الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يقال: رغبت عن الشيء أي: تركته عمدًا، وهو ضدُّ قولك: رغبتُ فيه (١) قال أبو إسحاق: معنى (مَنْ) التقريرُ والتوبيخُ، ولفظُها لفظُ الاستفهام والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَه (٢) (٣) واختلف النحويون في نصب (نفسَه).
فقال الفرَّاءُ: العرب توقع (٤) ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ وهو في المعرفة كالنكرة؛ لأنه مفسِّر، والمفسِّر في أكثر الكلام نكرة، كقولك: ضِقْتُ به ذَرْعًا، المعنى: ضاق به ذرعي، فالفعل للذرع، فلما جعلتَ الضيق مسندًا إليك فقلت: ضقت، جاء الذرع مفسرًا؛ ليدل على أنَّ (٥) (٦) (٧) واعترض الزجاج على هذا بأن قال: معنى التمييز لا يحتمل التعريفَ؛ لأنَّ التمييزَ إنما هو واحدٌ يدل على جنس أو خَلَّة يخلص من خِلال، فإذا عَرَّفته صار مقصودًا قصده، وهذا لم يقُلْهُ أحدٌ ممن تقدَّمَ (٨) (٩) ثم حكى أقوالًا، فحكى عن الأخفش (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري: لا يعرف (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو بكر: على هذا القول أهلكت في معنى سفه معنًى، وليس بتفسير، وإذا كان كذلك لم يجز نصبُ النفس به، وإيقاعُه عليه؛ لأن سَفِهَ يخالف أهلَكَ في التعدِّي، وإن كان بمعنى خِفْتُ.
وحكى الزجّاج أيضًا عن الأخفش نفسه (١٧) ﴿ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾ ، المعنى: أن تسترضعوا لأولادكم (١٨) ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ ، أي: عليها، ومثلُه قول الشاعر: نغالي اللحم للأضياف نِيئًا ...
ونبذُلُه إذا نَضجَ القُدُورُ (١٩) (٢٠) قال: ومثله: قول العرب: ضُرِبَ زيدٌ الظَهَر والبَطنَ، المعنى (٢١) قال: وهذا عندي مذهَبٌ صالح، ثم اختار أن يكون معنى سفِه نفسَه: جَهِلَ نفسه، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه، أي: لم يفكر في نفسه، فوضع سَفِهَ موضع جَهِل، وعُدِّى كما عُدَي (٢٢) (٢٣) ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ : إلا من جهِل نفسه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث (٣٠) (٣١) (٣٢) وحُكي عن أبي بكر الوراق [[الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: 6].]] أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (٣٣) (٣٤) (٣٥) ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (٣٦) (٣٧) فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ...
ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ [[البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: 44].]] أراد: صبرتُ نفسًا عارفة.
وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ و ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ ، ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ ، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب كأنها فعل واقع في هذا المكان، ولا يقولون: وجعتُ عبدَ الله، ولا خسرتُ عبدَ الله (٣٨) قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ قال: خسر نفسه (٣٩) وقال بعضهم: سفِه حقَّ نفسه، أي: جهِلَ (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ معنى اصطفيناه: اخترناه للرسالة، وهو افتعلنا من الصفوة، قلبت التاءُ طاءً؛ لأنها أشبه بالصاد (٤١) ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ ﴾ أخذناه صافيًا من غير شائب (٤٢) ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ : يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو (٤٣) (٤٤) ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة.
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريدُ من نوح وآدم (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقال الزجاج: يريد من الفائزين؛ لأن الصالح في الآخرة فائز (٤٨) وقال الحسينُ بن الفضل (٤٩) ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ (٥٠) (١) "تهذيب اللغة" 2/ 1432، "تفسير الثعلبي" 1/ 1194.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف، 1/ 209 "البحر المحيط" 1/ 394.
(٣) تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ .
(٤) في (م): (ترفع).
(٥) في (م): (أن المعنى الضيق فيه).
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 79، ونقله في "تفسير الثعلبي" 1/ 199.
(٧) ساقطة من (ش)، (م).
(٨) في (م): (من المتقدمين).
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 79، وينظر: "التبيان" للعكبري 93.
(١٠) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148.
(١١) نقله عنه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 148.
(١٢) هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، البصري أبو عبد الرحمن، تقدمت ترجمته.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج.
(١٤) في (ش): (نعرف).
(١٥) "مجاز القرآن" 1/ 56.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210.
(١٧) ساقطة من (م).
(١٨) ساقطة من (ش).
(١٩) البيت لرجل من قيس، في "جمهرة اللغة" ص 1317، "أساس البلاغة" (غلو) == ص 171 وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3290.
ونسب للحطيئة في "أمالي المرتضي".
انظر: حاشية "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، "معاني القرآن" للفراء 2/ 382، "المعجم المفصل" 3/ 327.
(٢٠) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148 - 149، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1385.
(٢١) في (ش): (والمعنى).
(٢٢) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، وعنده: فحذف حرف الجر في غير الظرف.
(٢٣) ينظر: "التبيان" 93، "البحر المحيط" 1/ 394.
(٢٤) الثعلبي 1/ 1200، والبغوي في "تفسيره" 1/ 152.
والواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وهو اختيار الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 211.
(٢٥) في (ش): (ضيًا).
(٢٦) في (م): (ولا يعلم).
(٢٧) في (أ) و (م): (الكبير).
(٢٨) أي: تحقر وتزدري، ينظر: "القاموس" ص 625.
(٢٩) رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 69، عن ثابت بن قيس، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 133، في طريق عبد الله بن عمرو: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات.
اهـ.
ورواه أحمد 4/ 134 عن أبي ريحانة بلفظ: "إنما الكبر من سفه الحق وغمض الناس" ورواه مسلم (91) كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه ولفظه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
(٣٠) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1200، وقال: كما جاء في الخبر فذكره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 153.
(٣١) ساقطة من (أ).
(٣٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره"، وعنه البغوي 1/ 153، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214 قال النووي: ليس بثابت، ينظر: "المقاصد الحسنة" ص 490 (1149)، وقال ابن تيمية: موضوع، ينظر: "المصنوع في معرفة الموضوع" ص 189 (349)، وقال السمعاني: إنه لا يعرف مرفوعًا، ينظر: "المقاصد" ص490، "الموضوعات" ص 351.
وقال العجلوني في "كشف الخفاء" 2/ 262: وقال أبو المظفر ابن السمعاني في "القواطع": إنه لا يُعرف مرفوعًا وإنما يُحْكى عن يحيى بن معاذ الرازي، يعني من قوله.
وقال ابن الفرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت، قال: لكن كُتبُ الصوفية مشحونة به، يسوقونه مساق الحديث، كالشيخ محيي بن عربي، وغيره.
قال: وللحافظ السيوطي فيه تأليف سماه "القول الأشبه في الحديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه" والكتاب ضمن الكتب الموجودة في "الحاوي للفتاوى" للسيوطي، وذكره أبو نعيم في "الحلية" 10/ 208، عن سهل التستري.
(٣٣) ذكره في "الوسيط" 1/ 214.
(٣٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي 1/ 153.
(٣٥) في (م): (حتى يذهب يرغب).
(٣٦) في (م): (سفهت نفسه زيدًا).
(٣٧) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية.
ينظر: "الشعر والشعراء" ص 149، "الأعلام" 5/ 91.
(٣٨) تقدم شيء منه قبل قليل.
(٣٩) ذكره الثعلبي 1/ 1191، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 152، والخازن 1/ 112، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 394.
(٤٠) ذكره الثعلبي 1/ 1200، عن المفضل بن سلمة عن بعضهم.
وانظر: "البحر المحيط" 1/ 394.
(٤١) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 239 - 240، "تفسير الطبري" 1/ 559، "تفسير الثعلبي" 1/ 1195، "تفسير القرطبي" 2/ 122.
(٤٢) ينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 215.
(٤٣) في (م): (إلا ويذكره).
(٤٤) لعله من رواية عطاء.
(٤٥) في "الوسيط" عزاه لعطاء، فلعله من رواية عطاء عن ابن عباس التي تقدم الحديث عنها في المقدمة، ولفظه: يريد: نوح وآدم.
(٤٦) ذكره الثعلبي 1/ 1201، والبغوي 1/ 153، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 395.
(٤٧) ذكره في "الوسيط" 1/ 215، "البحر المحيط" 1/ 395.
(٤٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.
(٤٩) هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي، تقدمت ترجمته.
(٥٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 201، والبغوي 1/ 153، والقرطبي 2/ 122، وأبو حيان 1/ 395 وقال: وهذا الذي ذهب إليه خطاء ينزه القرآن عنه.
<div class="verse-tafsir"