تفسير سورة الحج الآية ١٨ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 22 الحج > الآية ١٨

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَر ﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل.

وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا  ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه ذلك (١) وقوله ﴿ وَالشَّمْسُ ﴾ إلى قوله ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ (٥) وقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله -عَزَّ وَجَلَّ- على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة (٦) وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو العارفين إلى السجود لله -عَزَّ وَجَلَّ- (٧) وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر (٨) ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ أي: خشعت من وطي الحوافر عليها.

هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني (٩) وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ  ﴾ (١٠) قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا (١١) وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه (١٢) وعلى هذا فكل شيء مما خلقه (١٣) ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ  ﴾ إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة (١٤) (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى.

﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد (١٦) ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ من جملة الساجدين.

وقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ (١٧) روى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة (١٨) وقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده (١٩) وعلى هذا يصح الوقف على ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ ، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر.

وقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين (٢٠) قال الفراء: قوله ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود (٢١) وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد (٢٣) (٢٤) وقال في رواية عطاء: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ ﴾ يريد (٢٥) (٢٦) يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] (٢٧) ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه (٢٨) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.

(١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٣) في (أ): (بما).

(٤) بل الصحيح ما قاله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 340 بعد ذكره لهذه الآية: فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها.

أهـ.

(٥) "معاني القرآن" 3/ 418.

(٦) من قوله: وقال قوم ..

إلى قوله: أثر الصنعة فيها.

منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.

ومن قوله: "والتسخير ...

إلخ" منقول عن "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أ.

(٧) "القطع والائتناف" للنحاس 489.

(٨) هذا عجز بيت لزيد الخيل، وصدره: بجيش تضلُّ البُلْق في حَجَراته وهو في "ديوانه" ص 66، وتأويل "مشكل القرآن" ص 322، و"المعاني الكبير" 2/ 890 كلاهما لابن قتيبة، والطبري 2/ 242، و"الكامل" للمبرد 2/ 201، والرواية عندهم: (منه) في موضع (فيها).

وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418، "الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"الصحاح" للجوهري 2/ 483 (سجد)، و"للسان" 3/ 206 (سجد).

والرواية عندهما: فيها.

والبلق: جمع بلقاء، والبلقاء: هي الفرس التي يكون فيها بلق يعني: سواد وبياض.

أو البلقاء: الفرس التي ارتفع التحجيل فيها إلى الفخذين.

و (حجراته): نواحيه، والأكم: جمع أكمه: وهي التل أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله.

انظر: "لسان العرب" 10/ 25 (بلق)، 4/ 168 (حجر)، "القاموس المحيط" 3/ 214 ، 4/ 75.

قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 89: يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.

(٩) نسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أهذا القول لأرباب الحقائق.

(١٠) ذكره عن مجاهد: الثعلبي 3/ 49 أوبنحوه رواه الطبري 17/ 130.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١١) ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 268، والجشمي في "التهذيب" 6/ 171 ب من غير نسبة لأحد.

(١٢) ذكره الثعلبي 3/ 49 أ، ورواه الطبري 17/ 130.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 18 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٣) في (ظ)، (د)، (ع): (خلق).

(١٤) في (ظ)، (د)، (ع): (حال).

(١٥) في (ظ)، (د)، (ع): (فذاك).

(١٦) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أعن مجاهد بنصه.

وقد رواه الطبري 17/ 130.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.

(١٧) انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 393.

(١٨) رواه ابن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 872.

وذكره القرطبي 12/ 24 عن ابن عباس من رواية ابن الأنباري.

وذكره أبو عمرو الداني في كتابه "المكتفى في الوقف والابتدا" ص 393 عن ابن عباس.

(١٩) ذكره الرازي 23/ 20 من رواية عطاء، عن ابن عباس.

(٢٠) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 782، "القطع والائتناف" == للنحاس ص 488 - 489، "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" للأشموني ص 255.

(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.

(٢٢) ذكره عنهم النحاس في "القطع والائتناف" ص 488.

(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.

(٢٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 207.

(٢٥) يريد: ساقطة من (ظ)، وفي (د)، (ع): (يريد: ومن يهن الله) من تهاون.

(٢٦) ذكره عنه القرطبي 17/ 24.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٢٨) قال الطبري 17/ 130: (فما لي من مكرم) بالسعادة يسعده بها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله