تفسير الألوسي سورة التكوير

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة التكوير

تفسيرُ سورةِ التكوير كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 71 دقيقة قراءة

تفسير سورة التكوير كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ١

سُورَةُ التَّكْوِيرِ ويُقالُ: سُورَةُ كُوِّرَتْ، وسُورَةُ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وفي التَّيْسِيرِ ثَمانٍ وعِشْرُونَ، وفِيها مِن شَرْحِ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ آخِرُ السُّورَةِ قَبْلَ ما فِيها.

وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ و ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ و ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ » أيِ السُّوَرَ الثَّلاثَ وكَفى بِذَلِكَ مُناسَبَةً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ أيْ: «لُفَّتْ» مِن كَوَّرْتُ العِمامَةَ إذا لَفَفْتَها وهو مَجازٌ عَنْ رَفْعِها وإزالَتِها مِن مَكانِها بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ فَإنَّ الثَّوْبَ إذا أُرِيدَ رَفْعُهُ يُلَفُّ لَفًّا ويُطْوى ثُمَّ يُرْفَعُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لَفُّ ضَوْئِها المُنْبَسِطِ في الآفاقِ المُنْتَشِرِ في الأقْطارِ، إمّا عَلى أنَّ الشَّمْسَ مَجازٌ عَنِ الضَّوْءِ فَإنَّهُ شائِعٌ في العُرْفِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ ويُرادُ مِن لَفِّهِ إذْهابُهُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا، أوْ رَفْعُهُ وسِتْرُهُ اسْتِعارَةٌ كَما قِيلَ، وقَدِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ الضَّوْءِ بِالجَواهِرِ والأُمُورِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي إذا رُفِعَتْ لُفَّتْ في ثَوْبٍ ثُمَّ تُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ ويُجْعَلُ التَّكْوِيرُ بِمَعْنى اللَّفِّ قَرِينَةً لِيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وكَوْنُ المُرادِ إذْهابُ ضَوْئِها مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وهو ظاهِرُ ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ بِ «أظْلَمَتْ»، والظّاهِرُ أنَّ ذاكَ مَعَ بَقاءِ جِرْمِها كالقَمَرِ في خُسُوفِهِ، وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ نَفْسِ الشَّمْسِ والذَّهابِ بِها لِلُزُومِ العادِيِّ واسْتِلْزامِ زَوالِ اللّازِمِ لِزَوالِ المَلْزُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها وطُرِحَتْ مِن طَعْنِهِ فَحَوَّرَهُ وكَوَّرَهُ؛ أيْ: ألْقاهُ مُجْتَمِعًا عَلى الأرْضِ، وإلْقاؤُها في جَهَنَّمَ مَعَ عَبَدَتِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ ويَذْهَبُ إذا ذاكَ نُورُها كَما صَرَّحَ بِهِ القُرْطُبِيُّ أوْ في البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ أبِي الدُّنْيا وابْنِ أبِي حاتِمٍ وأبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَتِيكٍ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ رِيحًا دَبُورًا فَتَنْفُخُهُ أيِ البَحْرَ حَتّى يَرْجِعَ نارًا، وعِظَمُ جِرْمِ الشَّمْسِ اليَوْمَ لا يَقْتَضِي اسْتِحالَةَ إلْقائِها في البَحْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِجَوازِ اخْتِلافِ الحالِ في الوَقْتَيْنِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَكِنْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ «أنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الرُّؤُوسِ في المَحْشَرِ حَتّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ ويُلْجِمُ النّاسَ العَرَقُ يَوْمَئِذٍ» والأبْحُرُ حِينَئِذٍ لَتُلْقى فِيهِ بَعْدُ فَلا تَقْفُلُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ «كُوِّرَتْ» نُكِّسَتْ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَكْوِيرُها: إدْخالُها في العَرْشِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اضْمَحَلَّتْ، ومُدارُ التَّرْكِيبِ عَلى الإدارَةِ والجَمْعِ.

هَذا ولَمْ نَقِفْ لِأحَدٍ مِنَ السَّلَفِ عَلى إرادَةِ لَفِّها حَقِيقَةً، ولِلْمُتَأخِّرِينَ في جَوازِ إرادَتِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: لا تَجُوزُ إرادَتُهُ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُرَيَّةٌ مُصْمَتَةٌ، وغايَةُ اللَّفِّ هي الإدارَةُ وهي حاصِلَةٌ فِيها، وقِيلَ: تَجُوزُ لِأنَّ كَوْنَ الشَّمْسِ كَذَلِكَ مِمّا لا يُثْبِتُهُ أهْلُ الشَّرْحِ وعَلى تَسْلِيمِهِ يَجُوزُ أنْ يَحْدُثَ فِيها قابِلِيَّةُ اللَّفِّ بِأنْ يُصَيِّرَها سُبْحانَهُ مُنْبَسِطَةً ثُمَّ يَلُفُّها ولَهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ ما لَهُ مِنَ الحِكَمِ، ويُبْعِدُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ فِيما أرى كَوْنُها كَيْفَما كانَتْ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لا تُلَفُّ كالثِّيابِ، نَعَمْ القُدْرَةُ في كُلِّ وقْتٍ لا يَتَعاصاها شَيْءٌ، وارْتِفاعُ الشَّمْسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ لِاخْتِصاصِ إذا الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَهم بِالفِعْلِ وعَلى الِابْتِداءِ عِنْدَ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ عِنْدَهُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ خِلافُ الأصْلِ.

وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ٢

﴿ وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ أيِ انْقَضَتْ وسَقَطَتْ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ومِنهُ: انْكَدَرَ البازِيُّ إذا نَزَلَ بِسُرْعَةٍ عَلى ما يَأْخُذُهُ.

قالَ العَجّاجُ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ: إذا الكِرامُ ابْتَدَرُوا الباعَ بَدَرْ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطَّوْدِ فَمَرْ ∗∗∗ أبْصَرَ خِرْبانَ فَضاءٍ فانْكَدَرْ وهَذا إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَبْقى يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ إلّا سَقَطَ في الأرْضِ، وعَنْهُ أيْضًا: أنَّ النُّجُومَ قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ مِن نُورٍ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ تَساقَطَتْ مِن أيْدِيهِمْ.

وظاهِرُ هَذا أنَّ النُّجُومَ لَيْسَتْ في جِرْمِ أفْلاكٍ لَها كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ بَلْ مُعَلَّقَةٌ في فَضاءٍ ويَقْرُبُ مِنهُ مِن وجْهٍ قَوْلُ الفَلاسِفَةِ المُحْدَثِينَ فَإنَّهم يَقُولُونَ بِكَوْنِها في فَضاءٍ أيْضًا، لَكِنْ بِقُوًى مُتَجاذِبَةٍ لا مُعَلَّقَةٍ بِسَلاسِلَ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ ولَيْسَ وراءَ ما يُشاهَدُ مِنها إلّا سَماءٌ بِمَعْنى جِهَةِ عُلُوٍّ لا سَماءٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وإنْ صَحَّ خَبَرُ الحَبْرِ وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ لَمْ نَعْدِلْ عَنْ ظاهِرِهِ إلّا إنْ ظَهَرَ اسْتِحالَتُهُ وهَيْهاتَ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ فالأمْرُ سَهْلٌ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضٌ المُتَأهِّلِينَ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الأرْبابِ النُّورِيَّةِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مَلِكًا، وإنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِن قَطَراتِ المَطَرِ يَنْزِلُ مَعَها مَلَكٌ»».

وخَبَرُ: ««أتانِي مَلَكُ الجِبالِ ومَلَكُ البِحارِ»».

وتُسَمّى المُثُلَ الأفْلاطُونِيَّةَ وهي أنْوارٌ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها مُدَبَّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَرْبُوباتِ حافِظَةٌ إيّاها وهي المُنَمِّيَةُ والغاذِيَةُ والمَوْلُودَةُ في النَّباتاتِ والحَيَواناتِ ويُقالُ في السَّلاسِلِ إنَّهُ أُرِيدَ بِها القُوى الَّتِي بِها حِفْظُ الأوْضاعِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: انْكَدَرَتْ تَغَيَّرَتْ وانْطَمَسَ نُورُها كَما في هو في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن كَدَرْتُ الماءَ فانْكَدَرَ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ انْطِماسِ نُورِها بِتَكَدُّرِ الماءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ صَفاؤُهُ ورَوْنَقُ مَنظَرِهِ، وتَكُونُ هي حِينَئِذٍ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ مَعَ عَبَدَتِها في النّارِ، وظاهِرٌ أنَّ النُّجُومَ لا تَشْمَلُ الشَّمْسَ، وقِيلَ: تَشْمَلُها، وذِكْرُها بَعْدَها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ؛ فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٣

﴿ وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ ﴾ أيْ: أُزِيلَتْ عَنْ أماكِنِها مِنَ الأرْضِ بِالرَّجْفَةِ الحاصِلَةِ عَلى أنَّ التَّسْيِيرَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ بَعْدَ رَفْعِها في الجَوِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ .

وهَذا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ٤

﴿ وإذا العِشارُ ﴾ جَمْعُ عُشَراءَ كَنِفاسٍ جَمْعِ نُفَساءَ وهي النّاقَةُ الَّتِي أتى عَلَيْها مِن يَوْمِ أُرْسِلَ فِيها الفَحْلُ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ اسْمُها حَتّى تَضَعَ، وقَدْ يُقالُ لَها ذَلِكَ بَعْدَ ما تَضَعُ أيْضًا وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ ﴿ عُطِّلَتْ ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً لا راعِيَ لَها ولا طالِبَ، وقِيلَ: عَطَّلَها أهْلُها عَنِ الحَلْبِ والصَّرِّ، وقِيلَ: عَنْ أنْ يُرْسَلَ فِيها الفُحُولُ؛ وذَلِكَ إذا كانَ قُبَيْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِاشْتِغالِ أهْلِها بِما عَراهم مِمّا يَكُونُ إذا ذاكَ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْطِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ إذْ لا عِشارَ حِينَئِذٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَتْ عِشارٌ لَعَطَّلَها أهْلُها واشْتَغَلُوا بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ: إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ وشاهَدُوا الوُحُوشَ والأنْعامَ والدَّوابَّ مَحْشُورَةً ورَأوْا عِشارَهم الَّتِي كانَتْ كَرائِمَ أمْوالِهِمْ فِيها لَمْ يَعْبَؤُوا بِها لِشُغْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: المُرادُ بِالعِشارِ السَّحابُ عَلى تَشْبِيهِ السَّحابَةِ المُتَوَقَّعِ مَطَرُها بِالنّاقَةِ العُشَراءِ القَرِيبِ وضْعُ حَمْلِها وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ مَعَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ السُّحُبَ تَنْعَقِدُ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، وتَرى عِنْدَها وألّا يُنافِيهِ كَوْنُهُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ عَلى الأوَّلِ فَإنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ مُرَجَّحٌ بِنَفْسِهِ، وتَعْطِيلُها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ ارْتِقابِ مَطَرِها لِأنَّهم في شُغْلٍ عَنْهُ.

وقِيلَ عَنْ عَدَمِ إمْطارِها وقِيلَ: هي الدِّيارُ تُعَطَّلُ فَلا تُسْكَنُ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي يُعَشَّرُ زَرْعُها تُعَطَّلُ فَلا تُزْرَعُ.

وقَرَأ مُضَرٌ اليَزِيدِيُّ: «عُطِلَتْ» بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، ونَقَلَهُ في اللَّوامِحِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ثُمَّ قالَ: هو وهْمٌ، إنَّما «عَطَلَتْ» بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى تَعَطَّلَتْ؛ لِأنَّ تَشْدِيدَهُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: عَطَّلْتُ الشَّيْءَ وأعْطَلْتُهُ فَعَطَلَ بِنَفْسِهِ وعَطَلَتِ المَرْأةُ فَهي عاطِلٌ إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حُلِيٌّ فَلَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ لُغَةٌ اسْتَوى فِيها فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ؛ أيْ: في التَّعَدِّي، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ عُدِّيَ بِالحَرْفِ ثُمَّ حُذِفَ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ٥

﴿ وإذا الوُحُوشُ ﴾ جَمْعُ وحْشٍ وهو حَيَوانُ البَرِّ الَّذِي لَيْسَ في طَبْعِهِ التَّأنُّسُ بِبَنِي آدَمَ، والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ البَهائِمَ مُطْلَقًا.

﴿ حُشِرَتْ ﴾ أيْ: جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ وذَلِكَ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ تَخْرُجُ نارٌ تَفِرُّ النّاسُ والأنْعامُ مِنها حَتّى تَجْتَمِعَ، وقِيلَ: أُمِيتَتْ مِن قَوْلِهِمْ: إذا أجْحَنَتِ السَّنَةُ النّاسَ حَشَرَتْهُمْ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حَشْرُها مَوْتُها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الحَشْرِ بِالجَمْعِ إلّا أنَّهُ قالَ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ جُمِعَتْ بِالمَوْتِ فَلا تُبْعَثُ ولا يُحْضَرُ في القِيامَةِ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: بُعِثَتْ لِلْقِصاصِ فَيُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ: تُحْشَرُ الوُحُوشُ حَتّى يُقْتَصَّ مِن بَعْضِها لِبَعْضٍ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ ثُمَّ يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، وقِيلَ: إذا قُضِيَ بَيْنَها رُدَّتْ تُرابًا فَلا يَبْقى مِنها إلّا ما فِيهِ سُرُورٌ لِبَنِي آدَمَ وإعْجابٌ بِصُورَتِهِ كالطّاوُوسِ والظَّبْيِ.

وقِيلَ: يَبْقى كُلُّ ما لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ كَشاةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنها إلّا هُوَ، ويُدْخَلُ ما يَبْقى الجَنَّةَ عَلى حالٍ لائِقَةٍ بِها، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى بَعْثِ جَمِيعِ الحَيَواناتِ مَيْلًا إلى هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها.

فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»».

وزادَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «وحَتّى الذَّرَّةُ مِنَ الذَّرَّةِ».

ومالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ لا يُحْشَرُ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا إلّا أهْلًا لِلْكَرامَةِ بِوَجْهٍ ولَيْسَ في هَذا البابِ نَصٌّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مُعَوَّلٌ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى حَشْرِ غَيْرِهِما مِنَ الوُحُوشِ، وخَبَرُ مُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ وإنْ كانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدْلِ التّامِّ وإلى هَذا القَوْلِ أمِيلُ ولا أجْزِمُ بِخَطَأِ القائِلِينَ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّ لَهم ما يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا في الجُمْلَةِ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: «حُشِّرَتْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٦

﴿ وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ أيْ: أُحْمِيَتْ بِأنْ تَغِيضَ مِياهُها وتَظْهَرَ النّارُ في مَكانِها؛ ولِذا ورَدَ عَلى ما قِيلَ: إنَّ البَحْرَ غِطاءُ جَهَنَّمَ، أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَكُونَ مالِحُها وعَذْبُها بَحْرًا واحِدًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقِيلَ: مُلِئَتْ نِيرانًا تَضْطَرِمُ لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: مُلِئَتْ تُرابًا تَسْوِيَةً لَها بِأرْضِ المَحْشَرِ ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ أُثِرَ عَنِ السَّلَفِ.

ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ لُغاتِ القُرْآنِ أنَّ ﴿ سُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى جُمِعَتْ لُغَةُ خَثْعَمَ، ولَعَلَّ جَمْعَها عَلَيْهِ بِالتَّفْجِيرِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُلِكَتْ وقُيِّدَ اضْطِرابُها حَتّى لا يَخْرُجَ عَنِ الأرْضِ مِنَ الهَوْلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن ساجُورِ الكَلْبِ وهو خَشَبَةٌ تُجْعَلُ في عُنُقِهِ، ويُقالُ: سَجَرَهُ إذا شَدَّهُ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «سُجِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ٧

﴿ وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ أيْ: قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، ويُقْرَنُ الرَّجُلُ السُّوءُ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النّارِ؛ فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الأنْفُسِ.

وفي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَواهُ النُّعْمانُ أيْضًا ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ وقالَ بَعْضٌ: هَذا في المَوْقِفِ؛ أنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الطَّبَقاتِ الأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: تُقْرَنُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِأزْواجِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.

وقِيلَ: تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِكِتابِها، وقِيلَ: بِعَمَلِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِخَصْمِها فَلا يُمْكِنُها الفِرارُ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ كُلِّ نَفْسٍ ذا خَصْمٍ بَيْنَ الِانْتِفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالنَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ، والتَّزْوِيجُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا؛ أيْ: مُقارَنًا.

وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ: تُقْرَنُ النُّفُوسُ بِأزْواجِها؛ وذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ، والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، وقَرَأ عاصِمٌ: «زُوِّجَتْ» عَلى فُوعِلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ ٨ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ ٩

﴿ وإذا المَوْءُودَةُ ﴾ وهي البِنْتُ الَّتِي تُدْفَنُ حَيَّةً مِنَ الوَأْدِ وهو الثِّقَلُ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثْقَلُ بِالتُّرابِ حَتّى تَمُوتَ.

وقِيلَ: هو مَقْلُوبُ الأوْتُدِ وحَكاهُ المُرْتَضى في دُرَرِهِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، وهو غَيْرُ مُرْتَضًى عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وكانَتِ العَرَبُ تَئِدُ البَناتِ مَخافَةَ لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِنَّ، وقِيلَ: مَخافَةَ الإمْلاقِ، ولَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ ومِنهم مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ فَألْحَقُوا البَناتِ بِهِ تَعالى فَهو عَزَّ وجَلَّ أحَقُّ بِهِنَّ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ أنْ يَسْتَحْيِيَها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ تَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا كانَتْ سُداسِيَّةً فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أحْمائِها وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها البِئْرَ فَيَقُولُ لَها: انْظُرِي فِيها، ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى تَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرُبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ، فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها فِيها، وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ، ورَأيْتُ إذْ أنا يافِعٌ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أوَّلَ قَبِيلَةٍ وأدَتْ مِنَ العَرَبِ رَبِيعَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهم أغْيَرُ عَلَيْهِمْ، فَنُهِبَتْ بِنْتٌ لِأمِيرٍ لَهم فاسْتَرَدَّها بَعْدَ الصُّلْحِ فَخُيِّرَتْ بِرِضًا مِنهُ بَيْنَ أبِيها ومَن هي عِنْدَهُ فاخْتارَتْ مَن هي عِنْدَهُ وآثَرَتْهُ عَلى أبِيها، فَغَضِبَ وسَنَّ لِقَوْلِهِ الوَأْدَ فَفَعَلُوهُ غَيْرَةً مِنهم ومَخافَةَ أنْ يَقَعَ لَهم بَعْدُ مِثْلَ ما وقَعَ، وشاعَ في العَرَبِ غَيْرِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

وقَرَأ البَزِّيُّ في رِوايَةٍ: «المَؤُدَةُ» كَمَعُونَةٍ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ «المَوْءُودَةُ» كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الواوِ قَبْلَهُ، وحُذِفَتْ ثُمَّ هُمِزَتْ تِلْكَ الواوُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِن «آدَ» والأصْلُ المَأْوُودَةُ فَحُذِفَتْ أحَدُ الواوَيْنِ فَصارَتِ المَوْءُودَةَ كَما حُذِفَتْ مِن مَقْوُولٍ فَصارَ مَقُولًا.

وقُرِئَ: «المَوُودَةُ» بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ أعْنِي التَّسْهِيلَ بِحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها.

وفي مَجْمَعِ البَيانِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا: «المَوَدَّةُ» بِفَتْحِ المِيمِ والواوِ والمُرادُ بِها الرَّحِمُ والقُرابَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ قَرابَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُرادُ بِقَتْلِها قَطْعُها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، والمُرادُ قَتْلُ المُتَّصِفِ بِها.

وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى المَوْءُودَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُئِلَتْ ﴾ ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ دُونَ الوائِدِ مَعَ أنَّ الذَّنْبَ لَهُ دُونَها لِتَسْلِيَتِها وإظْهارِ كَمالِ الغَيْظِ والسُّخْطِ لِوائِدِها وإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ والمُبالَغَةِ في تَبْكِيتِهِ؛ فَإنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذا سُئِلَ بِمَحْضَرِ الجانِي ونُسِبَتْ إلَيْهِ الجِنايَةُ دُونَ الجانِي كانَ ذَلِكَ بَعْثًا لِلْجانِي عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ نَفْسِهِ وحالِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَرى بَراءَةَ ساحَتِهِ وأنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِتابِ والعِقابِ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْراجِ واقِعٌ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ ﴾ .

وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وابْنُ يَعْمُرَ «سَألَتْ»؛ أيْ: خاصَمَتْ أوْ سَألَتِ اللَّهَ تَعالى أوْ قاتَلَها وإنَّما قِيلَ: ﴿ قُتِلَتْ ﴾ لِما أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ عَنْها لا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَتْ بِهِ حِينَ سُئِلَتْ لِيُقالَ: قُتِلَتْ عَلى الخِطابِ ولا حِكايَةً لِكَلامِها حِينَ سَألَتْ لِيُقالَ قُتِلَتْ عَلى الحِكايَةِ عَنْ نَفْسِها، وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا وجابِرُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو الضُّحى ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ «سِيلَتْ» بِكَسْرِ السِّينِ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: سالَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِشَدِّ الياءِ لِأنَّ المَوْءُودَةَ اسْمُ جِنْسٍ فَناسَبَ التَّكْثِيرَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ جِنايَةِ الوَأْدِ.

وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ في الكُنى والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «جاءَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ التَّمِيمِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي وأدْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ لِي في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ رَقَبَةً» قالَ: إنِّي صاحِبُ إبِلٍ قالَ: «فاهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً»».

وكانَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ لا لِلْوُجُوبِ؛ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْظِيمُ أمْرِ الوَأْدِ، وكانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَقْبِحُهُ كَصَعْصَعَةَ بْنِ ناجِيَةَ المُجاشِعِيِّ جَدِّ الفَرَزْدَقِ كانَ يَفْتَدِي المَوْءُوداتِ مِن قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ، وبِهِ افْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ: وجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عَمِلْتُ أعْمالًا في الجاهِلِيَّةِ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ؟

أحْيَيْتُ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مِنَ المَوْءُودَةِ، أشْتَرِي كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِناقَتَيْنِ عُشَراوَيْنِ وجَمَلٍ.

فَهَلْ لِي في ذَلِكَ مِن أجْرٍ؟

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَكَ أجْرُهُ إذْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ بِالإسْلامِ»».

وعُدَّ مِنَ الوَأْدِ العَزْلُ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ خُذامَةَ بِنْتِ وهْبٍ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ العَزْلِ فَقالَ: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ»».

ومِن هُنا قِيلَ بِحُرْمَتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ؛ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: العَزْلُ وهو أنْ يُجامِعَ فَإذا قارَبَ الإنْزالَ نَزَعَ، وأنْزَلَ خارِجَ الفَرْجِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنا في كُلِّ حالِ امْرَأةٍ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى قَطْعِ النَّسْلِ، وأمّا التَّحْرِيمُ فَقَدْ قالَ أصْحابُنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - لا يَحْرُمُ في مَمْلُوكَتِهِ ولا في زَوْجَتِهِ الأمَةِ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا في مَمْلُوكَتِهِ بِمَصِيرِها أُمَّ ولَدٍ، وامْتِناعِ بَيْعِها، وعَلَيْهِ ضَرَرٌ في زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ بِمَصِيرِ ولَدِهِ رَقِيقًا تَبَعًا لِأُمِّهِ، وأمّا زَوْجَتُهُ الحُرَّةُ فَإنْ أذِنَتْ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ، وإلّا فَوَجْهانِ أصَحُّهُما لا يَحْرُمُ، ثُمَّ الأحادِيثُ الَّتِي ظاهِرُها التَّعارُضُ في هَذا المَطْلَبِ يُجْمَعُ بَيْنَها بِأنَّ ما ورَدَ مِنها في النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى كَراهَةِ التَّنْزِيهِ، وما ورَدَ في الإذْنِ في ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ ولَيْسَ مَعْناهُ نَفْيَ الكَراهَةِ انْتَهى.

وأُجِيبَ عَلى الحَدِيثِ السّابِقِ بِأنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالوَأْدِ الخَفِيِّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الوَأْدِ الظّاهِرِ؛ فَقَدْ صَحَّ أنَّ الرِّياءَ شِرْكٌ خَفِيٌّ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ كالعَزْلِ وأْدًا خَفِيًّا.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ إذا لَمْ يَخْشَ الزِّنا حَرامٌ، وإنْ خَشِيَ لَمْ يَحْرُمْ وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ التَّفْخِيذُ مَعَ مَن يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها كَذَلِكَ ولَمْ أرَ قائِلًا بِحُرْمَتِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في كُتُبِ الفِقْهِ فَلْتُراجَعْ.

واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وعَلى أنَّ العَذابَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِالذَّنْبِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ تَبْكِيتَ قاتِلِها يُبايِنُ تَعْذِيبَها لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّبْكِيتِ لِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ فَمَتى بَكَّتَ سُبْحانَهُ الكافِرَ بِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ كَيْفَ يَكُرُّ سُبْحانَهُ عَلَيْها فَيَفْعَلُ بِها ما يُنْسى عِنْدَهُ فِعْلُ المُبَكَّتِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأمّا الثّانِي فَلِإشارَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ إلى أنَّ القَتْلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ بِذَنْبٍ وأنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ ارْتِكابُهُ دُونَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ في مَعْناهُ كُلُّ تَعْذِيبٍ، ثُمَّ الآيَةُ لَمّا دَلَّتْ عَلى أنَّ المَوْءُودَةَ لا ذَنْبَ لَها لِيَتِمَّ التَّبْكِيتُ تَضَمَّنَتْ عَدَمَ اسْتِحْقاقِها العِقابَ.

وزُعِمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَبْنى ما ذَكَرَهُ التَّحْسِينُ والتَّقْبِيحُ، وقَدْ بُيِّنَ ما فِيهِما في مَوْضِعِهِ.

وعَلى التَّسْلِيمِ نَمْنَعُ انْحِصارَ سَبَبِ التَّبْكِيتِ في البَراءَةِ عَلى أنَّ القَتْلَ لِلْباعِثِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ بِمَعْنى خَشْيَةِ الإمْلاقِ رَذِيلَةٌ يُسْتَحَقُّ بِها التَّبْكِيتُ اسْتَحَقَّ بِها المَقْتُولُ التَّعْذِيبَ الأُخْرَوِيَّ أوَّلًا، وإشارَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ باعِثَهم عَلى القَتْلِ لَمْ يَكُنِ الذَّنْبَ لا إلى أنَّ الذَّنْبَ أعْنِي ما تَسْتَحِقُّ بِهِ المَوْءُودَةُ التَّعْذِيبَ مَعْدُومٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ وفي الأخْبارِ ما يُنافِيهِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجَعْفِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ، إلّا أنْ تُدْرِكَ الوائِدَةُ الإسْلامَ فَيَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنْها»».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى إذْ خَلَقَهم أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»».

وتَفْسِيرُهُ عَلى ما قِيلَ ما رَوى أبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرارِيُّ المُؤْمِنِينَ؟

فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟

قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرارِيُّ المُشْرِكِينَ؟

فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟

قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»».

وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ «سَألَتْ خَدِيجَةُ عَنْ ولَدَيْنِ ما بالُهُما في الجاهِلِيَّةِ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هُما في النّارِ»» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في مَسْألَةِ الأطْفالِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ ما عَدا أطْفالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم أُجْمِعَ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كَما قالَ اللَّقّانِيُّ خِلافًا فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مَن ماتَ مِن أطْفالِ المُسْلِمِينَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وتَوَقَّفَتْ فِيهِ بَعْضُ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عائِشَةَ: «تُوُفِّيَ صَبِيٌّ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ ولَمْ يُدْرِكْهُ.

قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَغَيْرُ ذَلِكَ يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ لِلنّارِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»».

وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهاها عَنِ المُسارَعَةِ إلى القَطْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَها دَلِيلٌ قاطِعٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، فَلَمّا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ إيّاهُمْ»» وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ.

وأمّا أطْفالُ المُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ؛ قالَ الأكْثَرُونَ: هم في النّارِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ لِحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ مَن يَمُوتُ مِنهم صَغِيرًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»».

أيْ: وغَيْرُ ذَلِكَ.

وتَوَقَّفَ طائِفَةٌ فِيهِمْ وقالَتِ الثّالِثَةُ -وهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ- إنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِأشْياءَ مِنها «حَدِيثُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ حَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ قالَ: وأوْلادُ المُشْرِكِينَ»» رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.

ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ولا يَتَوَجَّهُ عَلى المَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ويَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتّى يَبْلُغَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والجَوابُ عَنْ حَدِيثِ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم في النّارِ، وحَقِيقَةُ لَفْظَةِ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» لَوْ بَلَغُوا ولَمْ يَبْلُغُوا، والتَّكْلِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِالبُلُوغِ انْتَهى.

وتُعُقِّبَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاحْتِمالِ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِأنَّهُ يَأْباهُ ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ لِأنَّهُ في صَبِيٍّ مِنَ الأنْصارِ وبِناؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها إنَّما كانَ فِيها، وحَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ كانَتْ لَيْلَةَ المِعْراجِ وهو قَدْ كانَ فِيها، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أنَّ الأطْفالَ كُلَّهم في الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالَهُ بَعْدُ قالَهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، وأيْضًا إذا كانَ حَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَكَّةَ يُضْعِفُ الجَوابَ الأوَّلَ عَنْ حَدِيثِ عائِشَةَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ قالَتْ ما قالَتْ لِأنَّهُ بَلَغَها ذَلِكَ الحَدِيثُ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ المَذاهِبَ في أطْفالِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةٌ؛ الظّاهِرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما وُقِفَ عَلَيْهِ وإلّا فَهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيها بَلْ مِنها أنَّهم في بَرْزَخٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ومِنها أنَّهم يُمْتَحَنُونَ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ أطاعَ بِدُخُولِها فَيُرَدُّ إلى الجَنَّةِ، ومَن كُتِبَ لَهُ الشَّقاوَةُ امْتَنَعَ فَيُسْحَبُ إلى النّارِ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فَلا يُحْكَمُ عَلى مُعَيَّنٍ مِنهم بِجَنَّةٍ ولا نارٍ، وعَلَيْهِ حُمِلَ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» وفي اخْتِياراتِ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ هَذا أحْسَنُ الأجْوِبَةِ فِيهِمْ.

وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هو الصَّحِيحُ المُعْتَمَدُ، ومِنها ما ذَكَرَهُ هَذا الجَلالُ واخْتارَهُ الإمامُ الرَّبّانِيُّ الفارُوقِيُّ السَّرْهَنْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ثُمَّ يَصِيرُونَ تُرابًا كالوُحُوشِ وإنْ أُرِيدَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن أنَّهم في الجَنَّةِ كَوْنُهم فِيها كَسائِرِ أهْلِها فَهُناكَ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّهم فِيها خَدَمًا لِأهْلِها وقَدْ نَقَلَهُ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ وفِيهِ أحادِيثُ جَمَّةٌ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأطْفالِ المُشْرِكِينَ الأطْفالُ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهم وهم مُشْرِكُونَ ولَوْ آمَنُوا بَعْدُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّابِقُ في ولَدَيْ خَدِيجَةَ هُما في النّارِ».

وهُوَ يُعَكِّرُ عَلى مَن يَقُولُ: أطْفالُ الَّذِينَ ماتُوا مُشْرِكِينَ في النّارِ وأطْفالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ في الجَنَّةِ إكْرامًا لَهم.

والَّذِي أخْتارُهُ القَوْلَ بِأنَّ الأطْفالَ مُطْلَقًا وكَذا فَرْخُ الزِّنا ومَن جُنَّ قَبْلَ البُلُوغِ في الجَنَّةِ؛ فَهو الأخْلَقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوْفَقُ لِلْحِكْمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والأكْثَرُ تَأيُّدًا بِالآياتِ ولا بُعْدَ في تَرَجُّحِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هاتِيكَ الأخْبارُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ الأطْفالَ في الجَنَّةِ بَعِيدٌ عِنْدِي.

نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ أخْبَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ بِناءً عَلى أخْبارِ الوَحْيِ بِهِ كَأخْبارِهِ بِالوَعِيداتِ الَّتِي يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ كانَ لَمْ يَشْمَلْهُمُ الفَضْلُ مَثَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُذْكُرْ مَعَهُ كَما لَمْ يُذْكَرْ مَعَها لِحِكْمَةٍ ثُمَّ أخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ بِناءً عَلى إخْبارِ الوَحْيِ بِهِ أيْضًا، ويَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلْإخْبارِ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ لا يَتَحَقَّقُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا ويَكُونُ ذَلِكَ كالعَفْوِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ، ومِثْلُ ذَلِكَ إخْبارُهُ بِما ذُكِرَ بِناءً عَلى مُشاهَدَةِ كَوْنِهِمْ في الجَنَّةِ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ ١٠

﴿ وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ أيْ: صُحُفُ الأعْمالِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: إذا ماتَ الإنْسانُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ ثُمَّ تُنْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحاسَبُ بِما فِيها، وقِيلَ: نُشِرَتْ؛ أيْ: فُرِّقَتْ بَيْنَ أصْحابِها عَنْ مَرْثَدِ بْنِ وداعَةَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ تَطايَرَتِ الصُّحُفُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتَقَعُ صَحِيفَةُ المُؤْمِنِ في يَدِهِ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وتَقَعُ صَحِيفَةُ الكافِرِ في يَدِهِ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ؛ أيْ: مَكْتُوبٌ فِيها ذَلِكَ وهي صُحُفٌ غَيْرُ صُحُفِ الأعْمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «نُشِّرَتْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّشْرِ بِمَعْنَيَيْهِ أوْ لِكَثْرَةِ الصُّحُفِ أوْ لِشِدَّةِ التَّطايُرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ١١

﴿ وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ ﴾ قُلِعَتْ وأُزِيلَتْ كَما يُكْشَفُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ بِهِ فَأصْلُ الكَشْطِ السَّلْخُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإزالَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «قُشِطَتْ» بِالقافِ مَكانَ الكافِ واعْتِقابُهُما غَيْرُ عَزِيزٍ كالكافُورِ والقافُورِ، وعَرَبِيٌّ قُحٌّ وكُحٌّ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ١٢

﴿ وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ أيْ: أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا قالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ تَعالى وخَطايا بَنِي آدَمَ، وقَرَأ جَمْعٌ مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «سُعِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ١٣

﴿ وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: سِتُّ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ في الدُّنْيا والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وسِتٌّ في الآخِرَةِ: ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ - إلى - ﴿ وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ هَذِهِ في الدُّنْيا ﴿ وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ - إلى - ﴿ وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ هَذِهِ في الآخِرَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَكَدَّرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ فَفَزِعَتِ الجِنُّ إلى الإنْسِ والإنْسُ إلى الجِنِّ واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ فَماجُوا بَعْضُهم في بَعْضٍ، وأُهْمِلَتِ العِشارُ وقالَ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ فانْطَلَقُوا إلى البَحْرِ فَإذا هو نارٌ تَأجَّجُ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ صَدْعَةً واحِدَةً، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَتْهم رِيحٌ فَأماتَتْهم.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ السِّتَّ الأُوَلَ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وإنَّهُ مُرادُ مَن قالَ إنَّها في الدُّنْيا، وقِيلَ: هي فِيما قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى وما بَعْدَها إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّآ أَحْضَرَتْ ١٤

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ جَوابُ ﴿ إذا ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِها زَمانٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ يُشِعُّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ مَبْدَؤُهُ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ هي ومُنْتَهاهُ فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّ النَّفْسَ تَعْلَمُ ما تَعْلَمُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَدِيدِ أوْ عِنْدَ وُقُوعِ داهِيَةٍ مِن تِلْكَ الدَّواهِي بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ بَعْضُ تِلْكَ الدَّواهِي مِن مَبادِيهِ وبَعْضُها مِن رَوادِفِهِ نُسِبَ عِلْمُها بِذَلِكَ إلى زَمانِ وُقُوعِ كُلِّها تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ وتَفْظِيعًا لِلْحالِ، والمُرادُ بِ ﴿ ما أحْضَرَتْ ﴾ أعْمالُها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وبِحُضُورِ الأعْمالِ إمّا حُضُورُ صَحائِفِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ نَشْرُها وإمّا حُضُورُ أنْفُسِها عَلى ما قالُوا مِن أنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وهَيْئاتٍ مُعَيَّنَةٍ حَتّى أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَتَجَسَّمُ هُنالِكَ وتَتَصَوَّرُ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُؤَيِّدُهُ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا حَدِيثُ ذَبْحِ المَوْتِ ونَحْوُهُ، قِيلَ: ولا بُعْدَ في ذَلِكَ؛ ألا يُرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى صُورَةِ اللَّبَنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِأحْوالِ الحَضَراتِ الخَمْسِ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّهم يُشاهِدُونَ في هَذِهِ النَّشْأةِ الأعْمالَ عِنْدَ العُرُوجِ بِها إلى السَّماءِ، وكانَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّجَسُّدِ وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ إحْضارِها إلى النَّفْسِ مَعَ أنَّها تَحْضُرُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ الآيَةَ.

لِأنَّها لَمّا عَمِلَتْها في الدُّنْيا فَكَأنَّها أحْضَرَتْها في المَوْقِفِ ومَعْنى عِلْمِها بِها عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ اطِّلاعُها عَلَيْها مُفَصَّلَةً في الصُّحُفِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها مِنها شَيْءٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ .

وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي أنَّها تُشاهِدُها عَلى ما هي عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً تُشاهِدُها عَلى صُوَرٍ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ تُدْرِكُها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطّاعاتِ لا تَخْلُو فِيها عَنْ نَوْعِ مَشَقَّةٍ، وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً تُشاهِدُها عَلى خِلافِ ما كانَتْ عِنْدَها في الدُّنْيا كانَتْ مُزَيِّنَةً لَها مُوافِقَةً لِهَواها، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ المُفِيدُ لِثُبُوتِ العِلْمِ لِفَرْدٍ مِنَ النُّفُوسِ أوْ لِبَعْضٍ مِنها لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِها قاطِبَةً مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةٌ قَطْعًا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، ولَوْ جِيءَ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ ولِلرَّمْزِ إلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ العالِمَةَ بِما ذُكِرَ مَعَ تَوَفُّرِ أفْرادِها وتَكَثُّرِ أعْدادِها مِمّا تَسْتَقِلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ الَّذِي أُشِيرَ إلى بَعْضِ بَدائِعِ شُؤُونِهِ المُنْبِئَةِ عَنْ عِظَمِ سُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي الكَشّافِ أنَّ هَذا مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ فِيهِ الإفْراطَ فِيما يُعْكَسُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ومَعْناهُ: كَمْ وأبْلَغُ، وقَوْلُ القائِلِ: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ وتَقُولُ لِبَعْضِ قُوّادِ العَساكِرِ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الفُرْسانِ؟

فَيَقُولُ: رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي، أوْ لا تَعْدَمُ عِنْدِي فارِسًا وعِنْدَهُ المَقانِبُ، وقَصْدُهُ بِذَلِكَ التَّمادِي في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ بَراءَتِهِ مِنَ التَّزَيُّدِ وإنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ فَضْلًا أنْ يَتَزَيَّدَ فَجاءَ بِلَفْظِ التَّقْلِيلِ فَفُهِمَ مِنهُ مَعْنى الكَثْرَةِ عَلى الصِّحَّةِ واليَقِينِ، وبَيَّنَ بِالكَشْفِ أنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ ما في خُصُوصِ كُلِّ مَوْقِفٍ مِن فائِدَةٍ خاصَّةٍ، وذَكَرَ أنَّ مِنَ الفَوائِدِ هاهُنا تَهْوِيلُ اليَوْمَ بِتَقْلِيلِ الأنْفُسِ العالِمَةِ، وإنَّ كُنَّ جَمِيعَها، وإظْهارِ أنَّهُ كَلامٌ مِن غايَةِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ وأنَّ مَن يُغَيِّرُ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ ويُبَدِّلُها صِفاتٌ وذَواتٌ تَسْتَقِلُّ الأنْفُسُ الإنْسانِيَّةُ في جَنْبِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ أيَّما اسْتِقْلالٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو السُّعُودِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي نَظَرٍ جَلِيلٍ فَضْلًا عَنْ ذِي نَظَرٍ دَقِيقٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ إذا عَلِمَتْ حِينَئِذٍ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ ما أحْضَرَتْ وجَبَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ إصْلاحُ عَمَلِها مَخافَةَ أنْ تَكُونَ هي تِلْكَ الَّتِي عَمِلَتْ ما أحْضَرَتْ فَكَيْفَ وكُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَنْصَحُهُ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِذَلِكَ أنَّ نَدَمَهُ مَرْجُوُّ الوُجُودِ لا مُتَيَقَّنٌ بِهِ أوْ نادِرُ الوُجُودِ بَلْ تُرِيدُ أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَجْتَنِبَ أمْرًا يُرْجى مِنهُ النَّدَمُ أوْ قَلَّ ما يَقَعُ فِيهِ فَكَيْفَ إذا كانَ قَطْعِيَّ الوُجُودِ، كَثِيرَ الوُقُوعِ، واشْتُهِرَ أنَّ النَّكِرَةَ هُنا في مَعْنى العُمُومِ وهي قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ إذا اقْتَضى المَقامُ أوْ نَحْوُهُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِبَعْضِ أهْلِ الشّامِ وقَدْ سَألَهُ عَنِ المُحْرِمِ إذا قَتَلَ جَرادَةً أيَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ فَدِيَةً لَها: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ.

قِيلَ: ولِهَذا العُمُومِ ساغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ فِيهِ، وقَوْلُ بَعْضٍ: إنَّهُ لا عُمُومَ فِيها بَلِ العُمُومُ جاءَ مِن تَساوِي نِسْبَةِ الجُزْءِ إلى أفْرادِ الجِنْسِ، قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى ظَنِّ مُنافاةِ العُمُومِ لِلْوَحْدَةِ والإفْرادِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُنافِي العُمُومَ الشُّمُولِيَّ دُونَ البَدَلِيِّ، وقالَ بَعْضٌ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: اسْتُفِيدَ العُمُومُ بِجَعْلِها في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعْنًى؛ لِأنَّ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ في مَعْنى: لَمْ تَجْهَلْ نَفْسٌ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ ضِدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإلّا لَعَمَّتْ كُلُّ نَكِرَةٍ في الإثْباتِ بِنَحْوِ هَذا التَّأْوِيلِ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ قارِئًا قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ عِنْدَهُ فَلَمّا بَلَغَ: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ قالَ: وانْقِطاعَ ظَهْرَياهُ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ١٥ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ١٦

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ وهو الِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ ﴿ الجَوارِ ﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ مِنَ الجَرْيِ وهو المَرُّ السَّرِيعُ وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ ﴿ الكُنَّسِ ﴾ جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ مِن كَنَسَ الوَحْشُ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو بَيْتُهُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، والمُرادُ بِها عَلى ما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الكَواكِبُ؛ أيْ: جَمِيعُها، فَقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ؛ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها، وفي تَفْسِيرِ تَكْنُسُ بِتَطْلُعُ خَفاءٌ، وقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ نَهارًا وتَخْفى عَنِ العُيُونِ مَعَ طُلُوعِها، وكَوْنُها فَوْقَ الأُفُقِ وتَكْنِسُ بَعْدَ طُلُوعِها في المَغِيبِ وتَدْخُلُ فِيهِ كَما تَكْنِسُ الظِّباءُ في الكُنُسِ فَتَكُونُ تَحْتَ الأُفُقِ بَعْدَ أنْ كانَتْ فَوْقَهُ.

ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِالكَواكِبِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي خَمْسَةُ أنْجُمٍ: زُحَلُ وعُطارِدُ والمُشْتَرِي وبَهْرامُ؛ يَعْنِي المِرِّيخَ، والزُّهْرَةُ، والخُنَّسُ الرَّواجِعُ مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ.

ووُصِفَتْ بِما ذُكِرَ في الآيَةِ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ فَخُنُوسُها رُجُوعُها بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، وتُسَمّى المُتَحَيِّرَةَ لِاخْتِلافِ أحْوالِها في سَيْرِها فِيما يُشاهَدُ فَلَها اسْتِقامَةٌ ورَجْعَةٌ وإقامَةٌ، فَبَيْنَما تَراها تَجْرِي إلى جِهَةٍ إذا بِها راجِعَةٌ تَجْرِي إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، وبَيْنَما تَراها تَجْرِي إذا بِها مُقِيمَةٌ لا تَجْرِي، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ المُتَقَدِّمُونَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ كَوْنُها في تَداوِيرَ في حَوامِلَ مُخْتَلِفَةِ الحَرَكاتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ ولِلْمُحَدِّثِينَ مِنهُمُ النّافِينَ لِما ذُكِرَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وهي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُقالُ لَها السَّيّاراتُ السَّبْعُ؛ لِأنَّ سَيْرَها بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ الثَّوابِتِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّها المُرادَةُ هُنا ووَصْفُها «بِالخُنَّسِ» بِمَعْنى الرَّواجِعِ قِيلَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ إذْ لا رَجْعَةَ لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ وبِالخُنَّسِ لِاخْتِفائِها في مَغِيبِها.

وقِيلَ: الوَصْفانِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَطْلُعُ في أماكِنِها عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الكَواكِبَ جَمِيعَها، وكَوْنُ السَّيّاراتِ هي هَذِهِ السَّبْعُ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ ضَمُّوا إلَيْها كَواكِبَ أُخْرى يُقالُ لَها وِسْتا وزُونُو وبالاسُ وسِرْسُ وأُورُنُوسُ ويُسَمّى هِرْسِلَ وهو اسْمُ المُنَجِّمِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ بِالرَّصْدِ، وبَيَّنُوا مِقْدارَ أقْطارِها وأبْعادِها وحَرَكاتِها ولَوْلا مَخافَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُ ذَلِكَ.

وعَدُّوا مِن جُمْلَةِ السَّيّاراتِ الأرْضَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَها حَرَكَةً حَوْلَ الشَّمْسِ، واشْتُهِرَ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ مِنها لِكَوْنِهِ مِن تَوابِعِ الأرْضِ بِزَعْمِهِمْ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مَيْسَرَةَ والحَسَنِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وجَماعَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّها الظِّباءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: و«الخَنَسُ» تَأخُّرُ الأنْفِ عَنِ الشَّفَةِ مَعَ ارْتِفاعٍ قَلِيلٍ مِنَ الأرْنَبَةِ، وتُوصَفُ بِهِ بَقَرُ الوَحْشِ والظِّباءُ ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ: ما سَلِمَ الظَّبْيُ عَلى حُسْنِهِ كَلّا ولا البَدْرُ الَّذِي يُوصَفُ ؎فالظَّبْيُ فِيهِ خَنَسٌ بَيِّنٌ ∗∗∗ والبَدْرُ فِيهِ كَلَفٌ يُعْرَفُ <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧

﴿ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ ﴾ أيْ: أدْبَرُ ظَلامُهُ أوْ أقْبَلَ وكِلاهُما مَأْثُورانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وقالَ الرّاغِبُ: العَسْعَسَةُ والعِساسُ رِقَّةُ الظَّلامِ؛ وذَلِكَ في طَرَفَيِ اللَّيْلِ فَهو مِنَ المُشْتَرَكِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَهُ ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ، وفَسَّرَ ﴿ عَسْعَسَ ﴾ هُنا بِأقْبَلَ وأدْبَرَ مَعًا، وقالَ ذَلِكَ في مَبْدَأِ اللَّيْلِ ومُنْتَهاهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿ عَسْعَسَ ﴾ أدْبَرَ وعَلَيْهِ العَجّاجُ يَصِفُ الخَمْرَ أوِ المَفازَةَ: حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا وقِيلَ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ خاصَّةً، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أقْبَلَ ظَلامُهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ فَإنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ فَيُناسِبُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أدْبَرَ أنْسَبُ بِهَذا لِما بَيْنَ إدْبارِ اللَّيْلِ وتَنَفُّسِ الصُّبْحِ مِنَ المُلاصَقَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةُ الجِوارِ، والمُرادُ مِن تَنَفُّسِ الصُّبْحِ عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ إضاءَتَهُ وتَبَلُّجَهُ، وفي الكَشّافِ: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ.

وقِيلَ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ وعَنى بِالمَجازِ الِاسْتِعارَةَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ النَّفْسُ رِيحًا خاصًّا يُفَرِّجُ عَنِ القَلْبِ انْبِساطًا وانْقِباضًا شُبِّهَ ذَلِكَ النَّسِيمُ بِالنَّفَسِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ اسْتِعارَةً، وجُعِلَ الصُّبْحُ مُتَنَفَّسًا لِمُقارَنَتِهِ لَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وتَجَوُّزٌ في الإسْنادِ.

وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإضاءَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبَّهَ الصُّبْحُ بِماشٍ وآتٍ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، ويُثْبِتَ لَهُ التَّنَفُّسَ المُرادُ بِهِ هُبُوبُ نَسِيمِهِ مَجازًا عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ كَما في يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ.

وقالَ الإمامُ: النَّهارُ بِغَشَيانِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ كالمَكْرُوبِ وكَما أنَّهُ يَجِدُ راحَةً بِالتَّنَفُّسِ كَذَلِكَ تَخَلُّصُ الصُّبْحِ مِنَ الظَّلامِ وطُلُوعُهُ كَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن كَرْبٍ إلى راحَةٍ، وهَذا أدَقُّ مِمّا عَنى الكَشّافُ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّيْلَ لَمّا غَشّى النَّهارَ ودَفَعَ بِهِ إلى تَحْتِ الأرْضِ فَكَأنَّهُ أماتَهُ ودَفَنَهُ، فَجُعِلَ ظُهُورُ ضَوْئِهِ كالتَّنَفُّسِ الدّالِّ عَلى الحَياةِ وهو نَحْوٌ مِمّا نُقِلَ عَنِ الإمامِ، وقِيلَ: تَنَفَّسَ؛ أيْ: تَوَسَّعَ وامْتَدَّ حَتّى صارَ نَهارًا، والظّاهِرُ أنَّ التَّنَفُّسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَجْرِ الثّانِي الصّادِقِ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ بِخِلافِ الأوَّلِ الكاذِبِ، وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ ثُمَّ يُعْدَمُ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ أوْ يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الثّانِي عَلى زَعْمِ بَعْضِ أهْلِ الهَيْئَةِ أوْ يَخْتَلِفُ حالُهُ في ذَلِكَ تارَةً وتارَةً بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ والعُرُوضِ عَلى ما قِيلَ، وسُمِّيَ هَذا الكاذِبُ عارِضًا، فَفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ، ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ»».

أيْ: يَنْتَشِرَ ذَلِكَ العُمُومُ في نَواحِي الأُفُقِ.

وكَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ فِيها إشارَةٌ إلى الكاذِبِ حَيْثُ قالَ: يُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَةِ الفَجْرِ الأوَّلِ عارِضًا لِلثّانِي أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الفَجْرُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ.

والمَشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دُفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ سَبَبُ طُولِ العَمُودِ وإضاءَةِ أعْلاهُ إلى آخِرِ ما قالَ.

وفِيهِ بَحْثٌ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ وضِياءَهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ وهو في المَشْهُورِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ جُزْءًا، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى كُرِّيَّةِ الأرْضِ واسْتِضاءَةِ أكْثَرَ مِن نِصْفِها مِنَ الشَّمْسِ دائِمًا ظُهُورُ الضِّياءِ وتَنَفُّسُ الصُّبْحِ إذا فارَقَتِ الشَّمْسُ سَمْتَ القَدَمِ مِن دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وذَلِكَ بُعَيْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، والواقِعُ خِلافُهُ تَشْكِيكٌ فِيما يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ أحْوالِ ظِلِّ الأرْضِ وانْعِكاسِ الأشِعَّةِ مِن أبْصارِ سَكَنَةِ أقْطارِها فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصُّبْحِ ﴾ ، ﴿ واللَّيْلِ ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ لِلْعَطْفِ.

( وإذا ) لَيْسَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَسَمِ لِفَسادِ المَعْنى، إذِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ غَيْرُ مُرادٍ حالًا كانَ أوِ اسْتِقْبالًا وإنَّما هو عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مَعْمُولُ مُضافٍ مُقَدَّرٍ مِن نَحْوِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ الإقْسامَ بِالشَّيْءِ إعْظامٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا أُقْسِمُ بِعَظَمَةِ اللَّيْلِ زَمانَ عَسْعَسَ وبِعَظَمَةِ النَّهارِ زَمانَ تَنَفَّسَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: عَجَبًا مِنَ اللَّيْثِ إذا سَطا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى تَقْيِيدِ التَّعَجُّبِ مِن هَوْلِهِ وعَظَمَتِهِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَقْيِيدًا لِلْمُقْسَمِ بِهِ؛ أيْ: أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ كائِنًا إذا عَسْعَسَ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وصَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في التَّلْوِيحِ في مِثْلِهِ أنَّ «إذا» بَدَلٌ مِنَ «اللَّيْلِ» إذْ لَيْسَ المُرادُ تَعْلِيقَ القَسَمِ وتَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا مَنَعَ المُحَقِّقُونَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ أيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ القَسَمِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الشَّمْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ ١٩

﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ الجَلِيلَ النّاطِقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّواهِي الهائِلَةِ، وجَعْلَ الضَّمِيرِ لِلْإخْبارِ عَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ تَعَسُّفٌ.

﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ ﴾ هو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ واسِطَةٌ فِيهِ وناقِلٌ لَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كَرِيمٍ ﴾ أيْ: عَزِيزٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وقِيلَ: مُتَعَطِّفٍ عَلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ أيْ: شَدِيدٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ شَدِيدُ القُوى ﴾ وجاءَ في قُوَّتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى مَدائِنِ لُوطٍ وهي أرْبَعُ مَدائِنَ وفي كُلِّ مَدِينَةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ سِوى الذَّرارِيِّ فَحَمَلَها بِمَن فِيها مِنَ الأرْضِ السُّفْلى حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ أصْواتَ الدَّجاجِ ونُباحَ الكِلابِ ثُمَّ هَوى بِها فَأهْلَكَها.

وقِيلَ: المُرادُ القُوَّةُ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ.

وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قُوَّةَ الحِفْظِ والبُعْدَ عَنِ النِّسْيانِ والخَلْطِ.

<div class="verse-tafsir"

ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍۢ ٢٠

﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ أيْ: ذِي مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمِ جَلَّ جَلالُهُ عِنْدِيَّةَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ لا عِنْدِيَّةَ مَكانٍ، فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَكِينٍ، وهو فَعِيلٌ مِنَ المَكانَةِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها كَما في الصِّحاحِ حَتّى ظُنَّ أنَّ المِيمَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، واشْتُقَّ مِنهُ تَمَكَّنَ كَما اشْتُقَّ مِنَ المَسْكَنَةِ تَمَسْكَنَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِنَ الكَوْنِ وأصْلُهُ مَكْوِنٌ بِكَسْرِ الواوِ فَصارَ بِالنَّقْلِ والقَلْبِ مَكِينًا وأُرِيدَ بِالكَوْنِ الوُجُودُ كَأنَّهُ مِن كَمالِ الوُجُودِ صارَ عَيْنَ الوُجُودِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ؛ أيْ: كائِنٌ عِنْدَ ذِي العَرْشِ الكَيْنُونَةَ اللّائِقَةَ، وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

مُّطَاعٍۢ ثَمَّ أَمِينٍۢ ٢١

﴿ مُطاعٍ ﴾ فِيما بَيْنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْدُرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ.

﴿ ثَمَّ ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما قَبْلَهُ، وجُعِلَ إشارَةً إلى: ﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ ﴾ والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُطاعًا هُناكَ كَوْنُهُ مُطاعًا في مَلائِكَتِهِ تَعالى المُقَرَّبِينَ كَما سَمِعْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما بَعْدَهُ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أمِينٍ ﴾ والإشارَةُ بِحالِها، وأمانَتُهُ عَلى الوَحْيِ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««أمانَتِي أنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إلى غَيْرِهِ»».

ولِأمانَتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْخُلُ الحُجُبَ كَما في بَعْضِ الآثارِ بِغَيْرِ إذْنٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو البَرَهْسَمِ وابْنُ مِقْسَمٍ: «ثُمَّ» بِضَمِّ الثّاءِ حَرْفَ عَطْفٍ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هي بِمَعْنى الواوِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ في هَذا العَطْفِ بِمَعْنى مُطاعٍ في المَلَأِ الأعْلى عَلى «ثَمَّ أمِينٍ» عِنْدَ انْفِصالِهِ عَنْهم حالَ وحْيِهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَجازَ أنْ ورَدَ بِهِ أثَرٌ.

انْتَهى.

والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَمِعْتَ، والمَقامُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الأمانَةِ؛ لِأنَّ دَفْعَ كَوْنِ القُرْآنِ افْتِراءً مَنُوطٌ بِأمانَةِ الرَّسُولِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ ٢٢

﴿ وما صاحِبُكُمْ ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ بِمَجْنُونٍ ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى ما هو الحَقُّ تَكْذِيبٌ لَهم بِألْطَفِ وجْهٍ؛ إذْ هو إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِكم مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ إلى الآنِ فَأنْتُمْ أعْرَفُ بِهِ وبِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ الخَلْقِ عَقْلًا وأرْجَحُهم قِيلًا، وأكْمَلُهم وصْفًا وأصْفاهم ذِهْنًا، فَلا يَسْنِدُ إلَيْهِ الجُنُونَ إلّا مَن هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْقِ والجُنُونِ، واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُبالَغَةِ في ذِكْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكِها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأجابُوا بِما بُحِثَ فِيهِ والوَجْهُ في الجَوابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحَقِّيَّةِ المَنزِلِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِما ساقَ لَهُ لِئَلّا يَعُدَّ الزِّيادَةَ لُكْنَةً وفُضُولًا ولا خَفاءَ أنَّ وصْفَ الآتِي بِالقَوْلِ يَشُدُّ مِن عَضُدِ ذَلِكَ أبْلَغَ شَدٍّ، وأمّا وصْفُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في البَيْنِ إلّا إذا كانَ الغَرَضُ الحَثَّ عَلى اتِّباعِهِ؛ فَلِهَذا لَمْ تَدُلَّ المُبالَغَةُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدِّ صِفاتِهِ الكَوامِلِ وتُرِكَ ذَلِكَ في شَأْنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ والتَّسْلِيماتِ عَلى تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُبالَغَةَ في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَدْحٌ بَلِيغٌ في حَقِّ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ لِأحَدِ مَن هو مُعَزَّزٌ مُعَظَّمٌ مُقَرَّبٌ لَدَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِ بِمَكانِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ فَوْقَها مَكانَةٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَقامَ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ هو نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالمُرادِ بِالصّاحِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلْأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ٢٣

﴿ ولَقَدْ رَآهُ ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ رَأى صاحِبُكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرَّسُولَ الكَرِيمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِالصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ ﴿ بِالأُفُقِ المُبِينِ ﴾ وهو الأُفُقُ الأعْلى مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسُفْيانَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَ جِيادٍ وهو مَشْرِقُ مَكَّةَ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ مَطْلَعُ رَأْسِ السَّرَطانِ؛ فَإنَّهُ أعْلى المَطالِعِ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ كانَتْ فِيها بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ.

وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ أنَّهُ أُفُقُ السَّماءِ الغَرْبِيُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَآهُ في صُورَتِهِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى.

والأُفُقُ عَلى هَذا قِيلَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ذَلِكَ أُفُقًا مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍۢ ٢٤

﴿ وما هُوَ ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ عَلى الغَيْبِ ﴾ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ إلَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿ بِضَنِينٍ ﴾ مِنَ الضِّنِّ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها بِمَعْنى البُخْلِ؛ أيْ: بِبَخِيلٍ لا يَبْخَلُ بِالوَحْيِ ولا يُقَصِّرُ في التَّبْلِيغِ والتَّعْلِيمِ ومَنحِ كُلِّ ما هو مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنَ العُلُومِ عَلى خِلافِ الكَهَنَةِ؛ فَإنَّهم لا يُطْلِعُونَ عَلى ما يَزْعُمُونَ مَعْرِفَتَهُ إلّا بِإعْطاءِ حُلْوانٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وابْنُ جُبَيْرٍ وعُرْوَةُ وهِشامُ بْنُ جُنْدُبٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم ومِنَ السَّبْعَةِ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «بِظَنِينٍ» بِالظّاءِ؛ أيْ: بِمُتَّهَمٍ مِن الظِّنَّةِ بِالكَسْرِ بِمَعْنى التُّهْمَةِ؛ وهو نَظِيرُ الوَصْفِ السّابِقِ بِ ( أمِينٍ ) .

وقِيلَ: مَعْناهُ بِضَعِيفِ القُوَّةِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٌ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، والأوَّلُ أشْهَرُ، ورُجِّحَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْهِ بِأنَّها أنْسَبُ بِالمَقامِ لِاتِّهامِ الكَفَرَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَفْيِ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ، وبِأنَّ التُّهْمَةَ تَتَعَدّى بِعَلى دُونَ البُخْلِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى بِها إلّا بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الحِرْصِ ونَحْوِهِ، لَكِنْ قالَ الطَّبَرِيُّ بِالضّادِ خُطُوطُ المَصاحِفِ كُلِّها، ولَعَلَّهُ أرادَ المَصاحِفَ المُتَداوَلَةَ فَإنَّهم قالُوا بِالظّاءِ خَطُّ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا لا يُنافِي قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ الظّاءَ والضّادَ في الخَطِّ القَدِيمِ لا يَخْتَلِفانِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى زِيادَةً يَسِيرَةً قَدْ تَشْتَبِهُ كَما لا يَخْفى.

والفَرْقُ بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ مَخْرَجًا أنَّ الضّادَ مَخْرَجُها مِن أصْلِ حافَّةِ اللِّسانِ وما يَلِيها مِنَ الأضْراسِ مِن يَمِينِ اللِّسانِ أوْ يَسارِهِ، ومِنهم مَن يَتَمَكَّنُ مِن إخْراجِها مِنهُما، والظّاءُ مَخْرَجُها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا.

واخْتَلَفُوا في إبْدالِ إحْداهُما بِالأُخْرى: هَلْ يَمْتَنِعُ وتَفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ أمْ لا؟

فَقِيلَ: تَفْسُدُ قِياسًا، ونَقَلَهُ في المُحِيطِ البُرْهانِيِّ عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ، ونَقَلَهُ في الخُلاصَةِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقِيلَ: لا اسْتِحْسانًا، ونَقَلَهُ فِيها عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ كَأبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّهُ إذا أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُما فَتَعَمَّدَ ذَلِكَ وكانَ مِمّا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ كَما هُنا وغَيَّرَ المَعْنى فَسَدَتْ صَلاتُهُ وإلّا فَلا لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما خُصُوصًا عَلى العَجَمِ، وقَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم في الصَّدْرِ الأوَّلِ ولَمْ يُنْقَلْ حَثُّهم عَلى الفَرْقِ وتَعْلِيمِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولَوْ كانَ لازِمًا لَفَعَلُوهُ ونُقِلَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِ ويُفْتى بِهِ وقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمُ الألْفاظَ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ مَعْناها ضادًا وظاءً في رِسالَةٍ صَغِيرَةٍ، ولَقَدْ أحْسَنَ بِذَلِكَ فَلْيُراجِعْ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ ٢٥ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ٢٦

﴿ وما هُوَ ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ أيْ: بِقَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ لِأنَّها هي الَّتِي تَرْجَمُ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ كِهانَةٌ.

﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَقَوْلِكَ لِتارِكِ الجادَّةِ الذّاهِبِ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ: أيْنَ تَذْهَبُ؟

والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ٢٧

﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما هو ﴿ إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ عَظِيمٌ لِمَن يَعْلَمُ وضَمِيرُ «هُو» لِلْقُرْآنِ أيْضًا، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: وما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ كَما هو شَأْنُ الكَهَنَةِ، إنْ هو إلّا مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيْنَ ﴾ إلَخِ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٩

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والبَدَلُ هو المَجْرُورُ وأُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كَلٍّ لِإلْحاقِ مَن لَمْ يَشَأْ بِالبَهائِمِ ادِّعاءً وهو تَكَلُّفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ مَفْعُولُ ( شاءَ ) أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الِاسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿ وما تَشاءُونَ ﴾ أيِ الِاسْتِقامَةَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم فَمَشِيئَتُكم بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ أيْ: مَلِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهِمْ أجْمَعِينَ أوْ ما تَشاؤُونَ الِاسْتِقامَةَ مَشِيئَةً نافِعَةً مُسْتَتْبِعَةً لَها إلّا بِأنْ يَشاءَها اللَّهُ تَعالى، فَلَهُ سُبْحانُهُ الفَضْلُ والحَقُّ عَلِيمٌ بِاسْتِقامَتِكم إنِ اسْتَقَمْتُمْ.

رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: جُعِلَ الأمْرُ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وما تَشاءُونَ ﴾ الآيَةَ.

وأنْ وما مَعَها هُنا عَلى ما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِقامَتَكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ نِيابَةِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ مِن «أنْ والفِعْلِ» عَنِ الظَّرْفِ وفي البابِ الثّامِنِ مِنَ المَعْنى أنَّ «أنْ وصِلَتَها» لا يُعْطِيانِ حُكْمَ المَصْدَرِ في النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ تَقُولُ: جِئْتُكَ صَلاةَ العَصْرِ، ولا يَجُوزُ جِئْتُكَ أنْ تُصَلِّيَ العَصْرَ، فالأوْلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ وذَهَبَ القاضِي إلى الثّانِي.

وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ و«أنْ» خاصَّةٌ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وقْتُ مَشِيئَتِهِ تَعالى المُسْتَقْبَلُ ظَرْفًا لِمَشِيئَةِ العَبْدِ الحالِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِنَفْيِ الحالِ، ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِذَلِكَ اشْتَرَطَ انْتِفاءَ القَرِينَةِ عَلى خِلافِهِ ولَمْ تَنْتِفْ هاهُنا لِمَكانِ «أنْ» في حَيِّزِها أوْ بِأنَّ كَوْنَ «أنْ» لِلِاسْتِقْبالِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافُهُ، وهاهُنا قَدْ وُجِدَتْ لِمَكانِ ما قَبْلَها فَهي لِمُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ.

وقِيلَ: يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ بِجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَلْيُجْعَلْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَدْ أُورِدَ عَلى وجْهِ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما لِنَفْيِ الحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ سَبَبِيَّةُ المُتَأخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ.

واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأوْضَحِ المَسالِكِ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: الشَّمْسُ شَمْسُ الرُّوحِ، والنُّجُومُ نُجُومُ الحَواسِّ، والجِبالُ جِبالُ القَوالِبِ؛ وهي تَسِيرُ كُلَّ وقْتٍ إلّا أنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوبِ إذا كُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، والعِشارُ عِشارُ القُوى القالَبِيَّةِ، والوُحُوشُ وُحُوشُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ، والبِحارُ بِحارُ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ، والنُّفُوسُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَزْوِيجُها قَرْنُ كُلِّ قُوَّةٍ بِعَمَلِها، والمَوْءُودَةُ الخَواطِرُ الإلْهامِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ عَلى السّالِكِ فَيَئِدُها في قَبْرِ القالَبِ ويُظْلِمُها، والصُّحُفُ عَلى ظاهِرِها، والسَّماءُ سَماءُ الصَّدْرِ، والجَحِيمُ جَحِيمُ النَّفْسِ وتَسْعِيرُها بِنِيرانِ الهَوى، والجَنَّةُ جَنَّةُ القَلْبِ، والخُنَّسُ الأنْوارُ المُودَعَةُ في القُوى القَلْبِيَّةِ، واللَّيْلُ الأنْوارُ الجَلالِيَّةُ، والصُّبْحُ الأنْوارُ الجَمالِيَّةُ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُسْتَدَلُّ بِحالِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ شَيْئًا مِن نَحْوِ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِتَشْنِيعٍ فَظِيعٍ وهو لا يَتِمُّ إلّا إذا أُنْكِرَ إرادَةُ الظّاهِرِ، وأمّا إذا لَمْ تُنْكَرْ وجُعِلَ ما ذَكَرَهُ ونَحْوَهُ مِن بابِ الإشارَةِ فَلا يَتِمُّ أمْرُ التَّشْنِيعِ كَما حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.

.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله