تفسير الألوسي سورة عبس

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة عبس

تفسيرُ سورةِ عبس كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 58 دقيقة قراءة

تفسير سورة عبس كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ٢

سُورَةُ عَبَسَ وتُسَمّى سُورَةَ الصّاخَّةِ، وسُورَةَ السَّفَرَةِ، وسُمِّيَتْ في غَيْرِ كِتابٍ سُورَةَ الأعْمى، وهي مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ، وآيُها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ والكُوفِيِّ، وإحْدى وأرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ مِن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ أنْ جاءَهُ الأعْمى ﴾ إلَخْ.

رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زائِدَةَ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ هَرَمِ بْنِ رَواحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، والأوَّلُ أكْثَرُ وأشْهَرُ كَما في جامِعِ الأُصُولِ، وأُمُّ مَكْتُومٍ كُنْيَةُ أُمِّهِ، واسْمُها عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيَّةُ، وغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَعْلِها في الكَشّافِ جَدَّتَهُ، وكانَ أعْمى، وعَمِيَ بَعْدَ نُورٍ، وقِيلَ: وُلِدَ أعْمى؛ ولِذا قِيلَ لِأُمِّهِ أُمَّ مَكْتُومٍ.

«أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُناجِيهِمْ ويَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهم.

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ تَشاغُلَهُ بِالقَوْمِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ.

فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْرِمُهُ ويَقُولُ إذا رَآهُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» ويَقُولُ: «هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ»».

واسْتَخْلَفَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَدِينَةِ فَكانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنْ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ أبا لُبابَةَ وهو مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ هاجَرَ عَلى الصَّحِيحِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ووَهِمَ القُرْطُبِيُّ في زَعْمِهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ وأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالصَّنادِيدِ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَوْتُهُ قِيلَ بِالقادِسِيَّةِ شَهِيدًا يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ أيّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَآهُ أنَسٌ يَوْمَئِذٍ وعَلَيْهِ دِرْعٌ ولَهُ رايَةٌ سَوْداءُ، وقِيلَ: رَجَعَ مِنها إلى المَدِينَةِ فَماتَ بِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضَمِيرُ ( عَبَسَ ) وما بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ إجْلالٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيهامِ أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلُهُ، كَما أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣

﴿ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإيناسِ بَعْدَ الإيحاشِ والإقْبالِ بَعْدَ الإعْراضِ والتَّعْبِيرِ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالأعْمى لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشاغُلِهِ بِالقَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الغِيبَةَ أوَّلًا والخِطابَ ثانِيًا لِزِيادَةِ الإنْكارِ؛ وذَلِكَ كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمى عَلى الشّاكِيَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، وفي ذِكْرِ الأعْمى نَحْوٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يُناسِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والتَّعَطُّفَ، وفِيهِ أيْضًا دَفْعُ إيهامِ الِاخْتِصاصِ بِالأعْمى المُعَيَّنِ وإيماءٌ إلى أنَّ كُلَّ ضَعِيفٍ يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ مِن مِثْلِهِ عَلى أُسْلُوبِ: «لا يَقْضِي القاضِي وهو غَضْبانُ».

و«أنْ» بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي لامَ التَّعْلِيلِ وهو مَعْمُولٌ لِأوَّلِ الفِعْلَيْنِ عَلى مُخْتارِ الكُوفِيِّينَ وثانِيهِما عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ وكِلَيْهِما مَعًا عَلى مَذْهَبَ الفَرّاءِ، نَعَمْ هو بِحَسَبِ المَعْنى عِلَّةٌ لَهُما بِلا خِلافٍ؛ أيْ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى وأعْرَضَ لِذَلِكَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «عَبَّسَ» بِتَشْدِيدِ الباءِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ وهو والحَسَنُ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعِيسى «آنْ» بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ والهَمْزَةُ في القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ويُوقَفُ عَلى تَوَلّى والمَعْنى: إلّا أنْ جاءَ الأعْمى فَعَلَ ذَلِكَ، وضَمِيرُ «لَعَلَّهُ» لِلْأعْمى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الدِّرايَةِ عَلى وجْهٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنَ الشَّرائِعِ مِن بَعْضِ أوْضارِ الإثْمِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ ٤

﴿ أوْ يَذَّكَّرُ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ﴿ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ﴾ أيْ: ذِكْراكَ ومَوْعِظَتُكَ، والمَعْنى أنَّكَ لا تَدْرِي ما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُ مِن تَزْكٍ أوْ تَذَكُّرٍ، ولَوْ دَرَيْتَ لَما كانَ الَّذِي كانَ، والغَرَضُ نَفْيُ دِرايَةِ أنَّهُ يَزَّكّى أوْ يَذَّكَّرُ والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الأعْمى أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رَجاءَ تَزْكِيَةٍ أوْ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ ذَلِكَ كافٍ في الِامْتِناعِ مِنَ العُبُوسِ والإعْراضِ، كَيْفَ وقَدْ كانَ اسْتِزْكاؤُهُ مُحَقَّقًا، ولَمّا هُضِمَ مِن حَقِّهِ في تَعَلُّقِ الرَّجاءِ بِهِ لا التَّحَقُّقُ اعْتُبِرَ مُتَعَلِّقُ التَّزَكِّي بَعْضَ الأوْضارِ تَرْشِيحًا لِذَلِكَ وفِيهِ إظْهارُ ما يَقْتَضِي مَقامُ العَظَمَةِ هاهُنا مِن إطْلاقِ التَّزَكِّي وحَمْلِهِ عَلى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لا الكامِلُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: مُتَعَلِّقُ الدِّرايَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما يُدْرِيكَ أمْرُهُ وعاقِبَةَ حالِهِ ويُطْلِعُكَ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّهُ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ ما يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهُ مَعَ إشْعارِهِ بِأنَّ لَهُ شَأْنًا مُنافِيًا لِلْإعْراضِ عَنْهُ خارِجًا عَنْ دِرايَةِ الغَيْرِ ودِرائِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعالى يُدْرِيهِ ذَلِكَ.

واعْتَبَرَ في التَّزَكِّي الكَمالَ فَقالَ: أيْ لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَقْتَبِسُ مِنكَ مِن أوْضارِ الإثْمِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ إنْ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّزَكِّي التّامِّ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْعَدُ مَغْزًى.

وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى التَّذَكُّرِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ وخَصَّ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ بِما إذا كانَ ما يَتَعَلَّمُهُ مِنَ النَّوافِلِ، والأوَّلَ بِما إذا كانَ سِوى ذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن تَصَدّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَزْكِيَتِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا؛ فَهي كَقَوْلِكَ لِمَن يُقَرِّرُ مَسْألَةً لِمَن لا يَفْهَمُها وعِنْدَهُ آخَرُ قابِلٌ لِفَهْمِها: لَعَلَّ هَذا يَفْهَمُ ما تُقَرِّرُ؛ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّهُ قَصَدَ تَفْهِيمَ غَيْرِهِ ولَيْسَ بِأهْلٍ لِما قَصَدَهُ، وقِيلَ: جاءَ التَّعْرِيضُ مِن جِهَةِ أنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ كانَ مُتَزَكِّيًا مِنَ الآثامِ مُتَّعِظًا وقِيلَ: ضَمِيرُ: ﴿ لَعَلَّهُ ﴾ لِلْكافِرِ، والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أيْ: إنَّكَ طَمِعْتَ في تَزَكِّيهِ بِالإسْلامِ وتَذَكُّرِهِ بِالمَوْعِظَةِ ولِذَلِكَ أعْرَضْتَ عَنْ غَيْرِهِ فَما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وضُعِّفَ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكافِرِ وبِإفْرادِ الضَّمِيرِ والظّاهِرُ جَمْعُهُ؛ أيْ: بِناءً عَلى المَشْهُورِ في أنَّ مَن تَشاغَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ كانَ جَمْعًا، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ واحِدًا، وقَرَأ الأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: «أوْ يَذْكُرُ» بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «فَتَنْفَعُهُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى: ﴿ يَذَّكَّرُ ﴾ وبِالنَّصْبِ قَرَأ عاصِمٌ في المَشْهُورِ والأعْرَجُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ في جَوابِ التَّرَجِّي وهو كالتَّمَنِّي عِنْدَهم يُنْصَبُ في جَوابِهِ، وفي الكَشْفِ أنَّ النَّصْبَ يُؤَيِّدُ رُجُوعَ ضَمِيرِ لَعَلَّهُ عَلى الكافِرِ لِإشْمامِ التَّرَجِّي مَعْنى التَّمَنِّي لِبُعْدِ المَرْجُوِّ مِنَ الحُصُولِ؛ أيْ: بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ مِنَ العَباسِ، وعَلى السّابِقِ وجْهُهُ تَرْشِيحُ مَعْنى الهَضْمِ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ٥

﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وعَمّا عِنْدَكَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القُرْآنُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: اسْتَغْنى بِكُفْرِهِ عَمّا يَهْدِيهِ وقِيلَ: أيْ: وأمّا مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَذُكِرَ الفَقْرُ في مُقابِلِهِ، وأُجِيبَ بِما سَتَعْمَلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦

﴿ فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى ﴾ أيْ: تَتَصَدّى وتَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِإرْشادِهِ واسْتِصْلاحِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ؛ فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المُدْبِرِ مُخِلٌّ بِالمُرُوءَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: لا أبْتَغِي وصْلَ مَن لا يَبْتَغِي صِلَتِي ولا ألِينُ لِمَن لا يَبْتَغِي لِينِي واللَّهِ لَوْ كَرِهَتْ كَفِّي مُصاحَبَتِي ∗∗∗ يَوْمًا لَقُلْتُ لَها عَنْ صُحْبَتِي بِينِي وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «تَصَدّى» بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَتَصَدّى فَقُلِبَتِ التّاءُ صادًا وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «تُصْدى» بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْفُولِ؛ أيْ: تُعْرِضُ، ومَعْناهُ: يَدْعُوكَ إلى التَّصَدِّي والتَّعَرُّضِ لَهُ داعٍ مِنَ الحِرْصِ ومَزِيدُ الرَّغْبَةِ في إسْلامِهِ، وأصْلُ «تَصَدّى» عَلى ما في البَحْرِ تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ يُقالُ: دارِي صَدَدَ دارِهِ؛ أيْ: قُبالَتَها، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى؛ وهو الصَّوْتُ المَعْرُوفُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧

﴿ وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى ﴾ ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ حَتّى يَبْعَثَكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِ إلى الإعْراضِ عَمَّنْ أسْلَمَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ «تَصَدّى» والمَمْنُوعُ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ الإعْراضُ عَمَّنْ أسْلَمَ لا الإقْبالُ عَلى غَيْرِهِ والِاهْتِمامُ بِأمْرِهِ حِرْصًا عَلى إسْلامِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يَتَزَكّى ومَآلُهُ النَّفْيُ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ١٠

﴿ وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ ﴿ وهُوَ يَخْشى ﴾ أيْ: يَخافُ اللَّهَ تَعالى وقِيلَ: أذِيَّةَ الكُفّارِ في الإتْيانِ، وقِيلَ: العِثارَ والكَبْوَةَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ «يَسْعى» كَما أنَّ جُمْلَةَ «يَسْعى» حالٌ مِن فاعِلِ «جاءَكَ» واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ مِنَ الِاحْتِباكِ ذُكِرَ الغِنى أوَّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، والمَجِيءُ والخَشْيَةُ ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا وكَأنَّهُ حَمَلَ اسْتَغْنى عَلى ما نُقِلَ أخِيرًا واسْتُشْعِرَ ما قِيلَ عَلَيْهِ فاحْتاجَ لِدَفْعِهِ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى ما نَقَلْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ ﴿ فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى ﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ كَرَضِيَ، ورَمى والتَهى وتَلَهّى، وفي تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْدِيمٌ لَهُ، وعَنْهُ قِيلَ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها وقِيلَ لِلْعِنايَةِ لِأنَّهُما مَنشَأُ العِتابِ، وقِيلَ لِلْفاصِلَةِ وقِيلَ لِلْحَصْرِ وذُكِرَ التَّصَدِّي في المُسْتَغْنِي دُونَ الِاشْتِغالِ بِهِ وهو المُقابِلُ لِلتَّلَهِّي عَنِ المُسْرِعِ الخاشِي والتَّلَهِّي عَنْهُ دُونَ عَدَمِ التَّصَدِّي لَهُ وهو المُقابِلُ لِلتَّصَدِّي لِذَلِكَ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ العِتابَ لِلِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ لا لِلِاشْتِغالِ بِهِ؛ إذِ الِاشْتِغالُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وعَلى الِاشْتِغالِ عَنِ الثّانِي لا لِأنَّهُ لا اهْتِمامَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِهِ إذِ الِاهْتِمامُ غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا مُنْذِرًا.

وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «عَنْهُ تَلَهّى» بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَرٍ: «تُلْهى» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: يَشْغَلُكَ الحِرْصُ عَلى دُعاءِ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ «تَتَلَهّى» بِتاءَيْنِ وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌۭ ١١ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢

﴿ كَلا ﴾ مُبالَغَةٌ في إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى عَدَمِ مُعاوَدَةِ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ نُزِّلَ ذَلِكَ كَما في خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ قَضى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَجْواهُ وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ إرْشادًا بَلِيغًا إلى تَرْكِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ النُّزُولَ في أثْناءِ ذَلِكَ وقَبْلَ انْقِضائِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما عَبَسَ في وجْهِ فَقِيرٍ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ وتَأدَّبَ النّاسُ بِذَلِكَ أدَبًا حَسَنًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ الفُقَراءَ كانُوا في مَجْلِسِهِ أُمَراءَ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّها ﴾ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يُتَّعَظَ بِها ويُعْمَلَ بِمُوجِبِها، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ «كَلّا» بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في القُرْآنِ والحَثِّ عَلى حِفْظِهِ أوِ الِاتِّعاظِ بِهِ، واقْتِرانُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضُ بِها بِالفاءِ قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن غَيْرِ نَقْلِ اخْتِلافٍ فِيهِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ نَصٌّ في ذَلِكَ.

نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ اعْتِراضٌ فَقالَ: لا لِأنَّ الِاعْتِراضَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ بِالواوِ أوْ بِدُونِهِ، فَأمّا بِالفاءِ فَلا؛ أيْ: وهو اسْتِطْرادٌ لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأنَّ النَّقْلَ لِمُنافاتِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِثَبْتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في القَوْمِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ فَوافَقَهُ تارَةً وخالَفَهُ أُخْرى، وما ألْطَفَ قَوْلَ السَّعْدِ في التَّلْوِيحِ: الِاعْتِراضُ يَكُونُ بِالواوِ والفاءِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ.

هَذا وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلسُّورَةِ أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ أوْ لِمَرْجِعِ الأوَّلِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا ورُجِّحَ بِعَدَمِ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ قَبْلَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ السُّورَةَ أوِ الآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِيَ عَلى مَنِ اسْتَغْنى عَنْهُ، واسْتُحِقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمُعاتَبَةِ الواقِعَةِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها عِتابًا وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ الوَصْفُ بِالصِّفاتِ الآتِيَةِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ العِتابَ وقَعَ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ وهي مُتَّصِفَةٌ بِما ذُكِرَ جاءَ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وقِيلَ: لَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها دُعاءً وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ.

<div class="verse-tafsir"

فِى صُحُفٍۢ مُّكَرَّمَةٍۢ ١٣ مَّرْفُوعَةٍۢ مُّطَهَّرَةٍۭ ١٤ بِأَيْدِى سَفَرَةٍۢ ١٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى.

﴿ مُكَرَّمَةٍ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَرْفُوعَةٍ ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ.

﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

<div class="verse-tafsir"

كِرَامٍۭ بَرَرَةٍۢ ١٦

﴿ كِرامٍ ﴾ أيْ: أعِزّاءَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُعَظَّمِينَ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِنَ الكَرامَةِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهم ويُرْشِدُونَهم إلى ما فِيهِ الخَيْرُ بِالإلْهامِ ويَنْزِلُونَ بِما فِيهِ تَكْمِيلُهم مِنَ الشَّرائِعِ فَهو مِنَ الكَرَمِ ضِدَّ اللُّؤْمِ.

﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أيْ: أتْقِياءَ وقِيلَ مُطِيعِينَ اللَّهَ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ؛ أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: صادِقِينَ مِن بَرَّ في يَمِينِهِ وهو جَمْعُ بَرٍّ لا غَيْرَ، وأمّا أبْرارٌ فَيَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَرَبٍّ وأرْبابٍ، وجَمْعَ بارٍّ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وإنْ مَنَعَهُ بَعْضُ النُّحاةِ لِعَدَمِ اطِّرادِهِ، واخْتُصَّ عَلى ما قِيلَ الجَمْعُ الأوَّلُ بِالمَلائِكَةِ والثّانِي بِالآدَمِيِّينَ في القُرْآنِ ولِسانِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الأبْرارَ مِن صِيَغِ القِلَّةِ دُونَ البَرَرَةِ، ومُتَّقُو المَلائِكَةِ أكْثَرُ مِن مُتَّقِي الآدَمِيِّينَ فَناسَبَ اسْتِعْمالُ صِيغَةِ القِلَّةِ وإنْ لَمْ تُرَدْ حَقِيقَتُها في الآدَمِيِّينَ دُونَهُمْ، وقالَ الرّاغِبُ: خَصَّ البَرَرَةَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبْلَغُ مِن أبْرارٍ؛ فَإنَّهُ جَمْعُ بَرٍّ وأبْرارٍ جَمْعِ بارٍّ، وبَرٌّ أبْلَغُ مِن بارٍّ كَما أنَّ عَدْلًا أبْلَغُ مِن عادِلٍ وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الوَصْفَ بِبَرٍّ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مِنَ الوَصْفِ بِبارٍّ، لَكِنْ قَدْ سَمِعْتَ أنَّ أبْرارًا يَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَما يَكُونُ جَمْعَ بارٍّ وأيْضًا في كَوْنِ المَلائِكَةِ أحَقَّ بِالوَصْفِ بِالأبْلَغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ مُطْلَقًا بَحْثٌ.

وقِيلَ: إنَّ الأبْرارَ أبْلَغُ مِنَ البَرَرَةِ؛ إذْ هو جَمْعُ بارٍّ، والبَرَرَةُ جَمْعُ بَرٍّ، وبارٌّ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ بِنْيَتِهِ، ولَمّا كانَتْ صِفاتُ الكَمالِ في بَنِي آدَمَ تَكُونُ كامِلَةً وناقِصَةً وُصِفُوا بِالأبْرارِ إشارَةً إلى مَدْحِهِمْ بِأكْمَلِ الأوْصافِ، وأمّا المَلائِكَةُ فَصِفاتُ الكَمالِ فِيهِمْ لا تَكُونُ ناقِصَةً فَوُصِفُوا بِالبَرَرَةِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أصْلِ الوَصْفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ لِذَلِكَ، وإشارَةً لِفَضِيلَةِ البَشَرِ لِما في كَوْنِهِمْ أبْرارًا مِنَ المُجاهَدَةِ وعِصْيانِ داعِي الجِبِلَّةِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ اسْتِعْمالِ البَرَرَةِ في المَلائِكَةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو ماهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والَّذِي يَقْرَأُهُ وهو عَلَيْهِ شاقٌّ لَهُ أجْرانِ»».

<div class="verse-tafsir"

قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ ١٧

﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ الدَّعَواتِ وأفْظَعِها.

﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن إفْراطِهِ في الكُفْرانِ وبَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا مَنِ اسْتَغْنى عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ، وإمّا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لَهُ ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنْ عِكْرِمَةَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى.

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ حَتّى يَفْتَرِسَهُ».

فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ أسَدٌ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ ويَقُولُ: ما قالَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ» .

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى خَبَرٌ في هَذِهِ القِصَّةِ أطْوَلُ مِن هَذا الخَبَرِ، فَلا تَغْفُلْ.

ثُمَّ إنَّ هَذا كَلامٌ في غايَةِ الإيجازِ، وقَدْ قالَ جارُ اللَّهِ: لا تَرى أُسْلُوبًا أغْلَظَ مِنهُ ولا أدَلَّ عَلى سُخْطٍ ولا أبْعَدَ شَوْطًا في المَذَمَّةِ مَعَ تَقارُبِ طَرَفَيْهِ ولا أجْمَعَ لِلْأئِمَّةِ عَلى قِصَرِ مَتْنِهِ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الدُّعاءِ مُرادًا إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ تَعالى لازِمُهُ وعَلى التَّعَجُّبِ المُرادِ بِهِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ التَّعْجِيبُ لِكُلِّ سامِعٍ.

وقالالإمامُ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ عُرْفًا، والثّانِيَةَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ شَرْعًا، ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وما نُسِبَ إلى امْرِئِ القَيْسِ مِن قَوْلِهِ: يَتَمَنّى المَرْءُ في الصَّيْفِ الشِّتا فَإذا جاءَ الشِّتا أنْكَرَهْ فَهْوَ لا يَرْضى بِحالٍ واحِدٍ ∗∗∗ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهْ لا أصْلَ لَهُ، ومَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِكَلامِ العَرَبِ لا يَجْهَلُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُوَلَّدٌ أرادَ الِاقْتِباسَ لا جاهِلِيٌّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ خَبَرًا عَنْ أنَّهُ سَيَقْتُلُ الكُفّارَ بِإنْزالِ آيَةِ القِتالِ، وعَبَّرَ بِالماضِي مُبالَغَةً في أنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَحْوُهُ ما قِيلَ إنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؛ أيْ: جَعَلَهُ كافِرًا بِمَعْنى لا شَيْءَ يُسَوِّغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.

<div class="verse-tafsir"

مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ١٨ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهى عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبَةِ لِأنْ تُقابَلَ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ، والِاسْتِفْهامُ قِيلَ لِلتَّحْقِيرِ، وذِكْرُ الجَوابِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ لا يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عَلى صُورَتِهِ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيرِ مُسْتَفادٌ مِن «شَيْءٍ» المُنَكَّرِ، وقِيلَ التَّحْقِيرُ يُفْهَمُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ؛ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ.

﴿ فَقَدَّرَهُ ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ فالتَّقْدِيرُ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ لِما يَصْلُحُ ولِذا ساغَ عَطْفُهُ بِالفاءِ دُونَ التَّسْوِيَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ بِهَذا المَعْنى أوْ يَتَضَمَّنُهُ فَلا تَصْلُحُ الفاءُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ أيْ: فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنَّ أتَمَّ خَلْقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ أيْ: ثُمَّ سَهَّلَ مَخْرَجَهُ مِنَ البَطْنِ كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ ومَدَّدَ الأعْصابَ في طَرِيقِهِ ونَكَّسَ رَأْسَهُ لِأسْفَلَ بَعْدَ أنْ كانَ في جِهَةِ العُلُوِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ المُرادُ بِ «السَّبِيلَ» سَبِيلَ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ وتَيْسِيرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ وتَمْكِينُهُ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: هو سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ؛ أيْ: سَهَّلَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يُرِيدُ سُلُوكَهُ مِن طَرِيقِ الخَيْرِ والهُدى وطَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ؛ بِأنْ أقْدَرَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلٍّ ومَكَّنَهُ مِنهُ، والإقْدارُ عَلى المُرادِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خَيْرِيَّتِهِ وشَرِّيَّتِهِ فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يُعَدُّ تَسْهِيلُ طَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ مِنَ النِّعَمِ وقُلْ: إنَّهُ عُدَّ مِنها لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَهَّلًا كَسَبِيلِ الخَيْرِ لَمْ يَسْتَحِقَّ المَدْحَ والثَّوابَ بِالإعْراضِ عَنْهُ، وتَرْكُهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ تَرْكَ المُحَرَّمِ كالزِّنا مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعَنَةٍ مَثَلًا لا يُثابُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يُثابُ ويُمْدَحُ عَلَيْهِ إذا قَدَرَ التّارِكُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ لَمْ يَفْعَلْ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: العَجْزُ عَنِ الشَّرِّ نِعْمَةٌ، وأنْشَدَ: جكونه شكر ابن نعمت كزارم كه زور مردم آزارى ندارم ونُصِبَ السَّبِيلُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّيْسِيرِ وتَمْكِينٌ في النَّفْسِ بِسَبَبِ التَّكْرِيرِ، قِيلَ: وفي تَعْرِيفِهِ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ إشْعارٌ بِعُمُومِهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: «سَبِيلَهُ» أوْهَمَ أنَّهُ عَلى التَّوْزِيعِ، وإنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ سَبِيلًا يَخُصُّهُ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ النُّكْتَةَ بِالمَعْنى الأخِيرِ لِلسَّبِيلِ فَتَدَبَّرْ.

وعَلى هَذا المَعْنى قِيلَ: إنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ المَقْصِدُ غَيْرُها؛ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ مِن أنَّ المُيَسَّرَ سَبِيلُ المُكَلَّفِينَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ وفِيهِ خَفاءٌ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ فِي: ﴿ يَسَّرَهُ ﴾ لِلسَّبِيلِ ولَيْسَ في التَّفْكِيكِ لَبْسٌ حَتّى يَكُونَ نَقْصًا في البَيانِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ٢١

﴿ ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ ﴾ أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ تُوارى فِيهِ جِيفَتُهُ تَكْرِمَةً لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَطْرُوحًا عَلى الأرْضِ يَسْتَقْذِرُهُ مَن يَراهُ وتَقْتَسِمُهُ السِّباعُ والطَّيْرُ إذا ظَفِرَتْ بِهِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والمُرادُ مِن جَعْلِهِ ذا قَبْرٍ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِدَفْنِهِ يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ بِيَدِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ وأقْبَرَهُ إذا أمَرَ بِدَفْنِهِ أوْ مَكَّنَ مِنهُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَشْرُوعِيَّةِ دَفْنِ الإنْسانِ وهي مِمّا لا خِلافَ فِيهِ، وأمّا دَفْنُ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ فَقِيلَ هو مُباحٌ لا مَكْرُوهٌ، وقَدْ يُطْلَبُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْتَضِيهِ كَدَفْعِ أذى جِيفَتِهِ مَثَلًا، وعْدُ الإماتَةِ مِنَ النِّعَمِ لِأنَّها وصْلَةٌ في الجُمْلَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وخُصَّتْ هَذِهِ النِّعَمُ بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن ذِكْرِ أحْوالِ الإنْسانِ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ وما تَتَضَمَّنُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي هي مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ فَإذا تَأمَّلَ ذَلِكَ العاقِلُ عِلْمَ قُبْحَ الكُفْرِ وكُفْرانَ نِعَمِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَشَكَرَهُ جَلَّ وعَلا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢

﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ أيْ: إذا شاءَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ وفي تَعْلِيقِ الإنْشارِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أصْلًا، بَلْ هو تابِعٌ لَها وهَذا بِخِلافِ الإماتَةِ فَإنَّ وقْتَها مُعَيَّنٌ إجْمالًا عَلى ما هو المَعْهُودُ في الأعْمارِ الطَّبِيعِيَّةِ، وكَذا الحالُ في وقْتِ الإقْبارِ بَلْ هو أظْهَرُ في ذَلِكَ، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ الحِجابِ كَما في كِتابِ اللَّوامِحِ وابْنُ أبِي حَمْزَةَ كَما في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: «نَشَرَهُ» بِدُونِ هَمْزَةٍ وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ البالِغِ نِهايَتَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ الرَّدْعِ و«لَمّا» نافِيَةٌ جازِمَةٌ ونَفْيُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وما مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرُ «أمَرَهُ» إمّا لِلْإنْسانِ كالمُسْتَتِرِ في يَقْضِ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِهِ أوْ لِلْمَوْصُولِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والعائِدُ إلى الإنْسانِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إيّاهُ قِيلَ، والثّانِي أحْسَنُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ العائِدِ إلى المَوْصُولِ، والمُرادُ بِما أمَرَهُ جَمِيعُ ما أمَرَهُ والمَعْنى عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَمْ يَقْضِ مِن أوَّلِ زَمانِهِ تَكْلِيفَهُ إلى زَمانِ أمانَتِهِ وإقْبارِهِ، أوْ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الغايَةِ مَعَ طُولِ المَدى وامْتِدادِهِ جَمِيعَ ما أمَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِن جَمِيعِ أوامِرِهِ تَعالى؛ إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ تَقْصِيرٍ ما، ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وفِيهِ حَمْلُ عَدَمِ القَضاءِ عَلى نَفْيِ العُمُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِبَيانِ غايَةِ عِظَمِ جِنايَةِ الإنْسانِ وتَحْقِيقِ كُفْرانِهِ المُفْرِطِ المُسْتَوْجِبِ لِلسُّخْطِ العَظِيمِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهَذا القَدْرِ مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ لا يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِن أفْرادِهِ، واخْتِيرَ أنْ يُحْمَلَ عَدَمُ القَضاءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ إمّا عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ المُسْتَغْنِي أوْ هو الجِنْسُ، لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ بَلْ عَلى أنَّ مِصْداقَ الحُكْمِ بِعَدَمِ القَضاءِ بَعْضُ أفْرادِهِ، وقَدْ أُسْنِدَ إلى الكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ .

وإمّا عَلى أنَّ مِصْداقَهُ الكُلُّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ بِطْرِيقِ رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الكُلِّيِّ فالمَعْنى: لَمّا يَقْضِ جَمِيعُ أفْرادِهِ ما أمَرَهُ، بَلْ أخَلَّ بِهِ بَعْضُها بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ أنْ لا يَخْتَلِفَ عَنْهُ أحَدٌ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا فَيَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: حَقًّا لَمْ يَعْمَلْ بِما أمَرَهُ بِهِ.

وقالَ ابْنُ فُورَكَ: الضَّمِيرُ فِي: ﴿ يَقْضِ ﴾ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَمْ يَقْضِ اللَّهُ تَعالى لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ بَلْ أمَرَهُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ لَمّا يَقْضِ لَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ عَلى مَعْنى: إذا كانَ هَذا حالَ الإنْسانِ وهو أنَّهُ إلى الآنِ لَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ مَعَ أنَّ مُقْتَضى النِّعَمِ السّابِقَةِ القَضاءُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ...

إلَخْ.

لَعَلَّهُ يَقْضِي، وفي الحَواشِي العِصامِيَّةِ لا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ مِن كَمالِ تَهْيِيجِ الإنْسانِ وتَحْرِيضِهِ عَلى امْتِثالِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ، وتَفْرِيعُ الأمْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِائْتِمارَ كَما يَنْبَغِي أنْ يَتَيَسَّرَ بَعْدَ الِارْتِداعِ عَمّا هو عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هُنا نَحْوَ ما أُرِيدَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ ولَمّا جَوَّزَ صاحِبُ الحَواشِي المَذْكُورَةِ حَمْلَ عَدَمِ القَضاءِ عَلى السَّلْبِ الكُلِّيِّ وجَعَلَ الكَلامَ في الإنْسانِ المُبالِغِ في الكُفْرِ قالَ: فالمُرادُ بِضَمِيرِ ﴿ يَقْضِ ﴾ غَيْرُ الإنْسانِ الَّذِي أُمِرَ بِالنَّظَرِ فَإنَّهُ عامٌّ فَلِذا أُظْهِرَ وتَضَمَّنَ ما مَرَّ ذِكْرَ النِّعَمِ الذّاتِيَّةِ؛ أيْ ما يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الإنْسانِ مِنَ الذّاتِ نَفْسِها ولَوازِمِها، وهَذا ذِكْرُ النِّعَمِ الخارِجِيَّةِ المُقابَلَةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ: الأُولى نِعَمٌ خاصَّةٌ، والثّانِيَةُ نِعَمٌ عامَّةٌ.

وقِيلَ: تِلْكَ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالحُدُوثِ وهَذِهِ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَقاءِ، وفِيهِ نَظَرٌ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالطَّعامِ المَطْعُومِ بِأنْواعِهِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرِ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ فِيهِ أكْثَرُ مِن آثارِها في المَشْرُوبِ، واعْتِبارُ التَّغْلِيبِ لا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّۭا ٢٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّا صَبَبْنا الماءَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِهِ كالمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: صَبَبْنا لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ أنّا صَبَبْنا...

إلَخْ.

وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ هو البَدَلُ وبِذَلِكَ يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ أنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا وما تَهالَكَ عَلَيْهِ أهْلُها، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ عَنِ السِّياقِ، ولا أظُنُّ أنَّهُ وقَعَ عَلى صِحَّةِ رِوايَتِهِ عَنْ هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ الِاتِّفاقُ.

وظاهِرُ الصَّبِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الماءِ بِالغَيْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ الأعَمِّ.

وقالَ: إنَّ في كُلِّ ماءٍ صَبًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِ أسْبابِهِ عَلى أُصُولِ النَّباتاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيصالَ الماءِ إلى أُصُولِ النَّباتاتِ يَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ صَبًّا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها مَعَ كَوْنِها مَظِنَّةً لِإنْكارِ القاصِرِ لِعَدَمِ الإحْساسِ بِفِعْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُعْرَفُ الِاسْتِنادُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «إنّا» بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّهُ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما رَزَقَهُ جَلَّ وعَلا مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ قِيلَ: كَيْفَ أُحْدِثَ ذَلِكَ وأُوجِدَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيلَ: «إنّا صَبَبْنا» إلَخْ.

وقَرَأ الإمامُ الحُسَيْنُ ابْنُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُما ورَضِيَ سُبْحانَهُ عَنْهُما: «أنّى صَبَبْنا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والإمالَةِ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا الماءَ ﴿ صَبًّا ﴾ عَجِيبًا.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّۭا ٢٦

﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ شَقًّا ﴾ بَدِيعًا لائِقًا بِما يَشُقُّها مِنَ النَّباتِ صِغَرًا وكِبَرًا وشَكْلًا وهَيْئَةً.

وقِيلَ: شَقُّها بِالكِرابِ، وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ هو المُوجِدُ حَقِيقَةً فَقَدْ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ حَقِيقَةً لِمَن قامَ بِهِ لا مَن صَدَرَ عَنْهُ إيجادًا ولِهَذا يُشْتَقُّ اسْمُ الفاعِلِ لَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ كَلِمَةُ ثُمَّ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّۭا ٢٧

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ فَإنَّ الشَّقَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا تَرَتُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإمْطارِ أصْلًا ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ ما نَبَتَ مِنَ الأرْضِ إلى أنْ يَتَكامَلَ النُّمُوُّ ويَنْعَقِدَ الحَبُّ؛ فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ بِالنَّباتِ لا يَزالُ يَتَزايَدُ ويَتَّسِعُ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ خارِجٍ عَنِ العاداتِ المَعْهُودَةِ كَما يُنْبِئُ مِنهُ إرْدافُ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرَيْنِ فَتَوْسِيطُ فِعْلِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعَمِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ الشَّقَّ بِالكِرابِ لا يَظْهَرُ في العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ العَطْفِ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِجَمِيعِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الكِرابِ في القِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما يَشْمَلُ الحَفْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَقَّها بِالعُيُونِ عَلى أنَّ المُرادَ بِصَبِّ الماءِ إمْطارُ المَطَرِ وبِهَذا إجْراءُ الأنْهارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُ الشَّقِّ عَلى صَبِّ الماءِ بِكَلِمَةِ التَّراخِي، وأيْضًا تَرْتِيبُ الإنْباتِ عَلى مَجْمُوعِ الصَّبِّ والشَّقِّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ﴾ الآيَةَ؛ لِإشْعارِهِ بِاسْتِقْلالِ الصَّبِّ وإنْزالِ الغَيْثِ في ذَلِكَ، ودَفْعًا بِأنَّ ماءَ العُيُونِ مِنَ المَطَرِ لا مِنَ الأبْخِرَةِ المُحْتَبَسَةِ في الأرْضِ ولا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنٍ أنَّ هَذا الوَجْهَ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ، والمُرادُ بِالحَبِّ جِنْسُ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَقَوَّتُ بِها وتُدَّخَرُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ وغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

وَعِنَبًۭا وَقَضْبًۭا ٢٨ وَزَيْتُونًۭا وَنَخْلًۭا ٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلْبًۭا ٣٠

﴿ وعِنَبًا ﴾ مَعْرُوفٌ ﴿ وقَضْبًا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ.

وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿ وحَدائِقَ ﴾ رِياضًا ﴿ غُلْبًا ﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها.

وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَفَـٰكِهَةًۭ وَأَبًّۭا ٣١

﴿ وفاكِهَةً ﴾ قِيلَ: هي الثِّمارُ كُلُّها، وقِيلَ: بَلْ هي الثِّمارُ ما عَدا العِنَبَ والرُّمّانَ وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ ما يَدْخُلُ فِيها أوَّلًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.

﴿ وأبًّا ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: إنَّهُ الكَلَأُ والمَرْعى مِن أنَّهُ إذا أمَّهُ وقَصَدَهُ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُقْصَدُ أوْ مِن أبَّ لِكَذا إذا تَهَيَّأ لَهُ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئُ المَرْعى، ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ مَكانِ الكَلَأِ ومِنهُ قَوْلُهُ: جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ولَنا الأبُّ بِها والمَكْرَعُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَةَ والحَصِيدَ، وما يَأْكُلُهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ التِّبْنُ خاصَّةً، وقِيلَ: هو يابِسُ الفاكِهَةِ؛ لِأنَّها تُؤَبُّ وتُهَيَّأُ لِلشِّتاءِ لِلتَّفَكُّهِ بِها، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالَ: سُئِلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الأبِّ ما هُوَ؟

فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إذا قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا أعْلَمُ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ ﴿ وعِنَبًا ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ وأبًّا ﴾ فَقالَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْناهُ فَما الأبُّ؟

ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كانَتْ في يَدِهِ فَقالَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ هو التَّكَلُّفُ، فَما عَلَيْكَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ ابْتَغَوْا ما بُيِّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ فاعْمَلُوا بِهِ، وما لَمْ تَعْرِفُوهُ فَكِلُوهُ إلى رَبِّهِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن رِوايَةِ أنَسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ وقالَ: فَما الأبُّ؟

ثُمَّ قالَ: ما كُلِّفْنا أوْ ما أُمِرْنا بِهَذا، ويَتَراءى مِن ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ مَعانِي القُرْآنِ والبَحْثِ عَنْ مُشْكِلاتِهِ، وفي الكَشّافِ: لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ ولَكِنَّ القَوْمَ كانَتْ أكْبَرُ هِمَّتِهِمْ عاكِفَةً عَلى العَمَلِ، وكانَ التَّشاغُلُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ لا يُعْمَلُ بِهِ تَكَلُّفًا فَأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عمر أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في الِامْتِنانِ عَلى الإنْسانِ بِمَطْمَعِهِ واسْتِدْعاءِ شُكْرِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن فَحْواها أنَّ الأبَّ بَعْضُ ما أنْبَتَ سُبْحانَهُ لِلْإنْسانِ مَتاعًا لَهُ أوْ لِأنْعامِهِ فَعَلَيْكَ بِما هو أهَمُّ مِنَ النُّهُوضِ بِالشُّكْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تَبَيَّنَ لَكَ، ولَمْ يُشْكِلْ مِمّا عَدَّدَ مِن نِعْمَتِهِ تَعالى ولا تَتَشاغَلْ عَنْهُ بِطَلَبِ مَعْنى الأبِّ ومَعْرِفَةِ النَّباتِ الخاصِّ الَّذِي هو اسْمٌ لَهُ واكْتَفِ بِالمَعْرِفَةِ الجُمْلِيَّةِ إلى أنَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ في غَيْرِ هَذا الوَقْتِ، ثُمَّ وصّى النّاسَ بِأنْ يَجْرُوا عَلى هَذا السَّنَنِ فِيما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ انْتَهى.

وهُوَ قُصارى ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، لَكِنْ في بَعْضِ الآثارِ عَنِ الفارُوقِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ ما يَبْعُدُ فِيهِ إنْ صَحَّ هَذا التَّوْجِيهُ.

بَقِيَ شَيْءٌ وهو أنَّهُ يَنْبَغِي أنَّ خَفاءَ تَعْيِينِ المُرادِ مِنَ الأبِّ عَلى الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَحْوِها مِنَ الصَّحابَةِ وكَذا الِاخْتِلافُ فِيهِ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ غَرِيبًا مُخِلًّا بِالفَصاحَةِ وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عِنْدَ العَرَبِ العَرْباءِ، وقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِابْنِ الأزْرَقِ بِما تَعْتَلِفُ مِنهُ الدَّوابُّ، واسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: تَرى بِهِ الأبَّ واليَقْطِينَ مُخْتَلِطا ووَقَعَ في شِعْرِ بَعْضِ الصَّحابَةِ كَما سَمِعْتَ، ومَن تَتَبَّعَ وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

مَّتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ ٣٢

﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ قِيلَ: إمّا مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكُمْ؛ فَإنَّ بَعْضَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ طَعامٌ لَهم وبَعْضَها عَلَفٌ لِدَوابِّهِمْ، ويُوَزَّعُ ويُنْزَلُ كُلٌّ عَلى مُقْتَضاهُ، والِالتِفاتُ لِتَكْمِيلِ الِامْتِناعِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا أوْ لِفِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَتَمَتَّعْتُمْ بِذَلِكَ مَتاعًا؛ أيْ: تَمَتُّعًا أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ في مَعْنى التَّمْتِيعِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظِيرِهِ؛ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣

﴿ فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِمْ ومَعاشِهِمْ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ المَتاعِ مِن سُرْعَةِ زَوالِ هاتِيكَ النِّعَمِ وقُرْبِ اضْمِحْلالِها.

و«الصّاخَةُ» هي الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ مِن صَخَّ بِمَعْنى أصاخَ أيِ اسْتَمَعَ، والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، ووُصِفَتْ بِها لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها فَجُعِلَتْ مُسْتَمِعَةً مَجازًا في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ، وقالَ الرّاغِبُ: «الصّاخَّةُ» شِدَّةُ صَوْتِ ذِي النُّطْقِ، يُقالُ: صَخَّ يَصُخُّ فَهو صاخٌّ فَعَلَيْهِ هي بِمَعْنى الصّائِحَةِ مَجازًا أيْضًا، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ؛ أيْ: صَكَّهُ.

وقالَ الخَلِيلُ: هي صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا؛ أيْ: تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها، ومِنهُ أخَذَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلَهُ: ﴿ الصّاخَّةُ ﴾ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهو مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ؛ كَقَوْلِهِ: أصَمَّ بِكَ الدّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا ثُمَّ قالَ: ولَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تَصُمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ، والكَلامُ في جَوابِ «إذا» وفي «يَوْمَ» مِن قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍۢ شَأْنٌۭ يُغْنِيهِ ٣٧

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ ﴿ وأُمِّهِ وأبِيهِ ﴾ ﴿ وصاحِبَتِهِ ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿ وبَنِيهِ ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟

قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ﴾ الآيَةَ».

وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»».

وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ.

ثُمَّ قَرَأ: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ﴾ الآيَةَ.

وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى.

وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ: كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»».

لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ، <div class="verse-tafsir"

وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ مُّسْفِرَةٌۭ ٣٨ ضَاحِكَةٌۭ مُّسْتَبْشِرَةٌۭ ٣٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ فَ ﴿ وُجُوهٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ كَما مَرَّ و«مُسْفِرَةٌ» خَبَرُهُ و«يَوْمَئِذٍ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وعَنِ الضَّحّاكِ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ أيْ: لِأنَّ الوُضُوءَ مِن خَواصِّهِمْ، قِيلَ؛ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ فَقَطْ لا مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ أيْ: مَسْرُورَةٌ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌۭ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ٤٢

﴿ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿ تَرْهَقُها ﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿ قَتَرَةٌ ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ.

وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله