الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ الآية، قال أهل العلم بالتفسير: هذه الآية نزلت بعد الأولى بمدة طويلة وإن كانت إلى جنبها، وكان رسول الله يبعث المسلمين غزاة على حكم الآية الأولى، والمسلمون يصابر الواحد منهم العشرة من الكفار، بعث حمزة في ثلاثين راكبًا قبل بدر فلقيهم أبو جهل في ثلاثمائة راكب (١) ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ (٢) (٣) ﴿ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ﴾ [وقرئ (ضُعفًا) (٤) (٥) (٦) وقوله (٧) ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ ، قال ابن عباس: صار الرجل برجلين (٨) (٩) ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ شرط وجزاء محض، يعني أن المائة إذا صبرت غلبت مائتين من المشركين، وكل مائة من المسلمين لا تغلب مائتين من المشركين فإنها ليست بصابرة، ولو كانت صابرة لغلبت المائتين وعدًا من الله، وهذا معنى قول مجاهد: إن صبروا غلبوهم (١٠) (١١) ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ .
ألا ترى أن المفسرين كلهم اتفقوا على أن قوله في الآية الأولى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ أمر لا خبر بدليل ورود النسخ عليه والنسخ لا يجوز وروده على الخبر (١٢) (١٣) والناس من يلق خيرًا قائلون له ...
ما يشتهي ولأم المخطىء الهبل (١٤) فقوله: من يلق خيرًا شرط ومعناه الخبر؛ لأن معناه: من لقي خيرًا قالوا له ما يشتهي، وتأويل الآية: إن يصبر منكم عشرون لمائتين من المشركين يغلبوهم، فهو شرط محض وجزاء خالص، والشرط غير واجب فكيف يكون خبرًا؟
والخبر واجب إما ماضيًا وإما منتظرًا وهذا شيء وعده المؤمنين (١٥) فإن قيل: فقد كان يجب على العشرين أن يصابروا المائتين كما يجب الآن على المائة أن يصابروا المائتين والشرط غير (١٦) قيل: إن الله تعالى كان قد أنزل قبل هذا قوله (١٧) ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ فعظم الفرار من الزحف، وهول في العقاب، ولا يقع العقاب إلى في واجب، ولم يصف الله تعالى حالة الفرار كيف هو أو كم من كم؟، ثم بينه بقوله عز وجل: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ فأعلم أن عشرين إذا صبروا أوجب لهم غلبة مائتين بشريطة الصبر، ووعده ناجز لا خلف فيه، فكان في ذلك بيان لكيفية الفرار التي حرمها، والصفة التي يكون المولي بها فارًّا مستوجبًا للعقاب إلا أنه ثقل عليهم ثبوت الواحد للعشرة فخفف ذلك عنهم بالآية الأخرى، فعلى ما ذكر: الآيتان لفظهما شرط، والشرط كما ذكر لا يكون واجبًا إلا أن الوجوب استفيد من تحريم الفرار، وتحريم الفرار مجمل فبيّن في الآيتين أنه مع كم يجب أن يصبر، ومن كم يجوز الفرار.
وهذا طريق حسن في هاتين الآيتين، والحكم في هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مُشْرِكَيْن عبدًا كان أو حرًا فالهزيمة عليه حرام ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق سلاح فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا أن يريد الله ذلك (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد الذين صبروا على دينهم وعلى طاعة الله (٢٤) (١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 229 - 234، و"الكشاف" 2/ 167، ونسب القول لابن جريج، وانظر أيضًا: "تفسير الرازي" 15/ 194.
(٢) لم أجده بلفظه، وقد ورد معناه في روايات كثيرة، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 39 - 41، و"الدر المنثور" 3/ 362 - 364.
(٣) "تنوير المقباس" ص 185، عن الكلبي، عن ابن عباس.
(٤) قرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها.
انظر: كتاب "السبعة" ص 308، و"التبصرة في القراءات" ص 212، و"تقريب النشر" ص 119.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٦) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 31، 33.
(٧) ساقط من (ح) و (س).
(٨) رواه مطولًا ابن جرير 10/ 39، وإسحاق بن راهويه في "مسنده"، وابن المنذر والطبراني في "الأوسط"، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 363.
(٩) هو: محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني كما في "تفسير الرازي" 15/ 195، وانظر: "الكشاف" 2/ 167.
(١٠) رواه مطولًا ابن جرير 10/ 41.
(١١) في (ح): (ألف).
(١٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 41، والثعلبي 6/ 70 ب، والبغوي 3/ 375، والسمرقندي 2/ 25.
(١٣) في (ج): (خبر).
(١٤) البيت في "ديوانه" ص 25، ونسبه إليه أيضًا ابن قتيبة في كتاب "المعاني الكبير" 3/ 1266.
(١٥) في (م) و (س): (للمؤمنين).
(١٦) ساقط من (م).
(١٧) ساقط من (م).
(١٨) ساقط من (ح).
(١٩) هو: جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو عبد الله وابن عم رسول الله السيد الشهيد الكبير الشأن، هاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها يوم فتح خيبر، وولاه رسول الله قيادة جيش مؤتة بعد زيد، واستشهد فيها سنة 8 هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 206، و"تهذيب التهذيب" 1/ 308.
(٢٠) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، وأحد شعراء الرسول شهد بيعة العقبة وبدر، وأمّره الرسول على جيش مؤته بعد زيد وجعفر فقتل فيها سنة 8 هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 230، و"تهذيب التهذيب" 2/ 333.
(٢١) لَخْم: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، قبيلة عربية كبيرة، ينسبون إلى لخم وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وأما جُذام فبضم الجيم بعدها ذال غير مشددة، قبيلة عربية كبيرة أيضًا وهم إخوة للخم وينسبون إلى عمرو بن عدي بن الحارث، وقيل: هم من ولد أسد بن خزيمة.
انظر: "فتح الباري" 8/ 75.
(٢٢) انظر تفاصيل معركة مؤته في: "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 429 و"الفصول في سيرة الرسول" ص 193، و"فتح الباري" 7/ 510 - 516.
(٢٣) في (ح): (وذلك)، وهو خطأ.
(٢٤) "الوسيط" 2/ 470، وفي "تنوير المقباس" ص 185: الصابرين في الحرب.
<div class="verse-tafsir"