الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الإخلاص
تفسيرُ سورةِ الإخلاص كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةسُورَةُ الإخْلاصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها أرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ كَقَوْلِكَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ ولا حاجَةَ إلى العائِدِ لِأنَّها هي هُوَ، أوْ لِما سُئِلَ عَنْهُ أيِ الَّذِي سَألْتُمُونِي عَنْهُ هو اللَّهُ، إذْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» واحِدٌ بَدَلٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ صِفاتِ الجَلالِ كَما دَلَّ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذِ الواحِدُ الحَقِيقِيُّ ما يَكُونُ مُنَزَّهَ الذّاتِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ، وما يَسْتَلْزِمُ أحَدَهُما كالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها كَوُجُوبِ الوُجُودِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وقُرِئَ «هُوَ اللَّهُ» بِلا قُلْ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ في ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ولا يَجُوزُ في «تَبَّتْ»، ولَعَلَّ ذاكَ لِأنَّ سُورَةَ «الكافِرُونَ» مُشاقَّةُ الرَّسُولِ أوْ مُوادَعَتُهُ لَهم و «تَبَّتْ» مُعاتَبَةُ عَمِّهِ فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ مِنهُ، وأمّا هَذا فَتَوْحِيدٌ يَقُولُ بِهِ تارَةً ويُؤْمَرُ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ أُخْرى.
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ مِن صُمِدَ إلَيْهِ إذا قُصِدَ، وهو المَوْصُوفُ بِهِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وكُلُّ ما عَداهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في جَمِيعِ جِهاتِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلافِ أحَدِيَّتِهِ وتَكْرِيرُ لَفْظَةِ اللَّهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ، وإخْلاءُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى أوِ الدَّلِيلِ عَلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُجانِسْ ولَمْ يَفْتَقِرْ إلى ما يُعِينُهُ أوْ يُخْلَفُ عَنْهُ لِامْتِناعِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى لَفْظِ الماضِي لِوُرُودِهِ رَدًّا عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أوْ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ ولا يَسْبِقُهُ عَدَمٌ.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ أيْ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُكافِئُهُ أوْ يُماثِلُهُ مِن صاحِبَةٍ أوْ غَيْرِها، وكانَ أصْلُهُ أنْ يُؤَخِّرَ الظَّرْفَ لِأنَّهُ صِلَةُ كُفُوًا لَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ نَفْيَ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى قُدِّمَ تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في كُفُوًا أوْ خَبَرًا، ويَكُونُ كُفُوًا حالًا مِن أحَدٌ، ولَعَلَّ رَبْطَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بِالعَطْفِ لِأنَّ المُرادَ مِنها نَفْيُ أقْسامِ الأمْثالِ فَهي كَجُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُنَبِّهَةٍ عَلَيْها بِالجُمَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ كُفُؤًا بِالتَّخْفِيفِ، وحَفْصٌ كُفُوًا بِالحَرَكَةِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، ولِاشْتِمالِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ قِصَرِها عَلى جَمِيعِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والرَّدِّ عَلى مَن ألْحَدَ فِيها، جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» فَإنَّ مَقاصِدَهُ مَحْصُورَةٌ في بَيانِ العَقائِدِ والأحْكامِ والقِصَصِ ومَن عَدَّلَها بِكُلِّهِ اعْتَبَرَ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِن ذَلِكَ.
وَعَنْهُ ، «أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: «وَجَبَتْ» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما وجَبَتْ؟
قالَ: «وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».»