الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة المدثر
تفسيرُ سورةِ المدثر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 111 دقيقة قراءةسُورَةُ ( المُدَّثِّرِ ) مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِإجْماعٍ وفي التَّحْرِيرِ قالَ مُقاتِلٌ ( إلّا ) آيَةً وهي ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ إلَخِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُشْعِرُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ مَدَنِيٌّ بِما فِيهِ وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ في العِراقِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ عَلى ما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وهي مُتَواخِيَةٌ مَعَ السُّورَةِ قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِنِداءِ النَّبِيِّ وصَدْرُ كِلَيْهِما نازِلٌ عَلى المَشْهُورِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ وبُدِئَتْ تِلْكَ بِالأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ وهو عِبادَةٌ خاصَّةٌ وهَذِهِ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وفِيهِ مِن تَكْمِيلِ الغَيْرِ ما فِيهِ.
ورَوى أُمِّيَّةُ الأزْدِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وهو مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ عَقِبَ المُزَّمِّلِ وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن أسْبابِ وضْعِها بَعْدَها والظّاهِرُ ضَعْفُ هَذا القَوْلِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ، قُلْتُ: يَقُولُونَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ ( إلّا ) ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَجَئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي فَنَزَلَتْ يا ﴿ أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ » [اَلْمُدَّثِّرِ: 1- 3] وفِي رِوايَةٍ «فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿ فاهْجُرْ ﴾ » فَإنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ ولَوْ كانَتْ يا ﴿ أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ هي النّازِلَةُ قَبْلُ فِيها لَذَكَرْتُ نَعَمْ ظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ نَزَلَ قَبْلَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والمَرْوِيُّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذاكَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِن قُرْآنٍ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأُمَّةِ حَتّى قالَ بَعْضُهم هو الصَّحِيحُ، ولِصِحَّةِ الخَبَرَيْنِ احْتاجُوا لِلْجَوابِ فَنَقَلَ في الإتْقانِ خَمْسَةَ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ في حَدِيثِ جابِرٍ كانَ عَنْ نُزُولِ سُورَةٍ كامِلَةٍ فَبَيَّنَ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بِكَمالِها قَبْلَ تَمامِ سُورَةِ ( اقْرَأْ ) فَإنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها صَدْرُها.
الثّانِي: أنَّ مُرادَ جابِرٍ بِالأوَّلِيَّةِ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِما بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ لا أوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ لِلنُّبُوَّةِ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ وأوَّلُ ما نَزَلَ لِلرِّسالَةِ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ أوَّلُ ما نَزَلَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وهو ما وقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ وأمّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِداءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ.
الخامِسُ: أنَّ جابِرَ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِاجْتِهادِهِ ولَيْسَ هو مِن رِوايَتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُ هَذِهِ الأجْوِبَةِ الأوَّلُ والأخِيرُ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ فَأُدْغِمَ وهو عَلى الأصْلِ في حَرْفِ أُبِيٍّ مَن تَدَثَّرَ لَبِسَ الدِّثارَ بِكَسْرِ الدّالِ وهو ما فَوْقَ القَمِيصِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ ويُسَمّى شِعارًا لِاتِّصالِهِ بِالبَشَرَةِ والشَّعْرِ.
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اَلْأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» والتَّرْكِيبُ عَلى ما قِيلَ دائِرٌ مَعَ مَعْنى السَّتْرِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَأنَ الدِّثارَ سِتْرٌ بالِغٌ مَكْشُوفٌ نُودِيَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن صِفَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها تَأْنِيسًا لَهُ ومُلاطَفَةً كَما سَمِعْتَ في ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ وتَدَثُّرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا فَلَمّا أكَلُوا قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟
فاخْتَلَفُوا ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ أيْ كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ .
وقِيلَ المُرادُ بِالمُدَّثِّرِ المُتَدَثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ عَلى مَعْنى المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنِ بِآثارِها، وقِيلَ أُطْلِقَ ﴿ المُدَّثِّرُ ﴾ وأُرِيدَ بِهِ الغائِبُ عَنِ النَّظَرِ عَلى الِاسْتِعارَةِ والتَّشْبِيهِ فَهو نِداءٌ لَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ في غارِ حِراءَ.
وقِيلَ: الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالمُدَّثِّرِ وكَذا بِالمُزَّمِّلِ الكِنايَةُ عَنِ المُسْتَرِيحِ الفارِغِ لِأنَّهُ في أوَّلِ البِعْثَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَضى زَمَنُ الرّاحَةِ وجاءَتْكَ المَتاعِبُ مِنَ التَّكالِيفِ وهِدايَةُ النّاسِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ وأمْرَ التَّلْطِيفِ عَلى حالِهِ.
وقالَ بَعْضُ السّادَةِ أيْ يا أيُّها السّاتِرُ لِلْحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِدِثارِ الصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ أوْ يا أيُّها الغائِبُ عَنْ أنْظارِ الخَلِيقَةِ فَلا يَعْرِفُكَ سِوى اللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ، والكُلُّ إشارَةٌ إلى ما قالُوا في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أنَّها حَقِيقَةُ الحَقائِقِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلى كُنْهِها أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ وعَلى لِسانِها قالَ مَن قالَ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وأنَّها التَّعَيُّنُ الأوَّلُ وخازِنُ السِّرِّ المُقْفَلِ وأنَّها وأنَّها إلى أُمُورٍ هَيْهاتَ أنْ يَكُونَ لِلْعَقْلِ إلَيْها مُنْتَهى.
أعْيا الوَرى فَهم مَعْناهُ فَلَيْسَ يَرى ∗∗∗ في القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ غَيْرُ مُنْفَحِمِ كالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِن بُعْدٍ ∗∗∗ صَغِيرَةً وتَكِلُ الطَّرْفَ مِن أمَمِ وكَيْفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيا حَقِيقَتَهُ ∗∗∗ قَوْمٌ نِيامٌ تَسَلُوا عَنْهُ بِالحُلْمِ فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أنَّهُ بَشَرٌ ∗∗∗ وأنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ المُدَثِّرُ بِتَخْفِيفِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الثّاءِ المَكْسُورَةِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ وعَنْهُ أيْضًا المُدَثِّرُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ وقالَ دَثَّرْتَ هَذا الأمْرَ وعَصَبَ بِكَ أيْ شَدَّ والمَعْنى أنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالعَظائِمُ بِهِ مَنُوطَةٌ وأُمُورُ حَلِّها وعَقْدِها بِهِ مَرْبُوطَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ يا مَن تُوقَفُ أُمُورُ النّاسِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ وسِيلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُمْ ﴾ مِن مَضْجَعِكَ أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانٍ عَلى هَذا المَعْنى مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ كَقَوْلِهِمْ: قامَ زَيْدٌ يَفْعَلُ كَذا وقَوْلُهُ: عَلامَ قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ وقامَ بِهَذا المَعْنى مِن أخَواتٍ كادَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى بَعْدَهُ هُنا لِأنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ ووُرُودُ الأمْرِ مِنهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَعَ احْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ فِيهِ وكُلُّهُ تَعَسُّفٌ ﴿ فَأنْذِرْ ﴾ أيْ فافْعَلِ الإنْذارَ أوْ أحْدِثْهُ فَلا يُقْصَدُ مُنْذِرٌ مَخْصُوصٌ، وقِيلَ يُقَدَّرُ المَفْعُولُ خاصًّا أيْ فَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ لِمُناسَبَتِهِ لِابْتِداءِ الدَّعْوَةِ في الواقِعِ، وقِيلَ يُقَدَّرُ عامًّا أيْ فَأنْذِرْ جَمِيعَ النّاسِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ هُنا وبَشِّرْ لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ والإنْذارُ هو الغالِبُ إذْ ذاكَ أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ وفي هَذا الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ النِّداءِ إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ السّادَةِ إلى مَقامِ الجِلْوَةِ بَعْدَ الخَلْوَةِ.
قالُوا: وإلَيْهِما الإشارَةُ أيْضًا في حَدِيثِ: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ» إلَخِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ وهو وصْفُهُ تَعالى بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ اعْتِقادًا وقَوْلًا.
ويُرْوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «اَللَّهُ أكْبَرُ» فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ» وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ والأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ غَنِيٌّ عَنِ الِاسْتِدْلالِ وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَكْبِيرِ الصَّلاةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إذا دَخَلْنا في الصَّلاةِ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَفْتَحَ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ حَيْثُ لا صَلاةَ أصْلًا فَهَذا الخَبَرُ إنْ صَحَّ مُؤَوَّلٌ والفاءُ هُنا وفِيما بَعْدُ لِإفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ أيْ أيُّ شَيْءِ حَدَثَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فالفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي لِكَوْنِها عَلى ما قِيلَ مُزَحْلَقَةٌ لا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وقِيلَ إنَّها دَخَلَتْ في كَلامِهِمْ عَلى تَوَهُّمِ شَرْطٍ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلَمْ يَمْتَنِعْ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ في ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأمْرِ السّابِقِ مُقَدَّمَةً عَلى سائِرِ الجُمَلِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّكَبُّرِ وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنَ الأمْرِ بِالقِيامِ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ ويُنَزِّهَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ والكَلامُ عَلَيْهِ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَذَلِكَ مُسارَعَةٌ لِتَشْجِيعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّ نَواصِي الخَلائِقِ بِيَدِهِ تَعالى وكُلَّ ما سِواهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ كِبْرِيائِهِ تَعالى وعَظَّمَتِهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُرْهَبَ ( إلّا ) مِنهُ ولا يُرْغَبَ ( إلّا ) فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ فَلا يَصُدَّنَكَ شَيْءٌ عَنِ الإنْذارِ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ تَطْهِيرُ الثِّيابِ كِنايَةٌ عَنْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَمّا تُذَمُّ بِهِ مِنَ الأفْعالِ وتَهْذِيبُها عَمّا يُسْتَهْجَنُ مِنَ الأحْوالِ لِأنَّ مَن لا يَرْضى بِنَجاسَةٍ ما يَماسُّهُ كَيْفَ يَرْضى بِنَجاسَةِ نَفْسِهِ يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الثِّيابِ نَقِيُّ الذَّيْلِ والأرْدانِ إذا وُصِفَ بِالنَّقاءِ مِنَ المَعايِبِ ومَدانِسِ الأخْلاقِ، ويُقالُ: فُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ وكَذا دَسِمُ الثِّيابِ لِلْغادِرِ ولِمَن قَبُحَ فِعْلُهُ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ويَحْيى ما يُلامُ بِسُوءِ خُلُقٍ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرٌّ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: = لا هم إنَّ عامِرَ بْنَ جَهْمٍ ∗∗∗ أوْ ذَمَّ حَجًّا في ثِيابِ دَسِمِ وكَلِماتُ جُمْهُورِ السَّلَفِ دائِرَةٌ عَلى نَحْوِ هَذا المَعْنى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها يَقُولُ طَهِّرْها مِنَ المَعاصِي وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ إذا نَكَثَ الرَّجُلُ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ قالُوا إنَّ فُلانًا لِدَنَسُ الثِّيابِ وإذا وفى وأصْلَحَ قالُوا: إنَّ فُلانًا لِطاهِرُ الثِّيابِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قالَ فِيها عَنى نَفْسَهُ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ ونَحْوَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ والسُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ هو أيْضًا وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ﴿ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ أيْ مِنَ الإثْمِ.
وفي رِوايَةٍ مِنَ الغَدْرِ أيْ لا تَكُنْ غَدّارًا وفي رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فَقالَ لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ ولا فَجَرَةَ ثُمَّ قالَ ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غِيلانَ بْنِ سَلَمَةَ: فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ونَحْوَهُ عَنِ الضِّحاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَنِ الحَسَنِ والقُرْطُبِيِّ أيْ وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ، وأنْشَدُوا لِلْكِنايَةِ عَنِ النَّفْسِ بِالثِّيابِ قَوْلَ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَنّى بِالثِّيابِ عَنِ القَلْبِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ وقِيلَ كَنّى بِها عَنِ الجِسْمِ كَما في قَوْلِ لَيْلى وقَدْ ذَكَرَتْ إبِلًا رَكِبَها قَوْمٌ وذَهَبُوا بِها: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا نَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا ( إلّا ) النَّعامَ المُنَفَّرا وطَهارَةُ الجِسْمِ قَدْ يُرادُ بِها أيْضًا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
ومُناسِبَةُ هَذِهِ المَعانِي لِمَقامِ الدَّعْوَةِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ وقِيلَ عَلى كَوْنِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ كِنايَةً عَمّا مَرَّ يَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ بَعْدَ الأمْرِ بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ المُوجِبَةِ لِقَبُولِ الإنْذارِ بَعْدَ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَخْصِيصِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي رُبَّما يُوهِمُ إباءَهُ خَفْضَ الجَناحِ لِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ واقْتِضاءَهُ عَدَمَ المُبالاةِ والِاكْتِراثِ بِمَن كانَ فَضْلًا عَنْ أعْداءِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا فَكانَ ذِكْرُهُ لِدَفْعِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ، وقِيلَ عَلى تَفْسِيرِ المُدَّثِّرِ بِالتَّدَثُّرِ بِالنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ المَعْنى طُهْرُ دِثاراتِ النُّبُوَّةِ وآثارِها وأنْوارِها السّاطِعَةِ مِن مِشْكاةِ ذاتِكِ عَمّا يُدَنِّسُها مِنَ الحِقْدِ والضَّجَرِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ الثِّيابُ كِنايَةٌ عَنِ النِّساءِ كَما قالَ تَعالى ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ﴾ وتَطْهِيرُهُنَّ مِنَ الخَطايا والمَعايِبِ بِالوَعْظِ والتَّأْدِيبِ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ .
وقِيلَ تَطْهِيرُهُنَّ اخْتِيارُ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ مِنهُنَّ وقِيلَ وطْؤُهُنَّ في القُبُلِ لا في الدُّبُرِ وفي الطُّهْرِ لا في الحَيْضِ حَكاهُ ابْنُ بَحَرٍ وأصْلُ القَوْلِ فِيما أرى بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ ثُمَّ رَأيْتُ الفَخْرَ صَرَّحَ بِذَلِكَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الثِّيابَ عَلى حَقِيقَتِها فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أيِ اغْسِلْها بِالماءِ إنْ كانَتْ مُتَنَجِّسَةً ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَّجاسَةِ مِن ثِيابِ المُصَلِّي وأُمِرَ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مُخالَفَةً لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهم ما كانُوا يَصُونُونَ ثِيابَهم عَنِ النَّجاساتِ.
وقِيلَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ سَلا شاةٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إلى بَيْتِهِ حَزِينًا فَتَدَثَّرَ فَقِيلَ لَهُ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ولا تَمْنَعَنَّكَ تِلْكَ السَّفاهَةُ عَنِ الإنْذارِ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ عَنْ أنْ لا يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ عَنْ تِلْكَ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وإرادَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ النَّجاسَةِ لِلصَّلاةِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ قِصَّةٍ قِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُناسِبُ الجُمْلَةَ عَلَيْها ما قَبْلَها ( إلّا ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّكْبِيرِ التَّكْبِيرُ لِلصَّلاةِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ الثِّيابَ بِالجِسْمِ جَوَّزَ إبْقاءَ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وقالَ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّنْظِيفِ وقْتَ الِاسْتِنْجاءِ لِأنَّ العَرَبَ ما كانُوا يُنَظِّفُونَ أجْسامَهم أيْضًا عَنِ النَّجاسَةِ وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يَبُولُ عَلى عَقِبِهِ وقالَ بَعْضٌ الأمْرُ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ فَإنَّ تَطْهِيرَ ما لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الثِّيابِ واجِبٌ في الصَّلاةِ ومَحْبُوبٌ في غَيْرِها، وقِيلَ تَطْهِيرُها تَقْصِيرُها وهو أيْضًا أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَفْضِ عاداتِ العَرَبِ المَذْمُومَةِ فَقَدْ كانَتْ عادَتُهم تَطْوِيلَ الثِّيابِ وجَرَّهُمُ الذُّيُولَ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّكَبُّرِ قالَ الشّاعِرُ: ثُمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ∗∗∗ يُلَحِّفُونَ الأرْضَ هِدابَ الأُزُرِ وفِي الحَدِيثِ: «أزِرَّةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ ولا جُناحَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ وما كانَ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ فَفي النّارِ» .
واسْتِعْمالُ التَّطْهِيرِ في التَّقْصِيرِ مَجازٌ لِلُزُومِهِ لَهُ فَكَثِيرًا ما يُفْضِي تَطْوِيلُها إلى جَرِّ ذُيُولِها عَلى القاذُوراتِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ التَّقْصِيرَ بَعْدَ إرادَتِهِ مِنَ التَّطْهِيرِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ ويَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا لَهُ بِالتَّواضُعِ والمُداوَمَةِ عَلى تَرْكِ جَرِّ ذُيُولِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ بَعْدَ أمْرِهِ بِتَخْصِيصِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ بِهِ تَعالى قَوْلًا واعْتِقادًا فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ وأنْتَ لا تَتَكَبَّرُ لِيَتَسَنّى لَكَ أمْرُ الإنْذارِ وبَعْضُ مَن يَرى جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ التَّطْهِيرَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أعْنِي التَّقْصِيرَ، والتَّوَصُّلُ إلى إرادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن لا يَرى جَوازَ الجَمْعِ سَهْلٌ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّطْهِيرِ إزالَةُ ما يُسْتَقْذَرُ مُطْلَقًا سَواءٌ النَّجِسُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ المُسْتَقْذَرِ الطّاهِرِ ومِنهُ الأوْساخُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِتَنْظِيفِ ثِيابِهِ وإزالَةِ ما يَكُونُ فِيها مِن وسَخٍ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ فَإنَّهُ مُنَفِّرٌ لا يَلِيقُ بِمَقامِ البِعْثَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذا بِالأوْلى تَنْظِيفَ البَدَنِ مِن ذَلِكَ ولِذا أنَظَفُ النّاسِ ثَوْبًا وبَدَنًا ورُبَّما يُقالُ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ بِالأوْلى أيْضًا الأمْرَ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ المُنَفِّرِ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ كالفُحْشِ والفَظاظَةِ والغِلْظَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ قالَ القَتِبِيُّ ( الرُّجْزَ ) العَذابَ وأصْلُهُ الِاضْطِرابُ وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ المُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَآثِمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ المَآثِمَ والمَعاصِيَ المُؤَدِّيانِ إلى العَذابِ أوِ الكَلامِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أسْبابِ الرُّجْزِ أوِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ عَلى ما قِيلَ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ( الرُّجْزَ ) السُّخْطَ وفَسَّرَ الحَسَنُ ( الرُّجْزَ ) بِالمَعْصِيَةِ والنَّخْعِ بِالإثْمِ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ.
ولَمّا كانَ المُطالِبُ بِهَذا الأمْرِ هو النَّبِيُّ وهو البَرِيءُ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي.
أوِ المُرادُ الدَّوْرُ والثِّيابُ عَلى هَجْرِ ذَلِكَ وقِيلَ الرُّجْزُ اسْمٌ لِصَنَمَيْنِ إسافٍ ونائِلَةَ وقِيلَ لِلْأصْنامِ عُمُومًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والكَلامُ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.
وقِيلَ ( الرُّجْزَ ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ والرُّجْزَ فاهْجُرْ كَلامٌ جامِعٌ في مَكارِمِ الأخْلاقِ كَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ الجَفاءَ والسَّفَهَ وكُلَّ شَيْءٍ يُقَبَّحُ ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الباطِنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ .
وقَرَأ الأكْثَرُونَ «( الرِّجْز)» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ ومَعْنى المَكْسُورِ والمَضْمُومِ واحِدٌ عِنْدَ جَمْعٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَضْمُومَ بِمَعْنى الصَّنَمِ والمَكْسُورَ بِمَعْنى العَذابِ.
وقِيلَ المَكْسُورُ النَّقائِصُ والفُجُورُ ذُو المَضْمُومِ إسافٌ ونائِلُ وفي كِتابِ الخَلِيلِ «( الرُّجْز)» بِضَمِّ الرّاءِ عِبادَةُ الأوْثانِ وبِكَسْرِها العَذابُ.
ومِن كَلامِ السّادَةِ أيِ الدُّنْيا فاتْرُكْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ الصَّنَمُ والدُّنْيا مِن أعْظَمِ الأصْنامِ الَّتِي حُبُّها بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ مَوْلاهُ وعَبَدَتُها أكْثَرُ مِن عَبَدَتِها فَإنَّها تُعْبَدُ في البِيَعِ والكَنائِسِ والصَّوامِعِ والمَساجِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ أوْ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ القَبِيحُ المُسْتَقْذَرُ والدُّنْيا عِنْدَ العارِفِ في غايَةِ القُبْحِ والقَذارَةِ فَعَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ في يَدِ مَجْذُومٍ وقالَ الشّافِعِيُّ: وما هي ( إلّا ) جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذابُها فَإنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لِأهْلِها ∗∗∗ وإنْ تَجْتَذِبْها نازَعَتْكَ كِلابُها ويُقالُ كُلُّ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو رِجْزٌ يَجِبُ عَلى طالِبِ اللَّهِ تَعالى هَجْرُهُ إذْ بِهَذا الهَجْرِ يَنالُ الوِصالَ وبِذَلِكَ القَطْعِ يَحْصُلُ الِاتِّصالُ ومِن أعْظَمِ لاهٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى النَّفْسُ، ومِن هُنا قِيلَ أيْ نَفْسَكَ فَخالِفْها والكَلامُ في كُلِّ ذَلِكَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي.
أوِ القَصْدُ فِيهِ إلى الدَّوامِ والثِّيابُ كَما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ أيْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ طالِبًا لِلْكَثِيرِ مِمَّنْ تُعْطِيهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَهو نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِغْزارِ وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا وهو يَطْمَعُ أنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ أكْثَرَ مِنَ المَوْهُوبِ وهَذا جائِزٌ.
ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلى شُرَيْحٍ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ وإلّا صَحَّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وأنَّهُ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى اخْتارَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلَ الصِّفاتِ وأشْرَفَ الأخْلاقِ فامْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَهَبَ لِعِوَضٍ أكْثَرَ وقِيلَ هو نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلْكُلِّ أوْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا فالسِّينُ لِلْوِجْدانِ لا لِلطَّلَبِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ الظّاهِرِ والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ نَوْعُ إعْجابٍ وفِيهِ بُخْلٌ خَفِيٌّ.
وعَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ: لا ﴿ تَمْنُنْ ﴾ بِحَسَناتِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَكْثِرًا لَها أيْ رائِيًا إيّاها كَثِيرَةً فَتَنْقُصُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّ مِنِ اسْتِكْثارِ الحَسَناتِ بَعْضُ السّادَةِ رُؤْيَةَ أنَّها حَسَناتٌ وعَدَمَ خَشْيَةِ الرَّدِّ والغَفْلَةِ عَنْ كَوْنِها مِنهُ تَعالى حَقِيقَةً.
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ لا تَمْنُنْ بِما أعْطاكَ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ مُسْتَكْثِرًا بِهِ أيْ طالِبًا كَثِيرَ الأجْرِ مِنَ النّاسِ وعَنْ مُجاهِدٍ لا تَضْعُفْ عَنْ عَمَلِكَ مُسْتَكْثِرًا لِطاعَتِكَ فَتَمْنُنْ مِن قَوْلِهِمْ حَبْلٌ مَنِينٌ أيْ ضَعِيفٌ، ويَتَضَمَّنُ هَذا المَعْنى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ لا تَقُلْ قَدْ دَعَوْتُهم فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي عُدْ فادْعُهم.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «تَسْتَكْثِرْ» بِسُكُونِ الرّاءِ وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ جَزْمٌ والفِعْلُ بَدَلٌ مِن ﴿ تَمْنُنْ ﴾ المَجْزُومِ بِلا النّاهِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ولا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ لِأنَّ مِن شَأْنِ المانِّ بِما يُعْطِي أنْ يَسْتَكْثِرَهُ أيْ يَراهُ كَثِيرًا ويَعْتَدُّ بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى دُعاءِ الِاتِّحادِ.
وفِي الكَشْفِ الإبْدالُ مِن ﴿ تَمْنُنْ ﴾ عَلى أنَّ المَنَّ هو الِاعْتِدادُ بِما أعْطى لا الإعْطاءُ نَفْسُهُ فِيهِ لَطِيفَةٌ لِأنَّ الِاسْتِكْثارَ مُقَدِّمَةُ المَنِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَكْثِرْ فَضْلًا عَنِ المَنِّ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سُكُونَ وقْفٍ حَقِيقَةً أوْ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ أوْ سُكُونَ تَخْفِيفٍ عَلى أنْ شَبَّهَ ثِرْ و=بِعَضُدٍ فَسَكَّنَ الرّاءَ الواقِعَةَ بَيْنَ الثّاءِ وواوِ ﴿ ولِرَبِّكَ ﴾ كَما سَكَنَتِ الضّادُ ولَيْسَ بِذاكَ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْمَشُ «تَسْتَكْثِرَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنَّ كَقَوْلِهِمْ مُرْهُ يَحْفِرَها أيْ أنَّ يَحْفِرَها وقَوْلُهُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيَ احْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي فِي رِوايَةٍ نَصَبَ أحْضَرَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْ تَسْتَكْثِرَ» بِإظْهارِ أنْ فالمَنُّ بِمَعْنى الإعْطاءِ والكَلامُ عَلى إرادَةِ التَّعْلِيلِ أيْ ولا تُعْطِ لِأجْلِ أنْ تَسْتَكْثِرَ أيْ تَطْلُبَ الكَثِيرَ مِمَّنْ تُعْطِيهِ وأيَّدَ بِهِ إرادَةَ المَعْنى الأوَّلِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تِلْكَ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ لِحَذْفِ أنْ وإبْطالِ عَمَلِها كَما رُوِيَ أحْضَرُ الوَغى بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ حالِيَّةً، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ إذْ لا يَجُوزُ ما ذَكَرَ ( إلّا ) في الشِّعْرِ ولَنا مَندُوحَةٌ عَنْهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْنى الحالِ، ورَدَّ بِأنَّ المُخالِفَ لِلْقِياسِ بَقاءُ عَمَلِها بَعْدَ حَذْفِها، وأمّا الحَذْفُ والرَّفْعُ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ وقَدْ أجازَهُ النُّحاةُ ومِنهُ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ قِيلَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ وقِيلَ عَلى أداءِ الفَرائِضِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ وفِيهِ بُعْدٌ إذْ لَمْ يَكُنْ جِهادٌ يَوْمَ نُزُولِها.
وعَنِ النَّخْعِيِّ عَلى عَطِيَّتِكَ كَأنَّهُ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ وجَعَلَهُ صَبْرًا عَلى العَطاءِ مِن غَيْرِ اسْتِكْثارٍ والوَجْهُ كَما قالَ جارُ اللَّهِ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِنَفْسِ الفِعْلِ والمَعْنى لِقَصْدِ جِهَتِهِ تَعالى وجانِبِهِ عَزَّ وجَلَّ فاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ فَيَتَناوَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ كُلَّ مَصْبُورٍ عَلَيْهِ ومَصْبُورٍ عَنْهُ ويُرادُ الصَّبْرُ عَلى أذى المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العامِّ لا لِأنَّهُ وحْدَهُ هو المُرادُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصَّبْرُ في القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ صَبْرٌ عَلى أداءِ الفَرائِضِ ولَهُ ثَلاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى ولَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَلى المَصائِبِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى ولَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ وذَلِكَ لِشَدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ وعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ ( إلّا ) بِمَزِيدِ اليَقِينِ ولِذَلِكَ قالَ : «أسْألُكَ مِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلِيَّ مَصائِبَ الدُّنْيا» وذَكَرُوا أنَّ لِلصَّبْرِ بِاعْتِبارِ حُكْمِهِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ فَرْضٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَحْظُوراتِ وعَلى أداءِ الواجِباتِ ونَفْلٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَكْرُوهاتِ والصَّبْرِ عَلى المَسْنُوناتِ ومَكْرُوهٌ كالصَّبْرِ عَنْ أداءِ المَسْنُوناتِ والصَّبْرِ عَلى فِعْلِ المَكْرُوهاتِ وحَرامٌ كالصَّبْرِ عَلى مَن يُقْصَدُ حَرِيمُهُ بِمُحَرَّمٍ وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ مَعَ القُدْرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفَضائِلُ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ المَحْمُودِ مِمّا لا تُحْصى.
ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وقَوْلُهُ : «قالَ اللَّهُ تَعالى إذا وجَّهْتُ إلى عَبْدٍ مِن عَبِيدِي مُصِيبَةً في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ أنْصِبَ لَهُ مِيزانًا أوْ أنْشُرَ لَهُ دِيوانًا» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا نُقِرَ ﴾ أيْ نُفِخَ ﴿ فِي النّاقُورِ ﴾ في الصُّورِ وهو فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُهُ ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ ولِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ وشاعَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ فالمَعْنى إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ والفاءُ في هَذا لِلْجَزاءِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ فَإذا نُقِرَ ﴾ وما فِيهِ مِنَ المَعْنى البُعْدُ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ لَفَظًا بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ.
( ويَوْمَئِذٍ ) قِيلَ بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ ﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَيَوْمُ النَّقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا لِ ﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ أيْ صِفَةً لَهُ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صارَ حالًا مِنهُ واَلَّذِي أجازَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى فَذَلِكَ وقْتَ النَّقْرِ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتِي ويَقَعُ حِينَ يُنْقَرُ في النّاقُورِ فَهو عَلى مِنوالِ زَمَنِ الرَّبِيعِ العِيدُ فِيهِ أيْ وُقُوعُ العِيدِ فِيهِ ومالَهُ فَذَلِكَ الوُقُوعُ وُقُوعُ يَوْمٍ إلَخْ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ أوْ مَعْمُولِ ما في صِلَتِهِ عَلى المَصْدَرِ إنَّ جَعْلَ ظَرْفِ الوُقُوعِ المُقَدَّرِ أوْ ظَرْفِ عَسِيرٍ والتَّصْرِيحَ بِلَفْظِ وُقُوعِ إبْرازٌ لِلْمَعْنى وتَفَصٍّ عَنْ جَعْلِ الزَّمانِ مَظْرُوفَ الزَّمانِ بِرُجُوعِهِ إلى الحَدَثِ فَتَدَبَّرْ وظاهِرُ صَنِيعِ الكَشّافِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ وكَذا كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ إذْ قَرَّرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وادَّعى فِيما سَبَقَ تَعَسُّفًا نَعَمْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَكُونَ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مَعْمُولَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ عَسِيرٌ ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِعَسِيرٍ أوْ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ فِيهِ.
وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿ يَسِيرٍ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ قَتادَةَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو مَمْنُوعٌ عَلى الصَّحِيحِ وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم في غَيْرٍ حَمْلًا لَها عَلى لا فَيَقُولُ أنا بِزَيْدٍ غَيْرُ راضٍ وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ إذا مُتَعَلِّقَةٌ بِإنْذارٍ والفاءُ زائِدَةٌ، وأرادَ أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنْذِرْ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْهم وقْتَ النَّقْرِ في النّاقُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَذَلِكَ ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وهو كَما تَرى.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ بِأنْ تَكُونَ «إذا» مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿ فَذَلِكَ ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ وجَعْلَ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظَرْفًا لِذَلِكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ كَلامُ أخْفَشَ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وهو إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ وهو العامِلُ في ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ و ﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والمُضافُ مُقَدَّرٌ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَقْرُ يَوْمٍ وفِيهِ تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ عُسْرَ اليَوْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ عَلَيْهِ، وظاهِرُ السِّياقِ قَصْدُهُ بِالإفادَةِ وجَعَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ ما اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ نَحْوَ: ««مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهَجَرَتْهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» إذْ جَعَلَ الإشارَةَ إلى وقْتِ النَّقْرِ وقالَ: إنَّ في ذَلِكَ مَعَ ضَمِّ التَّكْرِيرِ دَلالَةً عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الخَطْبِ الجَلِيلِ والأمْرِ العَظِيمِ وفِيهِ نَظَرٌ وفائِدَةٌ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ أيْ سَهْلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ عَسِيرٌ ﴾ تَأْكِيدُ عُسْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَهو يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلَيْهِمْ كَما هو يَسِيرٌ عَلى أضَّدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وزِيادَةِ غَيْظِهِمْ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَتِهِمْ ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى تَعَلُّقٍ عَلى الكافِرِينَ بِيَسِيرٍ، نَعَمُ الأمْرُ عَلَيْهِ أظْهَرُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَخْلُو قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الخَوْفِ.
أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والحاكِمُ عَنْ بِهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قالَ: أمَّنا زُرارَةُ بْنُ أوْفى فَقَرَأ المُدَّثِّرَ فَلَّما بَلَغَ ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ خَرَّ مَيِّتًا فَكُنْتُ فِيمَن حَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْتَمِعُ مَتّى يُؤْمَرُ.
قالُوا كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ وعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ يَوْمُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ورُجِّحَ أنَّهُ يَوْمُ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ عُسْرُهُ بِالكافِرِينَ، وأمّا وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَحُكْمُهُ الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ وهو عَلى المَشْهُورِ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِ النَّفْخَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ قِيلَ كَوْنُها فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهو يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً إذْ لَمْ يَكُنْ أمْرُ الوَلِيدِ وما اقْتَضى نُزُولَ الآيَةِ فِيهِ في بَدْءِ البِعْثَةِ فَلا تَغْفُلْ ( ووَحِيدًا ) حالٌ إمّا مِنَ الياءِ في ( ذَرْنِي ) وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَأنا أُغْنِيكَ في الِانْتِقامِ عَنْ كُلِّ مُنْتَقِمٍ أوْ مِنَ التّاءِ في ( خَلَقْتُ ) أيْ خَلْقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ فَأنا أُهْلِكُهُ لا أحْتاجُ إلى ناصِرٍ فِي إهْلاكِهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ( مَن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ومَن خَلَقْتُهُ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِأذَمَّ ونَحْوِهِ فَقَدْ كانَ الوَلِيدُ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِالوَحِيدِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِلَقَبِهِ أوْ صَرَفَهُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي كانُوا يَؤُمُّونَهُ مِن مَدْحِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ إلى جِهَةِ ذَمِّهِ وعَيْبِهِ فَأرادَ سُبْحانَهُ وحِيدًا في الخُبْثِ والشَّرارَةِ أوْ وحِيدًا عَنْ أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ دَعِيًّا لَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ لِلْمُغَيِّرَةِ حَقِيقَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ نُونٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ مَبْسُوطًا كَثِيرًا أوْ مَمْدُودًا بِالنِّساءِ مِن مَدَّ النَّهْرُ ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ وقِيلَ كانَ لَهُ الضَّرْعُ والزَّرْعُ والتِّجارَةُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو ما كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ مِنَ الإبِلِ والنِّعَمِ والجَنانِ والعَبِيدِ وقِيلَ كانَ لَهُ بُسْتانٌ بِالطّائِفِ لا تَنْقَطِعُ ثِمارُهُ صَيْفًا وشِتاءً.
وقالَ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ المالُ المَمْدُودُ هو الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ المُسْتَغِلُّ الَّذِي يَجْبِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ فَهو مَمْدُودٌ لا يَنْقَطِعُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كانَ لَهُ ألْفُ دِينارٍ.
وعَنْ قَتادَةَ سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ وقِيلَ تِسْعَةُ آلافِ دِينارٍ.
وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رِوايَتانِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ وألْفُ ألْفِ دِينارٍ وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ لَيْسَ المُرادُ بِها تَعْيِينَ المالِ المَمْدُودِ وأنَّهُ مَتى أُطْلِقَ يُرادُ بِهِ ذَلِكَ بَلْ بَيانُ أنَّهُ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُحَدِّثِ عَنْهُ كَذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وبَنِينَ شُهُودًا ﴾ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِمُشاهَدَتِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ لِلتَّصَرُّفِ في عَمَلٍ أوْ تِجارَةٍ لِكَوْنِهِمْ مَكْفِيِّينَ لِوُفُورِ نِعَمِهِمْ وكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ أوْ حُضُورًا في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ لِوَجاهَتِهِمْ واعْتِبارِهِمْ أوْ تُسْمَعُ شَهاداتُهم فِيما يُتَحاكَمُ فِيهِ واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم عَشْرَةٌ وقِيلَ ثَلاثَةَ عَشَرَ وقِيلَ سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وخالِدٌ وهِشامٌ وقَدْ أسْلَمَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ والعاصُ وقَيْسٌ وعَبْدُ شَمْسٍ وعِمارَةُ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ أنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ قَتَلَهُ النَّجاشِيُّ لِجِنايَةٍ نُسِبَتْ إلَيْهِ في حَرَمِ المَلِكِ والرِّوايَتانِ مُتَّفِقَتانِ عَلى أنَّهُ قُتِلَ كافِرًا ورِوايَةُ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ مُقاتِلٍ إسْلامُهُ لا تَصِحُّ ونَصَّ ابْنُ حَجَرٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ وقَدْ وقَعَ في هَذا الغَلَطِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ فِيهِ مَن تَبِعَهُ، والعَجَبُ أيْضًا أنَّهم لَنْ يَذْكُرُوا الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ فِيمَن أسْلَمَ مَعَ أنَّ المُحَدِّثِينَ عَنْ آخِرِهِمْ أطْبَقُوا عَلى إسْلامِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ بَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضَ فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ الجاهِ والمالِ واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، وأصْلُ التَّمْهِيدِ التَّسْوِيَةُ والتَّهْيِئَةُ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ بَسْطَةِ المالِ والجاهِ وكانَ لِكَثْرَةِ غِناهُ ونَضارَةِ حالِهِ الرّائِقَةِ في الأعْيُنِ مَنظَرًا ومَخْبَرًا يُلَقَّبُ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ.
وكَذا كانُوا يُلَقِّبُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ بِمَعْنى المُنْفَرِدِ بِاسْتِحْقاقِ الرِّياسَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَّعْتُ لَهُ ما بَيْنَ اليَمَنِ إلى الشّامِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ مَهَّدْتُ لَهُ المالَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ عَلى ما أدَّيْتُهُ وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ إمّا لِأنَّهُ في غِنًى تامٍّ لا مَزِيدَ عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانِدَةِ المُنَعِمِ.
وعَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ ( إلّا ) لِي واسْتِعْمالُ ﴿ ثُمَّ ﴾ لِلِاسْتِبْعادِ كَثِيرٌ قِيلَ وهو غَيْرُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَلْ عَدُّ الشَّيْءِ بَعِيدًا غَيْرُ مُناسِبٍ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ تُسِيءُ إلَيَّ ثُمَّ تَرْجُو إحْسانِي.
وكانَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا لِتَعْلِيلِ ما قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ زُجِرَ عَنْ طَلَبِ المَزِيدِ وما وجْهُ عَدَمِ لِياقَتِهِ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِآياتِ المُنْعِمِ وهي دَلائِلُ تَوْحِيدِهِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ حَيْثُ قالَ فِيها ما قالَ والمُعانَدَةُ تُناسِبُ الإزالَةَ وتَمْنَعُ مِنَ الزِّيادَةِ قالَ مُقاتِلٌ: ما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نَقْصٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ المَصائِبِ وأنْواعِ المَشاقِّ بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ في الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاقَّةِ وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «اَلصُّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا» وعَنْهُ : «يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ عَلَيْها يَدَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ واسْتِحْقاقِهِ لَهُ أوْ بَيانٌ لِعِنادِهِ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِذَلِكَ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وقِيلَ الجُمْلَةُ عَلَيْهِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ أيْ إنَّهُ فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في شَأْنِ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحْزُو رَمْيُهُ الغَرَضَ الَّذِي كانَ يُنْتِجُهُ قُرَيْشٌ فَهو نَظِيرُ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ تَهَكُّمًا عَلى نَحْوِ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ أوْ حِكايَةٌ لِما كَرَّرُوهُ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ عِنْدَ سَماعِ كَلِمَتِهِ الحَمْقاءِ فالعَرَبُ تَقُولُ قَتْلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ يُرِيدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ وما لَهُ عَلى ما قِيلَ إلى الأوَّلِ وإنِ اخْتَلَفَ الوَجْهُ رُوِيَ «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوَّمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا فَيُعْطُوكَهُ فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُصِيبَ مِمّا عِنْدَهُ قالَ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا قالَ فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكٌ مُنْكِرٌ لَهُ وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ قالَ وماذا أقُولُ فَوَ اللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ واَللَّهِ ما يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى وإنَّهُ لِيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ قالَ: دَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما هو ( إلّا ) سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَعَجِبُوا بِذَلِكَ» .
وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ «لَما نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ المَصِيرُ ﴾ قامَ النَّبِيُّ في المَسْجِدِ والوَلِيدُ قَرِيبٌ مِنهُ يَسْمَعُ قِراءَتَهُ، فَلَمّا فَطِنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِاسْتِماعِهِ أعادَ القِراءَةَ فانْطَلَقَ الوَلِيدُ إلى مَجْلِسِ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ فَقالَ: واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ إنَّ لَهُ لِحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ.
وإنَّهُ لِيَعْلُو وما يُعْلى.
فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ واَللَّهِ الوَلِيدُ واَللَّهِ لِتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّهم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ فَقَعَدَ إلَيْهِ حَزِينًا وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ فَقامَ فَأتاهم فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يُخْنَقُ، وتَقُولُونَ إنَّهُ كاهِنٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ قَطُّ يَتَكَهَّنُ، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟
فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ اللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا فَما هُوَ؟
فَفَكَّرَ فَقالَ: ما هو ( إلّا ) ساحِرٌ أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ ومَوالِيهِ وما الَّذِي يَقُولُهُ ( إلّا ) سِحْرٌ يَأْثُرُهُ عَنْ مُسَيْلَمَةَ وعَنْ أهْلِ بابِلَ فارْتَجَّ النّادِي فَرَحًا وتَفَرَّقُوا مُعْجَبِينَ بِقَوْلِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ كَما هو مُعْتادٌ مِن أُعْجِبَ غايَةَ الإعْجابِ والعَطْفُ بِ ﴿ ثُمَّ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ وإنَّ الثّانِيَةَ أبْلَغُ مِنَ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ، ولِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ ونَحْوُهُ ما في قَوْلِهِ: ومالِي مِن ذَنْبِ إلَيْهِمْ عَلِمْتُهُ سِوى أنَّنِي قَدْ قُلْتُ يا سَرْحَةُ اسْلَمِي ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ∗∗∗ ثَلاثُ تَحِيّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِي والإطْراءُ في الإعْجابِ بِتَقْدِيرِهِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِ وبِمَن فَرِحَ بِمَحْصُولِ تَفْكِيرِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ: كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لَمّا سُئِلَ عَنِ النَّبِيِّ قَدَّرَ ما أتى بِهِ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: إنْ قُلْنا شاعِرٌ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا عَرَضَتْ ما أتى بِهِ عَلى الشِّعْرِ وكانَ يَقْصِدُ بِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ الِاحْتِيالِ فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ تَقْدِيرٍ مُسْتَحِقًّا لِعُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى هي كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فالأوَّلُ لِتَقْدِيرِهِ عَلى الشِّعْرِ أيْ أُهْلِكَ إهْلاكَ المَقْتُولِ كَيْفَ قَدَّرَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ لِتَقْدِيرِهِ الآخَرِ فَإنَّهُ قَدَّرَ أيْضًا.
وقالَ: فَإنِ ادَّعَيْنا أنَّ ما أتى بِهِ مِن كَلامِ الكَهَنَةِ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا رَأوْا هَذا الكَلامَ مُخالِفًا لِكَلامِ الكُهّانِ فَهو في تَقْدِيرِهِ لَهُ عَلى كَلامِ الكَهَنَةِ مُسْتَحَقٌّ مِنَ العُقُوبَةِ لِما هُوَ كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فَجاءَ ذَلِكَ لِهَذا فَلَمْ يَكُنْ في الإعادَةِ تَكْرارٌ والأوَّلُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ وجَعَلَ الدُّعاءَ اعْتِراضًا وقالَ عَلَيْهِ الطِّيبِي إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِاعْتِراضِ المُتَعارَفِ الَّذِي يَنْحَلُّ لِتَزْيِينِ الكَلامِ وتَقْرِيرِهِ لِأنَّ الفاءَ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ بَلْ هو مِن كَلامِ الغَيْرِ ووَقَعَ الفاءُ في تَضاعِيفِ كَلامِهِ فَأدْخَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَسِّفٌ وإنَّما سَلَكَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ الدُّعاءَيْنِ مِن كَلامِ الغَيْرِ وأمّا إذا جُعِلا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى اسْتِهْزاءً كَما ذَكَرَ هو أوْ دُعاءً عَلَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ الواحِدِيِّ عَلى ما قالَ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ النَّظْمِ ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ ﴾ أيْ عُذِّبَ ولُعِنَ ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ كَما يُقالُ لَأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ أيْ عَلى أيْ حالٍ كانَتْ مِنهُ لِتَكُونَ الأفْعالُ كُلُّها مُتَناسِقَةً مُرَتَّبَةً عَلى التَّفاوُتِ في التَّعْقِيبِ والتَّراخِي زَمانًا ورُتْبَةً كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ كانَ أحْسَنَ وجاءَ النَّظْمُ عَلى السَّنَنِ المَأْلُوفِ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى آخَرِ ما قالَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى والِاعْتِراضُ مِنَ المُتَعارَفِ وهو يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ أحْسَنَ تَأْكِيدٍ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جارُ اللَّهِ وغَيْرُهُ وجَعَلَ مِنَ الِاعْتِراضِ المَقْرُونِ بِها ( فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ) [اَلنَّحْلِ: 43، الأنْبِياءِ: 7] ومِنهُ قَوْلُهُ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قَدَّرا وقَدْ حَقَّقَ أنَّهُ بِالحَقِيقَةِ نَتِيجَةٌ وقَعَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها فَأفادَتْ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ وعُدَّتْ مِنهُ، والِاعْتِراضُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ لِلْعَطْفِ ( وثُمَّ ) فِيهِ وفِيما بَعْدُ عَلى مَعْناها الوَضْعِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ مَعَ مُهْلَةٍ أيْ ثُمَّ فَكَّرَ في أمْرِ القُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿ ثُمَّ عَبَسَ ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَطْعَنًا وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ وقِيلَ ثُمَّ نَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ وقِيلَ نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وبَسَرَ ﴾ أيْ أظْهَرَ العَبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فالبُسْرُ الِاسْتِعْجالُ بِالشَّيْءِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ لِحاجَةٍ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها وبَسَرَ الفَحْلُ النّاقَةَ ضَرَبَها قَبْلَ أنْ تَطْلُبَ وماءٌ بَسْرٌ مُتَناوَلٌ مِن غَدِيرِهِ قَبْلَ سُكُونِهِ وقِيلَ لِلْجُبْنِ الَّذِي يَنْكَأُ قَبْلَ النُّضْجِ بَسْرٌ ومِنهُ قِيلَ لَمّا لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الثَّمَرِ بَسَرَ، وبِهَذا فَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأشَدِّ العُبُوسِ مِن بَسَرَ إذا قَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَراهَةً لِلشَّيْءِ واسْوَدَّ وجْهُهُ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى العُبُوسِ ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ: قَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها وقَوْلُ سَعْدٍ لَمّا أسْلَمْتُ راغَمَتْنِي أُمِّي فَكانَتْ تَلْقانِي مَرَّةً بِالبِشْرِ ومَرَّةً بِالبُسْرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ( بَسَرَ ) كالتَّأْكِيدِ لِـ ﴿ عَبَسَ ﴾ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ اتِّباعٌ لَهُ وأهْلُ اليَمِينِ يَقُولُونَ بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ إذا وقَفَ ولَمْ أرَ مَن جَوَّزَ إرادَةَ ذاكَ هُنا ولَوْ عَلى بُعْدٍ وفي النَّفْسِ مِن ثُبُوتِ ذَلِكَ لُغَةً صَحِيحَةً تَوَقُّفٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿ فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ أيْ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ مِن سَحَرَةِ بابِلَ ونَحْوِهِمْ، وقِيلَ أيْ يُخْتارُ ويُرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ السِّحْرِ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَمْقاءَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ فَهي لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا مُخالَفَةٍ فِيهِ لِما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ كالتَّأكُّدِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما نَفِيُ كَوْنِهِ قُرْآنًا ومِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وإنِ اخْتَلَفا مَعْنًى ولِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ في المَقْصُودِ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْها وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ التَّأْكِيدَ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ والأمْرُ سَهْلٌ وفي وصْفِ أشْكالِهِ الَّتِي تَشَكَّلَ بِها حَتّى اسْتَنْبَطَ هَذا القَوْلَ السَّخِيفَ اسْتِهْزاءً بِهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ عَنِ الحَقِّ الأبْلَجِ بِمَعْزِلٍ ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن تَتَبُّعِ أحْوالِ الوَلِيدِ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ عِنادًا وحَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لا جَهْلًا بِحَقِيقَةِ الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ سَأُرْهِقُهُ ﴾ إلَخِ بَدَلُ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِ السَّقَرِ عَلى الشَّدائِدِ وعَلى الجَبَلِ مِنَ النّارِ، والوَصْفُ الآتِي لا يُنافِي الإبْدالَ عَلى إرادَةِ الجَبَلِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ نَحْوُ ما في الحَدِيثِ وقالَ أبُو حَيّانٍ: يَظْهَرُ أنَّهُما جُمْلَتانِ اعْتَقَبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ تَوَعُّدِ العِصْيانِ الَّذِي قَبْلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فَتَوَعَّدَ عَلى كَوْنِهِ عَنِيدًا لِآياتِ اللَّهِ تَعالى بِإرْهاقِ صَعُودٍ وعَلى قَوْلِهِ إنَّ القُرْآنَ سِحْرٌ يُؤْثَرُ بِإصْلاءِ سَقَرَ وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما سَقَرُ عَلى أنَّ ما الأُولى مُبْتَدَأٌ ( وأدْراكَ )خَبَرُهُ وما الثّانِيَةُ خَبَرٌ لِأنَّها مُفِيدَةٌ لِما قَصَدَ إفادَتَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ ( وسَقَرُ ) مُبْتَدَأٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ هي في وصْفِها فَإنَّ ما قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ وإنْ كانَ الغالِبُ أنْ يُطْلَبَ بِها الِاسْمُ والحَقِيقَةُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لا ﴿ تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ بَيانٌ لِوَصْفِها وحالِها فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقِيلَ حالٌ مِن ﴿ سَقَرَ ﴾ والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمِ أيْ أعْظَمَ سَقَرَ وأهْوَلَ أمْرَها حالُ كَوْنِها لا ﴿ تُبْقِي ﴾ إلَخِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْ لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ وإذا هَلَكَ لِمَ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لا ﴿ تُبْقِي ﴾ إذا أخَذَتْ فِيهِمْ لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الضَّحاكِ بِزِيادَةِ ولِكُلِّ شَيْءٍ فَتْرَةٌ ومَلالَةٌ ( إلّا ) جَهَنَّمَ.
وقِيلَ لا ﴿ تُبْقِي ﴾ عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ عَظْمًا وهو دُونَ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو رَزِينٍ والجُمْهُورُ أيْ مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ مُسَوَّدَةٌ لِلْجُلُودِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ بَعْضٍ بِزِيادَةِ «مُحَرِّقَةٌ» والمُرادُ في الجُمْلَةِ فَـ ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ مِن لَوْحَتْهُ الشَّمْسُ إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ قالَ: تَقُولُ ما لاحَكَ يا مُسافِرُ يا ابْنَةَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرُ والبَشَرُ جَمْعُ بَشَرَةٍ وهي ظاهِرُ الجِلْدِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها تَلْفَحُ الجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ.
واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُها بِتَسْوِيدِها الظّاهِرِ الجُلُودَ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ الصَّرِيحِ في الإحْراقِ وأُجِيبُ بِأنَّها في أوَّلِ المُلاقاةِ تُسَوِّدُهُ ثُمَّ تُحْرِقُهُ وتُهْلِكُهُ أوِ الأوَّلُ حالُها مَعَ مَن دَخَلَها وهَذا حالُها مَعَ مَن يَقْرُبُ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قِيلَ لا يَحْسُنُ وصْفُها بِتَسْوِيدِ ظاهِرِ الجُلُودِ بَعْدَ وصْفِها بِأنَّها ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ لَمْ يَحْسُنْ هَذا الجَوابُ وقَدْ يُجابُ حِينَئِذٍ بِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ أوْصافِها المَهُولَةِ الفَظِيعَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى ( تَرَقٍّ ) مِن فَظِيعٍ إلى أفْظَعَ وكَوْنُها ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ وصْفٌ مِن أوْصافِها ولَعَلَّهُ بِاعْتِبارِ أوَّلِ المُلاقاةِ وقِيلَ الإهْلاكُ وفي ذِكْرِهِ مِنَ التَّفْظِيعِ ما فِيهِ لِما أنَّ في تَسْوِيدِ الجُلُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الإيلامِ تَشْوِيهًا لِلْخَلْقِ ومُثْلَةً لِلشَّخْصِ فَهو مِن قَبِيلِ التَّتْمِيمِ وفي اسْتِلْزامِ الإهْلاكِ تَسْوِيدَ الجُلُودِ تَرَدُّدٌ وإنْ قِيلَ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وجَوَّزَ عَلى تَفْسِيرِ ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ بِما ذَكَرَ كَوْنُ البَشَرِ اسْمَ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ، ويُرْجَعُ المَعْنى إلى ما تَقَدَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كِيسانَ والأصَمُّ ( لَوّاحَةٌ ) بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن لاحَ إذا ظَهَرَ والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ أيْ تَظْهَرُ لِلنّاسِ لِعَظَمِها وهَوْلِها كَما قالَ تَعالى ﴿ وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ وقَدْ جاءَ أنَّها تَظْهَرُ لَهم مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ.
ورَفْعُ ( لَوّاحَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي لِواحَةٌ.
وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( لَوّاحَةً) بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ أيْ أخُصُّ أوْ أعْنِي وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكَّدَةً مِن ضَمِيرِ ( تُبْقِي ) أوْ ( تَذَرُ ) بِناءً عَلى زَعْمِ الِاسْتِلْزامِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ( سَقَرُ ) والعامِلُ ما مَرَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ.
وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿ عَلَيْها ﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» .
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صِنْفًا أوْ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا.
وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا ﴾ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها.
﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ.
ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ.
وفِي البَحْرِ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ جَعَلْنا ﴾ لا بِـ ﴿ فِتْنَةً ﴾ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ.
وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ لِلْكافِرِينَ وإلّا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى.
وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ : هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟
فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» .
واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ.
﴿ ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ﴿ ولا يَرْتابَ ﴾ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.
﴿ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿ والكافِرُونَ ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] .
والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا.
وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ.
﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى.
﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ.
ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿ إلا هُوَ ﴾ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ.
( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ.
وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» .
.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» .
وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟
قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟
قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟
قالَ: عَدَدُ التُّرابِ وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها.
وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ.
وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم.
وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ.
وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.
وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ.
( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ﴿ إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ ثُمَّ ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ.
وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها وقِيلَ زَجْرٌ عَنْ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ.
وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ ذِكْرى أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يُسَوَّغُ في حَقِّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا تَناقُضَ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِها ذِكْرى أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مُذَكِّرَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومَن لَمْ يَتَذَكَّرْ لِغَلَبَةِ الشَّقاءِ عَلَيْهِ لا يُعَدُّ مِنَ البَشَرِ ولا يُلْتَفَتُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ كَما أنَّ حَلاوَةَ العَسَلِ لا يَضُرُّها كَوْنُها مُرَّةً في فَمِ مُنْحَرِفِ المِزاجِ المُحْتاجِ إلى العِلاجِ وحالَ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَّلا وعَدَمُ حُسْنِهِ هُنا يُعْلَمُ مِنَ النَّظَرِ إلى المُرادِ بِها.
وصَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ فَقالَ: إنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ السّابِقِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ اللّاحِقِ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ أيْ كَما أنَّها كانَتْ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ فالوَقْتُ حِينَئِذٍ تامٌّ عَلى لِلْبَشَرِ ويَسْتَأْنِفُ ﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ أيْ ولّى وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ «إذا» ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ «دَبَرَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو بِمَعْنى أدْبَرَ المَزِيدِ كَقَبَلَ وأقْبَلَ والمَعْرُوفُ المَزِيدُ.
وحُسْنُ الثُّلاثِيِّ هُنا مُشاكَلَةُ أكْثَرِ الفَواصِلِ وقِيلَ دَبَرَ مِن دُبُرِ اللَّيْلِ النَّهارِ إذا خَلَفَهُ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ إذا الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ لِلتَّحْقِيقِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها تُقَلُّبُهُ مُسْتَقْبَلًا.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ ومَطَرٌ ويُونُسُ بْنُ عَبِيدٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمُرَ والسُّلَمِيِّ وطَلْحَةَ «إذا» بِالألْفِ ﴿ أدْبَرَ ﴾ بِالهَمْزِ وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ أيْ أضاءَ وانْكَشَفَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ «سَفَرَ» ثُلاثِيًّا وفَسَّرَ بِطَرْحِ الظُّلْمَةِ عَنْ وجْهِهِ ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ كَلا ﴾ رَدْعًا لِمَن يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ إحْدى الكُبْرِ لِما عَلِمَ مِن أنَّ أنَّ واللّامَ مِنَ الكَلامِ الإنْكارِيِّ في جَوابِ مُنْكِرٍ مُصِرٍّ وهَذا تَعْلِيلٌ لِ ﴿ كَلا ﴾ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّأْكِيدِ لا جَوابَ لَهُ أوْ جَوابُهُ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ كَلا ﴾ وفي التَّعْلِيلِ نَوْعُ خَفاءٍ فَتَأمَّلْ.
وضَمِيرُ ﴿ إنَّها ﴾ لِسَقَرَ، والكُبَرِ جُمَعُ الكُبْرى جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتائِها فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها ونَظِيرُها السَّوافِي في جَمْعِ السّافِياءِ والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ فَإنَّ فاعِلَةَ تُجْمَعُ عَلى فَواعِلَ بِاطِّرادٍ لا فاعِلاءَ لَكِنَّ حَمْلَ فاعِلاهُ عَلى فاعِلَةٍ لِاشْتِراكِ الألِفِ والتّاءِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّأْنِيثِ وضْعًا فَجُمِعَ فِيهِما عَلى فَواعِلَ وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ ﴿ الكُبَرِ ﴾ جَمْعُ كَبِيرَةٍ وهْمٌ كَما لا يَخْفى أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي الكُبَرِ عَلى مَعْنى أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ واحِدَةٌ مِنها قِيلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ بَلاءَهم غَيْرُ مَحْصُورٍ فِيها بَلْ تَحِلُّ بِهِمْ بَلايا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ أوْ أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ مِن بَيْنِهِمْ واحِدَةٌ في العِظَمِ لا نَظِيرَ لَها وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أحَدُ الأحَدَيْنِ وهو واحِدُ الفُضَلاءِ وهي إحْدى النِّساءِ وعَلى هَذا اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ ولَعَلَّهُ لِما تَضَمَّنَ مِنَ الإشارَةِ وقِيلَ المَعْنى إنَّها لِإحْدى دِرْكاتِ النّارِ الكُبَرِ السَّبْعِ لِأنَّها جَهَنَّمُ ولَظى والحُطَمَةُ وسَقَرُ والسَّعِيرُ والجَحِيمُ والهاوِيَةُ.
ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ التَّيْسِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا وقِيلَ ضَمِيرُ ﴿ إنَّها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ.
قالَ في البَحْرِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ وقِيلَ هو لِلسّاعَةِ فَيَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «لَحْدى الكُبْرى» بِحَذْفِ هَمْزَةِ إحْدى وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ قِيلَ تَمْيِيزٌ ﴿ لإحْدى الكُبَرِ ﴾ عَلى أنَّ ﴿ نَذِيرًا ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إنْذارًا كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ أيْ إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ أنَّها لَأعْظَمُ الدَّواهِي إنْذارًا وهو كَما تَقُولُ هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ إنْذارٌ إنْذارًا وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ فَقالَ الزَّجّاجُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أنَّها وفِيهِ مَجِيءُ الحالِ مِنَ اسْمِ إنَّ وقِيلَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لإحْدى ﴾ واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ والتَّقْدِيرُ عَظُمَتْ أوْ كَبُرَتْ نَذِيرًا وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانٍ قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ وجُوِّزَتْ هَذِهِ الأوْجُهُ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أيْضًا بِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ.
وقالَ النَّحّاسُ: حُذِفَتِ الهاءُ مِن ﴿ نَذِيرًا ﴾ وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ يَعْنِي ذاتِ إنْذارٍ وقَدْ يُقالُ في عَدَمِ إلْحاقِ الهاءِ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ في عَدَمِ إلْحاقِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ وقالَ أبُو رَزِينٍ: المُرادُ بِالنَّذِيرِ هُنا هو اللَّهُ تَعالى فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ ادْعُ نَذِيرًا أوْ نَحْوَهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ قِيلَ فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ ادْعُ نَذِيرًا أوْ نَحْوَهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ قِيلَ فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْضًا أيْ نادِ أوْ بَلِّغْ أوْ أعْلِنْ وهو كَما تَرى ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ لَكانَ أوْلى وكَذا لَوْ جُعِلَ مُنادًى والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ إنَّ الأمْرَ كَذا يا فُلانُ وقِيلَ إنَّهُ عَلى هَذا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ قُمْ ﴾ أوَّلَ السُّورَةِ وفِيهِ خَرْمُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولِذا قِيلَ هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أُبَيٍّ وابْنُ عَبْلَةَ «نَذِيرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأنَّ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي نَذِيرٌ عَلى ما هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ وصْفُ النّارِ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ وصْفِ اللَّهِ تَعالى أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ لا غَيْرَ أيْ هو نَذِيرٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ فِيما سَبَقَ أعْنِي «البَشَرِ» وضَمِيرُ ﴿ شاءَ ﴾ لِلْمَوْصُولِ أيْ نَذِيرًا لِلْمُتَمَكِّنِينَ مِنكم مِنَ السَّبْقِ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفِ عَنْهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّقَدُّمَ بِالإيمانِ والتَّأخُّرَ بِالكُفْرِ وقِيلَ: ضَمِيرُ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْ نَذِيرًا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنكم تَقَدُّمَهُ أوْ تَأخُّرَهُ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِمَن خَبَرًا مُقَدَّمًا وأنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ مُبْتَدَأً كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أيِ السَّبْقَ إلى الخَيْرِ أوِ التَّأخُّرَ أيِ التَّخَلُّفَ عَنْهُ أنْ يَتَقَدَّمَ ويَتَأخَّرَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِكَسْبِها والرَّهِينَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ لا صِفَةَ وإلّا لَقِيلَ رَهِينٌ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَدْخُلُهُ التّاءُ ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَدْ قُتِلَ أبُوهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ سَبْعُ دِياتٍ فَأبى أنْ يَأْخُذَها: أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكِبٍ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أذْكُرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَّلِ واخْتِيرَ عَلى رَهِينٍ مَعَ مُوازَنَتِهِ لِلْيَمِينِ وعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّأْوِيلِ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا أبْلَغُ فَهو أنْسَبُ بِالمَقامِ فَلا يُلْتَفَتُ لِلْمُناسَبَةِ اللَّفْظِيَّةِ فِيهِ، وقِيلَ الهاءُ في ﴿ رَهِينَةٌ ﴾ لِلْمُبالَغَةِ واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنَّها مِمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ كالنَّطِيحَةِ وإنْ كانَتِ الأصْلَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو وجْهٌ أيْضًا وادَّعى أنَّ التَّأْنِيثَ في البَيْتِ عَلى مَعْنى النَّفْسِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ وهُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيِسانَ والضَّحّاكُ ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهم فاكُّونَ رِقابَهم بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ كَما يَفُكُّ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الدَّيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ وأخْرَجُوهُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَإنَّهم غَيْرُ مَرْهُونِينَ بِدُيُونِ التَّكالِيفِ كالأطْفالِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إطْلاقَ النَّفْسِ عَلى المَلَكِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وبِأنَّهم لا يُوصَفُونَ بِالكَسْبِ أيْضًا عَلى أنَّ الظّاهِرَ سِباقًا وسِياقًا أنْ يُرادَ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ البَشَرِ المُكَلَّفِينَ والكَثِيرُ عَلى تَفْسِيرِهِمْ بِما سَمِعْتَ.
وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنى وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ المِيثاقِ وقِيلَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ ولا تَدافُعَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ كَما لا يَخْفى والِاسْتِثْناءُ عَلى ما تَقَدَّمَ، وكَذا هَذِهِ الأقْوالُ مُتَّصِلٌ وأمّا عَلى قَوْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وقِيلَ يَجُوزُ الِاتِّصالُ والِانْقِطاعُ بِناءً عَلى أنَّ الكَسْبَ مُطْلَقُ العَمَلِ أوْ ما هو تَكْلِيفٌ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ ما بالُهُمْ؟
فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا يُدْرِكُ وصْفَها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ قُدِّمَ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُولًا مَعًا بَلْ وُقُوعُ السُّؤالِ مِنهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّي ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا كَما في قَوْلِكَ تَشاتَمَ القَوْمُ أيْ شَتَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمِ الآخَرَ لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ ويَكُونُ الواقِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: تَراهُ والهِلالَ.
قالَ جارُ اللَّهِ: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يَقُولُ: دَعَوْتُهُ وإذا كانَ جَماعَةً يَقُولُ: تَداعَيْناهُ، ونَظِيرُهُ رَمَيْتُهُ وتَرامَيْناهُ ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا التَّفاعُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى هَذا فالمَسْؤُولُ مَحْذُوفٌ أعْنِي المُجْرِمِينَ والتَّقْدِيرُ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ المُجْرِمِينَ عَنْهم أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ عَنْ أحْوالِهِمْ فَغُيَّرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ يَتَساءَلُونَ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ والمَعْنى عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ المَسْؤُولِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ بَيانٌ لِلتَّساؤُلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارِ قَوْلٍ أوْ هو مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ أيْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم في سَقَرَ وقِيلَ المَسْؤُولُ غَيْرُ المُجْرِمِينَ كَجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما ﴿ سَلَكَكُمْ ﴾ إلَخِ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِينَ عَنْهم أيْ لَمّا سَألَ أصْحابُ اليَمِينِ المَلائِكَةَ عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ قالُوا لَهم نَحْنُ سَألْنا المُجْرِمِينَ عَنْ ذَلِكَ وقُلْنا لَهم ما ﴿ سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ إلى الآخَرِ وكانَ يَكْفِيهِمْ أنْ يَقُولُوا حالُهم كَيْتَ وكَيْتَ لَكِنْ أتى بِالجَوابِ مُفَصَّلًا حَسَبَ ما سَألُوهُ لِيَكُونَ أثْبَتَ لِلصِّدْقِ وأدَلُّ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ واخْتِصارٌ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ عَلى حَقِيقَتِها أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُجْرِمِينَ وما ﴿ سَلَكَكُمْ ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِ عَنْهم أيْضًا ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ الحِكايَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ فَلَيْسَ ذاكَ بِالوَجْهِ وإنْ كانَ الإيجازُ نَهْجَ التَّنْزِيلِ والحَذْفُ كَثِيرًا في كَلامِهِ تَعالى الجَلِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَحْسِيرٍ وإلّا فَهم عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ ولَوْ كانُوا الأطْفالَ فِيما أظُنُّ لِانْكِشافِ الأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ.
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ يَقْرَأُ «يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يا فُلانُ ما سَلَكَكُمْ» ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ أيْضًا وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «يا أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكم في سَقَرَ» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ المُجْرِمُونَ مُجِيبِينَ لِلسّائِلِينَ ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ لِلصَّلاةِ الواجِبَةِ ﴿ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ أيْ نُعْطِيهِ ما يَجِبُ إعْطاؤُهُ والمَعْنى عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ العِباداتِ لِأنَّهم جَعَلُوا عَذابَهم لِتَرْكِ الصَّلاةِ فَلَوْ لَمْ يُخاطَبُوا بِها لَمْ يُؤاخَذُوا وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في الأُصُولِ وتُعُقِّبَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلصَّلاةِ ووُجُوبِها فَيَكُونُ العَذابُ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ، وأيْضًا المُضِلِّينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ، وأيْضًا ذاكَ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ فَيَجُوزُ كَذِبُهم أوْ خَطَؤُهم فِيهِ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ ﴾ إلَخِ والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ والجَوابِ التَّحْذِيرُ فَلَوْ كانَ الجَوابُ كَذِبًا أوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ أيْ نَشْرَعُ في الباطِلِ مَعَ الشّارِعِينَ فِيهِ والخَوْضُ في الأصْلِ ابْتِداءُ الدُّخُولِ في الماءِ والمُرُورُ فِيهِ واسْتِعْمالُهُ في الشُّرُوعِ في الباطِلِ مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ عَلى ما قَرَّرُوهُ في المِشْفَرِ ونَحْوِهِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ اسْمٌ غالِبٌ في الشَّرِّ وأكْثَرُ ما اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِما يَذُمُّ الشُّرُوعَ فِيهِ وأُرِيدَ بِالباطِلِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ وعُدَّ مِن ذَلِكَ حِكايَةُ ما يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ في الخَلْوَةِ مَثَلًا وحِكايَةُ أحْوالِ الفَسَقَةِ بِأقْسامِهِمْ عَلى وجْهِ الِالتِذاذِ والِاسْتِئْناسِ بِها ونَقْلِ الحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ بَلْ لِمُجَرَّدِ أنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلى طَعْنٍ وتَنْقِيصٍ والتَّكَلُّمُ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِها الرَّجُلُ جُلَساءَهُ سَواءٌ كانَتْ مُباحَةً في نَفْسِها أمْ لا نَعَمُ التَّكَلُّمُ بِالكَلِمَةِ المُحَرَّمَةِ لِذَلِكَ باطِلٌ عَلى باطِلٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وكانَ ذِكْرُ ﴿ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ إشارَةً إلى عَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِالباطِلِ ومُبالاتِهِمْ بِهِ فَكَأنَّهم قالُوا وكُنّا لا نُبالِي بِباطِلٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ أضافُوهُ إلى الجَزاءِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوالِ ما لا غايَةَ لَهُ لِأنَّهُ أدْهاها وأهْوَلُها وأنَّهم مُلابِسُوهُ وقَدْ مَضَتْ بَقِيَّةُ الدَّواهِي وتَأْخِيرُ جِنايَتِهِمْ هَذِهِ مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ مِنَ الكُلِّ لِتَفْخِيمِها كَأنَّهم قالُوا وكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولِبَيانِ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ مُقارِنًا لِسائِرِ جِناياتِهِمِ المَعْدُودَةِ مُسْتَمِرًّا إلى آخِرِ عُمْرِهِمْ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ أيِ المَوْتُ ومُقَدَّماتُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُلُّ المُفَسِّرِينَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿ اليَقِينُ ﴾ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ وقَوْلُ المُفَسِّرِينَ هو المَوْتُ مُتَعَقَّبٌ عِنْدِي لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ فَلَمْ يُرِيدُوا بِاليَقِينِ ( إلّا ) الشَّيْءَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ مَجْمُوعَ ما ذَكَرُوهُ سَبَبٌ لِدُخُولِ مَجْمُوعِهِمُ النّارَ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن لَمْ يَكُنْ وجَبَ عَلَيْهِ إطْعامُ مِسْكِينٍ كَفُقَراءِ الكَفَرَةِ المُعْدِمِينَ.
وفي الكَشّافِ يَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ كُلٍّ مِنهم النّارَ لِمَجْمُوعِ الأرْبَعَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِها كَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ تَرْكِ الصَّلاةِ أوْ تَرْكِ الإطْعامِ وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ وهو تَخْلِيدُ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَتارِكِ الصَّلاةِ في النّارِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ لا في أعَمَّ مِنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا فالكَلامُ عَلى الفَرْضِ واشْتُهِرَ أنَّهُ مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عَلى ما قَبْلَها مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ والِاتِّعاظِ بِهِ مِن سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ ومُعْرِضِينَ حالٌ لازِمَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ أعْنِي لَهم وهي المَقْصُودَةُ مِنَ الكَلامِ وعَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والتَّقْدِيمُ لِلْعِنايَةِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ فَإذا كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ وتَأْخُذُ الدَّواعِي إلى الإيمانِ بِهِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّذْكِرَةِ ما يَعُمُّ القُرْآنَ وما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ أصْلٌ عَلى ما ذَكَرَ مُبالَغَةً.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنَّ في مُعْرِضِينَ بِطَرِيقِ التَّداخُلِ والحُمُرُ جَمْعُ حِمارٍ والمُرادُ بِهِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ حِمارُ الوَحْشِ لِأنَّهُ بَيْنَهم مَثَلٌ بِالنِّفارِ وشِدَّةِ الفِرارِ ( ومُسْتَنْفِرَةٌ ) مِنِ اسْتَنْفَرَ بِمَعْنى نَفَرَ كَعَجَبَ واسْتَعْجَبَ كَما قِيلَ والأحْسَنُ أنِ اسْتَفْعَلَ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّ الحُمُرَ لِشِدَّةِ العَدْوِ تَطْلُبُ النِّفارَ مِن نَفْسِها والمَعْنى مُشَبَّهِينَ بِحُمْرٍ نافِرَةٍ جِدًّا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ أيْ أسَدٍ وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا بَيْدَ أنَّهُ قالَ هو بِلِسانِ العَرَبِ «الأسَدِ» وبِلِسانِ الحَبَشَةِ ﴿ قَسْوَرَةٍ ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ إنَّها الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها ابْنُ عُيَيْنَةَ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ رُكُزُ النّاسِ أيْ أصْواتُهم وعَنْهُ أيْضًا حِبالُ الصَّيّادِينَ.
وعَنْ قَتادَةَ النُّبْلُ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وثَعْلَبُ القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّهُ الأسَدُ وأيًّا ما كانَ فَقَدْ شُبِّهُوا في إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ واسْتِماعِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ وشَرادِهِمْ عَنْهُ بِحُمُرٍ وحْشِيَّةٍ جَدَّتْ في نِفارِها مِمّا أفْزَعَها وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ مَذَمَّةٌ ظاهِرَةٌ وتَهْجِينٌ لِحالِهِمْ بُنِيَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ أوْ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ وقِلَّةِ العَقْلِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «حُمْرٌ» بِإسْكانِ المِيمِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَنْفَرَةٌ» بِفَتْحِ الفاءِ أيِ اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ وفَّرَتْ يُناسِبُ الكَسْرَ فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلامٍ قالَ سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيِّ وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا فَقُلْتُ: ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ ﴾ ماذا فَقالَ مُسْتَنْفَرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ فَفَتَحَ الفاءَ فَقُلْتُ إنَّما هو ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ قالَ أفَرَّتْ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ فَمُسْتَنْفَرَةٌ إذَنْ فَكَسَرَ الفاءَ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ ولا يَرْضَوْنَ بِها بَلْ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يُؤْتى قَراطِيسَ تُنْشَرُ وتُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يَتَكاتَبُ بِها وجَوَّزَ أنْ يُرادَ كُتُبًا كُتَبَتْ في السَّماءِ ونَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ مُنَشَّرَةً عَلى أيْدِيها غَضَّةً رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ وفِيهِ بُعْدٌ وذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ إنْ سَرَّكَ أنْ نُتابِعَكَ فَأْتِ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكُتُبٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُها مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ نُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ فَنَزَلَتْ.
ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى ( لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَأهُ ) [اَلْإسْراءِ: 93] وقالَ ﴿ ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالُوا إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ تَحْتَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيهِ بَراءَةٌ وأمَنَةٌ مِنَ النّارِ وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ.
( إلّا ) أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتُ الظّاهِرَةُ المَكْشُوفَةُ ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي صالِحٍ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ لِاشْتِراكِهِما في أنَّ المُنَشَّرَ لَمْ يَبْقَ عَلى أصْلِهِ وأنَّ لِكُلٍّ صَحِيفَةً مَخْصُوصَةً بِهِ إمّا لِخَلاصِهِ مِنَ الذَّنْبِ وإمّا لِوَجْهِ خَلاصَةٍ فالمَعْمُولُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «صُحْفا» بِإسْكانِ الحاءِ «مُنَشَّرَةً» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَرَها واحِدٌ كَأنْزَلَ ونَزَلَهُ وفي البَحْرِ المَحْفُوظِ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَّفًا ثُلاثِيًّا ويُقالُ في المَيِّتِ أنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى ونَشَرَهُ ويُقالُ: أنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَنَشَرَ هو أيْ أحْياهُ فَحَيِيَ ( كَلّا ) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ فَلِذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ وحُصُولِ مُقْتَرَحِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «تَخافُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ التَّذْكِرَةُ السّابِقَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ وكَذا الضَّمِيرُ الآتِي وذِكْرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الذِّكْرُ ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ ﴿ فَمَن شاءَ ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ ذَكَرَهُ ﴾ وحازَ بِسَبَبِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ والوَقْفُ عَلى ( كَلّا ) عَلى ما سَمِعْتَ في المَوْضِعَيْنِ وعَلى ( مُنَشَّرَةً والآخِرَةِ ) إنْ جُعِلَتْ كَما في الحَواشِي بِمَعْنى إلّا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما يَذْكُرُونَ ﴾ أيْ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِمْ لِلذِّكْرِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ إذْ لا تَأْثِيرَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ في أفْعالِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما يَذْكُرُونَ بِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ( إلّا ) بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ حالَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فِيهِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ وحَمْلُهُمُ المَشِيئَةَ عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ وإلْجاءٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ «تَذْكُرُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا مَعَ إسْكانِ الذّالِ ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ «يَذَّكَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ «تَذَّكَرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وإدْغامِها في الذّالِ ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عَذابُهُ ويُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ فالتَّقْوى مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ ﴿ وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ جَلَّ وعَلا لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ فالمَغْفِرَةُ مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْفاعِلِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَّةَ وخَلْقٌ آخَرُونَ «عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ فَقالَ: «قَدْ قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنَّ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا آخَرَ فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ الحَسَنِ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى إنِّي لَأجِدُنِي أسْتَحِي مِن عَبْدِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَيَّ ثُمَّ يَرُدُّهُما مِن غَيْرِ مَغْفِرَةٍ، قالَتِ المَلائِكَةُ: إلَهُنا لَيْسَ لِذَلِكَ بِأهْلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لَكِنِّي أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ»» .
وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِتَحْقِيقِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ اللَّذَيْنِ أشْعَرَ بِهِما الكَلامُ السّابِقُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَذَكِّرِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ قالَ: «اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أهْلِ التَّقْوى وأهْلِ المَغْفِرَةِ عَلى أنَّ أوَّلَ الثّانِي كَثانِي الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وثانِي الثّانِي كَأوَّلِ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وإلّا فَلا يَحْسُنُ الدُّعاءُ وإنْ تُكُلِّفَ لِتَصْحِيحِهِ فافْهَمْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.