الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 25 الفرقان > الآية ٧٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ ، قال الليث: تقول: ما أعبأ بهذا الأمر، أي: ما أصنع به، كأنك تستقلُّه وتستحقرُه.
تقول: عَبَأَ يَعْبَأُ عَبْأً وعِبَاءً ممدود (١) وقال أبو عبيدة: يقال ما عَبأتُ به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا (٢) [وقال شَمِر: قال أبو عبد الرحمن: ما عَبَأت به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا] (٣) وقال أبو عدنان، عن بعض أهله، يقال: ما يعبأ الله بفلان، إذا كان فاجرًا، أو مائقًا (٤) (٥) ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، كما يقول: ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن، ولا قدر.
وأصل العِبْء في اللغة: الثِقل، ومن ذلك: عبأت المتاع، جعلت بعضه على بعض (٦) وقال بعض أهل اللغة: أصل هذا الحرف، من: تهيئة الشيء، قال: عَبَأت الطيب، أَعْبَؤُه عَبْأ إذا هيأته، قال: كأنَّ بِنَحرِه وبِمنْكبيه ...
عَبيرًا باتَ يعبؤه عَروس (٧) قال أبو زيد: يقال: عَبَأت الأمر والطيب عَبْأ إذا ما صنعته وخلطته، وعَبَأت المتاع عَبْأ إذا هيأته.
ويقال: عَبَّأته تعبئة، وكل من كلام العرب، وعبأت الخيل تعبئة وتعبيئًا.
انتهى كلامه (٨) (٩) قال مجاهد، ومقاتل: يقول: ما يفعل بكم ربي (١٠) (١١) وقال ابن عباس، والكلبي، وابن زيد: ما يصنع بكم ربي (١٢) (١٣) وقوله: ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ قال مجاهد، والكلبي: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال أبو إسحاق: أي: لولا توحيدكم إياه (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال ابن قتيبة، في هذه الآية: أي ما يعبأ بعذابكم ربي، لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد (٢٢) قال ابن الأنباري: وهذا لم يقل به أحد من السلف، وهو عندي غير صحيح؛ لأن الدعاء يجوز أن يقع على شيئين متضادين، فيقال: لولا دعاؤكم الأصنام، ولولا دعاؤكم الله، وإذا احتمل الحرف الوقوع على معنيين متضادين، لم يجز حذف المنوي؛ لأنه يلتبس؛ ألا ترى أن من قال: أنا أكره كلامك، لم يحسن له أن يقول: أنا أكره.
ويسكت؛ لأن المخاطب لا يدري أكراهته تقع على الكلام، أم على السكوت، فإضمار ابن قتيبة الشركاء، والآلهة، في الآية غير صحيح (٢٣) قوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ الخطاب لأهل مكة، أي: كذبتم محمدًا - - (٢٤) (٢٥) قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ قال الليث: اللزام الذي يلزمك ولا يفارقك (٢٦) (٢٧) فإما ينجوَا من حَتفِ أرضٍ ...
فقد لَقيا حُتوفهما لزامًا (٢٨) أي: أنه واقع لا محالة.
قال الزجاج: وتأويل هذا: أن الحتف إذا كان مقدرًا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لازمًا له لزامًا (٢٩) (٣٠) قال أبو إسحاق: وتأويله: فسوف تلزمكم العقوبة بتكذيبكم، [فيدخل في هذا يوم بدر، وغيره مما يلزمهم من العذاب.
وذكر وجهًا آخر، فقال: تأويله -والله أعلم-: فسوف يكون تكذيبكم] (٣١) (٣٢) وقال الكلبي: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أخذًا باليد، والقتل يوم بدر؛ وهو من عذاب الدنيا فأسروا يوم بدر وقتلوا (٣٣) وقال الفراء: فسوف يكون تكذيبكم يوم بدر لزامًا، عذابًا لازمًا لكم (٣٤) ﴿ لِزَامًا ﴾ فيصلًا (٣٥) ﴿ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي: فيصلًا (٣٦) (٣٧) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) كتاب "العين" 2/ 263 (عبء)، وذكره ابن جرير 19/ 55، ولم ينسبه.
(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 82.
وذكره البخاري، ولم ينسبه، "الفتح" 8/ 490.
(٣) ما بين المعقوفين، في (ج)، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا).
(٤) المائق: الهالك حمقاً وغباوة.
"تهذيب اللغة" 9/ 363 (موق)، و"لسان العرب" 10/ 350.
(٥) "تهذيب اللغة" 3/ 234 (عبا)، وفيه: قال أبو عدنان عن رجل من باهلة.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.
ونقله عنه الأزهري 3/ 234 (عبا).
وفي (ج): (النقل) بدل: (الثقل).
(٧) بنصه في "إصلاح المنطق" 149، دون إنشاد البيت.
وذكره الثعلبي 8/ 105 ب، ولم ينسب القول ولا البيت.
وأنشد البيت الطبرسي 7/ 283، ولم ينسبه، وإنما قال: قال الشاعر يصف أسدًا.
وأنشده القرطبي 13/ 84، بلفظ: كان بصدره وبجانبيه.
وأنشده في "لسان العرب" 1/ 118 (عبأ)، ونسبه لأبي زبيد.
قال الشنقيطي 6/ 359: قوله: يعبؤه، أي: يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به، واكتراثه به.
(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا).
(٩) "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا)، بلفظ: ما عبأت به شيئاً: لم أباله.
(١٠) "تفسير مجاهد" 2/ 457، وأخرجه ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745.
و"تفسير مقاتل" ص 47 ب.
واقتصر عليه الهواري 3/ 220.
(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.
(١٢) أخرجه ابن جرير 19/ 55، عن ابن زيد.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن عمرو بن شعيب.
وذكره الأزهري 3/ 234، عن الكلبي.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 275.
(١٤) أخرجه عن مجاهد ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745، و"تفسير مجاهد" 2/ 457.
وفي "تنوير المقباس" ص 306: ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ أن الله أمركم بالتوحيد.
(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 275.
قال الهواري 3/ 220: لولا عبادتكم وتوحيدكم وإخلاصكم، كقوله: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ .
(١٦) "تفسير مقاتل" ص 47 ب.
(١٧) "تنوير المقباس" ص 306.
(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.
وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا إيمانكم ولعل المراد بهذا الإيمان والتوحيد، ما ذكره الماوردي 4/ 162، ولم ينسبه: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء، رغبة إليه وخضوعًا إليه.
(١٩) رجح ابن القيم هذا القول؛ فقال: والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه == وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل.
"جلاء الأفهام" ص 254.
وذكر هذا ابن العربي المالكي، في "أحكام القرآن" 3/ 430، عن بعض الأدباء، ولم يسمه، ثم قال: وليس هو كما زعم، وإنما هو مصدر أضيف إلى المفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ببعثة الرسل إليكم، وتبيين الأدلة لكم، فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً.
قال الثعالبي: والحق أن الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومن ادعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم.
"الجواهر الحسان" 2/ 476.
قال ابن عاشور 13/ 438: والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء؛ لأنكم مكذبون، وإنما قلت: الآن؛ لأن: ما، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس: لا.
(٢٠) أخرج ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745، عن ابن عباس - ما- من طريق علي بن أبي طلحة وأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم ...
(٢١) "تنوير المقباس" ص 306.
وعند مقاتل خلاف ذلك؛ قال في قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ النبي - - بعد كفار مكة.
(٢٢) "تأويل مشكل القرآن" 438.
والسبب في كون هذه الآية مشكلة؛ لأن فيها مضمر، فاختلف في تعيينه.
أفاده ابن قتيبة، ولذا ذهب إلى ما ذهب إليه أخذاً بظاهر الآية، ثم قال: ويوضح ذلك قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي: يكون العذاب لمن كذب ودعا من دونه إلهاً لازماً.
وذكر الطوسي 7/ 513، هذا القول عن البلخي؛ قال: معناه: لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف إليه مقامه.
وذكر ابن جرير الطبري 19/ 57، قول ابن قتيبة، ورد عليه فقال: وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم، يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد.
وهذا قول لا معنى للتشاغل == به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.
وقد ذكر الشنقيطي 6/ 359، هذه المسألة بالتفصيل واستدل على صحة الأقوال الواردة في الآية، واستبعد القول الذي ذكره ابن قتيبة؛ لأن فيه تقدير مالا دليل عليه، ولا حاجة إليه.
(٢٣) سبق ذكر رد ابن جرير عليه.
(٢٤) أخرج ذلك ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن السدي.
(٢٥) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن الوليد بن أبي الوليد، قال: بلغني أن تفسير هذه الآية: ما خلقتكم لي بكم حاجة، إلا أن تسألوني فأغفر، وتسألوني فأعطكم.
(٢٦) "العين" 7/ 372 (لزم)، بمعناه، وكذا في "تهذيب اللغة" 13/ 220.
(٢٧) صخر الغَي، صخر بن عبد الله الخيثمي، من بني هذيل، شاعر جاهلي، لقب بصخر الغي، لخلاعته، وشدة بأسه، وكثرة شره "الشعر والشعراء" ص 448، و"الأعلام" 3/ 201.
(٢٨) ذكره أبو عبيدة، في "المجاز" 2/ 82، ونسبه للهذلي، ولفظه: فإما ينجوا من حتف يوم ...
فقد لقيا حتوفهما لزامًا وأنشده أبو عبيدة استدلالًا على أن المراد باللزام: الفيصل.
وذكره الزجاج 4/ 78، عن أبي عبيدة استدلالًا على ما ذكره، وكذا الأزهري 31/ 320 (لزم)، ورواية البيت موافقة لما في المعاني، والتهذيب، مما يدل على نقل الواحدي عنهما.
والله أعلم.
وذكره ابن عطية 11/ 84، من إنشاد أبي عبيدة.
وذكره القرطبي 13/ 86، بلفظ: فإما ينجوا من خسف أرض (٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 79.
واختار هذا الماوردي 4/ 162؛ فقال: وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه.
وتبعه العز، في تفسيره 2/ 435.
(٣٠) "تفسير مجاهد" 2/ 457.
و"تفسير مقاتل" ص 47 ب.
وأخرج عبد الرزاق 2/ 72، عن قتادة، قال: قال أبي: هو القتل يوم بدر.
وأخرجه ابن جرير 19/ 56، عن ابن == مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم، ومجاهد، والضحاك.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2746، عن أبي مالك، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والقرظي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.
وبه قال الهوَّاري 3/ 220.
وأخرج ابن جرير 19/ 57، عن ابن عباس - ما- من طريق علي بن أبي طلحة: اللزام: الموت.
وأخرج عن ابن زيد: اللزام: القتال.
قال في "الوسيط" 3/ 349: والمعنى أنهم قتلوا يوم بدر، واتصل به عذاب الآخرة، لازماً لهم فلحقهم الوعيد الذي ذكر الله ببدر.
وأما في "الوجيز" 785، فلم يحدد بل جعل الآية مطلقة؛ فقال: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ ﴾ العذاب لازماً لكم.
(٣١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).
(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.
(٣٣) "تنوير المقباس" ص 306، بمعناه.
(٣٤) "معانى القرآن" للفراء 2/ 275، بمعناه.
(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78، ثم قال: وهو في قريب مما قلنا، ألا أن القول أشرح.
و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 82.
(٣٦) "تهذيب اللغة" 13/ 221 (لزم).
(٣٧) قال الزجاج 4/ 79 ومن قرأ: لَزاماً، بفتح اللام، فهو على مصدر لزم لزاماً.
ونحوه في "إعراب القرآن"، للنحاس 3/ 170.
قال القرطبي 13/ 86: اللِّزام، بالكسر: مصدر لازم، لزاماً، مثل: خاصم خصامًا، واللَّزام، بالفتح، مصدر: لزِم، مثل: سلِم سلاماً، أي: سلامة، فالَلزام بالفتح: الُلزوم، والِلزام: الملازمة.
وفي "لسان العرب" 12/ 542 (لزم): وهو في اللغة.
الملازمة للشيء والدوام عليه، وهو أيضًا الفصل في القضية، فكأنه من الأضداد.