تفسير سورة البقرة الآية ٧٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٧٥

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وقوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ يعني النبيَّ والمؤمنين (١) (٢) (٣) ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[تبارك: 8\] وسيأتي بعد هذا لِمَ جعل الاستفهام للإنكار (٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ يعني به: جماعة اليهود (٥) ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  ﴾ .

يعني به: جماعتَهم؛ لأن الخاصةَ تتبعُ العامة.

﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ ﴾ أي: جماعة.

وأصله من الفَرْق، ومعناه: طائفة فرقت من الجملة كالفئةِ، قالوا: أصلها من فأوتُ (٦) (٧) واختلفوا في هذا الفريق، فقال مجاهد (٨) (٩) (١٠)  (١١) وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ أي: من موسى أو ممن سمعوه كما أنزل ثم غيّروه.

ويجوز أن يكون معناه: يفهمون كلامَه.

وقال ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) فغيّروا ما سمعوا، ولم يؤدّوه على الوجه الذي سمعوه، فقيل في هؤلاء الذين شاهدهم النبي  : إنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في كفرهم، وهذا مما يقطع الطمع في إيمانهم (١٧) (١٨) (١٩) والآخر: يضاف إليه على معنى الحكاية لما كان مظهرًا له.

يوضح ذلك أنك تقول: هذا كلام سيبويه (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ التحريفُ: تفعيلٌ من الحَرْف، والحَرْفُ في أصل اللغة: حدّ الشيء وحِدَتُهُ، ومِنْه يقال: طعامٌ حِرِّيْفٌ، يراد حِدَّتُهُ، فالتحريف أن يَجْعَلَ للشيء حَرْفًا كتحريف القلم.

هذا أصل معناه في اللغة، ثم استعمل في معنى الإمالة والتغيير، وهذا المعنى راجع إلى أصله في اللغة؛ لأن بالإمالة يصير الشيءُ ذا حَرْفٍ، ألا ترى أن القلم إنما يصير مُحَرَّفًا إذا أُمِيلَ قَطْعُهُ في أحد الجانبين، فصار التحريف اسمًا لتغيير الشيء عن وجهه (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: يعلمون أنّ الذي حرفوا ليس من قبل الله، إنما هو مفتعل من جهتهم.

أعلمنا الله تعالى أنهم لم يحرفوا ما سمعوا على جهة النسيان والخطأ، بل جهة القصد والتعمد.

وقيل: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الذي يفعلونه مُكسِبٌ للأوزار (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقالوا: ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

ومعنى التحديث: الإخبار عن حوادث الزمان.

وأصل الفتح: نقيض الإغلاق، ثم يدخل في هذا فتح البلاد، وفتح المِغْلاق، وفتح المُشكل من الحكم، وفتح الباب، وكلّ مَا بَدَأتَ به فقد استفتحته، وبه سميت فاتحة الكتاب، ومعنى استفتحته: ابتدأت فتحه، كما يبتدأ الدخول إلى الشيء بفتح بابه، ومنه: الفتّاح للحاكم؛ لأنه يفتح القضيّة المستغلقة (٢٩) ومعنى قوله: ﴿ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣)  المبشَّر به ونعتِهِ.

وقوله تعالى: ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ ﴾ معنى المحاجة: المجادلة والمخاصمة.

وأصل الكلمة: من القصد، ومنه: حَجَّ البيتَ، والحجة: النكتة (٣٤) (٣٥) ومعنى قوله: ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ ﴾ أي: ليجادلوكم، يعني: أصحاب محمد، ويقولون: قد أقررتم أنه نبي حقٌّ في كتابكم ثم لا تتّبعونه، فهذه حجة لهم عليكم (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ عِندَ رَبِّكُم ﴾ قال أبو بكر (٣٧) ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ أفليس لكم ذهن الإنسانية (٣٨) ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي: من التكذيب ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من التصديق.

(١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 149، عن ابن عباس والربيع بن أنس والحسن، "تفسير الثعلبي" 1/ 994.

(٢) ينظر "المصباح المنير" ص 348.

(٣) فصَّل هذه المسألة ابن هشام الأنصاري في كتابه "مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب" 1/ 17.

(٤) في (م): (الإنكاري) وفي (أ): (الإنكار).

(٥) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366، "تفسير الثعلبي" 1/ 994.

(٦) هذا مما يذكر في الواوي واليائي، أي فأوت وفأيت، وقوله: الفئة على وزن فعة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": وكانت في الأصل فئوة بوزن فعلة فنقص.

انظر "لسان العرب" 6/ 333.

(٧) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366.

(٨) رواه مجاهد في "تفسيره" ص 80 ومن طريقه (الطبري) 2/ 245، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149، وذكره "الثعلبي" في "تفسيره" 1/ 994 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103 - 104، "ابن كثير" في "تفسيره" ص 122 - 123.

(٩) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 994، ابن كثير في "تفسيره" ص 122 - 123.

(١٠) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 367، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149 وذكره == "الثعلبي" في "تفسيره" 1/ 994 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 90 "ابن كثير" ص 122 - 123.

(١١) وهذا قول جمهور المفسرين، ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 994، "الوسيط" للواحدي 1/ 160 "أسباب النزول" للواحدي ص 31 وعزاه لأكثر المفسرين، "تفسير البغوي" 1/ 113 و"تفسير ابن كثير" ص 1/ 122 - 123، ورجَّحه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103.

(١٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 148 وذكره "الثعلبي" 1/ 994، والواحدي في "أسباب النزول" ص 27، و"الوسيط" 1/ 160، و"البغوي" 1/ 113.

(١٣) "تفسير مقاتل" 1/ 116، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 994، والواحدي في "أسباب النزول" ص 31، "الوسيط" 1/ 160.

(١٤) ليست في (أ).

(١٥) قوله: (وذهبوا معه): ليست في (م).

(١٦) وروي هذا القول عن ابن إسحاق والربيع بن أنس، رواه عنهما الطبري 2/ 246، وابن أبي حاتم 1/ 148وذكره ابن كثير 1/ 105، ورجحه الطبري محتجًّا بأن الله أخبر أن التحريف كان ممن سمع كلام الله، وهؤلاء الذين كانوا في عهد == النبي  من نسلهم أحرى بالجحود والتحريف؛ لأن أسلافهم سمعوا من الله وحرفوا متعمدين التحريف، وهؤلاء سمعوا منكم أنتم، ولذا قطع الله أطماع المؤمنين في إيمانهم.

ثم رد ابن جرير على أصحاب القول الأول قولهم، بأنه لوكان المراد: سمعوا التوراة، لم يكن لذكر قوله: (يسمعون كلام الله) معنى مفهوم، لأن ذلك قد سمعه المحرف وغيره، فخصوص المحرف بالسماع لا معنى له.

وقد بين ابن كثير ص 1/ 122 - 123 أن القول الأول أعلم، وأنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون سمعه منه كما سمعه الكليم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ  ﴾ أي: يسمعه مبلغًا إليه.

وممن ضعف القول الثاني ابن عطية 1/ 359 فقال: وفي هذا القول ضعف، ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى  واختصاصه بالتكليم، ونقله القرطبي 2/ 1، وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103: وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب "النوادر"، هذا القول إنكارًا شديدًا.

وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة، وجعل هذا من الأحايث التي رواها الكلبي، وكان كذابًا.

وينظر: "العجائب" 1/ 262.

(١٧) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 367 - 368.

(١٨) هوة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد سادات قريش في الجاهلية، وأشد الناس عداوة للنبي  في صدر الإسلام، حتى كانت وقعة بدر الكبرى فشهدها مع المشركين فكان من قتلاهم.

ينظر: "السيرة النبوية" 2/ 358.

(١٩) يريد: سمعوا كلام الله من رسوله أو من كتابه المنزل.

(٢٠) هو: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، وقد تقدمت ترجمته في المقدمة.

(٢١) يريد: إن حكاه الحاكي بلفظه.

ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 883، "اللسان" 2/ 954، "مقاييس اللغة" 2/ 42.

(٢٢) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 368، "تهذيب اللغة" 1/ 786، "المفردات" للراغب ص 121 وقال: وتحريف الشيء إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين.

(٢٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 368، "ابن أبي حاتم" 1/ 149، "زاد المسير" 1/ 104.

(٢٤) رواه الطبري في تفسيره 2/ 249، 250.

(٢٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 151.

(٢٦) رواه الطبري في تفسيره بمعناه عنه 1/ 369، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 149، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 90.

(٢٧) أخرج أثر ابن عباس: ابن جرير الطبري 1/ 369.

وأخرج ابن أبي حاتم أثر الحسن 1/ 785، وذكره عن قتادة 1/ 779، 787، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 157 إلى عبد بن حميد.

(٢٨) روي هذا القول أيضًا عن السدي وأبي العالية، والربيع بن أنس، ومجاهد وعطاء وابن زيد، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 369 - 370، "ابن أبي حاتم" 1/ 149 - 150 "زاد المسير" 1/ 104، "الدر المنثور" 1/ 157.

(٢٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254 "تفسير الثعلبي" 1/ 995، "القرطبي" 2/ 3.

(٣٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 370.

(٣١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 370، و"ابن أبي حاتم" 1/ 781.

(٣٢) بنحوه أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 785، 787.

(٣٣) أخرجه الطبري 1/ 370 بأسانيد عن قتادة.

(٣٤) في (م): (النكة).

والنكتة هي النقطة.

(٣٥) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 744 - 746 مادة حج، "مقاييس اللغة" 2/ 29 - 31.

(٣٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 996.

(٣٧) يعني: ابن الأنباري.

(٣٨) "تفسير الثعلبي" 1/ 997.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده