تفسير سورة النساء الآية ٥٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٥٦

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ٥٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ .

قال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) (١) وقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت (٢) ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)  ﴾ ، وفي هذه الآية قال: ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ﴾ ، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ  ﴾ ، أي في الآخرة (٣) وقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي  ﴾ قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء (٤) وذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ .

قال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس (٥) وقال معاذ بن جبل (٦)  (٧) وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة.

وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى.

وغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) (٨) (٩) ويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس (١٠) قال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة (١١) (١٢) ألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره.

قال أبو عمر (١٣) ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات.

قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ ، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة.

انتهى الحكاية (١٤) ويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد (١٥) وقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ  ﴾ ، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة.

وقال: ﴿ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ  ﴾ ، والجنتان قائمتان.

ومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله عز وجل يجدد لهم جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، وبمكن أن تقدر: [عليه أن يقال] كيف جاز ...]] كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟

لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن يقدر: [فالإنسان لم يتغير] ...]] والألم واحد.

والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ  ﴾ ولم يقل: لتذوق (١٦) و (غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ.

واعتمد أبو بكر (١٧) ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ  ﴾ أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا (١٨) ومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ  ﴾ سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه (١٩) (٢٠) فالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر: كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها ...

فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر (٢١) أراد بالسرابيل جلودهم.

وللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر.

لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة (٢٢) ومعنى قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق (٢٣) ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ  ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ .

استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم (٢٥) ويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب (٢٦) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ .

أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس (٢٩) في ظل أخضر يدعو هامه البومُ [[عجز بيت لذي الرمة في ص (574)، "الأضداد" لابن الأنباري ص (348)، "تهذيب اللغة" 1/ 1046 (خضر)، "الصحاح" 5/ 1755، "معجم مقاييس اللغة" 3/ 461 (ظلل)، "المفردات" ص (150)، "شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "اللسان" في أكثر من موضع منها: 5/ 2754 (ظلل).

وصدره: "قد أعسف النازح المجهول معسفه" وفي "الديوان": "أغضف" بدل "أخضر" في الشطر الثاني.

وجاء في "شرحه": أعسف: أسير على غير هداية، والنازح: البعيد، والمجهول: الذى ليس له علم، أغضف: يعني الليل، وأغضف أي == أسود، والهام: ذكر البوم [وهو نوع من الطيور] انتهى من الديوان بتصرف.]] ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ  ﴾ .

واختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ دائمًا (٣٠) ونحو ذلك قال الضحاك (٣١) (٣٢) وقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم (٣٣) قال ابن كيسان: ﴿ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ من الرياح والحر (٣٤) وقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك.

أعلم الله عز وجل أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) (٣٥) (٣٦) وقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد (٣٧) وقال مقاتل: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها (٣٨) وهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور.

والظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال.

إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل.

(١) في "الكتاب" 4/ 233 "وأما (سوف) فتنفيس فيما لم يكن بعد" وانظر: "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف)، والتنفيس هو التأخير، انظر: "اللسان" 4/ 2152 (سوف).

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1597 - 1598 (ساف)، "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف).

(٣) انظر: الطبري ط.

دار الفكر 30/ 232.

(٤) انظر: ابن كثير 2/ 537.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 237، وأخرجه عن ابن عمر: الطبري 5/ 142، وابن أبي حاتم، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 564، "الدر المنثور" 2/ 311.

والقراطيس جمع قرطاس وهي الصحيفة التي يُكتب عليها.

انظر: "اللسان" 6/ 3592 (قرطس).

(٦) هو أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد السبعة الذين شهدوا العقبة من الأنصار وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من قراء الصحابة وعلمائهم وأمرائهم.

توفي  سنة 17هـ أو بعدها.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (358)، "أسد الغابة" 5/ 194، "سير أعلام النبلاء" 1/ 443، "الإصابة" 3/ 426 - 427.

(٧) الأثر عن عمر ومعاذ  ما أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط" وابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف، انظر البغوي 2/ 237، "الكافي الشاف" ص (45)، "الدر المنثور" 2/ 311.

(٨) بياض في (ش) ولعلها: بأن جعله (أبيض)، أو نحو ذلك.

(٩) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 65، وانظر: الطبري 5/ 143، "زاد المسير" 2/ 113، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.

(١٠) من "تهذيب اللغة" 1/ 295 (بدل)، وقد نقل عن الأزهري نصًّا طويلاً، فيه أقوال.

(١١) جوهرة الشيء أصله، قال ابن منظور: "وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته" "اللسان" 2/ 712 (جهر).

(١٢) "تهذيب اللغة" 1/ 294، "اللسان" 11/ 48 (بدل).

(١٣) قد يكون الزاهد، ومرت ترجمته.

(١٤) من "تهذيب اللغة" 1/ 294، وانظر: "الصحاح" 4/ 1632، "اللسان" 1/ 231 (بدل).

(١٥) لعل هذِه الواو زائدة.

(١٦) انظر: "الطبري" 5/ 142 - 143، "معالم التنزيل" 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.

(١٧) لعله يقصد ابن الأنباري.

(١٨) لم أقف عليه، وانظر: الطبري 5/ 143.

(١٩) انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254، وقد استبعد هذا القول كالمؤلف ابن كثير في "تفسيره" 1/ 564.

(٢٠) هذا عجز بيت لعبد الله بن عمر -  ما- وصدره: يلومونني في سالم وألومهم ولعله يقصد ابنه سالمًا.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.

(٢١) البيت لجرير في "ديوانه" ص162، والكتاب 1/ 333، ودون نسبة في "المقتضب" 3/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.

والسرابيل جمع سربال وهو القميص كما تقدم عند المؤلف.

(٢٢) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.

(٢٣) الظاهر والذي عليه المفسرون أن معنى: (نضجت): احترقت.

انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 361، "زاد المسير" 2/ 113.

وعلى ما ذكر المؤلف يلزم بأن يفسر تبديل الجلود بتغيير حالتها، لا تغييرها هي.

والله أعلم.

(٢٤) انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254.

(٢٥) انظر: "الكشاف" 1/ 275.

(٢٦) "العين" 5/ 201، "تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).

(٢٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).

(٢٨) انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 362.

(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2246، "اللسان" 5/ 2754 (ظلل).

(٣٠) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 592 دون نسبة إلى ابن عباس، ولم أقف عليه عنه، وروى ابن أبي حاتم معناه عن الربيع بن أنس، انظر: "الدر المنثور" 2/ 311.

(٣١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.

(٣٢) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.

(٣٣) انظر: "الوسيط" 2/ 592، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255، "البحر المحيط" 3/ 275، وفيهما: "السموم" بدل "السمائم".

(٣٤) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2248 (ظلل).

(٣٥) في المخطوط: "معد" والتصويب من "معاني الزجاج".

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 66.

(٣٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 66، "البحر المحيط" 3/ 275.

(٣٨) "تفسيره" 1/ 381، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 362.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله