِسابِهِمْ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هو الدّاعِي إلى تَصَدِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِحِسابِهِمْ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى إنَّكَ لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهم ويَدْعُوَكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّفْيِ والمُرادُ انْتِفاءُ الطَّرْدِ لا انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ المُسَبِّبِ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِنكَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَقَعُ مِنكَ طَرْدٌ وهو أحَدُ مَعْنَيَيْنِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ يَمْتَنِعُ ثانِيهُما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ 25 - جَوابٌ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ الإمامُ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ الكَوْنَ ظالِمًا مَعْلُولٌ طَرْدُهم وسَبَبٌ لَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاشْتِراكَ في النَّصْبِ بِالعَطْفِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو تَوَقُّفُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ الأوَّلِ انْتِفاؤُهُ، والكَوْنُ مِنَ الظّالِمِينَ مُنْتَفٍ سَواءٌ لُوحِظَ ابْتِداءُ أوْ بُعْدُ تَرَتُّبِهِ عَلى الطَّرْدِ وجَعْلِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى الطَّرْدِ بِلا اعْتِبارِ كَوْنِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى المَنفِيِّ ومُنْتَفِيًا بِانْتِفائِهِ يُفَوِّتُ وُجُودَ سَبَبِيَّةِ العَطْفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظُّلْمَ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ انْتِفاؤُهُ عَلى انْتِفاءِ الطَّرْدِ كَما لا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلى وُجُودِهِ، وانْتِفاءُ الطَّرْدِ مُتَوَقِّفٌ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتِفاءُ الظُّلْمِ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَيَلْزَمُ مِنَ الِانْتِفاءِ الِانْتِفاءُ ويَتَحَقَّقُ الِاشْتِراكُ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو ظاهِرٌ وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ عَدَمَ الظُّلْمِ لِعَدَمِ تَفْوِيضِ الحِسابِ إلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ حِسابُهم عَلَيْهِ وطَرَدَهم لَكانَ ظُلْمًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، لَأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى حَدِّ - نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ - وفي الكَشْفِ في بَيانِ مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ أرادَ أنَّ الطَّرْدَ سَبَبٌ لِلظُّلْمِ، فَقِيلَ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ لِتَطْرُدَهم فَتَظْلِمَ بِهِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ حِسابُهم لَمْ يَكُنْ طَرْدُهُ إيّاهم ظُلْمًا، وذَلِكَ لَأنَّ الطَّرْدَ جُعِلَ سَبَبًا لِلظُّلْمِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَمْلِكَ حِسابَهم وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ عَلى حَدِّ -نِعْمَ العَبْدُ- إلَخْ بَلْ هو خُرُوجٌ عَنِ الحَدِّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الأوَّلُ جَوابًا لِلنَّهْيِ كَما جازَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّفْيِ، ونُقِلَ عَنِ الدُّرِّ المَصُونِ وقالَ: الكَلامُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ ولا تَطْرُدَهم فَتَطْرُدُهم وهو كَما تَرى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اجْتِماعَ ذَيْنِكَ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى هَذا الجَوابِ مِن قَبِيلِ التَّنازُعِ خَلا أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَوْنُ الجَوابِ لِلثّانِي بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ يَلْزَمُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ طَرْدُهُ إيّاهم حَسَنًا، وهو خَلْفٌ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في هَذا خُرُوجٌ عَنْ مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ لِإعْمالِ الثّانِي لِأنَّ شَرْطَهُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُسْتَقِيمًا فِيهِما؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَقِمْ أُعْمِلَ الأوَّلُ اتِّفاقًا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي - ولَمْ أطْلُبْ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ وأنْتَ إذا عَلِمْتَ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لِماذا أُتِيَ بِها عَلِمْتَ ما في هَذا الكَلامِ فافْهَمْ؛ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ أوْ لِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ أوْ فَتَكُونَ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، ﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا ﴾ أيِ ابْتَلَيْنا واخْتَبَرْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ، والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الفَتْنِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِتَفْخِيمِهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ذَلِكَ الضَّرْبَ، والكافُ مُقْحَمَةٌ بِمَعْنى أنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنها بَلِ المَقْصُودُ لازِمُهُ الكِنائِيُّ أوِ المَجازِيُّ وهو التَّحَقُّقُ والتَّقَرُّرُ وهو إقْحامُ مُطَّرِدٍ، ولَيْسَتْ زائِدَةً كَما تُوُهِّمَ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ الفَتْنِ العَظِيمِ البَدِيعِ فَتَنّا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضِهِمْ حَيْثُ قَدَّمْنا الآخَرِينَ في أمْرِ الدِّينِ عَلى الأوَّلِينَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، ويُؤَوَّلُ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مُتَحَقِّقٌ مِنّا، ومَن ظَنَّ أنَّ التَّشْبِيهَ هو المَقْصُودُ لَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ لِما يَلْزَمُهُ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وتَكَلَّفَ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ والمُغايَرَةِ بِجَعْلِ المُشَبَّهِ بِهِ الأمْرَ المُقَرَّرَ في العُقُولِ والمُشَبَّهَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الأمْرِ الخارِجِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مِثْلُ ما فَتَنّا الكُفّارَ بِحَسَبِ غِناهم وفَقْرِ المُؤْمِنِينَ حَتّى أهانُوهم خِلافَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَنّاهم بِحَسْبِ سَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الإيمانِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ حَتّى حَسَدُوهُمْ، وقالُوا ما قالُوا لِاخْتِلافِ أدْيانِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أدَقُّ نَظَرًا أوْ أعْلى كَعْبًا، وقَدْ سَلَفَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ ﴿ لِيَقُولُوا ﴾ أيِ البَعْضُ الأوَّلُونَ مُشِيرِينَ إلى الآخِرِينَ مُحَقِّرِينَ لَهم ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ مِن دُونِنا ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ المَنِّ رَأْسًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ لا تَحْقِيرُ المَمْنُونِ عَلَيْهِمْ مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُتَسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا)، و ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ، وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحَةِ والمَسَرَّةِ والخَصْبِ والسَّعَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ أنّا في الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ، والمُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقُّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ صَدْرَ كَلامِهِ صَرِيحٌ في أنَّ الكُفّارَ مُعْتَرِفُونَ بِوُقُوعِ المَنِّ المُشارِ إلَيْهِمْ حاسِدُونَ لَهم عَلى وُقُوعِهِ وهو مُنافٍ لِتَنْظِيرِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ إلَخْ، وأيْضًا كَلامُهُ كالصَّرِيحِ في أنْ فَقُرّاءَ المُؤْمِنِينَ حَسَدُوا الكُفّارَ عَلى دُنْياهُمْ، واعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرْفِيهِ عَلى أعْدائِهِ والتَّضْيِيقِ عَلى أحِبّائِهِ وذَلِكَ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ أدْنى المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وأيْضًا مُقابَلَةُ فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالمُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم وحاشاهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ وهو بَدِيهِيُّ البَطَلانِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ فَتَدَبَّرْ واللّامُ ظاهِرَةٌ في التَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِفَتَنّا) وما بَعْدَها عِلَّةٌ لَهُ، والسَّلَفُ كَما قالَ شَيْخُنا إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ وقاضِي القُضاةِ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ التَّنُوخِيُّ وغَيْرُهُما عَلى إثْباتِ العِلَّةِ لِأفْعالِهِ تَعالى اسْتِدْلالًا بِنَحْوِ عَشَرَةِ آلافِ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ، واحْتَجَّ النّافُونَ لِذَلِكَ بِوُجُوهِ رَدِّها الثّانِي في المُخْتَبَرِ، وذَكَرَ الأوَّلُ في مَسْلَكِ السَّدادِ ما يُعْلَمُ مِنهُ رَدُّها وهَذا بَحْثٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ وطُوِيَ بِساطُهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لامُ العاقِبَةِ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ المَقاصِدِ ما يَأْبى ذَلِكَ وهو لامُ العاقِبَةِ إنَّما تَكُونُ فِيما لا يَكُونُ لِلْفاعِلِ شُعُورٌ بِالتَّرَتُّبِ وقْتَ الفِعْلِ أوْ قَبْلَهُ فَيُفْعَلُ لِغَرَضٍ، ولا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ ضِدُّهُ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ فَعَلَ الفِعْلَ لِذَلِكَ الغَرَضِ الفاسِدِ تَنْبِيهًا عَلى خَطَئِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ هَذا في كَلامِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ وإنْ وقَعَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى فِعْلِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ إذْ تَرَتُّبُ فَوائِدِ أفْعالِهِ تَعالى عَلَيْها مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ التّامِّ، نَعَمْ أنَّ ابْنَ هِشامٍ وكَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ لَمْ يَعْتَبِرُوا هَذا القَيْدَ وقالُوا: أنَّها لامٌ تَدُلُّ عَلى الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ تَقَعَ في كَلامِهِ تَعالى حِينَئِذٍ عَلى وجْهٍ لا فَسادَ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ مُقابِلًا بِهِ احْتِمالَ العاقِبَةِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا أوْ عَلى أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّعْلِيلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ بِناءً عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ العِلَلِ فَيَكُونُ مَجازًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّرَتُّبِ وهو في الحَقِيقَةِ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ فَلا وجْهَ لِلْمُقابَلَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُما مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ فَإنِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ التَّرْتِيبِ بِالتَّعْلِيلِ كانَتْ لامَ تَعْلِيلٍ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كانَتْ لامَ عاقِبَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العاقِبَةَ اسْتِعارَةٌ فَلا يَتِمُّ هَذا الفَرْقُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وعَلى خِلافِهِ يَحْتاجُ إلى فَرْقٍ آخَرَ، وقَدْ يُقالُ: في الفَرْقِ أنَّ في التَّعْلِيلِ المُقابِلِ لِلْعاقِبَةِ سَبَبِيَّةً واقْتِضاءً وفي العاقِبَةِ مُجَرَّدُ تُرَتِّبٍ وإفْضاءٍ وفي التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ يُعْتَبَرُ البَعْثُ عَلى الفِعْلِ، وهَذا هو مُرادُ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللّامَ عَلى تَقْدِيرِ تَضْمِينِ فِتَنّا مَعْنى خَذَلْنا أوْ أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا لِأنَّ هُناكَ تَسَبُّبًا واقْتِضاءً فَقَطْ مِن دُونِ بَعْثٍ وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ وإبْقاءِ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادِرِ مِنهُ وهي لامُ العاقِبَةِ وهو تَعْلِيلٌ مَجازِيٌّ أيْضًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ إلّا التَّأدِّي فَإنَّ ابْتِلاءَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مُؤَدٍّ لِلْحَسَدِ وهو مُؤَدٍّ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ ولَيْسَ هُناكَ تَسَبُّبٌ ولا بَعْثَ أصْلًا، والحاصِلُ أنَّ كُلًّا مِنَ العاقِبَةِ والتَّعْلِيلِ المُقابِلِ لَها مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ إلّا أنَّ التَّعْلِيلَ المُقابِلَ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ، ومَنشَأُ الأقْرَبِيَّةِ هو الفارِقُ والبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ، وإذا فُتِحَ لَكَ فاشْكُرِ اللَّهَ سُبْحانَهُ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ 35 - رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الإنْعامِ مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ والِاعْتِرافِ بِحَقِّ المُنْعِمِ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِعِلْمِهِ البالِغِ بِذَلِكَ، والباءُ الأُولى سَيْفُ خَطِيبٍ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ (بِأعْلَمَ) ويَكْفِي أفْعَلُ العَمَلَ في مِثْلِهِ.
وفي الدُّرِّ المَصُونِ: العِلْمُ يَتَعَدّى بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإحاطَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ النّاسِ نَحْوَ عَلِمَ بِكَذا ولَهُ عِلْمٌ بِهِ، والمَعْنى: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ مُحِيطًا عِلْمُهُ بِالشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ حَتّى يَسْتَبْعِدُوا إنْعامَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ والسَّبْقِ إلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ شاكِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ القائِلِينَ في مَهامَةِ الضَّلالِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ هم كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ الَّذِينَ نُهِيَ عَنْ طَرْدِهِمْ، والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ أوِ الحُجَجُ مُطْلَقًا، وجُوِّزَ في الباءِ أنْ تَكُونَ صِلَةَ الإيمانِ وأنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً أيْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الآياتِ أوِ النَّظَرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِها.
وفي وصْفِ أُولَئِكَ الكِرامِ بِالإيمانِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهِ تَنْبِيهٌ عَلى حِيازَتِهِمْ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كالمَنشَإ لِلْوَصْفِ السّابِقِ لِما أنَّ مَدارَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ هو الإيمانُ كَما أنَّ مَناطَ النَّهْيِ عَنِ الطَّرْدِ فِيما سَبَقَ هو المُداوَمَةُ عَلى العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ في رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما يُشِيرُ إلى أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأمْرُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وآخَرُونَ عَنْ ماهانَ قالَ: «أتى قَوْمٌ النَّبِيَّ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَما رَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ فَدَعاهم فَقَرَأها عَلَيْهِمْ» ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَمْ تَنْزِلْ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ بَلْ هي مَحْمُولَةٌ عَلى إطْلاقِها واخْتارَهُ الإمامُ.
والمَشْهُورُ الأوَّلُ وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ ما رُوِيَ عَنْ ماهانَ ﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنْ يَبْدَأهم بِالسَّلامِ في مَحَلٍّ لا ابْتِداءَ بِهِ فِيهِ إكْرامًا لَهم بِخُصُوصِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، وقِيلَ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبَلِّغَهم تَحِيَّتَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ المَعْنى أقْبَلُ عُذْرَهم واعْتِرافَهُمْ، وبَشِّرْهم بِالسَّلامَةِ مِمّا اعْتَذَرُوا مِنهُ.
وعَلَيْهِ لا يَكُونُ السَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ.
وهو أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فَيَكُونُ الكَلامُ أمْرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَشِّرَهم بِالسَّلامِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ بَعْدَ إنْذارِ مُقابِلِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَفَضُّلًا وإحْسانًا بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ تَقَدَّمَ تَبْشِيرٌ لَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَمْ يَعْطِفْ عَلى جُمْلَةِ السَّلامِ مَعَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ أيْضًا قِيلَ لِأنَّها دُعائِيَّةٌ إنْشائِيَّةٌ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ وهُما السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ ونِيلُ المَطالِبِ بِالبِشارَةِ.
وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارٌ لِلُّطْفِ بِهِمْ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
وتَمامُ الكَلامِ في الآيَةِ قَدْ مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةَ) كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولُ (كَتَبَ) و(الرَّحْمَةَ) مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ إلَخْ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ النَّحْوِيِّ البَيانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما هَذِهِ الرَّحْمَةُ؟
والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ ومَوْضِعُها مُبْتَدَأٌ و(مِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِجَهالَةٍ) حالٌ أيْضًا عَلى الأظْهَرِ أيْ مَن عَمِلَ ذَنْبًا وهو جاهِلٌ أيْ فاعِلٌ فِعْلَ الجَهَلَةِ لِأنَّ مَن عَمِلَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ في العاقِبَةِ وهو عالِمٌ بِذَلِكَ أوْ ظانٌّ فَهو مِن أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ لا مِن أهْلِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أوْ جاهِلٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ والمَضَرَّةِ وعَنِ الحَسَنِ كُلُّ مَن عَمِلَ مَعْصِيَةً فَهو جاهِلٌ ﴿ ثُمَّ تابَ ﴾ عَنْ ذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيِ العَمَلِ أوِ السُّوءِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ أيْ في تَوْبَتِهِ بِأنْ أتى بِشُرُوطِها مِنَ التَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ أبَدًا ﴿ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ 45 - أيْ فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ وأمْرُهُ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ.
فَإنَّ وما بَعْدَها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ خَبَرُ (مَن) أوْ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ حِينَئِذٍ عَلى الخِلافِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم فَلَهُ أنَّهُ إلَخْ أوْ فَعَلَيْهِ أنَّهُ إلَخْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِبُعْدِ العَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: وكِلاهُما ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ البَدَلَ لا يَصْحَبُهُ حَرْفُ مَعْنًى إلّا أنْ يَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً وهو ضَعِيفٌ، والثّانِي أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يَبْقى لِـ (مَن) خَبَرٌ ولا جَوابَ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّتِها، والتِزامُ الحَذْفِ بِعِيدٌ، وفَتْحُ الهَمْزَةِ هُنا قِراءَةُ مَن فَتَحَ هُناكَ سِوى نافِعٍ فَإنَّهُ كَباقِي القُرّاءِ قَرَأ بِالكَسْرِ وأجازَ الزَّجّاجُ كَسْرَ الأُولى وفَتْحَ الثّانِيَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ والزُّهْرِيِّ وأبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ، ولَمْ يَطَّلِعْ -عَلى ما قِيلَ- أبُو شامَةٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ إعْرابِيٌّ وإنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ، ولَيْسَ كَما قالَ.
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُقَوِّي مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ أنَّ عَمَلَ السُّوءِ إذْ قارَنَ الجَهْلَ والتَّوْبَةَ والإصْلاحَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : لَوْ أجَبْتَهم لِما قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ المَضَرَّةَ ثُمَّ أنَّهُ تابَ وأصْلَحَ حَتّى أنَّهُ بَكى، وقالَ مُعْتَذِرًا: ما أرَدْتُ إلّا خَيْرًا.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَنُزُولُها في حَقِّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُرادَ المُجِيبِ أنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ عامًّا وخِطابَ (مِنكُمْ) لِمَن كانَ في تِلْكَ المُشاوَرَةِ والعامِلَ لِذَلِكَ مِنهم عَمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا إشْكالَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ بِناءَ الجَوابِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَيْسَ مِنَ المَتانَةِ بِمَكانٍ إذْ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ تِلْكَ الرِّوايَةَ.
فَلَعَلَّ الأوْلى في الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ في الآيَةِ إنَّما هو المَغْفِرَةُ الواجِبَةُ حَسَبَ وُجُوبِ الرَّحْمَةِ في صَدْرِ الآيَةِ.
ولا يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ المَغْفِرَةِ بِهِ.
فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ مَثَلًا إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فافْهَمْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ ﴾ أيْ دائِمًا ﴿ الآياتِ ﴾ أيِ القُرْآنِيَّةَ في صِفَةِ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الإجْرامِ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ، والتَّشْبِيهُ هُنا مِثْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، ﴿ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ 55 - بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ بِناءً عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ وهو عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيلُهُ بِها بِخُصُوصِها، وإنَّما قُصِدَ الإشْعارُ بِأنَّ لَهُ فَوائِدَ جَمَّةً مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أيْ ولِتَتَبَيَّنَ سَبِيلُهم نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ ولِتَسْتَوْضِحَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ فَتُعامِلَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ السَّبِيلِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ لِلْمُذَكَّرِ.
وتَأْنِيثِ السَّبِيلِ وتَذْكِيرِهِ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ * * * هَذا ”ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ“ ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ السَّماعِ هُمُ الأحْياءُ وهم أهْلُ الخِطابِ والجَوابِ؛ وأخْبَرَ أنَّ الآخَرِينَ هُمُ الأمْواتُ، وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ إلّا مَن فَتَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَمْعَ قَلْبِهِ بِالهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ووَهَبَ لَهُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ بِصَفاءِ الِاسْتِعْدادِ ونُورِ الفِطْرَةِ لا مَوْتى الجَهْلِ الَّذِينَ ماتَتْ غَرائِزُهم بِالجَهْلِ المُرَكَّبِ أوْ بِالحُجُبِ الجِبِلِّيَّةِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ بِحَسْبَ الفِطْرَةِ فَإنَّهم قَدْ صُمُّوا عَنِ السَّماعِ ولا يُمْكِنُهم ذَلِكَ بَلْ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ مَعَ احْتِجابِهِمْ، وقِيلَ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى أهْلِ الصَّحْوِ وأهْلِ المَحْوِ ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ حَيْثُ فُطِرُوا عَلى التَّوْحِيدِ وجُبِلُوا عَلى المَعْرِفَةِ ولَهم مَشارِبُ مِن بَحْرِ خِطابِ اللَّهِ تَعالى وأفْنانٌ مِن أشْجارِ رِياضِ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ وحَنِينٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وتَغْرِيدٌ بِاسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ، قِيلَ: إنَّ سَمْنُونَ المُحِبَّ كانَ إذا تَكَلَّمَ في المَحَبَّةِ يَسْقُطُ الطَّيْرُ مِنَ الهَواءِ.
ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الضَّبَّ بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَهِدَ بِرِسالَتِهِ أنْشَأ يَقُولُ: ألّا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ صادِقٌ فَبُورِكْتَ مَهْدِيًّا وبُورِكْتَ هادِيًا وبُورِكْتَ في الآزالِ حَيًّا ومَيِّتًا ∗∗∗ وبُورِكْتَ مَوْلُودًا وبُورِكْتَ ناشِيًا.
وإنَّ فِيهِمْ أيْضًا المُحْتَجِبِينَ ومُرْتَكِبِي الرَّذائِلِ وغَيْرَ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ مُفَصَّلًا ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ ﴾ أيْ كِتابِ أعْمالِهِمْ ﴿ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِغَواشِي صِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ بِآياتِنا ﴾ وهي تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ صُمٌّ ﴾ فَلا يَسْمَعُونَ بِآذانِ القُلُوبِ ﴿ وبُكْمٌ ﴾ فَلا يَنْطِقُونَ بِألْسِنَةِ العُقُولِ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ وهي ظُلُماتُ الطَّبِيعَةِ وغَياهِبُ الجَهْلِ ﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ بِإسْبالِ حُجُبِ جَلالِهِ ﴿ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ بِإشْراقِ سُبُحاتِ جَمالِهِ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ مِنَ المَرَضِ وسائِرِ أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ لِكَشْفِ ما يَنالُكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
﴾ ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ لِكَشْفِ ذَلِكَ.
قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَرْجِعُ الخَواصِّ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ مِن أوَّلِ البِدايَةِ؛ ومَرْجِعُ العَوامِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ اليَأْسِ مِنَ الخَلْقِ، وكانَ هَذا في وقْتِ هَذا العارِفِ.
وأمّا في وقْتِنا فَنَرى العامَّةَ إذا ضاقَ بِهِمُ الخِناقُ تَرَكُوا دُعاءَ المَلِكِ الخَلّاقِ ودَعَوْا سُكّانَ الثَّرى ومَن لا يَسْمَعُ ولا يَرى ﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ أيْ لِيُطِيعُوا ويَبْرُزُوا مِنَ الحِجابِ ويَنْقادُوا مُتَضَرِّعِينَ عَنْ تَجَلِّي صِفَةِ القَهْرِ ﴿ ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ ما تَضَرَّعُوا لِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ بِكَثافَةِ الحِجابِ وغَلَبَةِ غَشْيِ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا، وأصْلُ كُلِّ ذَلِكَ سُوءُ الِاسْتِعْدادِ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ ﴾ فَلَمْ تَسْمَعُوا خِطابَهُ ﴿ وأبْصارَكُمْ ﴾ فَلَمْ تُشاهِدُوا عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وأسْرارَ صَنْعَتِهِ ﴿ وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ ﴾ أيْ هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ سِواهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَلى فَتْحِ بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ؟
كَلّا بَلْ هو القادِرُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي ﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا ﴿ خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَقْدُوراتِهِ ﴿ ولا أعْلَمُ ﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا أيْضًا ﴿ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ أيْ رُوحٌ مُجَرَّدٌ لا أحْتاجُ إلى طَعامٍ ولا شَرابٍ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ ﴿ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ولَهُ مُقامُ ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ .
و ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ ولَيْسَ لِطَيْرِ العَقْلِ طَيَرانٌ في ذَلِكَ الجَوِّ ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى ﴾ عَنْ نُورِ اللَّهِ تَعالى وإحاطَتِهِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وظُهُورِهِ بِما شاءَ حَسَبَ الحِكْمَةِ وعَدَمِ تَقَيُّدِهِ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَظاهِرِ ﴿ والبَصِيرُ ﴾ بِذَلِكَ فَيَتَكَلَّمُ في كُلِّ مَقامٍ بِمَقالِ ﴿ ولا تَطْرُدِ ﴾ أيْ لِأجْلِ التَّرْبِيَةِ والتَّهْذِيبِ والِامْتِحانِ ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الَّذِي أوْصَلَهم حَيْثُ أوْصَلَهم مِن مَعارِجِ الكَمالِ ﴿ بِالغَداةِ ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي الجِمالِ ﴿ والعَشِيِّ ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ أيْ يُرِيدُونَهُ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ويَطْلُبُونَ تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِقُلُوبِهِمْ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ حِسابِ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَوَلّى حِفْظَ قُلُوبِهِمْ وأمْطَرَ عَلَيْها سَحائِبَ عِنايَتِهِ فاهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ أُتِيَ بِهِ لِلْمُبالِغَةِ عَلى ما مَرَّ في العِبارَةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لا تَطْرُدِ السّالِكِينَ لِأجْلِ المَحْجُوبِينَ فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِ السّالِكِينَ أوِ المَحْجُوبِينَ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ يُعْرَفُ بِأدْنى التِفاتٍ ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ عَنِ الجُلُوسِ مَعَكَ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لَهم بِنَقْصِ حُقُوقِهِمْ وعَدَمِ القِيامِ بِرِعايَةِ شَأْنِهِمْ.
ومِنَ المُؤَوِّلِينَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الوَحْدَةِ أيْ لا تَزْجُرُ الواصِلِينَ الكامِلِينَ ولا تُنْذِرُهم فَإنَّ الإنْذارَ كَما لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهم لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ طاشُوا وتَلاشَوْا في اللَّهِ تَعالى وهُمُ الَّذِينَ يَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ دائِمًا بِحُضُورِ القَلْبِ وعَدَمِ مُشاهَدَةِ شَيْءٍ سِواهُ حَتّى ذَواتِهِمْ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ فِيما يَعْمَلُونَ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لا يَخُوضُونَ في أُمُورِ دَعْوَتِكَ بِنَصْرٍ وإعانَةٍ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ عَمَّنْ سِواهُ ودَوامِ حُضُورِهِمْ مَعَهُ ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن دَوامِ الحُضُورِ بِدَعْوَتِكَ لَهم لِشُغْلِ دِينِيٍّ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لِتَشْوِيشِكَ عَلَيْهِمْ أوْقاتَهم.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ ﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ ﴾ أيِ النّاسَ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿ بِبَعْضٍ ﴾ وهْمُ العارِفُونَ ﴿ لِيَقُولُوا ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ مُشِيرِينَ إلى العارِفِينَ مُسْتَحْقِرِينَ لَهم حَيْثُ لَمْ يَرَوْا مِنهم سِوى حالِهِمْ في الظّاهِرِ وفَقْرَهُمْ، ولَمْ يَرَوْا قَدْرَهم ومَرْتَبَتَهم وحُسْنَ حالِهِمْ في الباطِنِ؛ وغَرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ المالِ والجاهِ والتَّنَعُّمِ وخَفْضِ العَيْشِ ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أرادُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَشْكُرُونَهُ حَقَّ شُكْرِهِ فَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِعَظِيمِ جَوْدِهِ ﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ أيْ بِواسِطَتِها ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم أنْتَ أيُّها الوَسِيلَةُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا لِأنَّهم في مَقامِ الوَسائِطِ ولَوْ بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ أهْلِ المُشاهَدَةِ لِمَنَحَهم سُبْحانَهُ بِسَلامِهِ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا جاءَكَ ﴾ إلَخْ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ وما سِواهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُؤْمِنُ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ أنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ وكالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ.
ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ.
وهَذا شَرْحٌ إجْمالِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ.
ثُمَّأنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً بِحُصُولِ السَّلامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ بِشارَةٌ بِحُصُولِ الكَرامَةِ عُقَيْبَ تِلْكَ السَّلامَةِ.
أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخافاتِ ومَوْضِعِ التَّغَيُّراتِ والتَّبَدُّلاتِ، وأمّا الكَرامَةُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ القُدْسِيّاتِ والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ، انْتَهى.
وقالَ آخَرُ: الإشارَةُ إلى نَوْعٍ مِنَ السّالِكِينَ أيْ إذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا بِمَحْوِ صِفاتِهِمْ في صِفاتِنا ﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ لِتَنَزُّهِكم عَنْ عُيُوبِ صِفاتِكم وتَجَرُّدِكم عَنْ مَلابِسِها ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ ألْزَمْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ رَحْمَةً إبْدالِ صِفاتِكم بِصِفاتِهِ لَكم لِأنَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ خَلَفًا عَنْ كُلِّ ما فاتَ ﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ أيْ ظَهَرَ عَلَيْهِ في تَلْوِينِهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ بِغَيْبَةٍ أوْ غَفْلَةٍ ﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الصِّفَةِ بِأنْ رَجَعَ عَنْ تَلْوِينِهِ وفاءً إلى الحُضُورِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ أيْ ما ظَهَرَ مِنهُ بِالخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحانَهُ والرِّياضَةِ ﴿ فَأنَّهُ ﴾ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ غَفُورٌ ﴾ يَسْتُرُها عَنْهُ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ يَرْحَمُهُ بِهِبَةِ التَّمْكِينِ ونِعْمَةِ الِاسْتِقامَةِ ﴿ وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ نُبَيِّنُ لَكَ صِفاتِنا ﴿ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِصِفاتِهِمُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ لِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ.
واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ ﴾ أمْرٌ لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى خِطابِ المُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ إثْرَ ما أمَرَ بِمُعامَلَةِ مَن عَداهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ أيْ: قُلْ لَهم قَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ رُكُونِكَ إلَيْهِمْ وبَيانًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ هَوًى مَحْضًا وضَلالًا صِرْفًا؛ إنِّي صُرِفْتُ ومُنِعْتُ بِالأدِلَّةِ الحَقّانِيَّةِ والآياتِ القُرْآنِيَّةِ ﴿ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ ﴾ أيْ عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ ﴿ الَّذِينَ تَدْعُونَ ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم أوْ تُسَمُّونَهم آلِهَةً ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَواءً كانُوا ذَوِي عُقُولٍ أمْ لا وقَدْ يُقالُ المُرادُ بِهِمُ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ جَرْيًا عَلى زَعْمِهِمْ ﴿ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ اعْتِناءٌ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وإيذانًا بِاخْتِلافِ القَوْلَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ الأوَّلَ حِكايَةٌ لِما مَرَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِنَ النَّهْيِ، والثّانِي لِما مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنْ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ.
وفي هَذا القَوْلِ اسْتِجْهالٌ لَهم وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّهم فِيما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى تابِعُونَ لِأهْواءٍ باطِلَةٍ ولَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الدِّينُ أصْلًا وإشْعارٌ بِما يُوجِبُ النَّهْيَ والِانْتِهاءَ.
وفِيهِ -كَما قِيلَ- إشارَةٌ إلى عَدَمِ كِفايَةِ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ، وقِيلَ وهو في غايَةِ البُعْدِ: إنَّ المُرادَ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم في طَرْدِ المُؤْمِنِينَ ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ.
وهو اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِانْتِهائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ مُقَرِّرٌ لِكَوْنِهِ غايَةَ الضَّلالِ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (ضَلِلْتُ) بِكَسْرِ اللّامِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والفَتْحُ -كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ- هو الغالِبُ ﴿ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ 65 - عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى الاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ أيْ دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ؛ لا نَفْيَ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، والمُرادُ -كَما قِيلَ- وما أنا إذًا في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المَقُولَ لَهم كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ تَبْيِينٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وبَيانٌ لِاتِّباعِهِ إيّاهُ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ الَّذِي فِيهِ الكَفَرَةُ، وبَيانُ عَدَمِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ في وقْتِ مِنَ الأوْقاتِ.
والبَيِّنَةُ -كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ مِن بانَ يَبِينُ إذا ظَهَرَ أوِ الحُجَّةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ عَلى أنَّها مِنَ البَيْنُونَةِ أيِ الِانْفِصالُ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ -كَما قالَ الجَبائِيُّ- وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ إنِّي عَلى يَقِينٍ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها النُّبُوَّةُ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَتَفْسِيرِها بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ أوْ ما يَعُمُّها، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أنَّ ”بَيِّنَةٍ“ جَلِيلَةُ الشَّأْنَ ﴿ مِن رَبِّي ﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ.
ووَصَفَها بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْوِينُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) اتِّصالِيَّةً، وفي الكَلامِ مُضافٌ أيْ: بَيِّنَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّي، وقِيلَ: هي أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ ويُقَدَّرُ المُضافُ أيْضًا أيْ كائِنٌ عَلى بَيِّنَةٍ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ رَبِّي والأوَّلُ أظْهَرُ.
وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَنزِلَةَ ما لا يَخْفى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- جُمْلَةٌ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ في المَشْهُورِ جِيءَ بِها لِاسْتِقْباحِ مَضْمُونِها واسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مَعَ تَحَقُّقُ ما يَقْتَضِي عَدَمَهُ أوْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُمْ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها بِمَعْنى البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِرَبِّي عَلى مَعْنى إنِّي صَدَّقْتُ بِهِ ووَحَّدْتُهُ وأنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِهِ وأشْرَكْتُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ وهو عَدَمُ مَجِيءِ ما وعَدَ فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أوِ الإلْزامِ بِزَعْمِهِمْ (مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشَّرَكِ والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ فَقالَ لَهم: ﴿ ما عِنْدِي ﴾ إلَخْ، وكَأنَّ الكَلامَ مُبَيِّنٌ أيْضًا لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى نَهْيِ الرَّسُولِ عَنْهُ والإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ بِسَبَبِهِ أيْ لَيْسَ عِنْدِي ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ بِهِ وتَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ أوْ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى النَّهْيِ عَنْهُ والوَعِيدِ عَلَيْهِ في حُكْمِي وقُدْرَتِي حَتّى أجِيءَ بِهِ أيْ لَيْسَ أمْرُهُ مُفَوَّضًا إلَيَّ (إنِ الحُكْمُ) أيْ ما الحُكْمُ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ دَخَلٌ ما فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ في مُتَعَلِّقِ الحُكْمِ أيْ ما الحُكْمُ في ذَلِكَ تَأْخِيرًا أوْ تَعْجِيلًا أوْ ما الحُكْمُ في جَمِيعِ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (إنِ الحُكْمُ) إلَخْ، التَّأسُّفُ عَلى وُقُوعِ خِلافِ المَطْلُوبِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ اسْتِعْمالِهِ وهو عَلى التَّأْخِيرِ فَقَطْ (يَقُصُّ) أيْ يَتْبَعُ الحَقَّ والحِكْمَةَ فِيما يَحْكُمُ بِهِ ويُقَدِّرُهُ كائِنًا ما كانَ أوْ يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا مِن قَصِّ الأثَرِ أوِ الخَبَرِ وهو مِن قَبِيلِ التَّكْمِيلِ لِلْخاصِّ عَلى ما اخْتَرْناهُ بِإرْدافِهِ بِأمْرٍ عامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ (يَقْضِي) مِنَ القَضاءِ وحُذِفَتِ الياءُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ لا بِنَفْسِهِ فَنَصَبَ (الحَقَّ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ أيْ يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و(يَقْضِي) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى يُنْفِذُ أوْ هو مُتَعَدٍّ مِن قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها أيْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ كَقَوْلِ الهُذَلِيِّ: مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ.
وفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، واحْتَجَّ مُجاهِدٌ لِلْقِراءَةِ الأوْلى بِعَدَمِ الياءِ المُحْتاجِ إلَيْها في الثّانِيَةِ وقَدْ عَلِمْتَ فَسادَهُ واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِلثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ 75 - فَإنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ في القَضاءِ لا في القِصَصِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ في الآيَةِ لَقِيلَ: خَيْرُ القاصِّينَ.
وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ القَصَصَ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ وقَدْ جاءَ الفَصْلُ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ﴿ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ﴿ ونُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ عَلى أنَّكَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ إلى أنَّ القَصَّ هُنا قَدْ يُؤَوَّلُ بِلا تَكَلُّفٍ وبُعْدٍ إلى مَعْنى القَضاءِ.
وفِيِ إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ أصْلَ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ يَمْنَعُ الباطِلَ عَنْ مُعارَضَةِ الحَقِّ أوِ الخَصْمَ عَنِ التَّعَدِّي إلى صاحِبِهِ، وجُمْلَةُ ﴿ وهُوَ خَيْرُ ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشِيرٌ إلى أنَّ قَصَّ الحَقِّ هَهُنا بِطَرِيقٍ خاصٍّ هو الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فافْهَمْ واحْتَجَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ إلَخْ لِإفادَتِهِ الحَصْرَ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ وحَكَمَ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (يَقْضِي الحَقَّ) مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَقْضِي بِهِ فَهو الحَقُّ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ والمَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ﴾ أيْ في قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أيْ بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم إثْرَ اسْتِعْجالِكم.
وفي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ الَّذِي هو اللَّهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وتَهْوِيلِ الأمْرِ ومُراعاةِ حَسَنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: المَعْنى لَوْ كانَ ذَلِكَ في مُكْنَتِي لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي عَزَّ وجَلَّ وامْتِعاضًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ ولَتَخَلَّصْتُ مِنكم سَرِيعًا، ولا يُساعِدُهُ المَقامُ، ومِثْلُهُ حَمَلَ (ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) عَلى الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وقَضاءَ الأمْرِ عَلى قِيامِ السّاعَةِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ ﴾ أيْ بِحالِهِمْ وبِأنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإمْهالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ لِتَشْدِيدِ العَذابِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفَوِّضِ الأمْرَ إلَيَّ ولَمْ يَقْضِ بِتَعْجِيلِ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الامْتِناعِيَّةُ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِ أمْرِ العَذابِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَتْبَعِ لِانْتِفاءِ قَضاءِ الأمْرِ وتَعْلِيلٌ لَهُ وقِيلَ: هي في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ قَدَرْتُ أهْلَكْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يُهْلِكُ مِن غَيْرِهِ ولَهُ حِكْمَةٌ في عَدَمِ التَّمْكِينِ مِنهُ، وأيًّا ما كانَ فَلا حاجَةَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ وقْتَ عُقُوبَةِ الظّالِمِينَ، وهو كَما تَرى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ أيْ مَفاتِيحُهُ كَما قُرِئَ بِهِ؛ فَهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو كَمِفْتاحٍ آلَةِ الفَتْحِ، وقِيلَ: أنَّهُ جَمْعُ مِفْتاحٍ كَما قِيلَ في جَمْعِ مِحْرابٍ مَحارِبَ، والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الغَيْبَ بِالأشْياءِ المُسْتَوْثَقِ مِنها بِالأقْفالِ.
وأثْبَتَ لَهُ المَفاتِيحَ تَخْيِيلًا وهي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وجَعْلُها بِمَعْنى العِلْمِ قَرِينَةَ المُكْنِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً؛ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ تَكَلُّفُ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنْ يَعْتَبِرَ هُناكَ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً تَحْقِيقِيَّةً بِأنْ يُسْتَعارَ العِلْمُ لِلْمَفاتِحِ وتُجْعَلَ القَرِينَةُ الإضافَةَ إلى الغَيْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ: الخَزائِنُ فَهي حِينَئِذٍ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو المَخْزَنُ وجَوَّزَ الواحِدِيُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفَتْحِ ولَيْسَ بِالمُتَبادِرِ.
وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيِلِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.
والمُرادُ بِالغَيْبِ المُغَيَّباتُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ، والمَقْصُودُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو العالِمُ بِالمُغَيَّباتِ جَمِيعِها كَما هي ابْتِداءٌ، ﴿ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ مَفاتِحُ ﴾ ، والعامِلُ فِيها -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ أوْ نَفْسُهُ إنْ رُفِعْتَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والكَلامُ إمّا مَسُوقٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِ المَقْدُوراتِ الغَيْبِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ العِلْمِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ كُلِّها بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ القُدْرَةِ، والمَعْنى إنَّ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِي حَتّى أُلْزِمَكم بِتَعْجِيلِهِ ولا مَعْلُومًا لَدَيَّ حَتّى أُخْبِرَكم بِوَقْتِ نُزُولِهِ؛ بَلْ هو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قُدْرَةً وعِلْمًا فَيُنْزِلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ، وإمّا لِإثْباتِ العِلْمِ العامِّ لَهُ سُبْحانَهُ وهو عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ الخاصِّ وهو عِلْمُهُ بِالظّالِمِينَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَفاتِحِ الخَزائِنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ وتَلا ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ أوْلى، وما في الأخْبارِ يُحْمَلُ عَلى بَيانِ البَعْضِ المُهِمِّ لا عَلى دَعْوى الحَصْرِ إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّ ما عَدا الخَمْسِ مِنَ المُغَيَّباتِ لا يَعْلَمُهُ أيْضًا إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ ﴾ إلَخْ أوْ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها تَأْكِيدًا فَقَدْ مَنَعَهُ البَعْضُ لِأنَّ المَعْطُوفَ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ ولَوْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُغَيَّباتِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ والِاخْتِصاصِ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ مُتَغايِرانِ فَلا يُؤَكِّدُ أحَدُهُما الآخَرَ، نَعَمْ قِيلَ: مَن لَمْ يَجْعَلْها مُؤَكِّدَةً جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْها فَيَكُونُ الجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ لِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وشُمُولِهِ لا غَيْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ مُؤَكِّدًا لِاشْتِمالِهِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ لِأنَّ لَيْسَ تَوْكِيدًا اصْطِلاحِيًّا، والمُرادُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- بَيانُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُشاهَداتِ إثْرَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِالمُغَيَّباتِ تَكْمِلَةً لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سَواءٌ، والمُرادُ مِنَ (البَرِّ) الصَّحْراءُ، ومِنَ (البَحْرِ) خِلافُهُ، وفي القامُوسِ أنَّهُ الماءُ الكَثِيرُ أوِ المِلْحُ فَقَطْ ويُجْمَعُ وجَمْعُهُ أبْحُرٍ وبُحُورٍ وبِحارٍ وتَصْغِيرُهُ أُبَيْحِرٌ لا بُحَيْرٌ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالبَرِّ القِفارُ وبِالبَحْرِ كُلُّ قَرْيَةٍ فِيها ماءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مُفَصَّلَةً عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وتَكَثُّرِ أفْرادِها ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ أيْ وما تَسْقُطُ ورَقَةٌ مِن أيِّ شَجَرَةٍ كانَتْ إلّا عالِمًا بِها، فَـ (مِن) زائِدَةٌ في الفاعِلِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، وجاءَتِ الحالُ مِنَ النَّكِرَةِ لِاعْتِمادِها عَلى النَّفْيِ، والتَّفْرِيغُ في الحالِ شائِعٌ سائِغٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلنَّكِرَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ كَما قِيلَ لِبَيانِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ المُشاهَداتِ المُتَغَيِّرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِذَواتِها فَإنَّ تَخْصِيصَ حالِ السُّقُوطِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الإكْفاءِ بِذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ كَما أنَّ ذِكْرَ أحْوالِ الوَرَقَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها خاصَّةً دُونَ أحْوالِ سائِرِ ما في البَرِّ والبَحْرِ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّها أنَمُوذَجٌ لِأحْوالِ سائِرِها، قِيلَ: ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِحالِ السُّقُوطِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِغَيْرِها مِنَ الأحْوالِ لِشِدَّةِ مُلاءَمَتِها لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آيَةِ التَّوَفِّي، ولِأنَّ التَّغْيِيرَ فِيها أظْهَرُ فَهو أوْفَقُ بِما سِيقَتْ لَهُ الآيَةُ، وقِيلَ: لِأنَّ العِلْمَ بِالسُّقُوطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الأحْوالِ السّاقِطَةِ الَّتِي يُغْفَلُ عَنْها يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ المُعْتَنى بِها فَتَدَبَّرْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَتَغَيَّرُ ورَقَةٌ مِن حالٍ إلى حالٍ إلّا يَعْلَمُها ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ورَقَةٍ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ﴿ حَبَّةٍ ﴾ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ ظُهُورِ عِلْمِهِ تَعالى، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ الأرْضِ بُطُونُها وكَنّى بِالظُّلْمَةِ عَنِ البَطْنِ لِأنَّهُ لا يُدْرَكُ فِيهِ كَما لا يُدْرَكُ في الظُّلْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ ظُلُماتُ الأرْضِ ما تَحْتَ الصَّخْرَةِ في أسْفَلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ أوْ تَحْتَ حَجَرٍ أوْ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ورَقَةٍ ﴾ أيْضًا داخِلٌ مَعَها في حُكْمِها، والمُرادُ بِالرَّطْبِ واليابِسِ رَطْبٌ ويابِسٌ مِن شَأْنِهِما السُّقُوطُ كالثِّمارِ مَثَلًا لِاقْتِضاءِ العَطْفِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ 95 - كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ إلّا يَعْلَمُها لِأنَّ مَعْناها واحِدٌ في المَآلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُهُ تَعالى أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو مَحَلُّ مَعْلُوماتِهِ سُبْحانَهُ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأرادَ كَما قالَ السَّعْدُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَهو صِفَةٌ لِلْمَذْكُوراتِ كَما أنَّ ﴿ إلا يَعْلَمُها ﴾ صِفَةٌ لِوَرَقَةٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّ صِفَةَ شَيْءٍ كَيْفَ تَكُونُ تَكْرِيرًا لِصِفَةِ شَيْءٍ آخَرَ مَعْنًى وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ الوَرَقَةَ داخِلَةٌ في الرُّطَبِ واليابِسِ فَلا تَغايُرَ بِحَسْبِ المَعْنى فَيَصِحُّ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الكِتابُ بِالعِلْمِ وبَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ فُسِّرَ بِاللَّوْحِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقُرِئَ ولا حَبَّةٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ بِالرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ورَقَةٍ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ بِالأخِيرَيْنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِشُمُولِ الرَّطْبِ واليابِسِ حِينَئِذٍ لِما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السُّقُوطُ، وقَدْ جَعَلَهُما غَيْرُ واحِدٍ شامِلَيْنِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ لِأنَّ الأجْسامَ كُلَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ رَطْبَةً أوْ يابِسَةً ويَدْخُلَ في ذَلِكَ الحارِّ والبارِدِ، والمُرادُ مِن كُلٍّ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ لا مُصْطَلَحَ الأطِبّاءِ كَما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالرَّطْبِ ما يَنْبُتُ واليابِسِ ما لا يَنْبُتُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ الماءُ والثّانِيَ الثَّرى، ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ما يُفِيدُ العُمُومُ ولَعَلَّهُ الأوْلى بِالقَبُولِ، وقِيلَ: الرَّطْبُ الحَيُّ واليابِسُ المَيِّتُ ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الوَرَقَةُ السِّقْطُ والحَبَّةُ الوَلَدُ وظُلُماتُ الأرْضِ والرُّطَبُ ما يَحْيى واليابِسُ ما يَغِيضُ، وأنا أجِلُّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، ومِثْلُهُ في عَدَمِ التَّبادُرِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى شَجَرَةً تَحْتَ العَرْشِ لَيْسَ مَخْلُوقٌ إلّا لَهُ فِيها ورَقَةٌ فَإذا سَقَطَتْ ورَقَتُهُ خَرَجَتْ رُوحُهُ مِن جَسَدِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ ﴾ ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الكِتابِ بِاللَّوْحِ هو الَّذِي مَشى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الزَّجّاجُ فَقَدْ قالَ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ المَعْلُوماتِ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ ، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ مَقادِيرَ الخُلُقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ»، وفائِدَةُ ذَلِكَ أُمُورٌ: أحَدُها اعْتِبارُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوافِقاتُ المُحْدَثاتِ لِلْمَعْلُوماتِ الإلَهِيَّةِ، وثانِيهُما وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الحَسَنُ تَنْبِيهَ المُكَلَّفِينَ عَلى عَدَمِ إهْمالِ أحْوالِهِمُ المُشْتَمِلَةِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ الوَرَقَةَ والحَبَّةَ في الكِتابِ، وثالِثُها عَدَمُ تَغْيِيرِ المَوْجُوداتِ عَنِ التَّرْتِيبِ السّابِقِ في الكِتابِ، ولِذا جاءَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الكِتابُ يُسَمّى اللَّوْحَ المَحْفُوظَ لِحِفْظِهِ عَنِ التَّحْرِيفِ ووُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ أوْ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ بِناءً عَلى أنَّهُما إنَّما يَكُونانِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ دُونَهُ، والبَلْخِيُّ اخْتارَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ غَيْرُ مَنسِيٍّ ولا مَغْفُولٍ عَنْهُ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: ما تَصْنَعُهُ مَسْطُورٌ مَكْتُوبٌ عِنْدِي فَإنَّهُ إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ حافِظٌ لَهُ يُرِيدُ مُكافَأتَهُ عَلَيْهِ وأنْشُدُ لِذَلِكَ: إنَّ لِسَلْمى عِنْدَنا دِيوانًا وذَكَرَ الإمامُ هَهُنا ما سَمّاهُ دَقِيقَةً، وهو أنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ إلّا لِلْعُقَلاءِ الكامِلِينَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الإعْراضَ عَنْ قَضايا الحِسِّ والخَيالِ وألِفُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ وهم كالكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ مِن تِلْكَ القَضايا وحَيْثُ أُرِيدَ إيصالُها إلى كُلِّ عَقْلٍ لِأنَّ القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ، ذَكَرَ مِثالًا مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ تِلْكَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ المَعْقُولِ بِمُعاوَنَةِ هَذا المِثالِ المَحْسُوسِ مَفْهُومًا لِكُلِّ واحِدٍ فَذَكَرَ ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ لِيَكْشِفَ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ عِظَةِ المَعْقُولِ وقِدَمِ ذِكْرِ البَرِّ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ شاهَدَ أحْوالَهُ وكَثْرَةَ ما فِيهِ وأمّا البَحْرُ فَإحاطَةُ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ إلّا أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَ البِحارِ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ وما فِيها مِنَ الحَيْواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ فَإذا اسْتَحْضَرَ الخَيالُ مَعْلُوماتِ البَرِّ والبَحْرِ وعَرَفَ أنَّ مَجْمُوعَها حَقِيرٌ جَنْبِ ما دَخَلَ في دائِرَةِ عُمُومٍ، ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ يَصِيرُ ذَلِكَ مُقَوِّيًا ومُكَمِّلًا لِلْعَظَمَةِ الحاصِلَةِ تَحْتَ ذَلِكَ ثُمَّ كَشَفَ سُبْحانَهُ عَنْ عَظَمَةِ البَرِّ والبَحْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ يَسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والمَهالِكِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ كَمْ فِيها مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُ ورَقَةٍ إلّا والحَقُّ يَعْلَمُها ثُمَّ ذَكَرَ مِثالًا أشَدَّ هَيْبَةً وهو ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ إلَخْ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّةَ تَكُونُ في غايَةِ الصِّغَرِ، وظُلُماتُ الأرْضِ يَخْفى فِيها أكْبَرُ الأجْسامِ وأعْظَمُها فَإذا سَمِعَ العاقِلُ أنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ المُلْقاةَ في ظُلُماتِ الأرْضِ عَلى اتِّساعِها وعَظَمَتِها لا تَخْرُجُ مَن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ انْتَبَهَ غايَةَ الِانْتِباهِ وفازَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ بِالحَظِّ الأوْفَرِ مِنَ المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الآيَةِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَوِيَ ذَلِكَ المَعْقُولُ المَحْضُ المُجَرَّدُ بِذِكْرِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ المَحْسُوسَةِ عادَ إلى ذِكْرِ تِلْكَ القَضِيَّةِ بِعِبارَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ ﴾ فَإنَّهُ عَيَّنَ ما تَقَدَّمَ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في الآيَةِ فَلا تُغْفَلُ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ ونُسِبَتِ المُخالَفَةُ فِيهِ لِلْفَلاسِفَةِ، والحَقُّ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِها بِوَجْهٍ جُزْئِيٍّ، وهو بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ وكَذا بَحْثُ عِلْمِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ الرَّسائِلُ وصارَ مُعْتَرَكَ أفْهامِ الأواخِرِ والأوائِلِ، وسُبْحانَ مَن لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ أيْ يُنِيمُكم فِيهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ إحْساسِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ: والباطِنَةِ أيْضًا، وأصْلُهُ قَبَضَ الشَّيْءَ بِتَمامِهِ، ويُقالُ: تَوَفَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَوْفَيْتُهُ بِمَعْنًى، ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ وعَمِلْتُمْ فِيهِ مِنَ الإثْمِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ فَإنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، ولِهَذا أُوثِرَ يَتَوَفّاكم عَلى يُنِيمُكم ونَحْوِهِ، و ﴿ جَرَحْتُمْ ﴾ عَلى كَسَبْتُمُ ادِّخالًا لِلْمُخاطَبِينَ الكَفَرَةِ في جِنْسِ جَوارِحِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الخِطابَ عامًّا، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ الجِنْسُ المُتَحَقِّقُ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِما، إدْ بِالتَّوَفِّي والبَعْثِ المَوْجُودِينَ فِيهِما مُتَحَقِّقُ قَضاءِ الأجَلِ المُسَمّى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِما، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى كَما أشَرْنا إلَيْهِ والمُرادُ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ: عِلْمُهُ قَبْلَ الجَرْحِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَلى البَعْثِ أيْ يَعْلَمُ ما تَجْرَحُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ وتَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والجَرْحِ بِالنَّهارِ لِلْجَرْيِ عَلى السَّنَنِ المُعْتادِ وإلّا فَقَدَ يُعْكَسُ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ أيْ يُوقِظُكم في النَّهارِ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى أوْ مَجازٌ فِيهِ قَوْلانِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ إحْياءُ المَوْتى في الآخِرَةِ وجَعَلُوهُ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي وهو ظاهِرٌ جِدًّا عَلى المُتَبادِرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمُشَبَّهِ بِهِ، ويُقالُ غَيْرُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّرْشِيحِ اخْتِصاصُهُ بِالمُشَبَّهِ بِهِ بَلْ أنْ يَكُونَ أخَصَّ بِهِ بِوَجْهٍ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ والبَعْثُ في المَوْتى أقْوى لِأنَّ عَدَمَ الإحْساسِ فِيهِ كَذَلِكَ فَإزالَتُهُ أشُدُّ، وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا أنَّ التَّرْشِيحَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وتَوْسِيطُ (ويَعْلَمُ) إلَخْ بَيْنَهُما لِبَيانِ ما في بَعْثِكم مِن عَظِيمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَكْسِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ إبْقاءَهم عَلى التَّوَفِّي بَلْ إهْلاكَهم بِالمَرَّةِ يَفِيضُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحَياةَ ويُمْهِلُهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ التَّراخِي كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يَتَوَفّاكم في جِنْسِ اللَّيالِي ثُمَّ يَبْعَثُكم في جِنْسِ الأنْهُرِ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما تَرْتَكِبُونَ فِيها ﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ فَرْدِ وهو أجَلُ بَقائِهِ في الدُّنْيا، وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (فِيهِ) جارِيًا مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ عائِدًا عَلى مَضْمُونِ كَوْنِهِمْ مُتَوَفَّيْنَ وكاسِبِينَ و(فِي) بِمَعْنى لامِ العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، والأجَلُ المُسَمّى هو الكَوْنُ في القُبُورِ أيْ ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ لِيُقْضى الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ سُبْحانَهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والجَبائِيُّ وغالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو عَرِيٌ عَنِ التَّكَلُّفِ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ وزَعْمُ بَعْضِهِمْ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ دالٌّ عَلى حالِ اليَقَظَةِ وكَسْبِهِمْ فِيها، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تَقْتَضِي تَأْخِيرَ البَعْثِ عَنْها فَلِهَذا عَدَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما عَدَلَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ويَعْلَمُ) إلَخْ إشارَةٌ إلى ما كَسَبَ في النَّهارِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ اللَّيْلِ، والواوُ لِلْحالِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإيقاظِ مِن هَذا التَّوَفِّي وأنَّ الإيقاظَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّوَفِّي وأنَّ قَوْلَنا: يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّوَفِّي لِتُقْضى مُدَّةُ الحَياةِ المُقَدَّرَةِ؛ كَلامٌ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا أيْضًا مَعَ أنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا شُذُوذًا أوْ ضَرُورَةً في المَشْهُورِ، ووَجَّهُ سِنانُ التَّراخِيَ المُفادَ بِـ (ثُمَّ) بِأنَّ حَقِيقَةَ الإماتَةِ في اللَّيْلِ تَتَحَقَّقُ في أوَّلِهِ والإيقاظَ مُتَراخٍ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَتَراخَ عَنْ جَماعَتِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِتَوْسِيطِ ﴿ ويَعْلَمُ ﴾ إلَخْ بَيْنَهُما وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أيْ رُجُوعُكم ومَصِيرُكم بِالمَوْتِ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ 60 - بِالمُجازاةِ بِأعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ داوَمْتُمْ عَلى عَمَلِها في الدُّنْيا
﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَحُولُ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ فِيها، و(فَوْقَ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَبْسُوطًا فِيما لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ أوِ المُعَقِّباتُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الصِّنْفَيْنِ، ويُقَدَّرُ المَحْفُوظُ الأعْمالَ والأنْفُسَ والأعَمَّ.
وعَنْ قَتادَةَ: يَحْفَظُونَ العَمَلَ والرِّزْقَ والأجَلَ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ المَعْنى الأوَّلَ في الحَفَظَةِ، وهم عِنْدَ بَعْضٍ يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ: ﴿ مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ وجاءَ في الأثَرِ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالتَّبَسُّمِ؛ والكَبِيرَةِ بِالضَّحِكِ و ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ وقالَ آخَرُونَ: لا يَكْتُبُونَ المُباحاتِ إذْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها شَيْءٌ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ؛ فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةِ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ لِتَنْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُما عَلى الكَتِفَيْنِ، وقِيلَ: عَلى الذَّقَنِ، وقِيلَ: في الفَمِ يَمِينِهِ ويَسارِهِ.
واللّازِمُ الإيمانُ بِهِما دُونَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِما والبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ كِتابَتِهِما، وظَواهِرُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ وأمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ كالإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا فَلَيْسَ في الظَّواهِرِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، والأخْبارُ بَعْضُها يَدُلُّ عَلى الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا هَمَّ العَبْدُ بِحَسَنَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً» فَإنَّ الهَمَّ مِن أعْمالِ القَلْبِ كالإيمانِ والكُفْرِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُجاءُ بِالأعْمالِ في صُحُفٍ مُحْكَمَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى اقْبَلُوا هَذا ورُدُّوا هَذا فَتَقُولُ المَلائِكَةُ وعَزَّتِكَ ما كَتَبْنا إلّا ما عَمِلَ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّ عَمَلَهُ كانَ لِغَيْرِي وإنِّي لا أقْبَلُ اليَوْمَ إلّا ما كانَ لِوَجْهِي»، وفي رِوايَةٍ مُرْسَلَةٍ لِابْنِ المُبارَكِ «إنَّ المَلائِكَةَ يَرْفَعُونَ أعْمالَ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيَسْتَكْثِرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ في عَمَلِهِ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ» الحَدِيثَ.
والقائِلُ بِأنَّهم لا يَكْتُبُونَ إلّا الأعْمالَ الظّاهِرَةَ يَقُولُ: مَعْنى -كُتِبَتْ- في حَدِيثِ الهَمِّ بِالحَسَنَةِ ثَبَتَتْ عِنْدَنا وتَحَقَّقَتْ لا كُتِبَتْ في صُحُفِ المَلائِكَةِ والقائِلُ بِأنَّهم يَكْتُبُونَ الأعْمالَ القَلْبِيَّةَ يَقُولُ بِاسْتِثْناءِ الرِّياءِ فَيَكْتُبُونَ العَمَلَ دُونَهُ ويُخْفِيهِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِيُبْطِلَ سُبْحانَهُ عَمَلَ المُرائِي بَعْدَ كِتابَتِهِ إمّا في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا زِيادَةً في تَنْكِيلِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِ، ولَعَلَّ هَذا كَما يُفْعَلُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مَن رَدَّهُ إلى النّارِ بَعْدَ تَقْرِيبِهِ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ «أنَّهُ يُؤْمَرُ بِناسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنها واسْتَنْشَقُوا رِيحَها ونَظَرُوا قُصُورَها وإلى ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِمِثْلِها فَيَقُولُونَ: رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا مِن ثَوابِكَ وما أعْدَدْتَ فِيها لِأوْلِيائِكَ كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكم يا أشْقِياءُ كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينَ تُراؤُونَ النّاسَ بِأعْمالِكم خِلافَ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكم هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي وتَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتَرُكُوا لِي فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ عَلى ما حُرِمْتُمْ مِنَ الثَّوابِ،» والكُلُّ ُعِنْدِي مُحْتَمَلٌ ولا قَطْعَ فَتَدَبَّرْ واخْتَلَفُوا في أنَّ الحَفَظَةَ هَلْ يَتَجَدَّدُونَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أمْ لا؟
فَقِيلَ: إنَّهم يَتَجَدَّدُونَ ومَلائِكَةُ اللَّيْلِ غَيْرُ مَلائِكَةِ النَّهارِ دائِمًا إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ يَذْهَبُونَ فَتَأْتِي مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إذا جاءَ اللَّيْلُ ذَهَبُوا ونَزَلَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ الأوَّلُونَ لا غَيْرُهم وهَكَذا، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ الحَسَناتِ يَتَجَدَّدُونَ دُونَ مَلائِكَةِ السَّيِّئاتِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى.
واخْتُلِفَ في مَقَرِّهِمْ بَعْدَ مَوْتِ المُكَلَّفِ؛ فَقِيلَ: يَرْجِعُونَ مُطْلَقًا إلى مَعابِدِهِمْ في السَّماءِ، وقِيلَ: يَبْقَوْنَ حِذاءَ قَبْرِ المُؤْمِنِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يَقُومَ مِن قَبْرِهِ.
وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ كاتِبَ الحَسَناتِ لا يَنْحَصِرُ في واحِدٍ لِحَدِيثِ " «رَأيْتُ كَذا وكَذا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكْتُبُها أوَّلُ» والحِكْمَةُ في هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُحْفَظُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنْ تَعاطِي المَعاصِي والقَبائِحِ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى سَتْرِهِ وعَفْوِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الإمامِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ في الكِتابَةِ أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلافِ وزْنِ الصَّحائِفِ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِوَزْنِ الصَّحائِفِ أنْفُسِها قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، هَذا (ويُرْسِلُ) إمّا مُسْتَأْنَفٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (القاهِرُ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي يَقْهَرُ، وعَطْفُهُ -كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ- عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ المُضارَعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كاحْتِمالِ جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (القاهِرُ) أوْ في الظَّرْفِ لِأنَّ الواوَ الحالِيَّةَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ، وتَقْدِيرُ المُبْتَدَإ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الشُّذُوذِ عَلى الصَّحِيحِ، ﴿ وعَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُرْسِلُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ حَفَظَةً ﴾ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ كائِنِينَ عَلَيْكُمْ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ حَفَظَةً ﴾ وهو جَمْعُ حافِظٍ كَكَتَبَةٍ وكاتِبٍ و(حَتّى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ وهي مَعَ ذَلِكَ تَجْعَلُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ غايَةً لِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً يَحْفَظُونَ ما يَحْفَظُونَ مِنكم مُدَّةَ حَياتِكم حَتّى إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ أحَدِكم وجاءَ أسْبابُ المَوْتِ ومَبادِيهِ ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ الآخَرُونَ المُفَوَّضُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ وانْتَهى هُناكَ حِفْظُ الحَفَظَةِ، والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجْناهُ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَهُ رُسُلٌ يُباشِرُونَ قَبْضَ الأرْواحِ ثُمَّ يَدْفَعُونَها إلى مَلَكِ المَوْتِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الَّذِي يَلِي ذَلِكَ ثُمَّ يَدْفَعُ الرُّوحَ إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً إلى مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَتْ كافِرَةً إلى مَلائِكَةِ العَذابِ.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُباشِرَ مَلَكُ المَوْتِ ولَهُ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المُباشِرِ والمُعاوِنِ مَعًا مَجازٌ كَما يُقالُ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ جاءَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى مَلَكِ المَوْتِ فَقَطْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُباشِرُ وإلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ الحَقِيقِيُّ.
وقَدْ أشَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم قالَ: أنَّ المُتَوَفِّيَ تارَةً يَكُونُ هُوَ اللَّهَ تَعالى بِلا واسِطَةٍ وتارَةً المَلَكُ وتارَةً الرُّسُلُ وغَيْرُهُ وذَلِكَ حَسَبَ اخْتِلافِ أحْوالِ المُتَوَفّى.
وعَنِ الزَّجّاجِ وهو غَرِيبٌ أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ هُنا الحَفَظَةُ فَيَكُونُ المَعْنى: يُرْسِلُهم لِلْحِفْظِ في الحَياةِ والتَّوَفِّي عِنْدَ مَجِيءِ المَماتِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (تَوَفّاهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ.
وقُرِئَ في الشَّواذِّ (تَتَوَفّاهُ ﴿ وهُمْ ﴾ أيِ الرُّسُلُ ﴿ لا يُفَرِّطُونَ ﴾ 16 - بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ وقَرَأ الأعْرَجُ (يُفْرِطُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مَنَ الإفْراطِ.
وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ وتَكُونُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ أيْ لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن (رُسُلُنا)، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ اعْتِنائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ رُدُّوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَوَفَّتْهُ ﴾ والضَّمِيرُ -كَما قِيلَ- لِلْكُلِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدٍ وهو السِّرُّ في مَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ آخِرًا لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الانْفِرادِ والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ فِيهِ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ومِنَ المُتَكَلِّمِ إلَيْها لِأنَّ الرَّدَّ يُناسِبُهُ الغَيْبَةُ بِلا شُبْهَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ حَقِيقَةً لِأنَّهم ما خَرَجُوا مِن قَبْضَةِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَقَلَ الإمامُ القَوْلَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ أيْ أنَّهم يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ، والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، المُرادُ ﴿ ثُمَّ رُدُّوا ﴾ بَعْدَ البَعْثِ والحَشْرِ أوْ مِنَ البَرْزَخِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ العَرْضِ والسُّؤالِ ﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي أُمُورَهم عَلى الِإطْلاقِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ لِأنَّ المَوْلى فِيهِ بِمَعْنى النّاصِرِ (الحَقِّ) أيِ العَدْلِ أوْ مُظْهِرِ الحَقِّ أوِ الصّادِقِ الوَعْدِ وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ الحَقَّ مُقابِلُ الباطِلِ وكُلَّ ما يُخْبَرُ عَنْهُ فَإمّا باطِلٌ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مِن وجْهٍ، فالمُمْتَنِعُ بِذاتِهِ هو الباطِلُ مُطْلَقًا والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، والمُمْكِنُ بِذاتِهِ الواجِبُ بِغَيْرِهِ حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مَن وجْهٍ، فَمِن حَيْثُ ذاتِهِ لا وُجُودَ لَهُ فَهو باطِلٌ ومِن جِهَةِ غَيْرِهِ مُسْتَفِيدٌ لِلْوُجُودِ فَهو حَقٌّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي مُفِيدَ الوُجُودِ، فَمَعْنى الحَقَّ المُطْلَقِ هو المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ بِذاتِهِ الَّذِي مِنهُ يُؤْخَذُ كُلُّ حَقِيقَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو مُرادُ القائِلِ إنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الباقِي الَّذِي لا فَناءَ لَهُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ لَفْظَ المَوْلى والوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ القُرْبِ وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ ويُطْلَقُ المَوْلى أيْضًا عَلى المُعَتَّقِ، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي“، وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبِيدِ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ وأيْضًا قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِهِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ انْتَهى، وهو كَما تَرى وادَّعى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ لِأنَّ صَرِيحَها يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَنْهُما بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مُطِيعًا لِقَضائِهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيهِ فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ أمّا المَوْتُ فَنَصِيبُ البَدَنِ فَتَبْقى الحَياةُ نَصِيبَ الرُّوحِ، ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ رُدُّوا ﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو الرُّوحُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هي وهو المَطْلُوبُ، وكَذا تُشْعِرُ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ أيِ الرَّدِّ الحَقِّ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ المُرادُ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَوْمَئِذٍ صُورَةً ومَعْنًى لا لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُكْمٌ وهو أخْذُ الثَّوابِ وهو يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الحَصْرِ ﴿ وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ 26 - يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِنَفْسِهِ في أسْرَعِ زَمانٍ وأقْصَرِهِ، ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا يَشْغَلَهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الكُلَّ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ بَلْ يَأْمُرُ سُبْحانَهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيُحاسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم واحِدًا مِنَ العِبادِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنَّما يُحاسِبُ المُؤْمِنِينَ بِنَفْسِهِ وأمّا الكُفّارُ فَتُحاسِبُهُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَهم لَتَكَلَّمَ مَعَهم وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِمْ: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِما يَنْفَعُهم فَإنَّ ظَواهِرَ الآياتِ ومِنها ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ تَدَلُّ عَلى تَكْلِيمِهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الحِسابِ مِمّا لا يُحِيطُ بِتَفْصِيلِها عُقُولُ البَشَرِ مِن طَرِيقِ الكُفْرِ أصْلًا، ولَيْسَ لَنا إلّا الإيمانُ بِهِ مَعَ تَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ وتَفْصِيلِها إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وادَّعى الفَلاسِفَةُ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها يُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ إنَّ الأفْعالَ الصّادِرَةَ مِنَ اليَدِ هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ وكَذَلِكَ الأفْعال الصّادِرَةِ مِنَ الرِّجِلِ فَتَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً عَلى الإنْسانِ بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ ذَلِكَ الصُّدُورُ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ بِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ في جَواهِرِ النَّفْسِ، وأمّا الحِسابُ فالمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِعْلامُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا كانَ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ الأعْمالِ أثَرٌ حَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ حَسَبَ حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها مُعارَضًا بِالبَعْضِ وبَعْدَ حُصُولِ المُعارَضَةِ يَبْقى في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الذَّمِيمِ فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ فَيُقْطَعُ فِيهِ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ فَعُبِّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وزَعَمَ مَن نَقَلَ عَنْهم أنَّهُ مِن تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، وأنا أقُولُ: راحَتْ مُشْرِقَةً ورُحْتَ مَغْرِبًا شَتّانَ بَيْنِ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ أيْ قُلْ لَهم تَقْرِيرًا بِانْحِطاطِ شُرَكائِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُهِيَّةِ، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَدائِدُهُما وأهْوالُهُما الَّتِي تُبْطِلُ الحَواسَّ وتُدْهِشُ العُقُولَ، والعَرَبُ كَما قالَ الزَّجّاجُ تَقُولُ لِلْيَوْمِ الَّذِي يُلْقى فِيهِ شِدَّةٌ يَوْمٌ مُظْلِمٌ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيْ أنَّهُ يَوْمٌ قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ في ظُلْمَتِهِ، وأُنْشِدَ: بَنِي أُسْدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ، ومِنَ الأمْثالِ القَدِيمَةِ رَأى الكَواكِبَ ظُهْرًا أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ أبْصَرَ النَّجْمَ نَهارًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: إنْ تُنَوِّلْهُ فَقَدْ تَمْنَعُهُ ∗∗∗ وتَرَيْهِ النَّجْمَ يَجْرِي بِالظُّهُرِ، وقِيلَ: المُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ البَحْرِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ البَرِّ بِالخَسْفِ فِيهِ وظُلْمَةُ البَحْرِ بِالغَرَقِ فِيهِ، والظُّلُماتُ عَلى الأوَّلِ كَما قِيلَ اسْتِعارَةٌ وعَلى الأخِيرَيْنِ حَقِيقَةً ومِنهم مَن جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الخَسْفِ والغَرَقِ، والكَلامُ في الكِنايَةِ مَعْلُومٌ، ومَن جَوَّزَ جَمْعَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَّرَ الظُّلُماتِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ والغَيْمِ والبَحْرِ والتِّيهِ والخَوْفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وسَهْلٌ (يُنْجِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ والمَعْنى واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (يُنَجِّيكُمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والضَّمِيرُ لِمَن أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِكم داعِينَ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِهِ مَدْعُوًّا مِن جِهَتِكم ﴿ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ أيْ إعْلانًا وإسْرارًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنِ فَنَصَبَها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: بِنَزْعِ الخافِضِ، والإعْلانُ والإسْرارُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ والقَلْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ خِفْيَةً بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كالأُسْوَةِ والإسْوَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَئِنْ أنْجانا ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْضًا أيْ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا والكُوفِيُّونَ يَحْكُونَ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ كَتَدْعُونَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ والصَّحِيحُ التَّقْدِيرُ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿ أنْجانا ﴾ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ مُراعاةً لِتَدْعُونَهُ دُونَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ في حالَةِ الدُّعاءِ غَيْرَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ بِالتَّفْخِيمِ والباقُونَ بِالإمالَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن هَذِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما هم فِيها المُعَبَّرِ عَنْها بِالظُّلُماتِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ 36 - أيِ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ المُداوِمِينَ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ أوْ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ أيْ غَمٍّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ.
والمُرادُ بِهِ إمّا ما يَعُمُّ ما تَقَدَّمَ، والتَّعْمِيمُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَثِيرٌ أوْ ما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ العَوارِضِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي لا تَتَناهى كالأمْراضِ والأسْقامِ، وأُمِرَ بِالجَوابِ مَعَ كَوْنِهِ مِن وظائِفِهِمْ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ أوْ لِلْإهانَةِ لَهم مَعَ بِناءِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ 46 - عَلَيْهِ أيِ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ يُنْجِيكم مِمّا تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ ومِن غَيْرِهِ ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ما تُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ.
ووَضَعَ (تُشْرِكُونَ) مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ الَّذِي هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِوَعْدِهِمُ السّابِقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ 180 - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا إذِ التَّوْحِيدُ مَلاكُ الأمْرِ وأساسُ العِبادَةِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ بِأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يُنْجِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما أفادَهُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ أشْرَكُوا ولَمْ يَخُصُّوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ فَذَكَرَ الإشْراكَ في مَوْقِعِهِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لَيْسَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِكَمالِ البُعْدِ بَيْنَ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وعِصْيانِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِبْعادِ الشِّرْكِ نَفْسِهِ وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (يُنَجِّيكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿ هُوَ القادِرُ ﴾ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿ عَلى أنْ يَبْعَثَ ﴾ أيْ يُرْسِلُ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَذابًا ﴾ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَبْعُوثِ مِمّا يَضُرُّهم ولِتَهْوِيلِ أمْرِ المُؤَخَّرِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إلْقائِهِمْ في المَهالِكِ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنَجِّي لَهم مِنها، وفِيهِ وعِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِالعَذابِ لِإشْراكِهِمُ المَذْكُورُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَذابًا عَظِيمًا ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ كالصَّيْحَةِ والحِجارَةِ والرِّيحِ وإرْسالِ السَّماءِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ السِّفْلِ كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ والإغْراقِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (مِن فَوْقِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ أُمَرائِكم وأشْرافِكم و(ومِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِأئِمَّةِ السُّوءِ والثّانِي بِخَدَمِ السُّوءِ، والمُتَبادَرُ ما قَدَّمْنا وهو المَرْوِيُّ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَذابٍ.
و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَلا مَنعَ لِما كانَ مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ أوْ يَلْبِسَكُمْ ﴾ أيْ يَخْلِطَ أمْرَكم عَلَيْكم فَفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ، وخَلْطُ أمْرِهِمْ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم مُخْتَلِفِي الأهْواءِ، وقِيلَ: المُرادُ اخْتِلاطُ النّاسِ في القِتالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَلا تَقْدِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ السِّلْمِيِّ: وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي وقُرِئَ (يُلْبِسَكُمْ) بِضَمِّ الياءِ وهو عَطْفٌ عَلى (يَبْعَثَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شِيَعًا ﴾ جَمْعُ شِيعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهم قَوْمٌ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ، نُصِبَ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِـ ﴿ يَلْبِسَكُمْ ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حالًا أيْضًا أيْ مُخْتَلِفِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ عُطِفَ عَلى (يَبْعَثَ) كَما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَلْبِسَ) وهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ أوْ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ.
وقُرِئَ (نُذِيقَ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ والمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.
والبَعْضُ الأوَّلُ -عَلى ما قِيلَ- الكافِرُ والثّانِي المُؤْمِنُونَ فَفِيهِ حِينَئِذٍ وعْدٌ ووَعِيدٌ وقِيلَ: كِلا البَعْضَيْنِ مِنَ الكُفّارِ أيْ نُذِيقُ كُلًّا بَأْسَ الآخَرِ، وقِيلَ: البَعْضانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ ﴾ إلَخْ هَذا لِلْمُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَسَنِ أنَّ هَذا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ويَقَعُ فِيهِمْ دُونَ الأوَّلِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَ النَّبِيُّ فَتَوَضَّأ فَسَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ولا يَلْبِسَ أُمَّتَهُ شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ كَما أذاقَ بَنِي إسْرائِيلَ فَهَبَطَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ سَألْتَ رَبَّكَ أرْبَعًا فَأعْطاكَ اثْنَتَيْنِ ومَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ؛ لَنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ مِن فَوْقِهِمْ ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ يَسْتَأْصِلُهم فَإنَّهُما عَذابانِ لِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتَجْمَعَتْ عَلى تَكْذِيبِ نَبِيِّها ورَدِّ كِتابِ رَبِّها ولَكِنَّهم يُلْبَسُونَ شِيَعًا ويُذِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ، وهَذانَ عَذابانِ لِأهْلِ الإقْرارِ بِالكُتُبِ والتَّصْدِيقِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ ثَوْبانَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ”إنَّ رَبِّي زَوى لِيَ الأرْضَ حَتّى رَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأعْطانِي الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها وإنِّي سَألْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أنَّهُ لا يُهْلِكُها بِسَنَةٍ عامَّةٍ فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً لَمْ يُرَدُّ إنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَها بِسَنَةٍ عامَّةٍ ولا أُظْهِرُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهم عامَّةً ولَوِ اجْتَمَعَ مَن بَيْنَ أقْطارِها حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم هو يُهْلِكُ بَعْضًا وبَعْضُهم هو يَسْبِي بَعْضًا»“ الحَدِيثَ وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «سَألْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأعْطانِي ثَلاثًا ومَنَعَنِي واحِدَةً سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَهم بِالسِّنِينَ كَما أُهْلِكَتِ الأُمَمُ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَّ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها» " والأخْبارُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ اللَّبْسِ والإذاقَةِ أمْرًا واحِدًا وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ، ومِن هُنا نَشَأ الِاخْتِلافُ السّابِقُ في العَطْفِ، وأيَّدَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى (يَلْبِسَ) لا عَلى (يَبْعَثَ) بِكَوْنِهِ بِالواوِ دُونَ أوْ.ولا يُعارِضُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الأوَّلَيْنِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا أنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ وكَذا ما أخْرَجَ الأوَّلُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُنَّ أرْبَعٌ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالوُقُوعِ وُقُوعٌ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وبِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وكَلامُ الحَسَنِ كالصَّرِيحِ في هَذا فافْهَمْ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ أيْ نُحَوِّلُها مِن نَوْعٍ إلى آخَرٍ مِن أنْواعِ الكَلامِ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى وتَقْرِيبًا إلى الفَهْمِ أوْ نُصَرِّفُها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ 56 - أيْ كَيْ يَعْلَمُوا جَلِيَّةَ الأمْرِ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وقالَ بَعْضُ الحَشْوِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ: إنَّها مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِما أنَّ في ذَلِكَ فَتْحَ بابِ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ المَذْمُومِ بِحُكْمِ الآيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَّبَ بِهِ ﴾ أيِ القُرْآنِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِتَصْرِيفِ الآياتِ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والبَلْخِيُّ، وقِيلَ: هو لِلْعَذابِ واخْتارَهُ غالِبُ المُفَسِّرِينَ ﴿ قَوْمُكَ ﴾ أيْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: هم وسائِرُ العَرَبِ.
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ المُعانِدُونَ مِنهُمْ، وقِيلَ: ولَعَلَّ إيرادَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يَقْضِي بِغايَةِ عُتُوُّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿ وهُوَ الحَقُّ ﴾ أيِ الكِتابُ الصّادِقُ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ لا رَيْبَ فِيهِ أوِ المُتَحَقِّقُ الدَّلالَةِ أوِ الواقِعُ لا مَحالَةَ.
والواوُ حالِيَّةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وقِيلَ: الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ وبَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ.
وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ ونِهايَةِ قُبْحِها ﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ 66 - أيْ بِمُوَكَّلٍ فُوِّضَ أمْرُكم إلَيَّ أحْفَظُ أعْمالَكم لِأُجازِيَكم بِها ﴿ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ﴾ ولَمْ آلُ جَهْدًا في الإنْذارِ واللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُجازِي؛ قالَ الحَسَنُ وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ إنِّي لَمْ أُومَرْ بِحَرْبِكم ومَنعِكم عَنِ التَّكْذِيبِ.
وفي مَعْناهُ ما نُقِلَ عَنِ الجَبائِيِّ.
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ ولا بُعْدَ في ذَلِكَ عَلى المَعْنى الثّانِي <div class="verse-tafsir"
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ أيْ لِكُلٍّ يُنَبَّأُ بِهِ مِنَ الأنْباءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَذابُكم أوْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ مَجِيئِهِ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ البَتَّةَ أوْ وقْتُ اسْتِقْرارِهِ بِوُقُوعِ مَدْلُولِهِ ولَيْسَ مَصْدَرًا مِيمِيًا وسَوْفَ تَعْلَمُونَ 76 - أيْ حال نَبَئِكم في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيها مَعًا وسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم في أنْدِيَتِهِمْ وهُمُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، وعَنْ مُجاهِدِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّ دَيْدَنُهم ذَلِكَ أيْضًا ولِذا أُتِيَ بِإذا الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ وهَذا بِخِلافِ النِّسْيانِ الآتِي، وأصْلُ الخَوْضِ مِن خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ وتَخاوَضُوا إذا تَفاوَضُوا فِيهِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الخَوْضُ التَّخْلِيطُ في المُفاوَضَةِ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ واللَّعِبِ وتَرْكِ التَّفَهُّمِ والتَّبْيِينِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْنى الخَوْضِ عُبُورُ الماءِ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُضِ في الأُمُورِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيِ اتْرُكْهم ولا تُجالِسْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ أيْ كَلامٍ غَيْرِهِ أيْ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا فَإنَّ وصَفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، والمُرادُ بِالخَوْضِ هُنا التَّفاوُضُ لا بِقَيْدِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المَعْنى حَتّى يَشْتَغِلُوا بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ وأنَّ ذِكْرَ (يَخُوضُوا) لِلْمُشاكَلَةِ واسْتَظْهَرَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الخَوْضِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ لِحُرْمَةِ القُعُودِ مَعَ الخائِضِ كُلَّما خاضَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّكْرارَ لَيْسَ مِن (إذا) بَلْ مِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ واسْتِدْلالُ بَعْضِ الحَشَوِيَّةِ بِها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ زاعِمًا أنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ﴿ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنْهم فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لَمْ يَقَعْ وأنّى لِلشَّيْطانِ سَبِيلٌ إلى إشْغالِ رَسُولِ اللَّهِ ولِذا عُبِّرَ بِـ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ المَزِيدَةِ ما بَعْدَها وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخِطابَ هُنا وفِيما قَبْلُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِغَيْرِهِ ابْتِداءً أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ وإنْ أنْساكَ أيُّها السّامِعُ، والمَشْهُورُ عَنِ الرّافِضَةِ اخْتِيارُ أنَّ النَّبِيَّ مُنَزَّهٌ عَنِ النِّسْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ وإنَّ غَيْرَهم ذَهَبَ إلى جَوازِهِ وعَلى نِسْبَةِ الأوَّلِ إلَيْهِمْ نَصَّ صاحِبُ الأحْكامِ والجَبائِيُّ وغَيْرُهُما، وقالَ الأخِيرُ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلُ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والَّذِي وقَفْتُ عَلَيْهِ في مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النِّسْيانَ وكَذا السَّهْوَ عَنِ النَّبِيِّ وكَذا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القُرْآنِ والوَحْيِ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَنْساهُ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى إخْلالٍ بِالدِّينِ وأنا ما أرى أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ النِّسْيانُ الَّذِي لا يَكُونُ مَنشَؤُهُ اشْتِغالَ السِّرِّ بِالوَساوِسِ والخَطَراتِ الشَّيْطانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ مُؤْمِنٌ في اسْتِحالَتِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى ما في مُعْتَبَراتِ كُتُبِنا أنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَماءِ جَوازُ النِّسْيانِ عَلَيْهِ في أحْكامِ الشَّرْعِ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ والأحادِيثِ لَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ قالَ الأكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ تَنَبُّهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفَوْرِ مُتَّصِلًا بِالحادِثَةِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ، وجَوَّزَتْ طائِفَةٌ تَأْخِيرَهُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ ومَنَعَتْ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ في الأفْعالِ البَلاغِيَّةِ والعِباداتِ كَما أجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ واسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ وأجابُوا عَنِ الظَّواهِرِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ وإلَيْهِ مالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيُّ وصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الأوَّلَ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي النُّبُوَّةَ، وإذا لَمْ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ مَفْسَدَةٌ ولا يُنافِي الأمْرَ بِالِاتِّباعِ بَلْ يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ وهو بَيانُ أحْكامِ النّاسِي وتَقَرُّرِ الأحْكامِ وذَكَرَ القاضِي أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في جَوازِ السَّهْوِ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالبَلاغِ وبَيانِ أحْكامِ الشَّرْعِ مِن أفْعالِهِ وعاداتِهِ وأذْكارِ قَلْبِهِ فَجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ فَأجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ كَما أجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ تَعَمُّدِهِ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وفِيما لَيْسَ سَبِيلُهُ البَلاغَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ ولا أخْبارِ القِيامَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها ولا يُضافُ إلى وحْيٍ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ إذْ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ تَرْجِيحُ قَوْلِ مَن قالَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ كَما لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُلْفٌ في خَبَرٍ لا عَمْدًا ولا سَهْوًا لا في صِحَّةٍ ولا مَرَضٍ ولا رِضًى ولا غَضَبٍ، وحَسْبُكَ في ذَلِكَ أنَّ سِيَرَهُ وكَلامَهُ وأفْعالَهُ مَجْمُوعَةٌ يُعْتَنى بِها عَلى مَرِّ الزَّمانِ ويَتَناوَلُها المُوافِقُ والمُخالِفُ والمُؤْمِنُ والمُرْتابُ فَلَمْ يَأْتِ في شَيْءٍ مِنها اسْتِدْراكُ غَلَطٍ في قَوْلٍ ولا اعْتِرافٍ بِوَهْمٍ في كَلِمَةٍ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ سَهْوُهُ في الصَّلاةِ ونَوْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها واسْتِدْراكُهُ رَأْيَهُ في تَلْقِيحِ النَّخْلِ وفي نُزُولِهِ بِأدْنى مِياهِ بَدْرٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا جَوازُ السَّهْوِ في الِاعْتِقاداتِ في أُمُورِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذا المَبْحَثِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآيَةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُنَسِّيَنَّكَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ ونَسّى بِمَعْنى أنْسى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَسّى أبْلَغُ مَن أنْسى والنُّونُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ، والمَشْهُورُ أنَّها لازِمَةٌ في الفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المَصْحُوبَةِ بِما الزّائِدَةِ، وقِيلَ: لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: أما تَرى رَأْسِي حاكى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيال الدُّجى ﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ أيْ بَعْدَ تَذَكُّرِ الأمْرِ بِالإعْراضِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى بَعْدَ أنْ تُذَكِّرَهم بِدُعائِكَ إيّاهم إلى الدِّينِ ونَهْيِكَ لَهم عَنِ الخَوْضِ في الآياتِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى بِمَعْنى تَذْكِيرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وأنَّ المَعْنى وإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجالَسَةِ المُسْتَهْزِئِينَ لِأنَّها مِمّا تُنْكِرُهُ العُقُولُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ أنْ ذَكَّرْناكَ قُبْحَها ونَبَّهْناكَ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ بَعِيدٌ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ القُبْحِ والحُسْنِ الَّتِي هَدَمَتْها مَعاوِلُ أفْكارِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ، ثُمَّ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُجالَسَةَ المُسْتَهْزِئِينَ مِمّا يُنْكِرُهُ العُقُولُ مُطْلَقًا، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ اللّائِقَ عَلى ما قالَ وإنْ أنْساكَ دُونَ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ عَلى أنَّ إنْساءَ الشَّيْطانِ إنْ صَحَّ فَعَنِ السِّمْعِيِّ أيْسَرُ، ولَيْسَ هَذا أوَّلَ خَوْضٍ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَأْوِيلِ الآياتِ بَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ 86 - أيْ مَعَهم فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ راسِخُونَ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- إيذانٌ بِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي، وهَذِهِ المَسائِلُ المُتَنازَعُ فِيها بَيْنَهم وعَنْوَنُوها بِمَسْألَةِ تَكْلِيفِ الغافِلِ وعَدُّوا مِنهُ النّاسِيَ.
ولِلْأشْعَرِيِّ فِيها قَوْلانِ وصَوَّبَ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ أصْلًا بِخِلافِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ ونَقَلَ ابْنُ بُرْهانَ في الأوْسَطِ عَنِ الفُقَهاءِ القَوْلَ بِصِحَّةِ تَكْلِيفِهِ عَلى مَعْنى ثُبُوتِ الفِعْلِ بِالذِّمَّةِ، وعَنِ المُتَكَلِّمِينَ المَنعُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُظَنُّ أنَّ الشّافِعِيَّ لِنَصِّهِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ يُرى تَكْلِيفُ الغافِلِ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ فَإنَّهُ إنَّما كَلَّفَ السَّكْرانَ عُقُوبَةً لَهُ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ؛ ولِهَذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِخِلافِ الغافِلِ.
وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِالِامْتِناعِ أنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ العِلْمِ بِالأمْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وارِدٌ، فَلا جائِزَ أنْ يَكُونَ وارِدًا بَعْدَ حُصُولِها لِامْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ فَيَكُونُ وارِدًا قَبْلَهُ فَيَسْتَحِيلُ الِإطْلاقُ عَلى هَذا الأمْرِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أمْرِهِ تَعالى بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحِيلٌ فَقَدْ كُلِّفَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ وأُجِيبَ: بِأنَّ المَعْرِفَةَ الإجْمالِيَّةَ كافِيَةٌ في انْتِفاءِ الغَفْلَةِ؛ والمُكَلَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ أوْ بِأنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو فَهْمُ المُكَلَّفِ لَهُ بِأنْ يَفْهَمَ الخِطابَ قَدْرَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثالُ لا بِأنَّ يُصَدِّقَ بِتَكْلِيفِهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ وعَدَمُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ، وهو هُنا قَدْ فُهِمَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ.
وصاحِبُ المِنهاجِ تَبَعًا لِصاحِبِ الحاصِلِ أجابَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى خارِجٌ عَنِ القاعِدَةِ بِالإجْماعِ؛ وتَمامُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الأُصُولَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ قالَ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ إلَخْ قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولا نَطُوفَ بِالبَيْتِ فَنَزَلَتْ: أيْ وما يَلْزَمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ ﴿ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ مِمّا يُحاسَبُ الخائِضُونَ الظّالِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ (مِن شَيْءٍ) أيْ شَيْءٍ ما عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و(شَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وما تَمِيمِيَّةٌ أوِ اسْمٌ لَها وهي حِجازِيَّةٌ و(مِن حِسابِهِمْ) -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِنهُ لِأنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها أُعْرِبَ حالًا.
ولَيْسَتْ (مِن) بِمَعْنى الأجَلِ خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَهُ و ﴿ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَرْفُوعٍ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ أوْ لِـ (ما) الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا أوْ مَنصُوبٌ وقَعَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ ﴿ ولَكِنْ ذِكْرى ﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ (ذِكْرى) عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ أيْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ النَّصْبَ والرَّفْعَ أيْضًا لَكِنْ قَدَّرَ في الأوَّلِ نُذَكِّرُهم ذِكْرى بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الثّانِي هَذِهِ ذِكْرى.
وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِأنَّ (مِن حِسابِهِمْ) يَأْباهُ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ولَكِنْ ذِكْرى مِن حِسابِهِمْ، وهو كَما تَرى واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُقَيَّدٍ اعْتِبارُ ذَلِكَ القَيْدِ في المَعْطُوفِ والعَلّامَةُ الثّانِي يَقُولُ: إنَّهُ إذا عُطِفَ مُفْرَدٌ عَلى مُفْرَدٍ لاسِيَّما بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ السّابِقَةُ في الذِّكْرى عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ في المَعْطُوفِ البَتَّةَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمالِ تَقُولُ: ما جاءَنِي يَوْمُ الجُمْعَةِ أوْ في الدّارِ أوْ راكِبًا أوْ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ رَجُلٌ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ المَرْأةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ وفي الدّارِ وبِصِفَةِ الرُّكُوبِ وتَكُونُ مِنَ القَوْمِ البَتَّةَ، ولَمْ يَجِئِ الِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ، ولا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ سِواهُ بِخِلافِ ما جاءَنِي رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ كَوْنُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، قالُوا: والسِّرُّ فِيهِ أنَّ تَقَدُّمَ القُيُودِ يَدُلُّ عَلى أنَّها أمْرٌ مُسَلَّمٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ وأنَّها قَيْدٌ لِلْعامِلِ مُنْسَحِبٌ عَلى جَمِيعِ مَعْمُولاتِهِ، وأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُفْرَدِ لِذَلِكَ، وأمّا في الجُمَلِ فالقَيْدُ إنْ جُعِلَ جُزْءًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ سَبَقَ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ المَعْطُوفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ عَلى ما في شَرْحِ المِفْتاحِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِهِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَنِي مِن تَمِيمٍ رَجُلٌ وامْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ وتَخْصِيصُ هَذِهِ القاعِدَةِ بِتَقَدُّمِ القَيْدِ وادِّعاءِ اطِّرادِها كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ، ومِنهم مَن عَمَّها كَما قالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ أهْلَ اللِّسانِ والأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ العَطْفَ لِلتَّشْرِيكِ في الظّاهِرِ فَإذا كانَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَيْدٌ فالظّاهِرُ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِذَلِكَ القَيْدِ إلّا أنْ تَجِيءَ قَرِينَةٌ صارِفَةٌ فَيُحالُ الأمْرُ عَلَيْها؛ فَإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الجُمْعَةِ وعَمْرًا، فالظّاهِرُ اشْتِراكُ زَيْدٍ وعَمْرٍو في الضَّرْبِ مُقَيَّدًا بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، وإذا قُلْتَ: وعَمْرًا يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يُشارِكْهُ في قَيْدِهِ.
والآيَةُ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ.
فالظّاهِرُ مُشارَكَتُهُ في قَيْدِهِ ويَكْفِي في المَنعِ.
وبَحَثَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ وغَيْرُهُ.
فَتَدَبَّرْ ومَن مَنَعَ العَطْفَ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِما تَقَدَّمَ مَنَعَ العَطْفَ عَلى (شَيْءٍ) لِذَلِكَ أيْضًا، ولِأنَّ (مِن) لا تُقَدَّرُ عامِلَةً بَعْدَ الإثْباتِ لِأنَّها إذا عَمِلَتْ كانَتْ في قُوَّةِ المَذْكُورَةِ المَزِيدَةِ وهي لا تُزادُ في الإثْباتِ في غَيْرِ الظُّرُوفِ أوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الجُمْهُورِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ 69 - أيْ يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ أيْ لَكِنْ يُذَكِّرُ المُتَّقُونَ الخائِضِينَ لِيَثْبُتَ المُتَّقُونَ عَلى تَقْواهم ولا يَأْثَمُوا بِتَرْكِ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لِيَزْدادُوا تَقْوًى بِذَلِكَ.
وهَذِهِ الآيَةُ -كَما أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ- مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى النّازِلِ في المَدِينَةِ: ﴿ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ﴾ إلَخْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجَبائِيُّ.
وفي الطَّوْدِ الرّاسِخِ في المَنسُوخِ والنّاسِخِ أنْ لا نَسْخَ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ في ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما عَلى الَّذِينَ ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ولا نَسْخَ في الأخْبارِ، فافْهَمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ﴾ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ وكُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ وهو الإسْلامُ، ﴿ لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَأُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اتَّخَذُوا الدِّينَ الواجِبَ شَيْئًا مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوِ اتَّخَذُوا ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّينِ لِأهْلِ الأدْيانِ شَيْئًا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ.
وحاصِلُهُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّعِبَ واللَّهْوَ دِينًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالدِّينِ العِيدُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ كُلَّ حِينٍ مَعْهُودٍ بِالوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى كَعِيدِ المُسْلِمِينَ أوْ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَأعْيادِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ العادَةُ، والعِيدُ مُعْتادٌ كُلَّ عامٍ.
ونُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى سائِرِ الأقْوالِ: لا تُبالِ بِهَؤُلاءِ وامْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى عَلى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ و ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالكَفِّ عَنْهم وتَرَكُ التَّعَرُّضِ لَهم.
والآيَةُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ.
ونَصَبَ ﴿ لَعِبًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذُوا) وهو اخْتِيارُ السَّفاقُسِيِّ، ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ و(دِينَهُمْ) ثانٍ، وفِيهِ إخْبارٌ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ (واتَّخَذَ) مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ سَرْدِ وُجُوهِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ: والخامِسُ وهو الأقْرَبُ أنَّ المُحِقَّ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا؛ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ.
فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ إلَخْ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ.
وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، اهـ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ فَلا تَغْتَرَّ بِهِ وإنْ جَلَّ قائِلُهُ ﴿ وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ خَدَعَتْهم وأطْمَعَتْهم بِالباطِلِ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ وزَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها واسْتَهْزَأُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.
وجَعَلَ بَعْضُهم غَرَّ مِنَ الغَرِّ وهو مَلْءُ الفَمِ أيْ أشْبَعَتْهم لَذّاتُها حَتّى نَسُوا الآخِرَةَ.
وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ولَمّا التَقَيْنا بِالعَشِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ﴿ وذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ.
وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِحِسابِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنهُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.
وعَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ هو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ لِئَلّا تُبْسَلَ أوْ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَبْسُلَ.
ومِنهم مَن جَعَلَهُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (ذَكِّرْ) ومَعْنى ﴿ تُبْسَلَ ﴾ تُحْبَسَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ وقَلْبِي مُبْسَلٌ عَلِقا وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ تُسَلَّمُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والفَرّاءُ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ تُفْضَحُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ هُنا بِمَعْنى تُحْرَمُ الثَّوابَ.وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإبْسالَ والبَسْلَ في الأصْلِ المَنعُ، ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مُتَمَنِّعٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ، وجاءَ البَسْلُ بِمَعْنى الحَرامِ.
وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَرامَ عامٌّ لِما مُنِعَ مِنهُ بِحُكْمٍ أوْ قَهْرٍ؛ والبَسْلُ المَمْنُوعُ بِالقَهْرِ ويَكُونُ بَسَلْ بِمَعْنى أجَلْ ونَعَمْ، واسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْفُفْ، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ لِلْعُمُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ أيْ لِئَلّا تُحْبَسَ وتُرْهَنَ كُلُّ نَفْسٍ في الهَلاكِ أوْ في النّارِ أوْ تُسْلِمَ إلى ذَلِكَ أوْ تُفْضَحَ أوْ تُحْرَمَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِها السُّوءَ أوْ (ذَكِّرْ) بِحَبْسٍ أوْ حَبْسِ كُلِّ نَفْسٍ بِذَلِكَ، وحَمَلَ النَّكِرَةَ عَلى العُمُومِ مَعَ أنَّها في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وقِيلَ: أنَّها هُنا في النَّفْيِ مَعْنًى، وفِيما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَها ﴾ أيِ النَّفْسُ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةِ (نَفْسٌ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (كَسَبَتْ) أوْ مِن (نَفْسٌ) فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٍ كافِرَةٍ أوْ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الحالِيَّةَ.
و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيٌّ)، وقِيلَ: خَبَرًا لِـ (لَيْسَ) و (لَها) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ و(مِن) جَعَلَها زائِدَةً لَمْ يُعَلِّقْها بِشَيْءٍ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَدْفَعَ عِقابَهُ سُبْحانَهُ عَنْها ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، ﴿ وإنْ تَعْدِلْ ﴾ أيْ إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ ﴿ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ أيْ كُلَّ فِداءٍ و(كُلَّ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ بِحَسْبِ ما يُضافُ إلَيْهِ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الكامِلِ كَقَوْلِكَ: هو رَجُلٌ كُلَّ رَجُلٍ أيْ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ عَدْلًا كُلَّ عَدْلٍ، ورُدَّ بِأنَّ كُلًّا بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُ التَّبَعِيَّةَ والإضافَةَ إلى مِثْلِ المَتْبُوعِ نَعْتًا لا تَوْكِيدًا كَما في التَّسْهِيلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْخَذْ مِنها ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَسَيْرٍ مِنَ البَلَدِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ لِأنَّ العَدْلَ كَما عَلِمْتَ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِمَأْخُوذٍ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ فَإنَّهُ فِيهِ بِمَعْنى المُفْدى بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الإسْنادِ إلى ضَمِيرِهِ مُرادًا بِهِ الفِدْيَةُ عَلى الِاسْتِخْدامِ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي أيْضًا عَنِ القَوْلِ بِكَوْنِهِ راجِعًا إلى المَعْدُولِ بِهِ المَأْخُوذِ مِنَ السِّياقِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وإنْ تُقْسِطْ تِلْكَ النَّفْسُ كُلَّ قِسْطٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يُقْبَلْ مِنها لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وإنَّما تُقْبَلُ في الدُّنْيا ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿ الَّذِينَ أُبْسِلُوا ﴾ أيْ حُرِمُوا الثَّوابَ وسُلِّمُوا لِلْعَذابِ أوْ بِأحَدِ المَعانِي الباقِيَةِ لِلْإبْسالِ ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ في سُوءِ الحالِ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ إثْرَ تَحْذِيرِ أُولَئِكَ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا؟
فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ أيْ ماءٍ حارٍّ يَتَجَرْجَرُ ويَتَرَدَّدُ في بُطُونِهِمْ ويَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم ﴿ وعَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ العَذابِ ﴿ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ 70 - أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، ويُطْلَقُ الحَمِيمُ عَلى الماءِ البارِدِ فَهو ضِدٌّ كَما في القامُوسِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ لَهم شَرابٌ ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ أُبْسِلُوا ﴾ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا لِاسْمِ الإشارَةِ ويَكُونُ الَّذِينَ نَعْتًا لَهُ أوْ بَدَلًا مِنهُ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا.
واخْتارَ كَما يُشِيرُ كَلامُهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٍ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما أشَرْنا إلَيْهِ وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في أسْبابِ العَذابِ والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ أوْ أُرِيدَ -كَما قِيلَ-: بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ إلَخْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وفي تَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إنْ عَبَدْناهُ ولا عَلى ضُرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ.
وفاعِلُ (نَدْعُوا) وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ عامٌّ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ولِغَيْرِهِ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ.
وفي الآيَةِ تَغْلِيبٌ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الرَّدُّ عَلى العَقِبِ المُرادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى الشِّرْكِ مِنهُ .
والمَعْنى ألْيَقُ بِنا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ.
والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، يُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ إذا انْثَنى راجِعًا، ويُكَنّى بِهِ -كَما قِيلَ- عَنِ الذَّهابِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ القَدَمِ وهو ذَهابٌ بِلا عِلْمٍ بِخِلافِ الذَّهابِ مَعَ الإقْبالِ، وقِيلَ: الرَّدُّ عَلى الأعْقابِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الضَّلالِ والجَهْلِ شِرْكًا أوْ غَيْرِهِ.
والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ.
وإيثارُ (نُرَدُّ) عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بَرَدِّ الغَيْرِ تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ أيْ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ أوْ إلى سائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ عَلى ما قِيلَ.
والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نُرَدُّ) مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا كَأنَّهُ قِيلَ: أنُرَدُّ إلى ذَلِكَ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ.
ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ فِيما يَظْهَرُ ولا أنَّ جُمْلَةَ (نُرَدُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نَدْعُو) أيْ ونَحْنُ نُرَدُّ وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ إلَخْ وقَدَّرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَدْعُوا دُعاءً مِثْلَ دُعاءِ الَّذِي إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (نُرَدُّ) أيْ أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِذَلِكَ.
واعْتَرَضَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ حاصِلَ الحالِيَّةِ أنُرَدُّ في حالِ مُشابَهَتِنا كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا أيْ في حالِ رُكُوبِهِ، والرَّدُّ لَيْسَ في حالِ المُشابَهَةِ كَما أنَّ المَجِيءَ في حالِ الرُّكُوبِ وأجابَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ الحالَ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ، والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ يَهْوِي إذا ذَهَبَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ كَأنَّها طَلَبَتْ هَوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ أيْ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ والقِفارِ، والكَلامُ في المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ أوْ مِنَ التَّمْثِيلِ حَيْثُ شُبِّهَ فِيهِ مَن خَلُصَ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِحالِ مَن ذَهَبَتْ بِهِ الشَّياطِينُ في المُهِمَّةِ وأضَلَّتْهُ بَعْدَ ما كانَ عَلى الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، ولَيْسَ هَذا مَبْنِيًّا عَلى زَعَماتِ العَرَبِ كَما زَعَمَ مَنِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ اسْتَهْوى مِن هَوى بِمَعْنى سَقْطِهِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ إذا سَقَطَ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ هَذا الضّالِّ بِحالِ مَن سَقَطَ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ لِأنَّهُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ﴾ وفِيهِ بَعْدٌ وإنْ قالَ الإمامُ إنَّهُ أوْلى مِنَ المَعْنى الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى وُرُودِ الِاسْتِفْعالِ مِن هَوى بِهَذِي المَعْنى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في (الَّذِي) أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْ كالرَّجُلِ أوْ كالفَرِيقِ الَّذِي وأنْ يَكُونَ جِنْسًا، والمُرادُ (الَّذِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (اسْتَهْواهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ مَعَ التَّذْكِيرِ (فِي الأرْضِ) أيْ جِنْسِها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ اسْتَهْوَتْهُ ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ كائِنًا في الأرْضِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَيْرانَ ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُها أوْ مِنَ (الَّذِي) أوْ مِنَ المُسْتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ حالًا مِن (حَيْرانَ) وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ ومُؤَنَّثُهُ حَيْرى أيْ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ ﴿ لَهُ ﴾ أيْ لِلْمُسْتَهْوى ﴿ أصْحابٌ ﴾ أرى رُفْقَةً ﴿ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ: زَيْدٌ عَدْلٌ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا و (أصْحابٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ الَّتِي قَبْلَها وإمّا لا مَحَلَّ لَها عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ (يَدْعُونَهُ) صِفَةٌ لِـ (أصْحابٌ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ائْتِنا) يُقَدَّرُ فِيهِ قَوْلٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (يَدْعُونَهُ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، وقِيلَ: مَحْكِيٌّ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ في أمْثالِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ التَّقْدِيرُ أيْ يَقُولُ ائْتِنا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وإنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي إسْحاقَ (ائْتِنا) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الهُدى أيْ واضِحًا قُلْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنَّ هُدى اللَّهِ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ هو الهُدى أيْ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ أوْ ضَمِيرُ الفَصْلِ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ صِرْفٌ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ لِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَ الأوامِرِ بَعْدَهُ ﴿ وأُمِرْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِنُسْلِمَ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، ومَفْعُولُ (أُمِرْنا) الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِكَيْ نَنْقادَ ونَسْتَسْلِمَ ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ 71 - وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ أيْ أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَرِيبٌ لا تَعْرِفُهُ النُّحاةُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ أيْ أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن تابَعَهُما: الفِعْلُ في هَذا وفي نَحْوِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، وهو مُبْتَدَأٌ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرُهُ أيْ أُمِرْنا لِلْإسْلامِ، وهو نَظِيرُ -تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- ولا يَخْفى بُعْدُهُ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ اللّامَ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَعْنى (أنْ) بَعْدَ أرَدْتُ وأُمِرْتُ خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ ﴾ أيِ الرَّبَّ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ وهو عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، وقَدْ صَرَّحَ بِدُخُولِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى الأمْرِ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، وجَوَّزَ أنْ يُعْطَفَ ﴿ أنْ أقِيمُوا ﴾ عَلى مَوْضِعِ لِنُسْلِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ الأمْرِ المُقَدَّرِ أيْ أُمِرْنا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: إنَّ هُدى اللَّهِ إلَخْ أيْ قُلْ لَهم إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: عَلى ائْتِنا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ولِأنْ نُقِيمَ إلّا أنَّهُ عُدِّلَ لِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكافِرَ ما دامَ كافِرًا كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَخُوطِبَ بِما خُوطِبَ بِهِ الغَيْبُ، وإذا أسْلَمَ ودَخَلَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ فَخُوطِبَ بِما يُخاطِبُ بِهِ الحاضِرُونَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ 72 - جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِخَلْقِهِما خَلْقُ ما فِيهِما أيْضًا وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِما عَلى جَمِيعِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (خَلَقَ) أيْ قائِمًا بِالحَقِّ، ومَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ أيْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، ﴿ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ والَواوُ لِلِاسْتِئْنافِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الحِينِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وقَوْلُهُ مُبْتَدَأٌ و (الحَقُّ) صِفَتُهُ، والمُرادُ بِالقَوْلِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ القَضاءُ الصَّوابُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ فَلِذا صَحَّ الإخْبارُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمانِ أيْ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ المَعْرُوفُ بِالحَقِّيَّةِ كائِنٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كُنْ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ بِعُمُومِ الوَقْتِ كَما قِيلَ، ونَفى السَّعْدُ كَوْنَهُ لِلْحَصْرِ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ وجَعَلَ التَّقْدِيمَ لِكَوْنِهِ الِاسْتِعْمالَ الشّائِعَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرُوفَ الشّائِعَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ الظَّرْفِيِّ إذا كانَ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أمّا إذا كانَ مَعْرِفَةً فَلَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(يَوْمَ) ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والواوُ بِحَسَبِ المَعْنى داخِلَةٌ عَلَيْها، والتَّقْدِيمُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدارُ الحَقِّيَّةِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المَقُولِ لَهُ لِلثِّقَةِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ كَلِمَةُ (كُنْ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا، والمَعْنى وأمْرُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ خُلُقَهُ مِنَ الأشْياءِ حِينَ تُعَلِّقُهُ بِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِن أفْرادِ الأحْيانِ (الحَقُّ) أيِ المَشْهُودُ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ و(يَوْمَ) إمّا مَعْطُوفٌ عَلى السَّمَواتِ فَهو مَفْعُولٌ لِـ (خَلَقَ) مِثْلُهُ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ الحَشْرِ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وما فِيهِما وأوْجَدَ يَوْمَ الحَشْرِ والمَعادِ، وإمّا عَلى الهاءِ في (اتَّقُوهُ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُهُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واتَّقُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وعِقابَهُ وفَزَعَهُ.
وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (بِالحَقِّ) أيْ يَقُومُ بِالحَقِّ يَوْمَ إلَخْ وهو إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (بِالحَقِّ) وهو ظَرْفٌ لِخَلَقَ أيْ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِعِظَمِها حِينَ قالَ كُنْ فَكانَ.
والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي إحْضارٌ لِلْأمْرِ البَدِيعِ.
وفِيهِ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى صِحَّةِ عَطْفِ الظَّرْفِ عَلى الحالِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ ظَرْفٌ في المَعْنى وهو تَكَلُّفٌ.
و ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ فاعِلٌ يَكُونُ عَلى مَعْنًى، وحِينَ يَقُولُ لَقَوْلِهِ الحَقَّ أيْ لَقَضائِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
والمُرادُ بِهِ حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها أوْ حِينَ يَقُومُ القِيامَةُ فَيَكُونُ التَّكْوِينُ إحْياءَ الأمْواتِ لِلْحَشْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ ﴿ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ أيِ اسْتَقَرَّ المُلْكُ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ صُورَةً ومَعْنًى بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَلا يَدَّعِيهِ غَيْرُهُ بِوَجْهِ.
والصُّوَرُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ.
وقَدْ فُصِّلَتْ أحْوالُهُ في كُتُبِ السَّنَةِ.
وصاحِبُهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالصُّوَرِ يَنْتَظِرانِ مَتّى يُؤْمَرانِ فَيَنْفُخانِ».
وقَرَأ قَتادَةُ (فِي الصُّوَرِ) جَمْعُ صُورَةٍ والمُرادُ بِها الأبْدانُ الَّتِي تَقُومُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيها لِرَبِّ العالَمِينَ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ 73 - بِجَمِيعِ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ.
والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وفِيهِ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ هُنا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ أعْلَمُ أنَّ بَعْضَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم ذَكَرُوا أنَّ لِلْغَيْبِ مَراتِبَ أُولاها: غَيْبُ الغُيُوبِ وهو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى المُسَمّى بِالعِنايَةِ الأُولى، وثانِيَتُها: غَيْبُ عالَمِ الأرْواحِ وهو انْتِقاشُ صُورَةِ كُلِّ ما وُجِدَ وسَيُوجَدُ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ في العالَمِ الأوَّلِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو رُوحُ العالَمِ المُسَمّى بِأُمِّ الكِتابِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ وهو القَضاءُ السّابِقُ، وثالِثَتُها: غَيْبُ عالَمِ القُلُوبِ وهو ذَلِكَ الِانْتِقاشُ بِعَيْنِهِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا عِلْمِيًّا كُلِّيًّا وجُزْئِيًا في عالَمِ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالَمِ المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ورابِعَتُها: غَيْبُ عالَمِ الخَيالِ وهو انْتِقاشُ الكائِناتِ بِأسْرِها في النُّفُوسِ الجُزْئِيَّةِ الفَلَكِيَّةِ مُنْطَبِعَةً في أجْرامِها مُعَيَّنَةً مُشَخَّصَةً مُقارِنَةً لِأوْقاتِها عَلى ما يَقَعُ بِعَيْنِهِ.
وذَلِكَ العالَمُ هو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا إذْ هو أقْرَبُ مَراتِبِ الغُيُوبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ ولَوْحِ القَدْرِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو تَفْصِيلُ قَضائِهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو العِنايَةُ الأوْلى عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّ حُضُورًا، فالخَزائِنُ المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الغُيُوبِ حاضِرَةٌ لِذاتِهِ ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ زائِدٌ ولا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ.
وكَذا أبْوابُ تِلْكَ الخَزائِنِ مُغْلَقَةٌ مَفاتِيحُها بِيَدِهِ تَعالى لا يَطَّلِعُ عَلى ما فِيها أحَدٌ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ يَفْتَحُ مِنها ما شاءَ لِما يَشاءُهُ هَذا وقَدْ يُقالُ: حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ وماهِيَّتَها ثابِتَةٌ في الأزَلِ وهي في ثُبُوتِها غَيْرُ مَجْعُولَةٍ وإنَّما المَجْعُولُ الصُّوَرُ الوُجُودِيَّةُ وهي لا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَتَّصِفُ بِالهَلاكِ أصْلًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الشَّيْءِ، وتَفْسِيرُ الوَجْهِ بِالحَقِيقَةِ وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِها حُضُورِيٌّ وهي كالمَرايا لِصُوَرِها الحادِثَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الصُّوَرُ مَشْهُودَةً لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعَ عَدَمِها في نَفْسِها ذِهْنًا وخارِجًا، وقَدْ بَيَّنُوا انْطِواءَ العِلْمِ بِها في العِلْمِ بِالذّاتِ بِجَمِيعِ اعْتِباراتِهِ الَّتِي مِنها كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مَبْدَأً لِإفاضَةِ وجُوداتِها عَلَيْها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَفاتِحَ بِمَعْنى الخَزائِنِ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الماهِيّاتِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي هي كالمَرايا لِما غابَ عَنّا مِنَ الصُّوَرِ وتِلْكَ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ تَعالى أزَلًا ولا يَعْلَمُها عِلْمًا حُضُورِيًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى صُورَةٍ ظِلِّيَّةٍ إلّا هو جَلَّ وعَلا، وهَذا ظاهِرٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ ﴾ أيْ بَرِّ النُّفُوسِ مِن ألْوانِ الشَّهَواتِ ومَراتِبِها ﴿ والبَحْرِ ﴾ أيْ بَحْرِ القُلُوبِ مِن لَآلِئِ الحِكَمِ ومَرْجانِ العِرْفانِ ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ ﴾ مِن أوْراقِ أشْجارِ اللُّطْفِ والقَهْرِ في مَهْيَعِ النَّفْسِ وخَصْمِ القَلْبِ ﴿ إلا يَعْلَمُها ﴾ في سائِرِ أحْوالِها ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ مِن بَذْرِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ فِي ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ وهو عالَمُ الطَّبائِعِ والأشْباحِ ﴿ ولا رَطْبٍ ﴾ مِنَ الإلْهاماتِ الَّتِي تَرِدُ عَلى القَلْبِ بِلُطْفٍ مِن غَيْرِ انْزِعاجٍ ﴿ ولا يابِسٍ ﴾ مِنَ الوَساوِسِ والخَطَراتِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنها النَّفْسُ حِينَ تَرُدُّ عَلَيْها ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وهو عِلْمُهُ سُبْحانَهُ الجامِعُ، وبَعْضُهم لَمْ يُؤَوِّلْ شَيْئًا مِنَ المَذْكُوراتِ وفَسَّرَ الكِتابَ بِسَماءِ الدُّنْيا لِتَعَيُّنِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ فِيها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ الكِتابَ إشارَةٌ إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وهي المُسَمّاةُ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، ومَعْنى كَوْنِها فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ أنَّ تِلْكَ الأعْيانَ كالمَرايا لِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الخارِجِيَّةِ ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ أيْ يُنِيمُكُمْ، وقِيلَ: يَتَوَفّاكم بِطَيَرانِ أرْواحِكم في المَلَكُوتِ وسَيْرِها في رِياضِ حَضَراتِ اللّاهُوتِ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهو الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَيْكم إلى حَيْثُ يَكادُ تَزْهَقُ أرْواحُكم في لَيْلِ القَهْرِ وتَجَلِّي الجَلالِ ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ ﴾ أيْ كَسَبْتُمْ بِالنَّهارِ مِنَ الأعْمالِ مُطْلَقًا، وقِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ المُؤْلِمَةِ لَها كالطّاعاتِ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ويَعْلَمُ ما كَسَبْتُمُوهُ بِنَهارِ التَّجَلِّي الجَمالِيِّ مِنَ الأُنْسِ أوْ شَوارِدِ العِرْفانِ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ أيْ فِيما جَرَحْتُمْ مِن صُوَرِ أعْمالِكم ومَكاسِبِكُمُ الحَسَنَةِ والقَبِيحَةِ، وقِيلَ: الحَسَنَةِ، وقِيلَ فِيما كَسَبْتُمُوهُ في نَهارِ التَّجَلِّي، وأوَّلُ الأقْوالِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أيْ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ (فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بِإظْهارِ صُوَرِ أعْمالِكم عَلَيْكم وجَزائِكم بِها، ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ لِأنَّهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الِإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ولا تُقَيِّدُهُ المَظاهِرُ ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ﴿ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ وهي القُوى الَّتِي يَنْطَبِعُ فِيها الخَيْرُ والشَّرُّ ويَصِيرُ هَيْئَةً أوْ مَلَكَةً ويَظْهَرُ عِنْدَ انْسِلاخِ الرُّوحِ ويَتَمَثَّلُ بِصُورَةٍ مُناسِبَةٍ أوِ القُوى السَّماوِيَّةُ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها الصُّوَرُ الجُزْئِيَّةُ ولا تُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ ، قِيلَ: هم نَفْسُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ وقَدْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُدْرَةَ عَلى التَّوَفِّي ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ ﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي سائِرَ أحْوالِهِمْ إذْ لا وُجُودَ لَها إلّا بِهِ ﴿ الحَقِّ ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ باطِلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ أنَّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِرُجُوعِ العَبْدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخُرُوجِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا وأيْدِي الكاتِبِينَ، واصِفًا نَفْسَهُ لَهُ بِأنَّهُ مَوْلاهُ الحَقُّ المُشْعِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ مَوْلًى حَقًّا، ولا شَكَّ أنَّهُ لا أعَزَّ لِلْعَبْدِ مِن أنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلى مَوْلاهُ ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ إذْ ظُهُورُ الأعْمالِ بِالصُّوَرِ المُناسِبَةِ آنَ مُفارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ ﴾ وهي الغَواشِي النَّفْسانِيَّةُ والبَحْرُ وهي حُجُبُ صِفاتِ القَلْبِ ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ إلى كَشْفِها ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ في نُفُوسِكم ﴿ وخُفْيَةً ﴾ في أسْرارِكم ﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ ﴾ الغَواشِي والحُجُبِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ بِالِاسْتِقامَةِ والتَّمْكِينِ ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ﴾ بِأنْوارِ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ ومِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ سِوى ذَلِكَ بِأنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِالفَناءِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ بَعْدَ عِلْمِكم بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ بِهِ أنْفُسَكم وأهْواءَكم فَتَعْبُدُونَها ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ بِأنْ يَحْجِبَكم عَنِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ أوْ بِأنْ يَقْهَرَكم بِاحْتِجابِكم بِالمَعْقُولاتِ والحُجُبِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ بِأنْ لا يُسَهِّلَ عَلَيْكُمُ القِيامَ عَلى بابِ الرُّبُوبِيَّةِ بِنَعْتِ الخِدْمَةِ وطَلَبِ الوَصْلَةِ أوْ بِأنْ يَحْجِبَكم بِالحُجُبِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ قُوَّةٍ مِنَ القُوى تُقابِلُ الفِرْقَةَ الأُخْرى أوْ يَجْعَلَ أنْفُسَكم مُخْتَلِفَةَ العَقائِدِ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ دَجّالٍ ﴿ ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بِالمُنازَعاتِ والمُجادَلاتِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاخْتِلافُ ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ أيْ ما يُنَبَّأُ عَنْهُ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ مَحَلُّ وُقُوعٍ واسْتِقْرارٍ ﴿ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ حِينَ يَكْشِفُ عَنْكم حُجُبَ أبْدانِكم ﴿ وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِإظْهارِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ وإثْباتِ العِلْمِ والقُدْرَةِ لَها ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ مُشْرِكُونَ ﴿ وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ صِفاتِهِمْ ﴿ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ مِن حِسابِ هَؤُلاءِ المَحْجُوبِينَ ﴿ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى ﴾ أيْ فَلْيُذَكِّرُوهم بِالزَّجْرِ والرَّدْعِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخَوْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُتَجَرِّدِينَ لا يَحْتَجِبُونَ بِواسِطَةِ مُخالَطَةِ المَحْجُوبِينَ ولَكِنْ ذَكَّرْناهم لَعَلَّهم يَزِيدُونَ في التَّقْوى ﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ أيِ اتْرُكِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ اللَّعِبُ واللَّهْوُ إلَخْ فَإنَّهم قَدْ حُجِبُوا بِما رَسَخَ فِيهِمْ مِن سَماعِ الإنْذارِ وتَأْثِيرِهِ فِيهِمْ ﴿ وذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْءانِ كَراهَةَ ﴿ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ تُحْجَبَ بِكَسْبِها بِأنْ يَصِيرَ لَها مَلَكَةٌ أيْ ذَكِّرْ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لِئَلّا يَكُونَ دِينُهُ ذَلِكَ، وأمّا مَن وصَلَ إلى ذَلِكَ الحَدِّ فَلا يَنْفَعُهُ التَّذْكِيرُ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ وهو شِدَّةُ الشَّوْقِ إلى الكَمالِ ﴿ وعَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو الحِرْمانُ عَنْهُ بِسَبَبِ الِاحْتِجابِ بِما كَسَبُوا ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن لَيْسَ لَهُ قُدْرَةً عَلى شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ لَهُ حَقِيقَةً ﴿ ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ بِالشِّرْكِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ إلى التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ في الأرْضِ أيْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ومَهامِهِ النَّفْسِ ﴿ حَيْرانَ ﴾ لا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ ﴿ لَهُ أصْحابٌ ﴾ مِنَ الفِكْرِ والقُوى النَّظَرِيَّةِ ﴿ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ﴾ الحَقِيقِيِّ يَقُولُونَ ﴿ ائْتِنا ﴾ فَإنَّ الطَّرِيقَ الحَقَّ عِنْدَنا وهو لا يَسْمَعُ ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ ﴾ وهو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ ﴿ هُوَ الهُدى ﴾ وغَيْرُهُ غَيْرُهُ ﴿ وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ بِمَحْوِ صِفاتِنا ﴿ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ الحَقِيقِيَّةَ وهو الحُضُورُ القَلْبِيُّ قالَ ابْنُ عَطاءَ: إقامَةُ الصَّلاةِ حِفْظُها مَعَ اللَّهِ تَعالى بِالأسْرارِ ﴿ واتَّقُوهُ ﴾ أيِ اجْعَلُوهُ سُبْحانَهُ وِقايَةً بِالتَّخَلُّصِ عَنْ وُجُودِكم ﴿ وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ ﴿ والأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ الجِسْمِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ قائِمًا بِالعَدْلِ الَّذِي هو مُقْتَضى ذاتِهِ ﴿ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهو وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِالظُّهُورِ في التَّعَيُّناتِ ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ لِاقْتِضائِهِ ما اقْتَضاهُ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ ولَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، ﴿ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ وهو وقْتُ إفاضَةِ الأرْواحِ عَلى صُوَرِ المَكْنُوناتِ الَّتِي هي مَيِّتَةٌ بِأنْفُسِها بَلْ لا وُجُودَ لَها ولا حَياةَ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ أيْ حَقائِقِ عالَمِ الأرْواحِ ويُقالُ لَهُ المَلَكُوتُ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ صُوَرِ عالَمِ الأشْباحِ ويُقالُ لَهُ المُلْكُ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي أفاضَ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ بِأحْوالِها ومِقْدارِ قابِلِيّاتِها لا حَكِيمَ غَيْرُهُ ولا خَبِيرَ سِواهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ نُصِبَ -عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ قُلْ أنَدْعُو ﴾ لا عَلى (أقِيمُوا) لِفَسادِ المَعْنى أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ مالا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ وحَقَّقْتَ أنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ تَعالى وما يَتْبَعُهُ مِن شُؤُونِهِ تَعالى وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ مُوَبِّخًا ﴿ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبَكِّتُهم ويُنادِي بِفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ.
وآزَرُ بِزِنَةِ آدَمِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لِأبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن قَرْيَةٍ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وهو بَدَلٌ مِن (إبْراهِيمُ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ بَيْنَ النَّسّابِينَ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَحُ بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وألِفٍ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وحاءٌ مُهْمَلَةٌ، ويُرْوى بِالخاءِ المُعْجَمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ اسْمَهُ تَيْرَحُ أوْ تارَحُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ يازَرُ واسْمُ أُمِّهِ مُثْلى.
وإلى كَوْنِ آزر لَيْسَ اسْمًا لَهُ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وغَيْرُهُما.
واخْتَلَفَ الذّاهِبُونَ إلى ذَلِكَ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ آزر لَقَبٌ لِأبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ جَدِّهِ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ عَمِّهِ، والعَمُّ والجَدُّ يُسَمَّيانِ أبًا مَجازًا، ومِنهم مَن قالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
ومِنهم مَن قالَ: هو وصْفٌ في لُغَتِهِمْ ومَعْناهُ المُخْطِئُ، وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْناهُ الأعْوَجُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ الشَّيْخُ الهَرِمُ بِالخَوارِزْمِيَّةِ.
وعَلى القَوْلِ بِالوَصْفِيَّةِ يَكُونُ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْحَمْلِ عَلى مَوازِنِهِ وهو فاعَلُ المَفْتُوحُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَغْلِبُ مَنعُ صَرْفِهِ لِكَثْرَتِهِ في الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ، وقِيلَ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِالعَلَمِ.
وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ نَعْتًا مُشْتَقًّا مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ أوِ الوِزْرِ بِمَعْنى الإثْمِ.
ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْوَصْفِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى الصَّنَمِ يَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ عابِدُ آزَرَ وقَرَأ يَعْقُوبُ (آزَرُ) بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى العَلَمِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُحْذَفُ النِّداءُ إلّا مِنَ الأعْلامِ وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفاتِ شاذٌّ أيْ يا آزر ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ﴾ أيْ أتَجْعَلُها لِنَفْسِكَ ءالِهَةً عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اتِّخاذِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ وإنَّما يُرادُ صِيغَةُ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ.
وقُرِئَ (أأزَرًا) بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى اسْتِفْهامِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ ومَكْسُورَةٌ، وهي إمّا أصْلِيَّةٌ أوْ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ.
ومَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ (تَتَّخِذُ) بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ.
وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أتَعْبُدُ آزَرًا؟
عَلى أنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ ويَكُونُ (تَتَّخِذُ) إلَخْ بَيانًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا وهو داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ ألِأجْلِ القُوَّةِ تَتَّخِذُ أصْنامًا ءالِهَةً؟
والكَلامُ إنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أوْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (تَتَّخِذُ) وأعْرَبَ بَعْضُهم (آزر) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الصَّنَمِ أيْضًا أيْ أتَعْبُدُونَ آزر؟
وجَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ (أتَتَّخِذُ) إلَخْ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا بِمَعْنى أنَّهُ قَرِينَةٌ عَلى الحَذْفِ لا بِمَعْنى التَّفْسِيرِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في بابِ الِاشْتِغالِ لِأنَّ ما بَعْدَ الهَمْزَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها؛ وما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا كَما تَقَرَّرَ عِنْدَهم.
والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ آزر لَمْ يَكُنْ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ في آباءِ النَّبِيِّ كافِرٌ أصْلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرِينَ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ والمُشْرِكُونَ نَجَسٌ».
وتَخْصِيصُ الطَّهارَةِ بِالطَّهارَةِ مِنَ السِّفاحِ لا دَلِيلَ لَهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وقَدْ ألَّفُوا في هَذا المَطْلَبِ الرَّسائِلَ واسْتَدَلُّوا لَهُ بِما اسْتَدَلُّوا، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الشِّيعَةِ كَما ادَّعاهُ الإمامُ الرّازِّيُّ نِاشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ، وأكْثَرُ هَؤُلاءِ عَلى أنْ آزر اسْمٌ لِعَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجاءَ إطْلاقُ الأبِ عَلى العَمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ وفِيهِ إطْلاقُ الأبِ عَلى الجَدِّ أيْضًا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي العَبّاسِ» وأيَّدَ بَعْضُهم دَعْوى أنَّ أبا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ كافِرًا وإنَّما الكافِرُ عَمُّهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، قالَ: لَمّا أرادُوا أنْ يُلْقُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ جَعَلُوا يَجْمَعُونَ الحَطَبَ حَتّى إنْ كانَتِ العَجُوزُ لَتَجْمَعُ الحَطَبَ فَلَمّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ تَعالى ونَعِمَ الوَكِيلُ، فَلَمّا ألْقَوْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ فَكانَتْ، فَقالَ عَمُّهُ: مِن أجْلِي دُفِعَ عَنْهُ فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَرارَةً مِنَ النّارِ فَوَقَعَتْ عَلى قَدَمِهِ فَأحْرَقَتْهُ وبِما أُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وواقِعَةِ النّارِ إلى الشّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ واتَّفَقَ لَهُ مَعَ الجَبّارِ ما اتُّفِقَ ثُمَّ رَجَعَ إلى الشّامِ ومَعَهُ هاجَرُ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْقُلَها ووَلَدَها إسْماعِيلَ إلى مَكَّةَ فَنَقَلَها، ودَعا هُناكَ فَقالَ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ ، فَإنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِن ذَلِكَ أنَّ المَذْكُورَ في القُرْءانِ بِالكُفْرِ هو عَمُّهُ، حَيْثُ صُرِّحَ في الأثَرِ الأوَّلِ أنَّ الَّذِي هَلَكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ هو عَمُّهُ، ودَلَّ الأثَرُ الثّانِي عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِوالِدَيْهِ كانَ بَعْدَ هَلاكِ أبِيهِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ فَلَوْ كانَ الهالِكُ هو أبُوهُ الحَقِيقِيُّ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الِاسْتِغْفارُ لَهُ أصْلًا، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الهالِكَ هو العَمُّ الكافِرُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالأبِ مَجازًا وذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّ المُسْتَغْفَرَ لَهُ إنَّما هو الأبُ الحَقِيقِيُّ ولَيْسَ بِآزَرَ، وكانَ في التَّعْبِيرِ بِالوالِدِ في آيَةِ الِاسْتِغْفارِ وبِالأبِ في غَيْرِها إشارَةٌ إلى المُغايَرَةِ ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَذِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شافَهَهُ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكَ في عِباداتِها ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ عَظِيمٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ مُبِينٍ ﴾ 47 - أيْ ظاهِرٍ لا اشْتِباهَ فِيهِ أصْلًا، ومُشافَهَةُ الأبِ بِالجَفاءِ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الإيذاءِ، وآيَةُ التَّأْفِيفِ بِفَحْواها تَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الإيذاءاتِ كَعُمُومِها لِلْأبِ الكافِرِ والمُسْلِمِ، وأيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ أمَرَهُ بِالرِّفْقِ مَعَهُ والقَوْلِ اللَّيِّنِ لَهُ رِعايَةً لِحَقِّ التَّرْبِيَةِ وهي في الوالِدِ أتَمُّ، وأيْضًا الدَّعْوَةُ بِالرِّفْقِ أكْثَرُ تَأْثِيرًا فَإنَّ الخُشُونَةَ تُوجِبُ النُّفْرَةَ فَلا تَلِيقُ مِن غَيْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الأجانِبِ فَكَيْفَ تَلِيقُ مِنهُ مَعَ أبِيهِ وهو الأوّاهُ الحَلِيمُ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الإيذاءِ المُحَرَّمِ في شَيْءٍ ولَيْسَ مُقْتَضى المَقامِ إلّا ذاكَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدّاعِيَ لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ مُجَرَّدُ رِعايَةِ حَقِّ التَّرْبِيَةِ، وقَدْ يَقْسُو الإنْسانُ أحْيانًا عَلى شَخْصٍ لِمَنفَعَتِهِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ وقالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي: اضْرِبْ ولِيَدَكَ وادْلُلْهُ عَلى رُشْدٍ ولا تَقُلْ هو طِفْلٌ غَيْرُ مُحْتَلِمِ فَرُبَّ شِقٍّ بِرَأْسٍ جَرَّ مَنفَعَةً ∗∗∗ وقِسْ عَلى شِقِّ رَأْسِ السَّهْمِ والقَلَمِ وقالَ أبُو خَفاجَةَ الأنْدَلُسِيُّ: نَبِّهْ ولِيَدَكَ مِن صِباهُ بِزَجْرِهِ ∗∗∗ فَلَرُبَّما أغْفى هُناكَ ذَكاؤُهُ وانْهَرْهُ حَتّى تَسْتَهِلَّ دُمُوعُهُ ∗∗∗ في وجْنَتَيْهِ وتَلْتَظِي أحْشاؤُهُ فالسَّيْفُ لا يَذْكُو بِكَفِّكَ نارُهُ ∗∗∗ حَتّى يَسِيلَ بِصَفْحَتَيْهِ ماؤُهُ وكَوْنُ الرِّفْقِ أكْثَرَ تَأْثِيرًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الِإطْلاقِ فَإنَّ المَقاماتِ مُتَفاوِتَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تارَةً: ﴿ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وأُخْرى ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ نَعَمْ لَوِ ادُّعِيَ أنَّ ما ذُكِرَ مُؤَيِّدٌ لَكَوْنِ آزَرَ لَيْسَ أبًا حَقِيقِيًّا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَرُبَّما قُبِلَ، وحَيْثُ ادُّعِيَ أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى ذَلِكَ فَلا يُقْبَلُ فَتَدَبَّرْ، والرُّؤْيَةُ إمّا عِلْمِيَّةٌ والظَّرْفُ مَفْعُولُها الثّانِي، وإمّا بَصَرِيَّةٌ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومَنشَأُ ضَلالِ عَبَدَةِ الأصْنامِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ أبِي مَعْشَرٍ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمِ البَلْخِيِّ في بَعْضِ كُتُبِهِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ؛ فَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الإمامُ أنَّهُ قالَ: إنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الصِّينِ والهِنْدِ كانُوا يُثْبِتُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ إلّا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ جِسْمٌ ذُو صُورَةٍ كْأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، ولِلْمَلائِكَةِ أيْضًا صُوَرٌ حَسَنَةٌ إلّا أنَّهم كُلَّهم مُحْتَجِبُونَ بِالسَّماواتِ عِنْدَهم فَلا جَرَمَ اتَّخَذُوا صُوَرًا وتَماثِيلَ أنِيقَةَ المَنظَرِ حَسَنَةَ الرِّواءِ والهَيْكَلِ وجَعَلُوا الأحْسَنَ هَيْكَلَ الإلَهِ وما دُونَهُ هَيْكَلُ المَلَكِ وواظَبُوا عَلى عِبادَةِ ذَلِكَ قاصِدِينَ الزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ المَلائِكَةِ.
وذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في أصْلِ عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ النّاسَ رَأوْا تَغَيُّراتِ أحْوالِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّراتِ أحْوالِ الكَواكِبِ فَزَعَمُوا ارْتِباطَ السَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها في الطَّوالِعِ.
ثُمَّ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ مَبْدَأ حُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الِاتِّصالاتُ الفَلَكِيَّةُ والمُناسِباتُ الكَوْكَبِيَّةُ؛ فَبالَغُوا في تَعْظِيمِ الكَواكِبِ.
ثُمَّ مِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذاتِها، ومِنهم مَنِ اعْتَقَدَ حُدُوثَها وكَوْنَها مَخْلُوقَةً لِلْإلَهِ الأكْبَرِ إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها مَعَ ذَلِكَ هي المُدَبِّرَةُ لَأحْوالِ العالَمِ.
وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها ولَمّا رَأوْها قَدْ تَغِيبُ عَنِ الأبْصارِ اتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ الجَوْهَرِ المَنسُوبِ إلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ عِبادَةُ تِلْكَ الكَواكِبِ والتَّقَرُّبُ إلَيْها.
ولِهَذا أقامَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأدِلَّةَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ لا تَأْثِيرَ لَها البَتَّةَ في أحْوالِ هَذا العالَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّ الكَواكِبَ مُسَخَّرَةٌ.
وعَلى أنَّها لَوْ قُدِّرَ صُدُورُ فِعْلٍ مِنها وتَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ لا تَخْلُو عَنْ دَلائِلِ الحُدُوثِ وكَوْنِها مَخْلُوقَةً فَيَكُونُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الفَرْعِ دُونَ عِبادَةِ الأصْلِ ضَلالًا مَحْضًا.
ويُرْشِدُ إلى أنَّ حاصِلَ دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ ما ذُكِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى تَوْبِيخَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ عَلى اتِّخاذِها؛ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلْإلَهِيَّةِ.
وأنا أقُولُ: لَعَلَّ هَذا سَبَبٌ في عِبادَةِ الأصْنامِ أوَّلًا.
وأمّا سَبَبُ عِبادَةِ العَرَبِ لَها فَغَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ هِشامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ - وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ- خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَلَمّا قَدِمَ أرْضَ البَلْقاءِ وبِها يَوْمَئِذٍ العَمالِقَةُ أوْلادُ عِمْلاقٍ ويُقالُ عِمْلِيقُ بْنُ وُدِّ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقالَ لَهم: ما هَذِهِ الَّتِي أراكم تَعْبُدُونَ؟
فَقالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ نَعْبُدُها ونَسْتَمْطِرُ بِها فَتُمْطِرُنا ونَسْتَنْصِرُ بِها فَتَنْصُرُنا فَقالَ لَهم: ألا تُعْطُونِي مِنها صَنَمًا فَأسِيرُ بِهِ إلى أرْضِ العَرَبِ فَيَعْبُدُونَهُ فَأعْطَوْهُ صَنَمًا يُقالُ لَهُ هُبَلٌ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ وأمَرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ.
وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: يَزْعُمُونَ أنَّ أوَّلَ ما كانَتْ عِبادَةُ الحِجارَةِ في بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَظْعَنُ مِن مَكَّةَ ظاعِنٌ مِنهم حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ والتَمَسُوا الفُسَحَ في البِلادِ إلّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِن حِجارَةِ الحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ فَحَيْثُ ما نَزَلُوا وضَعُوهُ فَطافُوا بِهِ كَطَوافِهِمْ بِالكَعْبَةِ حَتّى خَلَفَهُمُ الخَلَفُ ونَسُوا ما كانُوا عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ غَيْرَهُ فَعَبَدُوا الأوْثانَ فَصارُوا عَلى ما كانَتِ الأُمَمُ قَبْلَهم مِنَ الضَّلالاتِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ ﴾ هَذِهِ الإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُسْتَعارَةِ اسْتِعارَةً لُغَوِيَّةً لِلْمَعْرِفَةِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ أيْ عَرَّفْناهُ وبَصَّرْناهُ.
وكانَ الظّاهِرُ (أرَيْنا) بِصِيغَةِ الماضِي إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها حَتّى كَأنَّها حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُسْتَقْبَلِ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الإراءَةِ لا يَتَناهى وجْهُ دَلالَتِهِ فَلا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلى ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿ نُرِي ﴾ لا إلى إراءَةٍ أُخْرى مَفْهُومَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أراكَ ﴾ ولا إلى ما أنْذَرَ بِهِ أباهُ وضَلَّلَ قَوْمَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والبَصارَةِ، وجُوِّزَ كُلٌّ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المُشَبَّهُ التَّبْصِيرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ واقِعٌ والمُشَبَّهُ بِهِ التَّبْصِيرُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، ونَظِيرُهُ وصْفُ النِّسْبَةِ بِالمُطابَقَةِ لِلْواقِعِ وهي عَيْنُ الواقِعِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الكافِ بِمَعْنى اللّامِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ السّابِقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما هو الأجْزَلُ والأوْلى مِمّا تَقَدَّمَ لَكَ في نَظائِرِهِ ولَيْسَ هو إلّا الأوَّلَ أيْ ذَلِكَ التَّبْصِيرُ البَدِيعُ نُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى ومالِكِيَّتَهُ لَهُما لا تَبْصِيرًا آخَرَ أدْنى مِنهُ، فالمَلَكُوتُ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّحَمُوتِ كَما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وِتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ ولِهَذا فُسِّرَ بِالمُلْكِ العَظِيمِ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ - مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى خِلافًا لِبَعْضِهِمْ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ الآياتُ، وقِيلَ: العَجائِبُ الَّتِي في السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فُرِجَتْ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ حَتّى انْتَهى بَصَرُهُ إلى العَرْشِ وفُرِجَتْ لَهُ الأرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا رَأى إبْراهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَواتِ والأرْضِ أشْرَفَ عَلى رَجُلٍ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ فَذَهَبَ يَدْعُو عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يا إبْراهِيمُ إنَّكَ رَجُلٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ فَلا تَدْعُ عَلى عِبادِي فَإنَّهِمْ مِنِّي عَلى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَتُوبَ العاصِي فَأتُوبَ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ أُخْرِجَ مِن صُلْبِهِ نَسَمَةً تَمْلَأُ الأرْضَ بِالتَّسْبِيحِ، وإمّا أنْ أقْبِضَهُ إلَيَّ فَإنْ شِئْتُ عَفَوْتُ وإنْ شِئْتُ عاقَبْتُ».
ورُوِيَ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ شَتّى ولا خِلافَ فِيها لِدَلائِلِ المَعْقُولِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، وقِيلَ: مَلَكُوتُ السَّمَواتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ الجِبالُ والأشْجارِ والبِحارِ وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى ما قِيلَ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإراءَةُ بَصَرِيَّةً إذْ لَيْسَ المُرادُ بِإراءَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْصارِها ومُشاهَدَتِها في أنْفُسِها؛ بَلِ اطِّلاعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَقائِقِها وتَعْرِيفِها مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ حِسًّا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّشْبِيهُ السّابِقُ وقُرِئَ (تُرِي) بِالتّاءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكُوتِ أيْ تُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ 75 - أيْ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الإيقانِ البالِغِينَ دَرَجَةَ عَيْنِ اليَقِينِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا لا يَقْتَضِي سَبْقَ الشَّكِّ كَما لا يَخْفى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها أيْ ولِيُكُونَ كَذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّبْصِيرِ البَدِيعِ المَذْكُورِ.
والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ هَذا الكَوْنَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن ذَلِكَ التَّبْصِيرِ ونَحْوَ إرْشادِ الخَلْقِ وإلْزامِ الكُفّارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُلاحِظْ ذَلِكَ فَقَدَّرَ الفِعْلَ مُقَدَّمًا لِعَدَمِ انْحِصارِ العِلَّةِ فِيما ذُكِرَ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْها الكَلامُ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلِالتِفاتِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْإراءَةِ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِإعادَةِ اللّامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ يَنْبَغِي عَلى ذَلِكَ أنْ يُرادَ بِمَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ بَدائِعُهُما وآياتُهُما لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مِن غاياتِ إراءَتِها لا مِن غايَةِ إراءَةِ نَفْسِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ رُؤْيَةَ الرُّبُوبِيَّةِ إنَّما هي بِرُؤْيَةِ دَلائِلِها وآثارِها.
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الواوِ زائِدَةً واللّامِ مُتَعَلِّقَةً بِما قِيلَ وفِيهِ بُعْدٌ، وإنْ ذَكَرُوهُ وجْهًا كالأوَّلِينَ في كُلِّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن هَذا القَبِيلِ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ ولَحِقَ، فَإنَّ تَعْرِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبُوبِيَّتَهُ ومالِكِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وكَوْنَ الكُلِّ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وكَوْنَهُ مِنَ الرّاسِخِينَ في المَعْرِفَةِ الواصِلِينَ إلى ذُرْوَةِ عَيْنِ اليَقِينِ مِمّا يَقْتَضِي بِأنْ يَحْكُمَ بِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّةِ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها قَوْمُهُ.
واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِما ذُكِرَ مِن إراءَةِ المَلَكُوتِ وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ اسْتِلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، والتَّرْتِيبُ ذِكْرى لِتَأخُّرِ التَّفْصِيلِ عَنِ الإجْمالِ في الذِّكْرِ.
ومَعْنى ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ، وهَذِهِ المادَّةُ بِمُتَصَرِّفاتِها تَدُلُّ عَلى السَّتْرِ.
وعَنِ الرّاغِبِ أصْلُ الجَنِّ السَّتْرُ عَنِ الحاسَّةِ، يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ، فَجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ سَتْرَهُ، وأجَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ما يَسْتُرُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَأى كَوْكَبًا ﴾ جَوابُ (لَمّا) فَإنَّ رُؤْيَتَهُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عادَةً بِزَوالِ نُورِ الشَّمْسِ عَنِ الحِسِّ.
وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ بَلْ كانَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ الِاضْمِحْلالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدَهُ أنَّهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ الغُرُوبِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإشارَةُ إلى سَبَبِ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالكَوْكَبِ -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- المُشْتَرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ الزُّهَرَةُ ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وإرْخاءِ العِنانِ مُجاراةً مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإبْطالِ وهَذا هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا مَحْذُوفًا؛ وحَذْفُ أداةِ الِاسْتِفْهامِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها؟
قُلْتُ بَهِرًا، وقَوْلُهُ: فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هم هم ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ إنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ﴾ ، وقِيلَ: أنَّهُ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوا ولَمْ يَلْتَفِتُوا فَمالَ إلى طَرِيقٍ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ؛ وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنَّ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا.
وقَرَّرَ الإمامُ هَذا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ وكانَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ.
وإذا جازَ ذَلِكَ لِبَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ المُوافَقَةِ ظاهِرًا لِلْقَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لَهُ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ، ثُمَّ قالَ: ومِمّا يُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النُّجُومِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَمَتى جازَتِ المُوافَقَةُ لِهَذا الغَرَضِ فَلِمَ لا تَجُوزُ في مَسْئَلَتِنا لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ بَيْنَما كانُوا يَدْعُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ وكانَتِ المُناظَرَةُ بَيْنَهم قائِمَةً عَلى ساقٍ إذْ طَلَعَ النَّجْمُ، فَقالَ: هَذا َرَبِّي.
عَلى مَعْنى هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وقِيلَ: والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لا سِيَّما ما قَرَّرَهُ الإمامُ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ بَعْدَ البُلُوغِ ودَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ، وسِياقُ الآيَةِ وسِباقُها شاهِدا عَدْلٍ عَلى ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ قَبْلَ البُلُوغِ ولا يَلْزَمُهُ اخْتِلاجُ شَكٍّ مُؤَدٍّ إلى كُفْرٍ لِأنَّهُ لَمّا آمَنَ بِالغَيْبِ أرادَ أنْ يُؤَيِّدَ ما جَزَمَ بِهِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى إلَهًا وكانَ ما يَعْبُدُهُ قَوْمُهُ لَكانَ إمّا كَذا وإمّا كَذا والكُلُّ لا يَصِحُّ لِذَلِكَ؛ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ اللَّهِ تَعالى إلَهًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويَأْباهُ السِّياقُ والسِّباقُ كَما لا يَخْفى.
وزُعِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ما قالَ إذْ لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، والجَهْلُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ لا يُضَرُّ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كُفْرًا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ المُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وهو لِلَّهِ تَعالى مُوَحِّدٌ وبِهِ عارِفٌ ومِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ بَرِيءٌ.
وقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا في صِغَرِهِ ما لا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ شائِبَةٌ مِمّا يُناقِضُ ذَلِكَ فالوَجْهُ الأوَّلُ لا غَيْرَ.
ولَعَلَّ سُلُوكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ في بَيانِ اسْتِحالَةِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ دُونَ بَيانِ اسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ كَما قِيلَ لِما أنَّ هَذا أخْفى بُطْلانًا واسْتِحالَةً مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْ صَدَعَ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ كَما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادَةِ الأصْنامِ لَتَمادَوْا في المُكابَرَةِ والعِنادِ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وكانَ تَقْدِيمُ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الخَفِيِّ إلى الأخْفى، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ فاتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ المَعادِنِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ كالذَّهَبِ لِلشَّمْسِ والفِضَّةِ لِلْقَمَرِ لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْها فَكانَ الصَّنَمُ كالقِبْلَةِ لَهم فَأنْكَرَ أوَّلًا عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ثُمَّ أبْطَلَ مُنْشَآتِها وما نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنَ الكَواكِبِ بِعَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ أيْضًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَها اسْتِقْلالًا دُونَ تَأْثِيرِ الأصْنامِ ولِهَذا تَعَرَّضَ لِبُطْلانِ الإلَهِيَّةِ في الأصْنامِ والرُّبُوبِيَّةِ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ البُخارِيِّ (رَإي) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ (رِئِي) بِكَسْرِ الرّاءِ والهَمْزَةِ ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غَرَبَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ 67 - أيِ الأرْبابَ المُنْتَقِلِينَ مِن مَكانٍ إلى مَكانِ المُتَغَيِّرِينَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ونَفْيُ المَحَبَّةِ قِيلَ إشارَةٌ إلى نَفْيِ اعْتِقادِ الرُّبُوبِيَّةِ وكَنّى بَعْضُهم بِعَدَمِ المَحَبَّةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الكَلامِ مُضافًا أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَمُبْتَدَأُ الِاشْتِقاقُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ لِأنَّ الأقْوالَ انْتِقالٌ واحْتِجابٌ وكُلٌّ مِنها يُنافِي اسْتِحْقاقَ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الحُدُوثِ والإمْكانِ المُسْتَحِيلَيْنِ عَلى الرَّبِّ المَعْبُودِ القَدِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ أيْ مُبْتَدِأً في الطُّلُوعِ مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ، ولَعَلَّهُ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ البَزْغِ وهو الشِّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يُشَقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ويُقالُ بَزَغَ النّابُ إذا ظَهَرَ وبَزَغَ البَيْطارُ الدّابَّةَ إذا أسالَ دَمَها، ويُقالُ: بَزَغَ الدَّمُ أيْ سالَ وعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بُزُوغُ القَمَرِ مُشَبَّهًا بِما ذُكِرَ، وكَلامُ الرّاغِبِ صَرِيحٌ فِيهِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الكَواكِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ جَوابُ (لَمّا) وهو عَلى طُرُزِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ كَما أفَلَ الكَوْكَبُ ﴿ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾ إلى جَنابَهِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿ لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ ﴾ 77 - فَإنَّ شَيْئًا مِمّا رَأيْتُهُ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصَفَةِ، وفِيهِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ القَمَرَ إلَهًا وهو نَظِيرُ الكَواكِبِ في الأُفُولِ فَهو ضالٌّ، والتَّعْرِيضُ بِضَلالِهِمْ هُنا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أصْرَحُ وأقْوى مِن قَوْلِهِ أوَّلًا لا أحَبَّ الآفِلِينَ، وإنَّما تَرَقّى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ لِأنَّ الخُصُومَ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ الأوَّلِ حُجَّةً فَأنِسُوا بِالقَدْحِ في مُعْتَقَدِهِمْ، ولَوْ قِيلَ هَذا في الأوَّلِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَنْفِرُونَ ولا يُصْغُونَ إلى الِاسْتِدْلال، فَما عَرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم عَلى ضَلالَةٍ إلّا بَعْدَ أنْ وثِقَ بِإصْغائِهِمْ إلى تَمامِ المَقْصُودِ واسْتِماعِهِمْ لَهُ إلى آخِرِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرَقّى في النَّوْبَةِ الثّالِثَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالبَراءَةِ مِنهم والتَّصْرِيحِ بِأنَّهم عَلى شِرْكٍ حِينَ تَمَّ قِيامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَبَلَّجَ الحَقُّ وبَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ غايَتَهُ وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَلى أنَّ اسْتِدْلالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِنَفْسِهِ بَلْ كانَ مُحاجَّةً لِقَوْمِهِ وكَذا ما سَيَأْتِي وحَمْلُ هَذا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَعْجَزَ نَفْسَهُ فاسْتَعانَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ في دَرْكِ الحَقِّ، وما سَيَأْتِي عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى حُصُولِ اليَقِينِ مِنَ الدَّلِيلِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حُصُولَ اليَقِينِ مِنَ الدَّلِيلِ لا يُنافِي المُحاجَّةَ مَعَ القَوْمِ، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في مَوْضِعٍ كانَ في جانِبِهِ الغَرْبِيِّ جَبَلٌ شامِخٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ والقَمَرُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وكانَ الكَوْكَبُ قَرِيبًا مِنهُ وأُفُقُهُ الشَّرْقِيُّ مَكْشُوفٌ أوَّلًا وإلّا فَطُلُوعُ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ ثُمَّ أُفُولُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً ﴾ أيْ مُبْتَدِأةً في الطُّلُوعِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ، وقالَ آخَرُ: أنَّ القَمَرَ لَمْ يَكُنْ حِينَ رَآهُ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ بَلْ كانَ وراءَ جَبَلٍ ثُمَّ طَلَعَ مِنهُ أوْ في جانِبٍ آخَرَ لا يَراهُ وإلّا فَلا احْتِمالَ لِأنْ يَطْلُعَ القَمَرُ مِن مَطْلَعِهِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ ثُمَّ يَغْرُبُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ جَبَلٍ في المَغْرِبِ أوِ المَشْرِقِ خِلافُ الظّاهِرِ لا سِيَّما عَلى قَوْلِ شَيْخِ الإسْلامِ لِأنَّ هَذا الِاحْتِجاجَ كانَ في نَواحِي بابِلَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ المُؤَرِّخِينَ وأهْلِ الأثَرِ، ولَيْسَ هُناكَ اليَوْمَ جَبَلٌ مُرْتَفِعٌ بِحَيْثُ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ واحْتِمالُ كَوْنِهِ كانَ إذْ ذاكَ ولَمْ يَبْقَ بِتَتالِي الأعْوامِ بِعِيدٌ، وكَذا يُقالُ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ عِنْدَ النّاسِ اليَوْمَ إنَّ واقِعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَرِيبًا مِن حَلَبَ لِأنَّهُ أيْضًا لَيْسَ هُناكَ جَبَلٌ شامِخٌ كَما يَقُولُهُ الشَّيْخُ عَلى أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البُزُوغِ والأُفُولِ البُزُوغُ مِنَ الأُفُقِ الحَقِيقِيِّ لِذَلِكَ المَوْضِعِ والأُفُولُ عَنْهُ لا مُطْلَقُ البُزُوغِ والأُفُولِ وقالَ الشِّهابُ إنَّ الَّذِي ألْجَأهم إلى ما ذُكِرَ التَّعْقِيبُ بِالفاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا مِثْلَ تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ تَمْضِ أيّامٌ ولَيالٍ بَيْنَ ذَلِكَ سَواءً كانَ اسْتِدْلالًا أوْ وضْعًا واسْتِدْراجًا لا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالثّانِي كَما تُوُهِّمَ عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ ما ذُكِرَ إذا كانَ كَوْكَبًا مَخْصُوصًا، وإنَّما يُرَدُّ لَوْ أُرِيدَ جُمْلَةُ الكَواكِبِ أوْ واحِدٌ لا عَلى التَّعْيِينِ فَتَأمَّلْ، انْتَهى، ولا يُخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ والتِزامَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمْ يَكُنْ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ وصَبِيحَتِها هو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، ودَعْوى إمْكانِ طُلُوعِ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ حَقِيقَةٌ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وأُفُولِهِ قَبْلَ طُلُوعِها لا يَدَّعِيها عارِفٌ بِالهَيْئَةِ في هَذِهِ الآفاقِ الَّتِي نَحْنُ فِيها لِأنَّ امْتِناعَ ذَلِكَ عادَةٌ، ولَوْ أُرِيدَ كَوْكَبٌ مَخْصُوصٌ أمْرٌ ظاهِرٌ لا سِيَّما عَلى ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ كانَتْ في آخِرِ الشَّهْرِ نَعَمْ قَدْ يُمْكِنُ ذَلِكَ في بَعْضِ البُرُوجِ في عُرُوضٍ مَخْصُوصَةٍ لَكِنْ بَيْنَنا وبَيْنَها مَهامِهُ فَيْحٌ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ فَتَأمَّلْ، (قالَ) أيْ عَلى المِنوالِ السّابِقِ ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ إشارَةٌ إلى الجِرْمِ المُشاهَدِ مِن حَيْثُ هو لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِاسْمٍ مِنَ الأسامِي فَضْلًا عَنْ حَيْثِيَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِالشَّمْسِ ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ وقالَ أبُو حَيّانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ لُغَةِ العَجَمِ لا تُفَرِّقُ في الضَّمائِرِ ولا في الإشارَةِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ولا عَلامَةَ عِنْدَهم لِلتَّأْنِيثِ بَلِ المُؤَنَّثُ والمُذَكَّرُ عِنْدَهم سَواءٌ فَأُشِيرَ في الآيَةِ إلى المُؤَنَّثِ بِما يُشارُ بِهِ إلى المُذَكِّرِ حِينَ حَكى كَلامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحِينَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المُؤَنَّثِ بِـ (بازِغَةً، وأفَلَتْ) أنَّثَ عَلى مُقْتَضى العَرَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحِكايَةٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَظْهَرُ لَوْ حَكى كَلامَهم بِعَيْنِهِ في لُغَتِهِمْ، أمّا إذا عُبِّرَ عَنْهُ بِلُغَةِ العَرَبِ فالمُعْتَبَرُ حُكْمُ لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ العِبْرَةَ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِالحِكايَةِ لا المَحْكِيِّ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ أحَدٌ: الكَوْكَبُ النَّهارِيُّ طَلَعَ فَحَكَيْتَهُ بِمَعْناهُ، وقُلْتَ: الشَّمْسُ طَلَعَتْ، لَمْ يَكُنْ لَكَ تَرْكُ التَّأْنِيثِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ لِما وقَعَ في عِبارَتِهِ وإذا تَتَبَّعْتَ ما وقَعَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ رَأيْتَهُ إنَّما يُراعى فِيهِ الحِكايَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بِالعَجَمِيَّةِ دُونَ العَرَبِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ والصَّحِيحُ خِلافُهُ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وقَدْ صَرَّحُوا في الضَّمِيرِ واسْمِ الإشارَةِ مِثْلَهُ أنَّ رِعايَةَ الخَبَرِ فِيهِ أوْلى مِن رِعايَةِ المَرْجِعِ لِأنَّهُ مَناطُ الفائِدَةِ في الكَلامِ وما مَضى فاتَ، وفي الكَشّافِ بَعْدَ جَعْلِ التَّذْكِيرِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وكانَ اخْتِيارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ واجِبًا لِصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا في الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ مُسَلَّمٌ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُسْتَرْشَدًا ظاهِرٌ، والمُرادُ عَلى المَسْلَكِ الآخَرِ إظْهارُ صَوْنِ الرَّبِّ لِيَسْتَدْرِجَهم إذْ لَوْ حُقِّرَ بِوَجْهٍ ما كانَ سَبَبًا لِعَدَمِ إصْغائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا أكْبَرُ ﴾ تَأْكِيدًا لِما رامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ كَما قِيلَ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الأصْغَرِ، وكَوْنُ الشَّمْسِ أكْبَرَ مِمّا قَبْلَها مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ، والآثارُ في مِقْدارِ جِرْمِها مُخْتَلِفَةٌ والَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ مَثَلًا ورُبْعُ وثُمُنُ مِثْلَ الأرْضِ وسِتَّةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ مَثَلًا وثُلُثا مِثْلٍ لِلْقَمَرِ، وذَكَرُوا أنَّ الأرْضَ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ مَثَلًا وخُمْسُ وعَشْرُ مِثْلٍ لِلْقَمَرِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الهَيْئَةِ لِلْبُرْجَنْدِيِّ ﴿ فَلَمّا أفَلَتْ ﴾ كَما أفَلَ ما قَبْلَها (قالَ) لِقَوْمِهِ صادِحًا بِالحَقِّ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ: ﴿ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ 78 - أيْ مِن إشْراكِكم أوْ مِنَ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُتَغَيِّرَةِ مِن حالٍ إلى أُخْرى المُسَخَّرَةِ لِمُحْدِثِها، وإنَّما أحْتَجَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ مَعَ أنَّهُ أيْضًا انْتِقالٌ قِيلَ لِتَعَدُّدِ دَلالَتِهِ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مَعَ احْتِجابٍ والأوَّلُ حَرَكَةٌ وهي حادِثَةٌ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ مَحَلِّها، والثّانِي اخْتِفاءٌ يَسْتَتْبِعُ إمْكانَ مَوْصُوفِهِ ولا كَذَلِكَ البُزُوغُ لِأنَّهُ وإنْ كانَ انْتِقالًا مَعَ البُرُوزِ لَكِنْ لَيْسَ لِلثّانِي مَدْخَلٌ في الِاسْتِدْلالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ البُزُوغَ أيْضًا انْتِقالٌ مَعَ احْتِجابٍ لِأنَّ الِاحْتِجابَ في الأوَّلِ لاحِقٌ وفي الثّانِي سابِقٌ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ في وسَطِ السَّماءِ كَما قِيلَ ولَمْ يُشاهِدْ بُزُوغَهُ فَإنَّما يَصِيرُ نُكْتَةً في الكَوْكَبِ دُونَ القَمَرِ والشَّمْسِ إلّا أنْ يُقالَ بِتَرْجِيحِ الأُفُولِ بِعُمُومِهِ بِخِلافِ البُزُوغِ والأوْلى ما قِيلَ: إنَّ تَرْتِيبَ هَذا الحُكْمِ ونَظِيرَيْهِ عَلى الأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ والظُّهُورِ مِن ضَرُورِيّاتِ سَوْقِ الِاحْتِجاجِ عَلى هَذا المَساقِ الحَكِيمِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وإنْ كانَ في نَفْسِهِ انْتِقالًا مُنافِيًا لِاسْتِحْقاقٍ في الجُمْلَةِ رُتِّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ الأوَّلُ أعْنِي (هَذا رَبِّي) عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ وحَيْثُ كانَ الثّانِي حالَةً مُقْتَضِيَةً لِانْطِماسِ الآثارِ وبُطْلانِ الأحْكامِ المُنافِيَيْنِ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ مُنافاةً بَيِّنَةً يَكادُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ مُكابِرٍ عَنِيدٍ رَتَّبَ عَلَيْها ما رَتَّبَ، انْتَهى وبِمَعْنى هَذا ما قالَهُ الإمامُ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ مِن أنَّ دَلالَتَهُ عَلى المَقْصُودِ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الآفِلَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الهَوى في حَضِيضِ الإمْكانِ أُفُولٌ؛ وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ وكُلُّ مُمَكَّنٍ مُحْتاجٌ والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مُقَطِّعًا لِلْحاجَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ ، وأمّا الأوْساطُ فَهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحَدَثٌ وكُلُّ مُحَدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ، وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالَ: فَكَلِمَةُ ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ، وهُنا أيْضًا دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ، ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ وكانَ صاعِدًا إلى وسَطَ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ.
أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ الأثَرِ قَلِيلَ القُوَّةِ فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ ناقِصَ التَّأْثِيرِ عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ لِلْأُفُولِ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ فَهْمَ الهَوى في حَضِيضِ الإمْكانِ مِن ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ، وكَوْنُ المُرادِ فَلَمّا تَحَقَّقَ إمْكانُهُ لِظُهُورِ أماراتِ ذَلِكَ مِنَ الجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ مَثَلًا قالَ إلَخْ لا يَخْفى ما فِيهِ، نَعَمْ، فَهْمُ هَذا المَعْنى مِن ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ رُبَّما يُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ، ونُقِلَ عَنْ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ فَلَكٍ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ، والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ.
والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرَكَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةُ القُوَّةِ؛ ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلِي عَلَيْها قاهِرٌ لَها وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاحْتِجاجِ عَلى قَوْمِهِ بِأُفُولِ الشَّمْسِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ امْتِناعِ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيها لِذَلِكَ امْتِناعُها في غَيْرِها مِن بابِ أوْلى وفِيهِ أيْضًا رِعايَةُ الإيجازِ والِاخْتِصارِ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْوَنِ إلى الأعْلى مُبالَغَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ عَلى ما هو اللّائِقُ بِذَلِكَ المَقامِ ولَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ ونَحْوِهِما مِمّا يُدْرِكُهُ الرّائِي عِنْدَ الرُّؤْيَةِ في أماراتِ الحُدُوثِ والإمْكانِ اخْتِيارًا لِما هو أوْضَحُ مِن ذَلِكَ في الدَّلالَةِ وأتَمُّ، <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَرَّأ مِمّا تَبْرَأ مِنهُ تَوَجَّهَ إلى مُبْدِعٍ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ ومُوجِدِها فَقالَ: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ﴾ أيْ أوْجَدَ وأنْشَأ ﴿ السَّماواتِ ﴾ الَّتِي هَذِهِ الأجْرامُ مِن أجْزائِها ﴿ والأرْضَ ﴾ الَّتِي تِلْكَ الأصْنامُ مِن أجْزائِها ﴿ حَنِيفًا ﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها ﴿ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ 79 - أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
والمُرادُ مِن تَوْجِيهِ الوَجْهِ لِلَّذِي فَطَرَ إلَخْ قَصْدُهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ وقالَ الإمامُ: المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا الجَوازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ فَجَعَلَ تَوَجُّهَ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ صِلَةُ وجَّهَ.
وفي الصِّحاحِ وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ وإلَيْكَ، وظاهِرُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ وجَّهَ وتَوَجَّهَ بِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ بِاللّامِ والثّانِي بِإلى، وعَلَيْهِ وجْهُ اللّامِ هُنا دُونَ إلى ظاهِرٌ، ولَيْسَ في القامُوسِ تَعَرُّضٌ لِهَذا الفَرْقِ.
وادَّعى الإمامُ أنَّهُ حَيْثُ كانَ المَعْنى تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ لا تَوَجُّهَ القَلْبِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ تُرِكَتْ إلى واكْتَفى بِاللّامِ فَتَرَكَها.
والِاكْتِفاءُ بِاللّامِ هَهُنا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ؛ وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ قُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ أنَّ الكَوْكَبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشِّرْكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ فَلِمَ جَزَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ بَعْدَ إقامَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؟
فالجَوابُ بِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفِيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الِإطْلاقِ.
ثُمَّ أنَّ المَشْهُورَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مِن أوَّلِ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الثّانِي والشَّخْصِيَّةُ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أوِ القَمَرُ أوْ هَذِهِ أوْ أفَلَتْ ولا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ أوْ رَبِّي لَيْسَ بِآفِلٍ يَنْتُجُ هَذا أوِ القَمَرَ أوْ هَذِهِ لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لَيْسَ بِرَبِّي.
أمّا الصُّغْرى فَهي كالمُصَرَّحِ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: (فَلَمّا أفَلَ) في المَوْضِعَيْنِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا أفَلَتْ ﴾ في الأخِيرِ، وأمّا الكُبْرى فَمَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ لِأنَّهُ يُشِيرُ إلى قِياسٍ.
وهو كُلُّ آفِلٍ لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ.
وكُلُّ مَن لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَلَيْسَ بَإلَهٍ يَنْتُجُ مِنَ الأوَّلِ كُلُّ آفِلٍ لَيْسَ بَإلَهٍ، ويَسْتَلْزِمُ لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ بِإلَهٍ لِاسْتِلْزامِ المُوجِبَةِ المَعْدُولَةِ السّالِبَةِ المُحَصَّلَةِ.
ويَصِحُّ جَعْلُ الكُبْرى ابْتِداءً سالِبَةً فَيَنْتُجُ ما ذُكِرَ ويَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وهي إحْدى الكُبْرَيَيْنِ ويُعْلَمُ مِن هَذا بِأدْنى التِفاتٍ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الكُبْرى الثّانِيَةِ وقالَ المَلَوِيُّ: الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَتَضَمَّنُ قَضِيَّةً وهي لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَتُجْعَلُ كُبْرى لِصُغْرى ضَرُورِيَّةً وهي الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ يَنْتُجُ لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وإذا ضُمَّتْ هَذِهِ النَّتِيجَةُ إلى القَضِيَّةِ السّابِقَةِ وهي هَذا آفِلٌ ونَحْوُهُ أنْتَجَ مِنَ الثّانِي هَذا لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لا شَيْءَ مِنَ القَمَرِ بَإلَهٍ، وإنْ ضَمَمْتَ عَكْسَها المُسْتَوِيَ إلَيْها أنْتَجَ مِنَ الأوَّلِ المَطْلُوبَ بِعَيْنِهِ فَلا يَتَعَيَّنُ الثّانِي في الآيَةِ بَلِ الأوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنها أيْضًا، اهـ.
فَتَأمَّلْ فِيهِ ولا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ أيْ خاصَمُوهُ -كَما قالَ الرَّبِيعُ- أوْ شَرَعُوا في مُغالَبَتِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ تارَةً بِإيرادِ أدِلَّةٍ فاسِدَةٍ واقِعَةٍ في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ وأُخْرى بِالتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ ﴿ قالَ ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَرْتَبَةِ وعَزَّةِ المَطْلَبِ وقُوَّةِ الخَصْمِ ووُضُوحِ الحَقِّ ﴿ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ أيْ في شَأْنِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ فَفِيهِ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ واخْتُلِفَ في أيِّهِما المَحْذُوفَةِ، فَقِيلَ: نُونُ الرَّفْعِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
ورَجَّحَ بِأنَّ الحاجَةَ دَعَتْ إلى نُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن أجْلِ الياءِ ونُونُ الرَّفْعِ لا تُكْسَرُ.
وبِأنَّهُ جاءَ حَذْفُها كَما في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتُقْلُونا، أرادَ تُقْلُونَنا والنُّونُ الثّانِيَةُ هُنا لَيْسَتْ وِقايَةً بَلْ هي مِنَ الضَّمِيرِ وحَذْفُ بَعْضِ الضَّمِيرِ لا يَجُوزُ وبِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ وهي قَدْ تُحْذَفُ تَخْفِيفًا كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
يَنْصُرُكم ويُشْعِرُكم ويَأْمُرُكم.
وقِيلَ نُونُ الوِقايَةِ.
وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، ورَجَّحَ بِأنَّها الزّائِدَةُ الَّتِي حَصَلَ بِها الثِّقَلُ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ هَدانِي ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ.
فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَهْدِيًّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ الكَفَّ عَنْ مُحاجَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمَ المُبالاةِ بِها والِالتِفاتَ إلَيْها إذا وقَعَتْ، قِيلَ: والمُرادُ ﴿ وقَدْ هَدانِي ﴾ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْكم بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: هَدانِ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما سَلَكْتُ طَرِيقَكم بِالفَرْضِ والتَّقْدِيرِ وتَبَيَّنَ بُطْلانُها تَبَيُّنًا تامًّا كَما شاهَدْتُمُوهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ لا يَقْتَضِي سَبْقَ ضَلالٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَهْلٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا.
و(هْدانِ) يُرْسَمُ كَما قالَ الأجْهُورِيُّ بِلا ياءٍ ﴿ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ جَوابٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ مَعْبُودِهِمُ الباطِلِ كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ ﴿ إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ﴾ وهَذا التَّخْوِيفُ قِيلَ: كانَ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَهُ، وقِيلَ: بَلْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ واحْتِقارِهِ بِنَحْوِ الكَسْرِ والتَّنْقِيصِ، وقِيلَ: ولَعَلَّ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَ بِآلِهَتِهِمْ ما فَعَلَ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شَبَّ وكَبُرَ جَعَلَ آزَرُ يَصْنَعُ الأصْنامَ فَيُعْطِيها لَهُ لِيَبِيعَها فَيَذْهَبُ ويُنادِي مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؛ فَلا يَشْتَرِيها أحَدٌ فَإذا بارَتْ ذَهَبَ بِها إلى النَّهْرِ وضَرَبَ فِيهِ رُؤُوسَها وقالَ لَها اشْرَبِي، اسْتِهْزاءً بِقَوْمِهِ حَتّى فَشا فِيهِمُ اسْتِهْزاؤُهُ فَجادَلُوهُ حِينَئِذٍ وخَوَّفُوهُ.
و(ما) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لا أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَوْصُولِ والباءُ سَبَبِيَّةً أيِ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ، وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ بِتَقْدِيرِ الوَقْتِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مُسْتَثْنًى مِن أعَمِّ الأوْقاتِ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَصْدَرَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ وقْتٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مُفَرِّقًا بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيُجَوِّزُ نَصْبَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وغَيْرِ الصَّرِيحِ فَلا يُجَوِّزُ فِيهِ ذَلِكَ.
وابْنُ جِنِّيٍّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وغَيْرِهِ ويُجَوِّزُ ذَلِكَ فِيهِما عَلى السَّواءِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ في رَأْيٍ.
و(شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في وقْتِ مَشِيئَتِهِ تَعالى شَيْئًا مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها أوْ شَيْئًا مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِآلِهَتِكم في إيجادِهِ وإحْداثِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى ولَكِنْ أخافُ إنْ يَشَأْ رَبِّي خَوْفِي ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تِلْكَ إنْ وقَعَتْ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ أوْ إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ﴿ وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ أيْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ إنْزالُ المَكْرُوهِ بِي مِن جِهَتِها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ونَصَبَ (عِلْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوَسِعَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ واسْتِلْذاذٌ بِذِكْرِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ 80 - أيْ أتُعْرِضُونَ بَعْدَما أوْضَحْتُهُ لَكم عَنِ التَّأمُّلِ في أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ النَّفْعِ أوِ الضُّرِّ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى إضْرارِي.
وفي إيرادِ التَّذَكُّرِ دُونَ التَّفَكُّرِ ونَحْوِهُ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ آلِهَتِهِمْ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّذْكِيرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِحَسَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ؛ والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافَ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا يَخْلُو عَنْ كَيْفِيَّةٍ فَإذا انْتَفى وُجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، و(كَيْفَ) حالٌ والعَوامِلُ فِيها (أخافُ) و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أخافُ) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ لِمَكانِ الواوِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ، ولا حاجَةَ هُنا إلى ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى ذِي الحالِ لِأنَّ الواوَ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ فَإنَّهَمْ حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحَلِّ الخَوْفِ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى أيْ كَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المُخَوِّفاتِ وأهْوَلُها وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرْضَ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ قِيلَ مَعَ الإيَذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِإشْراكِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الإشْراكِ المُقَيَّدِ بِتَعَلُّقِهِ بِالمَوْصُولِ، ولا حاجَةَ إلى العائِدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في الِاكْتِفاءِ في الرَّبْطِ بِرُجُوعِ العائِدِ إلى ما يَتَلَبَّسُ بِصاحِبِهِ وذِكْرِ مُتَعَلِّقِ الإشْراكِ وهو الِاسْمُ الجَلِيلُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ دُونَ الجُمْلَةِ الأُولى، قِيلَ لِأنَّ المُرادَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ تَهْوِيلُ الأمْرِ، وذِكْرُ المُشْرَكِ بِهِ أُدْخِلَ في ذَلِكَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ أنَّ يُقالَ في وجْهِ الذِّكْرِ في الثّانِيَةِ والتَّرْكِ في الأُولى إنَّهُ لَمّا قِيلَ قُبَيْلَ هَذا (ولا أخافُ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ) كانَ ما هُنا كالتَّكْرارِ لَهُ فَناسَبَ الِاخْتِصارَ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَفَهُ إشارَةً إلى بُعْدِ وِجْدانِيَّتِهِ تَعالى عَنِ الشِّرْكِ فَلا يَنْبَغِي عِنْدَهُ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ولا ذِكْرُ مَعَهُ، ولَمّا ذُكِرَ حالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُنَزِّهُونَهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صُرِّحَ بِهِ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ الجَلِيلِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِيَعُودَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في (ما لَمْ يُنَزِّلْ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي سَبْقُ ذِكْرِهِ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ خَوْفِهِمْ مِن إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُنْكَرُ المُسْتَبْعَدُ عِنْدَ العَقْلِ السَّلِيمِ لا مُطْلَقُ الإنْكارِ ولا كَذَلِكَ في الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّ المَقْصُودَ فِيها إنْكارُ أنْ يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى سَواءً كانَ مِمّا يُشْرِكُهُ الكُفّارُ أوْ لا؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً مَعَ الأُولى في حُكْمِ الإنْكارِ إلّا عِنْدَ مُدَّعِي العَطْفِ وهو مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وأيْضًا أنَّ ﴿ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى غَيْرُ الشَّرِيكِ إنْ هَذا إلّا شَيْءٌ عُجابٌ ثُمَّ أنَّ الآيَةَ نَصٌّ في أنَّ الشِّرْكَ مِمّا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ سُلْطانٌ.
وهَلْ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ السُّلْطانِ في ذَلِكَ أمْ لا؟
ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ وفي أُصُولِ الفِقْهِ ما يُؤَيِّدُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِي والَّذِي أخْتارُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ لَيْسَ مِن مَحَلِّ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، فانْظُرْ ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ خَوْفِهِمْ في مَحَلِّ الخَوْفِ مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وبِهَذا يُعْلَمُ ما في دَعْوى أنَّ الإنْكارَ في الجُمْلَةِ الأوْلى لِنَفْيِ الوُقُوعِ وفي الثّانِيَةِ لِاسْتِبْعادِ الواقِعِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الإنْصافِ، والمُرادُ بِـ (الفَرِيقَيْنِ) الفَرِيقُ الآمِنُ في مَحَلِّ الأمْنِ والآمِنُ في مَحَلِّ الخَوْفِ، فَإيثارُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ -كَما قِيلَ- عَلى أنْ يُقالَ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ؟
لِتَأْكِيدِ الإلْجاءِ إلى الجَوابِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ والتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَتِهِمُ الَّتِي رُبَّما تَدْعُو إلى اللَّجاجِ والعِنادِ مَعَ الإشارَةِ بِما في النَّظْمِ إلى أنَّ أحَقِّيَّةَ الأمْنِ لا تَخُصُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مُوَحِّدٍ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْحِيدِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ 81 - أيْ مَن هو أحَقُّ بِذَلِكَ أوْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أُولِي العِلْمِ فَأخْبِرُونِي بِذَلِكَ.
وقُرِئَ (سُلُطانًا) بِضَمِّ اللّامِ وهي لُغَةٌ أُتْبِعَ فِيها الضَّمُّ الضَّمَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُبَيِّنٌ لِلْجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَقَ وابْنِ زَيْدٍ والجَبائِيِّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ بَيانًا لِأنَّهُ ما كانَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وهَذا جَوابُ سُؤالٍ مُحَقَّقٍ ولا نَحْوِيًّا لِما قالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ الِاسْتِئْنافَ النَّحْوِيَّ ما كانَ في ابْتِداءِ الكَلامِ ومُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ وهَذا مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ لِارْتِباطِ الجَوابِ والسُّؤالِ ضَرُورَةً ولَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُما وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ كَوْنِهِ نَحْوِيًّا ومَعْنى كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ أنْ لا يُعْطَفَ عَلَيْهِ ولا يَتَعَلَّقَ بِهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ وإنِ ارْتَبَطَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِابْتِداءِ الكَلامِ ابْتِداؤُهُ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا أيِ الفَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ ولَمْ يَلْبِسُوا ﴾ أيْ لَمْ يَخْلِطُوا ﴿ إيمانَهُمْ ﴾ ذَلِكَ ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ أيْ شِرْكٍ كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى وأنَّ عِبادَتَهم لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ مَعَهُ مِن تَتِمّاتِ إيمانِهِمْ وأحْكامِهِ لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ وإلى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ هُنا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ ومُجاهِدُ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ حالِ الفَرِيقَيْنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَقالَ : لَيْسَ ما تَظُنُّونَ إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ » ولا يُقالُ: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشِّرْكَ ﴾ إلَخْ أنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لا يَكُونُ ظُلْمًا لِأنَّهم قالُوا: إنَّ التَّنْوِينَ في (بِظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ عَظِيمٍ، ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ عُلِمَ أنَّ المُرادَ لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ أوْ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ المُطْلَقِ أكْمَلُ إفْرادِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجَبائِيِّ والبَلْخِيِّ.
وارْتَضاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَبَعًا لِجُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا أمْنَ لَهُ ولا نَجاةَ مِنَ العَذابِ حَيْثُ دَلَّتْ بِتَقْدِيمٍ لَهُمُ الآتِي عَلى اخْتِصاصِ الأمْنِ بِمَن لَمْ يَخْلِطْ إيمانَهُ بِظُلْمٍ أيْ بِفِسْقٍ وادَّعَوْا أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالشِّرْكِ يَأْباهُ ذِكْرُ اللَّبْسِ أيْ الخَلْطُ إذْ هو لا يُجامِعُ الإيمانَ لِلضِّدِّيَّةِ وإنَّما يُجامِعُ المَعاصِي، والحَدِيثُ خَبَرُ واحِدٍ فَلا يُعْمَلُ بِهِ في مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّ الفِسْقَ أيْضًا لا يُجامِعُ الإيمانَ عِنْدَهم أيْضًا فَلا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ لِكَوْنِهِ اسْمًا لِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ السَّيِّئاتِ حَتّى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَما أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ مَدْفُوعٍ -كَما قِيلَ- بِأنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ الإيمانُ عَلى نَفْسِ التَّصْدِيقِ بَلْ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ بِلَفْظِ الفِعْلَ غَيْرُ هَذا حَتّى أنَّهُ يَعْطِفُ عَلَيْهِ عَمَلَ الصّالِحاتِ كَما جاءَ في غَيْرِ ما آيَةٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ وهو قَدْ يُجامِعُ الشِّرْكَ كَأنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ دُونَ وحْدانِيَّتِهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ مُطْلِقُ التَّصْدِيقِ سَواءً كانَ بِاللِّسانِ أوْ غَيْرِهِ بَلِ المُجامَعَةُ عَلى هَذا أظْهَرُ كَما في المُنافِقِ ولَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنِ الكُفْرِ يُقالُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن لَبْسِ الإيمانِ بِالشِّرْكِ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ ومُشْرِكٌ بَلْ تَغْطِيَتُهُ بِالكُفْرِ وجَعْلُهُ مَغْلُوبًا مُضْمَحِلًّا أوِ اتِّصافُهُ بِالإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ ثُمَّ الإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ مِرارًا، وبَعْدَ تَسْلِيمِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ ﴾ إنَّما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْنِ بِغَيْرِ العُصاةِ وهو لا يُوجِبُ كَوْنَ العُصاةِ مُعَذَّبِينَ البَتَّةَ بَلْ خائِفِينَ ذَلِكَ مُوقِعِينَ لِلِاحْتِمالِ ورُجْحانِ جانِبِ الوُقُوعِ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ الأمْنِ الأمْنُ مِن خُلُودِ العَذابِ لا الأمْنُ مِنَ العَذابِ مُطْلَقًا، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والإشارَةُ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وفي الإشارَةِ إلَيْهِ بِما فِيهِ مَعْنى البُعْدِ بَعْدَ وصْفِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ (لَهُمُ الأمْنُ) مِنَ الخَبَرِ المُقَدَّمِ والمُبْتَدَإ المُؤَخَّرِ خَبَرُ المُبْتَدَإ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أُولَئِكَ) بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ و(لَهُمُ) هو الخَبَرُ و(الأمْنُ) فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ وأنْ يَكُونَ (لَهُمُ) خَبَرًا مُقَدَّمًا و(الأمْنُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ المَوْصُولِ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وقالَ: التَّقْدِيرُ هُمُ الَّذِينَ.
ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ ﴿ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ 82 - إلى الحَقِّ ومَن عَداهم في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهم إلى طَرِيقٍ تُوجِبُ الأمْنَ مِن خُلُودِ العَذابِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ) إلَخْ، وقِيلَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتُحاجُّونِّي ﴾ إلى ﴿ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ وتَرْكِيبُ حُجَّةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ مِنهُ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ حُجَّتُنا ﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِهِ إلى نُونِ العِظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتَيْناها إبْراهِيمَ ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها في مَوْضِعِ الحالِ مِن (حُجَّةُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ و(حُجَّتُنا) بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَإ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (آتَيْنا) إلَخْ مُعْتَرِضَةً أوْ تَفْسِيرِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و(إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَـ (آتَيْنا) قُدِّمَ عَلى الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى قَوْمِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حُجَّتُنا) إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِـ (تِلْكَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَلِ بِأجْنَبِيٍّ أيْ آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ (حُجَّتِنا) أصْلًا لِلْمَصْدَرِيَّةِ والفَصْلِ، ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يَرى المَصْدَرِيَّةَ مانِعَةً عَنْ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ ويَجْعَلُ الفَصْلَ مُغْتَفَرًا، وقِيلَ: يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ (آتَيْنا) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ.
مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ (آتَيْنا) أيْ حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ، ونَصْبُ (دَرَجاتٍ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَأْوِيلِ رَفْعاتٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَفْعُولُ (نَرْفَعُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيما بَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (يَرْفَعُ) بِالياءِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وكَذا نَشاءُ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (دَرَجاتِ مَن) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَرْفَعُ)، ورَفْعُ دَرَجاتِ الإنْسانِ رَفْعٌ لَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم جَعْلَهُ مَفْعُولًا أيْضًا عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ وجَعْلَ (مَن) بِتَقْدِيرِ لِمَن وهو بَعِيدٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَفْعَلُ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ 38 - أيْ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ وإنْ شِئْتَ عَمَمْتَ ويَدْخُلُ حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ الإبْراهِيمِيَّةِ عِدَّةَ أحْكامٍ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا فَيَكُونُ آفِلًا والأُفُولُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ تِلْكَ الغَيْبَةِ المَفْرُوضَةِ أُفُولًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِأنَّ الأُفُولَ احْتِجابٌ مَعَ انْتِقالٍ وتِلْكَ الغَيْبَةُ المَفْرُوضَةُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ هي مُجَرَّدُ احْتِجابٍ فِيما يَظْهَرُ، نَعَمْ أنَّهُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّ الكَلامَ في كَوْنِهِ أُفُولًا لِيَتِمَّ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ لا يُقالُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ ذِكْرُ الحِجابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ بِأنَّ الِاحْتِجابَ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ لِأنّا نَقُولُ: الحِجابُ الوارِدُ كَما قالَ القاضِي عِياضٌ إنَّما هو في حَقِّ العِبادِ لا في حَقِّهِ تَعالى فَهُمُ المَحْجُوبُونَ، والبارِي جُلَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَمّا يَحْجُبُهُ إذِ الحِجابُ إنَّما يُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذِكْرَ الحِجابِ لَهُ تَعالى تَمْثِيلٌ لِمَنعِهِ سُبْحانَهُ الخَلْقَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ السَّيِّدُ النَّقِيبَ في الدُّرَرِ والغُرَرِ: العَرَبُ تُسْتَعْمِلُ الحِجابَ بِمَعْنى الخَفاءِ وعَدَمِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ أحَدُهم لِغَيْرِهِ إذا اسْتَبْعَدَ فَهْمَهُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ حِجابٌ، ويَقُولُونَ لِما يُسْتَصْعَبُ طَرِيقُهُ: بَيْنِي وبَيْنَهُ كَذا حُجُبٌ ومَوانِعُ وساتِرٌ وما جَرى ذَلِكَ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ فِيما ذُكِرَ مَجازًا في المُفْرَدِ فَتَدَبَّرْ، الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى بِحَيْثُ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الواصِفِينَ رَبَّهم عَزَّ شَأْنُهُ بِصِفَةِ النُّزُولِ حَيْثُ سَمِعُوا حَدِيثَهُ الصَّحِيحَ عَنْ رَسُولِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ حَرَكَةٌ وانْتِقالٌ كَما هو كَذَلِكَ في الأجْسامِ، بَلْ يُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في مَعْنى الأُفُولِ المُمْتَنِعِ عَلى الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ الثّالِثُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُ الكَرامِيَّةُ وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ وهو ظاهِرٌ، الرّابِعُ أنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ ألْبَتَّةَ، الخامِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ، السّادِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ، السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وتِلْكَ حُجَّتُنا ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِها في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ إلَخْ، الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (نَرْفَعُ) إلَخْ يَدُلُّ عَلى فَسادِ طَعْنِ الحَشْوِيَّةِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ لا تَخْفى عَلى مَن يَتَدَبَّرُ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ حِينَ رَآهُ مُحْتَجِبًا بِظَواهِرِ عالَمِ المُلْكِ عَنْ حَقائِقِ المَلَكُوتِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْأشْياءِ مُعْتَقَدًا تَأْثِيرَ الأكْوانِ والأجْرامِ ذاهِلًا عَنِ المَلَكُوتِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا ﴾ أيْ أشْباحًا خالِيَةً بِذَواتِها عَنِ الحَياةِ ﴿ آلِهَةً ﴾ فَتَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها ﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرٍ عِنْدَ مَن كُشِفَ عَنْ عَيْنِهِ الغَيْنُ، ﴿ وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ نُوقِفُهُ عَلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي نُدَبِّرُ بِها أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أوْ نُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَتِها ﴿ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ أيْ أهْلِ الإيقانِ العالِمِينَ أنْ لا تَأْثِيرَ إلّا لِلَّهِ تَعالى يُدَبِّرُ الأمْرَ بِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ لَيْلُ عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ في صِباهُ وأوَّلِ شَبابِهِ رَأى كَوْكَبًا وهو كَوْكَبُ النَّفْسِ المُسَمّاةِ رُوحًا حَيَوانِيَّةِ الظّاهِرِ في مَلَكُوتِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ فَقالَ حِينَ رَأى فَيْضَهُ وحَياتَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِن ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ في ذَلِكَ الحِينِ بِاسْمِهِ المُحْيِي ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ بِطُلُوعِ نُورِ القَلْبِ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ بازِغًا مِن أُفُقِ النَّفْسِ ووَجَدَ فَيْضَهُ بِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والمَعارِفِ وتَرْبِيَتِهِ مِنهُ ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ إذْ ذاكَ بِاسْمِهِ العالِمِ والحَكِيمِ ﴿ فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾ إلى نُورِ وجْهِهِ ﴿ لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ ﴾ المُحْتَجِبِينَ بِالبَواطِنِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ ﴾ أيْ شَمْسَ الرُّوحِ بازِغَةً مُتَجَلِّيَةً عَلَيْهِ قالَ إذْ وجَدَ فَيْضَهُ وشُهُودَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِنها ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ وكانَ سُبْحانَهُ يُرِيهِ حِينَئِذٍ بِاسْمِهِ الشَّهِيدِ والعَلِيِّ العَظِيمِ ﴿ هَذا أكْبَرُ ﴾ مِنَ الأوَّلَيْنِ ﴿ فَلَمّا أفَلَتْ ﴾ بِتَجَلِّي أنْوارِ الحَقِّ وتَشَعْشُعِ سُبُحاتِ الوَجْهِ ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ إذْ لا وُجُودَ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ أيْ أسْلَمْتُ ذاتِي ووُجُودِي ﴿ لِلَّذِي فَطَرَ ﴾ أوْجَدَ ﴿ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضَ النَّفْسِ ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ حَتّى عَنْ وُجُودِي ومَيْلِي بِالفَناءِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ في شَيْءٍ، ﴿ وحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ في تَرْكِ السَّوِيِّ ﴿ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ﴾ إلى وُجُودِهِ الحَقِّ وتَوْحِيدِهِ، ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ مِن ظُهُورِ نَفْسٍ أوْ قَلْبٍ أوْ وُجُودِ بَقِيَّةٍ ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ ﴾ الحَقِيقِيُّ ﴿ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ حَقِيقَةً إلى الحَقِّ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: قَدْ يَدُورُ في الخَلَدِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَنَّ عَلَيْهِ لَيْلُ الشُّبْهَةِ وظُلْمَتِها فَنَظَرَ أوَّلًا في عالَمِ الأجْسامِ فَوَجَدَها آفِلَةً في أُفُقِ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يَرَها تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فارْتَقى مِنها إلى عالَمِ النُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسامِ فَرَآها آفِلَةً في أُفُقِ الِاسْتِكْمال، فَكانَ حُكْمُها حُكْمَ ما دُونَها فَصَعَدَ مِنها إلى عالَمِ العُقُولِ المُجَرَّدِ فَصادَفَها آفِلَةً في أُفُقِ الإمْكانِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الواجِبُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاحْتِجاجَ كانَ مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا طَوِيلًا وهو مَذْكُورٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ العامَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما عَلِمْتَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ووَهَبْنا لَهُ ﴾ أيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إسْحاقَ ﴾ وهو ولَدُهُ مِن سارَّةَ عاشَ مِائَةً وثَمانِينَ سَنَةً، وفي نَدِيمِ الفَرِيدِ أنَّ مَعْنى إسْحَقَ بِالعَرَبِيَّةِ الضَّحّاكُ ﴿ ويَعْقُوبَ ﴾ وهو ابْنُ إسْحَقَ عاشَ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ حُجَّتُنا ﴾ إلَخْ وعَطْفُ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (آتَيْنا) بِناءً عَلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا ﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿ هَدَيْنا ﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلًّا مِنَ الثَّلاثَةِ، وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ لِأنَّ هِدايَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْلُومَةً مِنَ الكَلامِ قَطْعًا وتَرَكَ ذِكْرَ المَهْدِيِّ إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُما مُتَعَبِّدانِ بِهِ وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ هَدَيْناهم بِنَيْلِ الثَّوابِ والكُرُماتِ ﴿ ونُوحًا ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ هَدَيْنا مِن قَبْلُ ﴾ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِلْمَذْكُورِ لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِشَيْءٍ أوْ يَخْلُوَ التَّقْدِيمُ عَنِ الفائِدَةِ السّابِقَةِ أعْنِي القَصْرَ ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ تَأمُّلٍ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُوحٌ -كَما قالَ الجَوالِيقِيُّ- أعْجَمِيٌّ مُعْرِبٌ، زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ، وقالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ، والأوَّلُ أثْبَتُ عِنْدِي، وأكْثَرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -كَما قالَ الحاكِمُ- أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وذَكَرَ النَّسّابُونَ أنَّهُ ابْنُ لَمْكَ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ ابْنِ أخَنُوخَ بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ وهو إدْرِيسٌ فِيما يُقالُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ قالَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قُلْتُ: ثُمَّ مَن؟
قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: وبَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ» وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ وفاةِ ءادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا.
وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا قِيلَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْعامَهُ عَلى خَلِيلِهِ مِن جِهَةِ الفَرْعِ ثَنّى بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الأصْلِ؛ فَإنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارَ إلى الوَلَدِ، وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الأصْنامَ فَذَكَرَهُ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ أُسْوَةً، وأمّا أنَّهُ ذُكِرَ لِما مَرَّ فَلا دَلالَةَ عَلى عَلاقَةِ الأُبُوَّةِ لِيُقْبَلَ، ودَلالَةُ (مِن قَبْلُ) عَلى ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ.
وقَنَعَ بَعْضُهم بِالشُّهْرَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِهِ ﴾ الضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِبَيانِ شُئُونِهِ وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ، واخْتارَ آخَرُونَ كَوْنَهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ في الجُمْلَةِ (لُوطًا) عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بَلْ كانَ ابْنَ أخِيهِ -كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى- آمَنَ بِهِ وشَخَصَ مَعَهُ مُهاجِرًا إلى الشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ، وكَذَلِكَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّتِهِ -فِيما ذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ- فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعُطِفَ عَلى (نُوحًا) ولا يَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ في المَعْطُوفِ ما هو قَيْدٌ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ إسْماعِيلَ هُناكَ وإنْ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ السُّكُوتَ عَنْ إدْراجِهِ في الذُّرِّيَّةِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنهم وإنَّما لَمْ يَعُدْ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ-: في مَوْهِبَتِهِ كَإسْحَقَ لِأنَّ هِبَةَ إسْحَقَ كانَتْ في كِبَرِهِ وكِبَرِ زَوْجَتِهِ فَكانَتْ في غايَةِ الغَرابَةِ، وذَكَرَ يَعْقُوبَ لِأنَّ إبْقاءَ النُّبُوَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ غايَةُ النِّعْمَةِ، ولَمْ يَعْطِفْ ﴿ كُلا هَدَيْنا ﴾ لِأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِكَوْنِهِ نِعْمَةً ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وصُرِّحَ في جامِعِ الأُصُولِ أنَّهُ كانَ مَنَ الأسْباطِ في زَمَنِ شِعْيا، وحِينَئِذٍ يَبْقى لُوطٌ فَقَطْ خارِجًا ولا يُتْرَكُ لَهُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ عَلى إبْراهِيمَ؛ وجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِالمَعْدُودِينَ في الآياتِ الثَّلاثِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ابْنُ أخِيهِ آمَنَ بِهِ وهاجَرَ مَعَهُ أمْكَنَ أنْ يُجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَما قالَ الطِّيبِيُّ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلُّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا؛ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿ نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ مَعَ أنَّ إسْماعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ ﴿ داوُدَ ﴾ هو -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ-: ابْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ عَوْبَرِ بِمُهْمَلَةٍ ومُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ابْنِ عابَرَ بِمُوَحَّدَةٍ ومُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخِيثُونَ بْنِ عَمِيِّ بْنِ يارِبَ بِتَحْتِيَّةٍ وآخِرُهُ باءٌ مُوَحَّدَةٌ ابْنِ رامَ بْنِ حَضْرَمَوْتَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ بْنِ فارِصَ بِفاءٍ وآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ قالَ كَعْبٌ: كانَ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ والخَلْقِ، وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ.
ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، ومُدَّةُ مِلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، ولَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا ﴿ وسُلَيْمانَ ﴾ ولَدُهُ.
قالَ كَعْبٌ: كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا جَمِيلًا خاشِعًا مُتَواضِعًا وكانَ أبُوهُ يُشاوِرُهُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ في صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعَلْمِهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ مَلَكَ الأرْضَ.
وعَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ مُلِّكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُلْكِهِ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وتُوفِّيَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ وأيُّوبَ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ مُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحَقَ، وقِيلَ: ابْنُ مُوصَ بْنِ تارَخَ بْنِ رُومَ إلَخْ وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمنَ بِإبْراهِيمَ فَهو قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِهِ كانَتْ ثَلاثًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ﴿ ويُوسُفَ ﴾ وهو عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الكَرِيمَ ابْنَ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
عاشَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً».
وفِيهِ سِتُّ لُغاتٍ بِتَثْلِيثِ السِّينِ مَعَ الياءِ والهَمْزَةِ، والصَّوابُ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ، ﴿ ومُوسى ﴾ وهو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ ماهِيثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ولا خِلافَ في نَسَبِهِ وهو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ شَجَرٍ وماءٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ شا، وفي الصَّحِيحِ وصْفُهُ بِأنَّهُ آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، وعاشَ -كَما قالَ الثَّعْلَبِيُّ- مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، ﴿ وهارُونَ ﴾ أخُوهُ وشَقِيقُهُ، وقِيلَ: لِأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأبِيهِ فَقَطْ حَكاهُما الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ ماتَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَ وُلِدَ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وفي بَعْضِ أحادِيثِ الإسْراءِ «صَعِدْتُ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ فَإذا أنا بَهَرُونِ ونِصْفُ لِحْيَتِهِ أبْيَضُ ونِصْفُها أسْوَدُ تَكادُ تَضْرِبُ سُرَّتَهُ مِن طُولِها فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَذا؟
قالَ: المُحَبَّبُ في قَوْمِهِ هارُونُ بْنُ عِمْرانَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى هارُونَ بِالعِبْرانِيَّةِ المُحَبَّبِ ﴿ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ 84 - قِيلَ: أيْ نَجْزِيهِمْ مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثْرَةِ أوْلادِهِ والنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، والمُرادُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ والمَكاناتِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ لا المُماثَلَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ لِأنَّ اخْتِصاصَ إبْراهِيمَ بِكَثْرَةِ النُّبُوَّةِ في عَقِبِهِ أمْرٌ مَشْهُورٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ التَّشْبِيهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَظائِرِهِ، وألْ في (المُحْسِنِينَ) لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإحْسانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُقارِنُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ وقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها <div class="verse-tafsir"
﴿ وزَكَرِيّا ﴾ هو ابْنُ أزْنَ بْنِ بَرَكِيا كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ وكانَ لَهُ يَوْمَ بُشِّرَ بِهِ اثْنانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ أشْهَرُها المَدُّ، والثّانِيَةُ القَصْرُ، وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وزَكَرِيَّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وتَخْفِيفِها وزَكَرٍ كَقَلَمٍ (ويَحْيى) ابْنُهُ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وعَلى القَوْلَيْنِ كَما قالَ الواحِدِيُّ لا يَنْصَرِفُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أوْ سُرْيانِيٌّ وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ رَبْعَةٌ أحْمَرُ كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ،» وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ يَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ لِأنَّ انْتِسابَهُ لَيْسَ إلّا مِن جِهَةِ أُمِّهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أبٌ يَصْرِفُ إضافَتَهُ إلى الأُمِّ إلى نَفْسِهِ فَلا يَظْهَرُ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ ذُرِّيَّةً لِجَدِّهِ مِنَ الأُمِّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِ بِلا أبٍ أنْ يُذْكَرَ في حَيِّزِ الذُّرِّيَّةِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ والذّاهِبُونَ إلى دُخُولِ ابْنِ البِنْتِ في الذُّرِّيَّةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِها احْتَجَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما رَواهُ البَعْضُ عَنِ الرَّشِيدِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ أبا جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عِنْدَ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ بِآيَةِ المُباهَلَةِ حَيْثُ «دَعا الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَما نَزَلَ ﴿ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ ﴾ » وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن خَصائِصِهِ ، وقَدِ اخْتَلَفَ إفْتاءُ أصْحابِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ القَوْلُ بِالدُّخُولِ، وإلْياسُ قالَ ابْنُ إسْحاقَ في المُبْتَدَإ: هو ابْنُ يَسَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارَ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَكى القُتَبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إدْرِيسُ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحَقَ ابْنُ يَرِدَ بْنِ مِهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وهو جَدُّ نُوحٍ كَما أشَرْنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ ألْفُ سَنَةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ يَكُونُ البَيانُ مُخْتَصًّا بِمَن في الآيَةِ الأوْلى، ونَصَّ الشِّهابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وزَكَرِيّا ﴾ وما بَعْدَهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ 58 - أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ فَيُوصَفُ بِما هو مِن أعْلى مَراتِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِها لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِمَضْمُونِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإسْماعِيلَ ﴾ هو -كَما قالَ النَّوَوِيُّ - أكْبَرُ ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ -كَما نُقِلَ عَنِ الجَوالِيقِيِّ - بِالنُّونِ آخِرَهُ، قِيلَ ومَعْناهُ: مُطِيعُ اللَّهِ ﴿ واليَسَعَ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أُخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (اللَّيْسَعَ) بِوَزْنِ ضَيْغَمَ وهو أعْجَمِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى خِلافِ القِياسِ وقارَنَتِ النَّقْلَ فَجُعِلَتْ عَلامَةُ التَّعْرِيبَ كَما قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، ونَصَّ عَلى أنَّ اسْتِعْمالَهُ بِدُونِها خَطَأٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النّاسُ فَلَيْسَ كاليَزِيدِ في قَوْلِهِ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنِ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهَلُهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهو عَلى القِراءَةِ الأوْلى أعْجَمِيٌّ أيْضًا، وقِيلَ: أنَّهُ مُعَرَّبُ يُوشَعُ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مَن يَسَعُ مُضارِعُ وسِعَ ﴿ ويُونُسَ ﴾ وهو ابْنُ مَتّى بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَقْصُورٌ كَحَتّى، ويُقالُ مَتْتى بِالفَكِّ وهو اسْمُ أبِيهِ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُ مِنَ الحُفّاظِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ أنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ، وهو مَرْدُودٌ ولَمْ نَقِفْ كَغَيْرِنا عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ما في جامِعِ الأُصُولِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ وهو مُثَلَّثُ النُّونِ ويُهْمَزُ وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ (يُونِسَ) بِكَسْرِ النُّونِ، قِيلَ: أرادَ أنْ يَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا مَن أنِسَ وهو شاذٌّ ﴿ ولُوطًا ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ وهو ابْنُ هارانِ بْنِ آزَرَ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ أبِيهِ ﴿ وكُلا ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضِ ﴿ فَضَّلْنا ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ 86 - أيْ عالَمَيْ عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتَيْها وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ كَما قِيلَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (مِن ذُرِّيَّتِهِ) ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وإخْوانِهِمْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى (كُلًّا فَضَّلْنا) و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ فَضَّلْنا بَعْضَ ءابائِهِمْ إلَخْ وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَطْفًا عَلى (نُوحًا) و(مِن) واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ مُؤَوَّلًا بِبَعْضٍ.
واعْتِبارُ البَعْضِيَّةِ لِما أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَهْدِيًّا، قِيلَ.
وهَذا في غَيْرِ الآباءِ لِأنَّ آباءَ الأنْبِياءِ كُلَّهِمْ مَهْدِيُّونَ مُوَحِّدُونَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مُخْتَلَفٌ فِيهِ نَظَرًا إلى ءاباءِ نَبِيِّنا وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ فَما ظَنُّكَ بِآباءِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ إضافَةَ الآباءِ والأبْناءِ والإخْوانِ إلى ضَمِيرِهِمْ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنهم أبٌ أوِ ابْنٌ أوْ أخٌ فَلا تَغْفُلْ، ﴿ واجْتَبَيْناهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (فَضَّلْناهُمْ) أيِ اصْطَفَيْناهم ﴿ وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ 87 - تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ ولَمْ يَظْهَرْ لِيَ السِّرُّ في ذِكْرِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ العِظامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المُشْتَمِلِ عَلى تَقْدِيمِ فاضِلٍ عَلى أفْضَلَ ومُتَأخِّرٍ بِالزَّمانِ عَلى مُتَقَدِّمٍ بِهِ؛ وكَذا السِّرُّ في التَّقْرِيرِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ نَجْزِي ﴾ إلَخْ وثانِيًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الهُدى إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أوْ ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ أوْ ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿ هُدى اللَّهِ ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ ﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ.
وفي تَعْلِيقِ الهِدايَةِ بِالمَوْصُولِ إشارَةٌ إلى عِلْيَةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ ﴿ ولَوْ أشْرَكُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ ﴿ لَحَبِطَ ﴾ أيْ لَبَطُلَ وسَقَطَ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ 88 - أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ كَما قِيلَ.
واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ.
وعَنِ ابْنِ بَشِيرٍ قالَ: ”سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ الحَسَنَ عَنْ (أُولَئِكَ) فَقالَ لَهُ: مَن في صَدْرِ الآيَةِ“.
وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ أيْ جِنْسَهُ.
والمُرادُ بَإيتائِهِ التَّفْهِيمُ التّامُّ لِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً وبِالإيراثِ بَقاءً فَإنَّ مِمَّنْ ذُكِرَ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كُتّابٌ مُعَيَّنٌ ﴿ والحُكْمَ ﴾ أيْ فَصْلَ الأمْرِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ أوِ الحِكْمَةَ وهي مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ ﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ فَسَّرَها بَعْضُهم بِالرِّسالَةِ.
وعُلِّلَ بِأنَّ المَذْكُورِينَ هُنا رُسُلٌ لَكِنْ في المُحاكَماتِ لِمَوْلانا أحْمَدَ بْنِ حَيْدَرٍ الصَّفَوِيِّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ وإنْ كانَ لَهُ كِتابٌ ولَمْ أجِدْ في ذَلِكَ نَصًّا.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ أيْضًا، (ويُوسُفَ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ لَيْسَ هو يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما هو يُوسُفُ بْنُ أفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وهو غَرِيبٌ.
وأغْرَبُ مِنهُ بِأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولًا إلَيْهِمْ.
وقالَ الشِّهابُ: قَدْ يُقالُ إنَّما ذُكِرَ الأعَمُّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ بَعْضَ مَن دَخَلَ في عُمُومِ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ لَيْسُوا بِرُسُلٍ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها ﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أوِ النُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ مَعَ دَلالَةِ الإشارَةِ والمَقامِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِنُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا.
وأيًّا ما كانَ فَكُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ كُفْرَهم بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أمَرْنا بِرِعايَتِها ووَفَّقَنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها ﴿ قَوْمًا ﴾ فِخامًا ﴿ لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ 89 - في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبَدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: الفُرْسُ فَإنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ.
وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالتَّوْكِيلِ الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي نُورُ فَرَقِها القُرْآنُ.
ورَجَّحَ واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ.
ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَ إشارَةٍ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنْ لَمْ يَكُنِ المُوَكَّلُونَ هم لَزِمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ، الثّانِي: أنَّهُ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ.
واسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهم فَإنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ مُصَدِّقِ النُّبُوَّةِ ومُنْكِرِها مُغايِرًا لِمَن أُوتِيها وأخْرَجَ ابْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ العَطّارِيِّ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فالتَّوْكِيلُ حِينَئِذٍ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، واسْتَبْعَدَهُ الإمامُ لِأنَّ القَوْمَ قَلَّما يَقَعُ عَلى غَيْرِ بَنِي آدَمَ،وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وهو مَفْعُولُ ﴿ وكَّلْنا ﴾ و (بِها) قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ، ولِأنَّ فِيهِ طُولًا رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.
والباءُ الَّتِي بَعْدَ صِلَةِ ﴿ بِكافِرِينَ ﴾ قُدِّمَتْ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ والَّتِي بَعْدَها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا ﴾ إلَخْ أيْ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا فَقَدْ وفَّقْنا لِلْإيمانِ قَوْمًا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها، فَفي إيمانِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الأرْجَحَ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- تَفْسِيرُ القَوْمِ بِإحْدى الطَّوائِفِ مِمَّنْ عَدا الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بِإيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ يَتَحَقَّقُ الغُنْيَةُ عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِهِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ ولا كَذَلِكَ إيمانُ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ المُوَكَّلِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ أيْ هَدَيْناهم إلى الحَقِّ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وحِفْظِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ اعْتِمادًا عَلى غايَةِ ظُهُورِهِ ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ أيِ اجْعَلْ هُداهم مُنْفَرِدًا بِالِاقْتِداءِ واجْعَلِ الِاقْتِداءَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، والمُرادُ (بِهُداهُمْ) عِنْدَ جَمْعِ طَرِيقِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى وهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيها فَلا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا، ومَعْنى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ الأخْذُ بِهِ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ أُولَئِكَ الفِخامِ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ العَقْلِ والشَّرْعِ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم عَلى أنَّ طَرِيقَهم هو الحَقُّ المُوافِقُ لِدَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ.
وبِهَذا أجابَ العَلّامَةُ الثّانِي عَمّا أوْرَدَهُ سُؤالًا مِن أنَّ الواجِبَ في الِاعْتِقاداتِ وأُصُولِ الدِّينِ هو اتِّباعُ الدَّلِيلِ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعُ فَلا يَجُوزُ سِيَّما لِلنَّبِيِّ أنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، فَما مَعْنى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ؟
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اعْتِقادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ بَلْ لِأجْلِ الدَّلِيلِ فَلا مَعْنى لِأمْرِهِ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الأخْذَ بِأُصُولِ الدِّينِ حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلا مَعْنى لِلْأمْرِ بِأخْذِ ما قَدْ أُخِذَ قَبْلُ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ.
وحَقَّقَ القُطْبُ الرّازِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنَّ الِاقْتِداءَ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ إلّا في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ كالحِلْمِ والصَّبْرِ والزُّهْدِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ والتَّضَرُّعِ ونَحْوِها ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلُ مِنهم قَطْعًا لِتَضَمُّنِها أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى فَضائِلِ الأخْلاقِ وصِفاتِ الكَمالِ؛ وحَيْثُ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم جَمِيعًا امْتَنَعَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ امْتَثَلَ وأتى بِجَمِيعِ ذَلِكَ وحَصَّلَ تِلْكَ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ الَّتِي في جَمِيعِهِمْ فاجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الكَمالِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِهِمْ قَطْعًا كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ دُونَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ.
والهاءُ في (اقْتَدِهْ) هاءُ السَّكْتِ الَّتِي تُزادُ في الوَقْفِ ساكِنَةً أيْضًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ.
ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (اقْتَدِهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ؛ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ القُرّاءُ اخْتِلاسًا، وهي رِوايَةُ هِشامٍ عَنْهُ.
ورَوى غَيْرُهُ إشْباعَها وهو كَسْرُها ووَصْلُها بِياءٍ.
وزَعَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ الهاءَ هاءُ الوَقْفِ فَلا تَحَرُّكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وإنَّما تُذْكَرُ لِيَظْهَرَ بِها حَرَكَةُ ما قَبْلَها.
وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الهاءَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ولَيْسَتْ هاءُ السَّكْتِ أيِ اقْتَدِ الِاقْتِداءَ، ومَثَلُهُ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- قَوْلُهُ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الوَشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ فَإنَّ الهاءَ فِيهِ ضَمِيرُ الدَّرْسِ لا مَفْعُولٌ لِأنَّ ”يَدْرُسُ“ قَدْ تَعَدّى إلى القُرْآنِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هاءَ السَّكْتِ قَدْ تُحَرَّكُ تَشْبِيهًا لَها بِهاءِ الضَّمِيرِ والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُعْطِي الشَّيْءَ حُكْمَ ما يُشْبِهُهُ وتَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمّا قَلْبُهُ شَبِمُ بِضَمِّ الهاءِ وكَسْرِها عَلى أنَّها هاءُ السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ فَحُرِّكَتْ.
واسْتَحْسَنَ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونَ جَعْلَ الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِشَبَهِ الضَّمِيرِ لِأنَّ هاءَهُ لا تُكْسَرُ بَعْدَ الألْفِ فَكَيْفَ ما يُشْبِهُها.
وزَعَمَ الإمامُ أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لِلِاقْتِداءِ بِالإمامِ ولا يُقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِغَيْرِ نَقْلٍ تَقْلِيدًا لِلْخَطِّ وهو وهْمٌ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ أوْ عَلى التَّبْلِيغِ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُما ﴿ أجْرًا ﴾ أيْ جُعْلًا قَلَّ أوْ كَثُرَ كَما لَمْ يَسْألْهُ مِن قَبْلِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَمَهُمْ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرْنا بِالِاقْتِداءِ بِهِ مِن هُداهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ لِأنَّ الكَفَّ عَنْ أخْذِ أجْرٍ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مِن خَصَّ الهُدى السّابِقَ بِالأُصُولِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَيْنَ القَوْلِ بِهِ والقَوْلِ بِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ تَنافِيًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِفادَةَ الِاقْتِداءِ بِالأُصُولِ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لا يُنافِي أنْ يُؤَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِأمْرٍ آخَرَ كالتَّبْلِيغِ.
وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ هُناكَ إنَّما هو لِنَفْيِ اتِّباعِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ في شَيْءٍ آخَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ لِلتَّعْلِيمِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ؛ وفِيهِ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ عَلى طُولِهِ مَشْهُورٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿ إلا ذِكْرى ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ فَهو مَصْدَرٌ، وحِمْلُهُ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ لِلْمُبالَغَةِ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ 90 - كافَّةً فَلا يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ ءاخَرِينَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ ﴾ لَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِأوْضَحِ وجْهٍ شَرَعَ سُبْحانَهُ بَعْدُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ؛ وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها -كَما قالَ الإمامُ- وأوْلى مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ شَأْنُ القُرْءانِ العَظِيمِ وأنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى كافَّةِ الأُمَمِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ غَمْطِهِمْ إيّاها وكُفْرِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ سَرى ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.
وأصْلُ القَدْرِ مَعْرِفَةُ المِقْدارِ بِالسَّبْرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يَقْدُرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، وقالَ : ”إنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ“ أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ.
ثُمَّ قِيلَ: لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ واخْتَلَفَ التَّفْسِيرُ هُنا فَعَنِ الأخْفَشِ أنَّ المَعْنى ما عَرَفُوا اللَّهَ تَعالى: حَقَّ قَدْرِهِ أيْ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما عَظَّمُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ تَعْظِيمِهِ وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ والكُلُّ مُحْتَمَلٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ما عَلَيْهِ الأخْفَشُ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ أيْ ما عَرَفُوهُ سُبْحانَهُ مَعْرِفَتَهُ الحَقِّ في اللُّطْفِ بِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُراعُوا حُقُوقَهُ تَعالى في ذَلِكَ بَلْ أخَلُّوا بِها إخْلالًا عَظِيمًا إذْ قالُوا مُنْكِرِينَ لِبِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْزالُ الكُتُبِ كافِرِينَ بِنِعَمِهِ الجَلِيلَةِ فِيهِما أوْ ما عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ بِهِمْ حِينَ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَـ (مِن) لِلتَّأْكِيدِ، ونَصْبُ (حَقَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمُصَدِّرِ أيْ قَدْرَهُ الحَقَّ فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتَصَبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ، و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الزَّمانِ وهَلْ فِيها مَعْنى العِلَّةِ هُنا أمْ لا؟
احْتِمالانِ، وأبُو البَقاءِ يُعَلِّقُها بِقَدَرُوا ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ، وقُرِئَ قَدَرِهِ بِفَتْحِ الدّالِّ واخْتُلِفَ في قائِلِي ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، فَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم اليَهُودُ ومُرادُهم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ فَقِيلَ لَهم عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِ ذَلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزُونَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ وبِهَذا يَنْحَلُّ اسْتِشْكالُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِأنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى أنْزَلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَيْفَ يَقُولُونَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهم أبْرَزُوا إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةِ المُمْتَنِعاتِ حَتّى بالَغُوا في إنْكارِهِ فَأُلْزَمُوا بِتَجْوِيزِهِ، وقِيلَ: إنَّ صُدُورَ هَذا القَوْلِ كانَ عَنْ غَضَبٍ وذُهُولٍ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ قَدْ سَمِنتَ مِن مالِكَ الَّذِي يُطْعِمُكَ اليَهُودُ فَضَحِكَ القَوْمُ، فَغَضِبَ فالتَفَتَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ما هَذا الَّذِي بَلَغَنا عَنْكَ، قالَ: إنَّهُ أغْضَبَنِي فَنَزَعُوهُ وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يُلائِمُ الإلْزامَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اعْتَرَفَ القائِلُ بِأنَّهُ إنَّما صَدَرَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الغَضَبِ فَلْيُفْهَمْ، ولا يَرِدُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والمُناظَراتُ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ اليَهُودِ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لِما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ والكَلْبِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ أيْضًا قَوْلُ مُجاهِدٍ بِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما يُنْكِرُونَ رِسالَةَ النَّبِيِّ يُنْكِرُونَ رِسالَةَ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ إيرادُ هَذا الإلْزامِ عَلَيْهِمْ، ودُفِعَ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّهُ كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ ﴾ حَسُنَ إلْزامُهم بِما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أحْرى بِالقَبُولِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ في الآيَةِ حُجَّةً مِنَ الشَّكْلِ الثّالِثِ وهي أنَّ مُوسى بَشَرٌ ومُوسى أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ يُنْتِجُ أنَّ بَعْضَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ وتُؤْخَذُ الصُّغْرى مِن قُوَّةِ الآيَةِ والكُبْرى مِن صَرِيحِها والنَّتِيجَةُ مُوجِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ تَكْذِيبُ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي ادَّعَتْها اليَهُودُ وهي لا شَيْءَ مِنَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ؛ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ وإنَّما نَتَجَتْ هاتانِ الشَّخْصِيَّتانِ مَعَ أنَّ شَرْطَ الشَّكْلِ الثّالِثِ كُلِّيَّةُ إحْدى المُقْدِّمَتَيْنِ لِأنَّ الشَّخْصِيَّةَ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ وقالَ الإمامُ: تَفَلْسَفَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشَّكْلِ الثّانِي مِنَ الأشْكالِ المَنطِقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى أنَّ مُوسى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا؛ وواحِدٌ مِنَ البَشَرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا يُنْتِجُ أنَّ مُوسى ما كانَ مِنَ البَشَرِ وهَذا خَلْفٌ مُحالٌ، وهِذِهِ الِاسْتِحالَةُ لَيْسَتْ بِحَسْبِ شَكْلِ القِياسِ ولا بِحَسْبِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن فَرْضِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ وهي قَوْلُهم: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ فَوَجَبَ القَوْلُ بِأنَّها كاذِبَةٌ وفي ذَلِكَ تَأْمُلٌ فَلْيُتَأمَّلْ.
ثُمَّ أنَّ وصْفَ الكِتابِ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نُورًا وهُدًى ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ ومُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ الإلْزامَ أيَّ تَوْكِيدٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ (الكِتابِ) والعامِلُ (أنْزَلَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) والعامِلُ (جاءَ)، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِـ (جاءَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهُدى أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُدى كائِنًا لِلنّاسِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هم ومَن عَداهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِ هُدًى لَهم أنَّهُ يُرْشِدُ مَن وقَفَ عَلَيْهِ بِالواسِطَةِ أوْ بِدُونِها إلى ما يُنْجِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مَسُوقٌ لِنَعْيِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما تَقَدَّمَ أيْ تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ وأوْراقٍ مُفَرَّقَةٍ بِحَذْفِ الجارِّ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ كَما قِيلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ تَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ عَدَمَ التَّقْدِيرِ عَلى مَعْنى تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ، ولَيْسَ المُرادُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخُهم بِمُجَرَّدِ وضْعِهِمْ لَهُ في قَراطِيسَ إذْ كُلُّ كِتابٍ لا بُدَّ وأنْ يُودَعَ في القَراطِيسِ، بَلِ المُرادُ التَّوْبِيخُ عَلى الجَعْلِ في قَراطِيسَ مَوْصُوفَةٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ والمَعْطُوفُ عَلَيْها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ﴿ قَراطِيسَ ﴾ ، والعائِدُ عَلى المَوْصُوفِ مِنَ المَعْطُوفَةِ مَحْذُوفٌ أيْ كَثِيرًا مِنها، والمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ نُعُوتُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرُ ما كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَرَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ بِلا مِرْيَةٍ وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ عَوامِّهِمْ مُتَواطِئِينَ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ السّابِقُ لَهم لِأنَّ مُشافَهَتَهم بِهِ يَقْتَضِي خِطابَهم ومَن جَعَلَ ما تَقَدَّمَ لِلْمُشْرِكِينَ حَمَلَ هَذا عَلى الِالتِفاتِ لِخِطابِ اليَهُودِ حَيْثُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ لِلْيَهُودِ أيْضًا إلّا أنَّهُ التَفَتَ عَنْ خِطابِهِمْ تَبْعِيدًا لَهم بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ القَبِيحَ عَنْ ساحَةِ الخِطابِ، ولِذا خاطَبَهم حَيْثُ نَسَبَ إلَيْهِمُ الحُسْنَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ وهَذا أحْسَنُ -كَما قِيلَ- مِنَ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ فِيهِ نَقْلًا مِنَ الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ هُمُ المُشْرِكُونَ إلى الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ أُخْرى هُمُ اليَهُودُ قَبْلَ إتْمامِ الكَلامِ الأوَّلِ لِأنَّ إتْمامَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ إلَخْ بِخِلافِ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَجْعَلُونَهُ) بِإضْمارِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وعَلَيْهِ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ (ما) عِبارَةً عَمّا أخَذُوهُ مِنَ الكِتابِ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ مُفِيدًا لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ لا عَلى ما تَلَقَّوْهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِن مُشْكِلاتِها حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لِأنَّ تَلَقِّيَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَزْجُرُهم عَمّا صَنَعُوا بِالتَّوْراةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خالِيَةً عَنْ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ فَلا تَسْتَحِقُّ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الحالِ بَلِ الوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن مَجِيءِ الكِتابِ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ والتَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن مَجِيءِ القُرْآنِ، ولا سَبِيلَ -كَما قالَ- إلى جَعْلِ ”ما“ عِبارَةً عَمّا كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ فَإنَّ ظُهُورَهُ وإنْ كانَ مَزْجَرَةً لَهم عَنِ الكَتْمِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ ومُصَحِّحًا لِوُقُوعِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الحالِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ الكاتِمُونَ حَتْمًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ومَن عِلَّمَكم ما لَمْ تَعْلَمُوا، وفِيهِ بُعْدٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (وعُلِّمْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ ما لَمْ) إلَخْ وهو عِنْدَ قَوْمٍ اعْتِراضٌ لِلِامْتِنانِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واتِّباعِهِ بِهِدايَتِهِمْ لِلْمُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النّاسَ فِيما تَقَدَّمَ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، و(عُلِّمْتُمْ) عَطْفٌ عَلى (تَجْعَلُونَهُ) والخِطابُ فِيهِ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ اليَهُودِ وفي (عُلِّمْتُمْ) لَهم بِاعْتِبارِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِهِ بِأنْ يُجِيبَ السُّؤالَ السّابِقَ عَنْهم إشارَةً إلى أنَّهم يُنْكِرُونَ الحَقَّ مُكابَرَةَ مِنهُمْ، وإشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وإيذانًا بِأنَّهم أُفْحِمُوا، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ إمّا فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ أوِ اللَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والخِلافُ في الأرْجَحِ مِنَ الوَجْهَيْنِ مَشْهُورٌ ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ أيْ دَعْهم ﴿ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ أيْ باطِلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ 91 - في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الأوَّلِ، والظَّرْفُ صِلَةُ (ذَرْهُمْ) أوْ (يَلْعَبُونَ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ (ذَرْهُمْ) أوْ مِن فاعِلِ (يَلْعَبُونَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الثّانِي.
وهو في المَعْنى فاعِلُ المَصْدَرِ المُضافِ إلَيْهِ، والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ إمّا عَلى أنَّهُ لَغْوٌ أوْ حالٌ مِن (هُمْ) ولا يَجُوزُ حِينَئِذٍ جَعْلُهُ مُتَّصِلًا بِـ (يَلْعَبُونَ) عَلى الحالِيَّةِ أوِ اللَّغْوِيَّةِ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ رُتْبَةً ومَعْنًى مَعَ أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً أيْضًا لِأنَّ العامِلَ في الحالِ عامِلٌ في صاحِبِها فَيَكُونُ فِيهِ دَوْرٌ وفَسادٌ في المَعْنى.
والآيَةُ عِنْدَ بَعْضٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
واخْتارَ الإمامُ عَدَمَ النَّسْخِ لِأنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّهْدِيدِ وهو لا يُنافِي حُصُولَ المُقاتَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ وُرُودُ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِها رافِعًا لِلْمَدْلُولِ فَلَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ تَحْقِيقٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما يُشِيرُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبِ وتَنْكِيرِ (كِتابٌ) لِلتَّفْخِيمِ، وجُمْلَةُ (أنْزَلْناهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفَةٌ بِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبارَكٌ ﴾ أيْ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ.
قالَ الإمامُ: جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْ هَذا الكِتابِ المُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ، ولَقَدْ شاهَدْنا والحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَمَرَةَ خِدْمَتِنا لَهُ في الدُّنْيا فَنَسْألُهُ أنْ لا يَحْرِمَنا سَعادَةَ الآخِرَةِ إنَّهُ البَرُّ الرَّحِيمُ.
وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى، والإضافَةُ -عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ- غَيْرُ مَحْضَةٍ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا التَّوْراةُ لِأنَّها أعْظَمُ كِتابٍ نَزَلَ قَبْلُ ولِأنَّ الخِطابَ مَعَ اليَهُودِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.
وتَذْكِيرُ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ الكِتابِ أوِ المَنَزَّلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنُها بَيْنَ يَدَيْهِ أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ.
فَإنَّ كُلَّ ما كانَ بَيْنَ اليَدَيْنِ كَذَلِكَ وتَصْدِيقُهُ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ.
وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ ﴿ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِفَةُ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ وتَصْدِيقِ ما تَقَدَّمَهُ والإنْذارِ.
واخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِي كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى صَرِيحِ الوَصْفِ أيْ كِتابٌ مُبارَكٌ وكائِنٌ لِلْإنْذارِ، وادُّعِيَ أنَّهُ لا حاجَةَ مَعَ هَذا إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ فَإنَّ عَطْفَ الظَّرْفِ عَلى المُفْرَدِ في بابِ الخَبَرِ والصِّفَةِ كَثِيرٌ، ودَعْوى أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ عَرْوُ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ واقْتِرانُ هَذا بِهِ تَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ الصِّفاتِ إذا تَعَدَّدَتْ ولَمْ يُعْطَفْ أوَّلُها يَمْتَنِعُ العَطْفُ أوْ يُقَبَّحُ والواقِعُ خِلافُهُ، والأوْلى ما يُقالُ: إنَّ الدّاعِيَ أنَّ اللَّفْظَ والمَعْنى يَقْتَضِيانِهِ، أمّا المَعْنى فَلِأنَّ الإنْذارَ عُلَّةٌ لِإنْزالِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ ولَوْ عُطِفَ لَكانَ عَلى أوَّلِ الصِّفاتِ عَلى الرّاجِحِ في العَطْفِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ؛ ولا يَحْسُنُ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ بِهِ ولا الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ فَإنَّهُ نَظِيرُ هَذا رَجُلٌ قامَ عِنْدِي ولِيَخْدِمَنِي وهو كَما تَرى، ومِنهُ يُعْلَمُ الدّاعِي اللَّفْظِيُّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أوْ مُقَدَّمًا أيْ ولِتُنْذِرَ أنْزَلْناهُ أوْ وأنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لِتُبَشِّرَ ولِتُنْذِرَ وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، والمُرادُ بِها مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى وحَجِّهِمْ وهم يَتَجَمَّعُونَ عِنْدَها تَجْمُّعَ الأوْلادِ عِنْدَ الأُمِّ المُشْفِقَةِ ويُعَظِّمُونَها أيْضًا تَعْظِيمَ الأُمِّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا فَغَيْرُها تَبَعٌ لَها كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ.
وقِيلَ: لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها فَكَأنَّها خَرَجَتْ مِن تَحْتِها كَما تَخْرُجُ الأوْلادُ مِن تَحْتِ الأُمِّ أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِيُنْذِرَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْكِتابِ لِأنَّهُ مُنْذِرٌ بِهِ ﴿ ومَن حَوْلَها ﴾ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ لِعُمُومِ بِعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصّادِعِ بِها القُرْآنُ في غَيْرِ آيَةٍ، واللَّفْظُ لا يَأْبى هَذا الحَمْلَ فَلا مُتَمَسَّكَ بِالآيَةِ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ لِلْعَرَبِ خاصَّةً، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: خَصَّ أُولَئِكَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أحَقُّ بِإنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ ولِذا أنْزَلَ كِتابَ كُلِّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى الثّانِي في البَيانِ لاحَظَ سَبْقَ الإنْذارِ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أيْ بِالكِتابِ، قِيلَ: أوْ بِمُحَمَّدٍ لِأنَّهم يَرْهَبُونَ مِنَ العَذابِ ويَرْغَبُونَ في الثَّوابِ ولا يَزالُ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ ﴿ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ 92 - يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مُطْلَقُ الطّاعَةِ مَجازًا أوِ اكْتَفى بِبَعْضِها الَّذِي هو عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ ولِذا أطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيمانَ مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كالَّذِينِ قالُوا ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ ﴿ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ أنا قادِرٌ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ النَّظْمِ كالَّذِينِ قالُوا: ﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ وتَفْسِيرُ الأوَّلِ بِما ذَكَرْناهُ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِنا وتَفْسِيرُ الثّانِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وتَفْسِيرُ الثّالِثِ ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، والأخِيرُ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا عَطْفَ (أوْ قالَ) الأوَّلِ عَلى (افْتَرى) إلَخْ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِـ (أوْ) واسْتُحْسِنَ أنَّهُ مِن عَطْفِ المُغايِرِ بِاعْتِبارِ العُنْوانِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أنَّهُ تارَةً ادَّعى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا وأُخْرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ النُّبُوَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ الإيحاءَ ويَلْزَمُ الإيحاءُ النُّبُوَّةَ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ.
وأمّا ابْنُ أبِي سَرْحٍ فَلَمْ يَدَّعِ صَرِيحًا القُدْرَةَ ولَكِنْ قَدْ يَقْتَضِيها كَلامُهُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الثّانِي بِعَبْدِ اللَّهِ ودَعَواهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ يَوْمٍ فَكَتَبَ لَهُ شَيْئًا فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ أمْلاها عَلَيْهِ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ تَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ فَشَكَّ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» وجَعْلُ الشِّقِّ الثّانِي في مَعْنى دَعْوى القُدْرَةِ عَلى المِثْلِ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الثّانِي والثّالِثِ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا اعْتُبِرَ عُنْوانُ الصِّلَةِ في الأخِيرِ مِن بابِ المُماشاةِ مَثَلًا كَما لا يَخْفى.
واعْتَبَرَ الإمامُ عُمُومَ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وُصِفَتْ بِكَوْنِها افْتِراءً ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وما قَبْلَهُ أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ فِيما يَكْذِبُ بِهِ ولَمْ يُنْكِرْ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ؛ وفي الثّانِي أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ جَمْعًا بَيْنَ أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ: إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ، انْتَهى.
وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ حَيْثُ جَعَلَ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) راجِعًا لِلنَّبِيِّ والواوَ في ﴿ ولَمْ يُوحَ ﴾ لِلْعَطْفِ والمُتَعاطِفانِ مَقُولُ القَوْلِ؛ والمُنْساقُ لِلذِّهْنِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِـ (مَن) والواوِ لِلْحالِ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ورُبَّما يُقالُ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ: إنَّ المُرادَ بِمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى أحَدًا بِحَمْلِ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى أعِظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ يَصْدَحُ بِهَذا المَعْنى، وبِمَن قالَ: ﴿ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ والحالُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كاذِبًا وبِمَن قالَ ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الطّاعِنُ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن أظْلَمُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوِ ادَّعى النُّبُوَّةَ كاذِبًا أوْ طَعَنَ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ ﴿ ولَوْ تَرى ﴾ أيْ تُبْصِرُ.
ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الظّالِمُونَ ﴾ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمّا حُذِفَ أُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ؛ والأصْلُ: لَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هُمْ، و(إذْ) ظَرْفُ لِـ (تَرى) و الظّالِمُونَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ خَبَرُهُ، وإذْ ظَرْفٌ لِـ (تَرى) .
وتَقْيِيدُ الرُّؤْيَةِ بِهَذا الوَقْتِ لِيُفِيدَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ رُؤْيَتِهِمْ بَلْ رُؤْيَتُهم عَلى حالٍ فَظِيعَةٍ عِنْدَ كُلِّ ناظِرٍ، وقِيلَ: المَفْعُولُ (إذْ) والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ هَذا الوَقْتِ لِفَظاعَةِ ما فِيهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ ما يَشْمَلُ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الِافْتِراءِ والقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ والغَمْرَةِ -كَما قالَ الشِّهابُ في الأصْلِ-: المَرَّةُ مِن غَمَرَ الماءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلشِّدَّةِ وشاعَ فِيها حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وتُسْعِدُنِي في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَها مِنها عَلَيْها شَواهِدُ والمُرادُ هُنا سَكَراتُ المَوْتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم وهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ ﴿ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِالعَذابِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم قائِلِينَ لَهم ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ أيْ خَلِّصُوها مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، والأمْرُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ المَلائِكَةِ في قَبْضِ أرْواحِ الظَّلَمَةِ بِفِعْلِ الغَرِيمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أرِيمُ مَكانِي حَتّى أنْزِعَهُ مِن أحْداقِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُنْفِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ ولا بَسْطٍ ولا قَوْلَ حَقِيقَةً هُناكَ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهم هَذِهِ الأُمُورَ حَقِيقَةً عَلى الصُّوَرِ المَحْكِيَّةِ، وإذا أمْكَنَ البَقاءُ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا مَعْدِلَ عَنْها ﴿ اليَوْمَ ﴾ المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لا المُتَعارَفُ عَلَيْهِ، وهو إمّا حِينَ المَوْتِ أوْ ما يَشْمَلُهُ وما بَعْدَهُ ﴿ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ أيِ المُشْتَمِلِ عَلى الهَوانِ والشِّدَّةِ.
والإضافَةُ كَما في رَجُلِ سُوءٍ تُفِيدُ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في ذَلِكَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي تُفِيدُهُ الإضافَةُ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ التَّوْصِيفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ لا لِلْهَوانِ والخِزْيِ.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ غَمَراتِ المَوْتِ بِشَدائِدَ العَذابِ في النّارِ فَإنَّها وإنْ كانَتْ أشَدَّ مِن سَكَراتِ المَوْتِ في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّها اسْتُعْمِلَتْ فِيها تَقْرِيبًا لِلْإفْهامِ، وبَسْطِ المَلائِكَةِ أيْدِيَهم بِضَرْبِهِمْ لِلظّالِمِينَ في النّارِ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، والإخْراجَ بِالإخْراجِ مِنَ النّارِ وعَذابِها، واليَوْمَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ ﴾ مُفْتَرِينَ ﴿ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ مِن نَفْيِ إنْزالِهِ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا وادِّعاءِ الوَحْيِ أوْ مِن نِسْبَةِ الشِّرْكِ إلَيْهِ ودَعْوى النُّبُوَّةِ كَذِبًا ونَفْيِها عَمَّنِ اتَّصَفَ بِها حَقِيقَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وفي التَّعْبِيرِ بِـ (غَيْرَ الحَقِّ) عَنِ الباطِلِ ما لا يَخْفى وهو مَفْعُولُ ﴿ تَقُولُونَ ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ قَوْلًا غَيْرَ الحَقِّ ﴿ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ 93 - أيْ تُعْرِضُونَ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ لِلْحِسابِ ﴿ فُرادى ﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى فَنَزَلَتْ.
والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى ولا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ تَكْلِيمِهِمْ بِما يَنْفَعُهم أوْ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ (أخْرِجُوا) إلَخْ وهي مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ وإنْ ظَنَّهُ الإمامُ أوْلى وأقْوى.
ونَصْبُ ﴿ فُرادى ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وهو جَمْعُ فَرْدٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأنَّهُ جَمْعُ فَرْدانَ كَسَكْرانَ عَلى ما في الصِّحاحِ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى، والرّاءُ في فَرْدِهِ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ صاحِبِ الدُّرِّ المَصُونِ، وحُكِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ سُكُونُها، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ جَمْعُ فَرِيدٍ كَأسِيرٍ وأُسارى، وفي القامُوسِ يُقالُ: جاءُوا أفْرادًا وفُرادًا وفُرادى وفَرادُ وفُرادُ وفَرْدى كَسَكْرى أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ والواحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ، ولا يَجُوزُ فَرْدٌ في هَذا المَعْنى ولَعَلَّ هَذا بُعَيْدَ الإرادَةِ في الآيَةِ، وقُرِئَ فُرادًا كَرُخالٍ المَضْمُومِ الرّاءِ وفُرادَ كَأُحادَ ورُباعَ في كَوْنِهِ صِفَةً مَعْدُولَةً ولا يَرِدُ أنَّ مَجِيءَ هَذا الوَزْنِ المَعْدُولِ مَخْصُوصٌ بِالعَدَدِ بَلْ بِبَعْضِ كَلِماتِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِن عَدَمِ الِاخْتِصاصِ، نَعَمْ هو شائِعٌ فِيما ذُكِرَ وفَرْدى كَسَكْرى تَأْنِيثُ فَرْدانَ، والتَّأْنِيثُ لِجَمْعِ ذِي الحالِ ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى بَدَلُ كُلٍّ لِأنَّ المُرادَ المُشابَهَةُ في الِانْفِرادِ المَذْكُورِ والكافُ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلٍ أيْ مِثْلَ الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ وهو الصَّحِيحُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُتَداخِلَةٌ؛ والتَّشْبِيهُ أيْضًا في الِانْفِرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخِلْقَةِ أيْ مُشَبَّهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم بِمَعْنى شَبِيهَةِ حالِكم حالَ ابْتِداءِ خَلْقِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا بِهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرِ (جِئْتُمُونا) أيْ مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكُمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ واسَوْأتاهُ إنَّ النِّساءَ والرِّجالَ سَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ”لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ“» ﴿ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ﴾ أيْ ما أعْطَيْناكم في الدُّنْيا مِنَ المالِ والخَدَمِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوْبِيخِ أيْ فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ ﴿ وراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا لِأنْفُسِكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُؤْتى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ بَذَجٌ فَيَقُولُ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى: أيْنَ ما جَمَعْتَ؟
فَيَقُولُ: يا رَبِّ جَمَعْتُهُ وتَرَكْتُهُ أوْفَرَ ما كانَ فَيَقُولُ: أيْنَ ما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلا يَراهُ قَدَّمَ شَيْئًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، والجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، ﴿ وما نَرى ﴾ أيْ نُبْصِرُ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ حِكايَةُ حالٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَعَكُمْ ﴾ ولَيْسَ حالًا مِن مَفْعُولِ (نَرى) أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شُفَعاءَكُمُ ﴾ ولا مَفْعُولًا ثانِيًا، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وإضافَةُ الشُّفَعاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الزَّعْمِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ وصْفُهم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكُمْ، والزَّعْمُ هُنا نَصٌّ في الباطِلِ وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الحَقِّ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكَتْ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بِنَصْبِ -بَيْنَ- وهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الكَلامُ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ أوِ الوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ إفادَةِ الإسْنادِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ قامَ ولا جَلَسَ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ وجَلَسَ هو أيِ الجُلُوسَ ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ بَدا بَداءً وقَدْ قَدَّرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ بَدا البَداءُ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: إنَّ مَن جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ قالَ: المُرادُ - وقَعَ التَّقْطِيعُ والتَّغايُرُ - حاصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ ولَوَسُلِّمَ فالتَّقَطُّعُ المُعْتَبَرُ مَرْجِعًا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و (تَقَطَّعَ) مُنْكَرٌ فَكَيْفَ يُقالُ اتَّحَدَ الحُكْمُ والمَحْكُومُ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّأْوِيلِ مُتَعَيِّنٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ إذا تَقَطَّعَ التَّقَطُّعُ حَصَلَ الوَصْلُ وهو ضِدُّ المَقْصُودِ وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هو الفاعِلُ وبَقِيَ عَلى حالِهِ مَنصُوبًا حَمْلًا لَهُ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ سُلِّطَ عَلى (ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.
تَقَطَّعَ) وضَلَّ عَنْكم فَأعْمَلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأضْمَرَ في تَقْطَعَ ضَمِيرَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ والمَعْنى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكُمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ أيْ لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو مِنَ الأضْدادِ كالقُرْءِ يُسْتَعْمَلُ في الوَصْلِ والفَصْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْلُ أيْ تَقْطَّعَ وصْلُكم وتَفَرَّقَ جَمْعُكُمْ، وطَعَنَ ابْنُ عَطِيَّةٍ في هَذا بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَصْلِ وإنَّما انْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّماعِ لِأنَّ -بَيْنَ- يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَلابِسَيْنِ نَحْوُ بَيْنِي وبَيْنَكَ رَحِمٌ وصَداقَةٌ وشَرِكَةٌ فَصارَ لِذَلِكَ بِمَعْنى الوَصْلَةِ.
عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ فَإنَّ أبا عَمْرٍو وأبا عُبَيْدَةَ وابْنَ جِنِّيِّ والزَّجّاجَ وغَيْرَهم مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ نَقَلُوهُ وكَفى بِهِمْ سَنَدًا فِيهِ فَكَوْنُهُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا لا ظَرْفًا.
وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ) وما فِيهِ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿ وضَلَّ عَنْكُمْ ﴾ وضاعَ وبَطَلَ ﴿ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ 94 - أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى فِيكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ وكُلِّ المَطالِبِ الحُكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ سُبْحانَهُ.
والفالِقُ المُوجِدُ والمُبْدِعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ.
والحَبُّ مَعْلُومٌ.
والنَّوى جَمْعُ نَواةِ التَّمْرِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ ويُجْمَعُ عَلى أنْواءٍ ونُوًى بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِالشَّيْءِ المَوْجُودِ في داخِلِ الثَّمَرَةِ بِالمُثَلَّثَةِ أعَمُّ مِنَ التَّمْرِ بِالمُثَنّاةِ وغَيْرِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ النَّوى إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ مِنهُ ما في القامُوسِ وإذا أُرِيدَ غَيْرِهِ قُيِّدَ فَيُقالُ: نَوى الخَوْخِ ونَوى الإجاصِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
وأصْلُ الفَلْقِ الشَّقِّ وكانَ إطْلاقُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَقْلَ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ فَمَتى أوْجَدَ الشَّيْءَ تَخَيَّلَ الذِّهْنُ أنَّهُ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ المُبْدَعِ مِنهُ.
وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى شاقُّ الحَبَّةِ اليابِسَةِ ومُخْرِجُ النَّباتِ مِنها وشاقُّ النَّواةِ ومُخْرِجُ النَّخْلِ والشَّجَرِ مِنها، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وفِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَصْدَحُ أطْيارُها عَلى أفْنانِ الحِكَمِ وتَطْفَحُ أنْهارُها في رِياضِ الكَرَمِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالفَلْقِ الشِّقُّ الَّذِي بِالحُبُوبِ؛ وبِالنَّوى أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُهُما كَذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: ضَيَّقَ فَمَّ الرَّكِيَّةِ ووَسَّعَ أسْفَلَها، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما في سابِقِهِ ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيْ يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والشَّجَرِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ والنَّوى.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ ولَمْ يُعْطَفْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ومُخْرِجُ المَيِّتِ ﴾ كالنُّطْفَةِ وأخَوَيْها ﴿ مِنَ الحَيِّ ﴾ كالحَيَوانِ وأخَوَيْهِ، وهَذا عِنْدَ بَعْضٍ عَطْفٌ عَلى ﴿ فالِقُ ﴾ لا عَلى ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ وهَذا لا يَصْلُحُ لِلْبَيانِ وإنْ صَحَّ عَطْفُ الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَلى الفِعْلِ وعَكْسُهُ واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى (يُخْرِجُ) قالَ: وقَدْ ورَدا جَمِيعًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ كَثِيرًا وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما تَوْأمانِ مُقْتَرِنانِ وهو يُبْعِدُ القِطَعَ، فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ يُؤْتى بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أُسْوَةَ أمْثالِهِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المُضارِعِ في هَذا الوَصْفِ وحْدَهُ إرادَةً لِتَصَوُّرِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ واسْتِحْضارِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِالمُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ والماضِي ألَمْ تَرَ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ كَيْفَ عَدَلَ عَنِ الماضِي المُطابِقِ لِأنْزَلَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَسْعى يُسْهِبُ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَآخُذُهُ وأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ فَإنَّهُ عَدَلَ فِيهِ إلى المُضارِعِ إرادَةً لِتَصْوِيرِ شَجاعَتِهِ واسْتِحْضارِهِ لِذِهْنِ السّامِعِ إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنَّما يُنْتَحى فِيما تَكُونُ العِنايَةُ فِيهِ أقْوى، ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أظْهَرُ في القُدْرَةِ مِن عَكْسِهِ وهو أيْضًا أوَّلُ الحالَيْنِ، والنَّظَرُ أوَّلُ ما يَبْدَأُ فِيهِ ثُمَّ القِسْمُ الآخَرُ ثانٍ عَنْهُ فَكانَ الأوَّلُ جَدِيرًا بِالتَّصْوِيرِ والتَّأْكِيدِ في النَّفْسِ ولِذَلِكَ هو مُقَدَّمٌ أبَدًا عَلى القِسْمِ الآخَرِ في الذَّكَرِ حَسَبَ تُرَتُّبِهِما في الواقِعِ، وسَهَّلَ عَطْفَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ وحَسَّنَهُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ في مَعْنى المُضارِعِ، وكُلٌّ مِنهُما يُقَدَّرُ بِالآخَرِ فَلا جُناحَ في عَطْفِهِ عَلَيْهِ وقالَ الإمامُ في وجْهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ: إنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاعِلَ مُعْتَنٍ بِالفِعْلِ في كُلٍّ حِينٍ وأوانٍ وأمّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والِاعْتِناءَ بِهِ ساعَةً فَساعَةً، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الرِّزْقُ بِلَفْظِ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الِاسْمُ لِيُفِيدَ البَقاءَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يُقالُ: لَمّا كانَ الحَيُّ أشْرَفَ مِنَ المَيِّتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِناءُ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ فَلِذا وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ وعَنِ الثّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِناءَ بِإيجادِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرُ وأكْمَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإيجادِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ.
ثُمَّ العَطْفُ لِاشْتِمالِ الكَلامِ بِهِ عَلى زِيادَةٍ لا يَضُرُّ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِما تَقَدَّمَ كَما لا يَضُرُّ شُمُولُ الحَيِّ والمَيِّتِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى صِحَّتَهُ إنْ قُلْنا: إنَّ الحَيَّ حَقِيقَةً فِيمَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ الِادِّراكِ والقُدْرَةَ والمَيِّتَ حَقِيقَةً فِيمَن فارَقَتْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ النَّباتِ والشَّجَرِ الغَضِّ والنَّوى مَجازٌ.
وبِهَذا يُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ فَإنَّهُ جَعَلَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي مِنَ الوُجُودِ المَجازِيَّةِ؛ كالمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ (ذَلِكُمُ) القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ السّاطِعُ البُرْهانِ هو (اللَّهُ) الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ 95 - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتُشْرِكُونَ بِهِ مِن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ أصْلًا.
وتَمَسَّكَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ خَلَقَ فِيهِ الإفْكَ لَمْ يَلِقْ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَلى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَذَكَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فالِقٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِـ (أنَّ) .
و(الإصْباحِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألّا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ كَقُفْلٍ وأقْفالٍ؛ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أفْنى رِياحًا وبَنِي رِياحِ ∗∗∗ تَناسُخُ الأمْساءِ والأصْباحِ بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْ مَسْيٍ وصُبْحٍ.
والفالِقُ: الخالِقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاقُّ.
واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الظُّلْمَةَ هي الَّتِي تَفْلِقُ عَنِ الصُّبْحِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الصُّبْحَ صُبْحانِ صادِقٌ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وكاذِبٌ وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ.
وعَلى الأوَّلِ يُرادُ فَلْقُهُ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ يُقالُ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِالإصْباحِ.
وذَلِكَ لِأنَّ الأُفُقَ مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ والجَنُوبِيِّ مَمْلُوءٌ مِنَ الظُّلْمَةِ، والنُّورُ إنَّما ظَهَرَ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ فَكَأنَّ الأُفُقَ كانَ بَحْرًا مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ البَحْرَ المُظْلِمَ بِأنْ أجْرى جَدْوَلًا مِنَ النُّورِ فِيهِ.
وعَلى الثّانِي فَإيرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فالِقُهُ عَنْ ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ وشاقُّهُ مِنهُ.
وما ذُكِرَ مِن تَقْسِيمِ الصُّبْحِ عَنْ صادِقٍ وكاذِبٍ مِمّا يَشْهَدُ لَهُ العِيانُ ولا يَمْتَرِي فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في سَبَبِ ذَلِكَ كَلامًا لِأهْلِ الهَيْئَةِ حاصِلُهُ أنَّ الصُّبْحَ وكَذا الشَّفَقَ اسْتِنارَةٌ في كُرَةِ البُخارِ لِتَقارُبِ الشَّمْسِ مِن أفُقِ المَشْرِقِ وتَباعُدِها عَنْ أُفُقِ المَغْرِبِ وقَدْ تَحَقَّقَ أنَّ كُرَةَ البُخارِ عِبارَةٌ عَنْ هَواءٍ مُتَكاثِفٍ بِما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ الأرْضِيَّةِ والمائِيَّةِ المُتَصاعِدَةِ مِن كُرَتَيْهِما بِتَسْخِينِ الشَّمْسِ وغَيْرِها إيّاها، وأنَّ شَكْلَ ذَلِكَ الهَواءِ شَكْلُ كُرَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرْضِ عَلى مَرْكَزِها وسَطْحٍ مُوازٍ لِسَطْحِها المُتَساوِي غايَةَ ارْتِفاعِها عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ في جَمِيعِ النَّواحِي المُسْتَلْزِمِ لِكُرَوِيَّتِها وأنَّها مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما كانَ مِنها أقْرَبَ إلى الأرْضِ فَهو أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ لِأنَّ الألْطَفَ يَتَصاعَدُ ويَتَباعَدُ أكْثَرَ مِنَ الأكْثَفِ، ولَكِنْ لا يُبْلُغُ التَّكاثُفُ إلى حَيْثُ يَحْجُبُ ما وراءَهُ.
وأنَّ هَذِهِ الكُرَةَ تَنْتَهِي إلى حَدٍّ لا تَتَجاوَزُهُ وهو مِن سَطْحِ الأرْضِ أحَدٌ وخَمْسُونَ مِيلًا تَقْرِيبًا، وأنَّ لِلْأرْضِ ظِلًّا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ قاعِدَتُهُ دائِرَةٌ عَلَيْها تَكادُ تَكُونُ عَظِيمَةً، وهي مُواجِهَةٌ لِلشَّمْسِ ورَأْسُهُ في مُقابِلِها، وتَنْقَسِمُ الأرْضُ بِهَذِهِ القاعِدَةِ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أكْبَرُ مُسْتَضِيءٍ مُواجِهٍ لِلشَّمْسِ، والآخِرُ مُظْلِمٌ مُقابِلٌ لَها.
ويَتَحَرَّكُ الضِّياءُ والظُّلْمَةُ عَلى سَطْحِ الأرْضِ في يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ دَوْرَةً واحِدَةً كَعَلَمَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ أحَدُهُما أبْيَضُ والآخَرُ أسْوَدُ.
وأنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ مُحِيطٌ بِمَخْرُوطِ الظِّلِّ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ ومُنْبَثٌّ في جَمِيعِ الأفْلاكِ سِوى مِقْدارٍ يَسِيرٍ مِن فَلَكِ القَمَرِ وفَلَكِ عُطارِدٍ وقَعَ في مَخْرُوطِ ظِلِّ الأرْضِ؛ لَكِنَّ الأفْلاكَ لِكَوْنِها مُشِعَّةً في الغايَةِ يَنْفُذُ فِيها الشُّعاعُ ولا يَنْعَكِسُ عَنْها فَلِذَلِكَ لا نَراها مُضِيئَةً.
وكَذا الهَواءُ الصّافِي المُحِيطُ بِكُرَةِ البُخارِ لا يَقْبَلُ ضَوْءًا وأمّا كُرَةُ البُخارِ فَهي مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما قَرُبَ مِنها إلى الأرْضِ أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ والأكْثَفُ أقْبَلُ لِلِاسْتِضاءَةِ؛ فالكَثِيفُ الخَشِنُ بِاخْتِلاطِ الهَيْئاتِ الكَثِيرَةِ مِن سَطْحِ مَخْرُوطِ الظِّلِّ قابِلٌ لِلضَّوْءِ، وأنَّ النَّهارَ مُدَّةُ كَوْنِ ذَلِكَ المَخْرُوطِ تَحْتَ الأُفُقِ، واللَّيْلُ مُدَّةُ كَوْنِهِ فَوْقَهُ وحَيْثُ تَحَقَّقَ كُلُّ ذَلِكَ يُقالُ: إذا ازْدادَ قُرْبُ الشَّمْسِ مِن شَرْقَيِ الأُفُقِ ازْدادَ مَيْلُ المَخْرُوطِ إلى غَرْبَيْهِ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُرى الشُّعاعُ المُحِيطُ بِهِ، وأوَّلُ ما يُرى هو الأقْرَبُ إلى مَوْضِعِ النّاظِرِ وهو خَطٌّ يَخْرُجُ مِن بَصَرِهِ في سَطْحِ دائِرَةٍ سَمْتِيَّةٍ تَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ عَمُودًا عَلى الخَطِّ المُماسِّ لِلشَّمْسِ والأرْضِ، وهو الَّذِي في سَطْحِ الفَصْلِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الشُّعاعِ والظِّلِّ فَيُرى الضَّوْءُ أوَّلًا مُرْتَفِعًا عَنِ الأُفُقِ عِنْدَ مَوْقِعِ العَمُودِ مُسْتَطِيلًا كَخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُفُقِ يُرى مُظْلِمًا لِبُعْدِهِ وإنْ كانَ مُسْتَنِيرًا في الواقِعِ ولِكَثافَةِ الهَواءِ عِنْدَ الأُفُقِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ وهو الصُّبْحُ الكاذِبُ، ثُمَّ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ رُؤِيَ الضَّوْءُ مُعْتَرِضًا مُنْبَسِطًا يَزْدادُ لَحْظَةً فَلَحْظَةً ويَنْمَحِي الأوَّلُ بِهَذا الضِّياءِ القَوِيِّ كَما يَنْمَحِي ضِياءُ المَشاعِلِ والكَواكِبِ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَيُخَيَّلُ أنَّ الأوَّلَ قَدْ عُدِمَ وهو الصُّبْحُ الصّادِقُ وتَوْضِيحُ ما ذُكِرَ عَلى ما في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِ سَيِّدِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُتَوَهَّمُ لِبَيانِ ذَلِكَ سَطْحٌ يَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ والأرْضِ وبِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ فَيُحْدِثُ مُثَلَّثَ حادِّ الزَّوايا قاعِدَتُهُ عَلى الأُفُقِ وضِلْعاهُ عَلى سَطْحِ المَخْرُوطِ أمّا حُدُوثُ المُثَلَّثِ فَلِما تَقَرَّرَ أنَّهُ إذا مَرَّ سَطْحٌ مُسْتَوٍ بِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ أحْدَثَ فِيهِ مُثَلَّثًا وأمّا حِدَّةُ الزَّوايا فَلِأنَّ رَأْسَ المَخْرُوطِ في نِصْفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَوْقَ الأرْضِ وحِينَئِذٍ إمّا يَكُونُ المَخْرُوطُ قائِمًا عَلى سَطْحِ الأُفُقِ وذَلِكَ إذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ أوْ مائِلًا إلى الشَّمالِ أوِ الجَنُوبِ مَعَ تَساوِي بُعْدِهِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ وأيًّا ما كانَ فَذَلِكَ السَّطْحُ المَفْرُوضُ مُمْتَدٌّ فِيما بَيْنُ الخافِقَيْنِ إمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ وإمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلِتَساوِي بُعْدِ رَأْسِ المَخْرُوطِ عَنْ جانِبَيِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَيَكُونُ زاوِيَتا قاعِدَةِ المُثَلَّثِ حادَّتَيْنِ لِوُجُوبِ تَساوِيهُما وامْتِناعِ وُقُوعِ قائِمَتَيْنِ أوْ مُنْفَرِجَتَيْنِ في مُثَلَّثٍ، وإذا مالَ رَأْسُ المَخْرُوطِ عَنْ نِصْفِ النَّهارِ المَغْرِبِ فَوْقَ الأرْضِ بِسَبَبِ انْتِقالِ الشَّمْسِ عَنْهُ إلى الجانِبِ المَشْرِقِ تَحْتَ الأرْضِ تَضايَقَتِ الزّاوِيَةُ الشَّرْقِيَّةُ مِن ذَلِكَ المُثَلَّثِ فَتَصِيرُ أحَدٌ مِمّا كانَتْ واتَّسَعَتِ الزّاوِيَةُ الغَرْبِيَّةُ حَتّى تَصِيرَ مُنْفَرِجَةً لَكِنَّ المَقْصُودَ لا يَخْتَلِفُ ولا شَكَّ أنَّ الأقْرَبَ مِنَ الضِّلَعِ الَّذِي يَلِي الشَّمْسَ إلى النّاظِرِ يَكُونُ مَوْقِعَ العَمُودِ الخارِجِ مِنَ النَّظَرِ الواقِعِ عَلى ذَلِكَ الضِّلَعِ لا مَوْضِعَ اتِّصالِ الضِّلَعِ بِالأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا خَرَجَ مِنَ البَصَرِ إلى الضِّلَعِ الشَّرْقِيِّ عَمُودٌ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ هَذا الضِّلَعِ بِالأُفُقِ وإلّا انْطَبَقَتِ القائِمَةُ عَلى بَعْضِ الحادَّةِ ولا أنْ يَقَعَ تَحْتَ الأُفُقِ بِأنْ يَقْطَعَ العَمُودُ قاعِدَةَ المُثَلَّثِ ويَصِلَ إلى الضِّلَعِ المَذْكُورِ بَعْدَ إخْراجِهِ تَحْتَهُ وإلّا لَزِمَ في المُثَلَّثِ الحادِثِ تَحْتَ الأُفُقِ مِنَ القَدْرِ المُخْرَجِ مِن بَعْضٍ وبَعْضِ العَمُودِ القائِمَةِ ومُنْفَرِجَةً ولا أنْ يَقَعَ في جِهَةِ رَأْسِ المُثَلَّثِ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ أحَدِ ضِلْعَيْهِ بِالآخَرِ ولا خارِجًا عَنْهُ في تِلْكَ الجِهَةِ لِما ذَكَرْنا بِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ داخِلَ المُثَلَّثِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيِ الضِّلْعِ الشَّرْقِيِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَوْضِعَهُ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن مَوْضِعِ اتِّصالِهِ بِالأُفُقِ، ولا شَكَّ في أنَّ ما وقَعَ مِن هَذا الضِّلَعِ فِيما كُثِّفَ مِن كُرَةِ البُخارِ يَكُونُ مُسْتَنِيرًا بِتَمامِهِ حالَ قُرْبِ الشَّمْسِ مِن أُفُقِ المَشْرِقِ إلّا أنَّ ما كانَ أقْرَبُ مِنهُ إلى النّاظِرِ يَكُونُ أصْدَقَ رُؤْيَةً وهو مَوْقِعُ العَمُودِ ومِن هُنا يَتَحَقَّقُ الصّادِقُ والكاذِبُ انْتَهى كَلامُهُمْ والإمامُ الرّازِّيُّ أنْكَرَ كَوْنَ الصُّبْحِ الكاذِبِ مِن أثَرِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وإنَّما هو بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً قالَ لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فَلَكُ الدّائِرَةِ أُفُقًا لَهم قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِمْ وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أضاءَ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا وذَلِكَ الضَّوْءُ يَكُونُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ أجْزاءِ الجَوِّ ويَجِبُ أنْ يَزْدادَ لَحْظَةً فَلَحْظَةً وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الصُّبْحُ الأوَّلُ خَطًّا مُسْتَطِيلًا فَحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ ولا مِن جِنْسِ نُورِهِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أيْضًا أنَّ الصُّبْحَ الثّانِيَ كالصُّبْحِ الأوَّلِ لَيْسَ إلّا بِتَخْلِيقِ الفاعِلِ المُخْتارِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ وبَيْنَ ذَلِكَ أنَّ مِنَ المُقَدِّماتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها أنَّ المُضِيءَ شَمْسًا كانَ أوْ غَيْرَهُ لا يَقَعُ ضَوْؤُهُ إلّا عَلى الجِرْمِ المُقابِلِ لَهُ دُونَ غَيْرِ المُقابِلِ، والشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ غَيْرُ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الأُفُقِ فَلا يَكُونُ جِرْمُ الشَّمْسِ مُقابِلًا لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ وجْهِ الأرْضِ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصُّبْحِ مِن تَأْثِيرِ قَرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ قالَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الشَّمْسُ حِينَ كَوْنِها تَحْتَ الأرْضِ تُوجِبُ إضاءَةَ ذَلِكَ الهَواءِ المُقابِلِ لَها وذَلِكَ الهَواءُ مُقابِلٌ لِلْهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ فَيَصِيرُ ضَوْءُ الهَواءِ الواقِفِ تَحْتَ الأرْضِ سَبَبًا لِضَوْءِ الهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ ثُمَّ لا يَزالُ يَسْرِي ذَلِكَ الضَّوْءُ مِن هَواءٍ آخَرَ مُلاصِقٍ لَهُ حَتّى يَصِلَ الهَواءُ المُحِيطُ بِنا وعَلى هَذا عَوَّلَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ في المَناظِرِ فالجَوابُ: أنَّ هَذا باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلِ أنَّ الهَواءَ شَفّافٌ عَدِيمُ اللَّوْنِ فَلا يَقْبَلُ النُّورَ واللَّوْنَ في ذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَنْعَكِسَ مِنهُ النُّورُ إلى غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ ضَوْؤُهُ سَبَبًا لِضَوْءِ هَواءٍ آخَرَ مُقابِلٍ لَهُ فَإنْ قالُوا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَصَلَ في الأُفُقِ أجْزاءٌ كَثِيفَةٌ مِنَ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ وهي لِكَثافَتِها تَقْبَلُ النُّورَ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَفِيضُ عَلى الهَواءِ المُقابِلِ لَهُ فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلَّما كانَتِ الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ في الأُفُقِ أكْثَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصَّباحِ أقْوى ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِالعَكْسِ، والثّانِي أنَّ الدّائِرَةَ الَّتِي هي دائِرَةُ الأُفُقِ لَنا بِعَيْنِها دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالدّائِرَةُ الَّتِي هي نِصْفُ النَّهارِ في بَلَدِنا وجَبَ كَوْنُها دائِرَةَ الأُفُقِ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إذًا وصَلَ مَرْكَزُ الشَّمْسِ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وتَجاوُزَ عَنْها فالشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ واسْتَنارَ نِصْفُ العالَمِ هُناكَ والرُّبْعُ مِنَ الفَلَكِ الَّذِي هو رُبْعٌ شَرْقِيٌّ لِأهْلِ بَلَدِنا فَهو رُبْعٌ غَرْبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالشَّمْسُ إذا تَجاوَزَ مَرْكَزُها عَنْ دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ قَدْ صارَ جِرْمُها مُحازِيًا لِهَواءِ الرُّبْعِ الَّذِي هو الرُّبْعُ الشَّرْقِيُّ هَلْ بَلَدُنا فَلَوْ كانَ الهَواءُ يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ النُّورُ في هَذا الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ يَصِيرَ هَواءُ هَذا الرُّبْعِ في غايَةِ الإنارَةِ حِينَئِذٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الهَواءَ لا يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ في ذاتِهِ وإذا بَطَلَ هَذا بَطَلَ العُذْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الهَيْثَمِ انْتَهى المُرادُ مِنهُ، ولا أراهُ أتى بِشَيْءٍ يَتَبَلَّجُ بِهِ صُبْحُ هَذا المَطْلَبِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ، وذَكَرَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ العَلّامَةُأحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ أنَّ لِأهْلِ الهَيْئَةِ في تَحْقِيقِ الصُّبْحِ الكاذِبِ كَلامًا طَوِيلًا مَبْنِيًّا عَلى الحَدْسِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الحُكَماءِ الباطِلَةِ كَمَنعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى أنَّهُ لا يَفِي بِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ أعْلاهُ أضْواءً مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ مِن أسْفَلِهِ عَنْ مُسْتَمِدِّهِ وهو الشَّمْسُ ولا بِبَيانِ سَبَبِ انْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الأئِمَّةُ وقَدَّرُوها بِساعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مُطْلَقُ الزَّمَنِ لِأنَّها تَطُولُ تارَةً وتَقْصُرُ أُخْرى وهَذا شَأْنُ السّاعاتِ الزَّمانِيَّةِ المُسَمّاةِ بِالمُعْوَجَّةِ، ويُقابِلُونَها بِالسّاعاتِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ كُلٌّ مِنها دائِمًا بِخَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الهَيْئَةِ عَدَمَ انْعِدامِهِ وإنَّما يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الصّادِقِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ذَلِكَ فِيما نَقَلْناهُ لَكَ عَنْهُمْ، ولَعَلَّهُ بِحَسْبِ التَّقْدِيرِ لا الحِسِّ وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ» أيْ يَنْتَشِرُ ذَلِكَ العَمُودُ في نُواحِي الأُفُقِ ويُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَتِهِ عارِضًا لِلثّانِي شَيْئانِ أحَدُهُما أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الصُّبْحُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ، والمُشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دَفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ وهَذا لِكَوْنِ كَلامِ الصّادِقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولِإنْبائِهِ عَنْ سَبَبِ طُولِهِ وإضاءَةِ أعْلاهُ واخْتِلافِ زَمَنِهِ وانْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُوافِقِ لِلْحِسِّ أوْلى مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ القاصِرِ عَنْ ذَلِكَ ثانِيهُما أنَّهُ أشارَ بِالعارِضِ إلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ هو الصّادِقُ، وأنَّ الكاذِبَ إنَّما قُصِدَ بِطَرِيقِ العَرَضِيَّةِ لِيُنَبِّهَ النّاسَ لَقَرِبَ ذَلِكَ فَيَنْتَبِهُوا لِيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أوَّلِ الوَقْتِ لِاشْتِغالِهِمْ بِالنَّوْمِ الَّذِي لَوْلا هَذِهِ العَلّامَةُ لَمَنَعَهم إدْراكُ أوَّلِ الوَقْتِ فالحاصِلُ أنَّهُ نُورٌ يُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشُّعاعِ أوْ يَخْلُقُهُ حِينَئِذٍ عَلامَةً عَلى قُرْبِ الصُّبْحِ ومُخالِفًا لَهُ في الشَّكْلِ لِيَحْصُلَ التَّمَيُّزُ وتَتَّضِحَ العَلامَةُ العارِضَةُ مِنَ المُعَلَّمِ عَلَيْهِ المَقْصُودُ فَتَأمَّلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ غَرِيبٌ مُهِمٌّ، وفي حَدِيثٍ عِنْدَ أحْمَدَ لَيْسَ الفَجْرُ الأبْيَضُ المُسْتَطِيلُ في الأُفُقِ ولَكِنَّ الفَجْرَ الأحْمَرَ المُعْتَرِضَ، وفِيهِ شاهِدٌ لِما ذُكِرَ آخِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ الكُوَّةِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ لِلشَّمْسِ ثَلَثَمِائَةِ كُوَّةٍ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُوَّةٍ فَلا بِدَعَ أنَّها عِنْدَ قُرْبِها مِن تِلْكَ الكُوَّةِ يَنْحَبِسُ شُعاعُها ثُمَّ يَتَنَفَّسُ كَما مَرَّ، ولِلْقَرافِيِّ المالِكِيِّ وغَيْرِهِ كالأصْبَحِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فِيهِ كَلامٌ يُوَضِّحُهُ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ ما ذُكِرَ مِنَ الكُوّاتِ ويُوافِقُ الِاسْتِشْكالَ لِكَوْنِهِ يَظْهَرُ ثُمَّ يَغِيبُ، وحاصِلُهُ وإنْ كانَ فِيهِ طُولٌ لُمِسَ الحاجَةُ إلَيْهِ أنَّهُ بَياضٌ يَطْلُعُ قَبْلَ الفَجْرِ ثُمَّ يَذْهَبُ عِنْدَ أكْثَرِ الأبْصارِ دُونَ الرّاصِدِ المُجِدِّ القَوِيِّ النَّظَرِ وذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ المالِكِيُّ أنَّهُ مِن نُورِ الشَّمْسِ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ فَإذا ظَهَرَتْ أنِسَتْ بِهِ الأبْصارُ فَيُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ غابَ ولَيْسَ كَذَلِكَ ونَقَلَ الأصْبَحِيُّ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّهُ يَذْهَبُ بَعْدَ طُلُوعِهِ ويَعُودُ مَكانَهُ لَيْلًا وهو كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وإنَّ أبا جَعْفَرٍ البَصْرِيَّ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُ بِأنَّهُ عِنْدَ بَقاءِ نَحْوِ ساعَتَيْنِ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا إلى نَحْوِ رُبْعِ السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ ورُبَّما لَمْ يُرَ إذا كانَ الجَوُّ نَقِيًّا شِتاءً وأبْيَنُ ما يَكُونُ إذا كانَ الجَوُّ كَدِرًا صَيْفًا أعْلاهُ دَقِيقٌ وأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ ولا يُنافِي هَذا ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ أعْلاهُ أضْوَأُ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ الطُّلُوعِ، وهَذا عِنْدَ مَزِيدِ قُرْبِهِ مِنَ الصّادِقِ وتَحْتَهُ سَوادٌ ثُمَّ بَياضٌ يُغَشِّي ذَلِكَ كُلَّهُ ثُمَّ يَعْتَرِضُ رَدَّهُ بِأنَّهُ رَصَدَهُ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً فَلَمْ يَرَهُ غابَ، وإنَّما يَنْحَدِرُ لِيَلْتَقِيَ مَعَ المُعْتَرِضِ في السَّوادِ ويَصِيرانِ فَجْرًا واحِدًا.
وزَعْمُ غَيْبَتِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ وهْمٌ أوْ رَآهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ فَظَنَّهُ يَذْهَبُ، وبَعْضُ المُؤَقِّتِينَ يَقُولُ: هو المَجَرَّةُ إذا كانَ الفَجْرُ بِالسُّعُودِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يُوجَدَ إلّا نَحْوَ شَهْرَيْنِ في السَّنَةِ، قالَ القَرافِيُّ: وقالَ آخَرُونَ هو شُعاعٌ يَخْرُجُ مِن طِباقٍ بِجَبَلِ قافٍ ثُمَّ أبْطَلَهُ بِأنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِما يَرُدُّهُ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن طُرُقٍ خَرَّجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوُهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ ، مِنها أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ ثُمَّ أرْضًا ثُمَّ بَحْرًا ثُمَّ جَبَلًا وهَكَذا حَتّى عَدَّ سَبْعًا مِن كُلٍّ، وأخْرَجَ بَعْضُ أُولَئِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ جَبَلٌ مِن ذُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَتِفا السَّماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وكَما انْدَفَعَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: لا وُجُودَ لَهُ؛ انْدَفَعَ قَوْلُهُ إثْرَهُ: ولا يَجُوزُ اعْتِقادُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقَ الإمارَةِ فَهَذا عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أوِ الإمارَةَ العَقْلِيَّةَ فَهَذا مِمّا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَما هو جَلِيٌّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ القَرافِيِّ عَنْ أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَخْفى دائِمًا، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وأطالَ في جَوابِهِ بِما لا يَتَّضِحُ إلّا لِمَن أتَقَنَ عِلْمَيِ الهَنْدَسَةِ والمَناظِرِ فَأوْلى مِنهُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ النَّظَرِ لِاخْتِلافِهِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ والكَيْفِيّاتِ العارِضَةِ لِمَحَلِّهِ فَقَدْ يَدُقُّ في بَعْضِ ذَلِكَ حَتّى لا يُرى أصْلًا وحِينَئِذٍ فَهَذا عُذْرُ مَن عَبَّرَ بِأنَّهُ يَغِيبُ ثُمَّ تَعْقُبُهُ ظَلَمَةٌ، وهَذا ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِحُدُوثِ ضَوْءِ الصُّبْحِ بِمُجَرَّدِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا عَنْ سَبَبٍ عادِيٍّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ مِن شُعاعٍ يَخْرُجُ مِن طِباقِ جَبَلِ قافٍ.
والقَوْلُ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِن هَذا الطِّباقِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِخُرُوجِ الشَّمْسِ الَّتِي هي عَلى ما بَيَّنَ في الأجْرامِ مِائَةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ مِثْلًا لِلْأرْضِ مَعَ كَسْرٍ تَقَدَّمَ -عَلى ما هو المَشْهُورُ- أوْ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتَّةٌ وعِشْرُونَ مِثْلًا لَها عَلى ما قالَهُ غِياثُ الدِّينِ جَمْشِيدُ الكاشِيُّ في رِسالَتِهِ ”سُلَّمُ السَّماءِ“ أوْ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُوَّةٍ مِن جَبَلٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ والخَبَرُ في ذَلِكَ إنْ صَحَّ وقُلْنا: إنَّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ مِمّا يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ وبابُ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن تِلْكَ الكُوَّةِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قَدْ قَطَعُوا دائِرَةَ الأرْضِ عَلى مَدارِ السَّرَطانِ مِرارًا ولَمْ يَجِدُوا أثَرًا لِهَذا الجَبَلِ المُحِيطِ الشّامِخِ.
وإثْباتُ سَبْعَةِ جِبالٍ وسَبْعَةِ أبْحُرٍ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مِمّا لا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا.
وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ إلّا مُلْحِدٌ لَكِنَّ الكَلامَ في وُقُوعِ ما ذُكِرَ في الخارِجِ والَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أمْرِ الصُّبْحِ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وقَدْ بَيَّنَ أرِسْطُوخَسُ في الشَّكْلِ الثّانِي مِن كِتابِهِ في جِرْمِ النَّيِّرَيْنِ أنَّ الكُرَةَ إذا اقْتَبَسَتِ الضَّوْءَ مِن كُرَةٍ أعْظَمَ مِنها كانَ المُضِيءُ مِنها أعْظُمَ مِن نِصْفِها.
وقَدْ بَيَّنَ أيْضًا في الشَّكْلِ الأوَّلِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ كُلَّ كُرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أمْكَنَ أنْ يُحِيطَ بِهِما مَخْرُوطٌ مُسْتَدِيرٌ رَأْسُهُ يَلِي أصْغَرَهُما ويَكُونُ المَخْرِطُ مُماسًّا لِكُلٍّ مِنهُما عَلى مُحِيطِ دائِرَةٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُحِيطٌ بِالشَّمْسِ والأرْضِ مَخْرُوطٌ مُؤَلَّفٌ مِن خُطُوطٍ شُعاعِيَّةٍ رَأْسُهُ يَلِي الأرْضَ فَيَكُونُ هَذا المَخْرُوطُ مُماسًّا لِلْأرْضِ عَلى دائِرَةٍ فاصِلَةٍ بَيْنَ المُضِيءِ والمُظْلِمِ مِنها وهي دائِرَةٌ صَغِيرَةٌ لِأنَّ الجُزْءَ المُضِيءَ مِنَ الأرْضِ أصْغَرُ وقَدْ حَقَّقُوا أنَّ المُسْتَنِيرَ مِنَ الهَواءِ كُرَةُ البُخارِ سِوى ما دَخَلَ في ظِلِّ مَخْرُوطِ الأرْضِ وهي مُسْتَنِيرَةٌ أبَدًا لِكَثافَتِها وإحاطَةِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ بِها لَكِنَّها لا تُرى في اللَّيْلِ لِبُعْدِها عَنِ البَصَرِ وأنَّ سَهْمَ المَخْرُوطِ أبَدًا في مُقابَلَةِ جِرْمِ الشَّمْسِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
فَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وبَعْدَ ذَلِكَ يَمِيلُ إلى جانِبِ الغُرُوبِ لَحْظَةً فَلَحْظَةً إلى أنْ يُرى البَياضُ في جانِبِ المَشْرِقِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ في الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مِن مُجاوَزَةِ مَرْكَزِ الشَّمْسِ دائِرَةُ نِصْفِ اللَّيْلِ وطُلُوعِها عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ.
واسْتِنارَةُ نِصْفِ العالَمِ عِنْدَهُمُ اسْتِنارَةُ الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ عِنْدَنا لِاخْتِلافِ الوَضْعِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، والتِزامُ القَوْلِ بِالكُرَوِيَّةِ والمَخْرُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمِ اعْتِقادُ صِحَّةِ ما يَقُولُونَهُ مِمّا عُلِمَ خِلافُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أوْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كُفْرٌ أوْ ضَلالٌ، فَتَدَبَّرْ.
وقُرِئَ (فالِقَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وقَرَأ النَّخَعِيُّ (فَلَقَ الإصْباحَ ﴿ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ أيْ يَسْكُنُ إلَيْهِ مَن يَتْعَبُ بِالنَّهارِ ويَسْتَأْنِسُ بِهِ لِاسْتِرْواحِهِ فِيهِ؛ وكُلُّ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ الرَّجُلُ ويَطْمَئِنُّ اسْتِئْناسًا بِهِ واسْتِرْواحًا إلَيْهِ مِن زَوْجٍ أوْ حَبِيبٍ يُقالُ لَهُ: سَكَنٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّارِ: سَكَنٌ لِأنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِها ولِذا سَمَّوْها مُؤْنِسَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فالمُرادُ حِينَئِذٍ جَعَلَ اللَّيْلَ مَسْكُونًا فِيهِ أخْذًا لَهُ مِنَ السُّكُونِ أيِ الهُدُوءُ والِاسْتِقْرارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وقَرَأ سائِرُ السَّبْعَةِ إلّا الكُوفِيِّينَ (جاعِلُ) بِالرَّفْعِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ و(اللَّيْلِ) فِيهِما مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، ونَصْبُ (سَكَنًا) عِنْدَ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ لا بِهِ؛ لِأنَّهُ يُشْتَرَطُ في عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ كَوْنُهُ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ وهو هُنا بِمَعْنى الماضِي كَما يَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ (جَعَلَ) وجَوَّزَ الكِسائِيُّ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ عَمَلَهُ بِمَعْنى الماضِي مُطْلَقًا حَمْلًا لَهُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَ مَعْناهُ.
وبَعْضُهم جَوَّزَ عَمَلَهُ كَذَلِكَ إذا دَخَلَتْ عَلى (ألْ)، وآخَرُونَ جَوَّزُوا عَمَلَهُ في الثّانِي إذا أُضِيفَ إلى الأوَّلِ لِشِبْهِهِ بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ.
وعَلى هَذا والأوَّلِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ بَلْ يَكُونُ النّاصِبُ هو الوَصْفُ.
واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ النّاصِبَ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِأنَّ المُرادَ بِهِ الجَعْلُ المُسْتَمِرُّ في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ لا الزَّمانُ الماضِي فَقَطْ ولا يَجْرِي عَلى هَذا مَجْرى الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِأنَّ ذَلِكَ -كَما قالَ المُحَقِّقِينَ- فِيما قُصِدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ مَشْرُوطٌ بِاشْتِهارِ الوَصْفِ بِذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ وشُيُوعِهِ فِيهِ، ونَصْبُهُ في قِراءَتِنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (جَعَلَ) بِمَعْنى أحْدَثَ المُتَعَدِّي لِواحِدٍ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ (والشَّمْسَ والقَمَرَ) مَعْطُوفانِ عَلى اللَّيْلِ.
وعَلى قِراءَةِ مَن جَرَّهُ يَكُونُ نَصْبُهُما بِجَعَلَ المُقَدَّرِ النّاصِبِ لِـ (سَكَنًا) أوْ بِآخَرَ مِثْلِهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ المَجْرُورِ فَإنَّ إضافَةَ الوَصْفِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ إذا لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ إلى المُضِيِّ.
وقُرِئَ بِالجَرِّ وهو ظاهِرٌ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ ﴿ حُسْبانًا ﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ فِيها الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا.
والحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ وهَذا هو الأصْلُ المَسْمُوعُ في نَحْوِ ذَلِكَ وما سِواهُ وارِدٌ عَلى خِلافِ القِياسِ كَما قِيلَ.
وعَنْ أبِي الهَيْثَمِ أنَّ حُسْبانًا جَمْعُ حِسابٍ مِثْلُ رُكْبانٍ ورِكابٍ وشُهْبانٍ وشِهابٍ؛ وفي إرادَتِهِ هُنا بَعْدَ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما كَذَلِكَ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلْقِ الإصْباحِ وجَعْلِ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسِ والقَمَرِ حُسْبانًا، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وهو الظّاهِرُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ البَدِيعُ الشَّأْنِ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ أيِ الغالِبِ القاهِرِ الَّذِي لا يَتَعاصاهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَسْيِيرِهِما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ ﴿ العَلِيمِ ﴾ 96 - المُبالِغِ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في ذَلِكَ التَّسْيِيرِ مِنَ المَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ ﴾ أيْ أنْشَأ أوْ صَيَّرَ ﴿ لَكُمُ ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿ النُّجُومَ ﴾ ، قِيلَ: المُرادُ بِها ما عَدا النَّيِّرَيْنِ لِأنَّها الَّتِي بِها الِاهْتِداءُ الآتِي، ولِأنَّ النَّجْمَ يُخَصُّ في العُرْفِ بِما عَداهُما.
وجُوِّزَ أنْ يَدْخُلا فِيها فَيَكُونُ هَذا بَيانًا لِفائِدَتِهِما العامَّةِ إثْرَ بَيانِ فائِدَتِهِما الخاصَّةِ، والمُنَجِّمُونَ يُقَسِّمُونَ النُّجُومَ إلى ثَوابِتَ وسَيّاراتٍ، والسَّيّاراتُ سَبْعٌ بِإجْماعِ المُتَقَدِّمِينَ وثَمانٍ بِزِيادَةِ هِرْشِلَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ اليَوْمَ.
والثَّوابِتُ لا يَعْلَمُ عِدَّتَها إلّا اللَّهُ تَعالى، والمَرْصُودُ مِنها كَما قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الصُّوفِيُّ: ألْفٌ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ بِإدْخالِ الضَّفِيرَةِ.
ومَن أخْرَجَها قالَ: هِيَ ألْفٌ واثْنانِ وعِشْرُونَ.
ورَتَّبُوا الثَّوابِتَ عَلى سِتِّ أقْدارٍ وسَمَّوْها أقْدارًا مُتَزائِدَةً سُدْسًا سُدْسًا وجَعَلُوا كُلَّ قِدْرٍ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أعْظَمُ وأوْسَطُ وأصْغَرُ؛ ولَهم تَقْسِيماتٌ لَها بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ بَنَوْا عَلَيْها ما بَنَوْا ولا يَكادُ يُسَلَّمُ لَهم إلّا ما لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ مَحْذُورٌ في الدِّينِ ﴿ لِتَهْتَدُوا بِها ﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (لَكُمْ) بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلَ النُّجُومَ لِاهْتِدائِكم ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ أيْ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهَذا إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإلّا فَهي أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا وهي في جَمِيعِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها كَسائِرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ لا تَأْثِيرَ لَها بِأنْفُسِها ولا بَأْسَ في تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُومِ ومَعْرِفَةِ البُرُوجِ والمَنازِلِ والأوْضاعِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: والمَنهِيُّ عَنْهُ مِن عِلْمِ النُّجُومِ ما يَدَّعِيهِ أهْلُها مِن مَعْرِفَةِ الحَوادِثِ الآتِيَةِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ كَمَجِيءِ المَطَرِ ووُقُوعِ الثَّلْجِ وهُبُوبِ الرِّيحِ وتَغَيُّرِ الأسْعارِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِسَيْرِ الكَواكِبِ لِاقْتِرانِها وافْتِراقِها، وهَذا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ فَمَنِ ادَّعى عِلْمَهُ بِذَلِكَ فَهو فاسِقٌ بَلْ رُبَّما يُؤَدِّي بِهِ إلى الكُفْرِ، فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ الِاقْتِرانَ أوِ الِافْتِراقَ الَّذِي هو كَذا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً بِمُقْتَضى ما اطَّرَدَتْ بِهِ عادَتُهُ الإلَهِيَّةُ عَلى وُقُوعِ كَذا وقَدْ يَتَخَلَّفُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وكَذا الإخْبارُ عَمّا يُدْرَكُ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ مِن عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ الزَّوالُ وُجِهَةُ القِبْلَةِ وكَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ مِنَ الوَقْتِ فَإنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ بَلْ هو فَرْضُ كِفايَةٍ، وأمّا ما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدِ الجُهَنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ في أثَرِ ماءٍ -أيْ مَطَرٍ- كانَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: أتَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْلَمُ قالَ: ”أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ وكافِرٌ فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَواكِبِ، ومَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَذاكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَواكِبِ»“.
فَقَدْ قالَ العُلَماءُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا قالَ ذَلِكَ مُرِيدًا أنَّ النَّوْءَ هو المُحْدِثُ أمّا لَوْ قالَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ النَّوْءَ عَلامَةٌ عَلى نُزُولِ المَطَرِ ومُنْزِلَهُ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ مِن ألْفاظِ الكُفْرِ انْتَهى، وأقُولُ: قَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ في النَّهْيِ عَنْ عِلْمِ النُّجُومِ والنَّظَرِ فِيها فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ،» وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْصِنِي قالَ أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ وإيّاكَ وعِلْمَ النُّجُومِ فَإنَّهُ يَدْعُو إلى الكِهانَةِ، وأُخْرِجَ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ مُتَعَلِّمَ حُرُوفِ أبِي جادُوراءَ في النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى خَلاقٌ يَوْمَ القِيامَةِ،» وأخْرَجَ أبُو الخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا»“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ ما تُفِيدُهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّعَلُّمِ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ رُبَّما يَجُرُّ إلى مَحْظُورٍ شَرْعًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ مِهْرانَ، وكَذا النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها مَحْمُولٌ عَلى النَّظَرِ الَّذِي كانَ تَفْعَلُهُ الكَهَنَةُ الزّاعِمُونَ تَأْثِيرَ الكَواكِبِ بِأنْفُسِها والحاكِمُونَ بِقَطْعِيَّةٍ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ بِتَثْلِيثِها وتَرْبِيعِها واقْتِرانِها ومُقابَلَتِها مَثَلًا مِنَ الأحْكامِ بِحَيْثُ لا تَتَخَلَّفُ قَطْعًا عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى جَمِيعِ ما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ كَوْكَبٍ مِمّا يَمْتَنِعُ لِغَيْرِ عَلّامِ الغُيُوبِ، والوُقُوفُ عَلى البَعْضِ أوِ الكُلِّ في البَعْضِ لا يُجْدِي نَفْعًا ولا يُفِيدُ إلّا ظَنًّا، المُتَمَسِّكُ بِهِ كالمُتَمَسِّكِ بِحِبالِ القَمَرِ والقابِضُ عَلَيْهِ كالقابِضِ عَلى شُعاعِ الشَّمْسِ نَعَمْ إنَّ بَعْضَ الحَوادِثِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ قَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِإحْداثِهِ في الغالِبِ عِنْدَ طُلُوعِ كَوْكَبٍ أوْ غُرُوبِهِ أوْ مُقارَنَتِهِ لِكَوْكَبٍ آخَرَ وفِيما يُشاهِدُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الثُّرَيّا وطُلُوعِها وطُلُوعِ سُهَيْلٍ شاهِدٌ لِما ذَكَرْنا، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ العادِيَّةِ وهي قَدْ تَتَخَلَّفُ مُسَبِّباتُها عَنْها سَواءً قُلْنا: إنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ أمْ قُلْنا إنَّها المُؤَثِّرَةُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما هو المَنصُورُ عِنْدَ السَّلَفِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في العِلَّةِ فَمَتى أخْبَرَ المُجَرِّبُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَأْسٌ، وما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ وجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ودِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ وما أخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: خُصَّتِ العَرَبُ بِخِصالٍ بِالكَهانَةِ والقِيافَةِ والعِياقَةِ والنُّجُومِ والحِسابِ فَهَدَمَ الإسْلامُ الكَهانَةَ وثَبَّتَ الباقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ: سَمِعْتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في النُّجُومِ: ذَلِكَ عِلْمٌ ضَيَّعَهُ النّاسُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى نَحْوِ ما قُلْنا.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ أقُولُ: هو عِلْمٌ لا يَنْفَعُ والجَهْلُ بِهِ لا يَضُرُّ فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ أيْ بَيَّنّا الآياتِ المَتْلُوَّةَ المَذْكُورَةَ لِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي هَذِهِ النِّعْمَةُ مِن جُمْلَتِها أوِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى فَصْلًا فَصْلًا ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ 97 - مَعْنى الآياتِ المَذْكُورَةِ فَيَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها أوْ يَتَفَكَّرُونَ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ فَيَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى فَإنَّ رُجُوعَ الكَثْرَةِ إلى أصْلٍ واحِدٍ أقْرَبُ إلى التَّوادِّ والتَّعاطُفِ.
وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ، واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ فِيما ذُكِرَ، وجُعِلَ الصُّلْبُ مَقَرَّ النُّطْفَةِ والرَّحِمُ مُسْتَوْدَعَها لِأنَّها تَحْصُلُ في الصُّلْبِ لا مِن قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ وفي الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الأبِ فَأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ كَأنَّ الرَّجُلَ أوْدَعَها ما كانَ عِنْدَهُ.
وجُعِلَ وجْهُ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا وبَطْنُها مُسْتَوْدَعًا لِتَوَطُّنِهِمْ في الأوَّلِ واتِّخاذِهِمُ المَنازِلَ والبُيُوتَ فِيهِ وعَدَمِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الثّانِي، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ بِالِاسْتِقْرارِ لِأنَّهُما مَقَرُّهُمُ الطَّبِيعِيُّ كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ بِالِاسْتِيداعِ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ بِمَقَرِّهِمُ الطَّبِيعِيِّ وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُسْتَقَرَّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعَ الأصْلابُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّ حَبْرَ تَيْما كَتَبَ إلَيْهِ يَسَألُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَهُ بِما ذُكِرَ ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ المُسْتَقَرِّ بِالرَّحِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ ﴾ وأمّا تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالأصْلابِ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ ولَيْسَ كَما قالَ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ بَعْدَ أنْ فَرَّقَ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِأنَّ المُسْتَقَرَّ أقْرَبُ إلى الثَّباتِ مِنَ المُسْتَوْدَعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا القَوْلِ -يَعْنِي المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- أنَّ النُّطْفَةَ الواحِدَةَ لا تَبْقى في صُلْبِ الأبِ زَمانًا طَوِيلًا والجَنِينَ يَبْقى زَمانًا طَوِيلًا، ولَمّا كانَ المُكْثُ في الرَّحِمِ أكْثَرَ مِمّا في صُلْبِ الأبِ كانَ حَمْلُ الِاسْتِقْرارِ عَلى المُكْثِ في الرَّحِمِ أوْلى.
ويَلْزَمُ ذَلِكَ أنَّ حَمْلَ الِاسْتِيداعِ عَلى المُكْثِ في الصُّلْبِ أوْلى.
وأنا أقُولُ: لَعَلَّ حَمْلَ المُسْتَوْدَعِ عَلى الصُّلْبِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ أخْرَجَ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم يَوْمَ المِيثاقِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وكانَ ما كانَ رَدَّهم إلى ما أخْرَجَهم مِنهُ فَكَأنَّهم ودِيعَةٌ هُناكَ تَخْرُجُ حِينَ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وقَدْ أطْلَقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اسْمَ الوَدِيعَةِ عَلى ما في الصُّلْبِ صَرِيحًا.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ لِيَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أتَزَوَّجْتَ؟
قُلْتُ: لا وما ذَلِكَ في نَفْسِي اليَوْمَ قالَ: إنْ كانَ في صُلْبِكَ ودِيعَةٌ فَسَتَخْرُجُ.
ورُوِيَ تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالدُّنْيا والمُسْتَقَرِّ بِالقَبْرِ عَنِ الحَسَنِ وكانَ: يَقُولُ يا ابْنَ آدَمَ أنْتَ ودِيعَةٌ في أهْلِكَ ويُوشِكُ أنْ تَلْحَقَ بِصاحِبِكَ ويُنْشِدَ قَوْلَ لَبِيَدٍ: وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودِيعَةٌ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ زَيْدٍ العَدَوِيُّ في هَذا المَعْنى: فُجِعَ الأحِبَّةُ بِالأحِبَّةِ قَبْلَنا فالنّاسُ مَفْجُوعٌ بِهِ ومُفْجَعُ مُسْتَوْدَعٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ مَدْخَلًا فالمُسْتَقِرُّ يَزُورُهُ المُسْتَوْدَعُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّ المُسْتَقَرَّ الذَّكَرُ لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، والمُسْتَوْدَعُ الأُنْثى لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنكم ذَكَرٌ ومِنكم أُنْثى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ القافِ وهو حِينَئِذٍ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى قارٍّ ﴿ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ، والمُرادُ: فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ.
ووَجْهُ كَوْنِ الأوَّلِ مَعْلُومًا والثّانِي مَجْهُولًا أنَّ الِاسْتِقْرارَ هُنا بِخِلافِ الِاسْتِيداعِ والمُتَعاطِفانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَصْدَرانِ أوِ اسْما مَكانٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ اسْمَ مَفْعُولٍ لِأنَّ ”اسْتَقَرَّ“ لا يَتَعَدّى وكَذا الثّانِي لِيَكُونَ كالأوَّلِ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ المُبَيِّنَةَ لِتَفاصِيلِ خَلْقِ البَشَرِ ومِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ 98 - مَعانِيَ ذَلِكَ، قِيلَ: ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ ومَعَ ذِكْرِ إنْشاءِ بَنِي آدَمَ ﴿ يَفْقَهُونَ ﴾ لِأنَّ الإنْشاءَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم بَيْنَ أحْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ألْطَفُ وأدَقُّ صَنْعَةً وتَدْبِيرًا فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الَّذِي هو اسْتِعْمالُ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقُ نَظَرٍ مُطابِقًا لَهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفِقْهَ أبْلَغُ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: هَما بِمَعْنى إلّا أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فَصْلُ كَلِّ آيَةٍ بِفاصِلَةٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِالمَقْصُودِ مِنَ الحُجَّةِ وكُرِهَ الفَصْلُ بِفاصِلَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيْنِ لَفْظًا لِلتَّكْرارِ عُدِلَ إلى فاصِلَةٍ مُخالِفَةٍ تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ وافْتِنانًا في البَلاغَةِ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا ءاخَرَ في تَخْصِيصِ الأُولى بِالعِلْمِ والثّانِيَةِ بِالفِقْهِ وهو أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِمَن لا يَتَدَبَّرُ ءاياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقاتِهِ وكانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا خارِجَةً عَنْ أنْفُسِ النُّظّارِ إذِ النُّجُومُ والنَّظَرُ فِيها وعِلْمُ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في تَدْبِيرِهِ لَها أمْرٌ خارِجٌ عَنْ نَفْسِ النّاظِرِ ولا كَذَلِكَ النَّظَرِ في إنْشائِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَقْلِيبِهِمْ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وأحْوالٍ مُتَغايِرَةٍ فَإنَّهُ نَظَرٌ لا يَعْدُو نَفْسَ النّاظِرِ ولا يَتَجاوَزُها فَإذا تَمَهَّدَ هَذا فَجَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وأحْوالِهِ وعَدَمُ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيها أبْشَعُ مِن جَهْلِهِ بِالأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُ كالنُّجُومِ والأفْلاكِ ومَقادِيرِ سَيْرِها وتَقَلُّبِها، فَلَمّا كانَ الفِقْهُ أدْنى دَرَجاتِ العِلْمِ إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَهْمِ نُفِيَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَنْ أبْشَعِ القَبِيلَتَيْنِ جَهْلًا وهُمُ الَّذِينَ لا يَتَبَصَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، ونَفْيُ الأدْنى أبْشَعُ مِن نَفْيِ الأعْلى فَخَصَّ بِهِ أسْوَأ الفَرِيقَيْنِ حالًا و(يَفْقَهُونَ) هَهُنا مُضارِعُ فَقِهَ الشَّيْءَ بِكَسْرِ القافِ إذا فَهِمَهُ ولَوْ أدْنى فَهْمٍ ولَيْسَ مِن فَقُهَ بِالضَّمِّ لِأنَّ تِلْكَ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ ومَعْناهُ صارَ فَقِيهًا.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا قِيلَ: فَلانٌ لا يَفْقَهُ شَيْئًا كانَ أذَمَّ في العُرْفِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا وكانَ مَعْنى قَوْلِكَ: لا يَفْقَهُ شَيْئًا؛ لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ وإنْ فَهِمَ، وأمّا قَوْلُكَ: لا يَعْلَمُ شَيْئًا فَغايَتُهُ عَدَمُ حُصُولِ العِلْمِ لَهُ وقَدْ يَكُونُ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ والعِلْمِ لَوْ تَعَلَّمَ.
واسْتُدِلَّ عَلى أنَّ التّارِكَ لِلتَّفَكُّرِ في نَفْسِهِ أجْهَلُ وأسْوَأُ حالًا مِنَ التّارِكِ لِلْفِكْرَةِ في غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ.
﴾ ﴿ وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ فَخَصَّ التَّبَصُّرَ في النَّفْسِ بَعْدَ انْدِراجِها فِيما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ، وأنْكَرَ عَلى مَن لا يَتَبَصَّرُ في نَفْسِهِ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ سُبْحانَهُ الجَلِيلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، والمُرادُ مِنَ (الماءِ) المَطَرُ ومِنَ (السَّماءِ) السَّحابُ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن جانِبِ السَّماءِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ.
والإنْزالُ مِنَ السَّماءِ حَقِيقَةً إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، واحْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ البُخاراتِ الكَثِيرَةَ تَجْتَمِعُ في باطِنِ الأرْضِ ثُمَّ تَصْعَدُ وتَرْتَفِعُ إلى الهَواءِ ويَنْعَقِدُ السَّحابُ مِنها ويَتَقاطَرُ ماءً وذَلِكَ هو المَطَرُ المُنَزَّلُ بِوُجُوهٍ أحَدُها: أنَّ البَرَدَ قَدْ يُوجَدُ في وقْتِ الحَرِّ بَلْ في حَمِيمِ الصَّيْفِ ونَجِدُ المَطَرَ في أبْرَدِ وقْتٍ يَنْزِلُ غَيْرَ جامِدٍ.
وذَلِكَ يُبْطِلُ ما ذُكِرَ.
ثانِيها: أنَّ البُخاراتِ إذا ارْتَفَعَتْ وتَصاعَدَتْ تَفَرَّقَتْ وإذا تَفَرَّقَتْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنها قَطَراتُ الماءِ بَلِ البُخارُ إنَّما يَجْتَمِعُ إذا اتَّصَلَ بِسَقْفٍ أمْلَسٍ كَما في بَعْضِ الحَمّاماتِ؛ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَسِلْ مِنهُ ماءٌ كَثِيرٌ فَإذا تَصاعَدَتِ البُخاراتُ في الهَواءِ ولَيْسَ فَوْقَها سَطْحٌ أمْلَسُ تَتَّصِلُ بِهِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ مِنها شَيْءٌ مِنَ الماءِ.
ثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ تَوَلُّدُ المَطَرِ مِن صُعُودِ البُخاراتِ فَهي دائِمَةُ الِارْتِفاعِ مِنَ البِحارِ فَوَجَبَ أنْ يَدُومَ هُناكَ نُزُولُ المَطَرِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ ذَلِكَ القَوْلِ، ثُمَّ قالَ: والقَوْمُ إنَّما احْتاجُوا إلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ قَدِيمَةٌ فَيَمْتَنِعُ دُخُولُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيها.
وحِينَئِذٍ لا مَعْنًى لِحُدُوثِ الحَوادِثِ إلّا اتِّصافُ تِلْكَ الذَّواتِ بِصِفَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى.
ولِهَذا السَّبَبِ احْتاجُوا في تَكْوِينِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مادَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وأمّا المُسْلِمُونَ فَلَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ مُحْدَثَةٌ وأنَّ خالِقَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ فَعِنْدَ هَذا لا حاجَةَ إلى اسْتِخْراجِ هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ وحَيْثُ دَلَّ ظاهِرُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الماءَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولا دَلِيلَ عَلى امْتِناعِ هَذا الظّاهِرِ وجَبَ القَوْلُ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ القَوْمِ أنَّهم أجابُوا عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الوُجُوهِ.
وأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ بَلِ القَوْلُ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أيْضًا ووُجُودُ ذِكْرِ كُرَةِ النّارِ تَحْتَ السَّماءِ وانْقِطاعُ عالَمِ العَناصِرِ عِنْدَها ومُشاهَدَةُ مَن عَلى جَبَلٍ شامِخٍ سَحابًا يُمْطِرُ مَعَ عَدَمِ مُشاهَدَةِ ماءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وهَذا وإنْ كانَ بَعْضُهُ مِمّا قامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلى بُطْلانِهِ وبَعْضُهُ مِمّا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ولَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِهِ الشَّرْعُ لَكِنْ مُشاهَدَةِ مَن عَلى الجَبَلِ ما ذُكِرَ ونَحْوِها يَسْتَدْعِي صِحَّةَ قَوْلِهِمْ في الجُمْلَةِ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما مِن قَطْرَةٍ تَنْزِلُ إلّا ومَعَها مَلَكٌ، وهو عِنْدَ الكَثِيرِ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ.
والفَلاسِفَةِ يَحْمِلُونَ هَذا المَلَكَ عَلى الطَّبِيعَةِ الحالَّةِ في تِلْكَ الجِسْمِيَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ النُّزُولِ، وقِيلَ: هو نُورٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ قائِمٌ بِنَفْسِهِ مُدَبِّرٌ لِلْقَطْرِ حافَظٌ إيّاهُ، ويُثْبِتُ أفْلاطُونُ هَذا النُّورَ المُجَرَّدَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ ومُرَكَّباتِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الإشْراقِ وهو أحَدُ الأقْوالِ في المُثُلِ الأفْلاطُونِيَّةِ، ويُشِيرُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ كَلامُ الشَّيْخِ صَدْرِ الدِّينِ القُونَوِيِّ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ، ونَصْبُ (ماءً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (أنْزَلَ)، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ غَيْرُ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ الماءِ.
والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ و (أخْرَجْنا) عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَ) والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارٌ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم نُكْتَةً خاصَّةً لِهَذا الِالتِفاتِ غَيْرَ ما ذُكِرَ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ فِيما مَضى ما يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ الخالِقُ اقْتَضى ذَلِكَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ حَتّى يُخاطِبَ؛ واخْتِيارُ ضَمِيرِ العَظَمَةِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ أيْ فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ كُلِّ صَنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ والخَواصِّ والآثارِ اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ والنَّباتُ كالنَّبْتِ وهو -عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ - ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِنَ النّامِياتِ سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ كالشَّجَرِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ كالنَّجْمِ لَكِنِ اخْتُصَّ في التَّعارُفِ بِما لا ساقَ لَهُ بَلْ قَدِ اخْتُصَّ عِنْدَ العامَّةِ بِما تَأْكُلُهُ الحَيْواناتُ، ومَتى اعْتُبِرَتِ الحَقائِقُ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ نامٍ نَباتًا كانَ أوْ حَيَوانًا أوْ إنْسانًا.
والمُرادُ هُنا عِنْدَ بَعْضٍ المَعْنى الأوَّلُ.
وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ شُرُوعًا في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَ مِنَ الإخْراجِ وقَدْ بَدَأ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلنَّباتِ.
والخَضِرُ بِمَعْنى الأخْضَرِ كَأعْوَرِ وعَوِرٍ وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وأصْلُ الخُضْرَةِ لَوْنٌ بَيْنَ البَياضِ والسَّوادِ وهو إلى السَّوادِ أقْرَبُ ولِذا يُسَمّى الأخْضَرُ أسْوَدَ وبِالعَكْسِ، والمَعْنى فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الماءِ و(مِن) سَبَبِيَّةٌ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذا الكَلامَ حِينَئِذٍ بَدَلًا مِن (أخْرَجْنا) الأوَّلِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الماءِ مَعْنًى بَدِيعًا حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِنَ الماءِ الحُلْوِ الأبْيَضِ في رَأْيِ العَيْنِ أصْنافًا مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ مُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ وإلى ذَلِكَ نَظَرَ القائِلُ يَصِفُ المَطَرَ: يَمُدُّ عَلى الآفاقِ بِيضَ خُيُوطِهِ فَيَنْسِجُ مِنها لِلثَّرى حَوْلَهُ خَضِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ بِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ حَبًّا مُتَراكِبًا أيْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما في السُّنْبُلِ.
وقُرِئَ (يَخْرُجُ مِنهُ حُبٌّ مُتَراكِبٌ ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ جَمْعُ نَخْلٍ -كَما قالَ الرّاغِبُ - والنَّخْلُ مَعْرُوفٌ ويُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ عِنْدَ البَعْضِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن طَلْعِها ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِإعادَةِ العامِلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وحاصِلُهُ مِن طَلْعِ النَّخِيلِ قِنْوانٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا فالدَّلالَةُ (أخْرَجْنا) عَلَيْهِ وهو كَوْنٌ خاصٌّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ.
والتَّقْدِيرُ ومُخْرِجُهُ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ.
وعَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ آنِفًا يَكُونُ ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى حَبٍّ، وقِيلَ: المَعْنى وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ومِنَ النَّخْلِ شَيْئًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ وهو جَمْعُ قِنْوٍ بِمَعْنى العِذْقِ وهو لِلتَّمْرِ بِمَنزِلَةِ العُنْقُودِ لِلْعِنَبِ.
وتَثْنِيَتُهُ أيْضًا قِنْوانٌ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُثَنّى والجَمْعِ إلّا الإعْرابُ، ولَمْ يَأْتِ مُفْرَدٌ يَسْتَوِي مُثَنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا ثَلاثَةُ أسْماءٍ هَذا وصِنْوٌ وصِنْوانٌ ورِئْدٌ ورِئْدانٌ بِمَعْنًى مِثْلٍ قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ شِقْدٌ وشِقْدانٌ وحُشٌّ وحُشّانٌ لِلْبُسْتانِ نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِأنَّ فِعْلانَ لَيْسَ مِن زِناتِ التَّكْسِيرِ (دانِيَةٌ) أيْ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ كَما قالَ الزَّجّاجُ.
واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها، وقِيلَ المُرادُ دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِكَثْرَةِ ثَمَرِها وثِقَلِ حَمْلِها، والدُّنُوُّ عَلى القَوْلَيْنِ حَقِيقِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سُهُولَةُ الوُصُولِ إلى ثِمارِها مَجازًا ﴿ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وجَعَلَهُ الواحِدِيُّ عَطْفًا عَلى خَضِرًا، وقالَ الطِّيبِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى حَبًّا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مُفَصِّلٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النّامِي، والنّامِي الحَبُّ والنَّوى وشِبْهُهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ النَّباتِ، وهو بَدَلٌ مِن (فَأخْرَجْنا) الأوَّلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، قِيلَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ المَعْنى العامُّ وحِينَئِذٍ لا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ داخِلٌ فِيهِ؛ وإنْ أُرِيدَ ما لا ساقَ لَهُ تَعَيَّنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ وتَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ فِعْلٌ آخَرُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وجَنّاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿ قِنْوانٌ ﴾ قالَ في التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إنْ عُطِفَ عَلى ذَلِكَ فَـ (مِن أعْنابٍ) حِينَئِذٍ إمّا صِفَةُ (جَنّاتٌ) فَيَفْسُدُ المَعْنى إذْ يَصِيرُ المَعْنى وحاصِلَةٌ مِنَ النَّخِيلِ جَنّاتٌ حَصَلَتْ مِن أعْنابٍ، وإمّا خَبَرٌ لِـ (جَنّاتٌ) فَلا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَكُونُ عَطْفًا لَها عَلى مُفْرَدٍ ويَكُونُ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً فَلا يَصِحُّ، وفي الكَشْفِ أنَّ الثّانِي بَعِيدُ الفَهْمِ مِن لَفْظِ الزَّمَخْشَرِيِّ وإنْ أمْكَنَ الجَوابُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى المُخَصَّصِ مُخَصَّصٌ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عِنْدِي اصْطِبارٌ وشَكْوى عِنْدَ قاتِلَتِي فَهَلْ بِأعْجَبَ مِن هَذا امْرُؤٌ سَمِعا؟
والظّاهِرُ الأوَّلُ لَكِنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ.
ويُقَدَّرُ ومُخْرَجَةٌ مِنَ الخَضِرِ أوْ مِنَ الكَرْمِ أوْ حاصِلَةُ جَنّاتٍ مِن أعْنابٍ دُونَ صِلَتِهِ لِأنَّ التَّقْيِيدَ لازِمٌ كَما حَقَّقَ في عَطْفِ المُفْرَدِ وحْدَهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هُنا كَما قِيلَ مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِما أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ ﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم أوْ عَلى العَطْفِ عَلى (نَباتَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ لِسَبْقِهِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ والرُّمّانَ كَذَلِكَ، وإمّا حالٌ مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ ويُقَدَّرُ مِثْلُهُ الأوَّلُ.
وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو بَعْضُ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُشْتَبِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها وحِكْمَةِ مُنْشِيها ومُبْدِعِها جَلَّ شَأْنُهُ، وإلّا كانَ المَعْنى جَمِيعُهُ مُشْتَبَهًا وجَمِيعُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِنهُما مَعَ التِزامِ التَّأْوِيلِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ هُنا بِمَعْنًى كاسْتَوى وتَساوى.
وقُرِئَ ﴿ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ ﴿ انْظُرُوا ﴾ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ ﴿ إلى ثَمَرِهِ ﴾ أيْ ثَمَرِ ذَلِكَ أيِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ والمُرادُ شَجَرَتُهُما، وأُرِيدَ بِهِما فِيما سَبَقَ الثَّمَرَةُ فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ في الأوَّلِ شَجَرُ الزَّيْتُونِ وشَجَرُ الرُّمّانِ وحِينَئِذٍ لا اسْتِخْدامَ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِما بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الإشارَةِ.
ورُجُوعُهُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ البَدَلِ بِعِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ في عَدَمِ تَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِيَشْمَلَ النَّخْلَ وغَيْرَهُ مِمّا يُثْمِرُ ﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ أيْ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ثُمُرِهِ) بِضَمِّ الثّاءِ وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخُشُبٍ أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ ﴿ ويَنْعِهِ ﴾ أيْ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ نَضِيجِهِ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ عَظِيمٍ ولَذَّةٍ كامِلَةٍ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ إذا أُدْرِكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٌ وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”ويانِعِهِ“، ولا يَخْفى أنَّ في التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إذا أثْمَرَ) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّ المُثْمِرَ حِينَئِذٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَيُقابِلُ حالَ اليَنْعِ، ويَدُلُّ كَمالُ التَّفاوُتِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ: إلى غَضِّ ثَمَرِهِ ويَنْعِهِ؟
قُلْتَ: في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَةٌ وهي أنَّ اليَنْعَ وقَعَ فِيهِ مَعْطُوفًا عَلى الثَّمَرِ عَلى سَنَنِ الِاخْتِصاصِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اليَنْعَ أوْلى مِنَ الغَضِّ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ خَفِيَ عَلى بَعْضِ النّاظِرِينَ ﴿ إنَّ في ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرُوا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ دالَّةٍ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ 99 - أيْ يَطْلُبُونَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى كَما قالَ القاضِي أوْ مُؤْمِنُونَ بِالفِعْلِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ -كَما قِيلَ- ووَجْهُ دَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ أنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ وانْتِقالِها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ ولا يَعُوقُهُ ضِدٌّ يُعانِدُهُ أوْ نِدٌّ يُعارِضُهُ، <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وبَّخَ مَن أشْرَكَ بِهِ سُبْحانَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وجَعَلُوا ﴾ في اعْتِقادِهِمْ ﴿ لِلَّهِ ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ ما فَصَّلَ في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ ﴿ شُرَكاءَ ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ أوِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ الجِنَّ ﴾ أيِ المَلائِكَةِ حَيْثُ عَبَدُوهم وقالُوا: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَسْمِيَتُهم جِنًّا مَجازًا لِاجْتِنانِهِمْ واسْتِتارِهِمْ عَنِ الأعْيُنِ كالجِنِّ.
وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِذَلِكَ حَطٌّ لِشَأْنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِنَّ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الشَّياطِينُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
ومَعْنى جَعْلُهم شُرَكاءَ أنَّهم أطاعُوهم كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ.
ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ والحَيْوانِ، وإبْلِيسَ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ.
فالمُرادُ مِنَ الجِنِّ إبْلِيسُ وأتْباعُهُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الشُّرُورَ ويُلْقُونَ الوَساوِسَ الخَبِيثَةَ إلى الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وهَؤُلاءِ المَجُوسُ القائِلُونَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ ولَهم في هَذا البابِ أقْوالٌ تَمُجُّها الأسْماعُ وتَشْمَئِزُّ عَنْها النُّفُوسُ وادَّعى الإمامُ أنَّ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
ومَفْعُولا (جَعَلَ) قِيلَ: (لِلَّهِ.
وشُرَكاءَ) و(الجِنَّ) إمّا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن جَعَلُوهُ شُرَكاءَ؟
فَقِيلَ: الجِنَّ أوْ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن شُرَكاءَ، والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السّاقِطِ بِالكُلِّيَّةِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ مُحْزِ الإنْكارِ ولِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مُنْكَرٌ يَسْتَحِقُّ التَّأْخِيرَ، وقِيلَ: هُما (شُرَكاءَ) و(الجِنَّ) وتَقْدِيمُ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ لِاسْتِعْظامِ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ ما كائِنًا ما كانَ و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شُرَكاءَ) وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقُرِئَ (الجِنُّ) بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمْ؟
فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ الَّتِي هي لِلتَّبْيِينِ: ﴿ وخَلَقَهُمْ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جَعَلُوا) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ والبُطْلانِ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُهم خاصَّةً، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِنِّ أيْ والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ؛ فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ.
ورُجِّحَ الأوَّلُ بِخُلُوِّهِ عَنْ تَشَتُّتِ الضَّمائِرِ.
ورَجَّحَ الإمامُ الثّانِيَ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ واجِبٌ وبِأنَّهُ إذا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى هَذا الأقْرَبِ صارَ اللَّفْظُ الواحِدُ دَلِيلًا قاطِعًا تامًّا كامِلًا في إبْطالِ المَذْهَبِ الباطِلِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (وخَلْقَهُمْ) عَلى صِيغَةِ المَصْدَرِ عَطْفًا عَلى (الجِنَّ) أيْ وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ عَلى (شُرَكاءَ) أيْ وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلافَهم لِلْقَبائِحِ حَيْثُ نَسَبُوها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها ﴿ وخَرَقُوا لَهُ ﴾ أيِ افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ سُبْحانَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ واخْتَلَقَهُ وخَرَقَهُ واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى.
ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها كانَ الرَّجُلُ إذا كَذَبَ كِذْبَةً في نادِي القَوْمِ يَقُولُ لَهُ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَقَها واللَّهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الخَرْقِ قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها ﴾ وهو ضِدُّ الخَلْقِ فَإنَّهُ فِعْلُ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ ورِفْقٍ، والخَرْقُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ.
قالَ تَعالى: ﴿ وخَرَقُوا لَهُ ﴾ أيْ حَكَمُوا بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخَرْقِ وبِاعْتِبارِ القَطْعِ.
وقَرَأ نافِعٌ (وخَرَّقُوا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِلتَّكْثِيرِ.
وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (وحَرَّفُوا) مِنَ التَّحْرِيفِ أيْ وزَوَّرُوا لَهُ (بَنِينَ وبَناتٍ) فَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
واللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَمّا قالُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحَقِيقَتِهِ مِن خَطَإٍ أوْ صَوابٍ ولا فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ فِيهِ بَلْ قالُوهُ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ أوْ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِمَرْتَبَةِ ما قالُوهُ وأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ بِالمَحَلِّ البَعِيدِ وأيّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ خَرَقُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أوْ خَرْقًا كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ ذَمُّهم بِالجَهْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ ما قالُوا فَإنَّ ما لا أصْلَ لَهُ لا يَكُونُ مَعْلُومًا ولا يُقامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ إذْ نَفِيُهُ مَعْلُومٌ مِن جَعْلِهِ اخْتِلاقًا وافْتِراءً ومِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ ﴾ 100 - مِن أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ و(تَعالى) عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ النّاصِبِ لِـ (سُبْحانَ) وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ والتَّعالِي بِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلى أقْوالِ المُسَبِّحِينَ والثّانِي إلى صِفاتِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِهِ.
والمُرادُ بِالبَنِينَ فِيما تَقَدَّمَ ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ أنَّ مَن يُجَوِّزُ الواحِدَ يَجَوِّزُ الجَمْعَ <div class="verse-tafsir"
﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما ومُوجِدُهُما بِغَيْرِ آلَةٍ ولا مادَّةٍ ولا زَمانٍ ولا مَكانٍ قالَهُ الرّاغِبُ، وهو كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ يُطْلَقُ عَلى المُبْدَعِ اسْمُ مَفْعُولٍ، ومِنهُ قِيلَ: رِكْيٌ بَدِيعٌ، وكَذَلِكَ البِدْعُ بِكَسْرِ الباءِ يُقالُ لَهُما وقِيلَ: هو إضافَةُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ لِلتَّخْفِيفِ بَعْدَ نَصْبِهِ تَشْبِيهًا لَها بِاسْمِ الفاعِلِ كَما هو المَشْهُورُ أيْ بَدِيعُ سَمَواتِهِ وأرْضِهِ مِن بَدَعَ إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ وشَكْلٍ فائِقٍ وحُسْنٍ رائِقٍ، أوْ إلى الظَّرْفِ كَما في قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَبْتُ الغَدَرِ أيْ ثَبْتٌ في الغَدَرِ وهو بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ودالٍ وراءٍ مُهْمَلَتَيْنِ المَكانُ ذُو الحِجارَةِ والشُّقُوقِ، ويَقُولُونَ ذَلِكَ إذا كانَ الرَّجُلُ ثَبْتًا في قِتالٍ أوْ كَلامٍ، والمُرادُ مِن بَدِيعِ السَّمَواتِ والأرْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما ومَعْنى ذَلِكَ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ إبْداعَهُ لَهُما لا نَظِيرَ لَهُ لِأنَّهُما أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ الظّاهِرَةِ فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النَّظِيرِ فِيهِما نَفْيُهُ مُطْلَقًا، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفٍ أنَّهُ خارِجٌ مُخْرَجَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِحَسْبِ زَعْمِهِمْ أنَّهُ لا مَوْجُودَ خارِجٌ عَنْهُما، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِقُطْرَيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِلا مادَّةِ فاعِلٍ عَلى الِإطْلاقِ مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالِ بِالكُلِّيَّةِ، والوالِدُ عُنْصُرُ الوَلَدِ مُنْفَعِلٌ بِانْتِقالِ مادَّتِهِ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وقُرِئَ بَدِيعَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في سُبْحانِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ وارْتِفاعِهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ الأوَّلُ أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، الثّانِي أنَّهُ فاعِلُ (تَعالى) وإظْهارُهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَوْسِيطِ الظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَسُوقَةٌ كَما قَبْلَها لِبَيانِ اسْتِحالَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى وتَقْرِيرُ تَنْزِيهِهِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِحالَةِ المَذْكُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ بِلا والِدَةٍ أصْلًا، وإنْ أمْكَنَ وُجُودُهُ بِلا والِدٍ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ صاحِبَةٌ يَكُونُ الوَلَدُ مِنها؟
وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ (لَمْ يَكُنْ) بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ المَرْفُوعَ مُؤَنَّثٌ لِلْفَصْلِ كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ ولَدَ الأُخَيْطَلَ أمُّ سُوءٍ عَلى قَمْعِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: تُؤَنَّثُ الأفْعالُ لِتَأْنِيثِ فاعِلِها لِأنَّهُما يَجْرِيانِ مَجْرى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِعَدَمِ اسْتِغْناءِ كُلٍّ عَنْ صاحِبِهِ فَإذا فُصِلَ جازَ تَذْكِيرُهُ وهو في بابِ كانَ أسْهَلُ لِأنَّكَ لَوْ حَذَفْتَها اسْتَقَلَّ ما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ اسْمَ (يَكُنْ) ضَمِيرُهُ تَعالى.
والخَبَرُ هو الظَّرْفُ و(صاحِبَةٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ والظَّرْفُ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ و (صاحِبَةٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ (يَكُونُ) عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لِصَلاحِيَةِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلضَّمِيرِ لا عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ لا يُفَسَّرُ إلّا بِجُمْلَةٍ صَرِيحَةٍ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ إذا كانَ العُمْدَةُ في المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا فالمُقَدَّرُ ضَمِيرُ القِصَّةِ لا الشَّأْنُ فَيَعُودُ السُّؤالُ لَيْسَ بِوارِدٍ كَعَدَمِ اللُّزُومِ وإنْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحالَةِ أوْ حالٌ أُخْرى مُقَرِّرَةٌ لَها أيْ أنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمَّوْهُ ولَدًا؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِخالِقِهِ؟
ويُفْهَمُ مِنَ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَدًا إنْ أرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْدَثَهُ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ نُطْفَةٍ مَثَلًا رُدَّ بِأنَّ خُلْقَهُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُما ولَدًا لَهُ تَعالى وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ أرادَ ما هو المَعْرُوفُ مِنَ الوِلادَةِ في الحَيَواناتِ رُدَّ أوَّلًا بِأنَّهُ لا صاحِبَةَ لَهُ وهي أمْرٌ لازِمٌ في المَعْرُوفِ.
وثانِيًا بِأنَّ تَحْصِيلَ الوَلَدِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ قادِرًا عَلى الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ دُفْعَةً واحِدَةً أمّا مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ المُمْكِناتِ وكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُحْدَثاتِ فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ إحْداثُ شَخْصٍ بِطْرِيقِ الوِلادَةِ.
وإنْ أرادَ مَفْهُومًا ثالِثًا فَهو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ كائِنًا ما كانَ مَخْلُوقًا أوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تُرْكُ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ (عَلِيمٌ) 101 - مُبالِغٌ في العِلْمِ أزَلًا وأبَدًا حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الوَلَدُ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِأنَّ القَدِيمَ يَجِبُ كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ فامْتَنَعَ كَوْنُهُ ولَدًا لِلْغَيْرِ فَتَعِيَّنَ كَوْنُهُ حادِثًا، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَإمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ في تَحْصِيلِ الوَلَدِ كَمالًا أوْ نَفْعًا أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلا وقْتَ يُفْرَضُ إلّا والدّاعِي إلى إيجادِ هَذا الوَلَدِ كانَ حاصِلًا قَبْلَهُ وهو يُوجِبُ كَوْنَهُ أزَلِيًّا وهو مُحالٌ.
وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ أنْ لا يَحْدُثَ البَتَّةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
وقَرَّرَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الرَّدَّ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْضًا وبَعْضُهم جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةً لِوَجْهٍ واحِدٍ مِن أوْجُهِ الرَّدِّ، والجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الثّانِي فَقالَ: إنَّها اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلَيْها بِغَيْرِ عِلْمٍ.
والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ ما في الآيَةِ أدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى بُطْلانِ ما زَعَمَهُ المُخْتَلِقُونَ، وكَلامُ الإمامِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الوُجُوهِ: لَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامًا يُساوِيهِ أيْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ في القُوَّةِ والكَمالِ لَعَجَزُوا عَنْهُ.
وادَّعى الشِّهابُ أنَّ ما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أدِلَّةٌ إقْناعِيَّةٌ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِأنَّ البَعْضَ قَطْعِيٌّ والبَعْضَ الآخَرَ إقْناعِيٌّ، فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً مالِكُ أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ وسَيَكُونُ، والمُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الإشارَةُ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ فَقَطْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وأنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ هو الخَبَرُ وما بَعْدَهُ إبْدالٌ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا والبَواقِي أخْبارٌ، وأنْ يُقَدَّرَ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وأنْ يُجْعَلَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كَما هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العِبادَةَ المَأْمُورَ بِها هي نِهايَةُ الخُضُوعِ وهي لا تَتَأتّى مَعَ التَّشْرِيكِ فَلِذا اسْتُغْنِيَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَلا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُجَرَّدَ مَفْهُومِ العِبادَةِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يَأْباهُ دَعْوى إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إيّاهُ لِأنَّ إفادَةَ الحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ مانِعٌ مِنها كَما في لِلَّهِ الحَمْدُ ونَحْوِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ ﴾ وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ هُنا لا إلَهَ إلّا هو عَلى خالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وعَكَسَ هُناكَ؛ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ إلَخْ فَلَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أتى بَعْدَهُ بِما يَدْفَعُ الشَّرِكَةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ثُمَّ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وتِلْكَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَكانَ الكَلامُ عَلى تَثْبِيتِ خَلْقِ النّاسِ وتَقْرِيرِهِ لا عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَما كانَ في الآيَةِ الأوْلى؛ فَكّانِ تَقْدِيمُ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هُناكَ أوْلى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ 102 - عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مُتَوَلِّي جَمِيعَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يُوكَلَ أمْرٌ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يُتَوَلّى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وقَيْدًا لِلْعِبادَةِ ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مُتَوَلِّي أُمُورَكم فَكِلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَأْرَبِكُمْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَكِيلَ بِالرَّقِيبِ أيْ أنَّهُ تَعالى رَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيَكم عَلَيْها.
واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِأعْمالِ العِبادِ والمُعْتَزِلَةُ قالُوا عِنْدَنا هُنا أشْياءَ تُخْرِجُ أعْمالَ العِبادِ مِنَ البَيْنِ: أحَدُها تَعْقِيبُ ذَلِكَ العُمُومِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ فَإنَّهُ لَوْ دَخَلَتْ أعْمالُ العِبادِ هُناكَ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا خَلَقْنا أعْمالَكم فافْعَلُوها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى؛ وفَسادُهُ ظاهِرٌ.
ثانِيها أنَّ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ؛ ولا تُمْدَحُ بِخُلُقِ الزِّنا واللِّواطِ والسَّرِقَةِ والكُفْرِ مَثَلًا.
ثالِثُها أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدُ: ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ.
رابِعُها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُتِيَ بِها بَعْدَ: ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ ﴾ والمُرادُ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ الرَّدُّ عَلى المَجُوسِ في إثْباتِ إلَهَيْنِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مَحْمُولًا عَلى إبْطالِ ذَلِكَ وهو إنَّما يَكُونُ إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ السِّباعِ والآلامِ ونَحْوِها وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ أعْمالُ العِبادِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ ومِثْلُهُ اسْتِدْلالُهم بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الصِّفاتِ وكَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا، فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ يُطْلَقُ -كَما قالَ الرّاغِبُ - عَلى الجارِحَةِ النّاظِرَةِ وعَلى القُوَّةِ الَّتِي فِيها وعَلى البَصِيرَةِ.
وهي قُوَّةُ القَلْبِ المُدْرِكَةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ والإحاطَةِ بِهِ، وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى حَمْلِ البَصَرِ هُنا عَلى الجارِحَةِ مِن حَيْثُ أنَّها مَحَلُّ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وإلى الأوْهامِ والأفْهامِ كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: التَّوْحِيدُ لا تَتَوَهَّمُهُ، وقالَ أيْضًا: كُلُّ ما أدْرَكْتَهُ فَهو غَيْرُهُ ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى البَصِيرَةِ وذَكَرَ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ: يا مَن غايَةُ مَعْرِفَتِهِ القُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إذا كانَ مَعْرِفَتُهُ تَعالى أنْ تَعْرِفَ الأشْياءَ فَتَعَلَّمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ مِنها بَلْ هو مُوجِدُ كُلِّ ما أدْرَكْتَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى وتَقْرِيرُ ذَلِكَ عَلى ما في المَواقِفِ وشَرْحِها أنَّ الِادِّراكَ المُضافَ إلى الإبْصارِ إنَّما هو الرُّؤْيَةُ ولا فَرْقَ بَيْنَ أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ورَأيْتُهُ إلّا في اللَّفْظِ أوْ هُما مُتَلازِمانِ لا يَصِحُّ نَفْيُ أحَدِهِما مَعَ إثْباتِ الآخَرِ فَلا يَجُوزُ رَأيْتُهُ وما أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ولا عَكْسُهُ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ تَراهُ الأبْصارُ وذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأبْصارِ بِواسِطَةِ اللّامِ الجِنْسِيَّةِ في مَقامِ المُبالَغَةِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لِأنَّ قَوْلَكَ فُلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنْ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ فَلا يَراهُ شَيْءٌ مِنَ الأبْصارِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِما ذُكِرَ ولِأنَّهُ تَعالى تُمُدِّحَ بِكَوْنِهِ لا يُرى حَيْثُ ذَكَرَهُ في أثْناءِ المَدائِحِ، وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ عَدَمُهُ مَدْحًا كانَ وجُودُهُ نَقْصًا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَظَهَرَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما قِيلَ: مِنَ الصِّفاتِ احْتِرازٌ عَنِ الأفْعالِ كالعَفْوِ والِانْتِقامِ فَإنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِي عَدْلٌ وكِلاهُما كَمالٌ، انْتَهى.
وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ بِالِادِّراكِ الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ لا الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ وأنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ وهَذا أقْوى أدِلَّتِهِمُ النَّقْلِيَّةِ في هَذا المَطْلَبِ كَما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ: أنَّ الِادِّراكَ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ المُطْلَقَةَ وإنِ اخْتارَهُ عَلى ما نَقَلَهُ الآمِدِيُّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وإنَّما هو الرُّؤْيَةُ عَلى نَعْتِ الإحاطَةِ بِجَوانِبِ المَرْئِيِّ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِها في أحَدِ تَفْسِيرَيْهِ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ تَعالى، انْتَهى.
وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ.
والرُّؤْيَةُ المُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيَّةِ الإحاطَةِ أخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الرُّؤْيَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ؛ فَظَهَرَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ رَأيْتُهُ وما أدْرَكَهُ بَصَرِي أيْ ما أحاطَ بِهِ مِن جَوانِبِهِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ عَكْسُهُ.
الثّانِي: أنْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ كَما يُحْتَمَلُ أنْ يُلاحَظَ فِيهِ أوَّلًا دُخُولُ النَّفْيِ ثُمَّ وُرُودُ اللّامِ فَتَكُونُ سالِبَةً كُلِّيَّةً عَلى طَرْزِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ فَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ، كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ العُمُومَ أوَّلًا ثُمَّ وُرُودُ النَّفْيِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً نَحْوَ: ما قامَ العَبِيدُ كُلُّهم ولَمْ آخُذِ الدّارَهِمَ كُلَّها؛ فَتَكُونُ لسَلْبِ العُمُومِ وكُلَّما احْتُمِلَ سَلْبُ العُمُومِ لَمْ يَكُنْ نَصًّا في عُمُومِ السَّلْبِ وإنْ كانَ عُمُومُ السَّلْبِ في مِثْلِ هَذا هو الأكْثَرُ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهو ظاهِرٌ، هَذا إذا كانَ (ألْ) في (الأبْصارِ) لِلِاسْتِغْراقِ فَإنْ كانَ لِلْجِنْسِ كانَ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ سالِبَةً مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الادِّراكَ هو الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ وأنَّ (ألْ) لِلِاسْتِغْراقِ وأنَّ الكَلامَ لِعُمُومِ السَّلْبِ؛ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ في الأحْوالِ والأوْقاتِ أيْ لا نُسَلِّمُ أنَّها دائِمَةٌ لِجَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادِ نَفِيَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا كَما يُرْوى تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى إنَّهُ لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهم» قَوْلُهم بَلْ هي دائِمَةٌ لِأنَّ قَوْلَكَ: فَلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ؛ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنَّ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ، قُلْنا هَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقابُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ و ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ تَقابُلُ تَناقُضٍ ولا مُوجِبَ لِذَلِكَ لا عَقْلِيًّا ولا لُغَوِيًّا ولا شَرْعِيًّا: أمّا الأوَّلُ فَلِأنّا إذا وجَدْنا قَضِيَّةً مُوجِبَةً مُطْلَقَةً جازَ أنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ وأنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ ولا تَتَعَيَّنُ الدّائِمَةُ الصّادِقَةُ إلّا إذا كانَتِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً قَطْعًا لَكِنَّ كَذِبَ المُطْلَقَةِ هَهُنا أوَّلُ البَحْثِ وعَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنَّ يُبْنى كَوْنُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ دائِمَةً عَلى كَذِبِ هَذِهِ المُطْلَقَةِ أعْنِي اللَّهَ تَعالى يُدْرِكُهُ الأبْصارُ مُرادًا بِها أبْصارُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ والمَوْقِفِ لِأنَّهُ مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَلْزِمِ لِلدَّوْرِ.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجُمْلَةَ ثُبُوتِيَّةٌ كانَتْ أوْ مَنفِيَّةً تُسْتَعْمَلُ بِحَسْبِ المَقاماتِ تارَةً في الِإطْلاقِ وتارَةً في الدَّوامِ ولَيْسَ يَجِبُ في اللُّغَةِ أنا إذا وجَدْنا جُمْلَةً مُثْبَتَةً اسْتُعْمِلَتْ في مَقامٍ ما في مَعْنى الِإطْلاقِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المُقابِلَةُ لَها مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الدَّوامِ البَتَّةَ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقاماتِ وقَصْدِ المُسْتَعْمِلِينَ لَها وهو ظاهِرٌ جِدًّا.
وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ المُطْلَقَةَ المَذْكُورَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ شَرَعًا؛ فَنَحْنُ نَقُولُ إنَّها صادِقَةٌ شَرْعًا ونَحْتَجُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ دائِمَةً دَفْعًا لِلتَّناقُضِ فَتَكُونُ إمّا مُطْلَقَةً عامَّةً أوْ وقْتِيَّةً مُطْلَقَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَناقُضَ لِانْتِفاءِ اتِّحادِ الزَّمانِ فَيَصْدُقُ: اللَّهُ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَثَلًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، اللَّهُ تَعالى لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ في الدُّنْيا بِالقَيْدِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وهو النُّورُ الشَّعْشَعانِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الوارِدِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ» وإلى هَذا التَّقْيِيدِ يُشِيرُ ثانِي تَفْسِيرَيِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمُ أوَّلُهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ فَقالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ» الحَدِيثَ، وبِإثْباتِ هَذَيْنِ النُّورَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَ جَوابَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ حَيْثُ سَألَهُ «هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟
فَقالَ في أحَدِ جَوابَيْهِ: ”نُور أنّي أراهُ“» وفي الجَوابِ الآخَرِ: «رَأيْتُ نُورًا» فَيُقالُ النُّورُ الَّذِي نَفى رُؤْيَتَهُ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ (أنّى) هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ولا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، والنُّورُ الَّذِي أثْبَتَ رُؤْيَتَهُ هو النُّورُ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وكَذا يُمْكِنُ حَمْلُ «قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ،» واسْتِشْهادُها لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا بِأنْ يُقالَ: أرادَتْ مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ؛ ويَكُونُ الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ثانِي تَفْسِيرَيْهِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ دَعْوى كَوْنِ (تُدْرِكُهُ الأبْصارُ) دائِمَةً إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً شَرْعًا وهو عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ كَما عَرَفْتَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عَلى دَعْوى الدَّوامِ دَلِيلٌ أصْلًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا المُرادُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وقْتَ عَدَمِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْإبْصارِ بِالِادِّراكِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ إرادَةِ هَذا القَيْدِ هو أنْ إرادَةَ الإبْصارِ فِعْلٌ مِن أفْعالِ العَبِيدِ وكَسْبٌ مِن كَسْبِهِمْ وقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ أنَّ العِبادَ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ المَقْدُوراتِ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وتَمْكِينِهِ فَلا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ وهو المَطْلُوبُ ويُؤَيِّدُ هَذا البَيانَ ويُشَيِّدُ أرْكانَهُ أنَّ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ أيِّ مُتَوَلٍّ لِأُمُورِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ مِنَ الأشْياءِ وأنَّ ادِّراكَها مِن أُمُورِها فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُتَوَلِّيها ومُتَصَرِّفٌ فِيها عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ فَيَفِيضُ عَلَيْها الِادِّراكَ ويَأْذَنُ لَها إذا شاءَ كَيْفَ شاءَ وعَلى الحَدِّ الَّذِي شاءَ، ويَقْبِضُ عَنْها الِادِّراكَ قَبْضًا كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا في أيِّ وقْتٍ شاءَ كَيْفَ شاءَ، ولا يَخْفى عَلى هَذا أنَّهُ غايَةُ التَّمَدُّحِ بِالعِزَّةِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ فَإنَّ مَن هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ إذا لَمْ تُدْرِكْهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ مَعَ كَوْنِهِ يُدْرِكُ الأبْصارَ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ كانَ ذَلِكَ غايَةً في عِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وكَوْنِهِ غالِبًا عَلى أمْرِهِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ لِمْ تُسَقْ لِلتَّمَدُّحِ وإنَّما سِيقَتْ لِلتَّخْوِيفِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ مِن حَيْثُ لا يُرى فَلْيُحْذَرْ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْوَكِيلِ.
الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ في رُؤْيَةِ المَحْسُوساتِ المَشْرُوطَةِ التِّسْعَةِ العادِيَّةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَلْزَمُ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا.
الخامِسُ: ما قِيلَ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا لِلْخَصْمِ ما أرادَ نَقُولُ إنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَدَّعِي أنَّ ذَوِي الأبْصارِ يُدْرِكُونَهُ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ كَما أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ فَكَذَلِكَ لا يُدْرِكُهُ غَيْرُها فَلا فائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ الفائِدَةِ أنْ لَوِ انْحَصَرَتْ في نَفْيِ حُكْمِ المَنطُوقِ عَلى المَسْكُوتِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّهُ كانَ بِخُصُوصِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ أوْ لِمَعْنًى آخَرَ السّادِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ لا يُدْرِكُهُ المُبْصِرُونَ بِأبْصارِهِمْ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ أيْضًا لِجَوازِ حُصُولِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ مُغايِرَةٍ لِهَذِهِ الحَواسِّ كَما يَدَّعِيهِ ضِرارُ بْنُ عَمْرٍو الكُوفِيُّ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالعَيْنِ وإنَّما بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ يَخْلُقُها سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ نَفْيِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِالبَصَرِ؛ وتَخْصِيصُ الحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إدْراكُ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ البَصَرِ جائِزًا في الجُمْلَةِ، ولِما ثَبَتَ أنَّ سائِرَ الحَواسِّ المَوْجُودَةِ الآنَ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ يَوْمَ القِيامَةِ حاسَّةً سادِسَةً بِها تَحْصُلُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى وإدْراكُهُ، اهـ ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الأبْصارَ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ وقَرَّرَهُ كَما قَرَّرَ المُعْتَزِلَةُ اسْتِدْلالَهم عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
نَعَمِ احْتِمالُ حَمْلِ البَصَرِ عَلى البَصِيرَةِ مِمّا يُوهِنُ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى، ولَهم في هَذا المَطْلَبِ أدِلَّةٌ أُخْرى نَقْلِيَّةٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى بَعْضِها، وعَقْلِيَّةٌ قَدْ عَقَلَها القَوْمُ في مَعاطِنِ البُطْلانِ.
ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَسْرِيحِ بِعَمْلاتِ الأقْلامِ في رِياضِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَلِكُ العَلّامُ فَمِنهُ التَّوْفِيقُ لِادِّراكِ أبْصارِ الأفْهامِ مَخْفِيّاتِ الأسْرارِ وفَلْقِ صَباحِ الحَقِّ بِسَواطِعِ الأنْوارِ ﴿ وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ أيْ يَراها عَلى وجْهِ الإحاطَةِ أوْ يُحِيطُ بِها عِلْمًا أوْ عِلْمًا ورُؤْيَةً كَما قِيلَ، وذَكَرَ الآمِدِيُّ أنَّ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ ادِّراكَ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ وأنَّ البَغْدادِيِّينَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ هُنا عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ النُّورُ الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ المُبْصَراتُ فَإنَّهُ لا يُدْرِكُهُ مُدْرِكٌ بِخِلافِ جِرْمِ العَيْنِ فَإنَّهُ يَرى.
ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ كُلَّ عَيْنٍ لا تَرى نَفْسَها ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ 103 - فَيُدْرِكُ سُبْحانَهُ ما لا يُدْرِكُهُ الأبْصارُ فالجُمْلَةُ سِيقَتْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وهُوَ) إلَخْ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِن بابِ اللَّفِّ فَإنَّ اللَّطِيفَ يُناسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالفَتْحِ، والخَبِيرُ يُناسِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُدْرِكًا بِالكَسْرِ.
واللَّطِيفُ مُسْتَعارٌ مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرِكُهُ بِالحاسَّةِ مِنَ الشَّيْءِ الخَفِيِّ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَهائِيِّ -كَما قالَ الشِّهابُ- أنَّهُ لا اسْتِعارَةَ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى: اللَّطِيفُ الَّذِي يُعامِلُ عِبادَهُ بِاللُّطْفِ وألْطافُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَتَناهى ظَواهِرُها وبَواطِنُها في الأُولى والأُخْرى ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العَلِيمُ بِالغَوامِضِ والدَّقائِقِ مِنَ المَعانِي والحَقائِقِ؛ ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ في صَنْعَتِهِ: لِطَيْفٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّطافَةِ المُقابِلَةِ لِلْكَثافَةِ وهو وإنْ كانَ في ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مِن أوْصافِ الجِسْمِ لَكِنَّ اللَّطافَةَ المُطْلَقَةَ لا تُوجَدُ في الجِسْمِ لِأنَّ الجِسْمِيَّةَ يَلْزَمُها الكَثافَةُ وإنَّما لَطافَتُها بِالإضافَةِ، فاللَّطافَةُ المُطْلَقَةُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِها النُّورُ المُطْلَقُ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ ادِّراكِ البَصائِرِ فَضْلًا عَنِ الأبْصارِ ويَعِزُّ عَنْ شُعُورِ الأسْرارِ فَضْلًا عَنِ الأفْكارِ ويَتَعالى عَنْ مُشابَهَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ ويُنَزَّهُ عَنْ حُلُولِ الألْوانِ والأشْكالِ فَإنَّ كَما اللَّطافَةَ إنَّما يَكُونُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ ووَصْفُ الغَيْرِ بِها لا يَكُونُ عَلى الِإطْلاقِ بَلِ بِالقِياسِ إلى ما هو دُونَهُ في اللَّطافَةِ ويُوصَفُ إلَيْهِ بِالكَثافَةِ، انْتَهى.
والمُرَجَّحُ أنَّ إطْلاقَ اللَّطِيفِ بِمَعْنى مُقابِلِ الكَثِيفِ عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقُلْ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلْقَلْبِ كالبَصَرِ لِلَّعِينِ، والمُرادُ بِها الآياتُ الوارِدَةُ هَهُنا أوْ جَمِيعُ الآياتِ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا و(مَن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (بَصائِرَ) والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ أيْ قَدْ جاءَكم مِن جِهَةِ مالِكِكم ومُبَلِّغِكم إلى كَمالِكُمُ اللّائِقِ بِكم مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ والصَّوابِ ما هو كالبَصائِرِ لِلْقُلُوبِ أوْ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ كائِنَةً مِن رَبِّكم ﴿ فَمَن أبْصَرَ ﴾ أيِ الحَقَّ بِتِلْكَ البَصائِرِ وآمَنَ بِهِ ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ أيْ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ كَما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ فَإبْصارُهُ لِنَفْسِهِ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ لِما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿ ومَن عَمِيَ ﴾ أيْ ومَن لَمْ يُبْصِرِ الحَقَّ بَعْدَما ظَهَرَ لَهُ بِتِلْكَ البَصائِرِ ظُهُورًا بَيِّنًا وضَلَّ عَنْهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالعَمى تَنْفِيرًا عَنْهُ ﴿ فَعَلَيْها ﴾ عَمًى أوْ فَعَماهُ عَلَيْها أيْ وبالُ ذَلِكَ عَلَيْها، وهُما قَوْلانِ لِمَن تَقَدَّمَ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ تَقْدِيرَ المَصْدَرِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةَ.
والثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ المُقَدَّرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءً كانَتْ (مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً لِامْتِناعِها في الماضِي.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ يَتَرَجَّحُ لِتَقَدُّمِ فِعْلٍ مَلْفُوظٍ بِهِ وكانَ أقْوى في الدَّلالَةِ، وأيْضًا أنَّ في تَقْدِيرِهِ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ المُؤْذِنِ بِالِاخْتِصاصِ، وأيْضًا ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي غَيْرُ لازِمٍ لِأنَّهُ لا يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُولِيًا لِفاءِ الجَوابِ بَلْ قُدِّرَ مَعْمُولُ الفِعْلِ الماضِي مُقَدَّمًا ولا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ فَلَوْ قُلْتَ: مَن أكْرَمَ زَيْدًا فَلِنَفْسِهِ أكْرَمَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الفاءِ.
نَعَمْ لَمْ يُعْهَدْ تَعْدِيَةُ (عَمِيَ) بِـ (عَلى) وهو لازِمُ التَّقْدِيرِ السّابِقِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ بَعْضُهم بَعْدَ أنْ وافَقَ في الأوَّلِ إلى قَوْلِهِ: (فَعَلَيْها) وبالُهُ ﴿ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ 104 وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ وقِيلَ: المُرادُ كَما صَرَّفْنا الآياتِ قَبْلُ نُصَرِّفُ هَذِهِ الآياتِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما هو الحَرِيُّ بِالقَبُولِ.
وأصْلُ التَّصْرِيفِ -كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى - إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وقالَ الرّاغِبُ: التَّصْرِيفُ كالصَّرْفِ إلّا في التَّكْثِيرِ وأكْثَرُهُ ما يُقالُ في صَرْفِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وأمْرٍ إلى أمْرٍ ﴿ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ وبَعْضُهم قَدَّرَ الفِعْلَ ماضِيًا والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ.
واللّامُ لامُ العاقِبَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ نُزُولَ الآياتِ لِإضْلالِ الأشْقِياءِ وهِدايَةِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نُصْرِّفُ) أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا إلَخْ وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ لِيُنْكِرُوا ولِيَقُولُوا إلَخْ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولْيَقُولُوا هم كَما يَقُولُونَ فَإنَّهم لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وعَدَمُ الِاكْتِراثِ.
ورَدُّهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ فَإنَّ اللّامَ فِيهِ نَصٌّ في أنَّها لامُ كَيْ، وتَسْكِينُ اللامِ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ لا دَلِيلَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْفِيفِ.
ومَعْنى ﴿ دَرَسْتَ ﴾ قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وأصْلُهُ -عَلى ما قالَ الأصْمَعِيُّ - مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ يَدْرُسُهُ دِراسًا إذا داسَهُ كَأنَّ التّالِي يَدُوسُ الكَلامَ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ أيْ أخْلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ: دَرِيسٌ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّرْسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها.
وهَذا كَما قالَ الواحِدِيُّ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ أوْ هو نَفْسُهُ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ.
وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ دَرَسَ الدّارَ أيْ بَقِيَ أثَرُهُ وبَقاءُ الأثَرِ يَقْتَضِي انْمِحاءَهُ في نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ فُسِّرَ الدُّرُوسُ بِالِانْمِحاءِ، وكَذا دَرَسَ الكِتابَ ودَرَسْتُ العِلْمَ تَناوَلْتُ أثَرَهُ بِالحِفْظِ، ولَمّا كانَ تَناوُلُ ذَلِكَ بِمُداوَمَةِ القِراءَةِ عَبَّرَ عَنْ إدامَةِ القِراءَةِ بِالدَّرْسِ، وهو بَعِيدٌ عَمّا تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دارَسْتَ) بِالألْفِ وفَتْحِ التّاءِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أيْ دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ مِمَّنْ يَعْلَمُ الأخْبارَ الماضِيَةَ وذَكَّرْتَهُ، وأرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
قالَ الإمامُ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (دَرَسَتْ) بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ التّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ والمَعْنى قَدِمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ: (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) .
وقُرِئَ (دَرُسْتَ) بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دَرَسْتَ لِأنَّ فِعْلَ المَضْمُومِ لِلطَّبائِعِ والغَرائِزِ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها، و(دُرِسَتْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ.
وقَدْ صَحَّ مَجِيءُ عَفا مُتَعَدِّيًا كَمَجِيئِهِ لازِمًا؛ و(دارَسَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ أيْضًا.
والضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإمّا لِلْآياتِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها أيْ دارَسَتْ أهْلَ الآياتِ وحَمَلَتْها مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ الكُتّابِ و دُرِسَتْ عَلى مَجْهُولِ فاعِلٍ ودُرِسَتْ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى تاءِ الخِطابِ مَعَ التَّشْدِيدِ ونُسِبَتْ إلى ابْنِ زَيْدٍ وادّارَسْتَ مُشَدَّدًا مَعْلُومًا ونُسِبَتْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أُبَي دَرس عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ الكِتابِ بِمَعْنى انْمَحى ونَحْوُهُ ودَرَسْنَ بِنُونِ الإناثِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا و دارِساتٌ بِمَعْنى قَدِيماتٍ أوْ ذاتِ دَرْسٍ أوْ دُرُوسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي دارِساتٌ (ولِنُبَيِّنَهُ) عَطْفٌ عَلى (لِيَقُولُوا) واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ المُفَسِّرِ بِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى المَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الفِعْلِ عِنْدَ الكَثِيرِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ.
ولا رَيْبَ في أنَّ التَّبْيِينَ مَصْلَحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى التَّصْرِيفِ.
والخِلافُ في أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى هَلْ تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ مَشْهُورٌ؛ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ.
والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالكِتابِ أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِمَصْدَرِ (نُصَرِّفُ) كَما قِيلَ أوْ نُبَيِّنُ أيْ ولَنَفْعَلَنَّ التَّبْيِينَ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ 105 - فَإنَّهَمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ وهو الوَجْهُ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ.
وهم -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ-: أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ووَصَفَهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ غَيْرِهِمْ وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي عَمْدَتُها التَّوْحِيدُ.
والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ مالا يَخْفى.
والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (أُوحِيَ)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ المَرْفُوعِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن مَرْجِعِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أكَّدَ بِهِ إيجابَ الِاتِّباعِ لا سِيَّما في أمْرِ التَّوْحِيدِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ 106 - أيْ لا تَعْتَدَّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا ولا تُبالِ بِها ولا تَلْتَفِتْ إلى أذاهم وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ في الآيَةِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فَيَكُونُ الإعْراضُ مَحْمُولًا عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ﴿ ما أشْرَكُوا ﴾ وهَذا دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ مَعَ تَوْجِيهِهِ إلَيْهِ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِ.
والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإعْراضِ.
وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ أيْ رَقِيبًا مُهَيْمِنًا مِن قَبْلِنا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ 107 - مِن جِهَتِهِمْ تَقُومُ بِأمْرِهِمْ وتُدَبِّرُ مَصالِحَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تَصُونُهم عَمّا يَضُرُّهُمْ، وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تَجْلِبُ لَهم ما يَنْفَعُهم.
و(عَلَيْهِمْ) في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَشْتُمُوهم ولا تَذْكُرُوهم بِالقَبِيحِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ عَلى مَعْنى لا تَسُبُّوهم مِن حَيْثُ عِبادَتِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ كَأنْ تَقُولُوا تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ مَثَلًا أوْ آلِهَتِهِمْ فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّها، والعائِدُ حِينَئِذٍ مُقَدَّرٌ أيِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالَّذِينِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّها مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ عَلى تَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنها كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ سَبَّ الآلِهَةِ سَبٌّ لَهُمْ؛ كَما يُقالُ ضَرْبُ الدّابَّةِ صَفْعٌ لِراكِبِها ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وأنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ، و(يَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ كَقَوْلِهِمْ: لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها ومَعْنى سَبِّهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ إفْضاءُ كَلامِهِمْ إلَيْهِ كَشَتْمِهِمْ لَهُ ولِمَن يَأْمُرُهُ، وقَدْ فُسِّرَ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِذَلِكَ أيْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ أنَّهم يَسُبُّونَهُ وإلّا فالقَوْمُ كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ وأنَّ آلِهَتَهم إنَّما عَبَدُوها لِتَكُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَسُبُّونَهُ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سَبُّهم لَهُ عَزَّ اسْمُهُ صَرِيحًا؛ ولا إشْكالَ بِناءً عَلى أنَّ الغَضَبَ والغَيْظَ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ تَحْمِلُهُ شِدَّةُ غَيْظِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ ومِمّا شاهَدْناهُ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ العَوامِّ أكْثَرَ الرّافِضَةُ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَهُ فَغاظَهُ ذَلِكَ جِدًّا فَسَبَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلّا إغاظَتَهم ولَمْ أرَ شَيْئًا يَغِيظُهم مِثْلَ ذَلِكَ فاسْتُتِيبَ عَنْ هَذا الجَهْلِ العَظِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ سَبَّهم لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ أنَّهم يَسُبُّونَهُ جَلَّ شَأْنُهُ صَرِيحًا ولَكِنْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِهِ تَعالى ويَتَمادَوْنَ في ذَلِكَ بِالمُجادَلَةِ ويَزْدادُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِما يُنَزَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ سَبًّا؛ وهو سَبٌّ فِعْلِيٌّ قالَ الشّاعِرُ: وما كانَ ذَنْبُ بَنِي مالِكٍ بِأنْ سَبَّ مِنهم غُلامًا فَسُبَّ بِأبْيَضَ ذِي شَطْبٍ قاطِعٍ يَقُدُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبَ ونُبِّهَ بِهِ عَلى ما قالَهُ الآخَرُ: ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ وقِيلَ: المُرادُ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى سَبُّ الرَّسُولِ ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ الآيَةِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ (عُدُوًّا) يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا حَضَرَ أبا طالِبٍ المَوْتُ قالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلى هَذا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرْهُ أنْ يَنْهى عَنّا ابْنَ أخِيهِ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَقُولُ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ، فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وأُمَيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلْفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وعَمْرُو بْنُ العاصِ والأسْوَدُ بْنُ البُحْتُرِيِّ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: أنْتَ كَبِيرُنا وسَيِّدُنا وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذانا وآذى آلِهَتَنا فَنُحِبُّ أنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنا ولَنَدَعَنَّهُ وإلَهَهُ فَدَعاهُ فَجاءَ النَّبِيُّ فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ماذا تُرِيدُونَ؟
قالُوا نُرِيدُ أنْ تَدَعَنا وآلِهَتَنا ونَدَعَكَ وإلَهَكَ فَقالَ أبُو طالِبٍ: قَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ فاقْبَلْ مِنهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : أرَأيْتُكم إنْ أعْطَيْتُكم هَذا فَهَلْ أنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إنْ تَكَلَّمْتُمْ بِها مَلَكْتُمُ العَرَبَ ودانَتْ لَكم بِها العَجَمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ لَنُعْطِيَنَّكَها وأبِيكَ وعَشْرَ أمْثالِها فَما هِيَ؟
قالَ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَأبَوْا واشْمَأزُّوا فَقالَ أبُو طالِبٍ قُلْ غَيْرَها يا ابْنَ أخِي فَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنها فَقالَ : يا عَمُّ ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها ولَوْ أتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوها في يَدِي ما قُلْتُ غَيْرَها فَقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُكَ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم».
وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ نَزَلَتْ ﴿ ولا تَسُبُّوا ﴾ إلَخْ، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ وصْفَ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها حَصَبُ جَهَنَّمَ وبِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ سَبٌّ لَها فَكَيْفَ نَهى عَنْهُ بِما هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِالتِّلاوَةِ سَبَّهم وغَيْظَهم يَسْتَقِيمُ النَّهْيُ عَنْها ولا بِدْعَ في ذَلِكَ كَما يُنْهى عَنِ التِّلاوَةِ في المَواضِعِ المَكْرُوهَةِ وقالَ في الكَشْفِ: المَعْنى عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَقَعُ السَّبُّ مِنكم بِناءً عَلى ما ورَدَ في الآيَةِ فَيَصِيرُ سَبًّا لِسَبِّهِمْ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لا يُعَدُّ سَبًّا لِأنَّهُ ذَكَرَ المَساوِئَ لِمُجَرَّدِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ وما فِيها إنَّما ورَدَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ صُلُوحِها لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وفِيهِ تَأمَّلْ.
وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَنِ العُدُولِ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى السَّبِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَخْرُجُوا مِن دَعْوَةِ الكُفّارِ ومُحاجَّتِهِمْ إلى أنْ تَسُبُّوا ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِجاجِ في شَيْءٍ ويَجُرُّ إلى سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ؛ وهَذا بِخِلافِ الطّاعَةِ في مَوْضِعٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُها وكَثِيرًا ما يَشْتَبِهانِ، ولِذا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً اجْتَمَعَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ وخالَفَهُ الحَسَنُ قائِلًا: لَوْ تَرَكْنا الطّاعَةَ لِأجْلِ المَعْصِيَةِ لَأسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ المَقْدِسِيِّ في الرَّمْزِ أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ فُقَهائِنا أنَّهُ لا يَتْرُكُ ما يَطْلُبُ لِمُقارَنَةِ بِدْعَةٍ كَتَرْكِ إجابَةِ دَعْوَةٍ لِما فِيها مِنَ المَلاهِي وصَلاةِ جِنازَةٍ لِنائِحَةٍ فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ مَنَعَ وإلّا صَبَرَ، وهَذا إذا لَمْ يُقْتَدْ بِهِ وإلّا لا يَقْعُدُ لِأنَّ فِيهِ شَيْنَ الدِّينِ.
وما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِ كانَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إمامًا يُقْتَدى بِهِ.
ونُقِلَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: كَيْفَ نَهانا اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبِّ مَن يَسْتَحِقُّ السَّبَّ لِئَلّا يُسَبَّ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ وقَدْ أمَرَنا بِقِتالِهِمْ وإذا قاتَلْناهم قَتَلُونا وقَتْلُ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُنْكَرٍ؟
وكَذا أمَرَ النَّبِيَّ بِالتَّبْلِيغِ والتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ؟
وأنَّهُ أجابَ بِأنَّ سَبَّ الآلِهَةِ مُباحٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ وقِتالَهم فَرْضٌ وكَذا التَّبْلِيغَ وما كانَ مُباحًا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ ويَحْدُثُ، وما كانَ فَرْضًا لا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ.
وعَلى هَذا يَقَعُ الفَرْقُ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيمَن قَطَعَ يَدَ قاطِعٍ قِصاصًا فَماتَ مِنهُ فَإنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّهِ مُباحٌ فَأُخِذَ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، والإمامُ إذا قَطَعَ يَدَ السّارِقِ فَماتَ لا يَضْمَنُ لِأنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، اهـ.
ومَن هُنا لا تُحْمَلُ الطّاعَةُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إطْلاقِها ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ ﴿ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿ عَمَلَهُمْ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَمُ الكُفْرِ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهُمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِلْكافِرِ الكُفْرَ كَما زَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِ الإيمانَ وأنْكَرَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَتَأوَّلُوا الآيَةَ لِما لا يَخْفى ضَعْفُهُ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿ مَرْجِعُهُمْ ﴾ أيْ رَجَعُوهم ومَصِيرُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ 108 - في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وذَلِكَ بِالثَّوابِ عَلى الأوَّلِ والعِقابِ عَلى الثّانِي، فالجُمْلَةُ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ وفَسَّرَ بَعْضُهم (ما) بِالسَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم وقالَ: إنَّ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وأقْسَمُوا ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ أيْ جاهِدِينَ فِيها، فَـ (جَهْدَ) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أقْسَمُوا بِجَهْدِ أيْمانِهِمْ أيْ أوْكَدِها؛ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ وضَمِّها في الأصْلِ بِمَعْنى الطّاقَةِ والمُشَقَّةِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ لِلْمَشَقَّةِ وبِالضَّمِّ الوُسْعِ، وقِيلَ: ما يُجْهِدُ الَإنْسانَ.
والمَعْنى هُنا -عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - أنَّهم حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ ﴿ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ فاقْتَرَحُوا غَيْرَها ﴿ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البَيِّناتِ.
والباءُ صِلَةُ الإيمانِ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِها التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ .
وجَعْلُها لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى لَيُؤْمِنُنَّ بِسَبَبِها خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ ﴾ أيْ كُلُّها فَيَدْخُلُ ما اقْتَرَحُوهُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِإنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ؛ وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ ءاتِيكم بِها أوِ المَعْنى هو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى ءاتِيَكم بِها.
واعْتَرَضَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بَعْدَ أنِ اخْتارَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَتَدَبَّرْ.
رَوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ ءاياتٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي فَقالُوا: نَعَمْ وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لِنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَهَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدُّعاءِ فَنَزَلَتْ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانَتْ لَهم ناقَةٌ، فَأْتِنا بِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : أيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ؟
قالُوا: تُحَوِّلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟
قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لِنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ، فَقالَ : أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إلى ﴿ يَجْهَلُونَ ﴾ » ﴿ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ 109 - كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ -كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ- إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ مِمّا يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ أيْضًا كالهَمِّ بِالدُّعاءِ، وفِيهِ بَيانٌ لِأنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ وإيمانَهم في زَوايا العَدَمِ وإنْ أُجِيبُوا إلى ما سَألُوهُ وجَوَّزَ بَعْضُهم دُخُولَهُ تَحْتَ الأمْرِ، ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ قُلْ لِلْكافِرِينَ: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ وما يُشْعِرُكم إلَخْ وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ وهو داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ التِفاتٌ و(أنَّها) إلَخْ عِنْدَهُ إخْبارٌ ابْتِدائِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ -عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ- ”لا“ نافِيَةٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن بَقاءِ الفِعْلِ بِلا فاعِلٍ؛ وجَعْلُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ أوْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إلّا عَلى بُعْدٍ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اقْتَرَحُوا آية وكانَ المُؤْمِنُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُزُولَها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ كانَ في ظَنِّهِمْ إيمانُهم عَلى تَقْدِيرِ النُّزُولِ فَإذا أُرِيدَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فالمُناسِبُ إنْكارُ الإيمانِ لا عَدَمُهُ؛ كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا أنْزِلْ لِلْمُشْرِكِينَ آية فَإنَّهُ لَوْ نَزَلَتْ يُؤْمِنُونَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ في الإنْكارِ: ما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ ويَتَّضِحُ هَذا بِمِثالٍ وذَلِكَ أنَّهُ إذا قالَ لَكَ القائِلُ: أكْرِمْ فُلانًا فَإنَّهُ يُكافِئُكَ؛ وكُنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ عَدَمَ المُكافَأةِ فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ عَلى المُشِيرِ بِإكْرامِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟
فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ إثْباتَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ نَفْيَها فَإنْ قالَ لَكَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ وأنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ وأرَدْتَ الإنْكارَ عَلى المُشِيرِ بِحِرْمانِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟
فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ عَدَمَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ ثُبُوتَها والآيَةُ كَما لا يَخْفى مِن قَبِيلِ المِثالِ فَكانَ الظّاهِرُ حَيْثُ ظَنُّوا إيمانَهم ورَغِبُوا فِيهِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهم ولَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى أنْ يُقالَ وما يُشْعِرُكم أنَّهم إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ.
وأجابَ عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ في مَعْنى النَّفْيِ وهو إخْبارٌ عَنْهم بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ؛ والمَعْنى أنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا تَنْجَعُ فِيهِمُ الآياتُ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ما في الواقِعِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذَلِكَ تَتَوَقَّعُونَ إيمانَهُمْ، والحاصِلُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ ولَهُ مَعْنَيانِ ”لَمْ“ و”لا“؛ فَإنْ كانَ بِمَعْنى ”لَمْ“ يُقالُ: ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ بِدُونِ ”لا“ عَلى مَعْنى لِمَ قُلْتُمْ: أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ وتَوَقَّعْتُمْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى ”لا“ يُقالُ ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِإثْباتِ ”لا“ عَلى مَعْنى لا تَعْلَمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذا تَوَقَّعْتُمْ إيمانَهُمَ ورَغِبْتُمْ في نُزُولِ آيَةٍ لَهُمْ، وهَذا الثّانِي هو المُرادُ، ويَرْجِعُ إلى إقامَةِ عُذْرِ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِهِمْ ذَلِكَ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ ”لا“ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ﴿ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ فَإنَّهُ أُرِيدَ تَسْجُدُ ويَرْجِعُونَ بِدُونِ ”لا“، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ ”أنَّ“ بِمَعْنى لَعَلَّ كَما في قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَرَجُوا عَلى الطَّلِّ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ خِذامِ، وقَوْلِ الآخَرِ: هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لِأنّا ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ يُشْعِرَكم ويُدْرِيَكم بِمَعْنًى، وكَثِيرًا ما تَأْتِي لَعَلَّ بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ نَحْوَ: ﴿ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ وأنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما أدْراكَ لَعَلَّها) والكَلامُ عَلى هَذا قَدْ تَمَّ قَبْلَ (أنَّها) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُشْعِرُكُمْ) مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْدِيرُهُ أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُتَحَقِّقَ الوُقُوعِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (أنَّها) إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ”أنَّ“ في جَوابِ القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرِ بْنِ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ أنَّها بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ حَسْبَما سِيقَ مِن زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمٍ إيمانِهِمْ.
قالَ في الكَشْفِ: وهو عَلى جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟
فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.
ولَكَ أنْ تَبْنِيَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ أيْ بِما يَكُونُ مِنهم فَإنَّهُ إبْرازٌ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ كَأنَّهُ قَدْ سُئِلَ عَنْهُ سُؤالٌ شاكٌّ ثُمَّ عُلِّلَ بِأنَّها إذا جاءَتْ جَزْمًا بِالطَّرَفِ المُحالِفِ وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ.
وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، انْتَهى وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ (تُؤْمِنُونَ) بِالفَوْقانِيَّةِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ في الآيَةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِلا خِلافٍ.
وقُرِئَ (وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ) فَمَرْجِعُ الَإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الحَلِفِ المَذْكُورِ مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ.
وقُرِئَ (وما يُشْعِرْكُمْ) بِسُكُونٍ خالِصٍ واخْتِلاسٍ.
وضَمِيرُ (بِها) عَلى سائِرِ القِراءاتِ راجِعٌ لِلْآيَةِ لا لِلْآياتِ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما أنَّ اسْتِعْمالَ ”إذا“ مَعَ الماضِي دُونَ ”أنْ“ مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَوْدَهُ لِلْآياتِ أوْلى لِقُرْبِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المُبالَغَةِ في بُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ وبُلُوغِهِمْ في العِنادِ غايَةَ الإمْكانِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْ وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يُدْرِكُونَهُ وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ.
وهَذا -عَلى ما قالَ الإمامُ- تَقْرِيرٌ لِما في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ لَيْسَ مِن تَوَجُّهِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ إلى الحَقِّ واسْتِعْدادِها لَهُ بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ.
وتَحْقِيقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ عَلِمَ في الأزَلِ سُوءَ اسْتِعْدادِهِمُ المَخْبُوءِ في ماهِيّاتِهِمْ أفاضَ عَلَيْهِمْ ما يَقْتَضِيهِ وفَعَلَ بِهِمْ ما سَألُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ بَعْدَ أنْ رَغَّبَهم ورَهَّبَهم وأقامَ الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ أيْ بِما جاءَ مِنَ الآياتِ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ، وقِيلَ: بِالتَّقْلِيبِ، وهو كَما تَرى ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أيْ عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَنصُوبٍ بِـ (لا يُؤْمِنُونَ) .
و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَكْفُرُونَ كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ.
وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: أنَّ الكافَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْلِيبًا كَكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْها بِأنَّ المُرادَ مِن ﴿ ونُقَلِّبُ ﴾ إلَخْ: أنا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
والقاضِي بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَلا نَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا.
والجَبائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في الدُّنْيا.
والكُلُّ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، وهَكَذا غالِبُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ ﴿ ونَذَرُهُمْ ﴾ أيْ نَدَعُهم ﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ أيْ تَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في العِصْيانِ ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ 110 - أيْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ وهَذا عَطْفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْضًا مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ مُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ.
والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ.
وجُمْلَةُ (يَعْمَهُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَذَرُهُمْ) .
وقُرِئَ (يُقَلِّبُ.
ويَذَرُ) عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (وتُقَلَّبُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى أفْئِدَتِهِمْ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ أخْلَصْناهم وآوَيْناهم لِحَضْرَتِنا ودَلَلْناهم لِلِاكْتِفاءِ بِنا عَمّا سِوانا ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ وهم أهْلُ السّابِقَةِ الَّذِينَ سَألُوهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ ﴿ ولَوْ أشْرَكُوا ﴾ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وهو شِرْكُ الكامِلِينَ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ سَيِّدِي عَمْرُ بْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتَ بِرِدَّتِي ﴿ لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وهُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ هم خَزائِنُ حَقائِقِ الإيمانِ وفِي الخَبَرِ «لا يَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمِينَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهم عَلى ذَلِكَ» ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ ﴾ وهو آدابُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ (اقْتَدِهْ) أمْرٌ لَهُ أنْ يَتَّصِفَ بِجَمِيعِ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ الهُدى وكانَ ذَلِكَ -عَلى ما قِيلَ- في مَنازِلِ الوَسائِطِ، ولَمّا كَحَّلَ عُيُونَ أسْرارِهِ بِكُحْلِ الرُّبُوبِيَّةِ جَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ مُسْتَقِيمًا بِحالِهِ وأخْرَجَهُ مِن حَدِّ الإرادَةِ إلى حَدِّ المَعْرِفَةِ والِاسْتِقامَةِ ولِذا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْقاطِ الوَسائِطِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ مَعَ قَوْلِهِ : «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَيْسَ في هَذا تَوْسِيطُ الوَسائِطِ لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم لا بِهِمْ.
ونَظِيرُهُ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أيْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لَمْ يُظْهِرْ مِن عَلْمِهِ وكَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدٍ شَيْئًا؛ وذَلِكَ لِزَعْمِهِمُ البُعْدَ مِن عِبادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَمَ إمْكانِ ظُهُورِ بَعْضِ صِفاتِهِ عَلى مَظْهَرٍ بَشَرِيٍّ، ولَوْ عَرَفُوا لَما أنْكَرُوا ولا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُظْهِرَ لِكَمالِ عَلْمِهِ وحِكْمَتِهِ إلّا الإنْسانُ الكامِلُ بَلْ لَوِ ارْتَفَعَ الحَوَلُ عَنِ العَيْنِ لَما رَأوُا الواحِدَ اثْنَيْنِ ﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ﴾ لِما فِيهِ مِن أسْرارِ القُرْبِ والوِصالِ والتَّشْوِيقِ إلى الحُسْنِ والجَمالِ بَلْ مِنهُ تَجَلّى الحَقُّ لِخَلْقِهِ لَوْ يَعْلَمُونَ ﴿ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِجَمْعِهِ الظّاهِرَ والباطِنَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ وهي القَلْبُ ﴿ ومَن حَوْلَها ﴾ مِنَ القُوى ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كَمَنِ ادَّعى الكَمالَ والوُصُولَ إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ عَنْ كَثْرَةِ صِفاتِ النَّفْسِ وزَعَمَ أنَّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ مِن أهْلِ الإرْشادِ وهو لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ كَمَن سَمّى مُفْتَرِياتِ وهْمِهِ وخَيالِهِ ومُخْتَرَعاتِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وحْيًا وفَيْضًا مِنَ الرُّوحِ القُدْسِيِّ فَتَنَبَّأ لِذَلِكَ، أو ﴿ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ كَمَن تَفَرْعَنَ وادَّعى الأُلُوهِيَّةَ ﴿ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ وهم هَؤُلاءِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ ﴿ فِي غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ الطَّبِيعِيِّ ﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ كالمُتَقاضِي المُلِظِّ يَقُولُونَ ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ والصَّغارِ لِوُجُودِ صِفاتِ نُفُوسِكم وهَيْآتِها المُظْلِمَةِ وتَكاثُفِ حُجُبِ أنانِيَّتِكم وتَفَرْعُنِكم ﴿ ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ مُجَرَّدِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ ﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ ﴾ أيْ حَبَّةِ القَلْبِ بِنُورِ الرُّوحِ عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ﴿ والنَّوى ﴾ أيْ نَوى النَّفْسِ بِنُورِ القَلْبِ عَنِ الأخْلاقِ والمَكارِمِ أوْ فالِقُ حَبَّةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ في قُلُوبِ المُحِبِّينَ والصِّدِّيقِينَ، ونَوى شَجَرِ أنْوارِ الأزَلِ في فُؤادِ العارِفِينَ فَتُثْمِرُ بِالأعْمالِ الزَّكِيَّةِ والمَقاماتِ الشَّرِيفَةِ والحالاتِ الرَّفِيعَةِ ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيِ العالِمَ بِهِ مِنَ الجاهِلِ ﴿ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ أيِ الجاهِلَ مِنَ العالِمِ، أوْ يَخْرُجُ حَيَّ القَلْبِ عَنْ مَيِّتِ النَّفْسِ تارَةً بِاسْتِيلاءِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ومُخْرِجُ مَيِّتَ النَّفْسِ عَنْ حَيِّ القَلْبِ أُخْرى بِإقْبالِهِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ الهَوى وصِفاتِ النَّفْسِ عَلَيْهِ ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ أيْ مُظْهِرُ أنْوارِ صِفاتِهِ عَلى صَفَحاتِ آفاقِ مَخْلُوقاتِهِ أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِنُورِ الإصْباحُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَحْرَ العَدَمِ كانَ مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّهُ بِأنْ أجْرى فِيهِ جَدْوَلًا مِن نُورِهِ حَتّى بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى.
وقالَ الإمامُ: فالِقُ ظُلْمَةِ العَدَمِ بِصَباحِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَمادِيَّةِ بِصَباحِ الحَياةِ والعَقْلِ والرَّشادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَهالَةِ بِصَباحِ الِادِّراكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ بِتَخْلِيصِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأفْلاكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِعالَمِ المُمَكِناتِ بِصَباحِ نُورِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ مُدَبِّرِ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ.
وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: المَعْنى فالِقُ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ عَنِ القَلْبِ بِإصْباحِ نُورِ شَمْسِ الرُّوحِ وإشْراقِهِ عَلَيْها، ﴿ وجَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ أيْ لَيْلَ الحَيْرَةِ في الذّاتِ البَحْتِ ﴿ سَكَنًا ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ أرْواحُ العاشِقِينَ كَما قالَ قائِلُهم: زِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرًا وارْحَمْ حَشًا بِلَظى هَواكَ تَسَعَّرا أوْ جاعِلُ ظُلْمَةِ النَّفْسِ سَكَنَ القَلْبِ يَسْكُنُ إلَيْها أحْيانًا لِلِارْتِفاقِ والِاسْتِرْواحِ أوْ سَكَنًا تَسْكُنُ فِيهِ القُوى البَدَنِيَّةُ وتَسْتَقِرُّ عَنِ الِاضْطِرابِ كَما قِيلَ ﴿ والشَّمْسَ ﴾ أيْ شَمْسَ تَجَلِّي الصِّفاتِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ تَجْلِّي الأفْعالِ ﴿ حُسْبانًا ﴾ أيْ عَلى حِسابِ الأحْوالِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ بِهِما أوْ شَمْسَ الرُّوحِ وقَمَرَ القَلْبِ مَحْسُوبَيْنِ في عِدادِ المَوْجُوداتِ الباقِيَةِ الشَّرِيفَةِ مُعْتَدًّا بِهِما أوْ عَلى حِسابِ الأوْقاتِ والأحْوالِ ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾ أيِ المُرْشِدِينَ أوْ نُجُومَ الحَواسِّ ﴿ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ ﴾ وهو عِلْمُ الآدابِ ﴿ والبَحْرِ ﴾ وهو عِلْمُ الحَقائِقِ أوِ المَعْنى لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ بَرِّ الأجْسادِ إلى مَصالِحِ المَعاشِ وبَحْرِ العُلُومِ بِاكْتِسابِها بِها ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ ﴾ أيْ أظْهَرَكم ﴿ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ الكُلِّيَّةُ ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ في أرْضِ البَدَنِ حالَ الظُّهُورِ ﴿ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ مِن سَماءِ الرُّوحِ ماءَ العِلْمِ ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ ﴾ أيِ النَّباتِ ﴿ خَضِرًا ﴾ زِينَةَ النَّفْسِ وبَهْجَةً لَها ﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ أيِ الخَضِرِ ﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ أيْ أعْمالًا مُتَرَتِّبَةً شَرِيفَةً ونِيّاتٍ صادِقَةً يَتَقَوّى القَلْبُ بِها ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ أيْ نَخْلِ العَقْلِ ﴿ مِن طَلْعِها ﴾ أيْ مِن ظُهُورِ تَعَلُّقِها ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مَعارِفُ وحَقائِقُ ﴿ دانِيَةٌ ﴾ قَرِيبَةُ التَّناوُلِ لِظُهُورِها بِنُورِ الرُّوحِ كَأنَّها بَدِيهِيَّةٌ ﴿ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ وهي أعْنابُ الأحْوالِ والأذْواقِ، ومِنها تُعْتَصِرُ سُلافَةُ المَحَبَّةِ وفي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عُمْرَ ساعَةٍ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَكَ الحُكْمُ ﴿ والزَّيْتُونَ ﴾ أيْ زَيْتُونَ التَّفَكُّرِ ﴿ والرُّمّانَ ﴾ أيْ رُمّانَ الهِمَمِ الشَّرِيفَةِ والعَزائِمِ النَّفْسِيَّةِ ﴿ مُشْتَبِهًا ﴾ كَما في أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ ﴿ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ كَنَوْعَيْنِ وفَرْدَيْنِ مِنهُما مَثَلًا ﴿ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ﴾ أيْ راعُوهُ بِالمُراقَبَةِ عِنْدَ السُّلُوكِ وبَدْءِ الحالِ ﴿ ويَنْعِهِ ﴾ وهو كَمالٌ عِنْدَ الوُصُولِ بِالحُضُورِ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ ﴾ أيْ جِنِّ الوَهْمِ والخَيالِ حَيْثُ أطاعُوهم وانْقادُوا لَهم ﴿ وخَلَقَهم وخَرَقُوا ﴾ وافْتَرَوْا ﴿ لَهُ بَنِينَ ﴾ مِنَ العُقُولِ ﴿ وبَناتٍ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ يَعْتَقِدُونَ أنَّها لِتَجَرُّدِها مُؤَثِّرَةٌ مِثْلُهُ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مِنهم أنَّها أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ لا تُؤَثِّرُ إلّا بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ ﴾ مِن تَقَيُّدِهِ بِما قَيَّدُوهُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِيَ والعِشْرِينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: يَعْنِي مِن كُلِّ عَيْنٍ مِن أعْيُنِ الوُجُوهِ وأعْيُنِ القُلُوبِ فَإنَّ القُلُوبَ ما تَرى إلّا بِالبَصَرِ وأعْيُنِ الوُجُوهِ لا تَرى إلّا بِالبَصَرِ فالبَصَرُ حَيْثُ كانَ بِهِ يَقَعُ الِادِّراكُ فَيُسَمّى البَصَرُ في العَقْلِ عَيْنَ البَصِيرَةِ ويُسَمّى في الظّاهِرِ بَصَرَ العَيْنِ، والعَيْنُ في الظّاهِرِ مَحَلُّ البَصَرِ والبَصِيرَةُ في الباطِنِ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ الَّذِي هو بَصَرٌ في عَيْنِ الوَجْهِ فاخْتَلَفَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وما اخْتَلَفَ هو في نَفْسِهِ فَكَما لا تُدْرِكُهُ العُيُونُ بِأبْصارِها لا تُدْرِكُهُ البَصائِرُ بِأعْيُنِها، ووَرَدَ في الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَما احْتَجَبَ عَنِ الأبْصارِ وأنَّ المَلَأ الأعْلى يَطْلُبُونَهُ كَما تَطْلُبُونَهُ أنْتُمْ» فاشْتَرَكْنا في الطَّلَبِ مَعَ المَلَإ الأعْلى واخْتَلَفْنا في الكَيْفِيَّةِ فَمِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِفِكْرِهِ والمَلَأُ الأعْلى لَهُ العَقْلُ ومالَهُ الفِكْرُ، ومِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِهِ ولَيْسَ في المَلَإ الأعْلى مَن يَطْلُبُهُ بِهِ لِأنَّ الكامِلَ مِنّا هو عَلى الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها؛ فَلِهَذا يَصِحُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أنْ يَطْلُبَ اللَّهَ تَعالى بِهِ ومَن طَلَبَهُ بِهِ وصَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ الكامِلَ مِنّا لَهُ نافِلَةٌ تَزِيدُ عَلى فَرائِضِهِ إذا تَقَرَّبَ العَبْدُ بِها إلى رَبِّهِ أحَبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ كانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، فَإذا كانَ الحَقُّ بَصَرَ مِثْلِ هَذا العَبْدِ رَآهُ وأدْرَكَهُ بِبَصَرِهِ لِأنَّ بَصَرَهُ الحَقُّ فَما أدْرَكَهُ إلّا بِهِ لا بِنَفْسِهِ، وما ثَمَّ مَلَكٌ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِنافِلَةٍ بَلْ هم في الفَرائِضِ وفَرائِضُهم قَدِ اسْتَغْرَقَتْ أنْفاسَهم فَلا نَفْلَ عِنْدَهم فَلَيْسَ لَهم مَقامٌ يُنْتِجُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ بَصَرَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ بِهِ فَهم عَبِيدُ اضْطِرارٍ ونَحْنُ عَبِيدُ اضْطِرارٍ مِن فَرائِضِنا وعَبِيدُ اخْتِيارٍ مِن نَوافِلِنا، إلى آخِرِ ما قالَ.
وهو صَرِيحٌ في أنَّ بَعْضَ الأبْصارِ تُدْرِكُهُ لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةِ رَفْعِ الغَيْرِيَّةِ.
وقالَ في البابِ الرّابِعِ عَشَرَ وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: مَن رَأى الحَقَّ كِفاحًا عَلَنًا إنَّما أبْصَرَهُ ∗∗∗ خَلْفَ حِجابٍ وهو لا يَعْرِفُهُ وهُوَ بِهِ إنَّ هَذا لَهو الأمْرُ العُجابُ كُلُّ راءٍ لا يَرى غَيْرَ الَّذِي هو فِيهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ صُورَةُ الرّائِي تَجَلَّتْ عِنْدَهُ وهو عَيْنُ الرّاءِ بَلْ عَيْنُ الحِجابِ فَإذا رَآهُ سُبْحانَهُ الرّائِي كِفاحًا فَما يَراهُ إلّا حَتّى يَكُونَ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ بَصَرَهُ فَيَكُونُ هو الرّائِيَ نَفْسَهُ بِبَصَرِهِ في صُورَةِ عَبْدِهِ فَأعْطَتْهُ الصُّورَةُ المُكافَحَةَ إذا كانَتِ الحامِلَةَ لِلْبَصَرِ ولِجَمِيعِ القُوى إلَخْ.
وقالَ في البابِ الحادِي وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: قَدِ اسْتَوى المَيِّتُ والحَيُّ ∗∗∗ في كَوْنِهِمْ ما عِنْدَهم شَيٌّ مِنِّي فَلا نُورَ ولا ظُلْمَةَ ∗∗∗ فِيهِمْ ولا ظِلَّ ولا في رُؤْيَتِهِمْ لِي مَعْدُومَةٌ فَنَشْرُهم في كَوْنِهِمْ طَيٌّ وفَهْمِهِمْ إنْ كانَ مَعْناهم عَنْهُ إذا حَقَّقْتَهُ غَيٌّ إنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لا يَرى الرّائِي إذا رَآهُ مِنهُ إلّا قَدْرَ مَنزِلَتِهِ ورُتْبَتِهِ فَما رَآهُ وما رَأى إلّا نَفْسَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَفاضَلَتِ الرُّؤْيَةُ في الرّائِينَ إذْ لَوْ كانَ هو المَرْئِيَّ ما اخْتَلَفُوا لَكِنْ لَمّا كانَ هو سُبْحانَهُ مُجَلِّيَ رُؤْيَتِهِمْ أنْفُسَهم لِذَلِكَ وصَفُوهُ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَجَلّى، ولَكِنَّ شُغْلَ الرّائِي بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ في مَجْلى الحَقِّ حَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ فَلَوْ لَمْ تَبْدُ لِلرّائِي صُورَتُهُ أوْ صُورَةُ كَوْنٍ مِنَ الأكْوانِ رُبَّما كانَ يَراهُ فَما حَجَبَنا عَنْهُ إلّا رُؤْيَةُ نُفُوسِنا فِيهِ فَلَوْ زِلْنا عَنّا ما رَأيْناهُ لِأنَّهُ ما كانَ يَبْقى بِزَوالِنا مَن يَراهُ وإنْ نَحْنُ لَمْ نَزُلْ فَما نَرى إلّا نُفُوسَنا فِيهِ وصُوَرَنا وقَدْرَنا ومَنزِلَتَنا فَعَلى كُلِّ حالٍ ما رَأيْناهُ، وقَدْ نَتَوَسَّعُ فَنَقُولُ: قَدْ رَأيْناهُ ونَصْدُقُ كَما أنَّهُ لَوْ قُلْنا: رَأيْنا الإنْسانَ صَدَقْنا في أنْ نَقُولَ رَأيْنا مَن مَضى مِنَ النّاسِ ومَن بَقِيَ ومَن في زَمانِنا مِن كَوْنِهِمْ إنْسانًا لا مِن حَيْثُ شَخْصِيَّةِ كُلِّ إنْسانٍ، ولَمّا كانَ العالَمُ أجْمَعُهُ وآحادُهُ عَلى صُورَةِ حَقٍّ ورَأيْنا الحَقَّ فَقَدْ رَأيْنا وصَدَّقْنا، وإذا نَظَرْنا في عَيْنِ التَّمْيِيزِ في عَيْنِ عَيْنٍ لَمْ نُصَدِّقْ إلى ءاخِرِ ما قالَ.
وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ لِهَذا المَطْلَبِ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ لِغايَةِ ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ ﴾ إذْ لا ألْطَفَ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن هَوِيَّةِ تَكَوُّنِ عَيْنِ بَصَرِ العَبْدِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ أيِ العَلِيمُ خِبْرَةً أنَّهُ بَصَرُ العَبْدِ ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ و ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اللَّطِيفُ مَن نَوَّرَ قَلْبَكَ بِالهُدى، ورَبّى جِسْمَكَ بِالغِذاءِ، وجَعَلَ لَكَ الوِلايَةَ بِالبَلْوى، ويَحْرُسُكَ وأنْتَ في لَظى، ويُدْخِلُكَ جَنَّةَ المَأْوى.
وقالَ غَيْرُهُ: اللَّطِيفُ إنْ دَعَوْتَهُ لَبّاكَ، وإنْ قَصَدْتَهُ آواكَ، وإنْ أحْبَبْتَهُ أدْناكَ، وإنْ أطَعْتَهُ كافاكَ، وإنْ أغْضَبْتَهُ عافاكَ، وإنْ أعْرَضْتَ عَنْهُ دَعاكَ، وإنْ أقْبَلْتَ إلَيْهِ هَداكَ، وإنْ عَصَيْتَهُ راعاكَ.
وهو كَلامٌ ما ألْطَفَهُ ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ وهي صُوَرُ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أنَّها كَلِماتُهُ الَّتِي تَجَلّى مِنها لِذَوِي الحَقائِقِ وبَرَزَتْ مِن تَحْتِ سُرادِقاتِها أنْوارُ نُعُوتِهِ الأزَلِيَّةِ ﴿ فَمَن أبْصَرَ ﴾ واهْتَدى ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ ذَلِكَ الإبْصارُ أيْ أنَّ ثَمَرَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ ﴿ ومَن عَمِيَ ﴾ واحْتَجَبَ عَنِ الهُدى ﴿ فَعَلَيْها ﴾ عَماهُ واحْتِجابُهُ ﴿ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ بَلِ اللَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلَيْكم لِأنَّكم وسائِرُ شُؤُونِكم بِهِ مَوْجُودُونَ (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ أيْ حَقِيقَةَ البَيانِ وهو الوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ ما وقَفَ والجَرْيُ مَعَهُ حَيْثُ ما جَرى لا يَتَقَدَّمُ بِغَلَبَتِهِ ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِعَجْزِهِ، وقالَ آخَرُ: المَعْنى يَعْرِفُونَ قَدَرِي ويَفْهَمُونَ خِطابِي لا مَن لا يَعْرِفُ مَكانَ خِطابِي ومُرادِي مِن كَلامِي ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى وحْيٍ خاصٍّ بِهِ لا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولِذا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا ﴾ بَلْ شاءَ سُبْحانَهُ إشْراكَهم لِأنَّهُ المَعْلُومُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أزَلًا دُونَ إيمانِهِمْ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ دُونَ ما لا يَعْلَمُهُ مِنَ النَّفْيِ الصِّرْفِ ﴿ ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بَلْ أرْشِدُوهم إلى الحَقِّ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِأنْ يَسُبُّوكم وأنْتُمْ أعْظَمُ مَظاهِرِهِ ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ إذْ هو الَّذِي طَلَبُوهُ مِنّا بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ ومِن شَأْنِنا أنْ لا نَرُدَّ طالِبًا ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ أيْ أنَّهم طَلَبُوا خَوارِقَ العاداتِ وأعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ لِاحْتِجابِهِمْ بِالحِسِّ والمَحْسُوسِ ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فَيَأْتِي بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِسَبْقِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ ﴿ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ لِاقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ ﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ حِينَ أعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ أوْ في الأزَلِ ﴿ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ الَّذِي هو لَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَدْرُونَ وجْهَ الرَّشادِ (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ) تَمَّ طَبْعُ الجُزْءِ السّابِعِ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنُ مِنهُ وأوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا ﴾ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوا وبَيانٍ لِكَذِبِهِمْ في إيمانِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ ولَوْ أنّا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ ها هُنا بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ وقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ ﴾ ﴿ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى ﴾ بِأنْ أحْيَيْناهم وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ ﴿ وحَشَرْنا ﴾ أيْ جَمَعْنا وسَوَّقْنا ﴿ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ﴾ أيْ مُقابَلَةً ومُعايَنَةً حَتّى يُواجِهُوهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ وعَنْهُ: يُقالُ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقُبْلًا وقِبَلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُواجَهَةُ ونَقَلَ الرّاغِبُ أنَّهُ جَمْعُ قابِلٍ بِمَعْنى مُقابِلٍ لِحَواسِّهِمْ وقِيلَ: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ وقَضِيبٍ وقُضُبٍ فَهو مِن قَوْلِكَ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ وتَقَبَّلْتُ بِهِ إذا تَكَفَّلْتَ بِهِ ومِنهُ القُبالَةُ لِكِتابِ العَهْدِ والصَّكُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالجَماعَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلَةٍ كَما قالَ الرّاغِبُ ونَقَلَ تَفْسِيرَهُ بِالكَفِيلِ وبِالجَماعَةِ وكَذا بِالمُعايَنَةِ والمُقابَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ أيْ لَوْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ تَتَأتّى مِنهُمُ الكَفالَةُ والشَّهادَةُ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ لا فُرادى بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ أوْ لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ جَماعاتٍ في مَوْقِفٍ واحِدٍ ﴿ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ وانْتِصابُ ( قُبُلًا ) عَلى هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( كُلَّ ) وساغَ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِجَمْعِيَّتِهِ لِأنَّ كُلًّا يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ ومُراعاةُ لَفْظِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ إذْ قالَ تَرَكْنَ دُونَ تَرَكَتْ فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ لازِمَهِ وهو الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ: وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( قِبَلًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ ومُشاهَدَةٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وكَثِيرٌ وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ بِمَعْنى جِهَةٍ وناحِيَةٍ فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ كَذا وقُرِئَ قُبْلًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ و ﴿ ما كانُوا ﴾ ..
إلَخْ.
جَوابُ لَوْ وهو إذا كانَ مَنفِيًّا لا تَدْخُلُهُ اللّامُ خِلافًا لِمَن وهِمَ فَقَدَّرَها وعَلَّلَ هَذا الحُكْمَ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ أزَلًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ حَسْبَما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعَلَّلَهُ البَعْضُ بِسَبْقِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الحَوادِثِ بِالتَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ ولا يَخْفى فَسادُهُ وعَلَّلَهُ بِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ وتَبَدُّلِ فِطْرَتِهِمُ القابِلَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وعَلَّلَهُ بِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في الطُّغْيانِ مُعْتَرِضًا عَلى ما ذَكَرَ بِأنَّهُ مِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّمادِي المَذْكُورِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ عَلى مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِيارِ العَبْدِ وإنْ قارَنَ الفِعْلَ عِنْدَهُ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ كَما يَتَوَهَّمُ عَلى ما حَقَّقَهُ أهْلُ الأُصُولِ ولا خَفاءَ في كَوْنِ القَضاءِ الأزَلِيِّ سَبَبًا لِوُقُوعِ الحَوادِثِ ولا فَسادَ فِيهِ وأمّا سُوءُ اخْتِيارِ العَبْدِ فَسَبَبٌ لِلْقَضاءِ الأزَلِيِّ وتَحْقِيقُهُ كَما قِيلَ إنَّ سُوءَ الِاخْتِيارِ وإنْ كانَ كافِيًا في عَدَمِ وُقُوعِ الإيمانِ لَكِنَّهُ لا قَطْعَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يُحْسِنَ الِاخْتِيارَ بِصَرْفِهِ إلى الإيمانِ بَدَلَ صَرْفِهِ إلى الكُفْرِ فَكانَ سُوءُ اخْتِيارِهِ فِيما لا يَزالُ سَبَبًا لِلْقَضاءِ بِكُفْرِهِ في الأزَلِ فَبَعْدَ القَضاءِ يَكُونُ الواقِعَ مِنهُ الكُفْرُ حَتْمًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ .
انْتَهى.
وأنا أقُولُ وإنْ أُنْكِرَ عَلى أرْبابِ الفُضُولِ: إنَّ المُعَلِّلَ بِسُوءِ الِاسْتِعْدادِ هو السّالِكُ مَسْلَكَ السَّدّادِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ وأهْلِ الكَشْفِ الكامِلِينَ أنَّ ماهِيّاتِ المُمَكِناتِ المَعْلُومَةِ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعْدُوَماتٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِها تَمْيِيزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِما حُقِّقَ مِن تَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ وإنَّما المَجْعُولُ صُوَرُها الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ وأنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ تَخْتَلِفُ اقْتِضاءاتُها فَمِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الإيمانِ والطّاعَةِ ومِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها مِنَ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو واخْتِلافُ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُمْكِنَيْنِ أعْنِي الإيمانَ والطّاعَةَ أوِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ حالَ عَدَمِهِ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنِ العالَمِينَ المُصَحِّحِ لِصَرْفِ اخْتِيارِ العَبْدِ إلى الطَّرْفِ الآخَرِ المُمْكِنِ بِالذّاتِ إنْ شاءَ فَيَصِيرُ مُرادُ العِبادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ومِن هَذا ظَهَرَ أنَّ اخْتِيارَهُمُ الأزَلِيَّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا وأنَّ اخْتِيارَهم فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِمْ لِما اخْتارُوهُ فَهم مَجْبُورُونَ فِيما لا يَزالُ في عَيْنِ اخْتِيارِهِمْ أيْ مُساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بِالإكْراهِ والجَبْرِ ومِنهُ يَتَّضِحُ مَعْنى قَوْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا ولَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا ولَمْ يُمَلِّكْ تَفْوِيضًا ولَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ والجَبْرِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِإيجادِ ما اخْتارُوهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ مُراعاةُ الحِكْمَةِ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ الأفْعالِ إلّا لِكَوْنِهِمُ اخْتارُوها أزَلًا بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ فاخْتارَ تَعالى مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا والعِبادُ كاسِبُونَ بِاللَّهِ تَعالى إذْ لا كَسْبَ إلّا بِقُوَّةٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ واللَّهُ تَعالى خالِقٌ أعْمالَهم بِهِمْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ بِأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَهم مَعَ نِسْبَةِ العَمَلِ إلَيْهِمُ المُتَبادَرِ مِنها صُدُورُها مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَخْلُوقَ لِلَّهِ تَعالى بِالعَبْدِ عَيْنُ مَكْسُوبِ العَبْدِ بِاللَّهِ تَعالى ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الأعْمالِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِها مَكْسُوبَةً لَهم بِقَدْرِهِمْ واخْتِيارِهِمْ وما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ أصْلًا وإنَّما هي مُقارَنَةٌ لِلْفِعْلِ وهو بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ وقُدْرَةُ العَبْدِ عِنْدَهم مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ ولا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ كَما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ ولا هي مَنفِيَّةٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ وهَذا بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ في أوائِلِ التَّفْسِيرِ ولَيْسَ غَرَضُنا هُنا سِوى تَحْقِيقِ أنَّ عَدَمَ إيمانِ الكُفّارِ إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ المَتْبُوعِ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ لِيُعْلَمَ مِنهُ ما في كَلامِ الشِّهابِ وغَيْرِهِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى عِنْدَ مَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ.
﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ فَإنْ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ شامِلَةٌ لِحالِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِمْ فَهو مُتَّصِلٌ وإنْ لَمْ يُلاحَظْ لِأنَّ حالَ المَشِيئَةِ لَيْسَ مِن أحْوالِهِمْ كانَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آمَنُوا واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأزْمانِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ أيْ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم والمُرادُ بَيانُ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ (111) اسْتِثْناءٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لِلْمُقْسِمِينَ والمَعْنى أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم حِينَئِذٍ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما يَكادُ يُوجَدُ أصْلًا فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعَلى الثّانِي بَيانٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ وكَذا عَلى قِراءَةِ ( وما يُشْعِرُهُمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُومَنُونَ ) واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَشاءُ مِنَ الكافِرِ كُفْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم دَلَّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما شاءَ إيمانَهم بَلْ كُفْرَهم.
وأجابَ عَنْهُ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإكْراهٍ وعَدَمُ إيمانِهِمْ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ القَسْرِيَّةِ وهي لا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ مُطْلَقًا واسْتَدَلَّ بِها الجُبّائِيُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ قِدَمُ ما دَلَّ الحِسُّ عَلى حُدُوثِهِ وأهْلُ السُّنَّةِ تَفَصَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِدَعْوى أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَمّا يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ وما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ و ﴿ عَدُوًّا ﴾ بِمَعْنى أعْداءٍ كَما في قَوْلِهِ: إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهم بُغْضِي أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ في حَقِّكَ حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ أعْداءً أيْضًا دُونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويَجْهَدُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ فَعَلُوا مَعَهم نَحْوَ ما فَعَلَ مَعَكَ أعْداؤُكَ لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ.
وجَعَلَهُ الإمامُ عَلِيٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ولَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادَ مِنهُ العَطْفُ الِاصْطِلاحِيُّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا وفِيهِ بُعْدٌ.
وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وحَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ بِها وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأعْدائِهِمْ لَمْ نَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِامْتِحانِ الَّذِي هو سَبَبُ ظُهُورِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ والأجْرِ خِلافَ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّ هَذا الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ أرْسَلَ سُبْحانَهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وخَصَّهم بِالمُعْجِزاتِ فَحَسَدَهم مَن حَسَدَهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ المُتَنَبِّي: فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم حَسَدا .
وقِيلَ: المُرادُ كَما أمَرْناكَ بِعَداوَةِ قَوْمِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَذَلِكَ أمَرْنا مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ بِمُعاداةِ نَحْوِ أُولَئِكَ أوْ كَما أخْبَرْناكَ بِعَداوَةِ المُشْرِكِينَ وحَكَمْنا بِذَلِكَ أخْبَرْنا الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ أعْدائِهِمْ وحَكَمْنا بِذَلِكَ والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وهَكَذا غالِبُ تَأْوِيلاتِ المُعْتَزِلَةِ.
﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ أيْ مَرَدَةُ النَّوْعَيْنِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى مِنِ البَيانِيَّةِ وقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ أيِ الشَّياطِينُ لِلْإنْسِ والجِنِّ وفي تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنهم إلى الإنْسِ وفَرِيقًا آخَرَ إلى الجِنِّ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الجِنَّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا بِشَياطِينِ الشَّياطِينِ وُلِدَ إبِلِيسُ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَهُ والجِنُّ يَمُوتُونَ ومِنهُمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ وهو نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ عَدُوًّا ﴾ والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوْ إلى اثْنَيْنِ وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ عَدُوًّا ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِنَكارَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وأنْ يَكُونَ نُصِبَ ﴿ شَياطِينَ ﴾ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ أوْ حالٌ مِن شَياطِينَ أوْ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في البَيْتِ السّابِقِ وأصْلُ الوَحْيِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإشارَةُ السَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ السُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ التَّرْكِيبِ وبِإشارَةِ بَعْضِ الجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ أيْضًا والمَعْنى هُنا يُلْقِي ويُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى الآخَرِ ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ أيِ المُزَوَّقُ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ مِنهُ وأصْلُ الزُّخْرُفِ الزِّينَةُ المُزَوَّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ وقالَ بَعْضُهم: أصْلُ مَعْنى الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ ولَمّا كانَ حَسَنًا في الأعْيُنِ قِيلَ لِكُلِّ زِينَةٍ زَخْرَفَةٌ وقَدْ يُخَصُّ بِالباطِلِ ﴿ غُرُورًا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِيُغْرُوهم أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يُوحِي ﴾ أيْ يَغُرُّونَ غُرُورًا وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الغُرُورَ بِالخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ونَسَبَ الرّاغِبُ أنَّهُ قالَ: يُقالُ غَرَّهُ غُرُورًا كَأنَّما طَواهُ عَلى غِرَّةٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وهو طَيُّهُ الأوَّلُ.
﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ رُجُوعٌ كَما قِيلَ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُعْرِبَةُ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ عائِدٌ إلى عَداوَتِهِمْ لَهُ وإيحاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزْخَرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاعْتِبارِ انْفِهامِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ وأمْرُ الأفْرادِ سَهْلٌ وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مُعاداةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في أمْرِهِ وأُمُورِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ (112) كالصَّرِيحِ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ وفي أخْذِ ذَلِكَ عامًّا أوْ خاصًّا احْتِمالانِ لا يَخْفى الأوْلى مِنهُما ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ عَدَمُ ما ذُكِرَ ولا إشْكالَ في جَعْلِ العَدَمِ الخاصِّ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم إيمانَهم.
واعْتُرِضَ بِأنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا يَكُونُ مَضْمُونَ الجَزاءِ كَما في عِلْمِ المَعانِي وهو هُنا ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ها هُنا ذَكَرَ المَشِيئَةَ فِيما تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وهو الإيمانُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ثُمَّ ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ مَضْمُونِ الجَزاءِ وأنْ يُقَدَّرُ ما عُلِّقَ بِهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ سابِقًا ولا بَأْسَ بِمُراعاةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ والمَذْكُورُ في المَعانِي إنَّما هو فِيما لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ ولَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ غَيْرَ الجَزاءِ فَلْيُعْرَفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ بَدِيعٌ والأوْلى عِنْدِي اعْتِبارُ مَضْمُونِ الجَزاءِ مُطْلَقًا وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ وفِيما يَأْتِي ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ﴾ فَغايَرَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في المَحَلَّيْنِ لِما ذَكَرَ بَعْضُهم وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن عَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لَوْ شاءَ مَنعَهم عَنْها فَلا يَصِلُونَ إلى المَضَرَّةِ أصْلًا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُرَبِّيهِ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وإنَّما لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لِأمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَذَكَرَ قَبْلَها إشْراكَهم فَناسَبَ ذِكْرُهُ عَزَّ اسْمُهُ بِعُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِراكِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ها هُنا: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَةِ رَبِّكَ جَلَّ شَأْنُهُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وظِلِّ تَرْبِيَتِهِ فاتْرُكْهم وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ أوْ لِلْغُرُورِ أوْ لِلْعَداوَةِ لِأنَّها بِمَعْنى العادِي والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿ غُرُورًا ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ فَيَكُونُ عِلَّةً أُخْرى لِلْإيحاءِ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُورُ عَلَيْهِ المَقامُ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا وأصْلُ الصَّغْوِ كَما قالَ الرّاغِبُ المَيْلُ يُقالُ: صَغَتِ الشَّمْسُ والنُّجُومُ صَغْوًا مالَتْ لِلْغُرُوبِ وصُغْتُ الإناءَ وأصْغَيْتُهُ وأصْغَيْتُ إلى فُلانٍ مِلْتُ بِسَمْعِي نَحْوَهُ وحَكى صَغَوْتُ إلَيْهِ أصْغُو وأُصْغِي صَغْوًا وصَغْيًا وقِيلَ: صَغَيْتُ أُصْغِي وأصْغَيْتُ أُصْغِي وفي القامُوسِ صَغا يَصْغُو ويُصْغِي صَغْوًا وصَغًى يُصْغِي صَغًا وصَغْيًا مالَ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا جاءَ واوِيًّا ويائِيًّا فَقِيلَ: يَصْغُو ويُصْغِي ويُقالُ: في مَصْدَرِهِ صَغْيًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وزادَ الفَرّاءُ صَغِيًّا وصَغُوًّا بِالياءِ والواوِ مُشَدَّدَتَيْنِ ويُقالُ: أنْ أُصْغِيَ مِثْلُهُ.
والمُرادُ هُنا ولِتَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ عَلى الوَجْهِ الواجِبِ وخَصَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِها دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ إشْعارًا بِما هو المُدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ وآلامِها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ فالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا وإنَّما يَنْظُرُونَ ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزْخَرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في وجْهٍ وأجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لَمّا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ واعْتُرِضَ بِأنَّ النُّونَ ولامَ القَسَمِ باقِيَةٌ عَلى فَتْحَتِها كَقَوْلِهِ.
لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِي واسِعُ بِفَتْحِ لامِ لَيَعْلَمُ نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ كَسْرُ لامِ جَوابِ القَسَمِ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ كَقَوْلِهِ: لِتُغْنِي عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا وهُوَ غَيْرُ مُجَمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ أُناسًا أنْكَرُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا اللّامَ في البَيْتِ لِلتَّعْلِيلِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَتَشْرَبَنَّ لِتُغْنِيَ عَنِّي واسْتَشْهَدَ الأخْفَشُ بِالبَيْتِ عَلى إجابَةِ القَسَمِ بِلامِ كَيْ.
وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في جَوابِ القَسَمِ الِاكْتِفاءُ بِلامِ الجَوابِ عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ إلّا في الضَّرُورَةِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ اللّامَ هُنا لامُ الأمْرِ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ أوِ التَّخْلِيَةُ واسْتِعْمالُ الأمْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ.
واعْتُرِضَ بِأنَّها لَوْ كانَتْ لامَ الأمْرِ لَحُذِفَ حَرْفُ العِلَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ حَرْفَ العِلَّةِ قَدْ يَثْبُتُ في مِثْلِهِ كَما خُرِّجَ عَلَيْهِ قِراءَةُ ( أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا نَرْتَعِي ونَلْعَبُ ) ( وأنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ ) فَلْيَكُنْ هَذا كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُ أنَّها لامُ الأمْرِ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ اللّامِ في هَذا وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدَهُ فَدَعْوى أنَّ ضَعْفَ كَوْنِها لِلْأمْرِ أظْهَرَ مِن ضَعْفِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِإسْنادِ الصَّغْوِ إلى الأفْئِدَةِ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فالحَيُّ عِنْدَهم هو الجُزْءُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحَياةُ والعالَمُ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَ بِهِ العِلْمُ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَيُّ والعالَمُ هو الجُمْلَةُ لا ذَلِكَ الجُزْءُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ ﴿ ولِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ﴿ ولِيَقْتَرِفُوا ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ القَرْفِ والِاقْتِرافِ قَشْرُ اللِّحاءِ عَنِ الشَّجَرَةِ والجُلَيْدَةُ عَنِ الجُرْحِ وما يُؤْخَذُ مِنهُ قَرْفٌ واسْتُعِيرَ الِاقْتِرافُ لِلِاكْتِسابِ حُسْنى أوْ سُوآى وفي الإساءَةِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا ولِهَذا يُقالُ الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ ويُقالُ: قَرَفْتُ فُلانًا بِكَذا إذا عِبْتُهُ بِهِ واتَّهَمْتُهُ وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ ما هُنا وفِيهِ بُعْدٌ ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ولْيَخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا ﴿ ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ (113) أيِ الَّذِي هم مُقْتَرِفُوهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ: أأُمِيلُ إلى زَخارِفِ الشَّياطِينِ أوْ أعْدِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَأطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا عَنِ المُبْطِلِ وقِيلَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ أوْ مِن أساقِفَةِ النَّصارى لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ فَنَزَلَتْ وإسْنادُ الِابْتِغاءِ المُنْكَرِ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ لا إلى المُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ مَعَ أنَّهُمُ الباغُونَ لِإظْهارِ كَمالِ النَّصَفَةِ أوْ لِمُراعاةِ قَوْلِهِمُ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا و( غَيْرَ ) مَفْعُولُ ﴿ أبْتَغِي ﴾ و( حَكَمًا ) حالٌ مِنهُ وقِيلَ: تَمْيِيزٌ لِما في ( غَيْرَ ) مِنَ الإبْهامِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا إبِلًا غَيْرَها وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ وأُولى المَفْعُولِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما هو في ابْتِغاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَكَمًا لا في مُطْلَقِ الِابْتِغاءِ فَكانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ وأهَمَّ وقِيلَ: تَقْدِيمُهُ لِلتَّخْصِيصِ وحُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ تَخْصِيصُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّخْصِيصِ وقِيلَ في تَقْدِيمِهِ إيماءٌ إلى وُجُوبِ تَخْصِيصِهِ تَعالى بِالِابْتِغاءِ والرِّضى بِكَوْنِهِ حَكَمًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَيْرَ ) حالًا مِن ( حَكَمًا ) وحَكَمًا مَفْعُولَ ﴿ أبْتَغِي ﴾ والتَّقْدِيمُ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والحَكَمُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما قالَ الرّاغِبُ وصَرَّحَ هو وغَيْرُهُ بِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لا مُساوٍ لَهُ كَما نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وعَلَّلَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ ثُبُوتَ مَعْناها ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العادِلُ أوْ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ.
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ خاصَّةً مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَهامِّ إظْهارُ تَساوِي نِسْبَتِهِ إلى المُتَحاكِمِينَ لِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ المُنَزَّلِ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِ حُكْمِهِ بِإيهامِ قُوَّةِ نَسَبْتِهِ إلَيْهِمْ وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِصَدْرِيَّةِ الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وإنْ عُبِّرَ بِما عُبِدَ إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أغَيْرَهُ تَعالى أبْتَغِي حَكَمًا والحالُ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَدْرُونَ القُرْآنَ النّاطِقَ بِالحَقِّ والصَّوابِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخُصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ.
﴿ مُفَصَّلا ﴾ أيْ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ والحَلالُ والحَرامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في أمْرِ الدِّينِ شَيْءٌ مِنَ التَّخْلِيطِ والإبْهامِ فَأيُّ حاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الحُكْمِ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ وأمّا أنْ يَكُونَ لِإعْجازِهِ دَخَلَ في ذَلِكَ كَما قِيلَ فَلا.
.
انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ مُلاحَظَةَ الإعْجازِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الآيَةِ مُرْتَبِطَةً مَعْنًى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ الآيَةَ وبَيانُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكَفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أتَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها أجابَ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ تِلْكَ الآياتِ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَها لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ حَصَلَ وكَمُلَ فَكانَ ما يَطْلُبُونَهُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى حُصُولِ الدَّلِيلِ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ إلَيْهِ الكِتابَ المُفَصَّلَ المُبَيَّنَ المُشْتَمِلَ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَصاحَةِ الكامِلَةِ وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَيَكُونُ ظُهُورُ هَذا المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَعْنى الآيَةِ قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّكم تَتَحَكَّمُونَ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يُطْلَبَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ حَكَمًا فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ثُمَّ قُلْ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي حَيْثُ خَصَّنِي بِمِثْلِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ الكامِلِ البالِغِ إلى حَدِّ الإعْجازِ الثّانِي اشْتِمالُهُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ وعَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَعْدُ.
.
انْتَهى.
ووَجَّهَ بَعْضُهم مَدْخَلِيَّةَ الإعْجازِ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ الإلْزامُ إلّا بِالعِلْمِ يَكُونُ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو يَتَوَقَّفُ عَلى الإعْجازِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنى عَنْ آيَةٍ أُخْرى دالَّةٍ عَلى صِدْقِ دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ قالَ: إنَّ في دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً إلّا أنْ يُقالَ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الحالِيَّةُ تُفِيدُهُ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ وتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ أوْ يُجْعَلُ الكِتابُ بِمَعْنى المَعْهُودِ إعْجازُهُ وذَكَرَ أنَّ هَذا مِن عَدَمِ تَدَبُّرِ الآيَةِ إذِ المَعْنى لا أبْتَغِي حَكَمًا في شَأْنِي وشَأْنِ غَيْرِي إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ لِذَلِكَ وهو إنَّما يَحْكُمُ لَهُ بِصِدْقِ مُدَّعاهُ بِالإعْجازِ فَإنَّهم لَمّا طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأقْسَمُوا إنْ جاءَتْهم آيَةٌ آمَنُوا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ وأمَرَهُ أنْ يُوَبِّخَهم ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ ﴾ ..
إلَخْ.
أيْ أأزِيغُ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ فَأخَصُّ غَيْرَهُ بِالحُكْمِ وهو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ الَّذِي أفْحَمَكُمَ وألْزَمَكُمُ الحُجَّةَ فَكَفى بِهِ سُبْحانَهُ حاكِمًا بَيْنِي وبَيْنَكم بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما الَّذِي أعْجَزَكم عَنْ آخِرِكم ويُؤَوَّلُ هَذا إلى أنَّهُ أجابَهم بِالقَوْلِ بِالمُوجَبِ لِأنَّهم طَعَنُوا في مُعْجِزاتِهِ فَكَبَتَهم عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وضَمَّ إلَيْهِ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ وعَلى هَذا فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ مُغْنِيًا عَمّا عَداهُ في شَأْنِهِ وشَأْنِ غَيْرِهِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهَذا لَهُ نَوْعُ قُرْبٍ مِمّا ذَكَرَهُ الإمامُ وما أشارَ إلَيْهِ مِنَ ارْتِباطِ الآيَةِ مَعْنًى بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ ..
إلَخْ.
لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ دَعْوى خَفاءِ دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الإعْجازِ مِمّا لا خَفاءَ في صِحَّتِها عِنْدِي ولَمْ يَظْهَرْ مِمّا ذَكَرَ ما يُزِيلُ ذَلِكَ الخَفاءَ وكَوْنُ سَوْقِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى مُلاحَظَةِ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ المَأْخَذِ الَّذِي سَمِعْتُهُ فَتَدَبَّرْ.
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ أيْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما أنْزَلَ فِيهِ مُفَصَّلًا حَيْثُ أخْبَرَكم بِنُبُوَّتِي وفَصَّلَ فِيهِ عَلاماتِي وهو كَما تَرى والحَقُّ ما تَقَدَّمَ.
﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُقَدَّرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ الكِتابِ الَّذِي نِيطَ بِإنْزالِهِ أمْرُ الحُكَمِيَّةِ وتَقْرِيرُ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ كَما يَلُوحُ مِن كَلامِ الإمامِ والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَهُما وبَيْنَ القُرْآنِ مِنَ المُجانَسَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِراكِ في الحَقِّيَّةِ والنُّزُولِ مِن عِنْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى وإمّا الفَرِيقانِ مُطْلَقًا والعُلَماءُ داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والإيتاءُ عَلى الأوَّلِ التَّفْهِيمُ بِالفِعْلِ وعَلى الثّانِي أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّفْهِيمِ بِالقُوَّةِ وإيرادُ الطّائِفَتَيْنِ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلِمُوا ما عَلِمُوا مِن جِهَةِ كِتابِهِمْ وقِيلَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.
وعَنْ عَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ وبِالمَوْصُولِ كُبَراءُ الصَّحابَةِ وأهْلُ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الثُّرَيّا والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ نُزُولَهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ مُنَزَّلٌ ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ﴿ مُنَزَّلٌ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وقَرَأ غالِبُ السَّبْعَةِ ( مُنْزَلٌ ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإنْزالِ والفَرْقُ بَيْنَ أنْزَلَ ونَزَّلَ قَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ وأنَّ الأوَّلَ دَفْعِيٌّ والثّانِي تَدْرِيجِيٌّ وأنَّهُ أكْثَرِيٌّ والقِراءَةُ بِهِما تَدُلُّ عَلى قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الفَرْقِ ولَيْسَ إشارَةً إلى المَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ثُمَّ إنْزالِهِ إلى الأرْضِ لِأنَّ إنْزالَهُ دَفْعَةً إلى السَّماءِ عَلى ما قِيلَ لا يَعْلَمُهُ أهْلُ الكِتابِ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ (114) أيِ المُتَرَدِّدِينَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِما لا يُشاهِدُ مِنهم آثارَ العِلْمِ وأحْكامَ المَعْرِفَةِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الأخْبارِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ لَهُ عَنِ الِامْتِراءِ في ذَلِكَ بَلْ تَبْهِيجُهُ وتَحْرِيضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الحَقِيقَةِ لِلْأُمَّةِ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ وإنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صُورَةٌ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِراءُ بِناءً عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ أصْلَ الخِطابِ أنْ يَكُونَ مَعَ مُعَيَّنٍ وقَدْ يُتْرَكُ لِغَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ﴾ والفاءُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى نَفْسِ عِلْمِهِمْ بِحالِ القُرْآنِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَمالِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذاتِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ مِن حَيْثُ إضافَتِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحَقِّ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِهِ وتَمامُ الشَّيْءِ كَما قالَ الرّاغِبُ انْتِهاؤُهُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ الكَلامُ وأُرِيدَ بِهِ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ القُرْآنُ وإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ وعَلاقَتُها تَأْبى أنْ تُطْلَقَ الكَلِمَةُ عَلى الجُمْلَةِ غَيْرِ المُفِيدَةِ وعَلاقَتُهُ لا لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِهِمْ ذَلِكَ الإطْلاقُ واخْتِيرَ هَذا التَّعْبِيرُ لِما فِيهِ مِنَ اللَّطافَةِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ وقالَ البَعْضُ لَمّا أنَّ الكَلِمَةَ هي الأصْلُ في الِاتِّصافِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ وبِها تَظْهَرُ الآثارُ مِنَ الحُكْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالكَلِمَةِ دِينُ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ﴾ .
وقِيلَ: المُرادُ بِها حُجَّتُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى خَلْقِهِ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وقَرَأ بِالتَّوْحِيدِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ وقَرَأ الباقُونَ ( كَلِماتُ رَبِّكَ ): ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ مَصْدَرانِ نُصِبا عَلى الحالِ مِن ( رَبِّكَ ) أوْ مِن ( كَلِمَةُ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى التَّمْيِيزِ وعَلى العِلَّةِ والصِّدْقِ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ مِنها في المَشْهُورِ والعَدْلِ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها إثْرَ بَيانِ فَضْلِها في نَفْسِها وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ كَلِمَتِهِ وكانَ التَّمامُ يَعْقُبُهُ النَّقْصُ غالِبًا كَما قِيلَ.
إذا تَمَّ أمْرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ احْتِراسًا وبَيانًا لِأنَّ تَمامَها لَيْسَ كَتَمامِ غَيْرِها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَمُتْ ﴾ عَلى أنَّ الظّاهِرَ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَبِّكَ لِئَلّا يُفْصَلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها بِأجْنَبِيٍّ وهو ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلا حالَيْنِ مِنهُ أيْضًا والمَعْنى لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن كَلِماتِهِ بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ مِنهُ ولا بِما هو مِثْلُهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ابْتِغاءُ حُكْمِ غَيْرِهِ تَعالى والمُرادُ بِالأصْدَقِ الأبْيَنُ والأظْهَرُ صِدْقًا فَلا يَرِدُ أنَّ الصِّدْقَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ لِأنَّ النِّسْبَةَ إنْ طابَقَتِ الواقِعَ فَصِدْقٌ وإلّا فَكَذِبٌ.
وذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في حَدِيثِ «( أصْدَقِ الحَدِيثِ )» ..
إلَخْ.
أنَّهُ جَعَلَ الحَدِيثَ كَمُتَكَلِّمٍ فَوَصَفَ بِهِ كَما يُقالُ زَيْدٌ أصْدَقُ مِن غَيْرِهِ والمُتَكَلِّمُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في ذَلِكَ وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَحْرِفَها شائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ هَذا ضَمانًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يُبَدِّلُها ويَنْسَخُ أحْكامَها وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْمَلُ بَعْدَ النُّزُولِ بِها لا يَنْسَخُ شَيْئًا كَما حُقِّقَ في مَحَلِّهِ.
وقِيلَ: المُرادُ إنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى لا تَقْبَلُ التَّبَدُّلَ والزَّوالَ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ والأزَلِيُّ لا يَزُولُ وزَعَمَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا أحَدُ الأُصُولِ القَوِيَّةِ في إثْباتِ الجَبْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى زَيْدٍ بِالسَّعادَةِ وعَلى عَمْرٍو بِالشَّقاوَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ يَلْزَمُ امْتِناعُ أنْ يَنْقَلِبَ السَّعِيدُ شَقِيًّا والشَّقِيُّ سَعِيدًا فالسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وأنا أقُولُ لا يَخْفى أنَّ الشَّقِيَّ في العِلْمِ لا يَكُونُ سَعِيدًا والسَّعِيدَ فِيهِ لا يَكُونُ شَقِيًّا أصْلًا لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِما المَعْلُومُ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ تابِعٌ لِذَلِكَ العِلْمِ وكَذا إيجادُهُ الأشْياءَ عَلى طِبْقِ ذَلِكَ العِلْمِ ولا يُتَصَوَّرُ هُناكَ جَبْرٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ لَمْ يُفِضْ عَلى القَوابِلِ إلّا ما طَلَبَتْهُ مِنهُ جَلَّ وعَلا بِلِسانِ اسْتِعْدادِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ نَعَمْ يُتَصَوَّرُ الجَبْرُ لَوْ طَلَبَتِ القَوابِلُ شَيْئًا وأفاضَ عَلَيْها عَزَّ شَأْنُهُ ضِدَّهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ أجَلُّ وأعْلى مِن ذَلِكَ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّمِيعُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ (115) بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُ المُتَحاكِمِينَ وأحْوالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلى ما ذَكَرَ الإمامُ لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ وبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ أرْشَدَ إلى أنَّهُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ فَقالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّهُ لَمّا تَحَقَّقَ اخْتِصاصُهُ تَعالى بِالحُكْمِيَّةِ لِاسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن إنْزالِ الكِتابِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وتَمامِ صِدْقِ كَلامِهِ وكَمالِ عَدْلِهِ في أحْكامِهِ وامْتِناعِ وُجُودِ مَن يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها واسْتِبْدادِهِ سُبْحانَهُ بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوَماتِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الكَفَرَةَ مُتَّصِفُونَ بِنَقائِصِ تِلْكَ الكِمالاتِ مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي هي الضَّلالُ والإضْلالُ واتِّباعُ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ النّاشِئُ مِنَ الجَهْلِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبانَةَ الكَلامِ مُبايَنَةَ حالِهِمْ لِما يَرْمُونَهُ وتَحْذِيرًا عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآرائِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ ما قالَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الإرْشادِ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والتَّمَسُّكِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ كَمالِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ خِطابٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ.
وقِيلَ: خُوطِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُرِيدَ غَيْرُهُ والمُرادُ بِمَن في الأرْضِ النّاسُ وبِأكْثَرِهِمُ الكُفّارُ وقِيلَ: ما يَعُمُّهم وغَيْرُهم مِنَ الجُهّالِ واتِّباعِ الهَوى وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ والأرْضُ أرْضُها وأكْثَرُ أهْلِها كانُوا حِينَئِذٍ كُفّارًا.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ هَذا نَهْيٌ في المَعْنى عَنْ مُتابَعَةِ غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ هم والكِرامُ قَلِيلٌ أقَلَّ النّاسِ عَدَدًا وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ احْتِمالُ أنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُتابَعَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لَوْ أُطِيعَ أكْثَرُ مَن في الأرْضِ لَأضَلُّوا فَضْلًا عَنْ إطاعَةِ قَلِيلٍ أوْ واحِدٍ مِنهم والمَعْنى إنْ تُطِعْ أحَدًا مِنَ الكَفّارِ بِمُخالَفَةِ ما شَرَعَ لَكَ وأوْدَعَهُ كَلِماتِهِ المُنَزَّلَةَ مِن عِنْدِهِ إلَيْكَ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ أوْ إنْ تُطِعِ الكَفّارَ بِأنْ جَعَلْتَ مِنهم حَكَمًا يُضِلُّوكَ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ أوْ عَنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ ﴿ إلا الظَّنَّ ﴾ وإنَّ الظَّنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعالى لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ولا يَكْفِي هُناكَ إلّا العِلْمُ وأنّى لَهم بِهِ وهَذا بِخِلافِ سائِرِ الأحْكامِ وأسْبابِها مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيها العِلْمُ وإلّا لَفاتَ مُعْظَمُ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ والفَرْقُ بَيْنَهُما عَلى ما قالَهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في قَواعِدِهِ الكُبْرى أنَّ الظّانَّ مُجَوِّزٌ لِخِلافِ مَظْنُونِهِ فَإذا ظَنَّ صِفَةً مِن صِفاتِ الإلَهِ عَزَّ شَأْنُهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ نَقِيضُها وهو نَقْصٌ ولا يَجُوزُ النَّقْصُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِخِلافِ الأحْكامِ فَإنَّهُ لَوْ ظَنَّ الحَلالَ حَرامًا أوِ الحَرامَ حَلالًا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَجْوِيزُ نَقْصٍ عَلى الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ أحَلَّ الحَرامَ وحَرَّمَ الحَلالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَدارَ تَجْوِيزُهُ بَيْنَ أمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما كَمالٌ بِخِلافِ الصِّفاتِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ ما يَتَّبِعُونَ إلّا ظَنَّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ وجَهالَتَهم وآراءَهُمُ الباطِلَةَ ويُرادُ مِنَ الظَّنِّ ما يُقابِلُ العِلْمَ أيِ الجَهْلُ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ جَوازِ العَمَلِ بِالظَّنِّ مُطْلَقًا فَلا مُتَمَسَّكَ لِنُفاةِ القِياسِ بِها والإمامُ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ وجْهَ اسْتِدْلالِهِمْ قالَ: والجَوابُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ وهو مِثْلُ ظَنِّ الكَفّارِ أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلَيْها فَلا يُسَمّى ظَنًّا وهو كَما تَرى ﴿ وإنْ هُمْ ﴾ أيْ وما هم ﴿ إلا يَخْرُصُونَ ﴾ (116) أيْ يَكْذِبُونَ وأصْلُ الخَرْصِ القَوْلُ بِالظَّنِّ وقَوْلُ مَن لا يَسْتَيْقِنُ ويَتَحَقَّقُ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ ومِنهُ خَرْصُ النَّخْلِ بِفَتْحِ الخاءِ وهي خِرْصٌ بِالكَسْرِ أيْ مَخْرُوصَةٌ والمُرادُ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ الكَذِبُ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَجَدُّدِهِ مِنهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ في شَأْنِ خالِقِهِمْ عَزَّ شَأْنُهُ.
وقالَ الإمامُ: المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُنازِعُونَكَ في دِينِكَ ومَذْهَبِكَ غَيْرُ قاطِعِينَ بِصِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ بَلْ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وهم خَرّاصُونَ كاذِبُونَ في ادِّعاءِ القَطْعِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَقْيِيدِ الكَذِبِ بِادِّعاءِ القَطْعِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ أنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَنْسِبُونَ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ كاتِّخاذِ الوَلَدِ وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ ذَرِيعَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والبَحائِرِ ونَظِيرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوْلى وأبْلَغُ في الذَّمِّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَتَّبِعُونَ في أُمُورِ دِينِهِمْ ظَنَّ أسْلافِهِمْ وأنَّ شَأْنَهم أنْفُسَهُمُ الظَّنُّ أيْضًا وحاصِلُ ذَلِكَ ذَمُّهم بِفَسادِهِمْ وفَسادِ أُصُولِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ بِعِيدٌ جَدًّا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ (117) تَقْرِيرٌ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وما بَعْدَها وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ أيْ هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ.
( ومَن ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( أعْلَمُ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ أيْ يَعْلَمُ لا بِهِ فَإنَّ أفْعَلَ لا يَنْصِبُ الظّاهِرَ فِيما إذا أُرِيدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ لا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ وإذا جُرِّدَ لِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَمِنهم مَن جَوَّزَ نَصْبَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ وحِينَئِذٍ يُؤْتى بِمَفْعُولِهِ مَجْرُورًا بِالباءِ أوِ اللّامِ ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ الباءَ هُنا مُقَدَّرَةٌ لِيَتَطابَقَ طَرَفا الآيَةِ ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ مُضافًا إلى مَن لِفَسادِ المَعْنى.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً والخَبَرُ ( يَضِلُّ ) والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ المُقَدَّرُ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ.
ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ في جانِبِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِما عَبَّرَ بِهِ وفي جانِبِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالمُهْتَدِينَ مَعَ عَدَمِ بَيانِ ما اهْتَدَوْا إلَيْهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الآخَرِينَ ومَزِيدِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوَّلِينَ وقُرِئَ ( مَن يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ عَلى أنَّ ( مَن ) مَفْعُولٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلَ ( يُضِلُّ ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ ومَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ مَن يُضِلُّ النّاسَ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَةِ الكَفَرَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ أيْ أعْلَمُ المُضِلِّينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أوْ مِن قَوْلِكَ: أضْلَلْتُهُ إذا وجَدْتُهُ ضالًّا كَأحْمَدْتُهُ إذا وجَدَتُهُ مَحْمُودًا وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ أيْضًا وأنْ يَكُونَ فاعِلُ ( يَضِلُّ ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى ومَن مَنصُوبَةً بِما ذُكِرَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ يَعْلَمُ مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ تَعالى قِيلَ: وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: بِالمَهْدِيِّينَ وكَأنَّ وجْهَ العُدُولِ عَنْهُ الإشارَةُ إلى أنَّ الهِدايَةَ صِفَةٌ سابِقَةٌ ثابِتَةٌ لَهم في أنْفُسِهِمْ كَأنَّها غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى جَعْلٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»: بِخِلافِ الضَّلالِ فَإنَّهُ أمْرٌ طارَ أوْجَدَهُ فِيهِمْ فَتَأمَّلْ.
والتَّفْضِيلُ في العِلْمِ إمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْلُوَماتِ فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ أوْ إلى وُجُوهِ العِلْمِ الَّتِي يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِها وإمّا بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ وهي لُزُومُ العِلْمِ لَهُ سُبْحانَهُ أوْ كَوْنُهُ بِالذّاتِ لا بِالغَيْرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ أمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى قَتَلَها قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ وما قَتَلَ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ وما قَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى حَرامٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المَجُوسَ مِن أهْلِ فارِسَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ المَيْتَةِ كَتَبُوا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وكانَتْ بَيْنَهم مُكاتَبَةٌ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ وما ذَبَحَ اللَّهُ تَعالى فَهو حَرامٌ فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ فَقالُوا: أنَأْكَلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» والمَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ خاصَّةً أوْ مَعَ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ والحَصْرُ كَما قِيلَ مُسْتَفادٌ مِن عَدَمِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ ومِنَ الشَّرْطِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ هَذا الكَلامُ مُتَعَرِّضًا لِما لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ساكِتًا عَمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا حَصْرَ واسْتِفادَةُ عَدَمِ حِلِّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِن صَرِيحِ النَّظْمِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا ﴾ ..
إلَخْ.
وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الوارِدَةُ في هَذا الشَّأْنِ ﴿ مُؤْمِنِينَ ﴾ (118) فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَ وقِيلَ: المَعْنى إنْ صِرْتُمْ عالِمِينَ حَقائِقَ الأُمُورِ الَّتِي هَذا الأمْرُ مِن جُمْلَتِها بِسَبَبِ إيمانِكم وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ وعَلى يَقِينٍ مِنهُ فَإنَّ التَّصْدِيقَ يَخْتَلِفُ ظَنًّا وتَقْلِيدًا وتَحْقِيقًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ
﴿ وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَما لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولَيْسَتْ نافِيَةً كَما قِيلَ وهي مُبْتَدَأٌ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ وأنْ تَأْكُلُوا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أنْ تَأْكُلُوا والخِلافُ في مَحَلِّ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَشْهُورٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالًا ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يَقَعُ حالًا كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ ولِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِعَلامَةِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِيَةِ لِلْحالِيَّةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِنَكِرَةٍ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ذَوى أنْ لا تَأْكُلُوا ومَفْعُولُ تَأْكُلُوا كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مَحْذُوفٌ أيْ شَيْئًا مِمّا ..
إلَخْ.
قِيلَ: وظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وغَيْرُهُ مَعًا ولَيْسَتْ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةَ لِإخْراجِهِ بَلْ لِإخْراجِ ما لَمْ يُؤْكَلْ كالرَّوْثِ والدَّمِ وهو خارِجٌ بِالحَصْرِ السّابِقِ فَلا تَغْفُلْ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا فَنَزَلَتْ ﴿ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ الآيَةَ فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ عَلى الحِلِّ وقِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ﴾ واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ كَما عَلِمْتَ فَلا يَتَأتّى ذَلِكَ وأمّا التَّأخُّرُ في التِّلاوَةِ فَلا يُوجِبُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ فَلا يَضُرُّ تَأخُّرُ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ ..
إلَخْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ: التَّفْصِيلُ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ ( فَصَّلَ ما حُرِّمَ ) بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ والثّانِي لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ ( فَصَّلَ وحَرَّمَ ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُما الباقُونَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ وظاهِرُ تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي يَقْتَضِي أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَلا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ الَّذِي اضْطُرِرْتُمْ إلى أكْلِهِ مِمّا هو حَرامٌ عَلَيْكم حَلالٌ لَكم حالَ الضَّرُورَةِ وجُوِّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ( حَرَّمَ ) وما مَصْدَرِيَّةٌ في مَعْنى المُدَّةِ أيْ فَصَّلَ لَكُمُ الأشْياءَ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْكم إلّا وقْتَ الِاضْطِرارِ إلَيْها واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ بَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الظَّرْفِ العامِّ المُقَدَّرِ كَأنَّهُ قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم كُلَّ وقْتٍ إلّا وقْتَ ..
إلَخْ.
ومِنَ النّاسِ مَن أوْرَدَ هُنا شَيْئًا لا أظُنُّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ: والمُهِمُّ في هَذا المَقامِ بَيانُ فائِدَةِ ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ وكَأنَّ الفائِدَةَ فِيهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الأكْلِ بِأنَّ ما حَرُمَ يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ بِخِلافِ ما حَلَّ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ فَكَيْفَ يُجْتَنَبُ عَمّا يُؤْكَلُ فَتَأمَّلَ ﴿ وإنَّ كَثِيرًا ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ لَيُضِلُّونَ ﴾ النّاسَ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كَعَمْرِو بْنِ لِحَيٍّ وأضْرابِهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ وأحَلُّوا أكْلَ المَيْتَةِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَثِيرِ الَّذِينَ ناظَرُوا في المَيْتَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿ لَيُضِلُّونَ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ﴿ بِأهْوائِهِمْ ﴾ الزّائِغَةِ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُقْتَبَسٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مُسْتَنِدٍ إلى الوَحْيِ أوْ بِغَيْرِ عَلَمٍ أصْلًا كَما قِيلَ وذُكِرَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مَحْضُ هَوًى وشَهْوَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ .
﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ (119) المُتَجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ هَذا الكَثِيرُ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِوَسْمِهِمْ بِصِفَةِ الِاعْتِداءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ أيْ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ونَحْوَهُ والزِّنا بِالأجْنَبِيّاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أوِ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذِ الأخْدانِ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الزِّنا إذا ظَهَرَ كانَ إثْمًا وإذا اسْتَسَرَّ بِهِ صاحِبُهُ فَلا إثْمَ فِيهِ.
قالَ الطَّيِّبِيُّ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ بِالعَطْفِ مُسَبَّبٌ عَنْ عَدَمِ الِاتِّباعِ وعَلى الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَكُلُوا ﴾ أوَّلًا ﴿ ولا تَأْكُلُوا ﴾ ثانِيًا وهو الوَجْهُ ولَعَلَّ الأمْرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبَلَهُ مِثْلُهُ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ المَعاصِيَ الَّتِي فِيها الإثْمُ ويَرْتَكِبُونَ القَبائِحَ الظّاهِرَةَ أوِ الباطِنَةَ ﴿ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ (120) أيْ يَكْسِبُونَ الإثْمَ كائِنًا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِ ذَلِكَ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ أيْ مِنَ الحَيَوانِ كَما هو المُتَبادَرُ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ.
وعَنْ أحْمَدَ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ والجُبّائِيِّ مِثْلُهُ وقالَ الشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ يُذْكَرْ» وعَنْ مالِكٍ وهي الرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ أئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لا يُؤْكَلُ سَواءً كانَ تَهاوُنًا أوْ غَيْرَ تَهاوُنٍ ولِأشْهَبَ قَوْلٌ شاذٌّ بِجَوازِ غَيْرِ المُتَهاوَنِ في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وآخَرُونَ أنَّهُ كَمَذْهَبِ داوُدَ ومَن مَعَهُ وما ذَكَرْناهُ هو المَوْجُودُ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ وأهْلُ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ كالصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ النّاسِيَ عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بِتارِكٍ لِلتَّسْمِيَةِ بَلْ هي في قَلْبِهِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُلُوهُ فَإنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» ولَمْ يُلْحَقْ بِهِ العامِدُ إلّا لِامْتِناعِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالقِياسِ وإنْ كانَ مَنصُوصَ العِلَّةِ وإمّا لِأنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَكَأنَّهُ نَفى ما في قَلْبِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ الَّذِي خُصَّ مِنهُ البَعْضُ جائِزٌ بِالقِياسِ المَنصُوصِ العِلَّةِ وِفاقًا وبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التّارِكَ عَمْدًا بِمَنزِلَةِ النّافِي لِما في قَلْبِهِ رُبَّما يَكُونُ لِوُثُوقِهِ بِذَلِكَ وعَدَمِ افْتِقارِهِ لِذِكْرِهِ ثُمَّ قالَ: فَذَهَبُوا إلى أنَّ النّاسِيَ خارِجٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ إذِ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن مَضْمُونِ ﴿ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وهو التَّرْكُ لِكَوْنِهِ الأقْرَبَ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْكَ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي والمُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ العَمْدُ.
واعْتُرِضَ ما ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِسْقًا لا سِيَّما عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ خِلافُ الظّاهِرِ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ ولا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ مَعَ أنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا سِيَّما في حُكْمٍ واحِدٍ وبِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ المَيْتَةَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها لَيْسَ بِفِسْقٍ وبَعْضُهم أرْجَعَ الضَّمِيرَ إلى ما بِمَعْنى الذَّبِيحَةِ وجَعَلَها عَيْنَ الفِسْقِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كَوْنِها مَتْرُوكَةَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إذْ لا فِسْقَ في النِّسْيانِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الحَمْلُ أيْضًا ومِمّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ ما فِيهِ وذَكَرَ العَلّامَةُ لِلشّافِعِيَّةِ في دَعْوى حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا وحُرْمَةِ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وُجُوهًا الأوَّلُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ وفي قَلْبِهِ ما دامَ مُؤْمِنًا فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ عَدَمُ الذِّكْرِ فَلا يَحْرُمُ مِن ذَبِيحَتِهِ إلّا ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لا يَصِحُّ في حَقِّ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ عَمْدًا كانَ أوْ سَهْوًا إذْ لا فِسْقَ بِفِعْلِ ما هو مَحَلُّ الِاجْتِهادِ والثّالِثُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْقِعِ الحالِ إذْ لا يَحْسُنُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وقَدْ بُيِّنَ الفِسْقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الأكْلِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ قَدْ أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَيَحِلُّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ إمّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وإمّا بِحُكْمِ الأصْلِ وإمّا بِالعُمُوَماتِ الوارِدَةِ في حِلِّ الأطْعِمَةِ وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في مَجْلِسِ تَذْكِيرٍ عَقَدَهُ لَهُ سُلْطانُ خَوارِزْمَ فِيها بِمَحْضَرٍ مِنهُ ومِن جُمْلَةِ الأئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ لِلشّافِعِيَّةِ إلى دَلِيلٍ خارِجِيٍّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بَأنْ واللّامِ يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا فَلا يَحْسُنُ ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ بَلْ وهو فِسْقٌ ومِن هُنا ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ ..
إلَخْ.
المَيْتَةُ فَيَتَحَقَّقُ قَوْلُهم: إنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وأجابَ العَلّامَةُ عَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ ها هُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحُكْمُ بِهِ مُتَحَقَّقٌ والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ ومِنهم مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِالمَيْتَةِ لِأنَّ الجِدالَ فِيها كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
واسْتَظْهِرْ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى الأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ ولا تَأْكُلُوا ﴾ والَّذِي يَلُوحُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عامٌّ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا ولِما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ لِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ والتَّحْقِيقُ أنَّ العامَّ الظّاهِرَ مَتى ورَدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كانَ نَصًّا في السَّبَبِ ظاهِرًا باقِيًا عَلى ظُهُورِهِ فِيما عَداهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِمُبِيحِ مَنسِيِّ التَّسْمِيَةِ مِن مُخَصِّصٍ وهو الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ وادَّعى أنَّ هَذا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ بَلْ مَنعٌ لِانْدِراجِ المَنسِيِّ في العُمُومِ مُسْتَنِدٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ويُؤَيِّدُ بِأنَّ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وإنَّ قَوِيَ تَناوُلُهُ لِسَبَبٍ حَتّى يَنْتَهِضَ الظّاهِرُ فِيهِ نَصًّا إلّا أنَّهُ ضَعِيفُ التَّناوُلِ لِما عَداهُ حَتّى يَنْحَطَّ عَلى أعالِي الظّاهِرِ فِيهِ ويَكْتَفِي مِن مُعارَضَةٍ ما لا يَكْتَفِي بِهِ مِنهُ لَوْلا السَّبَبُ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قَبْلُ وذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِنا أنَّ قَوْلَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ إذْ لا خِلافَ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في مَتْرُوكِها ناسِيًا فَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحْرُمُ ومَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحِلُّ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا ولِهَذا قالَ أبُو يُوسُفَ والمَشايِخُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا لا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهادُ ولَوْ قَضى القاضِي بِجَوازِ بَيْعِهِ لا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْإجْماعِ وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي شُمُولَها لِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا إلّا أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النّاسِيَ ذاكِرًا لِعُذْرٍ مِن جِهَتِهِ وفي ذَلِكَ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ فَإنَّ الإنْسانَ كَثِيرُ النِّسْيانِ.
وقَوْلُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ: إنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كانَتْ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَما سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيانِ كالطَّهارَةِ في بابِ الصَّلاةِ مُفْضٍ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وهي مَعْهُودَةٌ فِيما إذا كانَ عَلى النّاسِي هَيْئَةٌ مُذَكِّرَةٌ كالأكْلِ في الصَّلاةِ والجِماعِ في الإحْرامِ لا فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كالأكْلِ في الصِّيامِ وهُنا إنْ لَمْ تَكُنْ هَيْئَةٌ تُوجِبُ النِّسْيانَ وهي ما يَحْصُلُ لِلذَّبائِحِ عِنْدَ زُهُوقِ رُوحِ حَيَوانٍ مِن تَغَيُّرِ الحالِ فَلَيْسَ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً بِمَوْجُودَةٍ.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ وثُبُوتَ الإجْماعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ كانَ ما كانَ خَرَقَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى واسْتِدْلالُهُ عَلى مُدَّعاهُ عَلى ما سَمِعَتَ لا يَخْلُو عَنْ مَتانَةٍ وقَوْلُ الأصْفَهانِيِّ كَما في المُسْتَصْفى أفْحَشَ الشّافِعِيَّ حَيْثُ خالَفَ سَبْعَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ثَلاثٌ مِنها في سُورَةِ الأنْعامِ الأُولى ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وثَلاثٌ في سُورَةِ الحَجِّ الأُولى ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ﴾ وآيَةٌ في المائِدَةِ ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ مِنَ الفُحْشِ في حَقِّ هَذا الإمامِ القُرَشِيِّ ومَثارُهُ عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى فَضْلِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ ودِقَّةِ نَظَرِهِ وبِالجُمْلَةِ الكَلامُ في الآيَةِ واسِعُ المَجالِ وبِها اسْتَدَلَّ كُلٌّ مِن أصْحابِ هاتِيكِ الأقْوالِ وعَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ حَيَوانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ حَرامٌ وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ خِلافَ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى.
﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ أيْ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ ﴿ لَيُوحُونَ ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ ﴿ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّياطِينِ مَرَدَةُ المَجُوسِ فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ حَسْبَما حَكَيْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ أيْ بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ ﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ (121) ضَرُورَةً أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واسْتَحَلَّ الحَرامَ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الكَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ كَما جَعَلَ تَعالى الشِّرْكَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالَفَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا بِدَلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ ها هُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ وبِهَذا القَدْرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ.
انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ هَذِهِ الإطاعَةِ بِالشِّرْكِ مِن بابِ التَّغْلِيظِ ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ والكَلامُهُنا كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ وحَذْفِ لامِ التَّوْطِئَةِ أيْ ولَئِنْ أطَعْتُمُوهم واللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِسَدِّ جَوابِ القَسَمِ مَسَدَّهُ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ جَوابَ الشَّرْطِ ولا قَسَمَ وادَّعى أنَّ حَذْفَ الفاءِ مِنهُ حَسَنٌ إذا كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الماضِي كَما هُنا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ بَلِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يُجَوِّزُوا تَرْكَها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وفِيهِ أنَّ المُبَرِّدَ أجازَ ذَلِكَ في الِاخْتِيارِ كَما ذَكَرَهُ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ والمُشْرِكُونَ غارِقُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ طاعَتُهم لَهُ فالآيَةُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والَوْاوُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ أنْتُمْ مِثْلُهم ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ ﴿ وجَعَلْنا لَهُ ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ ﴿ نُورًا ﴾ عَظِيمًا ﴿ يَمْشِي بِهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ﴿ فِي النّاسِ ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ فَقِيلَ يَمْشِي ..
إلَخْ.
أوْ صِفَةٌ لَهُ ومَنِ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ صِلَتُهُ والخَبَرُ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن مَثَلُهُ ﴾ أيْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ ومَن فِيهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ أيْضًا و( مَثَلُهُ ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ خَبَرُ هو مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أعْنِي ( مَثَلُهُ ) عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ بِمَعْنى إذا وُصِفَ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ( مَثَلُهُ ) مَعَ خَبَرِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ.
وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ خَبَرًا عَنْ ( مَثَلُهُ ) لِأنَّ الظُّلُماتِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْمَثَلِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَأبِي البَقاءِ أنَّ ( في الظُّلَماتِ ) هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ هو مُقَدَّرًا ولا يَلْزَمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَدِيثُ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ أنْ مَثَلَهُ هو كَوْنُهُ في الظُّلُماتِ والمَقْصُودُ الحِكايَةُ نَعَمْ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ خَبَرَ ( مَثَلُهُ ) لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً تامَّةً والظَّرْفُ بِغَيْرِ فاعِلٍ ظاهِرٍ لا يُؤَدِّي مُؤَدّى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ في ( مَثَلُهُ ) ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِلْفَصْلِ قِيلَ: ولِضَعْفِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( مَيِّتًا ) بِالتَّشْدِيدِ وهو أصْلٌ لِلْمُخَفَّفِ والمَحْذُوفُمِنَ الياءَيْنِ الثّانِيَةِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الأخِيرَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَثَلُ ما أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ شاءَ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهٍ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ عَلى مَعانِيها الأصْلِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَهُما فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأخِيرَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إلى آخِرِ ما قالَ ونَصَّ القُطْبُ الرّازِيُّ عَلى أنَّهُما تَمْثِيلانِ لا اسْتِعارَتانِ ورُدَّ كَما قالَ الشِّهابُ بِأنَّ الظّاهِرَ بِأنَّ مَن كانَ مَيْتًا ومَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إذْ لا ذِكْرَ لِلْمُشَبَّهِ صَرِيحًا ولا دَلالَةَ بِحَيْثُ يُنافِي الِاسْتِعارَةَ والِاسْتِعارَةُ الأُولى بِجُمْلَتِها مُشَبَّهَةٌ والثّانِيَةُ مُشَبَّهٌ بِهِ وهَذا كَما تَقُولُ في الِاسْتِعارَةِ الإفْرادِيَّةِ أيَكُونُ الأسَدُ كالثَّعْلَبِ أيِ الشُّجاعُ كالجَبانِ وهو مِن بَدِيعِ المَعانِي الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ ويُحْفَظَ والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالمَيِّتِ الكافِرُ الضّالُّ وبِالأحْياءِ الهِدايَةُ وبِالنُّورِ القُرْآنُ وبِالظُّلُماتِ الكُفْرُ والضَّلالَةُ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهُوَ المُرادُ بِمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وهَداهُ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو المُرادُ بِمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وأيًّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَنِ انْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَن بَقِيَ عَلى ضَلالِهِ وعُتُوِّهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّزْيِينِ المَذْكُورِ عَلى طُرُزِ ما قُرِّرَ في أمْثالِهِ أوْ إشارَةٌ إلى إيحاءِ الشَّياطِينِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ إلى تَزْيِينِ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ زُيِّنَ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى خُلُقًا أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ وسْوَسَةً ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ كَأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (122) أيْ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ قِيلَ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴿ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ مِن سائِرِ القُرى ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ أوْ كَما جَعَلْنا أعْمالَ أهْلِ مَكَّةَ مُزَيَّنَةً لَهم جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ..
إلَخْ.
وإلى الِاحْتِمالَيْنِ ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولَيْنِ واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِما فَقِيلَ: ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ بِالإضافَةِ هو الأوَّلُ وقِيلَ: ﴿ أكابِرَ ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وقِيلَ: ﴿ أكابِرَ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ المُبْتَدَأُ بِحَسَبِ الأصْلِ والتَّقْدِيرُ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ فَيَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورِ بِالفِعْلِ.
واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ كَوْنُ ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ أكابِرَ ﴾ أوْ مَفْعُولًا بِأنَّهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ وهي أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلَ يَلْزَمُ إفْرادُهُ وتَذْكِيرُهُ إذا كانَ بِمَن ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ سَواءٌ كانَ لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أوْ لِغَيْرِهِ فَإنْ طابَقَ ما هو لَهُ تَأْنِيثًا وجَمْعًا وتَثْنِيَةً لَزِمَهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ و ﴿ أكابِرَ ﴾ في التَّخْرِيجَيْنِ باقٍ عَلى الجَمْعِيَّةِ وهو غَيْرُ مُعَرَّفٍ بِألْ ولا مُضافٍ لِمَعْرِفَةٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ فَقالَ: إنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ أكابِرَ وأصاغِرَ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ وما ذَكَرَهُ إنَّما هو إذا بَقِيَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُقالُ أكابِرَةُ كَما يُقالُ أحْمَرُ وأحامِرَةُ كَما قالَ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَ تَعَوَّلَتْ وإنْ رَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِن أهْلِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ أجازَ في جَمْعِ أفْضَلَ أفاضِلَةَ وفِيهِ نَظَرٌ وأمّا الجَوابُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَعْرِفَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ أكابِرَ النّاسِ أوْ أكابِرَ أهْلِ القَرْيَةِ فَلا يَخْفى ضَعْفُهُ.
اهـ.
وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الظَّرْفَ لَغْوٌ و ﴿ أكابِرَ ﴾ أوَّلُ المَفْعُولَيْنِ مُضافٌ لِمُجْرِمِيها و ﴿ لِيَمْكُرُوا ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ جَعَلَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَعْلِ التَّمْكِينُ بِمَعْنى الإقْرارِ في المَكانِ والإسْكانِ فِيهِ ومَفْعُولُهُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ بِالإضافَةِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ احْتِمال الإضافَةِ لا يَجْرِي إلّا عَلى تَفْسِيرِ جَعَلْناهم بِمَكَّنّاهم ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ دَغْدَغَةٍ وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي بَعْدَ سَرْدِ عِدَّةٍ مِنَ الأقْوالِ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ في كُلِّ قَرْيَةٍ لَغْوٌ و ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و ﴿ لِيَمْكُرُوا ﴾ هو الثّانِي ولا يَخْفى حُسْنُهُ بَيْدَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ فِيما سَبَقَ إلَيْهِما وناقَشَ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وادَّعى أنَّ الأقْرَبَ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ الكَفَرَةَ المَعْهُودِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمْ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ الفَرِيقِ أوِ المَذْكُورِ ومَحَلِّ الكافِ والنَّصْبُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ والأوَّلُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ والظَّرْفُ لَغْوٌ أيْ ومِثْلُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم صَنادِيدُ مَكَّةَ ومُجْرِمِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها المُجْرِمِينَ أيْ جَعَلْناهم مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهم مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ لِيَمْكُرُوا فِيها أيْ لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها.
اهـ.
ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ وقُرِئَ ( أكْبَرَ مُجْرِمِيها ) وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ اعْتِراضٌ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ الماكِرِينَ أيْ وما يَحِيقُ غائِلَةُ مَكْرِهِمْ إلّا بِهِمْ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ (123) حالٌ مِن ضَمِيرِ يَمْكُرُونَ أيِ إنَّما يَمْكُرُونَ بِأنْفُسِهِمْ والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ أصْلًا بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِغَيْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ مُجْرِمِي أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ التَّسْلِيَةِ حالَ غَيْرِهِمْ فَإنَّ العَظِيمَةَ المَنقُولَةَ إنَّما صَدَرَتْ عَنْهم لا عَنْ سائِرِ المُجْرِمِينَ أيْ وإذا جاءَتْهم آيَةٌ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَتّى يُوحى إلَيْنا ويَأْتِيَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرَنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقٌ كَما قالُوا ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ وعَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ مِثْلُهُ وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ ماعُلِّقَ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو إيمانُهم بِرَسُولِ اللَّهِ وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ إيمانًا حَقِيقِيًّا كَما هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ خَلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ ومُخاطَبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وأنْ يُصْرَفَ الرِّسالَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ عَنْ ظاهِرِها وتُحْمَلَ عَلى رِسالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ ويُرادُ بِجَعْلِها تَبْلِيغُها إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ لا وضْعُها في مَوْضِعِها الَّذِي هو الرَّسُولُ لِيَتَأتّى كَوْنُهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحِهِمْ ورَدًّا لَهُ بِأنَّ كَوْنَ مَعْنى الِاقْتِراحِ لَنْ نُؤْمِنَ بِكَوْنِ تِلْكَ الآيَةِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَأْتِيَنا جِبْرِيلُ بِالذّاتِ عَيانًا كَما يَأْتِي الرُّسُلَ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ ومَعْنى الرَّدِّ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَلِيقُ بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إيذانًا بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ وفِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ ما لا يَخْفى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَمَحُّلَ في حَمْلِ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ بَلْ في العُدُولِ عَنْ قَوْلٍ لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نَجْعَلَ رُسُلًا مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لِهَذا الحَمْلِ نَعَمْ صَرْفُ الرِّسالَةِ عَنْ ظاهِرِها وحَمْلُ الجَعْلِ عَلى التَّبْلِيغِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ ومُخاطَبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَسْتَدْعِ تِلْكَ الرِّسالَةَ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَنصِبِها فَيَصْلُحُ ما ذَكَرَ جَوابًا بِدُونِ حاجَةٍ إلى الصَّرْفِ والحَمْلِ المَذْكُورَيْنِ وفِيهِ ما فِيهِ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ: زاحَمَنا بَنِي مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ وقالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ أنْ يُخَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ قالَ الشَّيْخُ: ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلرَّدِّ المَذْكُورِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِإيتاءِ مِثْلِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ شُمُولٍ لِكافَّةِ النّاسِ وأنْ يَكُونَ كَلِمَةُ حَتّى في قَوْلِ اللَّعِينِ حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ ..
إلَخْ.
غايَةً لِعَدَمِ الرِّضى لا لِعَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلى تَقْدِيرَيْ إتْيانِ الوَحْيِ وعَدَمِهِ فالمَعْنى لَنْ نُؤْمِنَ بِرِسالَتِهِ أصْلًا حَتّى نُؤْتى نَحْنُ النُّبُوَّةَ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أوْ إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في كَلامِ اللَّعِينِ غايَةٌ أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ المُوافَقَةِ وفِعْلِ مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ لا قَفْوُ الأثَرِ بِالِائْتِمارِ عَلى أنَّ اللَّعِينَ إنَّما طَلَبَ إتْيانَ وحْيٍ كَما يَأْتِي النَّبِيَّ ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في طَلَبِ الِاسْتِقْلالِ المُنافِي لِلِاتِّباعِ.
ولَعَلَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ المُشارَكَةُ في الشَّرَفِ بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ ويُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم أبا جَهْلٍ بِما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ لا يَأْبَوْنَ كَوْنَ الرَّسُولَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ويَلْزَمُ أحْدُهُما امْتِثالُ أمْرِ الآخَرِ واتِّباعُهُ وإنْكانَ مُشارِكًا لَهُ في أصْلِ الرِّسالَةِ فَلْيُفْهَمْ وقِيلَ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مالًا ووَلَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِمُ المَرْدُودِ إلّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِما ذُكِرَ مُجَرَّدُ الإيمانِ بِكَوْنِ الآيَةِ النّازِلَةِ وحْيًا صادِقًا لا الإيمانَ بِكَوْنِها نازِلَةً إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى وإذا جاءَتْهم آيَةٌ نازِلَةٌ إلى الرَّسُولِ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ نُزُولُها إلَيْنا لا إلَيْهِ لِأنّا نَحْنُ المُسْتَحِقُّونَ دُونَهُ فَإنَّ مُلَخَّصَ مَعْنى قَوْلِهِ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا ..
إلَخْ.
لَوْ كانَ ماتَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ حَقًّا لَكُنْتُ أنا النَّبِيُّ لا أنْتَ وإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحَقٍّ ومَآلُهُ تَعْلِيقُ الإيمانِ بِحَقِّيَّةِ النُّبُوَّةِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ نَبِيًّا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ النُّبُوَّةِ وقَوْلَهم ﴿ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ لَيْسَ بَيْنَهُما كَمالُ المُلاءَمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى فالحَقُّ سُقُوطُ هَذا القَوْلِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإنَّ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنَيْ جُرَيْجٍ لِما في تَطْبِيقِهِ عَلى ما في الآيَةِ مِن مَزِيدِ العِنايَةِ.
و ﴿ مِثْلَ ما أُوتِيَ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ حَتّى نُؤْتاهاإيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ وإضافَةُ الإيتاءِ إلَيْهِمْ مُنْكِرُونَ لِإيتائِه ِعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَيْثُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَعْلَمُ وقَدْ خَرَجَتْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِتَصَرُّفِها ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ والجُمْلَةُ بَعْدَها كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ في كِتابِ الشِّعْرِ صِفَةٌ لَها وإضافَتُها إلى ما بَعْدَها حَيْثُ اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا وقالَ الرَّضِيُّ: الأوْلى أنَّ حَيْثُ مُضافَةٌ ولا مانِعَ مِن إضافَتِها وهي اسْمٌ إلى الجُمْلَةِ وبُحِثَ فِيهِ ولا يَجُوزُ فِيها هُنا عِنْدَ الكَثِيرِ أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ ولا مَنصُوبَةً بِأفْعَلَ نَصْبَ الظَّرْفِ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالظَّرْفِ ومِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ ورَدَّ ما عُلِّلَ بِهِ المَنعُ مِنهُ بَأنْ يَجُوزَ جَعْلُ تَقْيِيدِ عِلْمِهِ تَعالى بِالظَّرْفِ مَجازِيًّا بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ بَلْ ذَلِكَ أوْلى مِن إخْراجِ حَيْثُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَإنَّهُ إمّا نادِرٌ أوْ مُمْتَنِعٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ ﴾ ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَعْنى أنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ لَيْسَ مِمّا يُنالُ بِما يَزْعُمُونَهُ مِن كَثْرَةِ المالِ وتَعاضُدِ الأسْبابِ والعَدَدِ وإنَّما يُنالُ بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ ونَفْسٍ قُدْسِيَّةٍ أفاضَها اللَّهُ تَعالى بِمَحْضِ الكَرَمِ والجُودِ عَلى مَن كَمُلَ اسْتِعْدادُهُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ وهو لا يَسْتَلْزِمُ الإيجابَ الَّذِي يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنْ شاءَ أعْطى ذَلِكَ وإنْ شاءَ أمْسَكَ وإنِ اسْتَعَدَّ المَحَلُّ وما في المَواقِفِ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإرْسالِ الِاسْتِعْدادُ الذّاتِيُّ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ المُوجِبِ فَقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْعَثَ مِن كُلِّ قَوْمٍ أشْرَفَهم وأطْهَرَهم جِبِلَّةً وتَمامُ البَحْثِ في مَوْضِعِهِ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( رِسالاتِهِ ) بِالجَمْعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يُسَنُّ الوَقْفُ عَلى رُسُلِ اللَّهِ وأنَّهُ يُسْتَجابُ الدُّعاءُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ أرَ في ذَلِكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما سَيَلْقَوْنَهُ مِن فُنُونِ الشَّرِّ بَعْدَ ما نَعى عَلَيْهِمْ حِرْمانَهم مِمّا أمَلُوهُ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ وقِيلَ: إشْعارًا بِعَلِيَّةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ أيْ يُصِيبُهُمُ البَتَّةَ مَكانَ ما تَمَنَّوْهُ وعَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن عِزِّ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ الرِّسالَةِ ﴿ صَغارٌ ﴾ أيْ ذُلٌّ عَظِيمٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ كَما قالَ الفَرّاءُ واعْتَرَضَهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ تَقُولَ جِئْتُ عِنْدَ زَيْدٍ وأنْتَ تُرِيدُ مِن عِنْدِ زَيْدٍ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ في ضَمانِهِ سُبْحانَهُ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ وهو جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ كَما لا يَخْفى ﴿ وعَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا ﴿ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ (124) أيْ بِسَبَبِ مَكْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِمُقابَلَتِهِ وحَيْثُ كانَ هَذا مِن أعْظَمِ مَوادِّ إجْرامِهِمْ صَرَّحَ بِسَبَبِهِ ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ أيْ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ المُرادُ بِهَدْيِهِ إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ أوْ يُثِيبُهُ عَلى الهُدى أوْ يَزِيدُهُ ذَلِكَ ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويَنْفَسِحُ وهو مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ مُهَيَّأةً لِحُلُولِ الحَقِّ فِيها مَصَفّاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ كَما أشارَ إلَيْهِ حِينَ «قِيلَ لَهُ: كَيْفَ الشَّرْحُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: نُورٌ يُقْذَفُ في الصَّدْرِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ فَقِيلَ: هَلْ لِذَلِكَ مِن آيَةٍ يُعْرَفُ بِها يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ».
﴿ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَةَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وقِيلَ: المُرادُ يُضِلُّهُ عَنِ الثَّوابِ أوْ عَنِ الجَنَّةِ أوْ عَنْ زِيادَةِ الإيمانِ أوْ يَخْذُلُهُ ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَكادُ يَكُونُ فِيهِ لِلْخَيْرِ مَنفَذٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِيقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( حَرِجًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ أيْ شَدِيدُ الضِّيقِ والباقُونَ بِفَتْحِها وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وأصْلُ مَعْنى الحَرَجِ كَما قالَ الرّاغِبُ مُجْتَمَعُ الشَّيْءِ ومِنهُ قِيلَ لِلضِّيقِ حَرَجٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْناهُ شِدَّةُ الضِّيقِ فَإنَّ الحَرَجَةَ غَيْضَةٌ أشْجارُها مُلْتَفَّةٌ بِحَيْثُ يَصْعُبُ دُخُولُها.
وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ ( حَرَجًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وقَرَأ بَعْضُ ما عِنْدَهُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ حَرَجًا ﴾ بِكَسْرِها فَقالَ عُمَرُ: أبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ واجْعَلُوهُ راعِيًا ولْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا فَأتَوْهُ بِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا فَتى ما الحَرَجَةُ فِيكم قالَ: الحَرَجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ ولا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الوَصْفِ أوْ وصْفٌ آخَرُ والمُرادُ المُبالَغَةُ في ضِيقِ صَدْرِهِ حَيْثُ شُبِّهَ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِطاعَةِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ مِنهُ الصُّعُودُ والِامْتِناعُ في ذَلِكَ عادِيٌّ وعَنِ الزَّجّاجِ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نَبْوًا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يَصْعَدُ ) وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( يَصّاعَدُ ) وأصْلُهُ أيْضًا يَتَصاعَدُ فَفُعِلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ السّابِقِ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ أيْ جَعْلُ الصَّدْرِ حَرَجًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الرِّجْسُ ما لا خَيْرَ فِيهِ وقالَ الرّاغِبُ: الرِّجْسُ الشَّيْءُ القَذِرُ وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ (125) أيْ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْلِيلِ ﴿ وهَذا ﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوِ الإسْلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ كَما قِيلَ ﴿ صِراطُ رَبِّكَ ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ ﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا زَيْغَ أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصاحِبِها وعامِلُها مَحْذُوفٌ وُجُوبًا مِثْلَ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا أوْ مُؤَسِّسَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ بَيَّنّاها مُفَصَّلَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (126) أيْ يَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِها فَيَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ الحَوادِثِ بِقَضائِهِ سُبْحانَهُ وقَدَرِهِ وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَكِيمٌ عادِلٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ ﴿ دارُ السَّلامِ ﴾ أيِ الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ والسَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ وإضافَةُ الدّارِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ وقالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ: ( السَّلامُ ) بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والبَلايا وسائِرِ المَكارِهِ الَّتِي يَتَلَقّاها أهْلُ النّارِ وقِيلَ هو بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ في ضَمانِهِ وتَكَفُّلِهِ التَّفَضُّلِيِّ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ ذَلِكَ غَيْرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ صِفَةٌ لِقَوْمٍ ﴿ وهُوَ ولِيُّهُمْ ﴾ أيْ مُحِبُّهم أوْ ناصِرُهم ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (127) أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها بِأنْ يَتَوَلّى إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ.
* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ أرْواحِهِمْ في الصَّفاءِ والكُدُورَةِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والقُرْبِ والبُعْدِ ومِن هُنا قِيلَ والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءٌ وكُلَّما اشْتَدَّ التَّفاوُتُ اشْتَدَّتِ العَداوَةُ وزادَ الإيذاءُ النّاشِئُ مِنها ولِهَذا ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ وتُسَبِّبُ هَذِهِ العَداوَةُ مَزِيدَ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ والإعْراضِ عَنِ المَلاذِّ والحِرْصِ عَلى الفَضِيلَةِ الَّتِي يُقْهَرُ بِها العَدُوُّ والِاحْتِرازِ عَمّا يُوشِكُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ولِتَصْغى ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ ﴿ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ لِوُجُودِ المُناسَبَةِ ﴿ ولِيَرْضَوْهُ ﴾ بِمَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ ﴿ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ مِنَ اسْمِ التَّعاضُدِ والتَّظاهُرِ ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ بَيْنِي وبَيْنَكم ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ﴾ المُعْجِزَ الجامِعَ مُفَصِّلًا فِيهِ الحَقَّ والباطِلَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ مَقالٌ لِقائِلٍ فَطَلَبُ ما سِواهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ ولا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا جاهِلٌ ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أيْ تَمَّ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ ﴿ صِدْقًا ﴾ مُطابِقًا لِما يَقَعُ ﴿ وعَدْلا ﴾ مُناسِبًا لِلِاسْتِعْدادِ قِيلَ: صِدْقًا فِيما وعَدَ وعَدْلًا فِيما أوْعَدَ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لِأنَّها عَلى طُرُزِ ما ثَبَتَ في عِلْمِهِ والِانْقِلابُ مُحالٌ ﴿ وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بِالرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وعالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لِلشَّهَواتِ المُبْعِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ في مَقامِ النَّفْسِ بِالأوْهامِ والخَيالاتِ ﴿ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ بِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ ﴿ وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الظّاهِرَةِ عَلى الجَوارِحِ ﴿ وباطِنَهُ ﴾ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والعَزائِمِ الباطِلَةِ.
وقالَ سَهْلٌ ظاهِرُ الإثْمِ المَعاصِي كَيْفَ كانَتْ وباطِنُهُ حُبُّها وقالَ الشِّبْلِيُّ ظاهِرُ الإثْمِ الغَفْلَةُ وباطِنُهُ نِسْيانُ مُطالَعَةِ السَّوابِقِ وقالَ بَعْضُهم ظاهِرُ الإثْمِ طَلَبُ الدُّنْيا وباطِنُهُ طَلَبُ الجَنَّةِ لِأنَّ الأمْرَيْنِ يَشْغَلانِ عَنِ الحَقِّ وكُلُّ ما يَشْغَلُ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَهو إثْمٌ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حُظُوظُ النَّفْسِ وباطِنُهُ حُظُوظُ القَلْبِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حَبُّ الدُّنْيا وباطِنُهُ حُبُّ الجاهِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ رُؤْيَةُ الأعْمالِ وباطِنُهُ سُكُونُ القَلْبِ إلى الأحْوالِ.
﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ ﴿ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ أيْ مِن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنْكِرِينَ ﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشُّبَهِ ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ وتَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ مِثْلُهم ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا ﴾ بِالجَهْلِ وهَوى النَّفْسِ أوِ الِاحْتِجابِ بِصِفاتِها ﴿ فَأحْيَيْناهُ ﴾ بِالعِلْمِ ومَحَبَّةِ الحَقِّ أوْ كَشْفِ حُجُبِ صِفاتِهِ ﴿ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا ﴾ مِن هِدايَتِنا وعِلْمِنا أوْ نُورًا مِن صِفاتِنا أوْ مَن كانَ مَيْتًا بِالمُجاهَداتِ فَأحْيَيْناهُ بِرُوحِ المُشاهَداتِ أوْ مَيْتًا بِشَهَواتِ النَّفْسِ فَأحْيَيْناهُ بِصَفاءِ القَلْبِ أوْ مَيْتًا بِرُؤْيَةِ الثَّوابِ فَأحْيَيْناهُ بِرُؤْيَةِ المَآبِ إلى الوَهّابِ وجَعَلْنا لَهُ نُورَ الفِراسَةِ أوِ الإرْشادِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: المَعْنى أوَمَن كانَ مَيْتًا عَنّا فَأحْيَيْناهُ بِنا وجَعَلْناهُ إمامًا يَهْدِي بِنُورِ الإجابَةِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّلالُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: أوَمَن كانَ مَيْتًا بِحَياةِ نَفْسِهِ ومَوْتِ قَلْبِهِ فَأحْيَيْناهُ بِإماتَةِ نَفْسِهِ وحَياةِ قَلْبِهِ وسَهَّلْنا عَلَيْهِ سُبُلَ التَّوْفِيقِ وكَحَّلْناهُ بِأنْوارِ القُرْبِ فَلا يَرى غَيْرَنا ولا يَلْتَفِتُ إلى سِوانا ﴿ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ ﴾ أيْ ظُلُماتِ نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فاحْتَجَبُوا بِهِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ كَمالِ العارِفِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ في جَعْلِ الأعْداءِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما في الأنْفُسِ أيْ وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ وُجُودَ الإنْسانِ الَّتِي هي البَدَنُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ لِيَمْكُرُوا فِيها بِإضْلالِ القَلْبِ ﴿ وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ لِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ آفاقًا وأنْفُسًا ﴿ وإذا جاءَتْهُمْ ﴾ عَلى يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ مِنَ الرِّسالَةِ إلَيْهِمُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ وذَلِكَ حَيْثُ خَزِينَةُ الِاسْتِعْدادِ عامِرَةٌ والنَّفْسُ قُدْسِيَّةٌ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ بِاحْتِجابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ ذُلٌّ بِذَهابِ قَدْرِهِمْ حِينَ خَرابِأبْدانِهِمْ ﴿ وعَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بِحِرْمانِهِمُ المُلائِمِ ووُصُولِ النّافِي إلَيْهِمْ في المَعادِ الجُسْمانِيِّ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ إلَيْهِ ويُعَرِّفَهُ بِهِ ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ بِأنْ يَقْذِفَ فِيهِ نُورًا مِن أنْوارِهِ فَيُعَرِّفَهُ بِذَلِكَ ﴿ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ لا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن أنْوارِ شَمْسِ العِرْفانِ ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ نَبْوًا وهَرَبًا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ لِأنَّهُ خِلافُ اسْتِعْدادِهِ وقِيلَ: المَعْنى فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ لِلتَّوْحِيدِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ وإسْلامِ الوُجُودِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِكَشْفِ حُجُبِ صِفاتِ نَفْسِهِ عَنْ وجْهِ قَلْبِهِ الَّذِي يَلِي النَّفْسَ فَيَنْفَسِحُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا بِاسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ وضَغْطِها لَهُ كَما يَصَّعَّدُ في سَماءِ رُوحِهِ مَعَ تِلْكَ الهَيْئاتِ البَدَنِيَّةِ المُظْلِمَةِ وذَلِكَ أمْرٌ مُحالٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ أيْ رِجْسُ التَّلَوُّثِ بِنَتَنِ الطَّبِيعَةِ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهَذا ﴾ أيْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ أوِ الجَعْلُ ﴿ صِراطُ رَبِّكَ ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ المَعارِفَ والحَقائِقَ المَرْكُوزَةَ في اسْتِعْدادِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ هي ساحَةُ جَلالِهِ وحَضائِرُ قُدْسِ صِفاتِهِ ومَساقِطُ وُقُوعِ أنْوارِ جَمالِهِ المُنَزَّهَةِ عَنْ خَطَرِ الحِجابِ وعِلَّةِ المَتاعِبِ وطَرِيانِ العَذابِ وهو ولِيُّهم بِنَعْتِ رِعايَتِهِمْ وكَشْفِ جِمالِهِ لَهم أوْ ولِيُّهم يَحْفَظُهم عَنْ رُؤْيَةِ الغَيْرِ في البَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهم دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ خَوْفٍ وآفَةٍ حَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ فِيها في ظِلِّ الذّاتِ والصِّفاتِ ورِيفِ البَقاءِ بَعْدَ الفِناءِ والكَثِيرُ عَلى أنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَما ظَنُّكَ بِدارٍ تُنْسَبُ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
إذا نَزَلَتْ سَلْمى بِوادٍ فَماؤُهُ زُلالُ وسَلْسالٌ وأشْجارُهُ ورْدُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنا هاتِيكَ الدّارِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ المُخْتارِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ أيِ اذْكُرْ أوْ تَقُولُ أوْ كانَ ما لا يُذْكَرُ لِفَظاعَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أيْضًا أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وقِيلَ: لِلْكَفّارِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والمَعْشَرُ الجَماعَةُ أمْرُهم واحِدٌ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجَماعَةُ التّامَّةُ مِنَ القَوْمِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى أصْنافِ الطَّوائِفِ ومِنهُ العَشَرَةُ لِأنَّها تَمامُ العِقْدِ والمُرادُ بِالجِنِّ أوْ بِمَعْشَرِهِمْ عَلى ما قِيلَ الشَّياطِينُ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الجِنَّ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما لِلرُّوحانِيِّينَ المُسْتَتِرِينَ عَنِ الحَواسِّ كُلِّها فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ والشَّياطِينُ وثانِيهِما لِلرُّوحانِيِّينَ مِمّا عَدا المَلائِكَةَ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الرُّوحانِيِّينَ ثَلاثَةٌ أخْيارٌ وهُمُ المَلائِكَةُ وأشْرارٌ وهُمُ الشَّياطِينُ وأوْساطٌ فِيهِمْ أخْيارٌ وأشْرارٌ وأيًّاما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنِّداءِ الأشْرارُ الَّذِينَ يُغْوُونَ النّاسَ فَإنَّهم أهْلُ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ أكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَما يُقالُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
قِيلَ: وإنَّما ذَكَرَ المَعْشَرَ في جانِبِ الجِنِّ دُونَ جانِبِ الإنْسِ لِما أنَّ الإغْواءَ كَثِيرًا ما يَقْتَضِي التَّظاهُرَ والتَّعاوُنَ وفي المَعْشَرِ نَوْعُ إيماءٍ إلَيْهِ ولا كَذَلِكَ الغَوى ﴿ وقالَ أوْلِياؤُهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ أطاعُوهم واتَّبَعُوهم ﴿ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيِ الَّذِينَ هم مِنَ الإنْسِ أوْ كائِنِينَ مِنهم فَمِن إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن أوْلِياءَ ﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها والجِنُّ بِالإنْسِ حَيْثُ اتَّخَذُوهم قادَةً ورُؤَساءَ واتَّبَعُوا أمْرَهم فَأدْخَلُوا عَلَيْهِمُ السُّرُورَ بِذَلِكَ.
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِمْ أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا إذا سافَرَ أحَدُهم وخافَ الجِنَّ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي واسْتِمْتاعَهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إعاذَتِهِمْ وإجارَتِهِمْ.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ بِاسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ طاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ومُوافَقَتُهُ لَهم وقالَ البَلْخِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْتاعُ مَقْصُورًا عَلى الإنْسِ فَيَكُونُ الإنْسُ قَدِ اسْتَمْتَعَ بَعْضُهم بِبَعْضِ الجِنِّ دُونَ الجِنِّ.
﴿ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ماقالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المَوْتُ والأوَّلُ أوْلى وإنَّما قالَ الأوْلِياءُ ما قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ وإلّا فَفائِدَةُ الخَبَرِ ولازِمُها مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ.
قِيلَ: ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدِ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
وقُرِئَ ( آجالَنا ) بِالجَمْعِ و( الَّذِي ) بِالتَّذْكِيرِ والإفْرادِ قالَأبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْ وقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي.
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ فَقِيلَ قالَ: ﴿ النّارُ مَثْواكُمْ ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَحَلُّ إقامَتِكم أوْ ذاتُ ثَوائِكم عَلى أنَّ المَثْوى اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ والعامِلُ فِيها ( مَثْوى ) إنْ كانَ مَصْدَرًا وقَدَّرُوا عامِلًا أيْ يَبُوؤُونَ خالِدِينَ إنْ كانَ مَثْوى اسْمَ مَكانٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ العامِلَ في الحالِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعْنى الإضافَةِ ورَدُّوهُ بِأنَّ النِّسْبَةَ الإضافِيَّةَ لا تَعْمَلُ ولا يَصِحُّ أنْ تَنْصِبَ الحالَ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ وأنَّ ما بِمَعْنى مَن ولا يَخْفى أنَّ اسْتِعْمالَ ما لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ فَيَبْعُدُ ذَلِكَ كَما يَبْعُدُ شُمُولُ ما تَقَدَّمَ لِلْمُسْتَثْنى وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ والمُرادُ إلّا الوَقْتَ الَّذِينَ يُنْقَلُونَ فِيهِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيَّزُ بَيْنَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ فَيَتَعاوُونَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ وهو دارُ العَذابِ إلى اللُّغَوِيِّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ غَيْرَ هَذا التَّأْوِيلِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَثْواكُمْ ﴾ يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ: إنَّ لَهم وقْتًا يَخْرُجُونَ فِيهِ مِن دارِ العَذابِ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظَواهِرَ الآياتِ صادِحَةٌ بِعَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ وفي إخْراجِهِمْ هَذا تَخْفِيفٌ أيُّ تَخْفِيفٍ وإنْ كانَ بَعْدَهُ ما يَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي ولَعَلَّ الخَبَرَ في ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ والمَشْهُورُ أنَّ المُرائِينَ يُدْنَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها نُودُوا أنِاصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها الخَبَرُ بِتَمامِهِ وقَدْ قَدَّمْناهُ ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ النّارَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الحَدِيثَ.
وقِيلَ: المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أمْهَلَكم ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ فِي الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ مِنهُ فَإذا قُلْتَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا فَإنَّ مَعْناهُ إلّا زَيْدًا ما قامَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أمّا إذا كانَ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ أيْ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى فَإنَّهم ذاقُوها فَلَعَلَّ القائِلَ بِأنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَ الِاسْتِثْناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لِطَيْفٍ إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن زِيادَةِ العَذابِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ اسْتِقامَةِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّعَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ فَكَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ حَتّى تَكادُ لِبُلُوغِها الغايَةَ ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ تُعَدُّ خارِجَةً عَنْهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَذابِ والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ كَما عَبَّرُوا عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِرُبَّ وقَدْ وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ.
ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ فَكانَ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ ونِهايَةِ الشِّدَّةِ فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ حَتّى تَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يُؤَيِّدُهُ.
انْتَهى.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى رَفْعُ العَذابِ أيْ يُخَلَّدُونَ إلى أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ والإذْعانِ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ شاءَهُ وكانَ مِنَ الجائِزِ العَقْلِيِّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهم وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِعَزَّ وجَلَّ وفي الآيَةِ عَلى هَذا دَفْعٌ في صُدُورِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكَفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ مُقْتَضى ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إيرادِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ ومِن أفاضِلِ العَصْرِيِّينَ الأكابِرِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ الوَجْهَ لَهُ وأنَّهُ قَدْ خَلَتْ عَنْهُ الدَّفاتِرُ وهو مَذْكُورٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ فَإنْ كانَ لا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإنْكانَ يَدْرِي فالمُصِيبَةُ أعْظَمُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) .
﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ في التَّعْذِيبِ والإثابَةِ أوْ في كُلِّ أفْعالِهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (128) بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ما سَبَقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِنإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ أوْ مِثْلُ ما سَبَقَ ﴿ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ الإنْسِ ﴿ بَعْضًا ﴾ آخَرَ مِنهم أيْ نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم ويَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ في الدُّنْيا بِالإغْواءِ والإضْلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ إذا كانُوا ظالِمِينَ فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم وفي الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» أوِ المَعْنى نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ بَعْضٍ في العَذابِ كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (129) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي <div class="verse-tafsir"
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ رُسُلٌ ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كائِنَةٌ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم لَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمَمِ ولا عَلى أنَّ أُولَئِكَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها وعَلى أنْ تَكُونَ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً إذِ المَشْهُورُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ وأنْبِياءُ ونَظِيرُهُ في هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ فَإنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والفَرّاءُ قَدَّرَ هُنا مُضافًا لِذَلِكَ أيْ مِن أحَدِكم وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا لِلْقُرْآنِ وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ لِلْجِنِّ رُسُلًا مِنهم وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ رَسُولًا مِنهم يُسَمّى يُوسُفَ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي إرْسالَ الرُّسُلِ إلى كُلٍّ مِنَ المَعْشَرَيْنِ مِن جِنْسِهِمْ وادَّعى بَعْضٌ قِيامَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلى الجِنِّ رَسُولٌ مِنهم وإنَّما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَنِ الإنْسِ وهَلْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْ لا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الكَلْبِيُّ الثّانِي قالَ: كانَ الرُّسُلُ يُرْسَلُونَ إلى الإنْسِ حَتّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ إلى الإنْسِ والجِنِّ ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ﴾ الَّتِي أوْحَيْتُها إلَيْهِمْ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِهِمْ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ ﴿ ويُنْذِرُونَكُمْ ﴾ أيْ يُخَوِّفُونَكم بِما في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ ﴿ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ أيْ يَوْمَ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما عايَنُوا ﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ وكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ ﴿ شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا ﴾ أيْ بِإيتاءِ الرُّسُلِ وقَصِّهِمْ وإنْذارِهِمْ وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِ القَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها وألْجَأهم في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ فَلا تَكْرارَ في الشَّهادَتَيْنِ أيْ واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَرَؤُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ ﴿ وشَهِدُوا ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ كافِرِينَ ﴾ (130) بِالآياتِ والنُّذُرِ واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ وفي ذَلِكَ مِن تَحَسُّرِهِمْ وتَحْذِيرِ السّامِعِينَ عَنْ مِثْلِ صَنِيعِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرُّسُلِ أوِ السُّؤالِ المَفْهُومِ مِن ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ أعْنِي شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابَ العَذابِ وهو إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ خَبَرُهُقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها وإمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَخُذْوَفَعَلْنا ونَحْوِ ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أنْ لَمْ ) ..
إلَخْ.
بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكٍ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى أوْ مُتَلَبِّسَةً بِظُلْمٍ أوْ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ والمُرادُ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى إلّا أنَّهُ تَجَوَّزَ في النِّسْبَةِ أوْ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ (131) لِأنَّ أصْلَهُ وهم غافِلُونَ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ مَقامَ ضَمِيرِهِ.
واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى جَعْلِ بِظُلْمٍ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ بِأنْ يَكُونَ حالَ التَّيَقُّظِ ومُقارِنَةَ الِانْقِيادِوَإنْ كانَ المُرادُ ها هُنا هو الإهْلاكَ حالَ الغَفْلَةِ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَعْيِينُ المُرادِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ واخْتارَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ احْتِمالاتِ المُشارِ إلَيْهِ وأوْجُهَإعْرابِ اسْمِ الإشارَةِ الثّالِثِ مِن كُلٍّ قالَ: والمَعْنى ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلَوْهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرُسُلٍ وكِتابٍ وإنْقَضى بِهِ بَداهَةً العُقُولُ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ أيْ لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذَكَرَ ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ وإنَّما عَلَّلَ ما ذَكَرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْناهُ لِبَيانِ كَما نَزاهَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كِلا التَّعْذِيبَيْنِ مِن غَيْرِإنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ لَمّا اخْتارَهُ وجْهًا وجِيهًا خَلا أنَّ قَوْلَهُ فِيما بَعْدُ: إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ وخَبَرَ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ مَمْنُوعٍ وعَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الخِطابُ لِلرَّسُولِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والظّاهِرُ أنَّ انْتِفاءَ الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ لا يَخْتَصُّ بِالإنْسِ بَلِ الجِنُّ أيْضًا لا يُهْلَكُونَ قَبْلَإنْذارِهِمْ وإنْلَمْ يَشِعْ إطْلاقُ أهْلِ القُرى عَلَيْهِمْ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَ قَبْلَ الإنْذارِ وقِيامِ الحُجَّةِ وبَنَوْهُ عَلى قاعِدَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ وأئِمَّتُنا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَجْعَلُونَهُ مَناطَ الحُكْمِ كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولِكُلٍّ ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ جِنًّا كانُوا أوِ إنْسًا ﴿ دَرَجاتٌ ﴾ أيْ مَراتِبُ فَيَتَناوَلُ الدَّرَكاتِ حَقِيقَةً أوْ تَغْلِيبًا ﴿ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ مِن أعْمالِهِمْ صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها فَمِن إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ (132) فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَمَلُ عامِلٍ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ ولَوْ أُرِيدَ شُمُولُ ( يَعْمَلُونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِلْمُخاطَبِ بِأنْيُرادَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ الغائِبِ عَلى المُخاطَبِ سِوى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي كَلامِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ورَبُّكَ الغَنِيُّ ﴾ أيْ لا غِنًى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ إلّا هو سُبْحانَهُ فَلا احْتِياجَ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ إلى العِبادِ ولا إلى عِبادَتِهِمْ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اللُّطْفِ الجَزِيلِ والكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و ﴿ الغَنِيُّ ﴾ صِفَةٌ أيِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ العامَّةِ فَيَتَرَحَّمُ عَلى العِبادِ بِالتَّكَلُّفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي إلى ما شاءَ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ماتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ ما بِهِ حاجَةٌ إلَيْكم أصْلًا إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ أوْ أيُّها النّاسُ بِالإهْلاكِ وفي تَلْوِينِ الخِطابِ مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى ﴿ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ ﴾ أيْ ويُنْشِئُ مِن بَعْدِ إذْهابِكم ﴿ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ الخَلْقِ وإيثارُ ما عَلى مَن لِإظْهارِ كَمالِ الكِبْرِياءِ وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ ﴿ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ (133) أيْ مِن نَسْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم وما في ( كَما ) مَصْدَرِيَّةٌ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ السّابِقِ أيْ ويُنْشِئُ إنْشاءً كَإنْشائِكم أوْ يَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كَإنْشائِكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى البَدَلِ والشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الغِنى والرَّحْمَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ ﴾ أيِإنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ القِيامَةِ والحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ وتَفاوُتِ الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ و ﴿ ما ﴾ اسْمُإنَّ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافَّةَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لآتٍ ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ هو خَبَرُإنَّ والمُرادُ إنَّ ذَلِكَ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ وإيثارُ آتٍ عَلى واقِعٍ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ (134) أيْ جاعِلِي مَن طَلَبَكم عاجِزًا عَنْكم غَيْرَ قادِرٍ عَلى إدْراكِكم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِقُرْبِ الإتْيانِ والدَّوامِ الَّذِي يُفِيدُهُ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْيِ فالمُرادُ دَوامُ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا قَوْمِ ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُواجِهَ الكَفّارَ بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِن غايَةِ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ أصْلًا إثْرَ ما بَيَّنَ لَهم حالَهم ومَآلَهم أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ أيْ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم عَلى أنَّ المَكانَةَ مَصْدَرُ مَكَّنَ إذْ تَمَكَّنَ أبْلَغُ التَّمَكُّنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا بِمَعْنى المَكانِ كالمَقامِ والمَقامَةِ ومِن هُنا فَسَرَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِالنّاحِيَةِ وتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَن فَسَّرَهُ بِالحالَةِ أيِ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مَكاناتِكم ) عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الوَجْهَ الإفْرادُ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم لِي ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ عَلى مَكانَتِي أيْ ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابَرَتِكم.
والأمْرُ بِالتَّهْدِيدِ وإيرادُهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مَجْمِعًا عازِمًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدِّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ وجَعَلَ العَلّامَةُ الثّانِي ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ المَعْنى بِالمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ أيْ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَسَوْفَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها ومَجْمُوعُهُما سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.
والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا لا دارَ السَّلامِ كَما قِيلَ وبِالعاقِبَةِ العاقِبَةُ الحُسْنى أيْ عاقِبَةُ الخَيْرِ لِأنَّها الأصْلُ فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها وأرادَ مِن عِبادِهِ أعْمالَ الخَيْرِ لِيَنالُوا حُسْنَ الخاتِمَةِ.
وأمّا عاقِبَةُ الشَّرِّ فَلا اعْتِدادَ بِها لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدّارَ لَها ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّهْدِيدِ إنْصافٌ في المَقالِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكُونُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ (135) أيْ لا يَظْفَرُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وإنَّما وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكَفْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ وهو أكْثَرُ فائِدَةً لِأنَّهُ إذا لَمْ يُفْلِحِ الظّالِمُ فَكَيْفَ الكافِرُ المُتَّصِفُ بِأعْظَمِ أفْرادِ الظُّلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وجَعَلُوا ﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿ لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ ﴾ أيْ خَلَقَ قالَ الرّاغِبُ: الذَّرْءُ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى ما أبْدَعَهُ يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ أيْ أوْجَدَ أشْخاصَهم وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الذَّرْءُ الخَلْقُ عَلى وجْهِ الِاخْتِراعِ وأصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ مُلِحٌّ ذَرانِيٌّ لِظُهُورِ بَياضِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وما مَوْصُولَةٌ وجُمْلَةُ ذَرَأ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَرَأ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مِمّا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَصِيبًا ﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿ مِنَ الحَرْثِ ﴾ حالًا أيْضًا مِن ما أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ و ﴿ نَصِيبًا ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَفْعُولُ جَعَلَ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما ﴿ مِمّا ذَرَأ ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ وثانِيهِما ﴿ نَصِيبًا ﴾ وقِيلَ: الأمْرُ بِالعَكْسِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ سَدادَ المَعْنى وأيًّا ما كانَ فَهَذا شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّهم كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى مِنهُ جُزْءًا وجُزْءًا لِلْوَثَنِ فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا سُمِّيَ لِلصَّمَدِ رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ فَسَقى شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى فَسَقى ما سَمَّوْهُ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمُ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى فَيَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ فَيُنْفِقُونَ مِنها لِسَدَنَتِها ويَذْبَحُونَ عِنْدَها فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ وما ذاكَ إلّا لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ القادِرَ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ واخْتارَ هَذِهِ الرِّوايَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وجَعَلُوا لِلَّهِ ..
إلَخْ.
ولِشُرَكائِهِمْ فَطُوِيَ ذِكْرُ الشُّرَكاءِ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم وأُشِيرَ إلى تَقْدِيرِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا ﴾ أيِ الأوْثانِ وسَمَّوْهم شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَهم شُرَكاؤُهم فِيها ويُحْتَمَلُ أنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم زَعَمُوا كَوْنَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( بِزُعْمِهِمْ ) بِضَمِّ الزّايِ وهو لُغَةٌ فِيهِ وجاءَ الكَسْرُ أيْضًا فَهو مُثَلَّثٌ كالوِدِّ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يُجْعَلُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ مُسْتَتْبَعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿ هَذا لِلَّهِ ﴾ مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ أيْ فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ (136) فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ مَخْلُوقٍ عاجِزٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى خالِقٍ قادِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَّعْ لَهم و( ساءَ ) يَجْرِي مَجْرى بِئْسَ فَما سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً فاعِلٌ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ حُكْمُهم هَذا وقِيلَ: إنَّ ( ساءَ ) هُنا غَيْرُ الجارِيَةِ مَجْرى بِئْسَ فَلا تَحْتاجُ إلى مَخْصُوصٍ بِالذَّمِّ بَلْ إلى فاعِلٍ فَقَطْ فَإنَّ فاعِلَ الجارِيَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ أوْ مُضافًا في الأشْهَرِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرُباتِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿ قَتْلَ أوْلادِهِمْ ﴾ فَكانُوا يَئِدُونَ البَناتِ الصِّغارَ بِأنْ يَدْفِنُوهُنَّ أحْياءً وكانُوا في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ فَرِيقَيْنِ أحَدُهُما يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَألْحِقُوا البَناتِ بِاللَّهِ تَعالى فَهو أحَقُّ بِها والآخَرُ يَقْتُلُهُنَّ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وقِيلَ: خَشْيَةَ ذَلِكَ والعارِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ وقِيلَ: السَّبَبُ في قَتْلِ البَناتِ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ أغارَ عَلى قَوْمٍ فَسَبى نِساءَهم وكانَتْ فِيهِنَّ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ ثُمَّ اصْطَلَحُوا فَأرادَتْ كُلُّ امْرْأةٍ مِنهُنَّ عَشِيرَتَها غَيْرَ ابْنَةِ قَيْسٍ فَإنَّها أرادَتْ مَن سَباها فَحَلَفَ قَيْسٌ لا تُولَدُ لَهُ بِنْتٌ إلّا وأدَها فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِيما بَيْنَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَنْذِرُ أحَدُهم إذا بَلَغَ بَنُوهُ عَشْرَةً نُحِرَ واحِدٌ مِنهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ في قِصَّتِهِ المَشْهُورَةِ وإلَيْها أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وقَتْلَ مَفْعُولُ زَيَّنَ مُضافٌ إلى أوْلادِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ فاعِلٌ لَهُ والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ إمّا الجِنُّ أوِ السَّدَنَةُ ووُسِمُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم شُرَكاءُ فِي أمْوالِهِمْ كَما مَرَّ آنِفًا أوْ طاعَتُهم لَهُ كَما يُطاعُ الشَّرِيكُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ لَهم ذَلِكَ تَحْسِينُهُ لَهم وحَثُّهم عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( زُيِّنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونُصِبَ الأوْلادُ وجُرَّ الشُّرَكاءُ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ شَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُورِيّاتِ وهو الشِّعْرُ لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا كَما سَمِجَ: وِرْدٌ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المُعْجِزِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ﴿ شُرَكائِهِمْ ﴾ مَكْتُوبًا بِالياءِ ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ.
اهـ.
وقَدْ رَكِبَ في هَذا الكَلامِ عَمْياءَ وتاهَ في تَيْهاءَ فَقَدْ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةَ اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا لا نَقْلًا وسَماعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ وأخَذَ يُبَيِّنُ مَنشَأ غَلَطِهِ وهَذا غَلَطٌ صَرِيحٌ يُخْشى مِنهُ الكَفْرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ القِراءاتِ السَّبْعَةَ مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ فَتَغْلِيطُ شَيْءٍ مِنها في مَعْنى تَغْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ تَغْلِيطٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ وقالَ أبُو حَيّانَ: عَجَبٌ لِعَجَمِيٍّ ضَعِيفٍ في النَّحْوِ يَرُدُّ عَلى عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ مَحْضٍ قِراءَةً مُتَواتِرَةً نَظِيرُها في كَلامِ العَرَبِ في غَيْرِ ما بَيْتٍ وأعْجَبُ بِسُوءِ هَذا الرَّجُلِ بِالقُرّاءِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ تَخَيَّرَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ لِنَقْلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى شَرْقًا وغَرْبًا وقَدِ اعْتَمَدَ المُسْلِمُونَ عَلى نَقْلِهِمْ لِضَبْطِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ ودِيانَتِهِمْ.
اهـ.
وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ولَعَلَّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ جَهْلُهُ بِعَلَمَيِ القِراءَةِ والأُصُولِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي يَعْمَلُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومُحَقِّقُو النُّحاةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُما بِأنَّ الثّانِيَ يُفْصَلُ فِيهِ بِالظَّرْفِ والأوَّلَ إذا كانَ مَصْدَرًا أوْ نَحْوَهُ يُفْصَلُ بِمَعْمُولِهِ مُطْلَقًا لِأنَّ إضافَتَهُ في نِيَّةِ الِانْفِصالِ ومَعْمُولَهُ مُؤَخَّرٌ رُتْبَةً فَفَصْلُهُ كَلا فَصْلٍ فَلِذا ساغَ ذَلِكَ فِيهِ ولَمْ يُخَصُّ بِالشِّعْرِ كَغَيْرِهِ ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ وخَطَّأ الزَّمَخْشَرِيَّ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ وقالَ في كافِيَتِهِ: وظَرْفٌ أوْ شَبِيهُهُ قَدْ يَفْصِلُ جُزْأيْ إضافَةٍ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فَصْلانِ في اضْطِرارِ بَعْضِ الشِّعْرا وفي اخْتِيارٍ قَدْ أضافُوا المَصْدَرا لِفاعِلٍ مِن بَعْدِ مَفْعُولٍ حَجَزَ كَقَوْلِ بَعْضِ القائِلِينَ لِلرَّجَزِ بِفَرْكِ حَبِّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكِ القُطْنِ المَحالِجِ وعُمْدَتِي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وكَمْ لَها مِن عاضِدٍ وناصِرٍ انْتَهى.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ مُنافِيَةٌ لِقِياسِ العَرَبِيَّةِ لَوَجَبَ قَبُولُها أيْضًا بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ صِحَّةُ نَقْلِها كَما قُبِلَتْ أشْياءُ نافَتِ القِياسَ مَعَ أنَّ صِحَّةَ نَقْلِها دُونَ صِحَّةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ بِكَثِيرٍ وما ألْطَفَ قَوْلِ الإمامِ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وكَثِيرٌ ما أرى النَّحْوِيِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ فَإذا اسْتَشْهَدَ في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم لِأنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ السَّكّاكِيِّ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِغَيْرِ الظَّرْفِ ونَحْوَ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ ونَحْوَ قِراءَةِ مَن قَرَأ ( قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهِمْ ) لِاسْتِنادِها إلى الثِّقاتِ وكَثْرَةِ نَظائِرِها ومَن أرادَها فَعَلَيْهِ بِخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ مَحْمُولَةً عِنْدِي عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وإضْمارِ المُضافِ في الثّانِي كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ( واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ أيْ عَرَضَ الآخِرَةِ وما ذَكَرْتُ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ إلّا أنَّ تَخْطِئَةَ الثِّقاتِ والفُصَحاءِ أبْعَدُ.
اهـ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِبِناءِ ( زُيِّنَ ) لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ كَما في قَوْلِهِ: لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تَطِيحُ الطَّوائِحُ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ مِن زَيَّنَهُ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أيْ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ ﴿ ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ أيْ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِّرْكِ أوْ دِينَهُمُ الَّذِي وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى لِيُوقِعُوهم في دِينٍ مُلْتَبِسٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن إغْوائِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ إذْ لَيْسَ مَحَطُّ نَظَرِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ عاقِبَةٌ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ أيْ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ أوْ ما فَعَلَ الشُّرَكاءُ مِنَ التَّزْيِينِ أوِ الإرْداءِ واللَّبْسِ أوْ ما فَعَلَ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ (137) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ ما كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ ولا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ في ما يَشاءُ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ وقِيلَ: تَتِمَّةٌ لِما تَقَدَّمَ ﴿ هَذِهِ ﴾ أيْ ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ ﴿ أنْعامٌ وحَرْثٌ ﴾ أيْ زَرْعٌ ﴿ حِجْرٌ ﴾ أيْ مَمْنُوعٌ مِنها وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٍ وحَرْثٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ( حُجْرٌ ) بِضَمِّ الحاءِ وقَرَأ أيْضًا بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وبِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ مَعًا ويَحْتَمِلُ في هَذا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالحُلْمِ أوْ أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَسُقُفٍ ورُهُنٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( حِرْجٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ أيْ ضِيقٌ وأصْلُهُ حَرِجٌ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حَجَرٍ كَعَمِيقٍ ومُعِيقٍ ﴿ لا يَطْعَمُها ﴾ أيْ يَأْكُلُها ﴿ إلا مَن نَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرِّجالَ دُونَ النِّساءِ وقِيلَ: يَعْنُونَ ذَلِكَ وخَدَمَ الأوْثانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٍ وحَرْثٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ قالُوا أيْ قالُوا ذَلِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ وأنْعامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذِهِ أنْعامٌ ﴾ أيْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ مِن أنْعامِهِمْ وهَذِهِ أنْعامٌ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ أوَّلًا إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمُ السّابِقِ وما بَيْنَهُما كالِاعْتِراضِ وهَذا عَطْفٌ عَلى أنْعامٍ المُتَقَدِّمِ إدْخالُهُ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ السَّوائِبُ ونَحْوُها وهي بِزَعْمِهِمْ تَعْتَقُ وتُعْفى لِأجَلِ الآلِهَةِ ﴿ حُرِّمَتْ ﴾ أيْ مُنِعَتْ ﴿ ظُهُورُها ﴾ فَلا تُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْها ﴿ وأنْعامٌ ﴾ أيْ وهَذِهِ أنْعامٌ عَلى ما مَرَّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٍ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ في رَأْيٍ لا أنَّهُ واقِعٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وائِلٍ أنَّ المَعْنى لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ كانَتْ لَهم طائِفَةٌ مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها لا إنْ رَكِبُوا ولا إنْ حَلَبُوا ولا ولا ﴿ افْتِراءً عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ونُصِبَ افْتِراءٌ عَلى المَصْدَرِ إمّا عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ المَحْكِيَّ بِمَعْنى الِافْتِراءِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا أيْ مُفْتَرِينَ أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ لِلِافْتِراءِ وهو بَعِيدٌ مَعْنًى و( عَلَيْهِ ) قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا أوْ بِافْتِراءِ المُقَدَّرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبِافْتِراءٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَعَلُّقِهِ بِقالُوا والَّذِي دَعاهُمُ إلَيْهِ ومَنَعَهم مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ المَصْدَرَ إذا وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لا يَعْمَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ بِأنْ والفِعْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِتَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِافْتِراءٍ أيِ افْتِراءً كائِنًا عَلَيْهِ ﴿ سَيَجْزِيهِمْ ﴾ لا بُدَّ ﴿ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ (138) أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلَهُ وأُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ حِكايَةً لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ يَعْنُونَ بِهِ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَعْنُونَ بِهِ الألْبانَ و( ما ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ﴾ أيْ حَلالٌ لَهم خاصَّةً لا يُشْرِكُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الإناثِ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةِ الشِّعْرِ أيْ كَثِيرُ الرِّوايَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كَما قالَ الفَرّاءُ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ ذُو وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ: فُلانٌ خالِصَتِي أيْ ذُو خُلُوصِي قالَ الشّاعِرُ: كُنْتَ أمِينِي وكُنْتَ خالِصَتِي ولَيْسَ كُلُّ امْرِئٍ بِمُؤْتَمَنِ نَعَمْ قِيلَ: مَجِيءُ المَصْدَرِ بِوَزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ قَلِيلٌ وقِيلَ: إنَّ التّاءَ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ.
والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ أيْ عَلى جِنْسِ أزْواجِنا وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ رِعايَةَ المَعْنى أوَّلًا واللَّفْظِ ثانِيًا وهو خِلافُ المَعْهُودِ في الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ العَكْسِ وادَّعى بَعْضٌ أنَّ لَهُ نَظائِرَ فِيهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ إذْ أنَّثَ فِيهِ ضَمِيرَ كُلُّ أوَّلًا مُراعاةً لِلْمَعْنى ثُمَّ ذَكَّرَ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ وقِيلَ: إنَّ ما هُنا جارٍ عَلى المَعْهُودِ مِن رِعايَةِ اللَّفْظِ أوَّلًا لِأنَّ صِلَةَ ما جارٌّ ومَجْرُورٌ تَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِهِ اسْتَقَرَّ لا اسْتَقَرَّتْ ولا وجْهَ لِذَلِكَ لِأنَّ المُتَعَلِّقَ والضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ فِيهِ لا يُعْلَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ حَتّى يَكُونَ مُراعاةً لِأحَدِ الجانِبَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ أنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَ المَعْنى قَلِيلٌ وغَيْرَهُ أوْلى ما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ارْتِكابَ خِلافِ المَعْهُودِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ مَعْنَوِيٍّ ولَفْظِيٍّ أمّا الأوَّلُ فَمُوافَقَةُ القَوْلِ لِلْفِعْلِ حَيْثُ أنَّ المَعْهُودَ مِن ذَوِي المُرُوءَةِ جَبْرُ قُلُوبِ الإناثِ لِضَعْفِهِنَّ ولِذا يُنْدَبُ لِلرَّجُلِ إذا أعْطى شَيْئًا لِوَلَدِهِ أنْ يَبْدَأ بِإناثِهِمْ وأمّا الثّانِي فَمُراعاةُ ما يُشْبِهُ الطِّباقَ بِوَجْهٍ بَيْنَ خالِصَةٍ وذُكُورِنا وبَيْنَ مُحَرَّمٍ وأزْواجِنا وهو كَما تَرى.
﴿ وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ أيْ ذَلِكَ حَلالٌ لِلذُّكُورِ مُحَرَّمٌ عَلى الإناثِ إنْ وُلِدَ حَيًّا وإنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً ﴿ فَهُمْ ﴾ أيِ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَيْتَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى غَلَّبَ الذَّكَرُ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ كَما فَعَلَ فِيما قَبْلَهُ ﴿ شُرَكاءُ ﴾ يَأْكُلُونَ مِنها جَمِيعًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما يَظْهَرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ فَلا ولَعَلَّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ يَقْرَأُ الآيَةَ بِإحْدى الأوْجُهِ الآتِيَةِ أوْ يَتَأوَّلُ الضَّمِيرُ وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿ لِذُكُورِنا ﴾ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً أيْ في حالِ خُلُوصِهِ مِنَ البُطُونِ أيْ خُرُوجِهِ حَيًّا والتَزَمَ جَعْلَها حالًا مُقَدَّرَةً ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِاللّازِمِ ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُ أوْ مِن ذُكُورِنا نَفْسِهِ لِأنَّ الحالَ لا تَتَقَدَّمَ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ كالجارِّ والمَجْرُورِ واسْمِ الإشارَةِ وها التَّنْبِيهِ العامِلَةِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( خالِصًا ) بِدُونِ تاءٍ مَعَ النَّصْبِ أيْضًا والكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ( خالِصَةُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ( وإنْ تَكُنْ ) بِالتّاءِ مَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وابْنُ كَثِيرٍ يَكُنْ بِالياءِ ومَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُنْ بِالتّاءِ كابْنِ عامِرٍ مَيْتَةً بِالنَّصْبِ.
قالَ الإمامُ: وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ ووَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّ مَيْتَةً اسْمُ يَكُنْ وخَبَرَهُ مُضْمَرٌ أيْ إنْ يَكُنْ لَهم أوْ هُناكَ مَيْتَةٌ وذُكِرَ لِأنَّ المَيْتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا تَحْتاجُ كانَ إلى خَبَرٍ لِأنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ ووَجْهُ القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنَّ المَعْنى وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ أوِ الأنْعامُ مَيْتَةً ﴿ سَيَجْزِيهِمْ ﴾ ولا بُدَّ ﴿ وصْفَهُمْ ﴾ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴾ وهو كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصَفَ كَلامَهُ الكَذِبَ إذا كَذَبَ وعَيْنُهُ نِصْفُ السِّحْرِ أيْ ساحِرٌ وقَدُّهُ يَصِفُ الرَّشاقَةَ بِمَعْنى رَشِيقٍ مُبالَغَةً حَتّى كانَ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وُصِفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ قالَ المَعَرِّيُّ.
سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ ∗∗∗ فَباتَ بِرامَةَ يَصِفُ المَلالا ونُصِبَ ﴿ وصْفَهُمْ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ مَصْدَرِ يَجْزِيهِمْ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمْ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ سَيَجْزِيهِمُ العِقابَ بِوَصْفِهِمْ أيْ بِسَبَبِهِ فَلَمّا سَقَطَ الباءُ نُصِبَ ( وصْفَهم ) .
﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ (139) تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ فِي الهِبَةِ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: يَعْمِدُ أحَدُكم إلى المالِ فَيَجْعَلُهُ لِلذُّكُورِ مِن ولَدِهِ إنْ هَذا إلّا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ ﴾ وهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم عَلى ما مَرَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ أيْ هَلَكَتْ نُفُوسُهم بِاسْتِحْقاقِهِمْ عَلى ذَلِكَ العِقابَ أوْ ذَهَبَ دِينُهم وُدُنْياهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( قَتَّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِمَعْنى التَّكْثِيرِ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ ونُصِبَ ﴿ سَفَهًا ﴾ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَقَتَلُوا أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ( سُفَهاءَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ.
﴿ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها ﴿ افْتِراءً عَلى اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهم وطُغْيانِهِمْ ﴿ قَدْ ضَلُّوا ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ (140) إلَيْهِ وإنْ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ أوْ ما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهم لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الحالِ لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ وأنَّ ضَلالَهُمُ الحادِثَ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( ضَلُّوا ) عَلى الأوَّلِ واعْتِراضٌ عَلى الثّانِي وقَرَأ ابْنُ رَزِينٍ ( قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ ذَلِكَ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَوْدٌ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أيْ وهو الَّذِي خَلَقَ وأظْهَرَ تِلْكَ الجَنّاتِ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكَرْمِ ما يُحْمَلُ عَلى العَرِيشِ وهو عِيدانٌ تُصْنَعُ كَهَيْئَةِ السَّقْفِ ويُوضَعُ الكَرْمُ عَلَيْها ﴿ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ وهي المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الكَرْمِ أيْضًا وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَها كِلاهُما لِلْكَرْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَّخَذَ لَهُ عَرِيشٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُهُ مِنَ الكَرْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ هو القائِمُ مِنَ الشَّجَرِ المُسْتَغْنِي بِاسْتِوائِهِ وقُوَّةِ ساقِهِ عَنِ التَّعْرِيشِ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْصُلُ في البَساتِينِ والعُمَراناتِ مِمّا يَغْرِسُهُ النّاسُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ وقِيلَ: المَعْرُوشُ العِنَبُ الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ عَرِيشٌ وغَيْرُ المَعْرُوشِ كُلُّ ما يَنْبُتُ مُنْبَسِطًا عَلى وجْهِ الأرْضِ مِثْلَ القَرْعِ والبِطِّيخِ وقالَ عِصامُ الدِّينِ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمَعْرُوشِ المَعْرُوشُ بِالطَّبْعِ كالأشْجارِ الَّتِي تَرْتَفِعُ وبِغَيْرِ المَعْرُوشِ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كالكَرْمِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والنَّخْلَ والزَّرْعَ ﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ التَّعْمِيمِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ جَنّاتٍ ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿ مُخْتَلِفًا ﴾ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ ﴿ أُكُلُهُ ﴾ أيْ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ﴿ أُكُلُهُ ﴾ بِسُكُونِ الكافِ وهو لُغَةٌ فِيهِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ والضَّمِيرُ إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ ويُعْلَمَ حُكْمُ الآخَرِ بِالمُقايَسَةِ إلَيْهِ أوْ إلى كُلِّ واحِدٍ عَلى البَدَلِ أوْ إلى الجَمِيعِ والضَّمِيرُ بِمَعْنى اسْمِ الإشارَةِ وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ مَعَ العَطْفِ بِالواوِ فالظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو ﴿ الزَّرْعَ ﴾ ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ حالُ النَّخْلِ لِدَلالَةِ هَذِهِ الحالِ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ والنَّخْلَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وجَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ ثَمَرُ جَنّاتٍ والحالُ المُشارُ إلَيْها عَلى كُلِّ حالٍ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا اخْتِلافَ وقْتَ الإنْشاءِ.
وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّها كَذَلِكَ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ ثَمَرُ النَّخْلِ وحَبُّ الزَّرْعِ وحالٌ مُقارَنَةٌ إنْ قُدِّرَ.
﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ أيْ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ أوِ الطَّعْمِ أوِ الهَيْئَةِ ولا يَتَشابَهُ في بَعْضِها وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: مُتَشابِهًا في المَنظَرِ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في المَطْعَمِ والنَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿ كُلُوا ﴾ أمْرُ إباحَةٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿ مِن ثَمَرِهِ ﴾ الكَلامُ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا ﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ وإنْ لَمْ يَنْضَجْ ويَنِيعُ بَعْدُ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ الإدْراكِ وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ وغَيْرِهِ.
﴿ وآتُوا حَقَّهُ ﴾ لِلَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ وهو عَلى ما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وغَيْرُهم والظَّرْفُ قَيْدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِهَيْئَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ بِمادَّتِهِ مِنَ الحَدَثِ إذْ لَيْسَ الأداءُ وقْتَ الحَصادِ والحَبُّ في سُنْبُلِهِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الظّاهِرِ بَلْ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وادَّعى عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ فَلا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وغَيْرُهُما وقِيلَ: ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الزَّكاةَ ما كانَتْ واجِبَةً في مَكَّةَ وكَوْنُ آياتِها مَدَنِيَّةً لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ هَذا حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ فَإذا دُسْتَهُ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم فَإذا ذَرَّيْتَهُ وجَمَعْتَهُ وعَرَفْتَ كَيْلَهُ فاعْزِلْ زَكاتَهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ وهي لُغَةٌ فِيهِ وعَدَلَ عَنْ حَصْدِهِ وهو المَصْدَرُ المَشْهُورُ لِحَصْدٍ إلَيْهِ لِدَلالَتِهِ عَلى حَصْدٍ خاصٍّ وهو حَصْدُ الزَّرْعِ إذا انْتَهى وجاءَ زَمانُهُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وأشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ أيْ لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فَتَبْسُطُوا أيْدِيَكم كُلَّ البَسْطِ في الإعْطاءِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَذَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِيَنَّ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ كَيْلا يُؤَدِّيَ إلى بَخْسِ حَقِّ الفُقَراءِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّ المَعْنى لا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ فَتَعْصُوا وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لا تُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ويُرْوى نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ أبُو قَيْسٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ رَجُلٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُسْرِفًا وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ لا تُشْرِكُوا الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ.
والخِطابُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ لِأرْبابِ الأمْوالِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ الخِطابَ لِلْوُلاةِ أيْ لا تَأْخُذُوا ما لَيْسَ لَكم بِحَقٍّ وتَضُرُّوا أرْبابَ الأمْوالِ واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْجَمِيعِ مِن أرْبابِ الأمْوالِ والوُلاةِ أيْ لا يُسْرِفْ رَبُّ المالِ في الإعْطاءِ ولا الإمامُ في الأخْذِ والدَّفْعِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ (141) بَلْ يَبْغُضُهم مِن حَيْثُ إسْرافِهِمْ ويُعَذِّبُهم عَلَيْهِ إنْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ جَنّاتٍ ﴾ والجِهَةُ الجامِعَةُ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِهِما والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإنْشاءٍ والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ لا واحِدَ لَهُ كالرَّكُوبَةِ.
والمُرادُ بِهِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الأنْعامِ وبِالفَرْشِ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ ما يُفْرَشُ المَنسُوجُ مِن صُوفِهِ وشَعَرِهِ ووَبَرِهِ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وقِيلَ: الحَمُولَةُ لِلْكِبارِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ والفَرْشُ الصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ ذَلِكَ بِكِبارِ الإبِلِ وصِغارِها وهو إحْدى رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفي رِوايَةٍ أُخْرى الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ والفَرْشُ الغَنَمُ ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى وهو الحَلالُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ.
والرِّزْقُ شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوهُ بِالحَلالِ كَما تَقَدَّمَ أوائِلَ الكِتابِ وادَّعَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ ورَكَّبُوا شَكْلًا مَنطِقِيًّا أجْزاؤُهُ سَهْلَةُ الحُصُولِ تَقْدِيرُهُ الحَرامُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ شَرْعًا وهو طاهِرٌ والرِّزْقُ ما يُؤْكَلُ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ فالحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يُفِيدُ لَوْ صَدَقَ كُلُّ رِزْقٍ مَأْكُولٍ شَرْعًا والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أمّا إذا كانَتْ تَبْعِيضِيَّةً فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً فَلِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى تَناوُلِ الجَمِيعِ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ اسْتَحِلُّوا الأكْلَ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا ﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ طَرْقَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم ﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ (142) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ فَقَدْ أخْرَجَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وقالَ: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن شَرِّهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ قائِلًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ أيِ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ مِنَ الحَواسِّ والأعْضاءِ الظّاهِرَةِ أوْ مِنَ الصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ بِأنْ جَعَلْتُمُوهُمُ أتْباعَكم بِإغْوائِكم إيّاهم وتَزْيِينِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ لَهم ﴿ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنّا في صُورَةِ الجَمْعِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ بِالآخَرِ ﴿ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ بِالمَوْتِ أوِ المَعادِ عَلى أقْبَحِ الهَيْئاتِ وأسْوَأِ الأحْوالِ ﴿ قالَ النّارُ ﴾ أيْ نارُ الحِرْمانِ ووِجْدانُ الآلامِ ﴿ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ لا يُعَذِّبُكم إلّا بِهَيْئاتِ نُفُوسِكم عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِهاتِيكَ الهَيْئاتِ فَيُعَذِّبُ عَلى حَسَبِها ﴿ وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ أيْ نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ أوِ إلَيْهِ وقَرِينَهُ في العَذابِ ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ مِنَ المَعاصِي حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ الإشارَةِ العُقُولِ وهي رُسُلٌ خاصَّةٌ ذاتِيَّةٌ إلى ذَوِيِها مُصَحَّحَةٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ الآخَرِ وهي رُسُلٌ خارِجِيَّةٌ.
وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ حَمَلَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ عَلى العَقْلِ أيْضًا وهَذِهِ الأسْئِلَةُ عِنْدَ بَعْضِ المُؤَوِّلِينَ والأجْوِبَةُ والشَّهاداتُ كُلُّها بِلِسانِ الحالِ وإظْهارِ الأوْصافِ ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ﴾ أيِ الأبْدانِ أوِ القُلُوبِ ﴿ بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ بَلْ يُنْبِهُّمْ بِالعَقْلِ وإرْشادِهِ إقامَةَ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴿ ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ مَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿ ورَبُّكَ الغَنِيُّ ﴾ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ العامَّةِ الشّامِلَةِ فَخَلَقَ العِبادَ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ لا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِمْ والغَنِيُّ عِنْدَ الكَثِيرِ مُشِيرٌ إلى نَعْتِ الجَلالِ وذُو الرَّحْمَةِ إلى صِفَةِ الجَمالِ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنْكم ﴿ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ ﴾ مِن أهْلِ طاعَتِهِ بِرَحْمَتِهِ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ أيْ جِهَتِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ عَلى مَكانَتِي مِن ذَلِكَ ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأ ﴾ في قُلُوبِ عِبادِهِ ﴿ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ كَكَرْمِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ ﴿ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ وهي الصِّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَيْها كالسَّخاءِ والوَفاءِ والعِفَّةِ والحِلْمِ والشَّجاعَةِ ﴿ والنَّخْلَ ﴾ أيْ نَخْلَ الإيمانِ ﴿ والزَّرْعَ ﴾ أيْ زَرْعَ إراداتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ والزَّيْتُونَ ﴾ أيْ زَيْتُونَ الإخْلاصِ ﴿ والرُّمّانَ ﴾ أيْ رُمّانَ شَجَرِ الإلْهامِ وقِيلَ: في كُلِّ غَيْرِ ذَلِكَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ وهو المُشاهَداتُ والمُكاشَفاتُ ﴿ إذا أثْمَرَ وآتُوا ﴾ المُرِيدِينَ ﴿ حَقَّهُ ﴾ وهو الإرْشادُ والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ ﴿ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ أوانَ وُصُولِكم فِيهِ إلى مَقامِ التَّمْكِينِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ بِالكِتْمانِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ أوْ بِالشُّرُوعِ في الكَلامِ في غَيْرِ وقْتِهِ والدَّعْوَةِ قَبْلَ أوانِها ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم ﴿ ومِنَ الأنْعامِ ﴾ أيْ قُوى الإنْسانِ ﴿ حَمُولَةً ﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِحَمْلِ الأمانَةِ وتَكالِيفِ الشَّرْعِ ﴿ وفَرْشًا ﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِإصْلاحِ القَلْبِ وقِيامِ البَشَرِيَّةِ ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ وهو مُخْتَلِفٌ فَرِزْقُ القَلْبِ هو التَّحْقِيقُ مِن حَيْثُ البُرْهانِ ورِزْقُ الرُّوحِ هو المَحَبَّةُ بِصِدْقِ التَّحَرُّزِ عَنِ الأكْوانِ ورِزْقُ السِّرِّ هو شُهُودُ العِرْفانِ بِلَحْظِ العِيانِ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِالمَيْلِ إلى الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والِاحْتِجابِ بِالسُّوى ﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ يُرِيدُ أنْ يَحْجُبَكم عَنْ مَوْلاكم واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ الرَّشادِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ الزَّوْجُ يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما والمُرادُ بِهِ هُنا الأوَّلُ وإلّا كانَتْ أرْبَعَةً وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ أوْفَقُ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ و ﴿ ثَمانِيَةَ ﴾ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ بَدَلٌ مِن ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ بِما يَشْمَلُ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ أمّا لَوْ خُصَّ ذَلِكَ بِالإبِلِ فَفِيهِ خَفاءٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأنْشَأ ثَمانِيَةَ وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ وحُذِفَ الفِعْلُ وحُرِفَ العَطْفُ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ووَجْهُهُ لا يَخْفى وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِكُلُوا الَّذِي قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ما مُرادًا بِها الأنْعامُ ويُؤَوَّلُ بِنَحْوِ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ لِيَكُونَ بَيانًا لِلْهَيْئَةِ وهو عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ في الحالِ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا أوْ مُؤَوَّلًا بِهِ ظاهِرٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ ثُمَّ تَفْصِيلُها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأوَّلِ إلى الإبِلِ والبَقَرِ وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ ثُمَّ تَفْصِيلِ كُلِّ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ثُمَّ تُبْكِيتُهم بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً.
انْتَهى.
وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ عَلى مَعْنى زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ ونَصَبَ ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ قِيلَ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ لُوحِظَ العَطْفُ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ ﴿ مِنَ الضَّأْنِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأنْعامِ واثْنَيْنِ مِن ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ أوْ مِن ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ إنْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ اثْنَيْنِ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها.
وقُرِئَ ( اثْنانِ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ جَمْعُ ضَئِينٍ كَأمِيرٍ وكَعَبِيدٍ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٍ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿ ومِنَ المَعْزِ ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وحارِسٍ وحَرْسٍ وقَرَأ أُبَيٌّ ( ومِنَ المِعْزى ) وهو اسْمُ جَمْعِ مَعْزٍ وهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ قالَ: ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرٍ أصْلِها في الإجْمالِ لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها ومِنَ النّاسِ مِن عِلَلِ التَّقْدِيمِ بِأشْرَفِيَّةِ الغَنَمِ ولِهَذا رَعاها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يَخْفى ﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ ﴿ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعْزِ ﴿ حَرَّمَ ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أيْ أُنْثى ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ ونَصَبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أيْ أمِ الَّذِي حَمَلَتْهُ إناثُ النَّوْعَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ أوْ نَبِّئُونِي بِبَيِّنَةٍ مُتَلَبِّسَةٍ بِعِلْمٍ صادِرَةٍ عَنْهُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ (143) في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلتَّبْكِيتِ وإظْهارُ الِانْقِطاعِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومِنَ الإبِلِ ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ الجَمَلِ والنّاقَةِ وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ والإبِلُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَقَعُ في البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ ويُجْمَعُ كَما في القامُوسِ عَلى آبالٍ والتَّصْغِيرُ أُبَيْلَةٌ.
﴿ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ﴾ هُما الثَّوْرُ وأُنْثاهُ ﴿ قُلْ ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا ﴿ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ﴾ اللَّهُ تَعالى مِنهُما ﴿ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ والمَعْنى كَما قالَ كَثِيرٌ مِن أجِلَةِ العُلَماءِ إنْكارٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن مَوادِّ افْتِرائِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى مُسْنَدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَمْ يَلِ المُنَكَّرَ وهو التَّحْرِيمُ الهَمْزَةُ والجارِي في الِاسْتِعْمالِ أنَّ ما نُكِّرَ ولِيَها لِأنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ.
وبَيانُهُ عَلى ما قالَهُ الكِسائِيُّ أنَّ إثْباتَ التَّحْرِيمِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ مَحَلِّهِ لا مَحالَةَ فَإذا انْتَفى مَحَلُّهُ وهو المَوارِدُ الثَّلاثَةُ لَزِمَ انْتِفاءُ التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ كَأنَّهُ وُضِعَ الكَلامُ مَوْضِعَ مَن سَلَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كانَ ثُمَّ طالَبَهُ بِبَيانِ مَحَلٍّ كَيْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ ويَفْتَضِحَ عِنْدَ المُحاقَّةِ وإنَّما يُورِدُ سُبْحانَهُ الأمْرَ عَقِيبَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورَ حَرَّمَ أمِ الإناثَ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ لِما في التَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ.
ونَقَلَ الإمامُ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ فاحْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِأنَّ لِلضَّأْنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ ذَكَرًا وأُنْثى فَإنْ كانَ قَدْ حَرَّمَ سُبْحانَهُ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ جَلَّ شَأْنُهُ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ.
وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأجْناسَ الأرْبَعَةَ مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ كَما إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْهِ فَكَذا هو الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ مِن عِنْدِهِ وفِيما ذَكَرْنا غَنًى عَنْ نَقْلِهِما.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاثْنَيْنِ في الضَّأْنِ والمَعْزِ والبَقَرِ الأهْلِيِّ والوَحْشِيِّ وفي الإبِلِ العَرَبِيِّ والبُخْتِيِّ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ وما رُوِيَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ والتَّبْكِيتِ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ والمُرادُ بَلْ أكُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ ﴿ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ أمَرَكم وألْزَمَكم ﴿ بِهَذا ﴾ التَّحْرِيمِ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ إمّا بِأنْ يَبْعَثَ سُبْحانَهُ رَسُولًا يُخْبِرُكم بِهِ وإمّا بِأنَّ تُشاهِدُوا اللَّهَ تَعالى وتَسْمَعُوا كَلامَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِيهِ والأوَّلُ مُنافٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ فَيَتَعَيَّنُ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم وذَلِكَ مُحالٌ فَفي هَذا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فَنُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَمْرُو بْنُ لِحَيِّ بْنِ قَمِئَةَ الَّذِي بَحَّرَ البَحائِرَ وسَيَّبَ السَّوائِبَ وتَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ وقِيلَ: الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِمَّنْ ..
إلَخْ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ قَيْدَ التَّعَمُّدِ مُعْتَبَرٌ في مَعْنى الِافْتِراءِ ومَن تابَعَ عَمْرًا مِنَ الكُبَراءِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخْطَأ في تَقْلِيدِهِ فَلا يَكُونُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ المَوْصُولِ بِهِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدُ عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ ونَصَبَ ﴿ كَذِبًا ﴾ قِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ وجَعَلَهُ حالًا أيْ كَذِبًا جَوَّزَهُ بَعْضُ كُمَّلِ المُتَأخِّرِينَ وهو بَعِيدٌ لا خَطَأٌ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ.
﴿ لِيُضِلَّ النّاسَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( افْتَرى ) أيِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما وُصِفَ بِعَدَمِ العِلْمِ مَعَ أنَّ المُفْتَرِيَ عالِمٌ بِعَدَمِ الصُّدُورِ إيذانًا بِخُرُوجِهِ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ احْتِمالِ صُدُورِهِ إذا كانَ في تِلْكَ الغايَةِ مِنَ الظُّلْمِ فَما الظَّنُّ بِمَنِ افْتَرى وهو يَعْلَمُ عَدَمَ الصُّدُورِ.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ( يَضِلُّ ) عَلى مَعْنى مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ القاصِدِ إضْلالَ النّاسِ مِن أجْلِ دُعائِهِمُ إلى ما فِيهِ الضَّلالُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ الإضْلالَ وكانَ جاهِلًا بِذَلِكَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَهُ وجْهٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( النّاسِ ) وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ وأبْلَغُ في الذَّمِّ واسْتَدَلَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخَلْقِ كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخالِقِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ (144) إلى طَرِيقِ الحَقِّ وقِيلَ: إلى دارِ الثَّوابِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ القاضِي بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ عَلى أُصُولِنا أيْضًا وقِيلَ: إلى ما فِيهِ صَلاحُهم عاجِلًا وآجِلًا وهو أتَمُّ فائِدَةً وأنْسَبُ بِحَذْفِ المَعْمُولِ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنِ الظّالِمِ يَسْتَدْعِي نَفْيَها عَنِ الأظْلَمِ مِن بابِ أوْلى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ ..
إلَخْ.
كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ طَرِيقَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا التَّنْصِيصُ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ التَّشَهِّي والهَوى وتَنْبِيهٌ كَما قِيلَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ و ﴿ مُحَرَّمًا ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وقَدْ قامَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأجِدُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي ﴿ فِي ما أُوحِيَ ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ نَكِرَةٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ عامَّةٌ بِالنَّفْيِ فَلا يَجِبُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ بِالظَّرْفِ ولَيْسَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ قُرْآنًا وغَيْرَهُ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ أُنْزِلَ إلَيَّ ( أُوحِيَ ) أوْ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوها ﴿ عَلى طاعِمٍ ﴾ أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ”( مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا )“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَطْعَمُهُ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطاعِمٍ جِيءَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ طائِرٍ يَطِيرُ ﴾ قَطْعًا لِلْمَجازِ وقُرِئَ ( يُطَعِّمُهُ ) بِالتَّشْدِيدِ وكَسْرِ العَيْنِ والأصْلُ يَطَتَعَمَّهُ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها الأوْلى والمُرادُ بِالطَّعْمِ تَناوُلُ الغِذاءِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ طَعَمَ في الشَّرابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلَيْهِ والمُتَبادَرُ هُنا الأوَّلُ وقَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ النَّفْعِ ومِنهُ ما في حَدِيثِ بَدْرٍ ما قَتَلْنا أحَدًا بِهِ طَعْمٌ ما قَتَلْنا الأعْجازَ صَلَعًا أيْ قَتَلْنا مَن لا مَنفَعَةَ لَهُ ولا اعْتِدادَ بِهِ وإرادَةُ هَذا المَعْنى هُنا بَعِيدٌ جِدًّا ولَمْ أرَ مَن قالَ بِهِ نَعَمْ قِيلَ: المُرادُ سائِرُ أنْواعِ التَّناوُلاتِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ إرادَةَ غَيْرِ الأكْلِ فِيهِ بِطَرِيقِ القِياسِ وكَذا حُمِلَ الطّاعِمُ عَلى الواجِدِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ طاعِمٌ أيْ حَسَنُ الحالِ مَرْزُوقٌ وإبْقاءُ ( يَطْعَمُهُ ) عَلى ظاهِرِهِ أيْ عَلى واجِدٍ يَأْكُلُهُ فَلا يَكُونُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ.
﴿ إلا أنْ يَكُونَ ﴾ ذَلِكَ الطَّعامُ أوِ الشَّيْءُ المُحَرَّمُ ﴿ مَيْتَةً ﴾ المُرادُ بِها ما لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا فَيَتَناوَلُ المُنْخَنِقَةَ ونَحْوَها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ بِالياءِ ورَفْعِ مَيْتَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ يُشَدِّدُ أيْضًا عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ ﴿ أوْ دَمًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ مَيْتَةً ﴾ أوْ عَلى ما في حَيِّزِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَسْفُوحًا ﴾ أيْ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ صِفَةٌ لَهُ خَرَجَ بِهِ الدَّمُ الجامِدُ كالكَبِدِ والطِّحالِ وفي الحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ ودَمانِ الكَبِدُ والطِّحالُ» وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: لَوْلا هَذا القَيْدُ لاتَّبَعَ المُسْلِمُونَ مِنَ العُرُوقِ ما اتَّبَعَ اليَهُودُ.
﴿ أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ ﴾ أيِ اللَّحْمُ كَما قِيلَ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ أوِ الخِنْزِيرُ لِأنَّهُ الأقْرَبُ ذِكْرًا وذُكِرَ اللَّحْمُ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنهُ فَإذا حَرُمَ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى وقِيلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عَلى مَعْنى فَإنَّ المَذْكُورَ ﴿ رِجْسٌ ﴾ أيْ قَذِرٌ أوْ خَبِيثٌ مُخْبَثٌ ﴿ أوْ فِسْقًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُرْمَةِ ﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وأصْلُ الإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ والمُرادُ الذَّبْحُ عَلى اسْمِ الأصْنامِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( فِسْقًا ) مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ وهو عُطِفَ عَلى ( يَكُونَ ) و( بِهِ ) قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في ( يَكُونَ ) .
قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا والنَّظْمُ عَلَيْهِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ وغَيْرُ جائِزٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ لِأنَّ ضَمِيرَ ( بِهِ ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ أيْ شَيْءٌ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشُّعَراءِ.
اهـ.
وعَنى بِذَلِكَ كَما قالَ الحَلَبِيُّ إنَّهُ لا يُحْذَفُ المَوْصُوفُ والصِّفَةُ جُمْلَةً إلّا إذا كانَ في الكَلامِ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةُ نَحْوَ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ أيْ فَرِيقٌ أقامَ وفَرِيقٌ ظَعَنَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن كانَ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ.
تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرِ أرادَ بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ ..
إلَخْ.
وهَذا كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ رَأْيُ بَعْضٍ وأمّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ: مَتى دَلَّ دَلِيلٌ عَلى المَوْصُوفِ حُذِفَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ يَرى المُجَوِّزُ هَذا الرَّأْيَ ومَنَعَهُ مِن حَيْثُ رَفْعِ المَيْتَةِ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ النَّصْبِ والرَّفْعُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نَعَمِ الإعْرابُ الأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أيْ أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ أيْ طالِبٍ ما لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِأنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلَّذَّةِ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ عَلى إمامٍ ﴿ ولا عادٍ ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ﴿ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (145) مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ وهَذا جَزاءُ الشَّرْطِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ المُؤاخَذَةِ وبَعْضُهم قالَ بِتَقْدِيرِ جَزاءٍ يَكُونُ هَذا تَعْلِيلًا لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.
ونُصِبَ ( غَيْرَ ) عَلى أنَّهُ حالٌ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ بِالمَعْنى السّابِقِ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ وهو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ مَيْتَةٍ مَثَلًا مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ وأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ حَرامٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ.
وفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها حَصَرَتِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطْعُوَماتِ في أرْبَعَةٍ المَيْتَةِ والدَّمِ المَسْفُوحِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والفِسْقِ الَّذِي أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ولا شَكَّ أنَّها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْناءُ الأرْبَعَةِ مِنهُ مُنْقَطِعًا أيْ لا أجِدُ ما حَرَّمُوهُ لَكِنْ أجِدُ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةً وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لَيْسَ كالمُتَّصِلِ في الحَصْرِ كَما نَبَّهُوا عَلَيْهِ وهو مِمّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: المُسْتَثْنى لَيْسَ مَيْتَةً بَلْ كَوْنُهُ مَيْتَةً وذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لا مَحالَةَ فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّقْيِيدِ قالَ القُطْبُ: نَعَمْ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَقْصُودَ إخْراجُ المَيْتَةِ مِنَ الطَّعامِ المُحَرَّمِ يَعْنِي لا أجِدُ مُحَرَّمًا إلّا المَيْتَةَ فَلَوْلا التَّقْيِيدُ كانَ في الحَقِيقَةِ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ووَرَدَ الإشْكالُ وضَعُفَ ذَلِكَ الجَوابُ بِأوْجُهٍ مِنها أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ وإنَّما تُفِيدُ الحَصْرَ وقالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ وأمّا المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ وغَيْرُهُما فَهي أقْسامُ المَيْتَةِ وإنَّما أُعِيدَتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ فالآيَتانِ تَدُلّانِ عَلى أنْ لا مُحَرَّمَ إلّا لِأرْبَعَةٍ وحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها عَلى الحَصْرِ لِتُطابِقَ ذَلِكَ وأنْ لا تَقْيِيدَ مَعَ أنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ.
وأُجِيبَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ ما نُصَّ عَلَيْهِ فِيها وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ قِيلَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ مُفَرَّغًا بِمَعْنى لا أجِدُ شَيْئًا مِنَ المَطاعِمِ مُحَرَّمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في وقْتِ أوْ حالِ كَوْنِ الطَّعامِ أحَدَ الأرْبَعَةِ فَإنِّي أجِدُ حِينَئِذٍ مُحَرَّمًا فالمَصْدَرُ المُتَحَصَّلُ مِن أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ أوِ الهَيْئَةِ واعْتَرَضَ الإمامُ هَذا الجَوابَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ مِنَ الآياتِ نَزَلَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ وبِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرِيّانِ النَّسْخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ وما قِيلَ في الِاسْتِثْناءِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يَقَعُ حالًا لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وبَعْضُهم قالَ لِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ: إنَّ التَّقْدِيرَ إلّا المَوْصُوفَ بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ مُحَرَّمًا ﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ والإضافَةُ فِيهِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ مَيْتَةٌ مَوْجُودَةٌ.
وأُجِيبَ أيْضًا عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الحَصْرِ إلّا أنّا نُخَصِّصُها بِالإخْبارِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ أيْضًا بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ لِأنَّها لَمّا كانَ مَعْناها أنْ لا مُحَرَّمَ سِوى الأرْبَعَةِ فِإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ قَوْلٌ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو رَفْعٌ لِلْحَصْرِ ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ جائِزٍ وأجابَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الرّازِيِّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَصْرِ ها هُنا إلّا أنَّ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةٌ وما عَداها لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وهَذا عامٌّ فَإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ تَخْصِيصٌ لِهَذا العامِّ وتَخْصِيصُ العامِّ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ وقَدِ احْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ فَأباحُوا ما عَدا المَذْكُورَ فِيها فَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ وقَرَأ ﴿ قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ فَقَرَأ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قالَتْ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ ..
إلَخْ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَيْسَ مِنَ الدَّوابِّ شَيْءٌ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ الآيَةَ وقَوّى الإمامُ الرّازِيُّ القَوْلَ بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُوَّةُ هَذا الكَلامِ وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ ثُمَّ قالَ ومِنَ السُّؤالاتِ الصَّعْبَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصُّوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ قالَ: «ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالِمِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: يَعافُهُ طَبْعِي» ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهِ وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَفِيهِمْ مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ فَعُلِمَ أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ.
واسْتَدَلَّ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ عَلى أنَّهُ إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها وأنَّ جِلْدَها يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ أخَذْتُمْ مَسْكَها فَقالَتْ نَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ وإنَّكم لا تَطْعَمُونَهُ أنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ» .
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ عَلى نَجاسَةِ الخِنْزِيرِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى خِنْزِيرٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وعَلى الَّذِينَ هادُوا ﴾ أيِ اليَهُودُ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿ حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ أيْ لَيْسَ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والأوِزِّ والبَطِّ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ وقالَ الجُبّائِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ وما يَصْطادُ بِظُفُرِهِ وعَنِ القُتَبِيِّ والبَلْخِيِّ أنَّهُ ذُو المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ وذُو الحافِرِ مِنَ الدَّوابِّ وسُمِّي الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ لِأنَّ البَعْضَ كانَ حَرامًا قَبْلَهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ كُلُّ ذِي ظُفُرٍ حَلالٍ بِقَرِينَةِ ﴿ حَرَّمْنا ﴾ وهَذا كَما قِيلَ تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فَصَّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ حَتّى انْتَهى التَّحْرِيمُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَتْمِيمٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ فِيهِ رَفْعٌ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ حَرَّمَ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما بِأنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى اليَهُودِ خاصَّةً غَضَبًا عَلَيْهِمْ: وقَرَأ الحَسَنُ ( ظِفْرٍ ) بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِكَسْرِهِما وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ( ظُفْرٍ ) بِضَمِّ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ.
﴿ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ لا لُحُومَهُما فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ والمُرادُ بِالشُّحُومِ ما يَكُونُ عَلى الأمْعاءِ والكِرْشِ مِنَ الشَّحْمِ الرَّقِيقِ وشُحُومُ الكُلى وقِيلَ: هو عامٌّ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ما سَيَأْتِي و( مِنَ البَقَرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمْنا بَعْدَهُ وكانَ يَكْفِي حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: الشُّحُومُ لَكِنَّهُ أُضِيفَ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ والتَّأْكِيدِ كَما يُقالُ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ وهو مُتَعارَفٌ في كَلامِهِمْ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أنَّ ( مِنَ البَقَرِ ) عُطِفَ عَلى ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ عَلى مَعْنى وبَعْضَ البَقَرِ وجَعَلَ ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ وحِينَئِذٍ الإضافَةُ لِلرَّبْطِ المُحْتاجِ إلَيْهِ.
﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ أيْ ما عَلِقَ بِظُهُورِهِما والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ مِنَ الشُّحُومِ وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلَ شَحْمًا يَحْنَثُ بِشَحْمِ البَطْنِ فَقَطْ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ فَقالا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ أيْضًا لِأنَّهُ شَحْمٌ وفِيهِ خاصِّيَّةُ الذَّوْبِ بِالنّارِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِ الِاتِّصالُ ولِلْإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً لِأنَّهُ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ويُسْتَعْمَلُ كاللَّحْمِ في اتِّخاذِ الطَّعامِ والقَلايا ويُؤْكَلُ كاللَّحْمِ ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالشَّحْمِ ولِهَذا يَحْنَثُ بِأكْلِهِ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وبائِعُهُ يُسَمّى لَحّامًا لا شَحّامًا والِاتِّصالُ وإنْ كانَ أصْلًا في الِاسْتِثْناءِ إلّا أنَّ هُنا ما يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا ﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المُسْتَثْنى ولَيْسَ بِشَحْمٍ بَلْ هو بِمَعْنى المَباعِرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوِ المَرابِضِ وهي نَباتُ اللَّبَنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوِ المَصارِينُ والأمْعاءُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ولِلْقائِلِ بِالِاتِّصالِ أنْ يَقُولَ العَطْفُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ شُحُومُ الحَوايا أوْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِما حَمَلَهُ ( الحَوايا ) مِن شَحْمٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ ( الحَوايا ) بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأمْعاءُ لِأنَّهُ مِن حَواهُ بِمَعْنى اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ عَلى الشَّحْمِ المُلْتَفِّ عَلى الأمْعاءِ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ ظُهُورُهُما ﴾ وأنْ يَكُونَ عَلى ﴿ شُحُومَهُما ﴾ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُحَرَّمًا وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ وهو يَعْطِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ وهي شَحْمُ الإلْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ وقِيلَ هو المُخُّ ولا يَقُولُ أحَدٌ إنَّهُ شَحْمٌ عَلَيْهِ ويَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ أيْضًا و( الحَوايا ) قِيلَ جَمْعُ حاوِيَةٍ كَزاوِيَةٍ وزَوايا ووَزْنُهُ فَواعِلُ وأصْلُهُ حَواوى فَقُلِبَتِ الواوُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ هَمْزَةً لِأنَّها ثانِي حَرْفَيْ لِينٍ اكْتَنَفا مَدَّةَ مَفاعِلَ ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ المَكْسُورَةُ ياءً ثُمَّ فُتِحَتْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ فَصارَتْ حَوايا أوْ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً ثُمَّ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا ثُمَّ الهَمْزَةُ ياءً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ كَما فُعِلَ بِخَطايا وقِيلَ: جَمْعُ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ ووَزْنُهُ فَواعِلُ أيْضًا وإعْلالُهُ كَما عَلِمْتَ وقِيلَ: جَمْعُ حَوِيَّةٍ كَظَرِيفَةٍ وظَرائِفَ ووَزْنُهُ فَعائِلُ وأصْلُهُ حَوائِيُ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً مَفْتُوحَةً والياءُ الَّتِي هي لامٌ ألِفًا فَصارَ حَوايا.
وجَوَّزَ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقَدْ سُمِعَ في مُفْرَدِهِ أيْضًا و( أوْ ) بِمَعْنى الواوِ.
وقالَ أبُو البَقاءِ لِتَفْصِيلِ مَذاهِبِهِمْ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هي فِيما إذا كانَ العَطْفُ عَلى الشُّحُومِ لِلْإباحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى فاعْصِ هَذا أوِ اعْصِ هَذا و( أوْ ) بَلِيغَةٌ في هَذا المَعْنى لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ نُهِيتَ عَنْ طاعَتِهِما مَعًا فَإنْ أُطِيعَ زَيْدٌ عَلى حِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَإذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ خالِدًا كانَ المَعْنى هَؤُلاءِ كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُطاعَ فَلا تُطِعْ واحِدًا مِنهم ولا تُطِعِ الجَماعَةَ ومِنهُ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أوِ الشَّعْبِيَّ فَلَيْسَ المَعْنى الأمْرَ بِمُجالَسَةِ واحِدٍ مِنهم بَلِ المَعْنى كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُجالَسَ فَإنْ جالَسْتَ واحِدًا مِنهم فَأنْتَ مُصِيبٌ وإنْ جالَسْتَ الجَماعَةَ فَأنْتَ مُصِيبٌ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي وقالَ الوَجْهُ أنْ يُقالَ إنَّ كَلِمَةَ ( أوْ ) في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِن قَبِيلِ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ كَما في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَعْنِي أنَّها لِإفادَةِ التَّساوِي في الكُلِّ فَيَحْرُمُ الكُلُّ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَرْجِعَ التَّحْرِيمِ إلى النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَأْكُلُوا أحَدَ الثَّلاثَةِ وهو مَعْنى العُمُومِ وهَذا مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّ الجُمْلَةَ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَوَجْهُ العَطْفِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ أنَّها بَلِيغَةٌ بِهَذا المَعْنى ثُمَّ قالَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ فَسادُ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَكُونُ المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الحَوايا أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَيَجُوزُ لَهم تَرْكُ أيِّها كانَ وأكْلُ الآخَرَيْنِ وادَّعى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مِثْلَ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يُحَرَّمَ أوْ يُحَلَّلَ واحِدٌ مُبْهَمٌ مِن أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما ذَلِكَ في الواجِبِ فَقَطْ وهَذِهِ الدَّعْوى مِنَ العَجَبِ فَإنَّ الحَرامَ المُخَيَّرَ والمُباحَ المُخَيَّرَ مِمّا صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ وأهْلُ الأُصُولِ قاطِبَةً ويَحْتاجُ إلى إمْعانِ نَظَرٍ فَلْيُمْعِنْ وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ في حاصِلِ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في أوْ هُنا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ عَلى الشُّحُومِ دَخَلَتِ الثَّلاثَةُ تَحْتَ حُكْمِ النَّفْيِ فَيَحْرُمُ الكُلُّ سِوى ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وإذا عَطَفْتَ عَلى المُسْتَثْنى لَمْ يَحْرُمْ سِوى الشُّحُومِ و( أوْ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْإباحَةِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ أوِ التَّحْرِيمِ: فَهو عَلى الأوَّلِ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ ﴿ جَزَيْناهُمْ ﴾ وجَزى يَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا ويُتْبَعُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ القُعُودَ ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ والجَلَبِيُّ وصَحَّحا وُرُودَ اسْمِ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ غَيْرَ مَتْبُوعٍ بِهِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزَيْناهم إيّاهُ ﴿ بِبَغْيِهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلَّ لَهم وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِبَغْيِهِمْ عَلى فُقَرائِهِمْ بِناءً عَلى ما نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ مُلُوكَ بَنِيَ إسْرائِيلَ كانُوا يَمْنَعُونَ فُقَراءَهم مِن أكْلِ لُحُومِ الطَّيْرِ والشُّحُومِ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذا المَنعِ وهو تابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ أيْضًا ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وأنْ يَكُونَ لِجُرْمٍ مُتَقَدِّمٍ ﴿ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ (146) في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِالتَّحْرِيمِ وبِالبَغْيِ وعُدَّ مِنها واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.
وقَوّى الإمامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وهو القَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن حِلِّ ما عَدا الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ فِيها وذَلِكَ أنَّهُ أوْجَبَ حَمْلَ الظُّفُرِ عَلى المِخْلَبِ لِبُعْدِ حَمْلِهِ عَلى الحافِرِ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا والثّانِي أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ وهو باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مَعَ حُصُولِ الحافِرِ لَهم وإذًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى المِخْلَبِ والآيَةُ تُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِاليَهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ إفادَةُ التَّرْكِيبِ الحَصْرَ لُغَةً والثّانِي أنَّها لَوْ كانَتْ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِمْ فائِدَةٌ ووَجَبَ أنْ لا تَكُونَ السِّباعُ وذَواتُ المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ بَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُها مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ وحِينَئِذٍ فَما رُوِيَ «أنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مَقْبُولًا فَيَتَقَرَّرُ قَوْلُ الجَماعَةِ السّابِقُ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ أيِ اليَهُودُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدُ بِعُنْوانِ الإشْراكِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ ادِّعاءٍ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم ﴿ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿ واسِعَةٍ ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها ﴿ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أيْ لا يُدْفَعُ عَذابُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ (147) فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا وعَلى الثّانِي فَإنَّ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ فَقُلْ لَهم رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُعالِجُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ فَهو يَرْحَمُنِي بِتَوْفِيقٍ كَثِيرٍ لِتَصْدِيقِي فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم ويَضُرُّكم لِأنَّهُ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ المُجْرِمِينَ المُكَذِّبِينَ أوْ سَيَرْحَمُنِي بِالِانْتِقامِ مِنكم ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْكم وفِيهِ بُعْدٌ وقِيلَ: المُرادُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولا يُرَدُّ ﴾ ..
إلَخْ.
لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ والإخْبارُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرُكُما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿ وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ لِكَلامِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإعْجازُ بِهِ فَقَطْ كَما في قَوْلٍ مُضَعَّفٍ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِنا وعَدَمَ تَحْرِيمِنا شَيْئًا ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ ﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الكَلامِ الِاعْتِذارَ عَنِ ارْتِكابِ القَبِيحِ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا قُبْحَ أفْعالِهِمْ وهي أفْعى لَهم بَلْ هم كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ ﴿ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ وأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ زُلْفى وأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَما مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا الِاحْتِجاجُ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ حَقٌّ ومَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المَشِيئَةَ والإرادَةَ تُساوِقُ الأمْرَ وتَسْتَلْزِمُ الرِّضا كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِمْ إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِهِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ وكُلُّ ما تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ وإرادَتُهُ فَهو مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْتِجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَنْهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ما كَذَبَ هَؤُلاءِ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وهم أسْلافُهُمُ المُشْرِكُونَ وحاصِلُهُ أنَّ كَلامَهم يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ ولا يَخْفى أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى لا تَكْذِيبَ فِيها نَفْسُها بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَصْدِيقِ ما تَطابَقَ فِيهِ العَقْلُ والشَّرْعُ مِن كَوْنِ كُلِّ كائِنٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وامْتِناعِ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ خِلافُ ما يَشاءُ فَمَنشَأُ التَّكْذِيبِ هو المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ ويَقُولُونَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ دِينًا ولا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ فَيَكُونُ قَوْلُهم: إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى تَكْذِيبٌ لِهَذا القَوْلِ وحَيْثُ كانَ فَسادُ هَذِهِ الحُجَّةِ بِاعْتِبارِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ بِصادِقَةٍ وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ نَقِيضُها وهي أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ والإرادَةُ بِمَشْرُوعِ ومَرَضِيٍّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ لا تُساوِقُ الأمْرَ والرِّضا عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إذِ المَشِيئَةُ تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِناتِ عَلى بَعْضٍ مَأْمُورًا كانَ أوْ مَنهِيًّا حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا وعَلى هَذا فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ قَدِ انْقَلَبَ الأمْرُ فَصارَتِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَأْمُورِ والمُرادِ واعْتَقَدُوا كالمُشْرِكِينَ بِأنَّ كُلَّ مُرادٍ مَأْمُورٌ ومَرَضِيٌّ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَفْعُ البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ وهو المَذْكُورُ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وحاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ وكُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِالِاسْتِطاعَةِ فَيَنْتُجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ لَمْ نُكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولَمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيٌّ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُرِيدَ بِها باطِلٌ لِأنَّهم أرادُوا بِها أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في دَعْواهُمُ البَعْثَةَ والتَّكْلِيفَ كاذِبُونَ وقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ ولِكَوْنِ ذَلِكَ صِدْقًا أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّكْذِيبِ ووُجُوبُ وُقُوعِ مُتَعَلِّقٍ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي صِدْقَ دَعْوى البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ لِأنَّهُما لِإظْهارِ المَحَجَّةِ وإبْلاغِ الحُجَّةِ وسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا لِلْآيَةِ.
وعُطِفَ ﴿ آباؤُنا ﴾ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿ أشْرَكْنا ﴾ وساغَ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهم أيُّ فاصِلٍ كانَ وقَدْ فُصِلَ بِلا ها هُنا والكُوفِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ في ذَلِكَ شَيْئًا ويَسْتَدِلُّونَ بِما هُنا ولا يَعْتَبِرُونَ هَذا الفَصْلَ لِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ حَرْفُ العَطْفِ لِيَدْفَعَ الهُجْنَةَ ولا يَكْفِيَ عِنْدَهُمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وتَوَقَّفَ أبُو عَلِيٍّ في كِفايَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَفْصِلْ حَرْفُ العَطْفِ وادَّعى الإمامُ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا لِأنَّ النَّفْيَ لا يُصْرَفُ إلى ذَواتِ الآباءِ بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم وذَلِكَ هو الإشْراكُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ.
﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ أيْ نالُوا عَذابَنا الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الذَّوْقَ أوَّلُ إدْراكِ الشَّيْءِ.
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى زَعْمِكم ﴿ فَتُخْرِجُوهُ ﴾ أيْ فَتُظْهِرُوهُ ﴿ لَنا ﴾ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأوْضَحِ بَيانٍ وقِيلَ: المُرادُ هَلْ لَكم مِنَ اعْتِقادٍ ثابِتٍ مُطابِقٍ فِيما ادَّعَيْتُمْ أنَّ الإشْراكَ وسائِرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتُظْهِرُوهُ لَنا بِالبُرْهانِ وجَعَلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ هَذا وما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما اسْتَوْجَبُوا التَّوْبِيخَ عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهْزَؤُنَ بِالدِّينِ ويَبْغُونَ رَدَّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ قَرَعَ مَسامِعَهم مِن شَرائِعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ طالَبُوهم بِالإسْلامِ والتِزامِ الأحْكامِ احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِما أخَذُوهُ مِن كَلامِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم ذِكْرَ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عَقْدُهم كَيْفَ لا والإيمانُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ الإيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو عَنْهم مَناطُ العَيُّوقِ.
﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿ إلا الظَّنَّ ﴾ الباطِلَ الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا أوِ المُرادُ إنَّ عادَتَكم وجُلَّ أمْرِكم أنَّكم لا تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ ﴿ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ (148) تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْصِيلِ فَتَذْكَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ ﴾ خاصَّةً ﴿ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ أيِ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعَواهُ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ والمُرادُ بِها في المَشْهُورِ الكِتابُ والرَّسُولُ والبَيانُ وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ: ﴿ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وأنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِإظْهارِ ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُ المَعْلُومِ في نَفْسِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ جُودًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها يُقْصَدُ بِها إثْباتُ الحُكْمِ وتَطَلُّبُهُ أوْ بِمَعْنى الغَلَبَةِ وهو المَشْهُورُ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إذا ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ ﴿ فَلَوْ شاءَ ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا ﴿ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ (149) بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوهُ إلى خِلافِ ذَلِكَ.
وقالَ الكُورانِيُّ: المُرادُ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ لَكم هِدايَةً يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم بَلِ المَعْلُومُ لَهُ عَدَمُ هِدايَتِكم وهو مُقْتَضى اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ولا يُنافِي ما في صَدْرِ الآيَةِ لِما عَلِمْتَ مِن مُرادِهِمْ بِهِ وفائِدَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِعْدادِ تَحْرِيكُ الدَّواعِيَ لِلْفِعْلِ والتَّرْكُ بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ النّاشِئِ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ وقَطْعُ اعْتِذارِ الظّالِمِينَ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَتَذَكَّرْ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا آخَرَ في تَوْجِيهِ ما في الآيَةِ وهو أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمُ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم مَسْلُوبُونَ اخْتِيارَهم وقُدْرَتَهم وأنَّ إشْراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ وزَعَمُوا أنَّهم يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهم في دَعْواهم عَدَمَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وشُبْهَتُهم بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهم بِهَذا الخَيالِ فَكَذَّبَ الرُّسُلَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واعْتَمَدَ عَلى أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ورامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَهُ جَلَّ وعَلا لا لَهم ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ واقِعٍ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ مِنهُمُ إلّا ما صَدَرَ عَنْهم وأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ مِنهُمُ الهِدايَةَ لاهْتَدَوْا أجْمَعُونَ.
والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَحَّضَ وجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ويَتَخَلَّصَ عَقِيدَةُ نُفُوذِ المَشِيئَةِ وعُمُومُ تَعَلُّقِها بِكُلِّ كائِنٍ عَنِ الرَّدِّ ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعْواهم سَلْبَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وأنَّ إقامَتَهُمُ الحُجَّةَ بِذَلِكَ خاصَّةٌ وإذا تَدَبَّرْتَ الآيَةَ وجَدْتَ صَدْرَها دافِعًا بِصُدُورِ الجَبْرِيَّةِ وعَجْزَها مُعْجِزًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذِ الأوَّلُ مُثْبِتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً عَلى وجْهٍ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ والثّانِي مُثْبِتٌ نُفُوذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في العَبْدِ وأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ وبِذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
ووَجَّهَ القُطْبُ الآيَةَ بِأنَّ مُرادَهم رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ شِرْكَنا وأرادَهُ مِنّا وأنْتُمْ تُخالِفُونَ إرادَتَهُ حَيْثُ تَدْعُونا إلى الإيمانِ فَوَبَّخَهم سُبْحانَهُ بِوُجُوهٍ عَدَّ مِنها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَوْ شاءَ ﴾ ..
إلَخْ.
بَدَلٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ البَيانِ أيْ لَوْ شاءَ لَدَلَّ كُلًّا مِنكم ومِن مُخالِفِيكم عَلى دِينِهِ فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ لَكانَ الإسْلامُ أيْضًا بِالمَشِيئَةِ فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنَ الإسْلامِ كَما وجَبَ بِزَعْمِكم أنْ لا يَمْنَعَكُمُ الأنْبِياءُ عَنِ الشِّرْكِ فَيَلْزَمَكم أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مُخالَفَةٌ ومُعاداةٌ بَلْ مُوافَقَةٌ ومُوالاةٌ ثُمَّ قالَ: ورُبَّما يُوَجَّهُ هَذا الِاحْتِجاجُ بِأنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم مِنَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَكم حَقًّا لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْزَمُ تَصْحِيحُ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وفِيهِ مَنعٌ لِأنَّ الصِّحَّةَ إنَّما تَكُونُ بِالجَرَيانِ عَلى مَنهَجِ الشَّرْعِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْلِيقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ جَرَيانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ التَّوْجِيهَ الأوَّلَ كَهَذا التَّوْجِيهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ﴾ أيْ أحْضِرُوهم لِلشَّهادَةِ وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ مِن أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَصائِصِ الأفْعالِ.
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الضَّمائِرَ قَدْ تَتَّصِلُ بِالكَلِمَةِ وهي حَرْفٌ كَلَيْسَ أوِ اسْمُ فِعْلٍ كَهاتِ لِمُناسَبَتِها لِلْأفْعالِ وعَلى هَذا تَكُونُ ﴿ هَلُمَّ ﴾ اسْمَ فِعْلٍ مُطْلَقًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وعَلَيْهِ الرَّضِيُّ حَيْثُ قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ يَصْرِفُونَهُ فَيُذَكِّرُونَهُ ويُؤَنِّثُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ نَظَرًا إلى أصْلِهِ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هالُمَّ مِن لَمَّ إذا قَصَدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ لِأنَّ أصْلَهُ ألْمَمَ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أُمَّ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وحُذِفَتْ كَما هو القِياسُ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ هَلْ لا تَدَخُلُ الأمْرَ ودُفِعَ بِما نَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْهم مِن أنَّ أصْلَ هَلْ أُمَّ هَلّا أُمَّ وهَلّا كَلِمَةُ اسْتِعْجالٍ بِمَعْنى أسْرِعْ فَغُيِّرَ إلى هَلْ لِتَخْفِيفِ التَّرْكِيبِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أحْضِرْ وائْتِ ولازِمًا بِمَعْنى أقْبِلْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴾ وهَمَ كُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ أسَّسُوا ضَلالَهم والمَقْصُودُ مِن إحْضارِهِمْ تَفْضِيحُهم وإلْزامُهم وإظْهارُ أنْ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمُقَلِّدِيهِمْ ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مُعَرَّفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنْصِرِ مَذْهَبِهِمْ وهَذا إشارَةٌ إلى ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ عَلى ما حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَّوائِبِ ﴿ فَإنْ شَهِدُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ الشُّهَداءُ المُعَرَّفُونَ بِالباطِلِ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أيْ فَلا تُصَدِّقْهم فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وبَيَّنَ لَهم فَسادَهُ لِأنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ والسُّكُوتُ قَدْ يُشْعِرُ بِالرِّضا وإرادَةُ هَذا المَعْنى مِن ( لا تَشْهَدْ ) إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ أوِ الكِنايَةِ أوْ هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ شَهِدُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ فَإنْ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ فَشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَلا تَشْهَدْ وهو في غايَةِ البُعْدِ وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ هو لِلْفَسادِ أقْرَبُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ هَلُمَّ شُهَداءَكم مِن غَيْرِكم فَإنْ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ العَرَبِ لا يُحَرِّمُونَ ما ذُكِرَ وشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ فَلا تَصْدِّقْهم ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعٌ الهَوى لا غَيْرَ وإنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها والخِطابُ قِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ أُمَّتُهُ.
﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وبِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ المُكَذِّبُونَ مَعَ الإقْرارِ بِالآخِرَةِ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ وبِالمَوْصُولِ الثّانِي المُكَذِّبُونَ مَعَ إنْكارِ الآخِرَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ (150) أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا أيْ شَرِيكًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِأفْعالِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ ويَنْسُبُونَها إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ بِعِبادَتِهِمْ عَنْهُ تَعالى والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ والمَعْنى لا تَتَّبِعِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ والكُفْرِ بِالآخِرَةِ والإشْراكِ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ النَّهْيِ الجَمْعُ المَذْكُورُ بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِها وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يُؤْمِنُونَ ) <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ أمْرٌ لَهُ بَعْدَ ما ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا أنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهُمُ الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِيما تَقَدَّمَ وتَعالَ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَ مَن هو في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلَ مِنهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ مَجازًا ويَحْتَمِلُ هُنا كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ عَلى الأصْلِ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم في حَضِيضِ الجَهْلِ ولَوْ سَمِعُوا ما يُقالُ لَهم تَرَقَّوْا إلى ذُرْوَةِ العِلْمِ وقُنَّةِ العِزِّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أتْلُ ﴾ جَوابُ الأمْرِ أيْ أنْ تَأْتُونِي أتْلُ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم أيِ الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ أيْ تَحْرِيمِهِ والمُرادُ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ وهي في الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأتْلُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ﴿ أتْلُ ﴾ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ فَيَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ في الجُمْلَةِ بِناءً عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ مِن أنَّهُ تُحْكى الجُمْلَةُ بِكُلِّ ما تَضَمَّنَ مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُهم يُقَدِّرُ في ذَلِكَ قائِلًا ونَحْوَهُ.
والمَعْنى هُنا عَلى الِاسْتِفْهامِ تَعالَوْا أقُلْ لَكم وأُبَيِّنْ جَوابَ أيِّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى كُلِّ حالٍ بِحَرَّمَ وجُوِّزَ أنَّ يَتَعَلَّقَ بِأتْلُ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَّةِ وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَتْلُوِّ مُحَرَّمًا عَلى الكُلِّ كَما لا يَخْفى ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ أيْ مِنَ الإشْراكِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَفْعُولِيَّةَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في إعْرابِ ( أنْ لا ) وبَدَأ سُبْحانَهُ بِأمْرِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا كامِلًا لا إساءَةَ مَعَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ البِرَّ بِهِما مَعَ اللُّطْفِ ولِينِ الجانِبِ فَلا يُغْلِظُ لَهُما في الجَوابِ ولا يَحُدُّ النَّظَرَ إلَيْهِما ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِما بَلْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِما مِثْلَ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ تَذَلُّلًا لَهُما وثَنّى اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ لِأنَّ نِعْمَةَ الوالِدَيْنِ أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والمُؤَثِّرَ في الظّاهِرِ هو الأبَوانِ.
وعَقَّبَ سُبْحانَهُ التَّكْلِيفَ المُتَعَلِّقَ بِالوالِدَيْنِ بِالتَّكْلِيفِ المُتَعَلِّقِ بِالأوْلادِ لِكَمالِ المُناسَبَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ ﴾ بِالوَأْدِ ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ أوْ مِن خَشْيَتِهِ كَما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ وقِيلَ: الخِطابُ في كُلِّ آيَةٍ لِصِنْفٍ ولَيْسَ خِطابًا واحِدًا فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ مَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ مَن لا فَقْرَ لَهُ ولَكِنْ يَخْشى وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِهَذا قَدَّمَ رِزْقَهم ها هُنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وقَدَّمَ رِزْقَ أوْلادِهِمْ في مَقامِ الخَشْيَةِ فَقِيلَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ ﴾ وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ( نَحْنُ ) ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِإرْزاقِهِمْ أيْ نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ فَلا تَقْدَمُوا عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ لِذَلِكَ.
﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ﴾ أيِ الزِّنا والجَمْعُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ أوْ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الأنْواعِ ولِذا أُبْدِلَ مِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: المُرادُ بِها المَعاصِي كُلُّها.
وفِي المُرادِ بِما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ عَلى هَذا أقْوالٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها واخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِنَظْمِ المُتَعاطِفاتِ ووَجْهُ تَوْسِيطِ هَذا النَّهْيِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الفَواحِشَ بِهَذا المَعْنى مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ قالَ في حَقِّ العَزْلِ: ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» وعَلى القَوْلِ الآخَرِ لا يَظْهَرُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذا العامِّ بَيْنَ أفْرادِهِ ويَكُونُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها.
﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ فَيَخْرُجُ الحَرْبِيُّ ويَدْخُلُ الذِّمِّيُّ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالنَّفْسِ المَذْكُورَةِ النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مَن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابِسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها وذَلِكَ كَما رُوِيَ في الخَبَرِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مَنِ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ وهو مِمّا في الخَبَرِ أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ أيْ لا تَقْتُلُوها قَتْلًا إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ وهو القَتْلُ بِأحَدِ المَذْكُوراتِ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿ وصّاكم بِهِ ﴾ أيْ طَلَبَهُ مِنكم طَلَبًا مُؤَكَّدًا والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ وقالَ الإمامُ: جِيءَ بِها لِتَقْرِيبِ القَبُولِ إلى القَلْبِ لِما فِيها مِنَ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ (151) أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المُحَرَّمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يُفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ وقِيلَ: المُرادُ لا تَقْرَبُوا مالَهُ إلّا وأنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ في مَصْلَحَتِهِ فَمَن لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ عَلى أحْسَنِ الخِصالِ يَنْبَغِي أنْ لا يَقْرَبَهُ وفِيهِ بُعْدٌ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَبْلُغَ فَإذا بَلَغَ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ والأشُدُّ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: هو مُفْرَدُ كَأنَّكَ ولَمْ يَأْتِ في المُفْرَداتِ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرُهُما وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ وقُدِّرَ فِيهِ زِيادَةُ الهاءِ لِكَثْرَةِ جَمْعِ فَعَلٍ عَلى أفْعُلٍ كَقَدَحٍ وأقْدُحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ جَمْعُ شُدٍّ بِضَمِّ الشِّينِ كَوُدٍّ وأوُدٍّ وقِيلَ جَمْعُ شَدٍّ بِفَتْحِها وأيًّا ما كانَ فَهو مِنَ الشِّدَّةِ أيِ القُوَّةِ أوِ الِارْتِفاعِ مِن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ.
عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما خَضَّبَ البَنانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ .
والمُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وجَماعَةٍ بُلُوغُ الحُلُمِ وقِيلَ: أنْ يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاثِينَ إلّا أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في زَمَنِ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ وأشْبَعْنا الكَلامَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ وأوْفُوا ﴾ أيْ أتِمُّوا ﴿ الكَيْلَ ﴾ أيِ المَكِيلَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ كَذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مَكِيلَ الكَيْلِ ومَوْزُونَ المِيزانِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ أوْفُوا ﴾ أيْ مُقْسِطِينَ وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ تامًّا ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الحالِ لِلتَّأْكِيدِ.
وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ هو عَيْنُ القِسْطِ فَما الفائِدَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ قُلْنا: أمْرُ اللَّهِ تَعالى المُعْطِي بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ وأمْرُ صاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها عَقِيبَ الأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ لِلتَّرْخِيصِ فِيما خَرَجَ عَنِ الطّاقَةِ لِما أنَّ في مُراعاةِ ذَلِكَ كَما هو حَرَجًا مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم في هَذا الأمْرِ وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جِيءَ بِها لِتَهْوِينِ أمْرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفاتِ لِيُقْبِلُوا عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم بِهِ مُمْكِنٌ غَيْرُ شاقٍّ ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ ﴿ وإذا قُلْتُمْ ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿ فاعْدِلُوا ﴾ فِيهِ وقُولُوا الحَقَّ ﴿ ولَوْ كانَ ﴾ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ مِنكم ﴿ وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ أيْ ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ أوْ أيِّ عَهْدٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِن أيْمانِكم ونُذُورِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ ﴿ وصّاكم بِهِ ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ (152) ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( تَذَكَّرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وخُتِمَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ وهَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وقَتْلِ الأوْلادِ وقُرْبانِ الزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ ولا عاقِلِينَ قُبْحَها فَنَهاهم سُبْحانَهُ لَعَلَّهم يَعْقِلُونَ قُبْحَها فَيَسْتَنْكِفُوا عَنْها ويَتْرُكُوها وأمّا حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى عَلَيْهِمْ وإيفاءُ الكَيْلِ والعَدْلُ في القَوْلِ والوَفاءُ بِالعَهْدِ فَكانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَفْتَخِرُونَ بِالِاتِّصافِ بِهِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ إنْ عَرَضَ لَهم نِسْيانٌ قالَهُ القُطْبُ الرّازِيُّ: ثُمَّ قالَ فَإنْ قُلْتَ إحْسانُ الوالِدَيْنِ مِن قَبِيلِ الثّانِي أيْضًا فَكَيْفَ ذُكِرَ مِنَ الأوَّلِ قُلْتُ: أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما المُؤَثِّرانِ في الظّاهِرِ ومِنهُما نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والحِفْظِ عَنِ الهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ فَلَمّا نَهى عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى نَهى بَعْدَهُ عَنِ الكُفْرانِ في نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الكُفْرانَ فَبِطَرِيقِ الأوْلى أنْ لا يَرْتَكِبُوا الكُفْرَ.
وقالَ الإمامُ: السَّبَبُ في خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِما خُتِمَتْ أنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ الأُولى ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها والتَّكالِيفَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ وهو التَّذَكُّرُ.
انْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ التَّكْلِيفاتِ الأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وهو في مَعْنى المَنعِ والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ فَناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ الإيصاءُ بِذَلِكَ بِما فِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى المَنعِ والحَبْسِ وهَذا بِخِلافِ التَّكْلِيفاتِ الأُخَرِ فَإنَّ أكْثَرَها قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الأمْرِ ولَيْسَ المَنعُ فِيهِ ظاهِرًا كَما في النَّهْيِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الطَّلَبِ والمُبالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ويَتَذَكَّرَ إذا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي ﴾ إشارَةٌ إلى شَرْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويُلائِمُهُ النَّهْيُ الآتِي وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ فَإنَّ أكْثَرَها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِهِ مُشَدَّدٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ وقُرِئَ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) وإضافَةُ الصِّراطِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ الوَضْعِ وإلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ السُّلُوكِ والدَّعْوَةِ أيْ هَذا الصِّراطُ الَّذِي أسْلُكُهُ وأدْعُو إلَيْهِ ﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ ﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ أيِ اقْتَفُوا أثَرَهُ واعْمَلُوا بِهِ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ أيِ الضَّلالاتِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها الأدْيانُ المُخْتَلِفَةُ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها البِدَعُ والشُّبُهاتُ ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ﴾ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ والأصْلُ ( تَتَفَرَّقَ ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِي سَبَأٍ فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تَفَرُّقِكم كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ عَنْ سَبِيلِهِ أيْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا حَرَجَ لِما هو دِينُ الإسْلامِ وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِيمًا ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ﴾ ..
إلَخْ» .
وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلِاتِّباعِ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ السُّبُلِ ﴿ وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ (153) عِقابَ اللَّهِ تَعالى بِالمُثابَرَةِ عَلى فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الكَفِّ عَمّا نَهى عَنْهُ قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعُ لِلتَّكالِيفِ وأمَرَ سُبْحانَهُ بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقِ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجا النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وكَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصِيَّةَ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ويا لَها مِن وصِيَّةٍ ما أعْظَمَ شَأْنَها وأوْضَحَ بُرْهانَها.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخاتَمِهِ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ إلى ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ثُمَّ تَلاهُنَّ إلى آخِرِهِنَّ ثُمَّ قالَ فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ ..
إلَخْ.
فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.
هَذا و( أنْ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: وفي الِاحْتِمالَيْنِ إشْكالٌ فَإنَّها إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ بَيانًا لِلْمُحَرَّمِ بَدَلًا مِن ما أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ وظاهِرٌ أنَّ المُحَرَّمَ هو الإشْراكُ لا نَفْيُهُ وأنَّ الأوامِرَ بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) وفِيهِ عَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ وجَعْلُ الواجِبِ المَأْمُورِ بِهِ مُحَرَّمًا فاحْتِيجَ إلى تَكَلُّفٍ كَجَعْلِ ( لا ) مَزِيدَةً وعَطْفِ الأوامِرِ عَلى المُحَرَّماتِ بِاعْتِبارِ حُرْمَةِ أضْدادِها وتَضْمِينِ الخَبَرِ مَعْنى الطَّلَبِ وأمّا جَعْلُ ( لا ) ناهِيَةً واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّلَةِ لِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ إذْ عَمِلَ الجازِمُ في الفِعْلِ والنّاصِبُ في ( لا ) مَعَهُ فَما سَبِيلٌ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ زِيادَةَ ( لا ) النّاهِيَةَ مِمّا لَمْ يُقُلْ بِهِ أحَدٌ ولَمْ يَرِدْ في كَلامٍ وإنْ جُعِلَتْ أنْ مُفَسِّرَةً و( لا ) ناهِيَةً والنَّواهِي بَيانٌ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ تَوَجَّهَ إشْكالانِ أحَدُهُما عَطْفُ ( أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ) عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) مَعَ أنَّهُ لا مَعْنى لِعَطْفِهِ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ مَعَ الفِعْلِ وثانِيهِما عَطْفُ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ فَإنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ بَلِ الواجِباتِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مُفَسِّرَةً وعَطْفَ الأوامِرِ لِأنَّها مَعْنى نَواهٍ ولا سَبِيلَ حِينَئِذٍ لِجَعْلِها مَصْدَرِيَّةً مَوْصُولَةً بِالنَّهْيِ لِما عَلِمْتَ.
وأجابَ عَنِ الإشْكالِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي ﴾ لَيْسَ عَطْفًا عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) بَلْ هو تَعْلِيلٌ لِلِاتِّباعِ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّبِعُوهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( اتَّبِعُوهُ ) إلى الصِّراطِ لِتَقَدُّمِهِ في اللَّفْظِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ( اتَّبِعُوهُ ) عَطْفًا عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) ويَكُونُ التَّقْدِيرُ فاتَّبِعُوا صِراطِيَ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ حِرَفَيْ عَطْفِ الواوِ والفاءِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ وإنْ جُعِلَتِ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً اعْتِراضِيَّةً قُلْنا: وُرُودُ الواوِ مَعَ الفاءِ عِنْدَ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ فَصْلًا بَيْنَهُما شائِعٌ في الكَلامِ مِثْلَ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ﴿ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ فَإنْ أبَيْتَ الجَمْعَ البَتَّةَ ومَنَعْتَ زِيادَةَ الفاءِ فاجْعَلِ المَعْمُولَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ والمَذْكُورَ بِالفاءِ عَطْفا عَلَيْهِ مِثْلَ عَظِّمْ فَكَبِّرْ وادْعُوا اللَّهَ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ وآثَرُوهُ فاتَّبِعُوهُ.
وعَنِ الإشْكالِ الثّانِي بِأنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ أنِ المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا دَلَّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها بِمَعْنى أنَّ الأوامِرَ كَأنَّها ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها الَّتِي هي النَّهْيُ عَنِ الأضْدادِ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُو ما حَرَّمَ أنْ لا تُسِيؤُوا إلى الوالِدَيْنِ ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَتْرُكُوا العَدْلَ ولا تَنْكُثُوا العَهْدَ ومِثْلُ هَذا وإنْ لَمْ يَجُزْ بِحَسَبِ الأصْلِ لَكِنْ رُبَّما يَجُوزُ بِطَرِيقِ العَطْفِ وأمّا جَعْلُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكم ) وانْتِصابُ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِعَلَيْكم يَعْنِي الزَمُوا تَرْكَ فَيَأْباهُ عَطْفُ الأوامِرِ إلّا أنْ تَجْعَلَ ( لا ) ناهِيَةً وأنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولَةً بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ( لا ) فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا عَلى ( تَعالَوْا ) ويَكُونُ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحْدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ لا عَلى المَناهِي قَبْلَها فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتْلُ ما حَرَّمَ ﴾ أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَناهٍ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ وهَذا مَعْنًى واضِحٌ والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي داخِلَةً تَحْتَ حُكْمِ التَّفْسِيرِيَّةِ ويَصِحُّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلى حَذْفِهِ والتَّقْدِيرُ وما أمَرَكم بِهِ فَحُذِفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم عَنْهُ رَبُّكم وما أمَرَكم بِهِ وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا ويَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلْ ولا نَعْلَمُ في هَذا خِلافًا بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا مَشْهُورًا.
اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى تَعالَوْا في غايَةِ البُعْدِ ولا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَذْفِ وجَعْلِ التَّفْسِيرِ لِلْمَحْذُوفِ والمَنطُوقِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ جَوازَ كَوْنِ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى مَعْنى أُبَيِّنُ لَكُمُ الحَرامَ لِأنْ لا تُشْرِكُوا لِأنَّهم إذا حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في القَبُولِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وصارُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿ ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها وتَمْهِيدًا لِما تَعَقَّبَهُ مِن ذِكْرِ إنْزالِ القُرْآنِ المَجِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ فَعَلْنا ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ آتَيْنا ﴾ ..
إلَخْ.
وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَعْنى التِّلاوَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ عَلَيْكم ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ثُمَّ اتْلُ عَلَيْهِمْ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ( قُلْ ) وفِيهِ حَذْفٌ أيْ قُلْ تَعالَوْا ثُمَّ قُلْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ واسْتَحْسَنَهُ المَغْرِبِيُّ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِما جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِما آتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكِتابِ والنُّبُوَّةِ وهو أيْضًا مِن ذُرِّيَّتِهِ والكُلُّ كَما تَرى وإنِ اخْتَلَفَ مَراتِبُهُ في الوَهَنِ وثُمَّ كَما قالَ الفَرّاءُ لِلتَّرْتِيبِ الإخْبارِيِّ كَما في نَحْوٍ بَلَغَنِي ما صَنَعْتُ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتُ اليَوْمَ أعْجَبُ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي تَأخُّرَ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِمُهْلَةٍ ولا مُهْلَةَ في الإخْبارَيْنِ فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنَّها انْسَلَخَ عَنْها مَعْنى التَّرْتِيبِ أوْ أنَّهُ تَرْتِيبٌ رُتْبِيٌّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أعْجَبُ في المِثالِ وهو هَنا ظاهِرٌ لِأنَّ إيتاءَ التَّوْراةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأحْكامِ والمَنافِعِ الجَمَّةِ أعْظَمُ مِن هَذِهِ الوَصِيَّةِ المَشْهُورَةِ عَلى الألْسِنَةِ وبَعْضُهم وجَّهَ التَّرْتِيبَ الإخْبارِيَّ المُسْتَدْعِي لِتَأخُّرِ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الألْفاظَ المُنْقَضِيَةَ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ تَوَسُّطِ جُمْلَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ كَثِيرًا في الكِتابِ ﴿ تَمامًا ﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ وهو في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَهُ وجازَ حَذْفُ اللّامِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى إتْمامًا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ ﴿ آتَيْنا ﴾ مِن مَعْناهُ لِأنَّ إيتاءَ الكِتابِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْمَمْنا النِّعْمَةَ إتْمامًا فَهو كَنَباتًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أيْ تامًّا ﴿ عَلى الَّذِي أحْسَنَ ﴾ أيْ مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ فالَّذِي لِلْجِنْسِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقِراءَةُ الحَسَنِ ( عَلى المُحْسِنِينَ ) وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الَّذِي هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ.
إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجَ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ وكَلامُ مُجاهِدٍ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغُهُ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ أيْ زِيادَةً عَلى عَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ تَمامًا عَلى إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ ( الَّذِي ) مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ وضَمِيرُ أحْسَنَ حِينَئِذٍ لِلَّهِ تَعالى ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ مِن أنَّ المُرادَ عَلى الَّذِي أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها وكُلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ وعَنِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما زَعَمَهُ مِنِ اتِّصالِ الآيَةِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ( أحْسَنُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( الَّذِي ) وصْفٌ لِلدِّينِ أوْ لِلْوَجْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ أيْ تَمامًا عَلى الدِّينِ الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تامًّا كامِلًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ والأحْسَنِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ وغَيْرِ ما عَلَيْهِ القُرْآنِ.
﴿ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ بَيانًا مُفَصِّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا اجْتِهادَ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ ورَدَ مِثْلُهُ في صِفَةِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ بِالمُكَلَّفِينَ والكَلامُ في هَذِهِ المَعْطُوفاتِ كالكَلامِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ العِلِّيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ والظّاهِرُ اشْتِمالُ الكِتابِ عَلى التَّفْصِيلِ حَسْبَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى إلى أنَّ حَرْفَهُ أهَّلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الألْواحَ بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ وذَهَبَ التَّفْصِيلُ ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيتاءِ الكِتابِ ولا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الَّذِي بِناءً عَلى الجِنْسِيَّةِ أوْ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ (154) بَلْ كانَ المُناسِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم يُرْحَمُونَ مَثَلًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والمُرادُ مِنَ اللِّقاءِ قِيلَ الجَزاءُ وقِيلَ: الرُّجُوعُ إلى مُلْكِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ يَوْمَ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ شَيْئًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْنى كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهَذا ﴾ الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ أيِ القُرْآنُ ﴿ كِتابٌ ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ مُشْتَمِلًا عَلى فَوائِدِ الفُنُونِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ كِتابٌ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبارَكٌ ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ دِينًا ودُنْيا صِفَةٌ أُخْرى وإنَّما قُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها مَعَ أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِي الإنْزالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وما قَبْلَهُ خَبَرَيْنِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أيْضًا والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ وصِفَتِهِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيْ فاعْمَلُوا بِما فِيهِ أوِ امْتَثِلُوا أوامِرَهُ واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ أوْ نَواهِيَهِ ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ (155) أيْ لِتُرْحَمُوا جَزاءَ ذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ اتُّقُوا عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ أوِ اتَّقُوا لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( أنْزَلْنا ) المَذْكُورُ وهو العامِلُ فِيهِ لا المَذْكُورُ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ وهو بِتَقْدِيرِ لا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ أيْ لِأنْ لا تَقُولُوا وعَلى حَذْفِ المُضافِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ( اتَّقُوا ) وعَلَيْهِ الفَرّاءُ وأنْ تَجْعَلَ اللّامَ المُقَدَّرَةَ لِلْعاقِبَةِ أيْ تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِنا أحَدُ القَوْلَيْنِ تَرَتُّبَ الغايَةِ عَلى الفِعْلِ فَيَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا أيْ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ لَوْ لَمْ نُنْزِلْهُ ﴿ إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ ﴾ النّاطِقُ بِالأحْكامِ القاطِعُ لِلْحُجَّةِ ﴿ عَلى طائِفَتَيْنِ ﴾ جَماعَتَيْنِ كائِنَتَيْنِ ﴿ مِن قَبْلِنا ﴾ وهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ اليَهُودُ والنَّصارى وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما لِأنَّهُما اللَّذانِ اشْتَهَرا فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ.
﴿ وإنْ كُنّا ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ واللّامُ الآتِيَةُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ وهي مُهْمَلَةٌ لِما حَقَّقَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ أنِ المُخَفَّفَةَ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ جُزْأيْها ووَلِيَها النّاسِخُ فَهي مُهْمَلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا ثابِتٍ ولا مَحْذُوفٍ أيْ وأنَّهُ كُنّا ﴿ عَنْ دِراسَتِهِمْ ﴾ أيْ قِراءَتِهِمْ ﴿ لَغافِلِينَ ﴾ (156) غَيْرُ مُلْتَفِتِينَ لا نَدْرِي ما هي لِأنَّها لَيْسَتْ بِلُغَتِنا فَلَمْ يُمْكِنّا أنْ نَتَلَقّى مِنها ما فِيهِ نَجاتُنا ولَعَلَّهم عُنُوا بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ وقِيلَ: تِلْكَ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ ..
إلَخْ.
لِأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ لا تَخْتَلِفُ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ وعَلى هَذا حَمَلَ الآيَةَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِها عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ تَقُولُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَقُولُوا ﴾ وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ عَلى خِطابِ ﴿ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا ﴾ ويَكُونُ الخِطابُ الآتِي بَعْدُ التِفاتًا أيْضًا ولا يَخْفى مَوْقِعُهُ قالَ القُطْبُ: إنَّهُ تَعالى خاطَبُهم أوَّلًا بِما خاطَبَهم ثُمَّ لَمّا وصَلَ إلى حِكايَةِ أقْوالِهِمُ الرَّدِيئَةِ أعْرَضَ عَنْهم وجَرى عَلى الغَيْبَةِ كَأنَّهم غائِبُونَ ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ تَوْبِيخَهم بَعْدُ خاطَبَهم فَهو التِفاتٌ في غايَةِ الحُسْنِ ﴿ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ﴿ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى أوْ إلى ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ لِأنّا أجْوَدُ أذْهانًا وأثْقَبُ فَهْمًا ﴿ فَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ أوْ شَرْطٌ لَهُ أيْ لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم ..
إلَخْ.
أوِ إنْ صَدَقْتُمْ فِيما تَعِدُونَ مِن أنْفُسِكم عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم ﴿ بَيِّنَةٌ ﴾ حُجَّةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ واضِحَةٌ تَعْرِفُونَها لِظُهُورِها وكَوْنُها بِلِسانِكم كائِنَةً ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿ بَيِّنَةٌ ﴾ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِجاءَكم.
وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ مَعَ الإشارَةِ إلى شَرَفِها الذّاتِيِّ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ لِإيجابِ الِاتِّباعِ ﴿ وهُدًى ورَحْمَةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ بَيِّنَةٌ ﴾ وتَنْوِينُهُما كَتَنْوِينِهِما لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ القُرْآنُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالبَيِّنَةِ أوَّلًا إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ وبِالهُدى والرَّحْمَةِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذِهِ العَطْفُ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وعَبَّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وقُرِئَ ( كَذَبَ ) بِالتَّخْفِيفِ والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ والثّانِي يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وهو الظّاهِرُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والمَعْنى ( كَذَبَ ) ومَعَهُ آياتُ اللَّهِ تَعالى ﴿ وصَدَفَ عَنْها ﴾ أيْ أعْرَضَ غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوْ صَرَفَ النّاسَ عَنْها فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ والفِعْلُ عَلى الأوَّلِ لازِمٌ وعَلى الثّانِي مُتَعَدٍّ وهو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا ﴿ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا ﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إعْراضِهِمْ أوْ صَدِّهِمْ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ ﴿ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ (157) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى والإيذانِ بِأنَّ مِنَ الآياتِ ما لا فائِدَةَ لِلْإيمانِ عِنْدَهُ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والإعْذارِ و( هَلْ ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وأنْكَرَ الرَّضِيُّ مَجِيئَها لِذَلِكَ وقالَ: إنَّها لِلتَّقْرِيرِ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْ ما يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ حَسْبَما أخْبَرَ وبِالمَعْنى الَّذِي أرادَ وإلى هَذا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ وقِيلَ: إتْيانُ المَلائِكَةِ لِإنْزالِ العَذابِ والخَسْفِ بِهِمْ وعَنِ الحَسَنِ إتْيانُ الرَّبِّ عَلى مَعْنى إتْيانِ أمْرِهِ بِالعَذابِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ يَأْتِي أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ وقِيلَ: المُرادُ يَأْتِي كُلُّ آياتِهِ يَعْنِي آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ مِن مَذْهَبِ السَّلَفِ عَدَمُ تَأْوِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ونَحْوِهِ بَلْ تَفْوِيضُ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ إرادَةِ الظّاهِرِ ومِنهم مَن يُبْقِيهِ عَلى الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإتْيانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى لَيْسَ الإتْيانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الحادِثُ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ يَقُولُ بِالظَّواهِرِ ويَنْفِي اللَّوازِمَ ويَدَّعِي أنَّها لَوازِمُ في الشّاهِدِ وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ.
وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ عِنْدَ النّاسِ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ مَذْهَبِ الكُفّارِ واعْتِقادُهم وعَلى ذَلِكَ اعْتَمَدَ الإمامُ وهو بَعِيدٌ أوْ باطِلٌ والمُرادُ بِالآياتِ عِنْدَ بَعْضِ أشْراطِ السّاعَةِ وهي عَلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرَةٌ وصَحَّ مِن طُرُقِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: «أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ مِن عِلْيَةٍ ونَحْنُ نَتَذاكَرُ فَقالَ: ما تُذاكِرُونَ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ قالَ: إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانُ والدَّجّالُ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وثَلاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وآخِرُ ذَلِكَ نارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ أوِ اليَمَنِ تَطْرُدُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ تَنْزِلُ مَعَهم إذا نَزَلُوا وتُقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا» وبِبَعْضِها عَلى ما قِيلَ: الدَّجّالُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وهو المُرادُ بِالبَعْضِ أيْضًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ورَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ما هو صَرِيحٌ في ذَلِكَ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ خُرُوجَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الدَّجّالِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو النّاسَ إلى الإيمانِ ويَقْبَلُهُ مِنهم وفي زَمَنِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِما يَخْلُو عَنِ النَّظَرِ والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا البَعْضِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإيمانُ عِنْدَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها.
فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» بَلْ قَدْ رُوِيَ هَذا التَّعْيِينُ عَنْهُ في غَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُلَّةُ المُفَسِّرِينَ وما يُرْوى مِنَ الأخْبارِ الَّتِي ظاهِرُها المُنافاةُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُنافٍ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وسَبَبُ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا شُوهِدَ تَغَيُّرُ العالَمِ العُلْوِيِّ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ ويَرْتَفِعُ الإيمانُ بِالغَيْبِ وهو المُكَلَّفُ بِهِ فَيَكُونُ الإيمانُ حِينَئِذٍ كالإيمانِ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ومُقْتَضى الإخْبارِ في هَذا المَطْلَبِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ الإيمانُ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا لَكِنَّ الظّاهِرَ عَلى ما في الزَّواجِرِ قَبُولُ ما وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ كَمَن جُنَّ وأفاقَ بَعْدُ أوْ أسْلَمَ بِتَبَعِيَّةِ أبَوَيْهِ.
وعَنِ البَلْقِينِيِّ أنَّهُ إذا تَراخى الحالُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ وطالَ العَهْدُ حَتّى نُسِيَ قُبِلَ الإيمانُ لِزَوالِ الآيَةِ المُلْجِئَةِ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وقَوْلُ العِراقِيِّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَطُولُ العَهْدُ حَتّى يُنْسى غَيْرُ مُتَّجِهٍ لِما رَواهُ القُرْطُبِيُّ في تَذْكِرَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ونَقَلَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ النّاسَ يَبْقُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً والكَلامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ طُلُوعِها مِنَ المَغْرِبِ مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ وفي سُوقِ العَرُوسِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها ثُمَّ يُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن مَطْلَعِكِ والمَشْهُورُ أنَّها تَطْلُعُ يَوْمًا واحِدًا مِنَ المَغْرِبِ فَتَسِيرُ إلى خَطِّ نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ تَرْجِعُ إلى المَغْرِبِ وتَطْلُعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَشْرِقِ كَعادَتِها قَبْلُ وخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى صَرِيحٌ في ذَلِكَ والكُلُّ أمْرٌ مُمْكِنٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ورَوى البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطْلِعَ الشَّمْسَ مِن مَغْرِبِها أدارَها بِالقُطْبِ فَجَعَلَ مَشْرِقَها مَغْرِبَها ومَغْرِبَها مَشْرِقَها وأهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم يَزْعُمُونَ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مُحالٌ ويَقُولُونَ: إنَّ الشَّمْسَ وغَيْرَها مِنَ الفَلَكِيّاتِ بَسِيطَةٌ لا تَخْتَلِفُ مُقْتَضَياتُها جِهَةً وحَرَكَةٌ وغَيْرَ ذَلِكَ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَغْيِيرٌ عَمّا هي عَلَيْهِ وقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى مِثْلِ شَفا جُرُفٍ هارٍ وقالَ الكَرْمانِيُّ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ قَواعِدِهِمْ لا امْتِناعَ في ذَلِكَ أيْضًا لِقَوْلِهِمْ بِجَوازِ انْطِباقِ مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ المُسَمّى بِفَلَكِ الثَّوابِتِ عَلى المُعَدَّلِ وهي مِنطَقَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ المُسَمّى بِفَلَكِ الأطْلَسِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المَشْرِقُ مَغْرِبًا والمَغْرِبُ مَشْرِقًا.
انْتَهى.
وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ بُعْدُ بَيانِ كَيْفِيَّةِ الِانْطِباقِ وما يَتْبَعُهُ ويَلْزَمُ مِنهُ عَلى ما في كُتُبِ مُحَقِّقِيهِمْ فَأقُولُ: قالَ في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِها لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ: المَيْلُ الكُلِّيُّ وهو غايَةُ التَّباعُدِ بَيْنَ مِنطَقَتَيِ المُعَدَّلِ وفَلَكِ البُرُوجِ المَوْجُودُ بِالأرْصادِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا بَلْ كانَ ما وجَدَهُ القُدَماءُ أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ المُحْدَثُونَ وقَدْ يُظَنُّ أنَّ ما وجَدَهُ مَن هو أحْدَثُ زَمانًا كانَ أقَلَّ مِمّا وجَدَهُ مَن هو أقْدَمُ زَمانًا مَعَ أنَّ أكْثَرَ ما وجَدُوهُ لَمْ يَبْلُغْ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا وأقَلُّهُ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا ونِصْفِ جُزْءٍ.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما هو بِسَبَبِ اخْتِلالِ الآلاتِ في اسْتِدارَتِها أوْ قِسْمَتِها أوْ نَصْبِها في حَقِيقَةِ نِصْفِ النَّهارِ لا بِسَبَبِ تَحَرُّكِ إحْدى المِنطَقَتَيْنِ إلى الأُخْرى وإلّا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ عَلى نِظامٍ واحِدٍ ولَمْ يُوجَدْ كَذَلِكَ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الِاخْتِلافِ بِسَبَبِ التَّحَرُّكِ وعَدَمُ الِانْتِظامِ بِسَبَبِ الِاخْتِلالِ ولَمّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّقارُبُ بِحَرَكَةِ المُعَدَّلِ نَحْوَ مِنطَقَةِ البُرُوجِ إذْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَخْتَلِفَ عُرُوضُ البُلْدانِ عَمّا هي عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ خَطُّ الِاسْتِواءِ في كُلِّ زَمانٍ مَكانًا آخَرَ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مِنطَقَةَ البُرُوجِ تَتَحَرَّكُ في العَرْضِ فَتَقْرُبُ مِن مُعَدَّلِ النَّهارِ فَإنْ كانَ هَذا حَقًّا يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ فَلَكًا آخَرَ يُحَرِّكُ فَلَكَ البُرُوجِ هَذِهِ الحَرَكَةَ ثُمَّ إنَّ المِنطَقَةَ إنْ تَحَرَّكَتْ في العَرْضِ أمْكَنَ أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ وأمْكَنَ أنْ لا تُتِمَّها بَلْ تَتَحَرَّكُ إلى غايَةٍ ما ثُمَّ تَعُودُ وتِلْكَ الغايَةُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ انْطِباقِها عَلى مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ مَرَّتَيْنِ أوْ حالَ انْطِباقِها الثّانِي أوْ فِيما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ وذَلِكَ إمّا بَعْدَ قِطَعِ نِصْفِ دَوْرَتِها أوْ حالَ قَطْعِ النِّصْفِ أوْ قَبْلَهُ وإنْ لَمْ تَصِلْ إلى ما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ فَإمّا أنْ تَعُودَ حالَ انْطِباقِها الأوَّلِ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ وثَمانِيَةُ احْتِمالاتٍ عَقْلِيَّةٍ لا مَزِيدَ عَلَيْها وعَلى التَّقْدِيراتِ الخَمْسِ الأُوَلِ يَتَبادَلُ نِصْفا سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الشَّمالِيِّ والجَنُوبِيِّ فَيَصِيرُ نِصْفُ سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الَّذِي هو شَمالِيٌّ عَنِ المُعَدَّلِ جَنُوبًا عَنْهُ وبِالعَكْسِ مَعَ ما يَتْبَعُ النِّصْفَيْنِ مِنَ الأحْكامِ فَتَثْبُتُ أحْكامُ النِّصْفِ الشَّمالِيِّ لِلنِّصْفِ الجَنُوبِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ شَمالِيًّا وأحْكامُ الجَنُوبِيِّ لِلشَّمالِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ جَنُوبِيًّا وفي الثَّلاثَةِ الأُولى مِنها يَنْطَبِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنها نِصْفَيْ مِنطَقَةِ البُرُوجِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن نِصْفَيْ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعَلى التَّقْدِيراتِ الباقِيَةِ بَعْدَ الخَمْسَةِ الأُولى لا يَتَبادَلُ غَيْرُ البَعْضِ مِنَ السَّطْحِ المَذْكُورِ وعَلى التَّقْدِيراتِ السَّبْعَةِ الأُولى يَنْطَبِقُ النِّصْفُ مِن مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ عَلى النِّصْفِ المُجاوِرِ لَهُ مِن مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعِنْدَ كُلِّ انْطِباقٍ يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ في جَمِيعِ البِقاعِ لِأنَّ مَدارَ الشَّمْسِ هو المُعَدَّلُ المُنَصَّفُ بِالآفاقِ القاطِعَةِ لَهُ وتَبْطُلُ فُصُولُ السَّنَةِ لِأنَّ بُعْدَ الشَّمْسِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ يَكُونُ شَيْئًا واحِدًا هو مِقْدارُ عَرْضِ البَلَدِ ويَسْتَمِرُّ الحالُ عَلى هَذا إلى أنْ تَفْتَرِقَ المِنطَقَتانِ بِمِقْدارٍ يُحَسُّ بِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الِانْطِباقِ وتَساوِي المَلَوَيْنِ وبُطْلانُ الفُصُولِ إلّا أنَّ الِارْتِفاعاتِ ومَقادِيرَ الأيّامِ واللَّيالِي لِأجْزاءَ بِعَيْنِها مِن فَلَكِ البُرُوجِ تَزِيدُ وتَنْقُصُ في بُقْعَةٍ بِعَيْنِها.
انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولا يَخْفى أنَّهُ مِن لَوازِمِ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّبادُلِ النّاشِئِ عَنِ الِانْطِباقِ مَرَّتَيْنِ انْطِباقُ قُطْبِ البُرُوجِ الجَنُوبِيِّ عَلى قُطْبِ العالَمِ الشَّمالِيِّ وعَكْسُهُ وصَيْرُورَةُ بُرُوجِ الخَرِيفِ بُرُوجَ الرَّبِيعِ وعَكْسُهُ وبُرُوجُ الصَّيْفِ بُرُوجَ الشِّتاءِ وعَكْسُهُ وانْعِكاسُ تَوالِي البُرُوجِ إلى خِلافِهِ فَيَطْلُعُ الحُوتُ ثُمَّ الدَّلْوُ ثُمَّ الجَدْيُ وهَكَذا إلى الحَمَلِ وتَوافُقُ حَرَكَةِ ما حَرَكَتُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَيْسَ صَيْرُورَةُ المَشْرِقِ مَغْرِبًا والمَغْرِبِ مَشْرِقًا مِن لَوازِمِ الِانْطِباقِ المَذْكُورِ بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى انْطِباقَ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ عَلى مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ بِحَيْثُ تَكُونُ الحَرَكَةُ لِلْمُعَدَّلِ نَحْوَ المِنطَقَةِ لِتَصَوُّرِ ما ذُكِرَ لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ السَّنَدُ فِيما مَرَّ وقَدْ فَرَضَ عَدَمَ الِامْتِناعِ فَتَدَبَّرْ والِانْتِظارُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والتَّمادِي عَلى العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ مُنْتَظِرِينَ لَها وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ بَعْدَ أنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ بَعْضِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ والبَعْضِ الآخَرِ إلى بَعْضِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يَأْباهُ ولا أنَّ المَقامَ إنَّما يُساعِدُ عَلى ما سِواهُ وقِيلَ: المُرادُ بِإتْيانِ المَلائِكَةِ وإتْيانِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ وبِإتْيانِ بَعْضِ الآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم وجُوِّزَ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ عَلى ما يَعُمُّ مُقْتَرَحاتِهِمْ وغَيْرَها مِنَ الدَّواهِي العِظامِ السّالِبَةِ لِلِاخْتِيارِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ التَّكْلِيفِ وهو كَلامٌ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِالدُّونِ ولَكِنْ إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِيٌّ والتَّعْبِيرُ بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ وتَنْكِيرُ ﴿ نَفْسًا ﴾ لِلتَّعْمِيمِ وجُمْلَةُ ﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لَنَفْسًا فُصِلَ بَيْنَهُما بِالفاعِلِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ مِنهُ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ وجُوِّزَ كَوْنُها اسْتِئْنافِيَّةً و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِلا يَنْفَعُ وامْتِناعُ عَمَلِ ما بَعْدَ لا فِيما قَبْلَها إنَّما هو عِنْدَ وُقُوعِها جَوابَ القَسَمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَأْتِيهِمْ ) بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقُرِئَ ( يَوْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَنْفَعُ فِيهِ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مِن بابِ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ فالمُضافُ فِيهِ قَدِ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِما يُسْتَغْنى عَنْهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ التَّأْنِيثَ لِتَأْوِيلِ الإيمانِ بِالعَقِيدَةِ والمَعْرِفَةِ مِثْلَ جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنَتْ ﴾ والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ التَّرْدِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ المُفِيدِ بِمَنطُوقِهِ لِاشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِعَدَمِ الأمْرَيْنِ مَعًا الإيمانُ المُقَدَّمُ والخَيْرُ المَكْسُوبُ فِيهِ وبِمَفْهُومِهِ لِاشْتِراطِ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما بِطْرِيقِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ والمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْها مِن قِبَلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ أوِ الخَيْرِ المَكْسُوبِ فِيهِ فَيَتَحَقَّقُ الخَيْرُ بِأيِّهِما كانَ حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ النُّصُوصُ الكَرِيمَةُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ المُرادُ نَفْيُ العُمُومِ لا عُمُومَ النَّفْيِ والمَعْنى أنَّهُ يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها أوْ مُقَدِّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ فِيهِ خَيْرًا وهَذا صَرِيحٌ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ لا يُعْتَبَرُ ولا يَنْفَعُ صاحِبَهُ ولَمْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مَقالِيَّةٌ عَلى خِلافِهِ وهُنا قَدْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى خِلافِهِ فَإنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ عُمُومُ النَّفْيِ لُغِيَ ذِكْرُ اشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِالخُلُوِّ عَنْ كَسْبِ الخَيْرِ في الإيمانِ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا انْتَفى الإيمانُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ انْتَفى كَسْبُ الخَيْرِ فِيهِ قَطْعًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْخُلُودِ في النّارِ هو عَدَمُ الإيمانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِعَدَمِ كَسْبِ الخَيْرِ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بِصَدَدِ بَيانِ ما يُوجِبُ الخُلُودَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ أيْضًا.
وأجابَ شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ المَقْصُودَ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِالعَدَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُجَرَّدُ بَيانِ إيجابِهِما لِلْخُلُودِ فِيها وعَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في إنْجائِها عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ وإلّا لَكَفى في البَيانِ أنْ يُقالَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الحادِثُ بَلِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن وصْفِها بِذَيْنِكَ العَدَمَيْنِ في أثْناءِ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ تَحْقِيقُ أنَّ مُوجِبَ النَّفْعِ إحْدى مِلْكِيَّتِهِما أعْنِي الإيمانَ السّابِقَ والخَيْرَ المَكْسُوبَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِما في ضِمْنِ التَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِما ولا سَبِيلَ إلى أنْ يُقالَ: كَما أنَّ عَدَمَ الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ فَيَلْغُو ذِكْرُ عَدَمِ الثّانِي كَذَلِكَ وُجُودُ مُسْتَقِلٍّ في إيجابِ الخَلاصِ عَنْها فَيَكُونُ ذِكْرُ الثّانِي لَغْوًا لِما أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ كَيْفَ لا والخُلُودُ فِيها أمْرٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَعَدُّدُ العِلَلِ وأمّا الخَلاصُ مِنها مَعَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَلَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ الإيمانِ وبَعْضُها عَلى فُرُوعِهِ المُتَفاوِتَةِ كَمًّا وكَيْفًا.
ولَمْ يَقْتَصِرْ إتْيانُ ما يُوجِبُ أصْلَ النَّفْعَ وهو الإيمانُ السّابِقُ مَعَ أنَّهُ المُقابِلُ بِما لا يُوجِبُهُ أصْلًا وهو الإيمانُ الحادِثُ بَلْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ النَّفْعَ الزّائِدَ أيْضًا إرْشادًا إلى تَحَرِّيَ الأعْلى وتَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ الأدْنى وإقْناطًا لِلْكَفَرَةِ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الكُفْرِ مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ وأنَّ الإيمانَ الحادِثَ كَما لا يَنْفَعُهم وحْدَهُ لا يَنْفَعُهم بِانْضِمامِ أعْمالِهِمُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ مِنَ العَدَمَيْنِ التَّعْرِيضُ بِحالِ الكَفَرَةِ في تَمَرُّدِهِمْ وتَفْرِيطِهِمْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الواجِبَيْنِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ وُجُوبُ أحَدِهِما مَنُوطًا بِالآخَرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ﴿ ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ) تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ وإيذانًا بِتَضاعُفِ عِقابِهِمْ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ .
انْتَهى.
( وقِيلَ ) في دَفْعِ اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ وأجابَ بَعْضُهم عَنْ مُتَمَسَّكِ المُعْتَزِلَةِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما سُمِّيَ في عِلْمِ البَلاغَةِ بِاللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ولا كَسْبُها في إيمانِها خَيْرًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ خَيْرًا فاقْتَصَرَتْ لِلْعِلْمِ بِهِ وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ومِثْلُهُ ما تَفَطَّنَ لَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَمَّ الكَلامُ بِهِ مِن غَيْرِ لَفٍّ ولا اعْتِبارِ اقْتِصارٍ وهو أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ إذا لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ ولا بِاعْتِبارِ العَمَلِ إذا لَمْ يُعْمَلْ قَبْلُ ونَفَعَ الإيمانُ بِاعْتِبارِ العَمَلِ أنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِقَبُولِ العَمَلِ فَإنَّ العِبارَةَ لا تَحْتَمِلُهُ ولا يُفْهَمُ مِنها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيرٍ في نَظْمِ الكَلامِ وقالَ مَوْلانا ابْنُ الكَمالِ: إنَّ المُرادَ بِالإيمانِ في الآيَةِ المُعَرَّفَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قِراءَةُ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ ويَكْسِبُ الخَيْرُ الإذْعانَ ونَحْنُ مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ نَقُولُ بِما هو مُوجِبٌ النَّصَّ مِن أنَّ الإيمانَ النّافِعَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ ولا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخالِفِ لِأنَّ مَبْناها حَمْلُ الإيمانِ عَلى المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ المُخْتَرَعِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِما يَكُونُ بِالجَوارِحِ وكُلٌّ مِنهُما خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ ولَوْ سُلِّمَ فَنَقُولُ: الإيمانُ النّافِعُ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ وقَدْ عُبِّرَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ آمَنَتْ ﴾ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ كَسَبَتْ ﴾ فالكَسْبُ يَكُونُ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ ومِنها اللِّسانُ فَمَنطُوقُ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِنا.
انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الألْفاظَ المُسْتَعْمَلَةَ في كَلامِ الشّارِعِ حَقائِقُ شَرْعِيَّةٌ يَتَبادَرُ مِنها ما عُلِمَ بِلا قَرِينَةٍ والإيمانُ وإنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو تَصْدِيقُ القَلْبِ مُطْلَقًا وإنِ اسْتُعْمِلَ في التَّصْدِيقِ الخاصِّ إلّا أنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ هَذا التَّصْدِيقُ وحِينَئِذٍ فَكَلامُ هَذا العَلّامَةِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وأجابَ القاضِي البَيْضاوِيُّ بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ بِأنَّ لِمَنِ اعْتَبَرَ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ وقالَ بِأنَّهُ يَنْفَعُ صاحِبَهُ حَيْثُ يُخَلِّصُهُ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ تَخْصِيصُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ أيْ أنَّ هَذا الحُكْمَ أعْنِي عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ المُجَرَّدِ لِصاحِبِهِ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفْعِ هو ما حَدَثَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ نَفْعِ ما حَدَثَ فِيهِ عَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ السّابِقِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ العَمَلِ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ الحُكْمِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَخْصِيصُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ قَدْ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى اشْتِمالِ الآيَةِ عَلى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَما أشَّرْنا إلَيْهِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَخْصِيصُ الحُكْمِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ أيْضًا ولا قائِلَ بِهِ إذْ هو لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بِالِاتِّفاقِ ويُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ في حُكْمِ عَدَمِ النَّفْعِ إنَّما يُلاحَظُ بِالنَّظَرِ إلى الإيمانِ المُجَرَّدِ وبِاعْتِبارِهِ فَقَطْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ الإيمانُ الغَيْرُ السّابِقِ إلَيْهِ صاحِبَهُ فِيهِ ولا الإيمانُ الغَيْرُ المُكْتَسَبِ فِيهِ الخَيْرُ وإنْ نَفَعَ هو بِالآخِرَةِ إلّا أنَّ في هَذا تَخْصِيصًا في الحُكْمِ والمَحْكُومِ بِهِ فَتَأمَّلْ وبِأنَّ لَهُ أيْضًا صُرِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( كَسَبَتْ ) عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَتْ ) إلى عَطْفِهِ إلى ( لَمْ تَكُنْ ) لَكِنْ بَعْدَ جَعْلِ أوْ بِمَعْنى الواوِ وحَمْلِ الإيمانِ في ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ عَلى الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وإذا لَمْ يَنْفَعُ ذَلِكَ مَعَ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ نَفْعِهِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ يَضُرُّ بِالِاسْتِدْلالِ ونَحْنُ بِصَدَدِ الطَّعْنِ بِاسْتِدْلالِهِمْ فَلا يَضُرُّنا أنَّ فِيهِ نَوْعَ بُعْدٍ ومِن عَجِيبِ ما وقَفْتُ عَلَيْهِ لِبَعْضِ فُضَلاءِ الرُّومِ في الجَوابِ أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا وبَعْدَها مُضارِعٌ مُقَدَّرٌ مِثْلُها في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: فَواللَّهِ ما تَمَضْمَضَتْ مُقْلَتِي بِنَوْمِها ولا تَمَخَّضَتْ لَيْلَتِي عَنْ يَوْمِها أوْ ألْفَيْتُ أبا زَيْدٍ السُّرُوجِيَّ والأصْلُ أوْ يَكُونُ كَسَبَ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ المُبالَغَةُ في نَفْيِ النَّفْيِ بِتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ .
﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ في رَأْيٍ وقَوْلِ الشّاعِرِ.
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وحاصِلُ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ إذا جاءَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَنْفَعُ الإيمانُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّفْسُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ كَسَبَتْ في الإيمانِ خَيْرًا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وكَسْبُ الخَيْرِ في الإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِلنَّفْسِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ مُمْتَنِعٌ فالنَّفْعُ المَطْلُوبُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا وقَدْ أُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ وحاصِلُ جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لِما فِيها مِنَ الِاحْتِمالاتِ لا تَكُونُ مُعارِضَةً لِلنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ المُتُونِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَشُوبُها مِثْلُ ذَلِكَ الصّادِحَةِ بِكِفايَةِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ في الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ ولَوْ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي وبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّ الخَيْرَ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْعُ الإيمانِ بِمُجَرَّدِ الخَيْرِ ولَوْ واحِدًا ولَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهم فَإنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ داخِلَةٌ في الخَيْرِ عِنْدَهم.
﴿ قُلِ ﴾ لَهم بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ ﴿ انْتَظِرُوا ﴾ ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿ إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ (158) لِذَلِكَ وحِينَئِذٍ نَفُوزُ وتَهْلَكُونَ قِيلَ: في هَذا تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ المُرادِ بِما يَنْتَظِرُونَهُ إتْيانَ مَلائِكَةِ العَذابِ أوِ إتْيانَ أمْرِهِ تَعالى بِهِ وعِدَةً ضِمْنِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ بِمُعايَنَتِهِمْ بِما يَحِيقُ بِالكَفَرَةِ مِنَ العِقابِ ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى أيْ بَدَّدُوا دَيْنَهم وبَعَّضُوهُ فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِالألِفِ أيْ بايَنُوا فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأْخْذِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ تَرْكُ الكُلِّ أوْ مُفارَقَةٌ لَهُ ﴿ وكانُوا شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا وتَتْبَعُهُ أوْ تُقَوِّيهِ وتُظْهِرُ أمْرَهُ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ ومِن غَرِيبِ ما وقَعَ أنَّ بَعْضَ مُتَعَصِّبِي الشِّيعَةِ الأمامِيَّةِ مِن أهْلِ زَمانِنا واسْمُهُ حَمَدٌ رَوى بَدَلَ إلّا واحِدَةً في هَذا الخَبَرِ إلّا فِرْقَةً وقالَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى نَجاةِ الشِّيعَةِ فَإنَّ عَدَدَ لَفْظِ فِرْقَةٍ بِالجُمَلِ وعَدَدَ لَفْظِ شِيعَةٍ سَواءٌ فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إلّا الشِّيعَةَ والمَشْهُورُ بِهَذا العُنْوانِ هُمُ الشِّيعَةُ الإمامِيَّةُ فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ عِدَّةِ تَزْيِيفاتٍ لِكَلامِهِ: يَلْزَمُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ كَلْبًا لِأنَّ عَدَدَ كَلْبٍ وعَدَدَ حَمَدٍ سَواءٌ فَأُلْقِمَ الكَلْبُ حَجَرًا.
﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم والبَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ بِالعِصْمَةِ عَنْهم أيْ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِقِتالِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِما في سُورَةِ بَراءَةٌ و( مِنهم ) في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ صِفَةٌ نَكِرَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْها ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ أيْ هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وآخِرَتِهِمْ ويُدَبِّرُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: المُفَرِّقُونَ أهْلُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدُوَيْهَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ﴾ ..
إلَخْ.
هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يا عائِشُ إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وأنا مِنهم بَرِيءٌ وهم مُنِّيَ بُرَآءُ» فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ المُبْتَدِعِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم بِبَعِيدٍ ولَعَلَّ جُمْلَةَ ﴿ إنَّما أمْرُهُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
عَلى هَذا لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ وإنَّما هي لِلْوَعِيدِ عَلى ما فَعَلُوا أيْ أنَّ رُجُوعَهُمُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ (159) في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالعِقابِ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ وقَدْ صُدِّرَ بِبَيانِ أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ أيْ مَن جاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالخَصْلَةِ الواحِدَةِ مِن خِصالِ الطّاعَةِ أيِّ خَصْلَةٍ كانَتْ وقِيلَ: التَّوْحِيدُ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ ولَيْسَ بِالحَسَنِ ﴿ فَلَهُ عَشْرُ ﴾ حَسَناتٍ ﴿ أمْثالِها ﴾ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأعْرابِ خاصَّةً وأمّا المُهاجِرُونَ فالحَسَنَةُ مُضاعَفَةٌ لَهم سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ والظّاهِرُ العُمُومُ.
وتَجْرِيدُ ﴿ عَشْرُ ﴾ مِنَ التّاءِ لِكَوْنِ المَعْدُودِ مُؤَنَّثًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ لَكِنَّهُ حُذِفَ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وقِيلَ: إنَّهُ المَذْكُورُ إلّا أنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العالَمِينَ ﴿ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةً بِواحِدَةٍ وإيجابُ كُفْرِ ساعَةٍ عِقابُ الأبَدِ لِأنَّ الكافِرَ عَلى عَزْمِ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ (160) بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى لا يُعَدُّ ظُلْمًا إذْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعَذِّبَ المُطِيعَ ويُثِيبَ العاصِيَ وقِيلَ: المَعْنى يُنْقَصُونَ في الحَسَناتِ مِن عَشْرِ أمْثالِها وفي السَّيِّئَةِ مِن مِثْلِها في مَقامِ الجَزاءِ.
ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ واخْتُلِفَ في تَقْرِيرِهِ فَقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أنَّ أحَدَ أدِلَّةِ الأشاعِرَةِ عَلى النَّفْيِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَبِدٍّ في إيجادِ فِعْلِهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ فَلا يَحْكُمُ العَقْلُ بِالِاسْتِقْلالِ عَلى تُرَتِّبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ ..
إلَخْ.
صَرِيحٌ في أنَّ العَبْدَ مُسْتَبِدٌّ مُخْتارٌ في فِعْلِهِ الحَسَنِ والقَبِيحِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يَثْبُتُ الحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِبْدادِ العَبْدِ غايَةَ ما فِيها أنَّها تَدُلُّ عَلى المُباشَرَةِ وهم لا يُنْكِرُونَها وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى فِعْلًا حَسَنًا ولَوْ كانَ حُسْنَ الأفْعالِ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً أوْ مَأْذُونًا فِيها لَما كانَ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى حُسْنًا إذْ هو غَيْرُ مَأْمُورٍ ولا مَأْذُونٍ وأيْضًا لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى وُرُودِ الشَّرْعِ لَما كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى حَسَنَةً قَبْلَ الوُرُودِ وهو خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ.
وأُجِيبَ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ لا حَسَنَ إلّا ما أمَرَ بِهِ أوْ أذِنَ في فِعْلِهِ حَتّى يُقالَ: يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أفْعالُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ حَسَنَةٍ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِها أوْ مَأْذُونًا فِيها بَلْ ما أمَرَ الشّارِعُ بِفِعْلِهِ أوْ أذِنَ فِيهِ فَهو حَسَنٌ ولا يَنْعَكِسُ كَنَفْسِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الفِعْلُ حَسَنًا بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ الغَرَضِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالثَّناءِ عَلى فاعِلِهِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى حَسَنًا سَواءً وافَقَ الغَرَضَ أوْ خالَفَ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ وإنْ فُسِّرا بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا حُسْنَ ولا قُبْحَ إلّا بِالشَّرْعِ حَتّى يَلْزَمَنا ذَلِكَ بَلِ الحُسْنُ والقُبْحُ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ كَما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحَقُّقِ مَعْنى الحُسْنِ والقُبْحِ بِغَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ أنْ يَكُونَ ذاتِيًّا لِلْأفْعالِ ولا يَخْفى عَلى المُطَّلِعِ أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانَ حَسَنَ الأفْعالِ ..
إلَخْ.
وقَوْلَهم: لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ ..
إلَخْ.
شُبْهَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ مِن شُبَهٍ عَشَرَةٍ إلْزامِيَّةٍ ذَكَرَها الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ وأنَّ كُلًّا مِنَ التَّقْرِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ لا يَخْلُو بَعْدُ عَنْ نَظَرٍ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي ﴾ أمْرٌ لَهُ بِأنْ يُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَدَّعِي المُفَرِّقُونَ أنَّهم عَلَيْهِ وقَدْ فارَقُوهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُفَرِّقِينَ أوْ لِلنّاسِ كافَّةً: أرْشَدَنِي رَبِّي بِالوَحْيِ وبِما نُصِبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مُوَصِّلٍ إلى الحَقِّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ دِينًا ﴾ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ﴿ إلى صِراطٍ ﴾ إذِ المَعْنى فَهَدانِي صِراطًا نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ هَدانِي أوْ أعْطانِي أوْ عَرَّفَنِي دِينًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْمَذْكُورِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قِيَمًا ﴾ مَصْدَرٌ كالصِّغَرِ والكِبَرِ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذا قِيَمٍ والقِياسُ قِوَمًا كَعِوَضٍ وحِوَلٍ فاعِلٌ تَبَعًا لِإعْلالِ فِعْلِهِ أعْنِي قامَ كالقِيامِ وقَرَأ كَثِيرٌ ( قَيِّمًا ) وهو فَيْعَلٌ مِن قامَ أيْضًا كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو عَلى ما قِيلَ أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ والمُسْتَقِيمُ أبْلَغُ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ المادَّةِ والهَيْئَةِ وقِيلَ: أبْلَغِيَّةُ المُسْتَقِيمِ لِأنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ فَتُفِيدُ طَلَبَ القِيامِ واقْتِضاءَهُ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَيِّمِ والمُسْتَقِيمِ في أصْلِ المَعْنى عِنْدَ الكَثِيرِ وفَسَّرُوا القَيِّمَ بِالثّابِتِ المُقَوِّمِ لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ وجَعَلُوا المُسْتَقِيمَ مِنِ اسْتَقامَ الأمْرُ بِمَعْنى ثَبُتَ وإلّا لا يَتَأتّى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المُسْتَقِيمُ مُقابِلُ المُعْوَجِّ والقَيِّمُ الثّابِتُ الَّذِي لا يُنْسَخُ ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَدِينًا بِناءً عَلى جَوازٍ تَخالُفِ البَيانِ والمُبَيَّنِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا ﴿ حَنِيفًا ﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ أوْ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ وهو حالٌ مِن إبْراهِيمَ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنهُ أوْ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ حَيْثُ يَصِحُّ قِيامُهُ مَقامَهُ والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ هو العامِلُ في المُضافِ وقِيلَ: مَعْنى الإضافَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ المُشْعِرِ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وقَدْ تَقَوّى هَذا المَعْنى هُنا بِما بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مِنَ الجُزْئِيَّةِ أوْ شِبْهِها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْنِي حَنِيفًا ﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ (161) اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ مَكَّةَ القائِلِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والنَّصارى القائِلِينَ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ أيْ جِنْسَها لِتَشْمَلَ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها وأُعِيدَ الأمْرُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وقِيلَ: لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها ﴿ ونُسُكِي ﴾ أيْ عِبادَتِي كُلَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ وهو مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبِيحَةُ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وعَنْ قَتادَةَ الأُضْحِيَةُ وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ أيْ إنَّ صَلاتِي وحَجِّي ﴿ ومَحْيايَ ومَماتِي ﴾ أيْ ما يُقارِنُ حَياتِي ومَوْتِي مِنَ الإيمانِ والعَمَلَ الصّالِحَ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَحْيا والمَماتِ ظاهِرَهُما والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ (162) إذِ المُرادُ بِهِ الخُلُوصُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ نَظَرًا لِهَذا الِاحْتِمالِ أنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى مُلْكًا وقُدْرَةً <div class="verse-tafsir"
﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ أيْ في عِبادَتِي أوْ فِيها وفي الإحْياءِ والإماتَةِ وقَرَأ نافِعٌ ( مَحْيايَ ) بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كَسَرَ الياءَ وعَلى الرِّوايَةِ الأُولى إنَّما جازَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِنِيَّةِ الوَقْفِ وفِيهِ يَجُوزُ ذَلِكَ فَطَعَنَ بَعْضُهم في ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ وهو لا يَجُوزُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وقَدْ رَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ جَماعَةٌ وما قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْها وإنَّهُ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ نَقْلُها عَنْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ وبِذَلِكَ ﴾ أيِ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ ﴿ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ (163) أيِ المُنْقادِينَ إلى امْتِثالِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقِيلَ: المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ والمُرادُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ كَما قِيلَ وهَذا شَأْنُ كُلِّ نَبِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورِي» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ إنْكارٌ لِبُغْيَةِ غَيْرِهِ تَعالى رَبًّا لا لِبُغْيَةِ الرَّبِّ ولِهَذا قُدِّمَ المَفْعُولُ ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ إذِ المَقْصُودُ أغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ رَبًّا وأجْعَلُهُ شَرِيكًا لَهُ وعَلى تَقْدِيرِ الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إشْراكًا لِلْغَيْرِ بَلْ تَوْحِيدٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالُ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ وذَكَرَ في رَدِّ دَعْوَتِهِ إلى الغَيْرِ رَدَّ الِاخْتِصاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إشْراكَ الغَيْرِ بُغْيَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لا بُغْيَةَ لَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ مِن أغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ ونَحْوِهِ كَما لا يَخْفى ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانُهُ ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ ﴿ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ يُرْوى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَ ذُكِرَ أيْ أنَّ ما كَسَبَتْهُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الخَطايا مَحْمُولٌ عَلَيْها لا عَلى غَيْرِها حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ أيْ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿ وِزْرَ أُخْرى ﴾ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم والثّانِي اتَّبِعُوا لِنَحْمِلَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَكْسِبُ ﴾ ..
إلَخْ.
رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَزِرُ ﴾ ..
إلَخْ.
رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي وقِيلَ: إنَّ جَوابَ قَوْلِهِمْ هو الثّانِي وإنَّ الأوَّلَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ عَنْ دَعْواهم إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ يَعْنِي لَوْ أجَبْتُكم إلى ما دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أكُنْ مَعْذُورًا بِأنَّكم سَبَقْتُمُونِي إلَيْهِ وقَدْ فَعَلْتُهُ مُتابَعَةً لَكم ومُطاوَعَةً فَلا يُفِيدُنِي ذَلِكَ شَيْئًا ولا يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ وعَمَلَهُ عَلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ بِأنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ أيْ إلى مالِكِ أمْرِكم رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ (164) بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ الحَيِّ مِنَ اللَّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ أيْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا كُلَّما مَضى قَرْنٌ جاءَ قَرْنٌ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن عالِمٍ مُدَبِّرٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها كَما قِيلَ والخِطابُ عَلَيْهِما عامٌّ وقِيلَ: الخِطابُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ في الفَضْلِ والغِنى كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿ دَرَجاتٍ ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً ﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِمّا يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ ﴿ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ أيْ عِقابُهُ سُبْحانَهُ الأُخْرَوِيُّ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ لِتَعالِيَهُ سُبْحانَهُ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعِقابِ عِقابُ الدُّنْيا كالَّذِي يَعْقُبُ التَّقْصِيرَ مِنَ البُعْدِ عَنِ الفِطْرَةِ وقَساوَةِ القَلْبِ وغِشاوَةِ الأبْصارِ وصَمِّ الأسْماعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (165) لِمَن راعى حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يَنْبَغِي.
وفِي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الوارِدَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِاللّامِ مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ لا تَتَوَقَّفُ مَغْفِرَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» مُبالِغٌ في ذَلِكَ فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ وبَعْدَ صُدُورِ ذَنْبٍ مِنَ العَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ وما ألْطَفَ افْتِتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالحَمْدِ وخَتْمَها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُما إنَّهُ ولِيُّ الإنْعامِ ولَهُ الحَمْدُ في كُلِّ ابْتِداءٍ وخِتامٍ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وأثْبَتُوا وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِهِ ﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ ما أشْرَكْنا ﴾ بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ ولا ﴾ أشْرَكَ ﴿ آباؤُنا ﴾ مِن قَبْلِنا ﴿ ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ ﴾ قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ وهو الحِجابُ ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بِالبَيانِ ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ لِأنَّكم مَحْجُوبُونَ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ فَلَيْسَ لَكم حُجَّةٌ بَلْ لِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ في الأزَلِ ولا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُونُوا في أنْفُسِكم مُشْرِكِينَ سَيِّئِي الِاسْتِعْدادِ لَما شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنكم ﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَيْسَ في اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ ذَلِكَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ لَعَلَّها غَيْرُ خَفِيَّةٍ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ فَإنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ أيِ الرُّوحِ والقَلْبِ أحْسِنُوا ﴿ إحْسانًا ﴾ بِرِعايَةِ حُقُوقِهِما ﴿ ولا تَقْتُلُوا ﴾ أيْ تُهْلِكُوا ﴿ أوْلادَكُمْ ﴾ قُواكم بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما هي لَهُ ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ أيْ مِن أجْلِ فَقْرِكم مِنَ الفَيْضِ الأقْدَسِ ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ بِأنْ نُفِيضَ عَلَيْكم وعَلَيْهِمْ ما تَتَغَذَّوْنَ بِهِ مِنَ المَعارِفِ بِمِقْدارِ إذا تَوَجَّهْتُمْ إلَيْنا ﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ﴾ الأعْمالَ الشَّنِيعَةَ ﴿ ما ظَهَرَ مِنها ﴾ كَأفْعالِ الجَوارِحِ ﴿ وما بَطَنَ ﴾ كَأفْعالِ القَلْبِ ﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ تَعالى قَتْلَها ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ إلّا بِسَبَبِهِ بِأنْ تُرِيدُوا تَوَجُّهَها إلَيْهِ أوْ إلّا قَتْلًا مُتَلَبِّسًا بِهِ وهو قَتْلُها إذا مالَتْ إلى السُّوى ﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ أيْ ما أُعِدَّ لِيَتِيمِ القَلْبِ المُنْقَطِعِ عَنْ عَلائِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي هي وراءَ طَوْرِ العَقْلِ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وهي التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ إجْمالًا وعَدَمُ إنْكارِهِ ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ فَيَقْوى عَلى قَبُولِ أنْواعِ التَّجَلِّياتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ لَكم أنْ تَقْرَبُوا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هاتِيكِ المَعارِفِ لِقُوَّةِ قُلُوبِكم وتَقَدُّسِ أرْواحِكم.
ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ اليَتِيمَ إشارَةً إلى حَضْرَةِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى ﴿ وأوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أيْ كَيْلَ الشَّرْعِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الظّاهِرَةِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ أيْ مِيزانَ الحَقِيقَةِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الباطِنَةِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ ﴿ وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ﴾ أيْ لا تَقُولُوا إلّا الحَقَّ ﴿ وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ غَيْرَ مائِلٍ إلى اليَمِينِ والشِّمالِ ﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ لِتَصِلُوا إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ الَّتِي وصَفَها أهْلُ الِاحْتِجابِ ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ فَتَضِلُّوا ولا تَصِلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ لَتَوَفِّيَ أرْواحَهم ﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما صَحَّ في ذَلِكَ الحَدِيثِ ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وهو الكَشْفُ عَنْ ساقٍ ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وهو الكَشْفُ المَذْكُورُ ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ حِينَئِذٍ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً كالَّذِينِ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ النَّفْسِ ﴿ وكانُوا شِيَعًا ﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ والِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ فَلا تَجْتَمِعُ هِمَمُهم ولا تَتَحِدُّ مَقاصِدُهم ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ﴾ في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ هَيْئاتِ أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُتَفَرِّقَةِ ﴿ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ واتِّباعِ الهَوى ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مِن مَقامِ النَّفْسِ وهي مَرْتَبَةُ الآحادِ والحَسَنَةَ أوَّلُ مَقاماتِها مَقامُ القَلْبِ وهي مَرْتَبَةُ العَشَراتِ وأقَلُّ مَراتِبِها عَشَرَةٌ وقَدْ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ إذا كانَتْ مِن مَقامِ الرُّوحِ أوْ مَقامِ السِّرِّ وهَذا هو السِّرُّ في تَفاوُتِ جَزاءِ الحَسَناتِ الَّتِي تُشِيرُ إلَيْهِ النُّصُوصُ ﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ﴿ دِينًا قِيَمًا ﴾ ثابِتًا لا تَنْسَخُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنِ السُّوى ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ فِيهِ شِرْكٌ ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ حُضُورِي وشُهُودِي بِالرُّوحِ ﴿ ونُسُكِي ﴾ تَقَرُّبِي بِالقَلْبِ ﴿ ومَحْيايَ ﴾ بِالحَقِّ ﴿ ومَماتِي ﴾ بِالنَّفْسِ ﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ لا نَصِيبَ لِأحَدٍ مِنِّي في ذَلِكَ ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ في شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ سِواهُ ﴿ وبِذَلِكَ ﴾ الإخْلاصِ وعَدَمِ رُؤْيَةِ الغَيْرِ ﴿ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ المُنْقادِينَ لِلْفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ فَأطْلُبُ مُسْتَحِيلًا ﴿ وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ وما سِواهُ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ مَرْبُوبٌ ﴿ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ إذْ كَسْبُ النَّفْسِ شِرْكٌ في أفْعالِهِ تَعالى وكُلُّ مَن أشْرَكَ فَوَبالُهُ عَلَيْهِ ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ لِعَدَمِ تَجاوُزِ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ صاحِبِها ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ بِأنْ جَعَلَكم لَهُ مَظْهَرَ أسْمائِهِ ﴿ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ في تِلْكَ المَظْهَرِيَّةِ لِأنَّها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ وهو مُتَفاوِتٌ ﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ ويَظْهَرَ عِلْمُهُ بِمَن يَقُومُ بِرِعايَةِ ما آتاهُ وبِمَن لا يَقُومُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ لِمَن لَمْ يُراعِ ﴿ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن يُراعِي ذَلِكَ.
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمِراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.