تفسير الألوسي سورة الطلاق

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الطلاق

تفسيرُ سورةِ الطلاق كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 86 دقيقة قراءة

تفسير سورة الطلاق كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا ١

سُورَةُ الطَّلاقِ وتُسَمّى سُورَةَ -النِّساءِ القُصْرى - كَذا سَمّاها ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَهُ الدّاوُدِيُّ، فَقالَ: لا أرى القُصْرى مَحْفُوظًا ولا يُقالُ لِشَيْءٍ مِن سُورَةِ القُرْآنِ: قُصْرى ولا صُغْرى، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ رَدٌّ لِلْأخْبارِ الثّابِتَةِ بِلا مُسْتَنَدٍ والقِصَرُ والطُّولُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: طُولى الطُّولَيَيْنِ، وأرادَ بِذَلِكَ سُورَةَ الأعْرافِ -وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

.

واخْتُلِفَ في عَدَدِ آياتِها فَفي البَصْرِيِّ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، وفِيما عَداهُ اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ  ﴾ وكانَتِ العَداوَةُ قَدْ تُفْضِي إلى الطَّلاقِ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا الطَّلاقَ وأرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الِانْفِصالِ مِنهُنَّ عَلى الوَجْهِ الجَمِيلِ، وذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ما يَتَعَلَّقُ بِالأوْلادِ في الجُمْلَةِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ خَصَّ النِّداءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَمَّ الخِطابَ بِالحُكْمِ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمامُ أُمَّتِهِ كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ إظْهارًا لِتَقَدُّمِهِ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ المُتَكَلِّمُ عَنْهم والَّذِي يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِهِمْ كُلِّهِمْ وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إظْهارِ جَلالَةِ مَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ لَفْظَ ”النَّبِيُّ“ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الخِطابُ كالنِّداءِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ: ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ ما خاطَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنِّداءِ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْهُ لِأُمَّتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما في الطَّلاقِ مِنَ الكَراهَةِ فَلَمْ يُخاطَبْ بِهِ تَعْظِيمًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، وقِيلَ: حُذِفَ نِداءُ الأُمَّةِ، والتَّقْدِيرُ يا أيُّها النَّبِيُّ وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ عَلى تَنْزِيلِ المُشارِفِ لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ الشّارِعِ فِيهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْلا هَذا التَّجَوُّزُ لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، أوْ كَوْنُ المَعْنى إذا طَلَّقْتُمْ فَطَلِّقُوهُنَّ مَرَّةً أُخْرى وهو غَيْرُ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَكَ أنْ تَقُولَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ بَلْ هو مِن تَعْلِيقِ الخاصِّ بِالعامِّ وهو أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى اللُّزُومِ كَما يُقالُ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا لِأنَّ المَعْنى إنْ يَصْدُرْ مِنكَ ضَرْبٌ فَلْيُكُنْ ضَرْبًا شَدِيدًا، وهو أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِهِ بِالإرادَةِ فَتَدَبَّرِ.

انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ فِيما ذَكَرَهُ كَوْنُهُ عَلى مَعْنى الإرادَةِ أيْضًا ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ نَحْوَ كَتَبْتُهُ لِأرْبَعِ لَيالٍ بَقِينَ مِن جُمادى الأُولى، أوْ مُسْتَقْبِلاتٍ لَها عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِما فِيهِ نَظَرُ واعْتِبارُ الِاسْتِقْبالِ - رَأْيُ مَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالحَيْضِ وهي القُرُوءُ في آيَةِ البَقَرَةِ - كالإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - لِيَكُونَ الطَّلاقُ في الطُّهْرِ وهو الطَّلاقُ المَأْمُورُ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِإيقاعِهِ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِهِ في الحَيْضِ.

وقَدْ صَرَّحُوا جَمِيعًا بِأنَّ ذَلِكَ الطَّلاقَ بِدْعِيٌّ حَرامٌ، وقُيِّدَ الطُّهْرُ بِكَوْنِهِ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ، ولِاعْتِبارِ الِاسْتِقْبالِ بِما أخْرَجَهُ الإمامانِ: مالِكٌ والشّافِعِيُّ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخِرُونَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ.

وقَرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ -» وكانَ ابْنُ عُمَرَ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ يَقْرَأُ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ومَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالِأطْهارِ -وهِيَ القُرُوءُ - في تِلْكَ الآيَةِ كالإمامِ الشّافِعِيِّ يُعَلِّقُ لامَ التَّوْقِيتِ بِالفِعْلِ ولا يَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ، واعْتُرِضَ عَلى التَّأْوِيلِ بِمُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ التَّلَبُّسُ بِأوَّلِها فَهو الشّافِعِيُّ، ومَن يَرى رَأْيَهُ لا عَلَيْهِ وعَلى المُخالِفِ لا لَهُ، وإنْ أُرِيدَ المُشارَفَةُ عادَةً فَخِلافُ مُقْتَضى اللَّفْظِ لِأنَّ اللّامَ إذا دَخَلَتِ الوَقْتَ أفادَتْ مَعْنى التَّأْقِيتِ والِاخْتِصاصِ بِذَلِكَ الوَقْتِ لا اسْتِقْبالَ الوَقْتِ، وعَلى الِاسْتِدْلالِ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ السّابِقُ بِأنَّ قُبُلَ الشَّيْءِ أوَّلُهُ نَقِيضُ دُبُرِهِ فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ لا دافِعَةٌ لَهُ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ العِدَّةِ بِالأطْهارِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ - ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ لِأطْهارِ عِدَّتِهِنَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ جُعِلَتِ الإضافَةُ بِمَعْنى - مِن - دَلَّ عَلى أنَّ القُرْءَ هو الحَيْضُ والطُّهْرُ مَعًا، وإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى اللّامَ فَيَكْفِي ما في قَوْلِكَ لِأطْهارِ الحَيْضِ مِنَ التَّنافُرِ رَدًّا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

وفِي الكَشّافِ المُرادُ - أيْ مِنَ الآيَةِ - أنْ يُطَلَّقْنَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وهو أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ وأبْعَدُ مِنَ النَّدَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا يُطَلِّقَها لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً ثُمَّ لا يُطْلِقُوا غَيْرَ ذَلِكَ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وكانَ أحْسَنُ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ، وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً وكانَ يَكْرَهُ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً كانَتْ أوْ مَفْرُوقَةً، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ فَإنَّما كَرِهُوا ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ فَأما مَفْرُوقًا في الأطْهارِ فَلا لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ قالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ: «ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا وتُطَلِّقَها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً»» ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعُمَرَ: ««مَرِ ابْنَكَ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيَدَعْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ لِيُطْلِقْها إنْ شاءَ»» .

وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا بَأْسَ بِإرْسالِ الثَّلاثِ، وقالَ: لا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً وهو مُباحٌ، فَمالِكٌ يُراعِي في طَلاقِ السُّنَّةِ الواحِدَةَ والوَقْتَ، وأبُو حَنِيفَةَ يُراعِي التَّفْرِيقَ والوَقْتَ، والشّافِعِيُّ يُراعِي الوَقْتَ.

انْتَهى.

وفِي فَتْحِ القَدِيرِ في الِاحْتِجاجِ عَلى عَدَمِ كَراهَةِ التَّفْرِيقِ عَلى الأطْهارِ وكَوْنِهِ مِنَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ رِوايَةٌ غَيْرَ ما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وقَدْ قالَ فِيها ما قالَ إلّا أنَّهُ في الآخِرَةِ رَجَّحَ قَبُولَها، والمُرادُ بِإرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً ما يَعُمُّ كَوْنَها بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، أوْ بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وفي وُقُوعِ هَذا ثَلاثًا خِلافٌ، وكَذا في وُقُوعِ الطَّلاقِ مُطْلَقًا في الحَيْضِ، فَعِنْدَ الإمامِيَّةِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ بِلَفْظِ الثَّلاثِ.

ولا في حالَةِ الحَيْضِ لِأنَّهُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمَرُنا فَهو رَدٌّ»»، ونَقَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ- فِيما قِيلَ - طاوُسٌ وعِكْرِمَةُ: الطَّلاقُ الثَّلاثُ بِفَمٍ واحِدٍ يَقَعُ بِهِ واحِدَةٌ، ورَوى هَذِهِ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - وهو اخْتِيارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنَ الحَنابِلَةِ - وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ قالَ: نَعَمْ»، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الطَّلاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقَ الثَّلاثِ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَ لَهم فِيهِ أناةٌ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ»، ومِنهم مَن قالَ في المَدْخُولِ بِها: يَقَعُ ثَلاثٌ، وفي الغَيْرِ واحِدَةٌ لِما في مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوا ذَلِكَ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ» الحَدِيثَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ - ومِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ - وُقُوعُ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ بَلْ ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ وُقُوعَ الإجْماعِ السُّكُوتِيِّ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى الوُقُوعِ.

ونُقِلَ عَنْ أكْثَرِ مُجْتَهَدِيهِمْ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الإفْتاءُ الصَّرِيحُ بِذَلِكَ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ إمْضاءَ عُمَرَ الثَّلاثَ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ مُخالَفَتِهِ الصَّحابَةَ لَهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها كانَتْ واحِدَةً لا يُمْكِنُ إلّا لِأنَّهم قَدِ اطَّلَعُوا في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَلى وُجُودِ ناسِخٍ، أوْ لِعِلْمِهِمْ بِانْتِهاءِ الحُكْمِ لِعِلْمِهِمْ بِإناطَتِهِ بِمَعانٍ عَلِمُوا انْتِهاءَها في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ، واسْتَحْسَنَ ابْنُ حَجَرٍ في التُّحْفَةِ الجَوابَ بِالِاطِّلاعِ عَلى ناسِخٍ بَعْدَ نَقْلِهِ جَوابَيْنِ سِواهُ وتَزْيِيفِهِ لَهُما، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ أخْبارٍ مَرْفُوعَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الثَّلاثَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، ولَعَلَّهُ هو الظّاهِرُ لا بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُوقِعِ الثَّلاثَ بِهَذا اللَّفْظِ لَكِنْ إذا صَحَّ الإجْماعُ ولَوْ سُكُوتِيًّا عَلى الوُقُوعِ لا يَنْبَغِي إلّا المُوافَقَةُ والسُّكُوتُ، وتَأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ولِذا قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: لَوْ حَكَمَ قاضٍ بِأنَّ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ واحِدَةٌ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ لِأنَّهُ لا يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيهِ لِإجْماعِ الأئِمَّةِ المُعْتَبَرِينَ عَلَيْهِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ مَن يُوقِعُهُ كَذَلِكَ، ومَن قالَ: بِمَعْصِيَتِهِ اسْتَدَلَّ بِما رَوى النَّسائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: ««أخْبَرْنا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا جَمِيعًا فَقامَ غَضْبانَ فَقالَ: أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟

!

حَتّى قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أقْتُلُهُ»» وبِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ أباهُ طَلَّقَ امْرَأةً لَهُ ألْفَ تَطْلِيقَةٍ فانْطَلَقَ عُبادَةُ فَسَألَهُ  فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بانَتْ بِثَلاثٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ عُدْوانٌ وظُلْمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ»» ويُفْهَمُ مِن هَذا حُرْمَةُ إيقاعِ الزّائِدِ أيْضًا وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، ومُقْتَضى قَوْلِ الرُّويانِيِّ - واعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

وغَيْرُهُ -أنَّهُ يُعَزَّرُ فاعِلُهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ تَعاطى نَحْوَ عَقْدٍ فاسِدٍ وهو حَرامٌ، ونُوزِعَ في ذَلِكَ بِما فِيهِ نَظَرٌ، وبِما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا فَقالَ لَهُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ومَن قالَ بِعَدَمِها اسْتَدَلَّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ لَمّا لاعَنَ امْرَأتَهُ طَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُرْمَتِها عَلَيْهِ، وقالَ: إنَّهُ لَوْ كانَ مَعْصِيَةً لَنَهاهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ مُعْتَقِدًا بَقاءَ الزَّوْجِيَّةِ، ومَعَ اعْتِقادِها يَحْرُمُ الجَمْعُ عِنْدَ المُخالِفِ، ومَعَ الحُرْمَةِ يَجِبُ الإنْكارُ عَلى العالِمِ وتَعْلِيمُ الجاهِلِ ولَمْ يُوجَدا، فَدَلَّ عَلى أنْ لا حُرْمَةَ وبِأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تُماضِرَ ثَلاثًا في مَوْضِعِهِ والحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما طَلَقَّ زَوْجَتَهُ شَهْبانُوا ثَلاثًا لَمّا هَنَتْهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ وفاةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ في ذَلِكَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم قالُوا: ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ، وهو أبْعَدُ مِن قَوْلِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ فِيما رُوِيَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى العِصْيانِ فِيهِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الحَيْضِ فالمَعْصِيَةُ فِيهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ.

واسْتُدِلَّ عَلى كَوْنِهِ مَعْصِيَةً إذا كانَ في الحَيْضِ بِما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ كالرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ فِيما نُقِلَ عَنِ الكَشّافِ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِما عَلى حُرْمَةِ إرْسالِ الثَّلاثِ بَحْثٌ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالثّانِيَةِ عَلى وُجُوبِ الرَّجْعَةِ لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّها لا تَجِبُ بَلْ تَنْدُبُ في الطَّلاقِ البِدْعِيِّ، وإنَّما لَمْ تَجِبْ لِأنَّ الأمْرَ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَيْسَ في - فَلْيُراجِعْها - أمْرٌ لِابْنِ عُمَرَ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى أمْرِ عُمَرَ، فالمَعْنى فَلْيُراجِعْها لِأجْلِ أمْرِكَ لِكَوْنِكَ والِدَهُ، واسْتِفادَةُ النَّدْبِ مِنهُ حِينَئِذٍ إنَّما هي مِنَ القَرِينَةِ، وإذا راجَعَ ارْتَفَعَ الإثْمُ المُتَعَلِّقُ بِحَقِّ الزَّوْجَةِ لا في الرَّجْعَةِ قاطِعَةٌ لِلضَّرَرِ مِن أصْلِهِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ تَرْفَعُ أصْلَ المَعْصِيَةِ، وبِهِ فارِقُ دَفْنِ البُصاقِ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ قاطِعٌ لِدَوامِ ضَرَرِهِ لا لِأصْلِهِ لِأنَّ تَلْوِيثَ المَسْجِدِ بِهِ قَدْ حَصَلَ، ويَنْدَفِعُ بِما ذُكِرَ ما قِيلَ: رَفْعُ الرَّجْعَةِ لِلتَّحْرِيمِ كالتَّوْبَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها إذْ كَوْنُ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ في خُصُوصِيَّةٍ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، ولا يُسْتَدَلُّ بِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ عَلى فَسادِ الطَّلاقِ فِيهِ إذِ النَّهْيُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ مُطْلَقًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلى الفَسادِ في العِباداتِ وفي المُعامَلاتِ إذا رَجَعَ إلى نَفْسِ العَقْدِ أوْ إلى أمْرٍ داخِلٍ فِيهِ أوْ لازِمٍ لَهُ فَإنْ رَجَعَ إلى أمْرٍ مُقارَنٍ كالبَيْعِ وقْتَ النِّداءِ فَلا، وما نَحْنُ فِيهِ لِأمْرٍ مُقارَنٍ وهو زَمانُ الحَيْضِ فَهو عِنْدَهُ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ هُنا أيْضًا، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِالرَّجْعَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ لَمْ يُؤْمَرْ بِها قِيلَ: وما كانَ مِنهُ مِنَ التَّطْلِيقِ في الحَيْضِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ الآيَةَ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وطُفَيْلِ بْنِ الحارِثِ وعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقالَ بَعْضُهم: فَعَلَهُ ناسٌ مِنهُمُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

وعُتْبَةُ بْنُ غَزَوانَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ طَلَّقَها رَسُولُ اللَّهِ  واحِدَةً فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ فَراجَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَواهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنْ عُلَماءِ الحَدِيثِ: إنَّ الأصَحَّ أنَّها نَزَلَتِ ابْتِداءً لِبَيانِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ لَها لَمْ يَصِحَّ، وحَكى أبُو حَيّانَ نَحْوَهُ عَنِ الحافِظِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ، وظاهِرُها أنَّ نَفْسَ الطَّلاقِ مُباحٌ، واسْتَدَلَّ لَهُ أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ مِن أبْغَضِ المُباحاتِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الطَّلاقَ»» وفي لَفْظٍ ««أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ»» لِوَصْفِهِ بِالإباحَةِ والحِلِّ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ مَبْغُوضًا التَّنْفِيرُ عَنْهُ أوْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ الوَصْلَةِ وحَلِّ قَيْدِ العِصْمَةِ لا مِن حَيْثُ حَقِيقَتُهُ في نَفْسِهِ.

وقالَ البَيْهَقِيُّ: البُغْضُ عَلى إيقاعِهِ كُلَّ وقْتٍ مِن غَيْرِ رِعايَةٍ لِوَقْتِهِ المَسْنُونِ، وبِطَلاقِهِ  حَفْصَةَ ثُمَّ أمْرِهِ تَعالى إيّاهُ أنْ يُراجِعَها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَحْظُورٌ لِما فِيهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَةِ النِّكاحِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ مِذْواقٍ مِطْلاقٍ»» وإنَّما أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: وهَذا هو الأصَحُّ فَيُكْرَهُ إذا لَمْ يَكُنْ حاجَةً، ويُحْمَلُ لَفْظُ المُباحِ عَلى ما أُبِيحَ في بَعْضِ الأوْقاتِ أعْنِي أوْقاتَ تَحَقُّقِ الحاجَةِ المُبِيحَةِ وهو ظاهِرٌ في رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ - ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ - فَإنَّ الفِعْلَ لا عُمُومَ لَهُ في الأزْمانِ، ومِنَ الحاجَةِ الكِبَرُ وعَدَمُ اشْتِهائِهِ جِماعَها بِحَيْثُ يَعْجَزُ أوْ يَتَضَرَّرُ بِإكْراهِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وهي لا تَرْضى بِتَرْكِ ذَلِكَ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - وكانَ قِيلَ لَهُ في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وطَلاقِهِ مِن قَوْلِهِ: أُحِبُّ الغِنى - قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ  ﴾ فَهو رَأْيٌ مِنهُ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، وكُلُّ ما نُقِلَ مِن طَلاقِ الصَّحابَةِ - كَطَلاقِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الزَّوْجاتِ الأرْبَعَ دُفْعَةً - فَقَدْ قالَ لَهُنَّ: أنْتُنَّ حَسَناتُ الأخْلاقِ ناعِماتُ الأطْواقِ طَوِيلاتُ الأعْناقِ اذْهَبْنَ فَأنْتُنَّ طَلاقٌ فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الحاجَةِ، وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِها، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: هو إمّا واجِبٌ كَطَلاقِ مُوَلٍّ لَمْ يُرِدِ الوَطْءَ وحَكَمَيْنِ رَأياهُ، أوْ مَندُوبٌ كَأنْ يَعْجَزَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِها ولَوْ لِعَدَمِ المَيْلِ إلَيْها، أوْ تَكُونُ غَيْرَ عَفِيفَةٍ ما لَمْ يَخْشَ الفُجُورَ بِها، ومِن ثَمَّ أمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن قالَ: ««إنَّ زَوْجَتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ»» أيْ لا تَمْنَعُ مَن يُرِيدُ الفُجُورَ بِها عَلى أحَدِ أقْوالٍ مِن مَعْناهُ بِإمْساكِها خَشْيَةً مِن ذَلِكَ، ويَلْحَقُ بِخَشْيَةِ الفُجُورِ بِها حُصُولُ مَشَقَّةٍ لَهُ بِفِراقِها تُؤَدِّي إلى مُبِيحِ تَيَمُّمٍ، وكَوْنُ مَقامِها عِنْدَهُ أمْنَعُ لِفُجُورِها فِيما يَظْهَرُ فِيهِما، أوْ سَيِّئَةُ الخُلُقِ أيْ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَلى عِشْرَتِها عادَةً فِيما يَظْهَرُ، وإلّا فَغَيْرُ سَيِّئَةِ الخُلُقِ كالغُرابِ الأعْصَمِ أوْ يَأْمُرُهُ بِهِ أحَدُ والِدَيْهِ أيْ مِن غَيْرِ تَعَنُّتٍ كَما هو شَأْنُ الحَمْقى مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ أوْ مَشَقَّةٍ بِطَلاقِها فِيما يَظْهَرُ، أوْ حَرامٌ كالبِدْعِيِّ، أوْ مَكْرُوهٌ بِأنْ سَلِمَ الحالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ ««لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَلالِ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِنَ الطَّلاقِ»» ولِدَلالَتِهِ عَلى زِيادَةِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ قالُوا: لَيْسَ فِيهِ مُباحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الإمامُ بِما إذا لَمْ يَشْتَهِها أيْ شَهْوَةً كامِلَةً ولا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمُؤْنَتِها مِن غَيْرِ تَمَتُّعٍ.

اهَـ.

والآيَةُ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن حُرْمَتِهِ في الحَيْضِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ فِيها المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنَ المُعْتَدّاتِ بِالحَيْضِ عَلى ما في الكَشّافِ، وغَيْرِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ .

﴿ وأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ واضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ كَوامِلَ، وأصْلُ مَعْنى الإحْصاءِ العَدُّ بِالحَصى كَما كانَ مُعْتادًا قَدِيمًا ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيما ذُكِرَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ والإضْرارِ بِهِنَّ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ ومُبالَغَةٌ في إيجابِ الِاتِّقاءِ ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ عِنْدَ الطَّلاقِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، وإضافَتُها إلَيْهِنَّ وهي لِأزْواجِهِنَّ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِبَيانِ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِسُكْناها كَأنَّها أمْلاكُهُنَّ، وعَدَمُ العَطْفِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالطَّلَبِ اعْتِناءً بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ الإخْراجِ يَتَناوَلُ عَدَمَ إخْراجِهِنَّ غَضَبًا عَلَيْهِنَّ أوْ كَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ أوْ لِحاجَةٍ لَهم إلى المَساكِنِ أوْ مَحْضُ سَفَهٍ بِمَنطُوقِهِ، ويَتَناوَلُ عَدَمَ الإذْنِ لَهُنَّ في الخُرُوجِ بِإشارَتِهِ لِأنَّ خُرُوجَهُنَّ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخْرُجْنَ ﴾ أمّا إذا كانَتْ لا ناهِيَةً كالَّتِي قَبْلَها فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً فَلِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّهْيُ، وهو أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ كَما لا يَخْفى، والإذْنُ في فِعْلِ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا تَأْذَنُوا لَهُنَّ في الخُرُوجِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ ولا يَخْرُجْنَ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ فَهُناكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ سُكُونَهُنَّ في البُيُوتِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ مُؤَكَّدٌ فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا عَلى الِانْتِقالِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما، فالمَعْنى لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا يَخْرُجْنَ بِاسْتِبْدادِهِنَّ وتَعَقَّبَ الشِّهابُ كَوْنَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ ذَكَرَ الرّازِيُّ في الأحْكامِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ وأنَّ السُّكْنى كالنَّفَقَةِ تَسْقُطُ بِالإسْقاطِ.

انْتَهى.

والَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِهِمْ ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ في الدُّرِّ المُخْتارِ، وعَلَّلَهُ بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وفي الفَتْحِ لَوِ اخْتَلَعَتْ عَلى أنْ لا سُكْنى لَها تَبْطُلُ مُؤْنَةُ السُّكْنى عَنِ الزَّوْجِ ويَلْزَمُها أنْ تَكْتَرِيَ بَيْتَهُ، وأمّا أنْ يَحِلَّ لَها الخُرُوجُ فَلا ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ ظاهِرَةٍ هي نَفْسُ الخُرُوجِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ والنَّخَعِيِّ - وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى ”لا يَخْرُجْنَ“ والمَعْنى لا يُطْلَقُ لَهُنَّ في الخُرُوجِ إلّا في الخُرُوجِ الَّذِي هو فاحِشَةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُطْلَقُ لَهُنَّ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنعًا عَنِ الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: هَذا كَما يُقالُ في الخَطّابِيَّةِ: لا تَزْنِ إلّا أنْ تَكُونَ فاسِقًا ولا تَشْتُمْ أُمَّكَ إلّا أنْ تَكُونَ قاطِعَ رَحِمٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو بَدِيعٌ وبَلِيغٌ جِدًّا، والزِّنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى لا تُخْرِجُوهُنَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إنْ زَنَيْنَ فَأخْرِجُوهُنَّ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو راجِعٌ إلى الكُلِّ وما يُوجِبُ حَدًّا مِن زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَيْرِهِما - كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، والبَذاءُ عَلى الأحْماءِ أيْ أوْ عَلى الزَّوْجِ - كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - والِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إذا طالَتْ ألْسِنَتُهُنَّ وتَكَلَّمْنَ بِالكَلامِ الفاحِشِ القَبِيحِ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ أحْمائِهِنَّ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ «إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الحاءِ، وفي مُوَضَّحِ الأهْوازِيِّ «يُفْحِشْنَ» مِن أفْحَشَ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: أفْحَشَ عَلَيْهِ في النُّطْقِ أيْ أتى بِالفُحْشِ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - إلّا أنْ يَفْحُشْنَ - بِدُونِ عَلَيْكم والنُّشُوزُ، والمُرادُ إلّا أنْ يُطَلَّقْنَ عَلى النُّشُوزِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ قِيلَ: راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْضًا، وفي الكَشْفِ هو راجِعٌ إلى الكُلِّ لِأنَّهُ إذا سَقَطَ حَقُّها في السُّكْنى حَلَّ الإخْراجُ والخُرُوجُ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ حَصْرُ المُبِيحِ لِفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالإتْيانِ بِالفاحِشَةِ، وقَدْ بُيِّنَتِ المُبِيحاتُ في كُتُبِ الفُرُوعِ فَلْيُراجِعْها مَن أرادَ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ «مُبَيَّنَةٍ» بِالفَتْحِ ﴿ وتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ أيْ تِلْكَ الأحْكامُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الَّتِي عَيَّنَها لِعِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أيْ حُدُودَهُ تَعالى المَذْكُورَةَ بِأنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أنَّ الإظْهارَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّعَدِّي والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أيْ أضَرَّ بِها كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، ونَقَلَ عَنْ بَعْضِ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُقَلِّبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ ولا يُمْكِنُهُ تَدارُكُهُ، أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وخُصَّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ أكْثَرِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ واهْتِمامِهِمْ بِدَفْعِهِ أقْوى.

ورُدَّ بِأنَّ الضَّرَرَ الدُّنْيَوِيَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الظُّلْمِ ها هُنا بِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْرِي ﴾ إلَخْ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ بَلْ هو تَرْغِيبٌ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الحُدُودِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ، وفِيهِ أنَّهُ بِالتَّرْهِيبِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّرْغِيبِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن أضَرَّ بِها عَرَّضَها لِلضَّرَرِ، فالظُّلْمُ هو ذَلِكَ التَّعْرِيضُ ولا مَحْذُورَ في تَفْسِيرِهِ بِهِ فِيما يَظْهَرُ، وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿ لا تَدْرِي ﴾ ، وعْدَّ أبُو حَيّانَ ﴿ لَعَلَّ ﴾ مِنَ المُعَلِّقاتِ، والخِطابُ في ﴿ لا تَدْرِي ﴾ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قِيلَ، فالمَعْنى مَن يَتَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرَرِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ ﴿ لَعَلَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى يُحْدِثُ في قَلْبِكَ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي ﴿ أمْرًا ﴾ يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيَكُونُ بَدَلُ بُغْضِها مَحَبَّةً وبَدَلُ الإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ولا يَتَسَنّى تَلافِيهِ بِرَجْعَةٍ أوِ اسْتِئْنافِ <div class="verse-tafsir"

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍۢ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ٢

﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ شارَفْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ.

﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ ﴾ فَراجِعُوهُنَّ ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ بِحُسْنِ مُعاشَرَةٍ وإنْفاقٍ مُناسِبٍ لِلْحالِ مِنَ الجانِبَيْنِ.

﴿ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ واتِّقاءِ الضِّرارِ مِثْلَ أنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقُها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ.

﴿ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ عِنْدَ الرَّجْعَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها أوِ الفُرْقَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها تَبَرِّيًا عَنِ الرِّيبَةِ وقَطْعًا لِلنِّزاعِ، وهَذا أمْرُ نَدْبٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّافِعِيُّ في القَدِيمِ: إنَّهُ لِلْوُجُوبِ في الرَّجْعَةِ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أمَرَ بِالإشْهادِ عَلى الطَّلاقِ وأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وأنَّهُ لِلْوُجُوبِ وشَرْطٌ في صِحَّةِ الطَّلاقِ ﴿ وأقِيمُوا الشَّهادَةَ ﴾ أيْ أيُّها الشُّهُودُ عِنْدَ الحاجَةِ ﴿ لِلَّهِ ﴾ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ إذا تَعاطَفَ أمْرانِ لِمَأْمُورَيْنِ يَلْزَمُ ذِكْرُ النِّداءِ أوْ يَقْبُحُ تَرْكُهُ نَحْوَ اضْرِبْ يا زَيْدُ وقُمْ يا عَمْرُو، ومَن خَصَّ جَوازَ التَّرْكِ بِلا قُبْحٍ بِاخْتِلافِهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ  ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أشَهِدُوا ﴾ لِلْمُطَلِّقِينَ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقِيمُوا الشَّهادَةَ ﴾ لِلشُّهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ تَعاطَفَ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ في أفْصَحِ الكَلامِ.

﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، والإشارَةُ عَلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إلى الحَثِّ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى كَما في الكَشْفِ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَمِيعِ ما مَرَّ مِن إيقاعِ الطَّلاقِ عَلى وجْهِ السُّنَّةِ وإحْصاءِ العِدَّةِ والكَفِّ عَنِ الإخْراجِ والخُرُوجِ وإقامَةِ الشَّهادَةِ لِلرَّجْعَةِ أوِ المُفارَقَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ مُلاءَمَةً لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا ٣

﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ بِالوَعْدِ عَلى اتِّقاءِ اللَّهِ تَعالى فِيها، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ فَأشْهَدَ يَجْعَلْ لَهُ سُبْحانَهُ مَخْرَجًا مِمّا عَسى أنْ يَقَعَ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفَرِّجْ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، وفي الأخْبارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ هَذا الوَجْهَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو أوْلى لِعُمُومِ الفائِدَةِ، وتَناوُلِهِ لِما نَحْنُ فِيهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، ولِاقْتِضاءِ أخْبارٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن يَتَّقِ ﴾ إلَخْ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ - في المَعْرِفَةِ - والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ فَجَعَلَ يُرَدِّدُها حَتّى نَعَسْتُ ثُمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ لَوْ أنَّ النّاسَ كُلَّهم أخَذُوا بِها لَكَفَتْهم»» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِيَ أسَرَهُ العَدُوُّ وجَزِعَتْ أُمُّهُ فَما تَأْمُرُنِي ؟

قالَ: آمُرُكَ وإيّاها أنْ تَسْتَكْثِرا مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَتِ المَرْأةُ: نِعْمَ ما أمَرَكَ فَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنها فَتَغَفَّلَ العَدُوَّ فاسْتاقَ غَنَمَهم فَجاءَ بِها إلى أبِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ »» الآيَةَ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ مَوْلى آلِ قَيْسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ لَهُ: أُسِرَ ابْنُ عَوْفٍ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرْسِلْ إلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يَأْمُرُكَ أنْ تُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وكانُوا قَدْ شَدُّوهُ بِالقَدِّ فَسَقَطَ القَدُّ عَنْهُ فَخَرَجَ فَإذا هو بِناقَةٍ لَهم فَرَكِبَها فَإذا سَرْحٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ كانُوا شَدَّدُوهُ فَصاحَ بِها فاتَّبَعَ آخِرُها أوَّلَها فَلَمْ يَفْجَأْ أبَوَيْهِ إلّا وهو يُنادِي بِالبابِ فَأتى أبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ  فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ » إلَخْ.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أصابَهُ جُهْدٌ وبَلاءٌ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ««اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ فَرَجَعَ ابْنُهُ وقَدْ أصابَ أعَنُزًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ فَقالَ: هي لَكَ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُضْطَرِبٌ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاسْتِطْرادِ قِيلَ: المَعْنى مَن يَتَّقِ الحَرامَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ، وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ.

وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ العُقُوبَةِ ﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ مِنَ الثَّوابِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”مَن يَتَّقِ اللَّهَ“ عِنْدَ المُصِيبَةِ ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ إلى الجَنَّةِ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ العُمُومُ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وفي الكَشْفِ إنَّ تَنْوِيعَ الوَعْدِ لِلْمُتَّقِي وتَكْرِيرَ الحَثِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّقْوى مِلاكُ الأمْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ناطَ بِهِ سُبْحانَهُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الطَّلاقِ والعِدَّةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَقْوى لِأنَّهُ أبْغَضُ المُباحِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ الإيحاشِ وقَطْعِ الأُلْفَةِ المُمَهِّدَةِ، ثُمَّ الِاحْتِياطُ في أمْرِ النَّسَبِ الَّذِي هو مِن جُلَّةِ المَقاصِدِ يُؤْذِنُ بِالتَّشْدِيدِ في أمْرِ العِدَّةِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْوى لِيَقَعَ الطَّلاقُ عَلى وجْهٍ يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُحْتاطُ في العِدَّةِ ما يَجِبُ فَهُنالِكَ يَحْصُلُ لِلزَّوْجَيْنِ المَخْرَجُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلَيْهِ فالزَّوْجَةُ داخِلَةٌ في العُمُومِ كالزَّوْجِ ﴿ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ أيْ كافِيهِ عَزَّ وجَلَّ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وهْبٍ قالَ: ««يَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: إذا تَوَكَّلَ عَلَيَّ عَبْدِي لَوْ كادَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ المَخْرَجَ»» ﴿ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفِ إلى مَفْعُولِهِ والأصْلُ بالِغٌ أمْرَهُ بِالنَّصْبِ - كَما قَرَأ بِهِ الأكْثَرُونَ - أيْ يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَفُوتُهُ مُرادٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في رِوايَةٍ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بالِغٌ» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ - بالِغٌ -الخَبَرُ - لِأنَّ- أوْ مُبْتَدَأٌ، وبالِغٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أيْ نافِذٌ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ في رِوايَةٍ أيْضًا بالِغًا بِالنَّصْبِ «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ بالِغًا حالٌ مِن فاعِلِ ”جَعَلَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ لا مِنَ المُبْتَدَأِ لِأنَّهم لا يَرْتَضُونَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ جَعَلَ ﴾ إلَخْ خَبَرُ ”إنَّ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بالِغًا هو الخَبَرُ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ الجُزْأيْنِ - بِإنَّ - كَما في قَوْلِهِ: إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وتُعُقِّبَ بِأنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومَعْنى ﴿ قَدْرًا ﴾ تَقْدِيرًا، والمُرادُ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، أوْ مِقْدارًا مِنَ الزَّمانِ، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْقِيتِ الطَّلاقِ والأمْرِ بِإحْصاءِ العِدَّةِ، وتَمْهِيدٍ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن مَقادِيرِها.

وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «قَدَرًا» بِفَتْحِ الدّالِ <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍۢ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًۭا ٤

﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ ﴾ أيِ الحَيْضِ، وقُرِئَ - يَيْأسْنَ - مُضارِعًا ﴿ مِن نِسائِكُمْ ﴾ لِكِبَرِهِنَّ، وقَدْ قَدَّرَ بَعْضُهم سِنَّ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: هو غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ، وقِيلَ غالِبُ سِنِّ يَأْسِ النِّساءِ في مَكانِها الَّتِي هي فِيهِ فَإنَّ المَكانَ إذا كانَ طَيِّبَ الهَواءِ والماءِ - كَبَعْضِ الصَّحارى - يُبْطِئُ فِيهِ سِنُّ اليَأْسِ، وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ، وهَذا القَوْلُ - بالِغٌ دَرَجَةَ اليَأْسِ - مِن أنْ يُقْبَلَ ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ وتَرَدَّدْتُمْ في عِدَّتِهِنَّ، أوْ إنْ جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ ﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ﴾ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ.

وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عِدَدٌ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ الصِّغارِ والكِبارِ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿ واللائِي يَئِسْنَ ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أنَّ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟

فَنَزَلَ ﴿ واللائِي يَئِسْنَ ﴾ إلَخْ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟

فَنَزَلَ ﴿ وأُولاتُ الأحْمالِ ﴾ إلَخْ.

ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا لا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَ فِيها مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّقْيِيدِ، وتَقْدِيرُ مُتَعَلَّقِ الِارْتِيابِ ما سَمِعْتَ هو ما أشارَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ فَعِدَّتُهُنَّ إلَخْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ في حَيْضِهِنَّ وقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الدَّمُ وكُنَّ مِمَّنْ يَحِيضُ مِثْلُهُنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ لا تَدْرِي أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ، وقِيلَ: ﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أيْ إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، والِارْتِيابُ مِنَ الأضْدادِ والكُلُّ كَما تَرى.

والمَوْصُولُ قالُوا: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ﴾ إلَخْ، ”وإنِ ارْتَبْتُمْ“ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاعْلَمُوا أنَّها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ﴾ إلَخْ جَوابَ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  ﴾ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وتَقْدِيرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ كَذَلِكَ أوْ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وجُوِّزَ عَطْفُ هَذا المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ وجَعْلُ الخَبَرِ لَهُما مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والمُرادُ - بِاللّائِي لَمْ يَحِضْنَ -الصِّغارُ اللّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ الحَيْضِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ شُمُولَهُ مَن لَمْ يَحِضْنَ لِصِغَرٍ ومَن لا يَكُونُ لَهُنَّ حَيْضٌ البَتَّةَ كَبَعْضِ النِّساءِ يَعِشْنَ إلى أنْ يَمُتْنَ ولا يَحِضْنَ، ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً.

﴿ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ ﴾ أيْ مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ ﴿ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ولَوْ نَحْوَ مُضْغَةٍ وعَلَقَةٍ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُنَّ مُطَلَّقاتٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَرْأةِ يَتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ فَقالَ: إذا وضَعَتْ حَمْلَها فَقَدْ حَلَّتْ فَأخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: لَوْ ولَدَتْ وزَوْجُها عَلى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ لَحَلَّتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿ وأُولاتُ الأحْمالِ ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ بِكَذا وكَذا شَهْرًا وكُلُّ مُطَلَّقَةٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَأجَلُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها، وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِسَبْعِ سِنِينَ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وعائِشَةَ - وإلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهاءُ الأمْصارِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ أهِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها ؟

قالَ: «هِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها»» ورَوى جَماعَةٌ نَحْوَهُ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وصَحَّ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوفِّيَ عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ فَوَضَعَتْ بَعْدَ وفاتِهِ بِثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وفي رِوايَةٍ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وفي أُخْرى بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فاخْتَضَبَتْ وتَكَحَّلَتْ وتَزَيَّنَتْ تُرِيدُ النِّكاحَ فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْها فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلا أجَلُها»» وذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى أنَّ الآيَةَ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَعِدَّتُها آخِرُ الأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ.

وعَلى ما تَقَدَّمَ فالآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ الآيَةَ عَلى رَأْيِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهم مِنَ الشّافِعِيَّةِ لِأنَّ العامَّ المُطْلَقَ المُتَأخِّرَ ناسِخٌ عِنْدَهم فَأوْلى أنْ يَكُونَ العامُّ مِن وجْهٍ كَذَلِكَ، وأمّا مَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ فَمَن لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ بَيانِ العامِّ قالَ: بِالنَّسْخِ أيْضًا لِأنَّ العامَّ الأوَّلَ حِينَئِذٍ مُرادُ تَناوُلِهِ لِأفْرادِهِ، وفي مِثْلِهِ لا خِلافَ في أنَّ الخاصَّ المُتَراخِيَ ناسِخٌ بِقَدَرِهِ لا مُخَصِّصٌ، ومَن جَوَّزَ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى أنِ الَّتِي في القُصْرى أخَصُّ مُطْلَقًا، ووَجْهَهُ أنَّهُ ذُكِرَ في البَقَرَةِ حُكْمُ المُطَلَّقاتِ مِنَ النِّساءِ وحُكْمُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ الأزْواجُ عَلى التَّفْرِيقِ، ثُمَّ ورَدَتْ هَذِهِ مُخَصِّصَةٌ في البابَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ العِدَّتَيْنِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: هِنْدِيَّةُ المَوالِي لَهم كَذا وتُرْكِيَّتُهم لَهم كَذا لِجِنْسٍ آخَرَ، ثُمَّ يَقُولُ: والكُهُولُ مِنهم لَهم دُونَ ذَلِكَ أوْ فَوْقَهُ أوْ كَذا مُرِيدًا صِنْفًا آخَرَ يَكُونُ الأخِيرُ مُخَصِّصًا لِلْحُكْمَيْنِ، ولا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العَطايا لِشُمُولِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الِاخْتِصاصِ وخُصُوصِ الكُهُولِ مِنَ المَوالِي مُطْلَقًا كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العِدَّتَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - بِالنِّسْبَةِ إلى الأزْواجِ مُطْلَقًا، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: بِالنِّسْبَةِ إلى المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ رِجالُهُنَّ مُطْلَقًا فَلا فَرْقَ - قالَهُ في الكَشْفِ - ثُمَّ قالَ: ومَن ذَهَبَ إلى أبْعَدِ الأجَلَيْنِ احْتَجَّ بِأنَّ النَّصَّيْنِ مُتَعاضِدانِ لِأنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ ولا وجْهَ لِلْإلْغاءِ فَيَلْزَمُ الجَمْعُ، وفي القَوْلِ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ لِأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ إذا زادَتْ فَقَدْ تَرَبَّصَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا مَعَ الزِّيادَةِ وإنْ قَصُرَتْ وتَرَبَّصَتِ المُدَّةَ فَقَدْ وضَعَتْ وتَرَبَّصَتْ فَيَحْصُلُ العَمَلُ بِمُقْتَضى الآيَتَيْنِ، والجَوابُ أنَّهُ إلْغاءٌ لِلنَّصَّيْنِ لا جَمْعَ إذِ المُعْتَبَرُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ لا بَيْنَ المُدَّتَيْنِ وذَلِكَ لِفَواتِ الحَصْرِ والتَّوْقِيتِ الَّذِي هو مُقْتَضى الآيَتَيْنِ.

اهَـ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ «أحْمالَهُنَّ» جَمْعًا ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في شَأْنِ أحْكامِهِ تَعالى ومُراعاةِ حُقُوقِها: ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ بِأنْ يُسَهِّلَ عَزَّ وجَلَّ أمْرَهُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اليُسْرُ الثَّوابُ ”ومَن“ قِيلَ: لِلْبَيانِ قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ لِلْفاصِلَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، وقِيلَ: <div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا ٥

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ - مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴿ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ بِالمُضاعَفَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - نُعْظِمُ - بِالنُّونِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ - يُعَظِّمُ -بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعَ عَظَّمَ مُشَدَّدًا، <div class="verse-tafsir"

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍۢ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍۢ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ ٦

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ ؟

فَقِيلَ: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ ﴾ إلَخْ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ أسْكَنُوهُنَّ بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم، ولْتَسْكُنْ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ في بَعْضِ نَواحِيهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن وُجْدِكُمْ ﴾ أيْ مِن وُسْعِكم أيْ مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ عَطْفُ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لا المَجْرُورِ فَقَطْ حَتّى يُقالَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْرُدُ لَهُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَطْفِ البَيانِ والبَدَلِ إلّا في أمْرٍ يَسِيرٍ، ولا يَخْفى قُوَّةُ كَلامِ أبِي حَيّانَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «مِن وجْدِكم» بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِها - وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ - والمَعْنى في الكُلِّ الوُسْعُ ﴿ ولا تُضارُّوهُنَّ ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ في السُّكْنى ﴿ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ فَتُلْجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ بِشَغْلِ المَكانِ أوْ بِإسْكانِ مَن لا يُرِدْنَ السُّكْنى مَعَهُ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿ وإنْ كُنَّ ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ ﴿ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فَيَخْرُجْنَ عَنِ العِدَّةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُنَّ في التَّرِكَةِ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْنى المُطَلَّقاتِ أُولاتِ الحَمْلِ ونَفَقَتِهِنَّ بُتَّ الطَّلاقُ أوْ لَمْ يُبَتَّ.

واخْتُلِفَ في المُطَلَّقاتِ اللّاتِي لَسْنَ أُولاتِ حَمْلٍ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ إذا لَمْ يَكُنَّ مَبْتُوتاتٍ، فَقالابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لِلْمُطَلَّقَةِ الحائِلِ المَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ والإمامِيَّةُ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي أبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ البَتَّةَ فَخاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنى ولا نَفَقَةً وأمَرَنِي أنْ أعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ أنْكَحَنِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ فَهُما عِنْدَهُ لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ لَمْ تَكُنْ ذاتَ حَمْلٍ، ودَلِيلُهُ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في المَبْتُوتَةِ: «لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى»» مَعَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الِاحْتِباسِ وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحائِلِ والحامِلِ، ولَوْ كانَ جَزاءً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ في مالِهِ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِن وُجْدِكم - ومَن خَصَّ الإنْفاقَ بِالمُعْتَدّاتِ أُولاتِ الحَمْلِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَكانِ الشَّرْطِ فِيها وهو لا يَتِمُّ عَلى النّافِينَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ مَعَ أنَّ فائِدَةَ الشَّرْطِ ها هُنا أنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّها لا نَفَقَةَ لَها لِطُولِ مُدَّةِ الحَمْلِ فَأثْبَتَ لَها النَّفَقَةَ لِيُعْلَمَ غَيْرُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى - كَما في الكَشّافِ - فَهو مِن مَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وحَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَدْ طَعَنَ فِيهِ عُمَرُ وعائِشَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهم ﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ عَلى الإرْضاعِ ﴿ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، والِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا بِمَعْنى، قالَ الكِسائِيُّ: والمَعْنى تَشاوَرُوا، وحَقِيقَتُهُ لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِمَعْرُوفٍ أيْ جَمِيلٍ في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ ولا يَكُنْ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ ﴿ وإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ أيْ تَضايَقْتُمْ أيْ ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ أيْ فَسَتُوجَدُ ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَتَتَعَذَّرُ مِنهُ: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ أيْ سَتَقْضِي وأنْتَ مَلُومٌ.

وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنِيرِ لِأنَّ المَبْذُولَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مَضْمُونٌ بِهِ في العُرْفِ وخُصُوصًا مِنَ الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونَ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذَنْ أجْدَرُ بِاللَّوْمِ وأحَقُّ بِالعَتْبِ، والكَلامُ عَلى مَعْنى فَلْيَطْلُبْ لَهُ الأبُ مُرْضِعَةً أُخْرى فَيَظْهَرُ الِارْتِباطُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا حَيْثُ أُسْقِطَ في الجَوابِ عَنْ حَيِّزِ شَرَفِ الخِطابِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ إذا ضايَقَ الأُمَّ في الأجْرِ فامْتَنَعَتْ مِنَ الإرْضاعِ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إرْضاعِ امْرَأةٍ أُخْرى، وهي أيْضًا تَطْلُبُ الأجْرَ في الأغْلَبِ والأُمُّ أشْفَقُ فَهي بِهِ أوْلى، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَمالُ الِارْتِباطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: ﴿ فَسَتُرْضِعُ ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ فَلْتُرْضِعْ، ولَيْسَ بِذاكَ، وهَذا الحُكْمُ إذا قَبِلَ الرَّضِيعُ ثَدْيَ أُخْرى أمّا إذا لَمْ يَقْبَلُ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ فَقَدْ قالُوا: تُجْبَرُ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها <div class="verse-tafsir"

لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍۢ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍۢ يُسْرًۭا ٧

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ ﴾ أيْ ضُيِّقَ ﴿ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ ﴾ وإنْ قَلَّ، والمُرادُ لِيُنْفِقْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ ما يَبْلُغُهُ وُسْعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الآباءُ، ومِن هُنا قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلى الأبِ، وخالَفَ في ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ فَقالَ: بِوُجُوبِها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ أنَّهُ قُرِئَ «لِيُنْفِقَ» بِلامِ كَيْ ونَصْبِ القافِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «قُدِّرَ» مُشَدَّدَ الدّالِ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها ﴾ أيْ إلّا بِقَدْرِ ما أعْطاها مِنَ الطّاقَةِ، وقِيلَ: ما أعْطاها مِنَ الأرْزاقِ قَلَّ أوْ جَلَّ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ واسْتِمالَةٌ لِقَلْبِ المُعْسِرِ لِمَكانِ عِبارَةِ آتاها الخاصَّةِ بِالإعْسارِ قَبْلُ وذَكَرَ العُسْرَ بَعْدُ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ لا فَسْخَ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ عَلى الزَّوْجَةِ وهو ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو حَنِيفَةَ وجَماعَةٌ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ يُفْسَخُ النِّكاحُ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ ويُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وفِيها عَلى ما قالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتِحْبابُ مُراعاةِ الإنْسانِ حالَ نَفْسِهِ في النَّفَقَةِ والصَّدَقَةِ، فَفي الحَدِيثِ ««إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أدَبًا حَسَنًا إذا هو سُبْحانَهُ وسَّعَ عَلَيْهِ وسَّعَ وإذا هو عَزَّ وجَلَّ قَتَّرَ عَلَيْهِ قَتَّرَ»»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ مَوْعِدٌ لِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ بِفَتْحِ أبْوابِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، أوْ لِفُقَراءِ الأزْواجِ إنْ أنْفَقُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرُوا، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ تَذْيِيلٌ إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ، وعَلى الثّانِي غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ <div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًۭا شَدِيدًۭا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ٨

﴿ وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ كَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «وكائِنٌ» بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيها قَدْ مَرَّ ﴿ عَتَتْ ﴾ تَجَبَّرَتْ وتَكَبَّرَتْ مُعْرِضَةً ﴿ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ ﴾ فَلَمْ تَمْتَثِلْ ذَلِكَ ﴿ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا ﴾ بِالِاسْتِقْصاءِ والتَّنْقِيرِ والمُناقَشَةِ فِي كُلِّ نَقِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وقِطْمِيرٍ ﴿ وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا ﴾ أيْ مُنْكَرًا عَظِيمًا، والمُرادُ حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ  ﴾ وغَيْرِها.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «نُكُرًا» بِضَمَّتَيْنِ <div class="verse-tafsir"

فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ٩

﴿ فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها ﴾ عُقُوبَةَ عُتُوِّها ﴿ وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ هائِلًا لا خُسْرَ وراءَهُ <div class="verse-tafsir"

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًۭا ١٠

﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وبَيانٌ لِما يُوجِبُ التَّقْوى المَأْمُورَ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم هَذا العَذابَ فَلْيَكُنْ لَكم ذَلِكَ يا أُولِي الألْبابِ داعِيًا لِتَقْوى اللَّهِ تَعالى وحَذَرِ عِقابِهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمُرادُ وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ وسائِرِ المَصائِبِ والبَلايا ﴿ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا ﴾ في الآخِرَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحِسابِ الشَّدِيدِ اسْتِقْصاءُ ذُنُوبِهِمْ وإثْباتُها في صَحائِفِ الحَفَظَةِ، وبِالعَذابِ النُّكْرِ ما أصابَهم عاجِلًا، وتُجْعَلُ جُمْلَةُ ﴿ عَتَتْ ﴾ إلَخْ صِفَةً لِقَرْيَةٍ، والماضِي في ﴿ فَحاسَبْناها ﴾ .

و”عَذَّبْناها“ عَلى الحَقِيقَةِ، وخَبَرُ ”كَأيِّنْ“ جُمْلَةُ ﴿ أعَدَّ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، أوْ تُجْعَلُ جُمْلَةُ ﴿ عَتَتْ ﴾ إلَخْ هي الخَبَرُ، وجُمْلَةُ ﴿ أعَدَّ اللَّهُ ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيما ذُكِرَ بَلْ لَهم بَعْدَهُ عَذابٌ شَدِيدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي بَيانًا لِلْمُنادى السّابِقِ أوْ نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وفي إبْدالِهِ مِنهُ ضَعْفٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ حُلُولِهِ مَحَلَّهُ ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِمُواظَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ الَّذِي هو ذِكْرٌ، أوْ تَبْلِيغُهُ والتَّذْكِيرُ بِهِ، <div class="verse-tafsir"

رَّسُولًۭا يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍۢ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًۭا يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا ١١

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَسُولا ﴾ بَدَلًا مِنهُ، وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، أوْ لِأنَّ الإرْسالَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَيَكُونُ ﴿ أنْزَلَ ﴾ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، والرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسَ الذِّكْرِ مَجازًا.

أوْ يَكُونَ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذا ذِكْرٍ ﴿ رَسُولا ﴾ فَيَكُونُ ﴿ رَسُولا ﴾ نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: ﴿ رَسُولا ﴾ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ رَسُولًا دَلَّ عَلَيْهِ أنْزَلَ.

ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ذِكْرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ أيْ ﴿ أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ذِكْرَهُ ﴿ رَسُولا ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَدُلُّ عَلى كَرامَتِهِ عِنْدَهُ وزُلْفاهُ، ويُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: القُرْآنُ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، ومِثْلُهُ جَعَلَ ﴿ رَسُولا ﴾ بَدَلًا مِنهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ ها هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ بَدَلًا أيْضًا مِن ﴿ ذِكْرًا ﴾ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ فَهو مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً - كَرَجُلٍ عَدْلٍ - أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، فَبَيْنَهُما مُلابَسَةٌ نَحْوَ الحُلُولِ، أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَذْكُورٌ في السَّماواتِ وفي الأُمَمِ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الذِّكْرُ حِينَئِذٍ بِالشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ إمّا لِأنَّهُ شَرَفٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وإمّا لِأنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ  ﴾ وفِي الكَشْفِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ وبِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَكُونُ البَدَلُ بَدَلَ اشْتِمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ وغَيْرُهُ يَكُونُ مِن بَدَلِ الكُلِّ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ رَسُولٌ عَلى إضْمارِ هو، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ﴾ نَعْتٌ - لِرَسُولًا - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اسْمِ «اللَّهِ» تَعالى، ونِسْبَةُ التِّلاوَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازِيَّةٌ كَبَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، و ﴿ آياتِ اللَّهِ ﴾ القُرْآنَ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، و”مُبَيِّناتٍ“ حالٌ مِنها أيْ حالَ كَوْنِها مُبَيِّناتٍ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ «مُبَيَّناتٍ» أيْ بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ“ [آلَ عِمْرانَ: 118، الحَدِيدَ: 170] واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأنْزَلَ - أوْ - بِيَتْلُو - وفاعِلُ يُخْرِجُ عَلى الثّانِي ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ إنْزالِ الذِّكْرِ وقَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ مَن عَلِمَ سُبْحانَهُ وقَدَّرَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ أيْ لِيُحَصِّلَ لَهُمُ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أوْ لِيُخْرِجَ مَن عَلِمَ وقَدَّرَ أنَّهُ يُؤْمِنُ مِن أنْواعِ الضَّلالاتِ إلى الهُدى، فالمُضِيُّ إمّا بِالنَّظَرِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ سُبْحانَهُ الأزَلِيِّ.

﴿ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا ﴾ حَسْبَما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّناتِ.

﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ - نُدْخِلْهُ - بِنُونِ العَظَمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ حالٌ أُخْرى مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ”خالِدِينَ“ بِطَرِيقِ التَّداخُلِ، وإفْرادُ ضَمِيرِ ”لَهُ“ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ أيْضًا، وفِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ وإلّا لَمْ يَكُنْ في الأخْبارِ بِما ذَكَرَ ها هَنا كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.

واسْتَدَلَّ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا.

ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى.

ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ما فِيها لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّ الضَّمِيرَ في ”خالِدِينَ“ لَيْسَ عائِدًا عَلى مَن كالضَّمائِرِ قَبْلُ، وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ - يُدْخِلُ - و”خالِدِينَ“ حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها - يُدْخِلُ - لا فِعْلَ الشَّرْطِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا ١٢

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ أيْ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ عَلى أنَّ مِثْلَهُنَّ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وقِيلَ: مِثْلَهُنَّ عَطْفٌ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ.

وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ مِثْلُهُنَّ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ ومِنَ الأرْضِ ﴾ الخَبَرُ.

والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ فَقالَ الجُمْهُورُ: هي ها هُنا في كَوْنِها سَبْعًا وكَوْنِها طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضِ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ - في شُعَبِ الإيمانِ.

وفي الأسْماءِ والصِّفاتِ - مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَبْعُ أرَضِينَ في كُلِّ أرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكم وآدَمُ كَآدَمَ ونُوحٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمَ وعِيسى كَعِيسى»، قالَ الذَّهَبِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ شاذٌّ بِمَرَّةٍ لا أعْلَمَ لِأبِي الضُّحى عَلَيْهِ مُتابِعًا.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ نَحْوَهُ عَنِ الحَبْرِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ وهو مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ.

وأقُولُ لا مانِعَ عَقْلًا ولا شَرْعًا مِن صِحَّتِهِ، والمُرادُ أنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا يَرْجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ رُجُوعَ بَنِي آدَمَ في أرْضِنا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ أفْرادٌ مُمْتازُونَ عَلى سائِرِهِمْ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِما فِينا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أنَّ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والَّتِي تَلِيها خَمْسَمِائَةِ عامٍ والعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ قَدِ التَقى طَرَفاهُ في السَّماءِ والحُوتُ عَلى صَخْرَةٍ والصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ والثّانِيَةُ مَسْجَنُ الرِّيحِ والثّالِثَةُ فِيها حِجارَةُ جَهَنَّمَ والرّابِعَةُ فِيها كِبْرِيتُها والخامِسَةُ فِيها حَيّاتُها والسّادِسَةُ فِيها عَقارِبُها والسّابِعَةُ فِيها سَقَرُ وفِيها إبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالحَدِيدِ يَدٌ أمامَهُ ويَدٌ خَلْفَهُ يُطْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ - كَما قالَ الذَّهَبِيُّ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا فَلا تَغْتَرَّ بِتَصْحِيحِ الحاكِمِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ لَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لَذَكَرْناها لَكَ لَكِنْ كَوْنُ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ جاءَ في أخْبارٍ مُعْتَبَرَةٍ كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««بَيْنَما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ وأصْحابُهُ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَكم ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ، قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما بَيْنَكم وبَيْنَها ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَها خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سَماءٌ وإنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ كَذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ قالَ هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَكم ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها الأرْضُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ تَحْتَها أرْضًا أُخْرى بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتّى عَدَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَبْعَ أرَضِينَ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» .

والأخْبارُ في تَقْدِيرِ المَسافَةِ بِما ذَكَرَ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الأخْبارِ في تَقْدِيرِها بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ وأصَحُّ، ومِنها ما هو مَذْكُورٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّحاحِ، وفِيها أيْضًا أنَّ ثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَقَوْلُ الرّازِيِّ في ذَلِكَ إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ كَلامٌ لا يَخْفى بَشاعَتُهُ عَلى مَن سَلَكَ مِنَ السُّنَّةِ أقْوَمَ طَرِيقٍ، نَعَمْ ما حَكاهُ مِن أنَّ السَّماءَ الأُولى مَوْجٌ مَكْفُوفٌ والثّانِيَةَ صَخْرٌ والثّالِثَةَ حَدِيدٌ والرّابِعَةَ نُحاسٌ والخامِسَةَ فِضَّةٌ والسّادِسَةَ ذَهَبٌ والسّابِعَةَ ياقُوتٌ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ أصْلًا ولَمْ يَرِدْ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ خَبَرٌ صَحِيحٌ لَكِنَّ في قَوْلِهِ: إنَّهُ مِمّا يَأْباهُ العَقْلُ إنْ أرادَ بِهِ نَفْيَ الإمْكانِ عَقْلًا مَنعٌ ظاهِرٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي في كَوْنِها سَبْعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لا في كَوْنِها كَذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَسافَةٍ بَيْنِ أرْضٍ وأرْضٍ، واخْتارَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ المُرادَ بِهاتَيْكِ السَّبْعِ طَبَقَةُ التُّرابِ الصِّرْفَةُ المُجاوِرَةُ لِلْمَرْكَزِ والطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ والطَّبَقَةُ المَعْدِنِيَّةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ والطَّبَقَةُ المُمْتَزِجَةُ بِغَيْرِها المُنْكَشِفَةِ الَّتِي هي مَسْكَنُ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَوانِ وفِيها يَنْبُتُ النَّباتُ وطَبَقَةُ الأدْخِنَةِ والطَّبَقَةُ الزَّمَهْرِيرِيَّةُ وطَبَقَةُ النَّسِيمِ الرَّقِيقِ جِدًّا، ولا يَخْفى أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهَذَيانِ، ومِثْلُهُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاظِرِينَ في كُتُبِ العُلُومِ المُسَمّاةِ بِالحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ مِن أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ بِسَبَبِ بَعْضِ الحَوادِثِ مِن بَعْضِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكَوَّنَتْ فَوْقَها طَبَقَةٌ وهَكَذا حَتّى صارَ المَجْمُوعُ سَبْعًا، وزَعَمَ أنَّهم شاهَدُوا بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ آثارًا مِن مَخْلُوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: هي في كَوْنِها سَبْعًا لا غَيْرُ فَهي سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ يَفْرُقُ بَيْنَها البِحارُ، ويُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالنِّسْبَةُ بَيْنَ أرْضٍ وأرْضٍ عَلى هَذا نَحْوَ نِسْبَةِ أمْرِيقِيا إلى آسْيا أوْ أُورُوبّا أوْ أفْرِيقْيا لَكِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ البِحارَ الفارِقَةَ لا يُمْكِنُ قَطْعُها.

وقِيلَ: مِنَ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ وهي مُخْتَلِفَةُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ واللَّيْلِ والنَّهارِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا أظُنُّهُ شَيْئًا لِأنَّ المُتَبادَرَ اعْتِبارُ انْفِصالِ أرْضٍ عَنْ أرْضٍ انْفِصالًا حَقِيقِيًّا في المِثْلِيَّةِ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الخَلْقِ لا في العَدَدِ ولا في غَيْرِهِ فَهي أرْضٌ واحِدَةٌ مَخْلُوقَةٌ كالسَّماواتِ السَّبْعِ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأرْضَ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا مُوَحَّدَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ ««اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»» الحَدِيثَ، وكَذا صَحَّ ««مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مَن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ»» وأصَحُّ الأقْوالِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - قَوْلُ الجُمْهُورِ السّابِقُ، وعَلَيْهِ اخْتُلِفَ في مُشاهَدَةِ أهْلِ ما عَدا هَذِهِ الأرْضِ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها فَقِيلَ: إنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها.

وقِيلَ: إنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ نَحْوًا مِمّا قالَهُ الجُمْهُورُ، أخْرَجَ العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ خالِدٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «بَسَطَ كَفَّهُ اليُسْرى ثُمَّ وضَعَ اليُمْنى عَلَيْها فَقالَ: «هَذِهِ الأرْضُ الدُّنْيا والسَّماءُ الدُّنْيا عَلَيْها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّانِيَةُ فَوْقَ السَّماءِ الدُّنْيا والسَّماءُ الثّانِيَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّالِثَةُ فَوْقَ السَّماءِ الثّانِيَةِ والسَّماءُ الثّالِثَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ حَتّى ذَكَرَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ والسّادِسَةَ فَقالَ: والأرْضُ السّابِعَةُ فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ والسَّماءُ السّابِعَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ وعَرْشُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ»، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ إلَخْ.

وأنا أقُولُ بِنَحْوِ ما قالَهُ الجُمْهُورُ راجِيًا العِصْمَةَ مِمَّنْ عَلى مِحْوَرِ إرادَتِهِ تَدُورُ أفْلاكُ الأُمُورِ: هي سَبْعُ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مِنها مَسافَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم ضِياءٌ يَسْتَضِيئُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضِياؤُهم مِن هَذِهِ الشَّمْسِ ولا مِن هَذا القَمَرِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ أهْلِ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ أنَّ القَمَرَ عالَمٌ كَعالَمِ أرْضِنا هَذِهِ وفِيهِ جِبالٌ وبِحارٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِسُّونَ بِها بِواسِطَةِ أرْصادِهِمْ وهم مُهْتَمُّونَ بِالسَّعْيِ في تَحْقِيقِ الأمْرِ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما نَقُولُ بِهِ مِنَ الأرَضِينَ عَلى هَذا النَّحْوِ، وقَدْ قالُوا أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ في عالَمٍ هي مَرْكَزُ دائِرَةٍ وبَلْقِيسُ مَمْلَكَتُهُ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِن كَواكِبِهِمُ السَّيّارَةِ تَدُورُ عَلَيْها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ ونَمَطٍ مَضْبُوطٍ، وقَدْ تَقْرُبُ إلَيْها فِيهِ وتَبْعُدُ عَنْها إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى كَواكِبُ ذَواتُ الأذْنابِ، وهي عِنْدَهم كَثِيرَةٌ جِدًّا تَتَحَرَّكُ عَلى شَكْلٍ بَيْضِيٍّ وأنَّ الشَّمْسَ بِعالَمِها مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ تَدُورُ عَلَيْهِ دَوَرانَ تَوابِعِها مِنَ السَّيّاراتِ عَلَيْها هو فِيما نَسْمَعُ أحَدُ كَواكِبِ النَّجْمِ، ولَهم ظَنٌّ في أنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ وهَكَذا، ومُلْكُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ عَظِيمٌ لا تَكادُ تُحِيطُ بِهِ مَنطِقَةُ الفِكْرِ ويَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وسَماءُ كُلِّ عالَمٍ كالقَمَرِ عِنْدَهم ما انْتَهى إلَيْهِ هَواؤُهُ حَتّى صارَ ذَلِكَ الجِرْمُ في نَحْوِ خَلاءٍ فِيهِ لا يُعارِضُهُ ولا يُضْعِفُ حَرَكَتَهُ شَيْءٌ والجِسْمُ مَتى تَحَرَّكَ في خَلاءٍ لا يَسْكُنُ لِعَدَمِ المُعارِضِ فَلْيَكُنْ كُلُّ أرْضٍ مِن هَذِهِ الأرَضِينَ مَحْمُولَةً بِيَدِ القُدْرَةِ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنِ الرِّضا عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ، وهُناكَ ما يَسْتَضِيءُ بِهِ أهْلُها سابِحًا في فَلَكِ بَحْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونِسْبَةُ كُلِّ أرْضٍ إلى سَمائِها نِسْبَةُ الحَلْقَةِ إلى الفَلاةِ وكَذا نِسْبَةُ السَّماءِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الأرَضُونَ وكَذا السَّماواتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ الَّذِي هو عَدَدٌ تامٌّ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الزّائِدِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ والسَّماءَ الدُّنْيا مُنْتَهى دائِرَةٍ يَتَحَرَّكُ فِيها أعْلى كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ وبَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ بُعْدٌ بَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَمْسُمِائَةِ عامٍ»» مِن بابِ التَّقْرِيبِ لِلْأفْهامِ، ويَقْرُبُ الأمْرُ إذا اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّاكِبِ المُجِدِّ كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارٍ فِيها تَقْدِيرُ مَسافَةٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فِي السَّماءِ الدُّنْيا: «مَوْجٌ مَكْفُوفٌ»» يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في اللَّطافَةِ ونَحْوِها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الصَّحِيحُ عَلى امْتِناعِها، وتَزْيِينُ هَذِهِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لِظُهُورِها فِيها عَلى ما يُشاهَدُ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها كُلًّا أوْ بَعْضًا فَوْقَها أوْ تَحْتَها، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَواكِبِ مَغْرُوزٌ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ كالفَصِّ في الخاتَمِ والمِسْمارِ في اللَّوْحِ، بَلْ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأخْبارِ في أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ، وكَذا ما قالَهُ قُدَماءُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومُحْدَثُوهم، وفي كُلٍّ مِمّا ذَهَبَ الفَرِيقانِ إلَيْهِ ما يُوافِقُ أُصُولَنا وما يُخالِفُهُ وما شَرِيعَتُنا ساكِتَةٌ عَنْهُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ أوْ إثْباتٍ، وحَيْثُ كانَ مِن أُصُولِنا أنَّهُ مَتى عارَضَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ وجَبَ تَأْوِيلُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُ أصْلُهُ ولَوْ أُبْطِلَ بِهِ لَزِمَ بُطْلانُهُ نَفْسَهُ فالأمْرُ سَهْلٌ لِأنَّ بابَ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ ولا أرى بَأْسًا في ارْتِكابِ تَأْوِيلِ بَعْضِ الظَّواهِرِ المُسْتَبْعَدَةِ بِما لا يُسْتَبْعَدُ وإنْ لَمْ يَصِلِ الِاسْتِبْعادُ إلى حَدِّ الِامْتِناعِ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مُصادَمَةَ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وقَدْ يَلْتَزِمُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ رِعايَةً لِأذْهانِ العَوامِّ المُقَيَّدِينَ بِالظَّواهِرِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الخُرُوجَ عَنْها لا سِيَّما إلى ما يُوافِقُ الحِكْمَةَ الجَدِيدَةَ ضَلالًا مَحْضًا وكُفْرًا صِرْفا ورَحِمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأً جَبَّ الغَيْبَةَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَوْ حَدَّثْتُكم بِتَفْسِيرِها لَكَفَرْتُمْ بِتَكْذِيبِكم بِها.

وبِالجُمْلَةِ مَن صَدَّقَ بِسَعَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ في وُجُودِ سَبْعِ أرَضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ويُحْمَلُ السَّبْعُ عَلى الأقالِيمِ أوْ عَلى الطَّبَقاتِ المَعْدِنِيَّةِ والطِّينِيَّةِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقَدَّمَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُصادِمُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ أوْ يُخالِفُ قَطْعِيًّا مِن أدِلَّةِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِذَلِكَ التَّعَدُّدِ هو المُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ، وتَقْتَضِيهِ الأخْبارُ، ومَعَ هَذا هو لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ أوِ المُتَرَدِّدُ فِيهِ لَكِنْ لا أرى ذَلِكَ إلّا عَنْ جَهْلٍ بِما هو الألْيَقُ بِالقُدْرَةِ والأحْرى بِالعَظْمَةِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ أيْ يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنى وفَقْرٍ، وقِيلَ: هو ما يُدَبِّرُهُ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: ﴿ الأمْرُ ﴾ هُنا الوَحْيُ، ”وبَيْنَهُنَّ“ إشارَةٌ إلى بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ القَضاءُ والقَدَرُ كَما سَبَقَ، وأنْ بَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها وقَرَأ عِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «يُنَزِّلُ» مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا «الأمْرَ» بِالنَّصْبِ أيْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الأمْرَ ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِخَلَقَ - أوْ - بِيَتَنَزَّلُ - أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أخْبَرْتُكم أوْ أعْلَمْتُكم بِذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، وقُرِئَ - لِيَعْلَمُوا - بِياءِ الغَيْبَةِ.

﴿ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ هَذِهِ الأفاعِيلِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده