تفسير سورة طه الآية ٣٩ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 20 طه > الآية ٣٩

أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ .

وذكر ابن الأنباري في قوله: ﴿ مَا يُوحَى ﴾ وجهين أحدهما: (أن معناه وأوحينا إلى أمك الذي يجوز أن يوحى إليها، والضرب الذي يمكن أن تكون مختصة به؛ لأنه ليس كل الأمور يصلح وحيها إليها، فكأنها اختصت بما يجوز أن يختص به أمثالها ممن ليس بنبي ولا رسول.

والثاني: أن ﴿ مَا يُوحَى ﴾ أفاد في الآية توكيد أوحينا، كأنه قيل: أوحينا إلى أمك إيحاء) (١) ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ اجعليه فيه بأن ترميه فيه، واستعمل لفظ القذف هاهنا للعجلة، كي تعجل قبل أن يطلع عليها الذابحون.

ومعنى القذف في اللغة: الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب: القذف؛ لأنه رمي بالقبيح من القول [[انظر: "تهذيب اللغة" (قذف) 3/ 2907، "مقاييس اللغة" (قذف)، "القاموس المحيط" (قذف) (843)، "الصحاح" (قذف) ص 4/ 1414، "لسان العرب" (قذف) 6/ 3560.

ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة [النور: 23]: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .]].

وقوله تعالى: ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد النيل) (٢) قال الليث: ( ﴿ الْيَمِّ ﴾ : البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه) (٣) قال الأزهري: ( ﴿ الْيَمِّ ﴾ : البحر، وهو معرب وأصله بالسريانية، فعربته العرب وأصله: يم، ويقع اسم اليم على ما كان ماؤه ملحًا زعاقًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء كالذي في هذه الآية، وهو نهر النيل بمصر وماؤه عذب.

قال الله تعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾ فجعل له ساحلاً، وهذا كله دليل على بطلان قول الليث في اليم) (٤) قال صاحب النظم: (اشترك في قوله: ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ ﴾ الأمر والجزاء؛ لأنه جواب لقوله: ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ وهو أمر بالإلقاء، فصار كقوله: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ ، فقوله: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ﴾ أمر وله جواب، وجوابه في قوله: (نحمل)، ودخول الواو واللام دلالة على استئناف أمر لنفسه، كما قال الشاعر (٥) بمعنى: ولأَدْعُ أنا، فهو جواب وأمر لنفسه بذلك، وذكرنا هذا في قوله: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ  ﴾ (٦) وهذا الذي ذكره صاحب النظم شرح ما ذكره الفراء وبيانه (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ يعني فرعون، ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (لا يراك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر) (١١) وقال سلمة بن كهيل (١٢) (١٣) وقال عكرمة: (حسن وملاحة) (١٤) (١٥) ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: (أحبه وحببه إلى خلقه) (١٦) وقال العوفي: (جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه) (١٧) وقال قتادة: (ملاحة كانت في عيني موسى ما رآه أحد إلا عشقه) (١٨) وقال في رواية سعيد بن جبير: (ألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد من البشر) (١٩) فأما ظاهر اللفظ فإنه يقتضي أن الله تعالى أحبه، وحب الله تعالى إياه أعظم نعمة وأجمل إحسان (٢٠) وقال أبو عبيدة في هذه الآية: (يقول: جعلت لك محبة عندي وعند غيري) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ قال المفسرون: (ولتربي تغذي) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى عَيْنِي ﴾ ذكر المفسرون في تفسيره: (مرآى مني) (٢٥) قال: والعرب تقول: اتخذه لي على عيني، أي على محبتي) (٢٦) وقال ابن الأنباري: (العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذى فلان على عيني أي على المحبة مني والإشفاق) (٢٧) وأنشد لخفاف بن ندبة (٢٨) إِن تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ...

فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا وذكر صاحب النظم في اللام التي في قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ أوجهًا أحدها: (أنها متصلة بما قبلها، وهو قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴾ ؛ لأن ذلك الإيحاء كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله، وعلى هذا يجب أن تكون الواو مقحمة زائدة في ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ .

الثاني: أن اللام متصلة بما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ كأن المعنى: ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ﴾ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "البحر المحيط" 6/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 54، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد.

وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 190: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.]].

(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 283، والطبرسي في "مجمع البيان" 5/ 17.

(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.

(٣) "تهذيب اللغة" (يم) 4/ 3984.

(٤) نفسه.

(٥) اختلف في نسبة هذا البيت.= فنسب للأعشى في "الكتاب" 1/ 426، "الرد على النحاة" ص 128، "العيني" 4/ 392، "الدرر" 2/ 9، وليس في ديوانه.

ونسب للفرزدق في "آمالي القالي" 2/ 92، وليس في ديوانه.

ونسب لدثار بن شيبان النمري ذكر ذلك: "الأغاني" 2/ 159، "سمط اللآلي" ص 726، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4388.

وذكر بغير نسبة في: "الإنصاف" 9/ 4، "سر صناعة الإعراب" 1/ 392، "مجالس ثعلب" ص 456، "معنى اللبيب" 1/ 397.

(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 26، "الكشاف" 2/ 536، "البحر المحيط" 6/ 241، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.

(٨) "تهذيب اللغة" (سحل) 2/ 1645.

(٩) الْمَشْرَعةُ: التي يَشْرَعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقى منه بالرشاء.

انظر: "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1858، "القاموس المحيط" (الشريعة) ص 732، "الصحاح" (شرع) 3/ 1236، "لسان العرب" (شرع) 4/ 2238.

(١٠) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 26، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.

(١١) "زاد المسير" 5/ 284.

(١٢) سلمة بن كهيل الحضرمي، التنعي، الكوفي أبو يحيى من كبار التابعين، روى له الستة، وروى عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما، وروى عنه الثوري وغيره، وهو ثقة، ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، توفي -رحمه الله- سنة 121 هـ، وقيل غير ذلك.

انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 221، "الجرح والتعديل" 2/ 170، "الكامل" 5/ 96، "تهذيب التهذيب" 4/ 115، "شذرات الذهب" 1/ 159.

(١٣) "جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "معالم التزيل" 5/ 272، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "الدر المنثور" 4/ 529.

(١٤) "جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.

(١٥) آسية بنت مزاحم، زوجة الطاغية فرعون، وهي من أفضل النساء لإيمانها وصبرها ، وقد ورد بذلك الخبر عن النبي -  - كما رواه الإمام أحمد 1/ 316، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" 2/ 594 أنه قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مز احم امرأة فرعون".

(١٦) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.

(١٧) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.

(١٨) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.

(١٩) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "المحرر الوجيز" 10/ 29، "التسهيل لعلوم التنزيل" ص 403، "مجمع البيان" 7/ 18، "روح المعاني" 16/ 189.

(٢٠) قال الإمام الطبري في "تفسيره" 16/ 161: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله ألقى محبته على موسى كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ فحببه إلى آسية امرأة فرعون حتى تبنته وغذته وربته.

وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 20: (ومحبة الله صفة من صفاته الفعلية ودليلها قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

ويشهد لهذا ما رواه البخاري في التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل قال -  -: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض".

(٢١) "جامع البيان" 16/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 38، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179.

(٢٢) انظر: "تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2065، "القاموس المحيط" (صنع) ص 738، "الصحاح" (صنع) 3/ 1245، "لسان العرب" (صنع) 4/ 2508.

(٢٣) "جامع البيان" 16/ 163، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273 ، "المحرر الوجيز" 10/ 30.

(٢٤) "النكت والعيون" 3/ 402، وذكرته كتب التفسير بدون لفظ الإرادة.

انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 16، "جامع البيان" 16/ 162، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179، "الدر المنثور" 4/ 529.

(٢٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 19.

(٢٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 284، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 190.

وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 22: (إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ ولا يجوز تفسيرها بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله).

وأولى ما حملت عليه هذه الآية أن يقال فيها: أي: على نظر مني ومرئ فأنت بحفظي ورعايتي.

انظر: "الفتاوى" لابن تيمية 3/ 133، "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 156، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" ص 90.

(٢٧) البيت لخفاف بن ندبة، قاله بعد قتله لمالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة.

انظر: " الشعر والشعراء" ص 212، "الخزانة" 5/ 443، "الأغاني" 13/ 135، "لسان العرب" (عين) 6/ 3199.

(٢٨) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "البحر المحيط" 6/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 54، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد.

وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 190: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد