الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة التحريم
تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 94 دقيقة قراءةسُورَةُ التَّحْرِيمِ ويُقالُ لَها: سُورَةُ المُتَحَرِّمِ وسُورَةُ لِمَ تُحَرِّمُ وسُورَةُ النَّبِيِّ ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - سُورَةُ النِّساءِ - والمَشْهُورُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المَدَنِيَّ مِنها إلى رَأْسِ العَشْرِ، والباقِي مَكِّيٌّ، وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، وهي مُتَوَخِّيَةٌ مَعَ الَّتِي قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِخِطابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتِلْكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طَلاقِ النِّساءِ، وهَذِهِ عَلى تَحْرِيمِ الإماءِ، وبَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ ما لا يَخْفى، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ في خِصامِ نِساءِ الأُمَّةِ ذَكَرَ في هَذِهِ خُصُومَةَ نِساءِ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إعْظامًا لِمَنصِبِهِنَّ أنْ يُذْكَرْنَ مَعَ سائِرِ النِّسْوَةِ فَأُفْرِدْنَ بِسُورَةٍ خاصَّةٍ ولِذا خُتِمَتْ بِذِكْرِ زَوْجَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ رَوى البُخارِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلًا فَتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ إنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَلَيْها النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟
فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: لا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ولَنْ أعُودَ»» وفي رِوايَةٍ ««وقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»» فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ ««قالَتْ سَوْدَةُ: أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟
قالَ: لا قالَتْ: فَما هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أجِدُ مِنكَ ؟
قالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقالَتْ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ»» فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ شَرِبَ العَسَلَ في بَيْتِ حَفْصَةَ، والقائِلَةُ سَوْدَةُ وصَفِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ قالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَرِبَ مِن شَرابٍ عِنْدَ سَوْدَةَ مِنَ العَسَلِ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يَطَؤُها فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ حَتّى جَعَلَها عَلى نَفْسِهِ حَرامًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ إلَخْ،» ويُوافِقُهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ الآيَةَ في سَرِيَّتِهِ.
والمَشْهُورُ أنَّها مارِيَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وطِئَها في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِها فَوَجَدَتْ وعاتَبَتْهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبُها ؟
قالَتْ: بَلى فَحَرَّمَها، وفي رِوايَةٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ، وفي الكَشّافِ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا بِمارِيَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ وقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ» .
وبِالجُمْلَةِ الأخْبارُ مُتَعارِضَةٌ، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ فِيها لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ في قِصَّةِ العَسَلِ لا في قِصَّةِ مارِيَةَ المَرْوِيَّةِ في غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ، ولَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مارِيَةَ في طَرِيقٍ صَحِيحٍ ثُمَّ قالَ الخَفاجِيُّ نَقْلًا عَنْهُ أيْضًا: الصَّوابُ أنَّ شُرْبَ العَسَلِ كانَ عِنْدَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وقالَ الطَّيِّبِيُّ فِيما نَقَلْناهُ عَنِ الكَشّافِ: ما وجَدْتُهُ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
والمَغافِيرُ: بِفَتْحِ المِيمِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ وبِياءٍ بَعْدَ الفاءِ - عَلى ما صَوَّبَهُ القاضِي عِياضٌ - جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ المِيمِ شَيْءٌ لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يُنْضِحُهُ العُرْفُطُ وهو شَجَرٌ أوْ نَباتٌ لَهُ ورَقٌ عَرِيضٌ، وعَنِ المُطَّلِعِ أنَّ العُرْفُطَ هو الصَّمْغُ، والمُغْفُورُ شَوْكٌ لَهُ نَوْرٌ يَأْكُلُ مِنهُ النَّحْلُ يَظْهَرُ العُرْفُطُ عَلَيْهِ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ الطَّيِّبَ جِدًّا ويَكْرَهُ الرّائِحَةَ الكَرِيهَةَ لِلَطافَةِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ولِأنَّ المَلَكَ يَأْتِيهِ وهو يَكْرَهُها فَشَقَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قِيلَ فَجَرى ما جَرى، وفي نِدائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بِيا أيُّها النَّبِيُّ - في مُفْتَتَحِ العِتابِ مِن حُسْنِ التَّلَطُّفِ بِهِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ والمُرادُ بِالتَّحْرِيمِ الِامْتِناعُ.
وبِما أحَلَّ اللَّهُ العَسَلُ عَلى ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ وطْءُ سَرِيَّتِهِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ - بِما - عَلى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ ظاهِرٌ.
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما بِمارِيَةَ والتَّعْبِيرُ عَنْها - بِما - عَلى ما هو الشّائِعُ في التَّعْبِيرِ بِها عَنْ مِلْكِ اليَمِينِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ لا تَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تُحَرِّمُ ﴾ ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ فَيَكُونُ هو مَحَلَّ العِتابِ عَلى ما قِيلَ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ قَيْدٌ المَقْصُودُ فِيهِ القَيْدُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا، أوْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ عَلى نَحْوِ «أضْعافًا مُضاعَفَةً» عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ في نَفْسِهِ مَحَلُّ عَتْبٍ والباعِثُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَما في الكَشْفِ، أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ، وهو الأوْلى، ووَجْهُهُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هو مُعاتَبَةٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ عَنْ باعِثٍ مَرَضِيٍّ فاتَّجَهَ أنْ يُسْألَ ما يُنْكَرُ مِنهُ وقَدْ فَعَلَهُ غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ فَقِيلَ: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ ومِثْلُكَ مِن أجَلِّ أنْ تَطْلُبَ مَرْضاتَهُنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا - لِتُحَرِّمَ - بِجَعْلِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِنَّ عَيْنَ التَّحْرِيمِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ الأمْرِ ما فِيهِ، والإضافَةُ في ﴿ أزْواجِكَ ﴾ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ.
﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ السّامِي الكَرِيمِ يُعَدُّ كالذَّنْبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، وأنَّ عِتابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ إلّا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقَدْ زَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ها هُنا كَعادَتِهِ فَزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِن تَحْرِيمِ الحَلالِ المَحْظُورِ لَكِنَّهُ غُفِرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ شَنَّ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ الغارَةَ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ فَقالَ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما أطْلَقَهُ في حَقِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَقَوُّلٌ وافْتِراءٌ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ بَراءٌ، وذَلِكَ أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ اعْتِقادُ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ وهو كاعْتِقادِ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْلِيلِ في الحَرامِ مَحْظُورٌ يُوجِبُ الكُفْرَ فَلا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ المَعْصُومِ أصْلًا، والثّانِي الِامْتِناعُ مِنَ الحَلالِ مُطْلَقًا أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ مَعَ اعْتِقادِ حِلِّهِ وهَذا مُباحٌ صِرْفٌ وحَلالٌ مَحْضٌ، ولَوْ كانَ تَرْكُ المُباحِ والِامْتِناعُ مِنهُ غَيْرَ مُباحٍ لاسْتَحالَتْ حَقِيقَةُ الحَلالِ، وما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن هَذا النَّوْعِ وإنَّما عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِفْقًا بِهِ وتَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ وإجْلالًا لِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُراعِيَ مَرْضاةَ أزْواجِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلى ما أُلِفَ مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وتَأوَّلَ بَعْضُهم كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ، وفِيهِ ما يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: نِسْبَةُ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ، والمُرادُ لِمَ تَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ ما أحَلَّ لَكَ بِحَلِفِكَ عَلى تَرْكِهِ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وفي وُقُوعِ الحَلِفِ خِلافٌ، ومَن قالَ بِهِ احْتَجَّ بِبَعْضِ الأخْبارِ، وبِظاهِرِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حِلُّ ما عَقَّدَتْهُ الأيْمانُ بِالكَفّارَةِ، فالتَّحِلَّةُ مَصْدَرُ حَلَّلَ كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ لِأنَّ قِياسَ فَعَّلَ الصَّحِيحُ العَيْنِ غَيْرُ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُهُ تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ، وهو مِنَ الحِلِّ ضِدَّ العَقْدِ فَكَأنَّهُ بِاليَمِينِ عَلى الشَّيْءِ لِالتِزامِهِ عَقَدَ عَلَيْهِ وبِالكَفّارَةِ يَحِلُّ ذَلِكَ، ويَحِلُّ أيْضًا بِتَصْدِيقِ اليَمِينِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا يَمُوتُ لِرَجُلٍ ثَلاثَةُ أوْلادٍ فَتَمَسُّهُ النّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ»» يَعْنِي ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ إلَخْ، وتَحْلِيلُهُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَن حَلَفَ أنْ يَنْزِلَ يَكْفِي فِيهِ إلْمامٌ خَفِيفٌ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّقْلِيلِ أيْ قَدْرَ الِاجْتِيازِ اليَسِيرِ، وكَذا يَحِلُّ بِالِاسْتِثْناءِ أيْ بِقَوْلِ الحالِفِ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِهِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الكَشّافِ أنَّ التَّحْلِيلَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ ومَعْناهُ كَما في الكَشْفِ تَعْقِيبُ اليَمِينِ عِنْدَ الإطْلاقِ بِالِاسْتِثْناءِ حَتّى لا تَنْعَقِدَ، ومِنهُ حَلا أبَيْتَ اللَّعْنَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمِينٌ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وهو ظاهِرُ الآيَةِ اخْتُلِفَ هَلْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكَفّارَةَ أمْ لا ؟
فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعْطِ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِأنَّ تَرَتُّبَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَ وغَيْرُ مُسَلَّمٍ أنَّهُ ذَنْبٌ، وعَنْ مُقاتِلٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ»، وقَدْ نَقَلَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الكَفّارَةَ في تَحْرِيمِهِ أُمَّ ولَدِهِ حَيْثُ حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، ومِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ زَوْجَتَهُ فَقِيلَ: قالَ جَماعَةٌ مِنهم مَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ والشَّعْبِيُّ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والحَسَنُ والأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ، وأبُو حَنِيفَةَ يَرى تَحْرِيمَ الحَلالِ يَمِينًا في كُلِّ شَيْءٍ، ويُعْتَبَرُ الِانْتِفاعُ المَقْصُودُ فِيما يُحَرِّمُهُ فَإذا حَرَّمَ طَعامًا فَقَدْ حَلَفَ عَلى عَدَمِ أكْلِهِ أوْ أمَةً فَعَلى وطْئِها أوْ زَوْجَةً فَعَلى الإيلاءِ مِنها إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإنْ نَوى الظِّهارَ فَظِهارٌ وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَطَلاقٌ بائِنٌ، وكَذَلِكَ إنْ نَوى اثْنَتَيْنِ وإنْ نَوى ثَلاثًا فَكَما نَوى، وإنْ قالَ: نَوَيْتُ الكَذِبَ دِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا يَدِينُ في قَضاءِ الحاكِمِ بِإبْطالِ الإيلاءِ لِأنَّ اللَّفْظَ إنْشاءٌ في العُرْفِ، وقالَ جَماعَةٌ: إنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ، وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ أوِ اثْنَتَيْنِ فَواحِدَةٌ أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ.
أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَمُوَلٍّ.
أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا، وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنِ ارْتَجَعَها فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ، ويَقَعُ ما أرادَ مِن إعْدادِهِ فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةً، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وقالَ أبُو قُلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ فَفِيهِ كَفّارَتُهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ فَظِهارٌ، أوْ تَحْرِيمُ عَيْنِها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ، وقالَ مالِكٌ: يَقَعُ ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها وما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوْ ثِنْتَيْنِ.
أوْ ثَلاثٌ في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: تَقَعُ ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ورَوى ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَقَعُ واحِدَةً بائِنَةً فِيهِما، وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: يَقَعُ في الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها واحِدَةً وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وأمّا الطَّلاقُ فَرَجْعِيٌّ عِنْدَهُ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ثَلاثٌ، وعَنْ زَيْدٍ واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وعَنْ عُثْمانَ ظِهارٌ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن حَرَّمَ امْرَأتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ولِلنَّسائِيِّ أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: جَعَلْتُ امْرَأتِي عَلَيَّ حَرامًا قالَ: كَذَبْتَ لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ عَلَيْكَ أغْلَظُ الكَفّارَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وهي في هَذِهِ المَسْألَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي نَقْلِ الأقْوالِ عَنْ أصْحابِها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أيْضًا، واحْتَجَّ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَن فَرَضَ تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَن رَأى التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، أوْ تَحْرِيمَ المَرْأةِ يَمِينًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ الكَفّارَةِ كَوْنُهُ يَمِينًا لِجَوازِ اشْتِراكِ الأمْرَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ في حَكَمٍ واحِدٍ فَيَجُوزُ أنَّ تَثْبُتَ الكَفّارَةُ فِيهِ لِمَعْنًى آخَرَ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ لا تَكُونُ إلّا مَعَ اليَمِينِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْسَمَ مَعَ التَّحْرِيمِ فَقالَ في مارِيَةَ: ««واللَّهِ لا أطَؤُها»» أوْ في العَسَلِ ««واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم فالكَفّارَةُ لِذَلِكَ اليَمِينِ لا لِلتَّحْرِيمِ وحْدَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ سَيِّدُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿ وهُوَ العَلِيمُ ﴾ فَيَعْلَمُ ما يُصْلِحُكم فَيُشَرِّعُهُ سُبْحانَهُ لَكُمُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُتْقِنُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ فَلا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذْ أسَرَّ ﴾ أيْ واذْكُرْ ”إذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ“ هي حَفْصَةُ عَلى ما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وزَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّها عائِشَةُ ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ شِيعَةٌ، نَعَمْ رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو شاذٌّ ﴿ حَدِيثًا ﴾ هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ: ««لَكِنِّي كُنْتُ أشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أعُودَ لَهُ وقَدْ حَلَفْتُ لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»» ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ ﴾ أيْ أخْبَرَتْ.
وقَرَأ طَلْحَةُ - أنْبَأتْ - ﴿ بِهِ ﴾ أيْ بِالحَدِيثِ عائِشَةَ لِأنَّهُما كانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ، وتَضَمَّنَ الحَدِيثُ نُقْصانَ حَظِّ ضُرَّتِهِما زَيْنَبَ مِن حَبِيبِهِما رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ - كانَ يَمْكُثُ عِنْدَها لِشُرْبِ ذَلِكَ وقَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ عادَةً - كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ - كانَ فاسْتَخَفَّها السُّرُورُ فَنَبَّأتْ بِذَلِكَ ﴿ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرًا عَلى الحَدِيثِ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ والكَلامُ عَلى ما قِيلَ: عَلى التَّجَوُّزِ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى إفْشائِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِمَصْدَرِ ﴿ نَبَّأتْ ﴾ وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ، أوْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الحَدِيثَ ظاهِرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو نَظِيرُ ظَهَرَ لِي هَذِهِ المَسْألَةُ وظَهَرَتْ عَلَيَّ إذا كانَ فِيهِ مَزِيدُ كُلْفَةٍ واهْتِمامٍ بِشَأْنِ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿ عَرَّفَ ﴾ أيِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَفْصَةَ ﴿ بَعْضَهُ ﴾ أيِ الحَدِيثَ أيْ أعْلَمَها وأخْبَرَها بِبَعْضِ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ.
والمُرادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَها: قَلْتِ كَذا لِبَعْضِ ما أسَرَّهُ إلَيْها قِيلَ: هو قَوْلُهُ لَها: ««كُنْتُ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أعُودَ»» ﴿ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ هو عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وقَدْ حَلَفْتُ» فَلَمْ يُخْبِرْها بِهِ تَكَرُّمًا لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ خَجْلَتِها حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ مَزِيدَ اهْتِمامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَرْضاةِ أزْواجِهِ وهو لا يُحِبُّ شُيُوعَ ذَلِكَ، وهَذا مِن مَزِيدِ كَرَمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، وقالَ الشّاعِرُ: لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَوْمِهِ لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغابِي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عَرَّفَ ﴾ بِمَعْنى جازَ أيْ جازاها عَلى بَعْضٍ بِالعَتْبِ واللَّوْمِ أوْ بِتَطْلِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها، وتَجاوَزَ عَنْ بَعْضٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ وقَتادَةَ وطَلْحَةَ والكِسائِيِّ وأبِي عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ عَرَفَ بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ مَعْنى العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ تَعَلَّقَ بِهِ كُلِّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ”أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ“ مَعَ أنَّ الإعْراضَ عَنِ الباقِي يَدُلُّ عَلى العِلْمِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُجازاةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ في التَّهْذِيبِ: مَن قَرَأ «عَرَفَ» بِالتَّخْفِيفِ أرادَ مَعْنى غَضِبَ وجازى عَلَيْهِ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ يُسِيءُ إلَيْكَ: واللَّهِ لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، واسْتَحْسَنَهُ الفَرّاءُ، وقَوْلُ القامُوسِ: هو بِمَعْنى الإقْرارِ لا وجْهَ لَهُ ها هُنا، وجُعِلَ المُشَدَّدُ مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ والمُخَفَّفُ بِالعَكْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ العَلاقَةُ بَيْنَ المُجازاةِ والتَّعْرِيفِ اللُّزُومَ، وأُيِّدَ المَعْنى الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ ﴾ لِتَعْرِفَ هَلْ فَضَحَتْها عائِشَةُ أمْ لا ؟
﴿ مَن أنْبَأكَ ﴾ هَذا ﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ فَإنَّهُ أوْفَقُ لِلْإعْلامِ، وهَذا عَلى ما في البَحْرِ عَلى مَعْنى بِهَذا، وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ - عَرّافَ بَعْضَهُ - بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ وهي إشْباعٌ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ: إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ مارِيَةَ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَلِيانِ النّاسَ بَعْدَهُ فَأسَرَّتْ ذَلِكَ إلى عائِشَةَ فَعَرَّفَ بَعْضَهُ وهو أمْرُ مارِيَةَ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ وهو أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَلِيانِ بَعْدَهُ مَخافَةَ أنْ يَفْشُوَ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقَدْ جاءَ إسْرارُ أمْرِ الخِلافَةِ في عِدَّةِ أخْبارٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصِّدِّيقِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: «إنَّ إمارَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ لَفي كِتابِ اللَّهِ ﴿ وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ قالَ لِحَفْصَةَ: «أبُوكِ وأبُو عائِشَةَ والِيا النّاسِ بَعْدِي فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا»» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ أسَرَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى حَفْصَةَ أنَّ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ ومِن بَعْدِ أبِي بَكْرٍ عُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ نَحْوَهُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِن أجْلِ الشِّيعَةِ عَنِ الزَّجّاجِ قالَ: لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَعَرَّفَها بَعْضَ ما أفْشَتْ مِنَ الخَبَرِ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ مِن بَعْدِي، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما رَواهُ العَيّاشِيُّ بِالإسْنادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ المَكِّيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا أنَّهُ زادَ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما حَدَّثَتْ أباها بِذَلِكَ فَعاتَبَهُما في أمْرِ مارِيَةَ وما أفْشَتا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وأعْرَضَ أنْ يُعاتِبَهُما في الأمْرِ الآخَرِ.
انْتَهى.
وإذا سَلَّمَ الشِّيعَةُ صِحَّةَ هَذا لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا بِصِحَّةِ خِلافَةِ الشَّيْخَيْنِ لِظُهُورِهِ فِيها كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ أظْهَرُ مِن تَفْسِيرِها عَلى حَدِيثِ العَسَلِ لَكِنَّ حَدِيثَهُ أصَحُّ، والجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ مِمّا لا يَكادُ يَتَأتّى.
وقُصارى ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ كَما هو عادَتُهُ، وجاءَ إلى حَفْصَةَ فَقالَتْ لَهُ ما قالَتْ فَحَرَّمَ العَسَلَ، واتَّفَقَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُبَيْلَ ذَلِكَ أوْ بُعَيْدَهُ أنْ وطِئَ جارِيَتَهُ مارِيَةَ في بَيْتِها في يَوْمِها عَلى فِراشِها فَوَجَدَتْ فَحَرَّمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مارِيَةَ، وقالَ لِحَفْصَةَ ما قالَ تَطْيِيبًا لِخاطِرِها واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ فَكانَ مِنها ما كانَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَ القِصَّتَيْنِ فاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّواةِ عَلى إحْداهُما.
والبَعْضُ الآخَرُ عَلى نَقْلِ الأُخْرى، وقالَ كُلٌّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ ﴾ إلَخْ، وهو كَلامٌ صادِقٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ دَعْوى كُلٍّ حَصْرَ عِلَّةِ النُّزُولِ فِيما نَقَلَهُ فَإنْ صَحَّ هَذا هانَ أمْرُ الِاخْتِلافِ وإلّا فاطْلُبْ لَكَ غَيْرَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِإسْرارِ بَعْضِ الحَدِيثِ إلى مَن يَرْكَنُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ أوْ صَدِيقٍ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ كَتْمُهُ، وفِيها عَلى ما قِيلَ: دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ حُسْنُ العِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجاتِ والتَّلَطُّفُ في العَتْبِ والإعْراضُ عَنِ اسْتِقْصاءِ الذَّنْبِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ - وكانَ مِنَ النُّقَباءِ -كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فاتَّهَمَتْهُ زَوْجَتُهُ لَيْلَةً، فَقالَ قَوْلًا بِالتَّعْرِيضِ، فَقالَتْ: إنْ كُنْتَ لَمْ تَقْرَبْها فاقْرَأِ القُرْآنَ فَأنْشَدَ: شَهِدْتُ فَلَمْ أُكَذِّبْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّماواتِ مِن عَلٍ وأنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ في دِينِهِ مُتَقَبَّلُ وأنَّ الَّتِي بِالجَزَعِ مِن بَطْنِ نَخْلَةٍ ∗∗∗ ومَن دانَها كُلٌّ عَنِ الخَيْرِ مُعْزَلُ فَقالَتْ: زِدْنِي، فَأنْشَدَ: وفِينا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتابَهُ ∗∗∗ كَما لاحَ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ ساطِعُ أتى بِالهُدى بَعْدَ العَمى فَنُفُوسُنا ∗∗∗ بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا رَقَدَتْ بِالكافِرِينَ المَضاجِعُ فَقالَتْ: زِدْنِي، فَأنْشَدَ: شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ∗∗∗ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا وأنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ وأنَّ اللَّهَ مَوْلى المُؤْمِنِينا وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبَّ العالَمِينا ويَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوَّمِينا فَقالَتْ: أما إذْ قَرَأتَ القُرْآنَ فَقَدْ صَدَّقْتُكَ، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ - وقَدْ كانَتْ رَأتْهُ عَلى ما تَكْرَهُ - إذَنْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَصَرِي، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَبَسَّمَ، وقالَ: «خَيْرُكم خَيْرُكم لِنِسائِهِ»» <div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المُعاتَبَةِ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يَصِيرُ المُعاتَبِ أوَّلًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ، وكَوْنُ الخِطابِ لَهُما لِما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصًا أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ المَرْأتَيْنِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا ﴾ إلَخْ حَتّى حَجَّ عُمَرُ وحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإداوَةِ فَنَزَلَ ثُمَّ إنِّي صَبَبْتُ عَلى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتانِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا ﴾ إلَخْ ؟
فَقالَ: واعَجَبًا لَكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُنِي الحَدِيثَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ»، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ مالَتْ عَنِ الواجِبِ مِن مُخالَفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ إلى مُخالَفَتِهِ، والجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ بَعْدَ حَذْفِهِ.
والتَّقْدِيرُ إنْ تَتُوبا فَلِتَوْبَتِكُما مُوجِبٌ وسَبَبٌ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ أوْ فَحُقَّ لَكُما ذَلِكَ فَقَدْ صَدَرَ ما يَقْتَضِيها وهو عَلى مَعْنى فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ مِن أنَّهُ بِتَأْوِيلِ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ جَوابًا مِن حَيْثُ الإعْلامُ كَما قِيلَ في: إنْ تُكْرِمْنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمَتُكَ أمْسِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَمْحُ إثْمَكُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ أدَّيْتُما ما يَجِبُ عَلَيْكُما أوْ أتَيْتُما بِما يَحِقُّ لَكُما، وما ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُفَسِّرُوا ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ بِمالَتْ إلى الواجِبِ أوِ الحَقِّ أوِ الخَيْرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي - وقَدْ - وقِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ - فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما - وتَكْثِيرَ المَعْنى مَعَ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ تَقْتَضِي ما سَلَفَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ الجَوابَ يَكُونُ ماضِيًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ كانَ، فِيهِ نَظَرٌ، والجَمْعُ في ﴿ قُلُوبُكُما ﴾ دُونَ التَّثْنِيَةِ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ تَثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ المُرادِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ والإفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي وغَلَّطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ابْنَ مالِكٍ في قَوْلِهِ في التَّسْهِيلِ: ويُخْتارُ لَفْظُ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ ﴿ وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ونافِعٍ في رِوايَةٍ، وطَلْحَةَ والحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ - تَظّاهَرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ أُخْرى - تَظَّهَّرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، والمَعْنى فَإنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرَةِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ ناصِرُهُ والوَقْفُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ هُنا أحْسَنُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ ﴾ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ وجَعَلُوهُ الخَبَرَ عَنِ الجَمِيعِ، وهو بِمَعْنى الجَمْعِ أيْ مُظاهِرُونَ، واخْتِيرَ الإفْرادُ لِجَعْلِهِمْ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ”جِبْرِيلُ“ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مُقَدَّرٌ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ: ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى جِبْرِيلَ أيْ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مَوْلاهُ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ اخْتِيارُ الوَقْفِ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ فَظَهِيرٌ خَبَرُ المَلائِكَةِ، وعَلَيْهِ غالِبُ مُخْتَصِرِيهِ، وظاهِرُ كَلامِهِمُ التَّقْدِيرُ لِكُلٍّ مِن جِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ خَبَرًا وهو إمّا لَفْظُ مَوْلًى مُرادًا بِهِ مَعَ كُلِّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ المُناسِبَةِ أيْ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مَوْلاهُ أيْ قَرِينُهُ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مَوْلاهُ أيْ تابِعُهُ، أوْ لَفْظٌ آخَرُ بِذَلِكَ المَعْنى المُناسِبِ وهو قَرِينُهُ في الأوَّلِ وتابِعُهُ في تابِعِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلى في الجَمْعِ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما لا يَخْفى، وزِيادَةُ ”هو“ عَلى ما في الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى عَزِيمَةٌ مِن عَزائِمِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَلِّي ذَلِكَ بِذاتِهِ تَعالى، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الفَصْلِ في شَيْءٍ، وأنَّهُ لِلتَّقَوِّي لا لِلْحَصْرِ، والحَصْرُ أكْثَرِيٌّ في المَعْرِفَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَهُ في الإيضاحِ، وإنْ كانَ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُوهِمًا الوُجُوبَ وهَذا والمُبالَغَةُ مُحَقَّقَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وحَقَّقَ في الأُصُولِ، وأمّا الحَصْرُ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى اللَّفْظِ فَلا يُرِدْ أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ - بِظَهِيرٍ - وإنَّ سُلِّمَ فَلا يُنافِيهِ لِأنَّ نُصْرَتَهم نُصْرَتُهُ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَمْرٌو، كَذا في الكَشْفِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ مَزِيدُ فَضْلِهِ بَلْ هو رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، والمُرادُ بِالصّالِحِ عِنْدَ كَثِيرٍ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: كُنْتُ في السّامِرِ والحاضِرِ، ولِذا عَمَّ بِالإضافَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ جَمِيعًا، وكانَ القِياسُ أنْ يُكْتَبَ - وصالِحُو -بِالواوِ إلّا أنَّها حُذِفَتْ خَطًّا تَبَعًا لِحَذْفِها لَفْظًا، وقَدْ جاءَتْ أشْياءُ في المُصْحَفِ تُبِعَ فِيها حُكْمُ اللَّفْظِ دُونَ وضْعِ الخَطِّ نَحْوَ - ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ ﴾ و ﴿ يَدْعُ الدّاعِ ﴾ و ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ ﴿ وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ -إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ والعَلاءِ بْنِ زِيادٍ، ومُظاهَرَتِهِمْ لَهُ قِيلَ: تَضَمَّنَ كَلامُهم ذَمَّ المُتَظاهِرِينَ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ وقِيلَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ،» ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ هَذا صالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ نَزَلَ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ خاصَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: نَزَلَتْ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وذَهَبَ إلى تَفْسِيرِهِ بِهِما عِكْرِمَةُ ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ وغَيْرُهُما، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبِي يَقْرَؤُها ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ورَجَّحَ إرادَةَ ذَلِكَ بِأنَّهُ اللّائِقُ بِتَوْسِيطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ كَيْفَ لا وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهِيرٌ لَهُ يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما.
وأنا أقُولُ العُمُومُ أوْلى، وهُما - وكَذا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَدْخُلانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والتَّنْصِيصُ عَلى بَعْضٍ في الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ إذا صَحَّتْ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِإرادَةِ الحَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: مِن صالِحِ المُؤْمِنِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ»، وفائِدَةُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نُصْرَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أقْوى وُجُوهِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَنَوَّعَتْ، ثُمَّ لا خَفاءَ في أنَّ نُصْرَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ - وفِيهِمْ جِبْرِيلُ - أقْوى مِن نُصْرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً فالتَّعْظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وفي التَّنْبِيهِ عَلى هَذا دَفْعُ تَوَهُّمِ ما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أعْظَمِيَّةِ مُظاهَرَةِ المُتَقَدِّمِ، وبِالجُمْلَةِ فائِدَةُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نَحْوَ فائِدَةِ - ثُمَّ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو التَّفاوُتُ الرُّتْبِيُّ أيْ أعْظَمِيَّةُ رُتْبَةِ ما بَعْدَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وهَذا لا يَتَسَنّى عَلى ما نُقِلَ عَنِ البَحْرِ بَلْ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى تَبَعِيَّةِ المَذْكُورِينَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ شَرْطِيَّةَ - وتَظاهَرا - فِعْلُ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ، وسَبَبٌ أُقِيمَ مَقامَهُ، والأصْلُ فَإنَّ ﴿ تَظاهَرا ﴾ عَلَيْهِ فَلَنْ يُعْدَمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي بِنَفْسِها الجَوابَ عَلى أنَّها مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وأعْظَمَ جَلَّ جَلالُهُ شَأْنَ النُّصْرَةِ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى هاتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ مَكْرِ النِّساءِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في قَطْعِ حِبالِ طَمَعِهِما لِعِظَمِ مَكانَتِهِما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ولِأُمُومَتِهِما لَهم وكَرامَةً لَهُ ورِعايَةً لِأبَوَيْهِما في أنَّ تَظاهُرَهُما يُجْدِيهِما نَفْعًا.
وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في تَوْهِينِ أمْرِ تَظاهُرِهِما ودَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن ضَرَرِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّبْلِيغِ وقَهْرِ أعْداءِ الدِّينِ لِما أنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِاشْتِغالِ بالِ الرَّجُلِ بِسَبَبِ تَظاهُرِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا مَزِيدُ إغاظَةٍ لِلْمُنافِقِينَ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّ تَظاهُرًا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ ذَلِكَ في أمْرِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو مَوْلاهُ وناصِرُهُ في أمْرِ دِينِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ عَلى كُلِّ مَن يَتَصَدّى لِما يَكْرَهُهُ ﴿ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مُظاهِرُونَ لَهُ ومُعِينُونَ إيّاهُ كَذَلِكَ، ويُلائِمُ هَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْكُما مَثَلًا، وكَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ فِيهِ وتَخْصِيصُ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِالذِّكْرِ، وتَقْوى هَذِهِ المُلاءَمَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن تَفْسِيرِ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِمَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ ﴾ أيْ أنْ يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَلَكُنَّ ﴿ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ والخِطابُ لِجَمِيعِ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وخُوطِبْنَ لِأنَّهُنَّ في مَهْبِطِ الوَحْيِ وساحَةِ العِزِّ والحُضُورِ، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: اجْتَمَعَ نِساءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ”عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِنهُنَّ مَعَ أنَّ المَذْهَبَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَيْرٌ مِنهُنَّ لِأنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ والمُعَلَّقُ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى التَّغْلِيبِ، وأصْلُ الخِطابِ لِاثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ وهُما المَخاطَبَتانِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُما وغَيْرَكُما أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُما ومِن غَيْرِكُما مِنَ الأزْواجِ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِن أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِهِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عَلى طَلاقِ الِاثْنَتَيْنِ ولَمْ يَقَعْ فَلا يَجِبُ وُقُوعُ المُعَلَّقِ ولا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ والتَّغْلِيبُ في خِطابِ الكُلِّ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ أوَّلًا اثْنَتانِ، وفي لَفْظَةِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ فَغُلِّبَ ما لَمْ يَقَعْ مِنَ الطَّلاقِ عَلى الواقِعِ وعَلى التَّعْمِيمِ لا تَغْلِيبَ في الخِطابِ ولا في ”إنْ“ .
انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ أنَّ ﴿ عَسى ﴾ في كَلامِهِ تَعالى لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الوُجُوبَ هُنا إنَّما هو بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: هي كَذَلِكَ إلّا هُنا، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ ﴿ عَسى ﴾ وخَبَرِها.
والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ طَلَّقَكُنَّ فَعَسى إلَخْ، و ﴿ أزْواجًا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِيُبْدِلَ - و ﴿ خَيْرًا ﴾ صِفَتُهُ وكَذا ما بَعْدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ «طَلَّقَكُّنَّ» بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «يُبَدِّلَهُ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ مُقِرّاتٍ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُخْلِصاتٍ لِأنَّهُ يُعْتَبَرُ في الإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مُخْلِصًا، أوْ مُنْقاداتٍ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ مُصَدِّقاتٌ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ مُصَلِّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا ﴿ تائِباتٍ ﴾ مُقْلِعاتٍ عَنِ الذَّنْبِ ﴿ عابِداتٍ ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ صائِماتٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ الفَرّاءُ: وسُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ.
وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ويَمانُ: مُهاجِراتٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ، وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أيَّ مَذْهَبٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ «سَيِّحاتٍ» ﴿ ثَيِّباتٍ ﴾ جَمْعُ ثَيِّبٍ مِن ثابَ يَثُوبُ ثَوْبًا، وزْنُهُ فَيْعَلٌ كَسَيِّدٍ وهي الَّتِي تَثُوبُ أيْ تَرْجِعُ عَنِ الزَّوْجِ أيْ بَعْدَ زَوالِ عُذْرَتِها ﴿ وأبْكارًا ﴾ جَمْعُ بِكْرٍ مِن بَكَرَ إذا خَرَجَ بُكْرَةً وهي أوَّلُ النَّهارِ، وفِيها مَعْنى التَّقَدُّمِ سُمِّيَتْ بِها الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ اعْتِبارًا بِالثَّيِّبِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْها فِيما يُرادُ لَهُ النِّساءُ، وتُرِكَ العَطْفُ فِي الصِّفاتِ السّابِقَةِ لِأنَّها صِفاتٌ تَجْتَمِعُ في شَيْءٍ واحِدٍ وبَيْنَها شِدَّةُ اتِّصالٍ يَقْتَضِي تَرْكَ العَطْفِ ووَسَّطَ العاطِفَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ وعَدَمِ اجْتِماعِهِما في ذاتٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُؤْتَ - بِأوْ - قِيلَ: لِيَكُونَ المَعْنى أزْواجًا بَعْضُهُنَّ ثَيِّباتٌ وبَعْضُهُنَّ أبْكارٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُما في حُكْمِ صِفَةٍ واحِدَةٍ إذِ المَعْنى مُشْتَمِلاتٌ عَلى الثَّيِّباتِ والأبْكارِ فَتَدَبَّرْ، وفي الِانْتِصافِ لِابْنِ المُنِيرِ ذَكَرَ لِيَ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ البِيسانِيَّ الكاتِبَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في الآيَةِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ واوَ الثَّمانِيَةِ لِأنَّها ذُكِرَتْ مَعَ الصِّفَةِ الثّامِنَةِ، وكانَ الفاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ قَبْلَهُ: أحَدُها في التَّوْبَةِ ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ، والثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، والثّالِثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ إلى أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِئِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وأحالَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِها ها هُنا لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ وواوُ الثَّمانِيَةِ إنْ ثَبَتَتْ فَإنَّما تَرِدُ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلَيْها إلّا الإشْعارَ بِتَمامِ نِهايَةِ العَدَدِ الَّذِي هو السَّبْعَةُ فَأنْصَفَهُ الفاضِلُ واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: أرْشَدْتَنا يا أبا الجُودِ.
انْتَهى.
وذُكِرَ الجِنْسانِ لِأنَّ في أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن تَزَوَّجَها ثَيِّبًا وفِيهِنَّ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا إلّا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ عَلى صَواحِباتِها، ورَدَّتْ عَلَيْها الزَّهْراءُ عَلى أبِيها وعَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاها حِينَ افْتَخَرَتْ عَلى أُمِّها خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِها: إنَّ أُمِّي تَزَوَّجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِكْرٌ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النِّساءِ غَيْرَها ولا كَذَلِكَ أنْتُنَّ فَسَكَتَتْ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ ﴾ نارًا أيْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ﴿ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ، ووِقايَةُ النَّفْسِ عَنِ النّارِ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ووِقايَةُ الأهْلِ بِحَمْلِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ، ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَنْهَوْهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ وتَأْمُرُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ وأدَّبُوهم، والمُرادُ بِالأهْلِ عَلى ما قِيلَ: ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ والوَلَدَ والعَبْدَ والأمَةَ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ تَعَلُّمُ ما يَجِبُ مِنَ الفَرائِضِ وتَعْلِيمُهُ لِهَؤُلاءِ، وأدْخَلَ بَعْضُهُمُ الأوْلادَ في الأنْفُسِ لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، وفي الحَدِيثِ ««رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ صَلاتَكم صِيامَكم زَكاتَكم مَسْكَنَكم يَتِيمَكم جِيرانَكم لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم مَعَهُ في الجَنَّةِ»»، وقِيلَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن جَهِلَ أهْلَهُ.
وقُرِئَ - وأهْلُوكم -بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿ قُوا ﴾ وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ولَمْ يَرْتَضِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأصْلَ ﴿ قُوا ﴾ أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم وأنْفُسَهم بِأنْ يَقِيَ ويَحْفَظَ كُلٌّ مِنكم ومِنهم نَفْسَهُ عَمّا يُوبِقُها، فَقَدَّمَ أنْفُسَكم، وجَعَلَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ الأنْفُسَ مُشْتَمِلًا عَلى الأهْلِينَ تَغْلِيبًا فَشَمِلَهُمُ الخِطابُ، وكَذا اعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في ﴿ قُوا ﴾ ، وفِيهِ تَقْلِيلٌ لِلْحَذْفِ وإيثارُ العَطْفِ المُفْرَدِ الَّذِي هو الأصْلُ والتَّغْلِيبُ الَّذِي نُكْتَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ «وُقُودُها» بِضَمِّ الواوِ أيْ ذُو وُقُودِها، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ ﴾ أيْ أنَّهم مُوَكَّلُونَ عَلَيْها يَلُونَ أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ التِّسْعَةَ عَشَرَ قِيلَ: وأعْوانُهم ﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ، أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ، أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ مِائَةِ خَرِيفٍ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ رَحْمَةٌ إنَّما خُلِقُوا لِلْعَذابِ يَضْرِبُ المَلَكُ مِنهُمُ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ الضَّرْبَةَ فَيَتْرُكُهُ طَحْنًا مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى - لِمَلائِكَةٍ - وما في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ أيْ لا يَعْصُونَ ما أمَرَ اللَّهُ أيْ ما أمَرَهُ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ أوْ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ لا يَعْصُونَ فِيما أمَرَهم بِهِ ﴿ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ أيِ الَّذِي يَأْمُرُهم عَزَّ وجَلَّ بِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى لِنَفْيِ المُعانَدَةِ والِاسْتِكْبارِ عَنْهم صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ، والثّانِيَةُ لِإثْباتِ الكِياسَةِ لَهم ونَفْيِ الكَسَلِ عَنْهم فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ إلى ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى إنَّ الأُولى لِبَيانِ القَبُولِ باطِنًا فَإنَّ العِصْيانَ أصْلُهُ المَنعُ والإباءُ، وعِصْيانُ الأمْرِ صِفَةُ الباطِنِ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ إنَّما يُعَدُّ طاعَةً إذا كانَ بِقَصْدِ الِامْتِثالِ فَإذًا نَفْيُ العِصْيانِ عَنْهم دَلَّ عَلى قَبُولِهِمْ وعَدَمِ إبائِهِمْ باطِنًا، والثّانِيَةُ لِأداءِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَثاقُلٍ وتَوانٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”يَفْعَلُونَ“ فَلا تَكْرارَ، وفي الحُصُولِ ﴿ لا يَعْصُونَ ﴾ فِيما مَضى عَلى أنَّ المُضارِعَ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ في الآتِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وهو كُلُّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ بِمَنطُوقِهِ مَفْهُومَ الثّانِي وبِالعَكْسِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إدْخالِ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ النّارَ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ، فَتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ ونَهْيُهم عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم أوْ لِأنَّ العُذْرَ لا يَنْفَعُهم ﴿ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بَعْدَ ما نُهِيتُمْ عَنْهُما أشَدَّ النَّهْيِ وأُمِرْتُمْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ أيْ بالِغَةً في النُّصْحِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ كَضَرُوبٍ وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو وصْفُ التّائِبِينَ، وهو أنْ يَنْصَحُوا بِالتَّوْبَةِ أنْفُسَهم فَيَأْتُوا بِها عَلى طَرِيقِها، ولَعَلَّهُ ما تَضَمَّنَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما التَّوْبَةُ النَّصُوحُ ؟
قالَ: أنْ يَنْدَمَ العَبْدُ عَلى الذَّنْبِ الَّذِي أصابَ فَيَعْتَذِرُ إلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِ كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ»» ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: نَصُوحًا مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ أيْ خِياطَتِهِ أيْ تَوْبَةً تَرْفُو خُرُوقَكَ في دِينِكَ وتَرِمُ خَلَلَكَ، وقِيلَ: خالِصَتُهُ مِن قَوْلِهِمْ: عَسَلٌ ناصِحٌ إذا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تَوْبَةٌ تَنْصَحُ النّاسَ أيْ تَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها، واسْتِعْمالِ الجِدِّ والعَزِيمَةِ في العَمَلِ بِمُقْتَضَياتِها، وفي المُرادِ بِها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أوْصَلَها بَعْضُهم إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا: مِنها ما سَمِعْتَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - تَوْبًا - بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «نُصُوحًا» بِضَمِّ النُّونِ وهو مَصْدَرُ نَصَحَ فَإنَّ النُّصْحَ والنَّصُوحَ كالشُّكْرِ والشَّكُورِ والكُفْرِ والكَفُورِ أيْ ذاتُ نُصْحٍ أوْ تَنْصَحُ نُصُوحًا أوْ تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
هَذا والكَلامُ في التَّوْبَةِ كَثِيرٌ وحَيْثُ كانَتْ أهَمَّ الأوامِرِ الإسْلامِيَّةِ وأوَّلَ المَقاماتِ الإيمانِيَّةِ ومَبْدَأ طَرِيقِ السّالِكِينَ ومِفْتاحَ بابِ الواصِلِينَ لا بَأْسَ في ذِكْرِ شَيْءٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها فَنَقُولُ: هي لُغَةُ الرُّجُوعِ، وشَرْعًا وصْفًا لَنا عَلى ما قالَ السَّعْدُ: النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَوْنِها مَعْصِيَةً لِأنَّ النَّدَمَ عَلَيْها بِإضْرارِها بِالبَدَنِ أوْ إخْلالِها بِالعِرْضِ أوِ المالِ مَثَلًا لا يَكُونُ تَوْبَةً، وأمّا النَّدَمُ لِخَوْفِ النّارِ أوْ لِلطَّمَعِ في الجَنَّةِ فَفي كَوْنِهِ تَوْبَةً تَرَدُّدٌ.
ومَبْناهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ نَدَمًا عَلَيْها لِقُبْحِها ولِكَوْنِها مَعْصِيَةً أمْ لا ؟
وكَذا النَّدَمُ عَلَيْها لِقُبْحِها مَعَ غَرَضٍ آخَرَ، والحَقُّ أنَّ جِهَةَ القُبْحِ إنْ كانَتْ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَتْ لَتَحَقَّقَ النَّدَمُ فَتَوْبَةٌ وإلّا فَلا كَما إذا كانَ الغَرَضُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ لا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وكَذا في التَّوْبَةِ عِنْدَ مَرَضٍ مَخُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّدَمَ هَلْ يَكُونُ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ بَلْ لِلْخَوْفِ، وظاهِرُ الأخْبارِ قَبُولُ التَّوْبَةِ ما لَمْ تَظْهَرْ عَلاماتُ المَوْتِ ويَتَحَقَّقْ أمْرُهُ عادَةً، ومَعْنى النَّدَمِ تَحَزُّنٌ وتَوَجُّعٌ عَلى أنْ فَعَلَ وتَمَنّى كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَلْ ولا بُدَّ مِن هَذا لِلْقَطْعِ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّرْكِ كالماجِنِ إذا مَلَّ مُجُونَهُ فاسْتَرْوَحَ إلى بَعْضِ المُباحاتِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» وقَدْ يُزادُ قَيْدُ العَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ المَعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ قَدْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ لِذُهُولٍ أوْ جُنُونٍ أوْ نَحْوِهِ، وقَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعارِضِ آفَةٍ كَخَرَسٍ في القَذْفِ مَثَلًا أوْ جُبٍّ في الزِّنا فَلا يُتَصَوَّرُ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِداءِ حَتّى لَوْ سُلِبَ القُدْرَةَ لَمْ يُشْتَرَطِ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وبِذَلِكَ يُشْعِرُ كَلامُ إمامِ الحَرَمَيْنِ حَيْثُ قالَ: إنَّ العَزْمَ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ إنَّما يُقارَنُ بِالتَّوْبَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ ولا يَطَّرِدُ في كُلِّ حالٍ إذِ العَزْمُ إنَّما يَصِحُّ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِن مِثْلِ ما قَدَّمَهُ، ولا يَصِحُّ مِنَ المَجْبُوبِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ الزِّنا.
ومِنَ الأخْرَسِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ القَذْفِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: التَّحْقِيقُ أنَّ ذِكْرَ العَزْمِ إنَّما هو لِلْبَيانِ والتَّقْرِيرِ لا لِلتَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ إذِ النّادِمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِقُبْحِها لا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ العَزْمِ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِدارِ، وعَلامَةُ النَّدَمِ طُولُ الحَسْرَةِ والخَوْفِ وانْسِكابِ الدَّمْعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ عَلامَةَ صِدْقِ النَّدَمِ عَنْ ذَنْبٍ كالزِّنا أنْ لا يَرى في المَنامِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ اخْتِيارًا إذْ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِبَقاءِ حُبِّهِ إيّاهُ وعَدَمِ انْقِلاعِ أُصُولِهِ مِن قَلْبِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو يُنافِي صِدْقَ النَّدَمِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: يَكْفِي في التَّوْبَةِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ أساءَ وأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ رَدُّ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَرَدَّها ولا حاجَةَ إلى الأسَفِ والحُزْنِ لِإفْضائِهِ إلى التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ.
وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: التَّوْبَةُ ما اسْتَجْمَعَتْ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ وأنْ يَنْدَمَ عَلى فِعْلِها وأنْ يَعْزِمَ عَزْمًا جازِمًا عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِها أبَدًا فَإنْ كانَتْ تَتَعَلَّقُ بِآدَمِيٍّ لَزِمَ رَدُّ الظُّلامَةِ إلى صاحِبِها أوْ وارِثِهِ أوْ تَحْصِيلُ البَراءَةِ مِنهُ، ورُكْنُها الأعْظَمُ النَّدَمُ.
وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ قالُوا: إنْ كانَتِ المَعْصِيَةُ في خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ يَكْفِي النَّدَمُ كَما في ارْتِكابِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ وتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ تَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ زائِدٍ كَتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلْحَدِّ في الشُّرْبِ وتَسْلِيمِ ما وجَبَ في تَرْكِ الزَّكاةِ، ومِثْلُهُ في تَرْكِ الصَّلاةِ وإنْ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ العِبادِ لَزِمَ مَعَ النَّدَمِ، والعَزْمِ إيصالُ حَقِّ العَبْدِ أوْ بَدَلِهِ إلَيْهِ إنْ كانَ الذَّنْبُ ظُلْمًا كَما في الغَصْبِ والقَتْلِ العَمْدِ، ولَزِمَ إرْشادُهُ إنْ كانَ الذَّنْبُ إضْلالًا لَهُ، والِاعْتِذارُ إلَيْهِ إنْ كانَ إيذاءً كَما في الغَيْبَةِ إذا بَلَغَتْهُ ولا يَلْزَمُ تَفْصِيلُ ما اغْتابَهُ بِهِ إلّا إذا بَلَغَهُ عَلى وجْهٍ أفْحَشَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ هَذا الزّائِدَ واجِبٌ آخَرُ خارِجٌ عَنِ التَّوْبَةِ - عَلى ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ - مِن أنَّ القاتِلَ إذا نَدِمَ مِن غَيْرِ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وكانَ مَنعُهُ القِصاصَ مِن مُسْتَحَقِّهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً ولا يَقْدَحُ في التَّوْبَةِ عَنِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: ورُبَّما لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ بِدُونِ الخُرُوجِ مِن حَقِّ العَبْدِ كَما في الغَصْبِ فَفَرْقٌ بَيْنَ القَتْلِ والغَصْبِ، ووَجْهُهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ السُّنَّةِ وغَيْرُهم في وُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلى أرْبابِ الكَبائِرِ، واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ، فَعِنْدَنا السَّمْعُ كَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها وحُمِلَ الأمْرُ فِيها عَلى الرُّخْصَةِ والإيذانِ بِقَوْلِها ودَفْعِ القُنُوطِ - كَما جَوَّزَهُ الآمِدِيُّ -احْتِمالًا وبُنِيَ عَلَيْهِ عَدَمُ الإثابَةِ عَلَيْها مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ العَقْلُ، وأوْجَبَتِ الجَهْمِيَّةُ التَّوْبَةَ عَنِ الصَّغائِرِ سَمْعًا لا عَقْلًا، وأهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ، ومُقْتَضى كَلامِ النَّوَوِيِّ والمازِرِيِّ وغَيْرِهِما وُجُوبُها حالَ التَّلَبُّسِ بِالمَعْصِيَةِ، وعِبارَةُ المازِرِيِّ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي واجِبَةٌ، وأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُها سَواءً كانَتِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً.
وفِي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ أنَّ التَّمادِيَ عَلى الذَّنْبِ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ مِنهُ مَعْصِيَةٌ واحِدَةٌ ما لَمْ يَعْتَقِدْ مُعاوَدَتَهُ، وصَرَّحَتِ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ حَتّى يَلْزَمَ بِتَأْخِيرِها ساعَةً إثْمٌ آخَرُ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنْهُ وساعَتَيْنِ إثْمانِ وهَلُمَّ جَرًّا، بَلْ ذَكَرُوا أنَّ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ عَنِ الكَبِيرَةِ ساعَةً واحِدَةً يَكُونُ لَهُ كَبِيرَتانِ: المَعْصِيَةُ وتَرْكُ التَّوْبَةِ، وساعَتَيْنِ أرْبَعٌ: الأُولَيانِ وتَرْكُ التَّوْبَةِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، وثَلاثَ ساعاتٍ ثَمانٍ وهَكَذا، وتَصِحُّ عَنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ لِتَحَقُّقِ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وخالَفَ أبُو هاشِمٍ مُحْتَجًّا بِأنَّ النَّدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِقُبْحِها وهو شامِلٌ لَها كُلِّها فَلا يَتَحَقَّقُ النَّدَمُ عَلى قَبِيحٍ مَعَ الإصْرارِ عَلى آخَرَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الشّامِلَ لِلْكُلِّ هو القُبْحُ لا خُصُوصَ قُبْحِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الكافِرِ إذا أسْلَمَ وتابَ مِن كُفْرِهِ مَعَ اسْتَدامَتِهِ بَعْضَ المَعاصِي أمّا هو فَتَوْبَتُهُ صَحِيحَةٌ وإسْلامُهُ كَذَلِكَ بِالإجْماعِ ولا يُعاقَبُ إلّا عُقُوبَةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّ مُجَرَّدَ إيمانِهِ هَلْ يُعَدُّ تَوْبَةً أمْ لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ ؟
فَعِنْدَ الجُمْهُورِ مُجَرَّدُ إيمانِهِ تَوْبَةٌ، وقالَ الإمامُ والقُرْطُبِيُّ: لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ الكُفْرِ وعَدَمُ اشْتِراطِ العَمَلِ الصّالِحِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ خِلافًا لِابْنِ حَزْمٍ، وكَذا تَصِحُّ التَّوْبَةُ عَنِ المَعاصِي إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المَتُوبِ عَنْهُ ولَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ، وخالَفَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ فَقالَ: إنَّما تَصِحُّ إجْمالًا مِمّا عُلِمَ إجْمالًا، وأمّا ما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ مِنهُ تَفْصِيلًا ولا تَنْتَقِصُ التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالعَوْدِ فَلا تَعُودُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ الَّتِي تابَ مِنها بَلِ العَوْدُ والنَّقْضُ مَعْصِيَةٌ أُخْرى يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتُوبَ مِنها.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مِن شُرُوطِ صِحَّتِها أنْ لا يُعاوِدَ الذَّنْبَ فَإنْ عاوَدَهُ انْتَقَصَتْ تَوْبَتُهُ وعادَتْ ذُنُوبُهُ لِأنَّ النَّدَمَ المُعْتَبَرَ فِيها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالِاسْتِمْرارِ، ووافَقَهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اسْتِدامَةَ النَّدَمِ غَيْرُ واجِبَةٍ بَلِ الشَّرْطُ أنْ لا يَطْرَأ عَلَيْهِ ما يُنافِيهِ ويَدْفَعُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ دائِمٌ حُكْمًا كالإيمانِ حالَ النَّوْمِ، ويَلْزَمُ مِنَ اشْتِراطِ الِاسْتِدامَةِ مَزِيدُ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقالَ الآمِدِيُّ: يَلْزَمُ أيْضًا اخْتِلالُ الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ لا يَكُونَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ اسْتِدامَةِ النَّدَمِ وتَذَكُّرِهِ تائِبًا، وأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إعادَةُ التَّوْبَةِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، نَعَمِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن تَذَكَّرَ المَعْصِيَةَ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُجَدِّدَ النَّدَمَ ؟
وإلَيْهِ ذَهَبَ القاضِي مِنّا وأبُو عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ زَعْمًا مِنهُما أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْدَمْ كُلَّما ذَكَرَها لَكانَ مُشْتَهِيًا لَها فَرِحًا بِها، وذَلِكَ إبْطالٌ لِلنَّدَمِ ورُجُوعٌ إلى الإصْرارِ، والجَوابُ المَنعُ إذْ رُبَّما يَضْرِبُ عَنْها صَفْحًا مِن غَيْرِ نَدَمٍ عَلَيْها ولا اشْتِهاءٍ لَها وابْتِهاجٍ بِها ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَلَزِمَ أنْ لا تَكُونَ التَّوْبَةُ السّابِقَةُ صَحِيحَةً، وقَدْ قالَ القاضِي نَفْسُهُ: إنَّهُ إذا لَمْ يُجَدِّدْ نَدَمًا كانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً جَدِيدَةً يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْها والتَّوْبَةُ الأُولى مَضَتْ عَلى صِحَّتِها إذِ العِبادَةُ الماضِيَةُ لا يَنْقُضُها شَيْءٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.
انْتَهى.
وبِعَدَمِ وُجُوبِ التَّجْدِيدِ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ إذا لَمْ يَبْتَهِجْ عِنْدَ ذِكْرِ الذَّنْبِ بِهِ ويَفْرَحْ ويَتَلَذَّذْ بِذِكْرِهِ أوْ سَماعِهِ، وإلّا وجَبَ التَّجْدِيدُ اتِّفاقًا، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ المُعاوَدَةَ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ ولَوْ كانَتْ في مَجْلِسِ التَّوْبَةِ بَلْ ولَوْ تَكَرَّرَتْ تَكْرارًا يَلْتَحِقُ بِالتَّلاعُبِ، وفي هَذا الأخِيرِ نَظَرٌ فَقَدْ قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ الواقِعَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِما هو كُفْرٌ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ مَعَ شَدِيدِ العِقابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ ولِمِثْلِهِ إلّا مَن تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ وعُرِفَ اسْتِهانَتُهُ بِما أتى فَهو دَلِيلٌ عَلى سُوءِ طَوِيَّتِهِ وكَذِبِ تَوْبَتِهِ.
انْتَهى.
ويَنْبَغِي عَلَيْهِ أنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِأنْ تَكْثُرَ كَثْرَةً تُشْعِرُ بِالِاسْتِهانَةِ وتُدْخِلُ صاحِبَها في دائِرَةِ الجُنُونِ، واخْتُلِفَ في صِحَّةِ التَّوْبَةِ المُؤَقَّتَةِ بِلا إصْرارٍ كَأنْ لا يُلابِسَ الذُّنُوبَ أوْ ذَنْبَ كَذا سَنَةً فَقِيلَ: تَصِحُّ، وقِيلَ: لا، وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ قِياسُ صِحَّتِها مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضِ صِحَّتِها فِيما ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ لِلتَّوْبَةِ مَراتِبَ مِن أعْلاها ما رُوِيَ عَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سَمِعَ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما التَّوْبَةُ ؟
قالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي، وأُرِيدَ بِإعادَةِ الفَرائِضِ أنْ يَقْضِيَ مِنها ما وقَعَ في زَمانِ مَعْصِيَتِهِ كَشارِبِ الخَمْرِ يُعِيدُ صَلاتَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ لِمُخامَرَتِهِ لِلنَّجاسَةِ غالِبًا، وهَذِهِ تَوْبَةٌ نَحْوَ الخَواصِّ فَلا مُسْتَنَدَ في هَذا الأثَرِ لِابْنِ حَزْمٍ وأضْرابِهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فائِدَةَ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَكِنْ جِيءَ بِصِيغَةِ الإطْماعِ لِلْجَرْيِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ فَإنَّهم إذا أرادُوا فِعْلًا قالُوا: عَسى أنْ نَفْعَلَ كَذا، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنهُ سُبْحانَهُ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ.
وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ وإنْ بالَغَ في إقامَةِ وظائِفِ العِبادَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّ التَّكْفِيرَ أثَرُ القَبُولِ، وقَدْ جِيءَ مَعَهُ بِصِيغَةِ الإطْماعِ دُونَ القَطْعِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فَذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُها عَقْلًا وأتَوْا في ذَلِكَ بِمُقَدِّماتٍ مُزَخْرَفاتٍ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والقاضِي أبُو بَكْرٍ: يَجِبُ قَبُولُها سَمْعًا ووَعْدًا لَكِنْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ إذْ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ نَصٌّ قاطِعٌ لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وقالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: بَلْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ ومَحَلُّ النِّزاعِ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ وتِلْمِيذَيْهِ ما عَدا تَوْبَةَ الكافِرِ أمّا هي فالإجْماعُ عَلى قَبُولِها قَطْعًا بِالسَّمْعِ لِوُجُودِ النَّصِّ المُتَواتِرِ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ بِخِلافِ ما جاءَ في تَوْبَةِ غَيْرِهِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ، ولَيْسَ بِنَصٍّ في غُفْرانِ ذُنُوبِ المُسْلِمِ بِالتَّوْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ ، وأمّا حَدِيثُ -التَّوْبَةِ تَجُبُّ ما قَبْلَها - فَلَيْسَ بِمُتَواتِرٍ ولِأنَّهُ إذا قُطِعَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ الكافِرِ كانَ ذَلِكَ فَتْحًا لِبابِ الإيمانِ وسَوْقًا إلَيْهِ، وإذا لَمْ يُقْطَعْ بِتَوْبَةِ المُؤْمِنِ كانَ ذَلِكَ سَدًّا لِبابِ العِصْيانِ ومَنعًا مِنهُ، وهَذا- وما قَبْلَهُ - ذَكَرَهُما القاضِي لِما قِيلَ لَهُ: إنَّ الدَّلائِلَ مَعَ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ: وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى قَوْلِ القاضِي، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنى، ومِثْلُ ذَلِكَ وُجُوبُ الشُّكْرِ عَلى القَبُولِ فَإنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَما وجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْهِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّعْدُ بِأنَّهُ رُبَّما يُدْفَعُ بِأنَّ المَسْؤُولَ في الدُّعاءِ هو اسْتِجْماعُها لِشَرائِطِ القَبُولِ فَإنَّ الأمْرَ فِيهِ خَطِيرٌ، ووُجُوبُ القَبُولِ لا يُنافِي وُجُوبَ الشُّكْرِ لِكَوْنِهِ إحْسانًا في نَفْسِهِ كَتَرْبِيَةِ الوالِدِ ولَدَهُ وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُ التَّوْبَةِ إذا وُجِدَتْ بِشُرُوطِها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْبَلُها كَرَمًا مِنهُ وتَفَضُّلًا، وعَرَفْنا قَبُولَها بِالشَّرْعِ والإجْماعِ فَلا تَغْفُلْ، وقُرِئَ «يُدْخِلْكم» بِسُكُونِ اللّامِ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو في كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ فَإنَّهُ يُقالُ في قَمْعٍ: قَمَعٍ.
وفي نَطْعٍ، نَطَعٍ وقالَ: إنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ ﴾ ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُرَجَّ تَكْفِيرٌ أوْ يُوجِبُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ ظَرْفٌ - لِيُدْخِلَكم - وتَعْرِيفُ ”النَّبِيَّ“ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ سَيِّدُ الأنْبِياءِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِنَفْيِ الإخْزاءِ إثْباتُ أنْواعِ الكَرامَةِ والعِزِّ.
وفِي القامُوسِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى فُلانًا فَضَحَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ لَحِقَهُ انْكِسارٌ إمّا مِن نَفْسِهِ وهو الحَياءُ المُفْرِطُ ومَصْدَرُهُ الخَزايَةُ.
وإمّا مِن غَيْرِهِ وهو ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ، ومَصْدَرُهُ الخِزْيُ، و ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ هو مِنَ الخِزْيِ أقْرَبُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُما جَمِيعًا ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، واسْتِحْمادٌ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ، والمُرادُ بِالإيمانِ هُنا فَرْدُهُ الكامِلُ عَلى ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ كَما قِيلَ، ومَرَّ الكَلامُ فِيهِ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنهُ.
والثّانِيَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ يَسْعى ﴾ ، وأنْ تَكُونَ الأُولى مُسْتَأْنَفَةً.
والثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنَ المَوْصُولِ.
والثّانِيةُ مُسْتَأْنَفَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَعَهُ، والجُمْلَتانِ خَبَرانِ آخَرانِ أوْ مُسْتَأْنَفَتانِ أوْ حالانِ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الأُولى حالٌ مِنهُ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى مُسْتَأْنَفَةٌ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى حالٌ والثّانِيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوِ الأُولى خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى ﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ الأُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهَذِهِ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ لا يَخْفى ما هو الأظْهَرُ مِنها.
والقَوْلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: يَكُونُ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ أيْ يَقُولُونَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ ﴿ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ تَمامِ نُورِهِمْ، وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا.
هَذا الجُزْءُ مُكَمَّلٌ مِن نُسْخَةٍ أُخْرى وقِيلَ: مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ تَعَيُّنِ حَمْلِ الإيمانِ عَلى فَرْدِهِ الكامِلِ كَما سَمِعْتُ عَنِ الخَفاجِيِّ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ «وبِإيمانِهِمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ ﴾ بِالسَّيْفِ ﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ بِالحُجَّةِ ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ واسْتَعْمِلْ الخُشُونَةَ عَلى الفَرِيقَيْنِ فِيما تُجاهِدُهم بِهِ إذا بَلَغَ الرِّفْقُ مَداهُ.
وعَنِ الحَسَنِ أكْثَرُ ما كانَ يُصِيبُ الحُدُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ المُنافِقِينَ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ في إقامَةِ الحُدُودِ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قَرَأ - جاهِدِ الكُفّارَ بِالمُنافِقِينَ وأظُنُّ ذَلِكَ مِن كَذِبِ الإمامِيَّةِ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ ﴿ ومَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ أيْ وسَيَرَوْنَ فِيها عَذابًا غَلِيظًا ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أيْ جَهَنَّمُ أوْ مَأْواهم، والعَطْفُ قِيلَ: مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ عِبارَةٌ عَنْ إيرادِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ لِتُعْرَفَ بِها حالَةٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ لَها في الغَرابَةِ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِحالِ الكَفَرَةِ حالًا ومَآلًا عَلى أنَّ مَثَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِضَرَبَ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ امْرَأتَ نُوحٍ ﴾ واسْمُها قِيلَ: والِعَةُ ﴿ وامْرَأتَ لُوطٍ ﴾ واسْمُها قِيلَ: واهِلَةُ، وقِيلَ: والِهَةُ، وعَنْ مُقاتِلٍ اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ.
واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وأُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحٌ وتَفْسِيرٌ لِحالِهِما، ويَتَّضِحُ بِذَلِكَ حالُ الكَفَرَةِ، والمُرادُ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِحالِ أُولَئِكَ حالَ ﴿ امْرَأتَ ﴾ إلَخْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ ﴾ بَيانًا لِحالِهِما الدّاعِيَةِ لَهُما إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ، ولَمْ يَقُلْ: تَحْتَهُما لِلتَّعْظِيمِ أيْ كانَتا في عِصْمَةِ نَبِيَّيْنِ عَظِيمَيِ الشَّأْنِ مُتَمَكِّنَتَيْنِ مِن تَحْصِيلِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحِيازَةِ سَعادَتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخانَتاهُما ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْهُما مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُنافِيها مِن مُرافَقَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمّا خِيانَةُ امْرَأةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وأمّا خِيانَةُ امْرَأةِ لُوطٍ فَكانَتْ تَدُلُّ عَلى الضَّيْفِ رَواهُ جَمْعٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: خِيانَتُهُما النَّمِيمَةُ، وتَمامُهُ في رِوايَةٍ: كانَتا إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: خِيانَتُهُما أنَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ مُخالِفَتَيْنِ، وقِيلَ: كانَتا مُنافِقَتَيْنِ، والخِيانَةُ والنِّفاقُ قالَ الرّاغِبُ: واحِدٌ إلّا أنَّ الخِيانَةَ تُقالُ اعْتِبارًا بِالعَهْدِ والأمانَةِ، والنِّفاقُ يُقالُ اعْتِبارًا بِالدِّينِ ثُمَّ يَتَداخَلانِ، فالخِيانَةُ مُخالَفَةُ الحَقِّ بِنَقْصِ العَهْدِ في السِّرِّ ونَقِيضُها الأمانَةُ، وحُمِلَ ما في الآيَةِ عَلى هَذا، ولا تُفَسَّرُ ها هُنا بِالفُجُورِ لِما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ»» ورَفْعُهُ أشْرَسُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي الكَشّافِ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الفُجُورُ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطَّبْعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّ الكُفْرَ لا يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا.
ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ تَفْسِيرِها بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ، ولَعَمْرِي لا يَكادُ يَقُولُ بِذَلِكَ إلّا ابْنُ زِنًا، فالحَقُّ عِنْدِي أنَّ عِهْرَ الزَّوْجاتِ كَعِهْرِ الأُمَّهاتِ مِنَ المُنَفِّراتِ الَّتِي قالَ السَّعْدُ: إنَّ الحَقَّ مَنعُها في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما يُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ في حَقِّ سَيِّدِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ فَلا تُعَوِّلْ عَلَيْهِ وإنْ كانَ شائِعًا، وفي هَذا عَلى ما قِيلَ: تَصْوِيرٌ لِحالِ المَرْأتَيْنِ المُحاكِيَةِ لِحالِ الكَفَرَةِ في خِيانَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يُغْنِيا ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما أدّى إلَيْهِ خِيانَتُهُما أيْ فَلَمْ يُغْنِ ذانِكَ العَبْدانِ الصّالِحانِ والنَّبِيّانِ العَظِيمانِ ﴿ عَنْهُما ﴾ بِحَقِّ الزَّواجِ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ شَيْئًا ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العَذابِ.
وقِيلَ لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ ﴾ أيْ مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَقْصُودَ الإشارَةُ إلى أنَّ الكَفَرَةَ يُعاقَبُونَ بِكُفْرِهِمْ ولا يُراعُونَ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَصْلَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وتَخْوِيفٌ لَهُنَّ بِأنَّهُ لا يُفِيدُهُنَّ إنْ أتَيْنَ بِما حُظِرَ عَلَيْهِنَّ كَوْنُهُنَّ تَحْتَ نِكاحِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِنَّ كافِرَةً أوْ مُنافِقَةً كَما زَعَمَهُ يُوسُفُ الأوالِيُّ مِن مُتَأخَّرِي الإمامِيَّةِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ «تُغْنِيا» بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ، وعَنْهُما عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ عَنْ نَفْسِهِما قالَ أبُو حَيّانَ: ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يَجْعَلَ - عَنْ -اسْمًا كَهي في: دَعْ عَنْكَ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِهِ المَجْرُورِ وهو يَجْرِي مَجْرى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وفِيهِ بَحْثٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ جَعَلَ حالَها مَثَلًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكَفَرَةِ لا تَضُرُّهم حَيْثُ كانَتْ في الدُّنْيا تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهي في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَتْ ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ ﴾ قِيلَ: أيْ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ لِتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ المَكانِ.
وجُوِّزَ في ﴿ عِنْدَكَ ﴾ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وكَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَيْتًا ﴾ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وكانَ صِفَةً لَوْ تَأخَّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الجَنَّةِ ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”عِنْدَكَ“ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ابْنِ“ وقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ لِنُكْتَةٍ، وهي كَما في الفُصُوصِ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِمُ: الجارُ قَبْلَ الدّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ - بِعِنْدِكَ - أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، ولِأنَّ المُرادَ القُرْبُ مِنَ العَرْشِ، وعِنْدَكَ بِمَعْنى عِنْدَ عَرْشِكَ ومَقَرِّ عِزِّكَ وهو عَلى ما قِيلَ: عَلى الِاحْتِمالاتِ في إعْرابِهِ ولا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ ﴿ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ مِن نَفْسِ فِرْعَوْنَ الخَبِيثَةِ وسُلْطانِهِ الغَشُومِ ﴿ وعَمَلِهِ ﴾ أيْ وخُصُوصًا مِن عَمَلِهِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّعْذِيبُ بِغَيْرِ جُرْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ”مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ“ [البَقَرَةَ: 98] .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”نَجِّنِي“ مِن عَمَلِ فِرْعَوْنَ فَهو مِن أُسْلُوبِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى طَلَبِ البُعْدِ مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ كَأنَّهُ بِجَوْهَرِهِ عَذابٌ ودَمارٌ يُطْلَبُ الخَلاصُ مِنهُ، ثُمَّ طُلِبَ النَّجاةُ مِن عَمَلِهِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الطّامَّةُ العُظْمى، وخَصَّ بَعْضُهم عَمَلَهُ بِتَعْذِيبِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الجِماعُ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن أهْلِ مِصْرَ: وكَأنَّهُ أرادَ بِهِمُ القِبْطَ أيْضًا، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً مُصَدِّقَةً بِالبَعْثِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها عَمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ العَصا الإفْكَ فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ فِرْعَوْنَ وتَدَ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ في يَدَيْها ورِجْلَيْها فَكانَتْ إذا تَفَرَّقُوا عَنْها أظَلَّتْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ فَكُشِفَ لَها عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ وهو عَلى ما قِيلَ: مِن دُرَّةٍ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ وتَدَ لَها أرْبَعَةَ أوْتادٍ وأضْجَعَها عَلى ظَهْرِها وجَعَلَ عَلى صَدْرِها رَحى واسْتَقْبَلَ بِها عَيْنَ الشَّمْسِ فَرَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي ﴾ إلى ﴿ الظّالِمِينَ ﴾ فَفَرَجَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ فَرَأتْهُ، وقِيلَ: أُمِرَ بِأنْ تُلْقى عَلَيْها صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى فَرَقى بِرُوحِها فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدٍ لا رُوحَ فِيهِ، وعَنِ الحَسَنِ فَنَجّاها اللَّهُ تَعالى أكْرَمَ نَجاةٍ فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ فَهي تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ فِيها، وظاهِرُهُ أنَّها رُفِعَتْ بِجَسَدِها وهو لا يَصِحُّ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ تَعالى والِالتِجاءَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَسْألَةَ الخَلاصِ مِنهُ تَعالى عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ وسَنَنِ الأنْبِياءِ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ وضَرَبَ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَتَها وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ قَوْمِها كُفّارًا، وجَمَعَ في التَّمْثِيلِ بَيْنَ مَن لَها زَوْجٌ ومَن لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ عَلى ما قِيلَ، وهو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ كَما في الكَشّافِ، وقَرَأ السِّخْتِيانِيُّ -ابْنَهْ - بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ ﴿ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ صانَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ الرِّجالِ، وقِيلَ: مَنَعَتْهُ عَنْ دَنَسِ المَعْصِيَةِ.
والفَرْجُ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّوْءَةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ، ومِنهُ ما هُنا عِنْدَ الأكْثَرِينَ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ النّافِخُ رَسُولُهُ تَعالى وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخَ رَسُولُنا، وضَمِيرُ فِيهِ لِلْفَرْجِ، واشْتُهِرَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفَخَ في جَيْبِها فَوَصَلَ أثَرُ ذَلِكَ إلى الفَرْجِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الفَرْجَ جَيْبُ دِرْعِها وهو مُحْتَمَلٌ لِأنَّ الفَرْجَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ فَهو فَرْجٌ، وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِلنَّفْسِ أمْنَعُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: قَوْلَها ﴿ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ وأفادَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ أحْصَنَتْ فَرْجَها عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا عَنِ الفَرّاءِ كِنايَةٌ عَنِ العِفَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هو نَقِيُّ الجَيْبِ طاهِرُ الذَّيْلِ.
وجُوِّزَ في ضَمِيرِ فِيهِ رُجُوعُهُ إلى الحَمْلِ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - فِيها - كَما في الأنْبِياءِ، فالضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ، والإضافَةُ في قَوْلِها تَعالى: ﴿ مِن رُوحِنا ﴾ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطِ أصْلٍ، وقِيلَ: لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وصَدَّقَتْ ﴾ آمَنَتْ ﴿ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ بِصُحُفِهِ عَزَّ وجَلَّ المُنَزَّلَةِ عَلى إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وسَمّاها سُبْحانَهُ كَلِماتٍ لِقِصَرِها ﴿ وكُتُبِهِ ﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ والمُرادُ بِهِ ما عَدا الصُّحُفَ مِمّا في طُولٍ، أوِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ، وعُدَّ المُصْحَفُ مِن ذَلِكَ وإيمانُها بِهِ ولَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بَعْدُ كالإيمانِ بِالنَّبِيِّ المَوْعُودِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَذْكُورًا بِكِتابِهِ في الكُتُبِ الثَّلاثَةِ، وتَفْسِيرُ الكَلِماتِ والكُتُبِ بِذَلِكَ هو ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ ما أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِالكُتُبِ ما عُرِفَ فِيها مِمّا يَشْمَلُ الصُّحُفَ وغَيْرَها، وقِيلَ: جَمِيعُ ما كُتِبَ مِمّا يَشْمَلُ اللَّوْحَ وغَيْرَهُ، وأنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ وعْدُهُ تَعالى ووَعِيدُهُ أوْ ذَلِكَ وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ونَهْيُهُ سُبْحانَهُ، وبِالكُتُبِ أحَدُ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وإرادَةُ كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ القائِمِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الكَلِماتِ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ «صَدَقَتْ» بِالتَّخْفِيفِ، ويَرْجِعُ إلى مَعْنى المُشَدَّدِ وفي البَحْرِ أيْ كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى وما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَها مِنَ الكَراماتِ وفِيهِ قُصُورٌ لا يَخْفى.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ - بِكَلِمَةٍ - عَلى التَّوْحِيدِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ - وكِتابَهُ - عَلى الإفْرادِ فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وكُتْبَهُ» بِسُكُونِ التّاءِ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبِهِ وبِفَتْحِ الكافِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ الِاسْمُ عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ.
﴿ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ أيْ مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ - فَمِن - لِلتَّبْعِيضِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، والإشْعارِ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعَةِ الرِّجالِ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِنا: وكانَتْ مِنَ القانِتاتِ، أوْ قانِتَةً، وقِيلَ: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمُرادُ كانَتْ مِن نَسْلِ القانِتِينَ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَدْحُها بِذَلِكَ لِما أنَّ الغالِبَ أنَّ الفَرْعَ تابِعٌ لِأصْلِهِ ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ وهي عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ سَيِّدَةُ النِّساءِ ومِن أكْمَلِهِنَّ، رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ ثُمَّ فاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ ثُمَّ عائِشَةُ»، وفي الصَّحِيحِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ» وخُصَّ الثَّرِيدُ - وهو خُبْزٌ يُجْعَلُ في مَرَقٍ وعَلَيْهِ لَحْمٌ - كَما قِيلَ: إذا ما الخُبْزُ تَأدَمَّهُ بِلَحْمٍ فَذاكَ أمانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ لا اللَّحْمُ فَقَطْ كَما قِيلَ لِأنَّ العَرَبَ لا يُؤُثِرُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى سَمَّوْهُ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، والسِّرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جامِعٌ بَيْنَ الغِذاءِ واللَّذَّةِ والقُوَّةِ وسُهُولَةِ التَّناوُلِ وقِلَّةِ المَئُونَةِ في المَضْغِ وسُرْعَةِ المُرُورِ في المَرِيءِ فَضَرَبَ بِهِ مَثَلًا لِيُؤْذِنَ بِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أُعْطِيَتْ مَعَ حُسْنِ الخُلُقِ حَلاوَةَ المَنطِقِ وفَصاحَةَ اللَّهْجَةِ وجَوْدَةَ القَرِيحَةِ ورَزانَةَ الرَّأْيِ ورَصانَةَ العَقْلِ والتَّحَبُّبَ لِلْبَعْلِ فَهي تَصْلُحُ لِلْبَعْلِ والتَّحَدُّثِ والِاسْتِئْناسِ بِها والإصْغاءِ إلَيْها، وحَسْبُكَ أنَّها عَقَلَتْ مِنَ النَّبِيِّ ما لَمْ يَعْقِلْ غَيْرُها مِنَ النِّساءِ ورَوَتْ ما لَمْ يَرْوِ مِثْلُها مِنَ الرِّجالِ، وعَلى مَزِيدِ فَضْلِها في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن عِتابِها وعِتابِ صاحِبَتِها حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما لا يَخْفى، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ البِضْعِيَّةُ لا يُعَدَّ لَها في الفَضْلِ أحَدٌ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ مَرْيَمَ وآسِيَةَ زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي في الجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ وامْرَأةَ فِرْعَوْنَ وأُخْتَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ»» وزَعْمُ نُبُوَّتِها كَزَعْمِ نُبُوَّةِ غَيْرِهِما مِنَ النِّساءِ كَهاجَرَ وسارَّةَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاشْتِراطِ الذُّكُورَةِ في النُّبُوَّةِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِلْأشْعَرِيِّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا الزَّعْمِ العَلّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ في الآياتِ البَيِّناتِ وهو غَرِيبٌ فَلْيُحْفَظْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.