تفسير سورة الأنفال الآية ٢ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٢

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ الآية.

يقال: وجل يوجل وجلًا فهو وجل وأوجل: إذا فرق وخاف، وقال معن بن أوس (١) لعمرك ما أدري وإني لأوجل ...

على أينا تغدو المنية أول (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: تأويله: إذا ذكرت عظمة الله جل وعز وقدرته وما خوف به من عصاه وجلت قلوبهم أي: فزعت (٥) يقول: إنما المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره خوفًا من عقابه، ومفهومه: ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزل في كتابه، والإشارة فيه إلى إلزام أصحاب بدر طاعة الرسول فيما يرى من قسمة الغنيمة.

قال ابن عباس: ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ : خافت قلوبهم وخشعت لذكر الله (٦) (٧) فإن قيل: قوله: ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ الرعد: 28.

كيف يجمع بينهما والآيتان متدافعتان؛ لأن الوجل خلاف الطمأنينة؟

قيل: هذا جهل وذهاب عما عليه الآيتان لأن الاطمئنان إنما يكون من (٨) (٩) ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  ﴾ ؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا فانتفى عنهم الشك والارتياب فهو معنى قوله: ﴿ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وهذا كله كلام أبي علي الفارسي (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد تصديقًا ويقينًا (١١) (١٢)  في قوله: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح" (١٣) يريد أن معرفته بالله أقوى وإلا فكان غيره من الصحابة يصدق الرسول كما يصدق هو.

الوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١٤) ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ : تصديقًا مع تصديقهم (١٥) (١٦) فعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره (١٧) (١) هو: معن بن أوس بن نصر المزني، شاعر فحل، أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة 64هـ.

انظر: "الإصابة" 3/ 499، و"خزانة الأدب" 7/ 260، و"الأعلام" 7/ 273.

(٢) البيت في "ديوانه" ص 28، وهو مطلع لاميته المشهورة باسم لامية العجم، والتي يستعطف بها صديقه، وكان معن طلق أخته وتزوج بأخرى، فآلى أخوها أن لا يكلمه.

والشاعر يريد في البيت: أنه يؤثر أن يكون هو السابق في الوفاة، وهو وجل أن يبقى بعد وفاة صاحبه فيتألم لفراقه، ويذوق مرارة ذلك.

انظر: "شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 3/ 4132 و"خزانة الآدب" 8/ 291.

(٣) المراد بأهل المعاني: اللغويون الذين تكلموا عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو كالفراء وأبي عبيدة والأخفش والزجاج والنحاس وأبي عبيد وابن قتيبة وابن الأنباري والأزهري، قال الزركشي في "البرهان" 1/ 192: قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله، وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني، الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا.

وانظر نحو هذا القول في: "الإتقان" للسيوطي 1/ 149.

(٤) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 179، والسمرقندي 2/ 4، ولم أجده عند أهل المعاني.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 400.

(٦) "تنوير المقباس" ص 177 مختصرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عنه مثل قول مجاهد.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1655، و"الدر المنثور" 3/ 297.

(٧) رواه ابن جرير 13/ 386، وابن أبي حاتم 5/ 1655، وهو في "تفسير مجاهد" ص 351.

(٨) في (س): (عن).

(٩) في (ح): (النفس)، وهما بمعنى.

يقال: ثَلَجَ قلبه وثَلِجَ: تيقن.

انظر: "اللسان" (ثلج) 1/ 500.

(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 1/ 222.

(١١) رواه بنحوه ابن جرير 9/ 179، وابن أبي حاتم 5/ 1656 أمن رواية علي بن أبي طلحة.

(١٢) التصديق بعض الإيمان، فإن كان المؤلف يريد أن يبين كيفية زيادة هذا البعض فكلامه مقبول، وإن كان يريد أن يفسر الإيمان بالتصديق فقط فكلامه محل نظر إذ إن الثابت عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان: تصديق الجنان، وقول اللسان، == وعمل الأركان.

وزيادة الإيمان تكون بزيادة أحد هذه الثلاثة، فزيادة التصديق تكون بما ذكره المؤلف رحمه الله وزيادة الإيمان بالقول والعمل تكون بزيادة ما يحبه الله ويرضاه من القول والعمل والإحسان فيه.

قال الإمام البخاري رحمه الله كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل.

"شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للإمام اللالكائي 5/ 889.

وقال أبو عمر بن عبد البر المالكي: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمانا، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان: التصديق والإقرار، إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح من الإخلاص.

"التمهيد" 9/ 238 - 243.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل.

"مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" 7/ 505.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلاف صوري.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الدمشقي 2/ 462.

(١٣) الصحيح أنه من كلام عمر -  -، ولا يصح رفعه.

انظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكانى ص 235.

(١٤) يعني الزجاج.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 401.

(١٥) في "تفسير مقاتل": تصديقًا مع إيمانهم مع تصديقهم ...

إلخ.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 118 أ.

(١٧) رواه مختصرًا ابن جرير 9/ 179، وابن أبي حاتم 5/ 1656 أ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر