تفسير البغوي سورة العاديات

الإسلام > القرآن > تفسير > البغوي > تفسير سورة العاديات

تفسيرُ سورةِ العاديات كاملةً من تفسير البغوي (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

تفسير سورة العاديات كاملةً (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي)

سُورَةُ الْعَادِيَاتِ مَكِّيَّةٌ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) } {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْكَلْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْمُقَاتِلَانِ (٢) ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ الْخَيْلُ الْعَادِيَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَضْبَحُ، وَالضَّبْحُ: صَوْتُ أَجْوَافِهَا إِذَا عَدَتْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ تَضْبَحُ غَيْرُ الْفَرَسِ وَالْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ، وَإِنَّمَا تَضْبَحُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ إِذَا تَغَيَّرَ حَالُهَا مِنْ تَعَبٍ أَوْ فَزَعٍ، وَهُوَ مِنْ [قَوْلِهِمْ] (٣) ضَبَحَتْهُ النَّارُ، إِذَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ.

[وَقَوْلُهُ: "ضَبْحًا" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، مَجَازُهُ: وَالْعَادِيَّاتُ تَضْبَحُ ضَبْحًا] (٤) .

وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ الْإِبِلُ فِي الْحَجِّ، تَعْدُو مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، وَقَالَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ، [كَانَتْ أَوَّلُ غَزْوَةٍ فِي الْإِسْلَامِ بَدْرًا] (٥) وَمَا كَانَ مَعَنَا إِلَّا فَرَسَانِ، فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ فَكَيْفَ تَكُونُ الْخَيْلُ الْعَادِيَاتُ؟

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالسُّدَّيُّ.

وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ: هِيَ الْإِبِلُ: قَوْلُهُ "ضَبْحًا" يَعْنِي ضِبَاحًا تَمُدُّ أَعْنَاقَهَا فِي السَّيْرِ (٦) .

{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) } {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} قَالَ عِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ،:هِيَ الْخَيْلُ تُورِي النَّارَ بِحَوَافِرِهَا إِذَا سَارَتْ فِي الْحِجَارَةِ.

يَعْنِي: وَالْقَادِحَاتِ قَدْحًا يَقْدَحْنَ بِحَوَافِرِهِنَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْخَيْلُ تُهَيِّجُ الْحَرْبَ وَنَارَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ فُرْسَانِهَا.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الْخَيْلُ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَأْوِي بِاللَّيْلِ [إِلَى مَأْوَاهَا] (١) فَيُوَرُّونَ نَارَهُمْ، وَيَصْنَعُونَ طَعَامَهُمْ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هِيَ مَكْرُ الرِّجَالِ، يَعْنِي رِجَالَ الْحَرْبِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْكُرَ بِصَاحِبِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لِأَقْدَحَنَّ لَكَ ثُمَّ لْأُوَرِّيَنَّ لَكَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ النِّيرَانُ تَجْتَمِعُ (٢) .

{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} هِيَ الْخَيْلُ تُغِيرُ بِفُرْسَانِهَا، عَلَى الْعَدُوِّ عِنْدَ الصَّبَاحِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.

وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: هِيَ الْإِبِلُ تَدْفَعُ بِرُكْبَانِهَا يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ جَمْعٍ (٣) إِلَى مِنًى، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا تَدْفَعُ [بَرُكْبَانِهَا يَوْمَ النَّحْرِ] (٤) حَتَّى تُصْبِحَ وَالْإِغَارَةُ سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ كَيْمَا نُغِيرُ.

{فَأَثَرْنَ بِهِ} أَيْ هَيَّجْنَ بِمَكَانِ [سَيْرِهِنَّ] (٥) كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ، {نَقْعًا} غُبَارًا، وَالنَّقْعُ: الْغُبَارُ.

{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} أَيْ دَخَلْنَ بِهِ وَسَطَ جَمْعِ الْعَدُوِّ، وَهُمُ الْكَتِيبَةُ يُقَالُ: وَسَطْتُ، الْقَوْمَ بِالتَّخْفِيفِ، وَوَسَّطْتُهُمْ، بِالتَّشْدِيدِ، وَتَوَسَّطُّهُمْ بِالتَّشْدِيدِ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَالَ الْقُرَظِيُّ: [هِيَ الْإِبِلُ تَوَسَّطُ بِالْقَوْمِ] (٦) يَعْنِي جَمْعَ مِنًى، [هَذَا مَوْضِعُ الْقَسَمِ] ، (٧) أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) } {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) } {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: "لَكَنُودٌ": لِكَفُورٌ جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ بِلِسَانِ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ الْكَفُورُ، وَبِلِسَانِ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ الْعَاصِي (١) .

وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي يَعُدُّ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ (٢) .

وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الَّذِي لَا يُعْطِي فِي النَّائِبَةِ مَعَ قَوْمِهِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ قَلِيلُ الْخَيْرِ، وَالْأَرْضُ الْكَنُودُ: الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا.

وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: "الْكَنُودُ" الَّذِي أَنْسَتْهُ الْخَصْلَةُ، الْوَاحِدَةُ مِنَ الْإِسَاءَةِ الْخِصَالَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَ"الشَّكُورُ": الَّذِي أَنْسَتْهُ الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْإِحْسَانِ الْخِصَالَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْإِسَاءَةِ.

{وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} قَالَ [أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ] : (٣) وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى كَوْنِهِ كَنُودًا لَشَاهِدٌ.

وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِنْسَانِ أَيْ: إِنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَصْنَعُ.

{وَإِنَّهُ} يَعْنِي الْإِنْسَانَ، {لِحُبِّ الْخَيْرِ} أي لحب لمال، {لَشَدِيدٌ} أَيْ: لَبَخِيلٌ، أَيْ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ.

يُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّدٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَقَوِيٌّ، أَيْ شَدِيدٌ الْحُبِّ لِلْخَيْرِ أَيِ الْمَالِ.

{أَفَلَا يَعْلَمُ} أَيْ: أَفَلَا يَعْلَمُ هَذَا الْإِنْسَانُ، {إِذَا بُعْثِرَ} أَيْ: أُثِيرَ وَأُخْرِجَ، {مَا فِي الْقُبُورِ} [مِنَ الْمَوْتَى] (٤) .

{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} أَيْ: مُيِّزَ وَأُبْرِزَ مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.

{إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) } {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ} ، [جَمَعَ] (١) الْكِنَايَةَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ اسْمٌ لِجِنْسِ، {يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} عَالِمٌ، قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي ذَلِكَ [الْيَوْمِ] (٢) .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر