تفسير سورة الأحقاف الآية ١٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٥

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: 30] ولقمان [آية: 14].

قوله: ﴿ إِحْسَانًا ﴾ قال مقاتل: برًّا (١) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا  ﴾ لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿ بِوَالِدَيْهِ ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ  ﴾ ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي  ﴾ وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز: كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا (٢) في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء (٣) ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ وقرئ (كَرْهًا) (٤) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ فهذا (٥) ﴿ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا  ﴾ فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد (٦) قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة (٧) ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا  ﴾ يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق (٨) قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل.

روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا (٩) وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق  (١٠) (١١) ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق  (١٢) قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله -  - وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي -  - ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله -  - في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟

فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله -  - في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله -  - وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله -  - فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ (١٤) وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ  ﴾ فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب (٢٠) قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني (٢١) ﴿ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا.

قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده (٢٢) قال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو (٢٣) وقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.

وقوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين (٢٤) قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده (٢٥) (٢٦) قال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر (٢٧) قال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من الشرك ﴿ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد (٢٨) (٢٩) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.

(٢) الرجز للعجاج.

انظر: "المحتسب" 2/ 310، و"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" لأبي علي ص 119، و"الحجة" 6/ 182.

(٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 182.

(٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو.

انظر: "الحجة" 6/ 184.

(٥) فيه زيادة لفظ (بالضم).

انظر: "الحجة" 6/ 184.

(٦) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 184.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 15، و"تفسير الماوردي" 5/ 276، و"تفسير ابن كثير" 6/ 280.

(٨) ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر: 4/ 107.

(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وأخرجه ابن كثير في "تفسيره" عن عكرمة عن ابن عباس 6/ 281.

(١٠) أورد ذلك المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 401، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 110 ب، وكذلك ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.

(١٢) وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في "الدر" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس  ما.

انظر: "الدر المنثور" 7/ 441.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" (فصل) 12/ 193.

(١٤) ذكر ذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 401، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 194.

(١٥) أخرج ذلك الطبري في تفسيره 13/ 2/ 16، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي 5/ 276.

(١٦) ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 277، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194 عن الحسن.

(١٧) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 16، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.

(٢١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 25، و"ابن كثير" 6/ 282 فقد ذكرا المعني من غير نسبة.

(٢٢) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن علي 10/ 110 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي.

انظر: 16/ 194، وكذلك نسبه في "الوسيط" لعلي.

انظر: 4/ 107.

(٢٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 257، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194.

(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.

(٢٥) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 258، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 108.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.

(٢٧) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195.

(٢٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.

(٢٩) ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه 5/ 278، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه 7/ 378، وكذلك ذكره في "الوسيط" عن عطاء عن ابن عباس.

انظر: 4/ 108.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله