تفسير سورة الملك الآية ١٣ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 67 الملك > الآية ١٣

وَأَسِرُّوا۟ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُوا۟ بِهِۦٓ ۖ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية (١) ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ بما في القلوب.

قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد.

فأنزل الله هذه الآية (٢) ثم احتج على ذلك بقوله: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ ، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى.

والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول.

أي خالق الصدور (٣) (٤) (٥) قوله: ﴿ وَهُوَ اَللًطِيفُ ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿ الْخَبِيرُ ﴾ بما فيها من السر والوسوسة (٦) وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر.

واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع.

وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب (٧) ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا  ﴾ ، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله مخلوقًا (٨) قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ ، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك.

ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول (٩) أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض (١٠) (١١) (١٢) وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها (١٣) (١٤) قوله: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ أمر إباحة.

ومعناه البيان عن كونها ذلولًا.

وفي المناكب قولان: أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس.

قالوا: جبالها وآكامها (١٥) (١٦) القول (١٧) (١٨) ﴿ مَنَاكِبِهَا ﴾ : جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه (١٩) وذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض.

وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل (٢١) ﴿ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم (٢٢) قال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم (٢٣) ثم خوف أهل مكة فقال: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء (٢٤) ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ  ﴾ ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه.

لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة.

وذهب بعض أهل المعاني إلى أن (٢٥) ﴿ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ هو الملك (٢٦) (٢٧) ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق (٢٨) وقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى (٢٩) (٣٠) ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم (٣١) ثم زاد في التخويف فقال: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط (٣٢) ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا -  -.

وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك (٣٣) (٣٤) (٣٥) و (كيف) في قوله: ﴿ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار.

ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم (٣٦) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا (٣٧) ثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ﴾ ، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء.

﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف.

قال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن (٣٨) (٣٩) كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ...

خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ...

يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ (٤٠) وعطف قوله: ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ على ﴿ صَافَّاتٍ ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟

وهو معنى قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾ ، أي: في الحالتين، جميعًا.

في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة.

وهذا كقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ ﴾ الآية [النحل: 79].

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 213.

(٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 508، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

قلت: وفي الآية وجه آخر، وهو حملها على العموم، والمراد أن قولكم وعملكم لا يخفى على من يعلم السر وأخفى، فاحذروا من المعاصي.

ويدخل في هذا ما يسره المشركون في أمر النبي -  -، وهذا المعنى هو المعتمد عند ابن جرير، وابن كثير.

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.

(٣) في (س): (من خلقها وخلق القول.

أي خالق: الصدور) زيادة.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، ونسبه الثعلبي لأهل المعاني.

"الكشف والبيان" 12/ 157 أ، وهذا هو المعتمد عند ابن جرير.

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371، و"الكشاف" 4/ 123.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٧) وهذا التأويل مردود عند مكي؛ لأنه يخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله عز وجل.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746.

قلت: وما ذهب إليه مكي أولى في تفسير كلام الله تعالى، وحيث وجد وجه آخر لتفسير الآية فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، والله أعلم.

(٨) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746.

قلت: والعلماء من أهل السنة يرون القول الأول، وهو أن يكون (من) فاعلًا مرادًا به الخالق ومفعول العلم محذوف، وكذا مفعول الخلق.

والتقدير: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 473، و"دقائق التفسير" 5/ 13، و"الانتصاف بهامش الكشاف" 4/ 123.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 12، و"مفردات الشراب" (180) (ذل).

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(١١) في (ك): (على) زيادة.

(١٢) الحزونة: الخشونة، "اللسان" 1/ 627 (حزن).

(١٣) وهو القول الثاني.

انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 215.

(١٤) في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.

(١٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"غرائب القرآن" 29/ 9.

(١٦) في (ك): (طرافته).

(١٧) في (ك): (قوله القول).

(١٨) (س): (والكلبي، والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وابن قتية) زيادة.

وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مجاهد" 2/ 685، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" 3/ 171، و"تفسير غريب القرآن" ص 475.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 199، و"تهذيب اللغة" 10/ 286، و"اللسان" 3/ 713 (نكب)، وقد وهم ابن منظور -رحمه الله- بنسبة هذا القول للأزهري مع أن الأزهري نص على نسبته لأبي إسحاق.

(٢١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"زاد المسير" 8/ 322.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 200.

(٢٤) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٢٥) (س): (أن) زيادة.

(٢٦) (س): (الملك) زيادة.

(٢٧) نقل البيهقي عن أحمد بن إسحاق عند هذه الآية قوله: قوله ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ ، أي: على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار عن النبي -  -.

انظر: "الأسماء والصفات" 2/ 324.

وفي 2/ 330 قال: ومعنى قوله في هذه الأخبار ﴿ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ ، أي: فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة ..

قلت: وما ذكره الواحدي هنا -غفر الله له- مخالف لما عليه سلف الأمة من إثبات == صفة العلو لله تعالى كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة.

وقد أورد الذهبي -رحمه الله- في كتابه "العلو" أكثر من تسعين حديثًا، وآثارًا كثيرة عن السلف -رحمهم الله-.

والكتاب كله في إثبات هذه الصفة، وجمع ما ورد فيها عن الرسول -  - وما قاله علماء الصحابة ومن بعدهم في هذه الصفة.

وانظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1244، 1295، 1297، 1417، و"روح المعاني" 29/ 15، و"أضواء البيان" 12/ 8/ 407.

(٢٨) لم أجده.

(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1462 أ، و"تنوير المقباس" 6/ 109.

(٣٠) في (ك): (تحوط بكم).

وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٣١) المور: التحرك والاضطراب.

مار الشيء يمور مورًا: أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة.

وهي أطول ما يكون من النخل، ولا تكون عيدانة حتى يسقط كربها كله، ويصير جذعها أجرد من أعلاه إلى أسفله.

انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، و"اللسان" 3/ 548 (مور)، 2/ 939 (عيد).

(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"التفسير الكبير" 30/ 70.

(٣٣) في (س): (والضحاك) زيادة.

وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 70، و"غرائب القرآن" 29/ 9.

(٣٤) في (ك): (وصدقه إلى حين)، والصواب ما أثبته.

(٣٥) انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 6، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 398.

(٣٦) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"زاد المسير" 8/ 322، و"التفسير الكبير" 30/ 71.

(٣٧) انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ.

(٣٨) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 475.

(٣٩) في (س): (قول أبي خراش) زيادة.

(٤٠) انظر: "ديوان الهذليين" 2/ 159 و"الحماسه" لأبي تمام 1/ 386، و"الإنصاف" لابن الأنباري ص 390، و"تهذيب اللغة" 6/ 276، و"اللسان" 3/ 761 (هبذ)، و"الخزانة" 5/ 419.

والنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه.

والمهابذة: الإسراع.

وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين.

انظر: "اللسان" 3/ 488، 597، 761 (مشش، نحض، هبذ).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله