الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الإسراء
تفسيرُ سورةِ الإسراء كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 112 دقيقة قراءةسُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى آخِرِ ثَمانِ آياتٍ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا ﴾ سُبْحانَ اسْمٌ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لَهُ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ ويُمْنَعُ عَنِ الصَّرْفِ قالَ: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ.
.
.
سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ عَنِ العَجْزِ عَمّا ذُكِرَ بَعْدُ.
و ﴿ أسْرى ﴾ وسَرى بِمَعْنى، و ﴿ لَيْلا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ.
وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: « مِنَ اللَّيْلِ» أيْ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ .
﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «بَيْنا أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا أتانِي جِبْرِيلُ بِالبُراقِ» .
أوْ مِنَ الحَرَمِ وسَمّاهُ المَسْجِدَ الحَرامَ لِأنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ أوْ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، أوْ لِيُطابِقَ المَبْدَأُ المُنْتَهى.
لِما رُوِيَ «أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ، وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها وقالَ: « مُثِّلَ لِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ»، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَتَعَجَّبُوا مِنهُ اسْتِحالَةً، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ لَقَدْ صَدَقَ، فَقالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدِ مِن ذَلِكَ فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، واسْتَنْعَتَهُ طائِفَةٌ سافَرُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فَقالُوا أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها وقالَ تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ إلى الثَّنِيَّةِ فَصادَفُوا العِيرَ كَما أخْبَرَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.» واخْتُلِفَ في أنَّهُ كانَ في المَنامِ أوْ في اليَقَظَةِ بِرُوحِهِ أوْ بِجَسَدِهِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّمَواتِ حَتّى انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَ قُرَيْشٌ واسْتَحالُوهُ، والِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ في الكَلامِ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ وأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، والتَّعَجُّبُ مِن لَوازِمِ المُعْجِزاتِ.
﴿ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ.
﴿ الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَدُنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَحْفُوفٌ بِالأنْهارِ والأشْجارِ.
﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ كَذَهابِهِ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ومُشاهَدَتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ.
وقُرِئَ « لِيُرِيَهُ» بِالياءِ.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ .
﴿ البَصِيرُ ﴾ بِأفْعالِهِ فَيُكَرِّمُهُ ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا ﴾ عَلى أنْ لا تَتَّخِذُوا كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ إلَيْكَ أنْ أفْعَلَ كَذا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى « أنْ لا يَتَّخِذُوا» .
﴿ مِن دُونِي وكِيلا ﴾ رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي.
﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ إنْ قُرِئَ « أنْ لا تَتَّخِذُوا» بِالتّاءِ عَلى النَّهْيِ يَعْنِي: قُلْنا لَهم لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ (لا تَتَّخِذُوا) و ﴿ مِن دُونِي ﴾ حالٌ مِن ﴿ وَكِيلا ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿ تَتَّخِذُوا ﴾ ، و « ذِرِّيَّةَ» بِكَسْرِ الذّالِ.
وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ.
﴿ إنَّهُ ﴾ إنْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ كانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَجامِعِ حالاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومَن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا مُقْتَضَيًا مَبْتُوتًا.
﴿ فِي الكِتابِ ﴾ في التَّوْراةِ.
﴿ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أوْ قَضَيْنا عَلى إجْراءِ القَضاءِ المَبْتُوتِ مَجْرى القَسَمِ.
﴿ مَرَّتَيْنِ ﴾ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما مُخالَفَةُ أحْكامِ التَّوْراةِ وقَتْلُ شِعْياءَ وقِيلَ أرْمِياءَ.
وثانِيهُما قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ ولَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما ﴾ وعْدُ عِقابِ أُولاهُما.
﴿ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا ﴾ بَخْتِنْصَرُّ عامِلُ لهراسف عَلى بابِلٍ وجُنُودِهِ.
وقِيلَ جالُوتُ الجَزَرِيُّ.
وقِيلَ سَنْحارِيبُ مِن أهْلِ نَيْنَوى.
﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ شَدِيدٍ.
﴿ فَجاسُوا ﴾ فَتَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم.
وقُرِئَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهُما أخَوانِ.
﴿ خِلالَ الدِّيارِ ﴾ وسَطَها لِلْقَتْلِ والغارَةِ فَقَتَلُوا كِبارَهم وسَبَوْا صِغارَهم وحَرَقُوا التَّوْراةَ وخَرَّبُوا المَسْجِدَ.
والمُعْتَزِلَةُ لَمّا مَنَعُوا تَسْلِيطَ اللَّهِ الكافِرَ عَلى ذَلِكَ أوَّلُوا البَعْثَ بِالتَّخْلِيَةِ وعَدَمِ المَنعِ.
﴿ وَكانَ وعْدًا مَفْعُولا ﴾ وكانَ وعْدُ عِقابِهِمْ لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ ﴾ أيِ الدُّولَةَ والغَلَبَةَ.
﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْكم، وذَلِكَ بِأنْ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِ بَهْمَنَ بْنِ أسْفَنْدِيارَ لَمّا ورِثَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسَفَ بْنِ لَهْراسَفَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ أسْراهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ دانْيالَ عَلَيْهِمْ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بَخْتِنْصَرَ، أوْ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جالُوتَ فَقَتَلَهُ ﴿ وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ مِمّا كُنْتُمْ، والنَّفِيرُ مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ وقِيلَ جَمْعُ نَفَرٍ وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّ ثَوابَهُ لَها.
﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْها، وإنَّما ذَكَرَها بِاللّامِ ازْدِواجًا.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ وعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ.
﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم أيْ يَجْعَلُوها بادِيَةَ آثارِ المَساءَةِ فِيها، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ « لِيَسُوءَ» عَلى التَّوْحِيدِ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ أوْ لِلَّهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالنُّونِ.
وقُرِئَ « لِنَسُوأنَّ» بِالنُّونِ والياءِ والنُّونِ المُخَفَّفَةِ والمُثَقَّلَةِ، و « لَنَسُوأنَّ» بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ جَوابُ إذا واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو بَعَثْناهم.
﴿ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ﴾ لِيُهْلِكُوا.
﴿ ما عَلَوْا ﴾ ما غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ.
﴿ تَتْبِيرًا ﴾ ذَلِكَ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ مَرَّةً أُخْرى فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودَرْزَ، وقِيلَ حَرْدُوسَ قِيلَ دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا فَقالَ: ما صَدَقُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى فَقالَ لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم، ثُمَّ قالَ يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ بَعْدَ المَرَّةِ الآخِرَةِ.
﴿ وَإنْ عُدْتُمْ ﴾ نَوْبَةً أُخْرى.
﴿ عُدْنا ﴾ مَرَّةً ثالِثَةً إلى عُقُوبَتِكم وقَدْ عادُوا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ، وقَصْدِ قَتْلِهِ فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ قُرَيْظَةَ وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ هَذا لَهم في الدُّنْيا.
﴿ وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ مَحْبَسًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِنها أبَدَ الآبادِ.
وقِيلَ بِساطًا كَما يُبْسُطُ الحَصِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ لِلْحالَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ أوِ الطُّرُقِ.
﴿ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ وَيُبَشِّرُ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا ﴾ ، والمَعْنى أنَّهُ يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ ثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، أوْ عَلى ﴿ يُبَشِّرُ ﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ غَضَبِهِ بِالشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، أوْ يَدْعُوهُ بِما يَحْسَبُهُ خَيْرًا وهو شَرٌّ.
﴿ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ ﴾ مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ.
﴿ وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ يُسارِعُ إلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ لا يَنْظُرُ عاقِبَتَهُ.
وقِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَمّا انْتَهى الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ ذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَسَقَطَ.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَ أسِيرًا إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَرَحِمَتْهُ لِأنِينِهِ فَأرْخَتْ كَتافَهَ، فَهَرَبَ فَدَعا عَلَيْها بِقَطْعِ اليَدِ ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ فَمَن دَعَوْتُ عَلَيْهِ فاجْعَلْ دُعائِي رَحْمَةً لَهُ فَنَزَلَتْ.» وَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالإنْسانِ الكافِرَ وبِالدُّعاءِ اسْتِعْجالَهُ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً كَقَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الحِزْبَيْنِ، ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ الآيَةَ.
فَأُجِيبَ لَهُ فَضُرِبَ عُنُقُهُ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ تَدُلّانِ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ بِتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بِإمْكانِ غَيْرِهِ.
﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي اللَّيْلُ، بِالإشْراقِ والإضافَةُ فِيهِما لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ.
﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ مُضِيئَةً أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَ، أوْ مُبْصِرًا أهْلَهُ كَقَوْلِهِمْ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ.
وقِيلَ الآيَتانِ القَمَرُ والشَّمْسُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوَيْ آيَتَيْنِ ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ الَّتِي هي القَمَرُ جَعْلُها مُظْلِمَةً في نَفْسِها مَطْمُوسَةَ النُّورُ، أوْ نَقْصُ نُورِها شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ، وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ الَّتِي هي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً جَعَلَها ذاتَ شُعاعٍ تُبْصَرُ الأشْياءُ بِضَوْئِها.
﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ لِتَطْلُبُوا في بَياضِ النَّهارِ أسْبابَ مَعاشِكم وتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم.
﴿ وَلِتَعْلَمُوا ﴾ بِاخْتِلافِهِما أوْ بِحَرَكاتِهِما.
﴿ عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ﴾ وجِنْسَ الحِسابِ.
﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا.
﴿ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ بَيَّناهُ بَيانًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ ﴾ عَمَلَهُ وما قُدِّرَ لَهُ كَأنَّهُ طِيرَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، لِما كانُوا يَتَيَمَّنُونَ ويَتَشاءَمُونَ بِسُنُوحِ الطّائِرِ وبِرَوْحِهِ، اسْتُعِيرَ لِما هو سَبَبُ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وعَمَلِ العَبْدِ.
﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ لُزُومَ الطَّوْقِ في عُنُقِهِ.
﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا ﴾ هي صَحِيفَةُ عَمَلِهِ أوْ نَفْسُهُ المُنْتَقِشَةُ بِآثارِ أعْمالِهِ، فَإنَّ الأعْمالَ الِاخْتِيارِيَّةَ تُحْدِثُ في النَّفْسِ أحْوالًا ولِذَلِكَ يُفِيدُ تَكْرِيرُها لَها مَلَكاتٍ، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، وهو ضَمِيرُ الطّائِرِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (وَيَخْرُجُ) مِن خَرَجَ و « يُخْرَجُ» وقُرِئَ « ويُخْرِجُ» أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ لِكَشْفِ الغِطاءِ، وهُما صِفَتانِ لِلْكِتابِ، أوْ ﴿ يَلْقاهُ ﴾ صِفَةٌ و ﴿ مَنشُورًا ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُلْقاهُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن لَقِيتُهُ كَذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿ حَسِيبًا ﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ.
﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ.
﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها.
﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُنا بِإهْلاكِ قَوْمٍ لِإنْفاذِ قَضائِنا السّابِقِ، أوْ دَنا وقْتُهُ المُقَدَّرُ كَقَوْلِهِمْ: إذا أرادَ المَرِيضُ أنْ يَمُوتَ ازْدادَ مَرَضُهُ شِدَّةً.
﴿ أمَرْنا مُتْرَفِيها ﴾ مُتَنَعَّمِيها بِالطّاعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولٍ بَعَثْناهُ إلَيْهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنَّ الفِسْقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ والتَّمَرُّدُ في العِصْيانِ، فَيَدُلُّ عَلى الطّاعَةِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ، وقِيلَ أمَرْناهم بِالفِسْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَسَقُوا فِيها ﴾ كَقَوْلِكَ أمَرْتُهُ فَقَرَأ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الأمْرُ بِالقِراءَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مَجازٌ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْهِ، أوِ التَّسَبُّبُ لَهُ بِأنَّ صَبَّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما أبْطَرَهم وأفْضى بِهِمْ إلى الفُسُوقِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَنَوِيٌّ كَقَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي.
وقِيلَ مَعْناهُ كَثَّرْنا يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ وآمَرْتُهُ فَأُمِرَ إذا كَثَّرْتَهُ، وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ المالِ سَكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»، أيْ كَثِيرَةُ النِّتاجِ.
وهو أيْضًا مَجازٌ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ « آمَرْنا» ورِوايَةُ ﴿ أمَرْنا ﴾ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن أمُرَ بِالضَّمِّ أمارَةً أيْ جَعَلْناهم أُمَراءَ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ لِأنَّ غَيْرَهم يَتْبَعُهم ولِأنَّهم أسْرَعُ إلى الحَماقَةِ وأقْدَرُ عَلى الفُجُورِ.
﴿ فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ العَذابِ السّابِقَةَ بِحُلُولِهِ، أوْ بِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي.
﴿ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا ﴾ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا ﴾ وكَثِيرًا أهْلَكْنا.
﴿ مِنَ القُرُونِ ﴾ بَيانٌ لَكم وتَمْيِيزٌ لَهُ.
﴿ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ يُدْرِكُ بَواطِنَها وظَواهِرَها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ.
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ ﴾ مَقْصُورًا عَلَيْها هَمُّهُ.
﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ قَيَّدَ المُعَجَّلَ والمُعَجَّلَ لَهُ بِالمَشِيئَةِ والإرادَةِ لِأنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلٌّ واجِدٌ جَمِيعَ ما يَهْواهُ ولِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ والهَمُّ فَضْلٌ.
(وَلِمَن نُرِيدُ) بَدَلٌ مِن لَهُ بَدَلَ البَعْضِ.
وقُرِئَ « ما يَشاءُ» والضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى حَتّى يُطابِقَ المَشْهُورَةَ.
وقِيلَ ﴿ لِمَن ﴾ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ.
وقِيلَ الآيَةُ في المُنافِقِينَ كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ ويَغْزُونَ مَعَهم ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ ونَحْوِها.
﴿ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها ﴾ حَقَّها مِنَ السَّعْيِ وهو الإتْيانُ بِما أمَرَ بِهِ، والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى عَنْهُ لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ.
وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ.
﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا شِرْكَ مَعَهُ ولا تَكْذِيبَ فَإنَّهُ العُمْدَةُ.
﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ الجامِعُونَ لِلشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ.
﴿ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْبُولًا عِنْدَهُ مُثابًا عَلَيْهِ، فَإنَّ شُكْرَ اللَّهِ الثَّوابُ عَلى الطّاعَةِ.
﴿ كُلا ﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
﴿ نُمِدُّ ﴾ بِالعَطاءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ونَجْعَلُ آنِفَهُ مَدَدًا لِسالِفِهِ.
﴿ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ كُلا ﴾ .
﴿ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ مِن مُعْطاهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ نُمِدُّ ﴾ .
﴿ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ في الدُّنْيا مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ تَفَضُّلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿ كَيْفَ ﴾ بِـ ﴿ فَضَّلْنا ﴾ عَلى الحالِ.
﴿ وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها.
﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.
﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ.
﴿ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ وأمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ.
﴿ ألا تَعْبُدُوا ﴾ بِأنْ لا تَعْبُدُوا.
﴿ إلا إيّاهُ ﴾ لِأنَّ غايَةَ التَّعْظِيمِ لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ ونِهايَةُ الإنْعامِ، وهو كالتَّفْصِيلِ لِسَعْيِ الآخِرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً ولا ناهِيَةً.
﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ وبِأنْ تُحْسِنُوا، أوْ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا لِأنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرُ لِلْوُجُودِ والتَّعَيُّشِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِالإحْسانِ لِأنَّ صِلَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿ إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما ﴾ ﴿ إمّا ﴾ هي إنِ الشُّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْها ما تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ صَحَّ لُحُوقُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِلْفِعْلِ، وأحَدُهُما فاعِلُ ﴿ يَبْلُغَنَّ ﴾ وبَدَلٌ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ مِن ألِفِ « يَبْلُغانِ» الرّاجِعِ إلى « الوالِدَيْنِ»، وكِلاهُما عُطِفَ عَلى أحَدِهِما فاعِلًا أوْ بَدَلًا ولِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْألِفِ، ومَعْنى ﴿ عِنْدَكَ ﴾ أنْ يَكُونا في كَنَفِكَ وكَفالَتِكَ.
﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ فَلا تَتَضَجَّرْ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنهُما وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤْنَتِهِما، وهو صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى تَضَجُّرٍ.
وقِيلَ هو اسْمُ الفِعْلِ الَّذِي هو أتَضَجَّرُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وتَنْوِينُهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وحَفْصٍ لِلتَّنْكِيرِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى التَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ بِهِ مُنَوَّنًا وبِالضَّمِّ لِلْإتْباعِ كَمُنْذُ مُنَوُّنًا وغَيْرُ مُنَوَّنٍ، والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ قِياسًا بِطَرِيقِ الأوْلى.
وقِيلَ عُرْفًا كَقَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ، ولِذَلِكَ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ حُذَيْفَةَ مِن قَتْلِ أبِيهِ وهو في صَفِّ المُشْرِكِينَ، نَهى عَمّا يُؤْذِيهِما بَعْدَ الأمْرِ بِالإحْسانِ بِهِما.
﴿ وَلا تَنْهَرْهُما ﴾ ولا تَزْجُرْهُما عَمّا لا يُعْجِبُكَ بِإغْلاظٍ.
وَقِيلَ النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ.
﴿ وَقُلْ لَهُما ﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ.
﴿ قَوْلا كَرِيمًا ﴾ جَمِيلًا لا شَراسَةَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ﴾ تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ فِيهِما، وجَعَلَ لِلذُّلِّ جَناحًا كَما جَعَلَ لَبِيَدٌ في قَوْلِهِ: وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كُشِفَتْ وقُرَّةٌ.
.
.
إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها لِلشَّمالِ يَدًا أوْ لِلْقُرَّةِ زِمامًا، وأمْرُهُ بِخَفْضِهِ مُبالَغَةٌ أوْ أرادَ جَناحَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وإضافَتُهُ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ كَما أُضِيفَ حاتِمٌ إلى الجُودِ، والمَعْنى واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ.
وقُرِئَ « الذِّلُ» بِالكَسْرِ وهو الِانْقِيادُ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ.
﴿ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما بِالأمْسِ.
﴿ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما ﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ أنْ يَهْدِيَهُما.
﴿ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ رَحْمَةً مِثْلَ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ وتَرْبِيَتِهِما وإرْشادِهِما لِي في صِغَرِي وفاءً بِوَعْدِكَ لِلرّاحِمِينَ.
رُوِيَ: « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولَيا مِنِّي في الصِّغَرِ فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما.
قالَ: لا فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتُرِيدُ مَوْتَهُما)» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما واعْتِقادِ ما يَجِبُ لَهُما مِنَ التَّوْقِيرِ، وكَأنَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا.
﴿ إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ.
﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ ﴾ لِلتَّوّابِينَ.
﴿ غَفُورًا ﴾ ما فَرَطَ مِنهم عِنْدَ حَرَجِ الصَّدْرِ مِن أذِيَّةٍ أوْ تَقْصِيرٍ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ﴾ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ عَلَيْهِمْ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: حَقُّهم إذا كانُوا مَحارِمَ فَقُراءَ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ المُرادُ بِذِي القُرْبى أقارِبُ الرَّسُولِ .
﴿ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ بِصَرْفِ المالِ فِيما لا يَنْبَغِي وإنْفاقِهِ عَلى وجْهِ الإسْرافِ، وأصْلُ التَّبْذِيرَ التَّفْرِيقُ.
« وعَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ: ما هَذا السَّرَفُ قالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟
قالَ: نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ» .
﴿ إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ ﴾ أمْثالَهم في الشَّرارَةِ فَإنَّ التَّضْيِيعَ والإتْلافَ شَرٌّ، أوْ أصْدِقاءَهم وأتْباعَهم لِأنَّهم يُطِيعُونَهم في الإسْرافِ والصَّرْفِ في المَعاصِي.
رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وأمَرَهم بِالإنْفاقِ في القُرُباتِ.
﴿ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ مُبالِغًا في الكُفْرِ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُطاعَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ وإنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ الرَّدِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ عَنْهم أنْ لا يَنْفَعَهم عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.
﴿ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها ﴾ لِانْتِظارِ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُوهُ أنْ يَأْتِيَكَ فَتُعْطِيَهُ، أوْ مُنْتَظِرِينَ لَهُ وقِيلَ مَعْناهُ لِفَقْدِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهُ أنْ يَفْتَحَ لَكَ فَوُضِعَ الِابْتِغاءُ مَوْضِعَهُ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالجَوابِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ أيْ فَقُلْ لَهم قَوْلًا لَيِّنًا ابْتِغاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ بِإجْمالِ القَوْلِ لَهم، والمَيْسُورُ مِن يُسْرِ الأمْرِ مِثْلَ سَعُدَ الرَّجُلُ ونَحُسَ، وقِيلَ القَوْلُ المَيْسُورُ الدُّعاءُ لَهم بِالمَيْسُورِ وهو اليُسْرُ مِثْلَ أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإسْرافِ المُبَذِّرِ، نَهى عَنْهُما آمِرًا بِالِاقْتِصادِ بَيْنَهُما الَّذِي هو الكَرَمُ.
﴿ فَتَقْعُدَ مَلُومًا ﴾ فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ بِالإسْرافِ وسُوءِ التَّدْبِيرِ.
﴿ مَحْسُورًا ﴾ نادِمًا أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ مِن حَسْرَةِ السَّفَرِ إذا بَلَغَ مِنهُ.
وَعَنْ جابِرٍ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ جالِسٌ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا، فَقالَ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ فَعُدْ إلَيْنا، فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ دارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا وأذَّنَ بِلالٌ وانْتَظَرُوهُ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ثُمَّ سَلّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ بِمَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ فَلَيْسَ ما يُرْهِقُكَ مِنَ الإضافَةِ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ.» ﴿ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى العالِمِ بِالسَّرائِرِ والظَّواهِرِ، فَأمّا العِبادُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَصِدُوا، أوْ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ تارَةً ويَقْبِضُ أُخْرى فاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ ولا تَقْبِضُوا كُلَّ القَبْضِ ولا تَبْسُطُوا كُلَّ البَسْطِ، وأنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ مَخافَةَ الفاقَةِ، وقَتْلُهم أوْلادَهم هو وأْدُهم بَناتِهِمْ مَخافَةَ الفَقْرِ فَنَهاهم عَنْهُ وضَمِنَ لَهم أرْزاقَهم فَقالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ ذَنْبًا كَبِيرًا لِما فِيهِ مِن قَطْعِ التَّناسُلِ وانْقِطاعِ النَّوْعِ، والـ ﴿ خَطَأً ﴾ الإثْمُ يُقالُ خَطِئَ خَطَأً كَأثِمَ إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ خَطَأً ﴾ وهو اسْمٌ مَن أخْطَأ يُضادُّ الصَّوابَ، وقِيلَ لُغَةٌ فِيهِ كَمِثْلٍ ومَثَلٍ وحِذْرٍ وحَذَرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « خِطاءً» بِالمَدِّ والكَسْرِ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ أوْ مَصْدَرُ خاطَأ وهو وإنْ لَمْ يُسْمَعْ لَكِنَّهُ جاءَ تَخاطَأ في قَوْلِهِ: تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ.
.
.
وخَرْطُومُهُ في مَنقَعِ الماءِ راسِبُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وقُرِئَ « خَطاءً» بِالفَتْحِ والمَدِّ وخَطا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحًا ومَكْسُورًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ فَضْلًا عَنْ أنْ تُباشِرُوهُ.
﴿ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ﴾ فِعْلَةً ظاهِرَةَ القُبْحِ زائِدَتُهُ.
﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ، وهو الغَصْبُ عَلى الإبْضاعِ المُؤَدِّي إلى قَطْعِ الأنْسابِ وهَيْجِ الفِتَنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ: وزَنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ مُؤْمِنٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا.
﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ﴾ غَيْرَ مُسْتَوْجِبٍ لِلْقَتْلِ.
﴿ فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ ﴾ لِلَّذِي يَلِي أمْرَهُ بَعْدَ وفاتِهِ وهو الوارِثُ.
﴿ سُلْطانًا ﴾ تَسَلُّطًا بِالمُؤاخَذَةِ بِمُقْتَضى القَتْلِ عَلى مَن عَلَيْهِ، أوْ بِالقِصاصِ عَلى القاتِلِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ مَظْلُومًا ﴾ بَدَلٌ عَلى أنَّ القَتْلَ عَمْدُ عُدْوانٍ فَإنَّ الخَطَأ لا يُسَمّى ظُلْمًا.
﴿ فَلا يُسْرِفْ ﴾ أيِ القاتِلُ.
﴿ فِي القَتْلِ ﴾ بِأنْ يَقْتُلَ مَن لا يُسْتَحَقُّ قَتْلُهُ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَفْعَلُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ أوِ الوَلِيُّ بِالمُثْلَةِ، أوْ قَتْلُ غَيْرِ القاتِلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ « فَلا تُسْرِفُوا» .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « فَلا تُسْرِفْ» عَلى خِطابِ أحَدِهِما.
﴿ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ عِلَّةُ النَّهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والضَّمِيرُ إمّا لِلْمَقْتُولِ فَإنَّهُ مَنصُورٌ في الدُّنْيا بِثُبُوتِ القَصاصِ بِقَتْلِهِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، وإمّا لِوَلِيِّهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ حَيْثُ أوْجَبَ القَصاصَ لَهُ وأمَرَ الوُلاةَ بِمَعُونَتِهِ، وإمّا لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ إسْرافًا بِإيجابِ القِصاصِ أوِ التَّعْزِيرِ والوِزْرُ عَلى المُسْرِفِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ فَضْلًا أنْ تَتَصَرَّفُوا فِيهِ.
﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إلّا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ.
﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.
﴿ وَأوْفُوا بِالعَهْدِ ﴾ بِما عاهَدَكُمُ اللَّهُ مِن تَكالِيفِهِ، أوْ ما عاهَدْتُمُوهُ وغَيْرُهُ.
﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المَعاهَدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ، أوْ مَسْؤُولًا عَنْهُ يُسْألُ النّاكِثُ ويُعاتَبُ عَلَيْهِ لِمَ نَكَثْتَ، أوْ يُسْألُ العَهْدُ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ ، فَيَكُونُ تَخْيِيلًا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ صاحِبَ العَهْدِ كانَ مَسْؤُولًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ ولا تَبْخَسُوا فِيهِ ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وهو رُومِيٌّ عُرِّبَ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَجَمِيَّ إذا اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ وأجْرَتْهُ مَجْرى كَلامِهِمْ في الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِها صارَ عَرَبِيًّا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ هُنا وفي « الشُّعَراءِ» .
﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ وأحْسَنُ عاقِبَةً تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ ولا تَتَبِّعْ وقُرِئَ « ولا تَقْفَ» مِن قافَ أثَرَهُ إذا قَفاهُ ومِنهُ القافَةُ.
﴿ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُكَ تَقْلِيدًا أوْ رَجْمًا بِالغَيْبِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن مَنَعَ اتِّباعَ الظَّنِّ وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هو الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ المُسْتَفادُ مِن سَنَدٍ، سَواءٌ كانَ قَطْعًا أوْ ظَنًّا واسْتِعْمالُهُ بِهَذا المَعْنى سائِغٌ شائِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ.
وقِيلَ بِالرَّمْيِ وشَهادَةِ الزُّورِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» .
وقَوْلُ الكُمَّيْتِ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
.
.
ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ قُفِينا ﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الأعْضاءِ فَأجْراها مَجْرى العُقَلاءِ لَمّا كانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى صاحِبِها، هَذا وإنَّ (أُولاءِ) وإنْ غَلَبَ في العُقَلاءِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِذا وهو يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ جاءَ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ﴿ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ﴾ في ثَلاثَتِها ضَمِيرُ كُلٍّ أيْ كانَ كُلٌّ واحِدٍ مِنها مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ، يَعْنِي عَمّا فَعَلَ بِهِ صاحِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في عَنْهُ لِمَصْدَرِ (لا تَقْفُ) أوْ لِصاحِبِ السَّمْعِ والبَصَرِ.
وقِيلَ ﴿ مَسْؤُولا ﴾ مُسْنَدٌ إلى ﴿ عَنْهُ ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ والمَعْنى يُسْألُ صاحِبُهُ عَنْهُ، وهو خَطَأٌ لِأنَّ الفاعِلَ وما يَقُومُ مَقامَهُ لا يَتَقَدَّمُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُؤاخَذٌ بِعَزْمِهِ عَلى المَعْصِيَةِ.
وقُرِئَ ﴿ والفُؤادَ ﴾ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ ثُمَّ إبْدالُها بِالفَتْحِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا ﴾ أيْ ذا مَرَحٍ وهو الِاخْتِيالُ.
وقُرِئَ ﴿ مَرَحًا ﴾ وهو بِاعْتِبارِ الحُكْمِ أبْلَغُ وإنْ كانَ المَصْدَرُ آكَدَ مِن صَرِيحِ النَّعْتِ.
﴿ إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِشِدَّةِ وطْأتِكَ.
﴿ وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا ﴾ بِتَطاوُلِكَ وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِأنَّ الِاخْتِيالَ حَماقَةٌ مُجَرَّدَةٌ لا تَعُودُ بِجَدْوى لَيْسَ في التَّذَلُّلِ.
﴿ كُلُّ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الخِصالِ الخَمْسِ والعِشْرِينَ المَذْكُورَةِ.
مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها المَكْتُوبَةُ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ كانَ سَيِّئُهُ ﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ عَنْهُ فَإنَّ المَذْكُوراتِ مَأْمُوراتٌ ومَناهٍ.
وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿ سَيِّئُهُ ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ والِاسْمُ ضَمِيرُ ﴿ كُلُّ ﴾ ، و ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما نَهى عَنْهُ خاصَّةً وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ سَيِّئُهُ ﴾ أوْ صِفَةٌ لَها مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، فَإنَّهُ بِمَعْنى سَيِّئًا وقَدْ قُرِئَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ مَكْرُوهًا عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿ كانَ ﴾ أوْ في الظَّرْفِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿ سَيِّئُهُ ﴾ ، والمُرادُ بِهِ المَبْغُوضُ المُقابِلُ لِلْمَرْضى لا ما يُقابِلُ المُرادُ لِقِيامِ القاطِعِ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها واقِعَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴾ الَّتِي هي مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ.
﴿ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ، فَإنَّ مَن لا قَصْدَ لَهُ بَطَلَ عَمَلُهُ ومَن قَصَدَ بِفِعْلِهِ أوْ تَرْكِهِ غَيْرَهُ ضاعَ سَعْيُهُ، وأنَّهُ رَأْسُ الحِكْمَةِ ومَلاكُها، ورَتَّبَ عَلَيْهِ أوَّلًا ما هو عائِدُهُ الشِّرْكُ في الدُّنْيا وثانِيًا ما هو نَتِيجَتُهُ في العُقْبى فَقالَ تَعالى: ﴿ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا ﴾ تَلُومُ نَفْسَكَ.
﴿ مَدْحُورًا ﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ ﴾ خِطابٌ لِمَن قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والمَعْنى: أفَخَصَّكم رَبُّكم بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ البَنُونَ.
﴿ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا ﴾ بَناتٍ لِنَفْسِهِ وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ عُقُولُكم وعادَتُكم.
﴿ إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ﴾ بِإضافَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ، وهي خاصَّةُ بَعْضِ الأجْسامِ لِسُرْعَةِ زَوالِها، ثُمَّ بِتَفْضِيلِ أنْفُسِكم عَلَيْهِ حَيْثُ تَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ ثُمَّ بِجَعْلِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ خَلْقِ اللَّهِ أدْوَنَهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ كَرَّرْنا هَذا المَعْنى بِوُجُوهٍ مِنَ التَّقْرِيرِ.
﴿ فِي هَذا القُرْآنِ ﴾ في مَواضِعَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالُ إضافَةِ البَناتِ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا القَوْلَ في هَذا المَعْنى أوْ أوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ، وقُرِئَ « صَرَفْنا» بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ لِيَتَذَكَّرُوا وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي الفُرْقانِ (لِيَذْكُرُوا) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّذَكُّرِ.
﴿ وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا ﴾ عَنِ الحَقِّ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَةٍ إلَيْهِ.
(قُلْ لَّوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ) أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ الرَّسُولِ ، ووافَقَهُما نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ في الثّانِيَةِ عَلى أنَّ الأُولى مِمّا أمَرَ الرَّسُولُ ، أنْ يُخاطِبَ بِهِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَةَ مِمّا نَزَّهَ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ.
﴿ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ وجَزاءٌ لِـ ﴿ لَوْ ﴾ والمَعْنى: لَطَلَبُوا إلى مَن هو مالِكُ المُلْكِ سَبِيلًا بِالمُعازَّةِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، أوْ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِ وعَجْزِهِمْ كَقَوْلِهِمْ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ سُبْحانَهُ ﴾ يُنَزَّهُ تَنْزِيهًا.
﴿ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا ﴾ تَعالِيًا.
﴿ كَبِيرًا ﴾ مُتَباعِدًا غايَةَ البُعْدِ عَمّا يَقُولُونَ، فَإنَّهُ في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ يُنَزِّهُهُ عَمّا هو مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ تَدُلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ لِذاتِهِ.
﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ التَّسْبِيحُ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ اللَّفْظِ والدَّلالَةِ لِإسْنادِهِ إلى ما يُتَصَوَّرُ مِنهُ اللَّفْظُ وإلى ما لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وعَلَيْهِما عِنْدَ مَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « يُسَبِّحُ» بِالياءِ.
﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ عَلى غَفْلَتِكم وشِرْكِكم.
﴿ غَفُورًا ﴾ لِمَن تابَ مِنكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا ﴾ يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ مَسْتُورًا ﴾ ذا سِتْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ وقَوْلُهم سَيْلٌ مُفْعَمٌ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، أوْ بِحِجابٍ آخَرَ لا يُفْهِمُونَ ولا يَفْهَمُونَ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ نَفى عَنْهم أنْ يَفْهَمُوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ بَعْدَ ما نَفى عَنْهُمُ التَّفَقُّهَ لِلدَّلالاتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ تَقْرِيرًا لَهُ وبَيانًا لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ تُكِنُّها وتَحُولُ دُونَها عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ.
﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ.
﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِماعِهِ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى أثْبَتَ لِمُنْكِرِيهِ ما يَمْنَعُ عَنْ فَهْمِ المَعْنى وإدْراكِ اللَّفْظِ.
﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهم، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ وأصْلُهُ يَحُدُّ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا وحْدَهُ.
﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ هَرَبًا مِنَ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ ونُفْرَةً أوْ تَوْلِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ بِسَبَبِهِ ولِأجْلِهِ مِنَ الهَزْءِ بِكَ وبِالقُرْآنِ.
﴿ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿ أعْلَمُ ﴾ وكَذا.
﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِغَرَضِهِمْ مِنَ الِاسْتِماعِ حِينَ هم مُسْتَمِعُونَ إلَيْكَ مُضْمِرُونَ لَهُ وحِينَ هم ذَوُو نَجْوى يَتَناجَوْنَ بِهِ، ونَجْوى مَصْدَرٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجِيٍّ.
﴿ إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ، أوْ بَدَلٌ مِن (إذْ هم نَجْوى) عَلى وضْعِ ﴿ الظّالِمُونَ ﴾ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَناجِيَهم بِقَوْلِهِمْ هَذا مِن بابِ الظُّلْمِ، والمَسْحُورُ هو الَّذِي سُحِرَ فَزالَ عَقْلُهُ.
وقِيلَ الَّذِي لَهُ سِحْرٌ وهو الرِّئَةُ أيْ إلّا رَجُلًا يَتَنَفَّسُ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِثْلَكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ والكاهِنِ والمَجْنُونِ.
﴿ فَضَلُّوا ﴾ عَنِ الحَقِّ في جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ إلى طَعْنٍ مُوَجَّهٍ فَيَتَهافَتُونَ ويَخْبُطُونَ كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ أوْ إلى الرَّشادِ.
﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ حُطامًا.
﴿ أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ عَلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِما بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ ويُبُوسَةِ الرَّمِيمِ، مِنَ المُباعَدَةِ والمُنافاةِ، والعامِلُ في إذا ما دَلَّ عَلَيْهِ مَبْعُوثُونَ لا نَفْسُهُ لِأنَّ ما بَعْدُ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها و ﴿ خَلْقًا ﴾ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ جَوابًا لَهم.
﴿ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ .
﴿ أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ مِمّا يَكْبُرُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، فَإنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا تَقْصُرُ عَنْ إحْيائِكم لِاشْتِراكِ الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ، فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ غَضَّةً مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلَ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وكُنْتُمْ تُرابًا وما هو أبْعَدُ مِنهُ مِنَ الحَياةِ.
﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ فَسَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً.
﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ﴾ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَإنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الخَبَرِ أوِ الظَّرْفِ أيْ يَكُونُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، و ﴿ أنْ يَكُونَ ﴾ اسْمُ ﴿ عَسى ﴾ أوْ خَبَرُهُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ ﴾ أيْ يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ، اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسُّرِ أمْرِهِما، وأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ.
﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ حالٌ مِنهم أيْ حامِدِينَ اللَّهَ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما قِيلَ إنَّهم يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أوْ مُنْقادِينَ لِبَعْثِهِ انْقِيادَ الحامِدِينَ عَلَيْهِ.
﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ وتَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، أوْ مُدَّةَ حَياتِكم لِما تَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلْ لِعِبادِي ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
﴿ يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ ولا يُخاشِنُوا المُشْرِكِينَ.
﴿ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ يُهَيِّجُ بَيْنَهُمُ المِراءَ والشَّرَّ فَلَعَلَّ المُخاشَنَةَ بِهِمْ تُفْضِي إلى العِنادِ وازْدِيادِ الفَسادِ.
﴿ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ.
﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ﴿ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ خِتامَ أمْرِهِمْ غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِالِاحْتِمالِ مِنهم.
وَرُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذائِهِمْ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ شَتَمَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَجُلٌ مِنهم فَهَمَّ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالعَفْوِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وبِأحْوالِهِمْ فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا، وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوَّعُ أصْحابَهُ.
﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والتَّبَرِّي عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ حَتّى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ شَرَفَهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ لا بِما أُوتِيَهُ مِنَ المُلْكِ.
قِيلَ هو إشارَةٌ إلى تَفْضِيلِ رَسُولِ اللَّهِ وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى وجْهِ تَفْضِيلِهِ وهو أنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ وأُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما كُتِبَ في الزَّبُورِ مِن أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصّالِحُونَ، وتَنْكِيرُهُ ها هُنا وتَعْرِيفُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ فَعُولٌ لِلْمَفْعُولِ كالحَلُوبِ، أوِ المَصْدَرُ كالقَبُولِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالضَّمِّ وهو كالعَبّاسِ أوِ الفَضْلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ وآتَيْنا داوُدَ بَعْضَ الزُّبُرِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أنَّها آلِهَةٌ.
﴿ مِن دُونِهِ ﴾ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ.
﴿ فَلا يَمْلِكُونَ ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
﴿ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ.
﴿ وَلا تَحْوِيلا ﴾ ولا تَحْوِيلَ ذَلِكَ مِنكم إلى غَيْرِكم.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ ﴾ هَؤُلاءِ الآلِهَةُ يَبْتَغُونَ إلى اللَّهِ القَرابَةَ بِالطّاعَةِ.
﴿ أيُّهم أقْرَبُ ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿ يَبْتَغُونَ ﴾ أيْ يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم إلى اللَّهِ الوَسِيلَةَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ.
﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ ﴾ كَسائِرِ العِبادِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ.
﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا ﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى الرُّسُلَ والمَلائِكَةَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ.
﴿ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا ﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ.
﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
﴿ مَسْطُورًا ﴾ مَكْتُوبًا.
﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ.
﴿ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ ﴾ بِسُؤالِهِمْ.
﴿ مُبْصِرَةً ﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ.
﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها.
﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ.
﴿ إلا تَخْوِيفًا ﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ ﴾ واذْكُرْ إذْ أوْحَيْنا إلَيْكَ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، أوْ أحاطَ بِقُرَيْشٍ بِمَعْنى أهْلَكَهم مِن أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَهي بِشارَةٌ بِوَقْعَةِ بِدْرٍ والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، ﴿ وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ ﴾ لَيْلَةَ المِعْراجِ وتَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ في المَنامِ، ومَن قالَ إنَّهُ كانَ في اليَقَظَةِ فَسَّرَ الرُّؤْيا بِالرُّؤْيَةِ.
أوْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ رَأى أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ.
وفِيهِ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا أنْ يُقالَ رَآها بِمَكَّةَ وحَكاها حِينَئِذٍ، وَلَعَلَّهُ رُؤْيا رَآها في وقْعَةِ بَدْرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا ورَدَ ماءَهُ قالَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ واسْتَسْخَرُوا مِنهُ.» وَقِيلَ رَأى قَوْمًا مِن بَنِي أُمَيَّةَ يَرْقَوْنَ مِنبَرَهُ ويَنْزُونَ عَلَيْهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَقالَ: «هَذا حَظُّهم مِنَ الدُّنْيا يُعْطَوْنَهُ بِإسْلامِهِمْ»، وعَلى هَذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ ما حَدَثَ في أيّامِهِمْ.
﴿ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ الرُّؤْيا ﴾ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، لَمّا سَمَّعَ المُشْرِكُونَ ذِكْرَها قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجَحِيمَ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يَحْمِيَ وبَرَ السَّمَندَلِ مِن أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، وأحْشاءَ النَّعامَةِ مِن أذى الجَمْرِ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ الَّتِي تَبْتَلِعُها، قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تَحْرُقُها.
ولَعْنُها في القُرْآنِ لَعْنُ طاعِمِيها وُصِفَتْ بِهِ عَلى المَجازِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ وصَفَها بِأنَّها في أصْلِ الجَحِيمِ فَإنَّهُ أبْعَدُ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ بِأنَّها مَكْرُوهَةٌ مُؤْذِيَةٌ مِن قَوْلِهِمْ طَعامٌ مَلْعُونٌ لِما كانَ ضارًّا، وقَدْ أُوِّلَتْ بِالشَّيْطانِ وأبِي جَهْلٍ والحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِي، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.
﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ بِأنْواعِ التَّخْوِيفِ.
﴿ فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ إلّا عُتُوًّا مُتَجاوِزَ الحَدِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ أيْ خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ، أوْ مِنهُ أيْ أأسْجَدُ لَهُ وأصْلُهُ طِينٌ.
وفِيهِ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إيماءً بِعِلَّةِ الإنْكارِ.
﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ الكافُ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ والَّذِي صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ صِلَتِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ.
﴿ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ إلّا قَلِيلًا لا أقْدِرُ أنْ أُقاوِمَ شَكِيمَتَهم، مِنِ احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وإنَّما عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ يَتَسَهَّلُ لَهُ إمّا اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ، أوْ تَفَرُّسًا مِن خَلْقِهِ ذا وهْمٌ وشَهْوَةٌ وغَضَبٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ اذْهَبْ ﴾ امْضِ لِما قَصَدْتَهُ وهو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
﴿ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ﴾ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿ جَزاءً مَوْفُورًا ﴾ مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ فِرْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وانْتِصابُ جَزاءً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِما في ﴿ جَزاؤُكُمْ ﴾ مِن مَعْنى تُجازَوْنَ، أوْ حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ مَوْفُورًا ﴾ .
﴿ واسْتَفْزِزْ ﴾ واسْتَخْفِفْ.
﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والفَزُّ الخَفِيفُ.
﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ.
﴿ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ وصِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ.
﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ بِأعْوانِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ، والخَيْلُ الخَيّالَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» والرَّجِلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ كالصَّحْبِ والرَّكْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ صَوَّتَ عَلى قَوْمٍ فاسْتَفَزَّهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ حَتّى اسْتَأْصَلَهم.
وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ وَرَجِلِكَ ﴾ بِالكَسْرِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ كَنَدِسٍ ونَدُسٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَّجِلَ.
وقُرِئَ « ورِجالِكَ» « ورِجالِكَ» .
﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي.
﴿ والأوْلادِ ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلى الوَلَدِ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ، والإشْراكُ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ العُزّى، والتَّضْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ.
﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ لِطُولِ الأمَلِ.
﴿ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ مَواعِيدِهِ الباطِلَةِ، والغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ عِبادِي ﴾ يَعْنِي المُخْلَصِينَ، وتَعْظِيمُ الإضافَةِ والتَّقْيِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ يُخَصِّصُهم ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ أيْ عَلى إغْوائِهِمْ قُدْرَةٌ.
﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في الِاسْتِعاذَةِ مِنكَ عَلى الحَقِيقَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي ﴾ هو الَّذِي يُجْرِي.
﴿ لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ الرِّيحُ وأنْواعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي لا تَكُونُ عِنْدَكم.
﴿ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما تَعَسَّرَ مِن أسْبابِهِ.
﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ خَوْفُ الغَرَقِ.
﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم.
﴿ إلا إيّاهُ ﴾ وحْدَهُ فَإنَّكم حِينَئِذٍ لا يَخْطُرُ بِبالِكم سِواهُ فَلا تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ إلّا إيّاهُ، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَعْبُدُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا اللَّهَ.
﴿ فَلَمّا نَجّاكُمْ ﴾ مِنَ الغَرَقِ.
﴿ إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ.
وقِيلَ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي.
.
.
فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا ﴿ وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَأمِنتُمْ ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُهْلِكَكم في البَحْرِ بِالغَرَقِ قادِرٌ أنْ يُهْلِكَكم في البِرِّ بِالخَسْفِ وغَيْرِهِ.
﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ ﴾ أنْ يَقْلِبَهُ اللَّهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ يَقْلِبَهُ بِسَبَبِكم فَبِكم حالٌ أوْ صِلَةٌ لِيَخْسِفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ فِيهِ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وفي ذِكْرِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمّا وصَلُوا السّاحِلِ كَفَرُوا وأعْرَضُوا وأنَّ الجَوانِبَ والجِهاتِ في قُدْرَتِهِ سَواءٌ لا مَعْقِلَ يُؤْمَنُ فِيهِ مِن أسْبابِ الهَلاكِ.
﴿ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ رِيحًا تَحْصُبُ أيْ تَرْمِي بِالحَصْباءِ ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ يَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رادَّ لِفِعْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ ﴾ في البَحْرِ.
﴿ تارَةً أُخْرى ﴾ بِخَلْقِ دَواعٍ تُلْجِئُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا فَتَرْكَبُوهُ.
﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ ﴾ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ أيْ كَسَرَتْهُ.
﴿ فَيُغْرِقَكُمْ ﴾ وعَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ.
﴿ بِما كَفَرْتُمْ ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِكم أوْ كُفْرانِكم نِعْمَةَ الإنْجاءِ.
﴿ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا ﴾ مُطالِبًا يَتْبَعُنا بِانْتِصارٍ أوْ صَرْفٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ بِحُسْنِ الصُّورَةِ والمِزاجِ الأعْدَلِ واعْتِدالِ القامَةِ والتَّمْيِيزِ بِالعَقْلِ والإفْهامِ بِالنُّطْقِ والإشارَةِ والخَطِّ والتَّهَدِّي، أوْ أسْبابِ المَعاشِ والمَعادِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ وانْسِياقِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقِفُ الحَصْرُ دُونَ إحْصائِهِ ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ ﴿ وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَلى الدَّوابِّ والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ حَمْلًا إذا جَعَلْتُ لَهُ ما يَرْكَبُهُ أوْ حَمَلْناهم فِيهِما حَتّى لَمْ تُخْسَفْ بِهِمُ الأرْضُ ولَمْ يُغْرِقْهُمُ الماءُ ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ وبِغَيْرِ فِعْلِهِمْ.
﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ أوْ بِالشَّرَفِ والكَرامَةِ، والمُسْتَثْنى جِنْسُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ الخَواصُّ مِنهم، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَفْضِيلِ الجِنْسِ عَدَمُ تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ والمَسْألَةُ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وقَدْ أُوِّلَ الكَثِيرُ بِالكُلِّ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ نَدْعُوا ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، وقُرِئَ « يَدْعُو» و « يَدْعِي» و « يَدْعُو» عَلى قَلْبِ الألِفِ واوًا في لُغَةِ مَن يَقُولُ أفْعُو في أفْعى، أوْ عَلى أنَّ الواوَ عَلامَةُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أوْ ضَمِيرُهُ وكُلٌّ بَدَلٌ مِنهُ والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وهو قَدْ يَقْدِرُ كَما في « يَدْعِي» .
﴿ كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ.
وقِيلَ بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها فَيُقالُ يا صاحِبَ كِتابِ كَذا، أيْ تَنْقَطِعُ عَلَقَةُ الأنْسابِ وتَبْقى نِسْبَةُ الأعْمالِ.
وقِيلَ بِالقُوى الحامِلَةِ لَهم عَلى عَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
وقِيلَ بِأُمَّهاتِهِمْ جَمْعٌ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ، إجْلالُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا.
﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ.
﴿ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ أيْ كِتابَ عَمَلِهِ.
﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ابْتِهاجًا وتَبَجُّحًا بِما يَرَوْنَ فِيهِ.
﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ولا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ أدْنى شَيْءٍ، وجُمِعَ اسْمُ الإشارَةِ والضَّمِيرُ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، وتَعْلِيقُ القِراءَةِ بِإيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ إذا اطَّلَعَ عَلى ما فِيهِ غَشِيَهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ ما يَحْبِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ القِراءَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهم مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ أيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ فَإنَّ الأعْمى لا يَقْرَأُ الكِتابَ، والمَعْنى ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ لا يُبْصِرُ رُشْدَهُ كانَ في الآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ النَّجاةِ.
﴿ وَأضَلُّ سَبِيلا ﴾ مِنهُ في الدُّنْيا لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ وفِقْدانِ الآلَةِ والمُهْلَةِ.
وقِيلَ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بَعْدُ لا يَنْفَعُهُ والأعْمى مُسْتَعارٌ مِن فاقِدِ الحاسَّةِ.
وقِيلَ الثّانِي لِلتَّفْضِيلِ مِن عَمِي بِقَلْبِهِ كالأجْهَلِ والأبْلَهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمَن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ المُتَوَسِّطَةِ كَما في أعْمالِكم بِخِلافِ النَّعْتِ، فَإنَّ ألِفَهُ واقِعَةٌ في الطَّرَفِ لَفْظًا وحُكْمًا فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ ياءً في التَّثْنِيَةِ، وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ فِيهِما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لا نَدْخُلُ في أمْرِكَ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى العَرَبِ لا نُعَشَّرُ ولا نُحْشَرُ ولا نُجْبى في صَلاتِنا، وكُلُّ رِبًا لَنا فَهو لَنا وكُلُّ رِبًا عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ عَنّا، وأنْ تُمَتِّعَنا بِاللّاتِ سَنَةً وأنْ تُحَرِّمَ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَإنْ قالَتِ العَرَبُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي.
وَقِيلَ في قُرَيْشٍ قالُوا لا نُمَكِّنُكَ مِنَ اسْتِلامِ الحَجَرِ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا وتَمَسَّها بِيَدِكَ.
وإنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا بِمُبالَغَتِهِمْ أنْ يُوقِعُوكَ في الفِتْنَةِ بِالِاسْتِنْزالِ.
﴿ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ﴾ غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ.
﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم لاتَّخَذُوكَ بِافْتِتانِكَ ولِيًّا لَهم بَرِيئًا مِن وِلايَتِي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ.
﴿ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى اتِّباعِ مُرادِهِمْ، والمَعْنى أنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ الرُّكُونَ إلَيْهِمْ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ الرُّكُونِ فَضْلًا أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ.
﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ أيْ لَوْ قارَبْتَ لَأذَقْناكَ.
﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ أيْ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما نُعَذِّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرَكَ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ أخْطُرُ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ بِمَعْنى مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ كَما يُضافُ مَوْصُوفُها.
وقِيلَ الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ.
وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿ وَضِعْفَ المَماتِ ﴾ عَذابُ القَبْرِ.
﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ كادُوا ﴾ وإنْ كادَ أهْلُ مَكَّةَ.
﴿ لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ لَيُزْعِجُوكَ بِمُعاداتِهِمْ.
﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أرْضِ مَكَّةَ.
﴿ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ﴾ ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ.
﴿ إلا قَلِيلا ﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ.
وقِيلَ الآيَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ بِالمَدِينَةِ فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ ثُمَّ قَتَلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةِ وأجْلى بَنُو النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ.
وقُرِئَ « لا يَلْبَثُوا» مَنصُوبًا بِـ ﴿ إذًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ لا عَلى خَبَرِ كادَ فَإنَّ إذًا لا تَعْمَلُ إذا كانَ مُعْتَمِدٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿ خِلافَكَ ﴾ وهو لُغَةٌ فِيهِ قالَ الشّاعِرُ: عَفَتِ الدَّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما.
.
.
بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، وهو أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فالسُّنَّةُ لِلَّهِ وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ لِأنَّها مِن أجْلِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿ وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا ﴾ أيْ تَغْيِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ لِزَوالِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» .
وَقِيلَ لِغُرُوبِها وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلِانْتِقالِ ومِنهُ الدّالِكُ فَإنَّ الدّالِكَ لا تَسْتَقِرُّ يَدُهُ، وكَذا كُلُّ ما تَرَكَّبَ مِنَ الدّالِ واللّامِ: كَدَلَجَ ودَلَحَ ودَلَعَ ودَلَفَ ودَلَهَ.
وقِيلَ الدُّلُوكُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ النّاظِرَ إلَيْها يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ لِيَدْفَعَ شُعاعَها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ ﴿ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ إلى ظُلْمَتِهِ وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ.
﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ وصَلاةَ الصُّبْحِ، سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما سُمَّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها ولا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ لِكَوْنِها مَندُوبَةً فِيها، نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ دَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَلى الوُجُوبِ فِيها نَصًّا وفي غَيْرِها قِياسًا.
﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ بِالِانْتِباهِ أوْ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ أوْ مَن حَقُّهُ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، والآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ إنْ فُسِّرَ الدُّلُوكُ بِالزَّوالِ ولِصَلَواتِ اللَّيْلِ وحْدَها إنْ فُسِّرَ بِالغُرُوبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ صَلاةُ المَغْرِبِ وقَوْلُهُ ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ بَيانٌ لِمَبْدَأِ الوَقْتِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الوَقْتَ يَمْتَدُّ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ وبَعْضَ اللَّيْلِ فاتْرُكِ الهُجُودَ لِلصَّلاةِ والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿ قُرْآنَ ﴾ .
﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً لَكَ عَلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، أوْ فَضِيلَةً لَكَ لِاخْتِصاصِ وُجُوبِهِ بِكَ.
﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ مَقامًا يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ وكُلُّ مَن عَرَفَهُ، وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَتَضَمَّنُ كَرامَةً والمَشْهُورُ أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ.
لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ولِإشْعارِهِ بِأنَّ النّاسَ يَحْمَدُونَهُ لِقِيامِهِ فِيهِ وما ذاكَ إلّا مَقامُ الشَّفاعَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ فَيُقِيمُكَ مَقامًا أوْ بِتَضْمِينِ ﴿ يَبْعَثَكَ ﴾ مَعْناهُ، أوِ الحالُ بِمَعْنى أنْ يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي ﴾ أيْ في القَبْرِ.
﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ إدْخالًا مُرْضِيًا.
﴿ وَأخْرِجْنِي ﴾ أيْ مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ.
﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ إخْراجًا مُلْقًى بِالكَرامَةِ.
وقِيلَ المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ.
وقِيلَ إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقِيلَ إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا.
وقِيلَ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ.
وقِيلَ إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ وإخْراجُهُ مِنهُ.
وَقُرِئَ « مَدْخَلَ» و « مَخْرَجَ» بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخَلَنِي فَأدْخَلَ دُخُولًا وأخْرَجَنِي فَأخْرَجَ خُرُوجًا.
﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مَلِكًا يَنْصُرُ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ، فاسْتَجابَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ، ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ .
﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ الإسْلامُ ﴿ وَزَهَقَ الباطِلُ ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ الشِّرْكُ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ.
﴿ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وفِيها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ في عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها فَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألْقى جَمِيعَها وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ ارْمِ بِهِ فَصَعَدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و ﴿ مِنَ ﴾ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّهُ كَذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى أنَّ مِنهُ ما يَشْفِي مِنَ المَرَضِ كالفاتِحَةِ وآياتِ الشِّفاءِ.
وقَرَأ البَصْرِيّانِ (نُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ لَوى عِطْفَهُ وبَعُدَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ مُسْتَبِدٌّ بِأمْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ لِأنَّهُ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» (وَناءٍ) عَلى القَلْبِ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ.
﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ.
﴿ كانَ يَئُوسًا ﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رُوحِ اللَّهِ.
﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ قُلْ كُلُّ أحَدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ.
﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مَنهَجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ والعادَةِ والدِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الَّذِي يَحْيا بِهِ بَدَنُ الإنْسانِ ويُدَبِّرُهُ.
﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِـ " كُنْ " مِن غَيْرِ مادَّةٍ وتُولَدُ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ جَسَدِهِ، أوْ وُجِدَ بِأمْرِهِ وحَدَثَ بِتَكْوِينِهِ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ قِدَمِهِ وحُدُوثِهِ.
وقِيلَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
لِما رُوِيَ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ، فَإنْ أجابَ عَنْها أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ، فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ.» وَقِيلَ الرُّوحُ جِبْرِيلُ وقِيلَ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ وقِيلَ القُرْآنُ، و ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ مَعْناهُ مِن وحْيِهِ.
﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ تَسْتَفِيدُونَهُ بِتَوَسُّطِ حَواسِّكم، فَإنَّ اكْتِسابَ العَقْلِ لِلْمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ.
إنَّما هو مِنَ الضَّرُورِيّاتِ المُسْتَفادَةِ مِن إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا.
ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا شَيْئًا مِن أحْوالِهِ المَعْرُوفَةِ لِذاتِهِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّوحَ مِمّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذاتِهِ إلّا بِعَوارِضَ تُمَيِّزُهُ عَمّا يَلْتَبِسُ بِهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا الجَوابِ كَما اقْتَصَرَ مُوسى في جَوابِ: وما رَبُّ العالَمِينَ بِذِكْرِ بَعْضِ صِفاتِهِ.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا: أنَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ ؟
فَقالَ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ، فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةً تَقُولُ ﴿ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ .
وساعَةً تَقُولُ هَذا فَنَزَلَتْ.
﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ » وما قالُوهُ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ لِأنَّ الحِكْمَةَ الإنْسانِيَّةَ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ والحَقِّ ما تَسَعُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما يَنْتَظِمُ بِهِ مَعاشُهُ ومَعادُهُ، وهو بِالإضافَةِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها قَلِيلٌ يَنالُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ وهو بِالإضافَةِ إلَيْهِ كَثِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ و ﴿ لَنَذْهَبَنَّ ﴾ جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ.
والمَعْنى إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا اسْتِرْدادَهُ مَسْطُورًا مَحْفُوظًا.
﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ فَإنَّها إنْ نالَتْكَ فَلَعَلَّها تَسْتَرِدُّهُ عَلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِإبْقائِهِ بَعْدَ المِنَّةِ في تَنْزِيلِهِ.
﴿ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ كَإرْسالِهِ وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وإبْقائِهِ في حِفْظِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى.
﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ.
.
.
يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ ﴿ وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ .
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ.
﴿ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ.
﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا بَعْدَ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِبَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ وانْضِمامِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ ﴿ تَفْجُرَ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ والأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ واليَنْبُوعُ عَيْنٌ لا يَنْضُبُ ماؤُها يَفَعُولُ مِن نَبَعَ الماءُ كَيَعْبُوبٍ مِن عَبَّ الماءُ إذا زَخَرَ.
﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ أوْ يَكُونُ لَكَ بُسْتانٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ وهو كَقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدْ سَكَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في « الرُّومِ» وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، وأبُو بَكْرٍ ونافِعٌ في غَيْرِهِما وحَفْصٌ فِيما عَدا « الطُّورِ»، وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ.
﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ أيْ شاهِدًا عَلى صِحَّتِهِ ضامِنًا لِدَرْكِهِ، أوْ مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ وهو حالٌ مِنَ اللَّهِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ أوْ جَماعَةٌ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿ أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ ﴾ مِن ذَهَبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وأصْلُهُ الزِّينَةُ.
﴿ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ﴾ في مَعارِجِها.
﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ﴾ وحْدَهُ.
﴿ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ وكانَ فِيهِ تَصْدِيقُكَ.
﴿ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ﴾ تَعَجُّبًا مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَأْتِيَ أوْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ في القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: « قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ قالَ الرَّسُولُ: ﴿ هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا ﴾ كَسائِرِ النّاسِ.
﴿ رَسُولا ﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ حَتّى تَتَخَيَّرُوها عَلَيَّ هَذا هو الجَوابُ المُجْمَلُ وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ﴾ أيْ وما مَنَعَهُمُ الإيمانُ بَعْدَ نُزُولِ الوَحْيِ وظُهُورِ الحَقِّ.
﴿ إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا ﴾ إلّا قَوْلُهم هَذا، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ تَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنُ إلّا أنْكارُهم أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا.
﴿ قُلْ ﴾ جَوابًا لِشُبْهَتِهِمْ.
﴿ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ ﴾ كَما يَمْشِي بَنُو آدَمَ.
﴿ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ ساكِنِينَ فِيها.
﴿ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا ﴾ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِ والتَّلَقِّي مِنهُ، وأمّا الإنْسُ فَعامَّتُهم عُماةٌ عَنْ إدْراكِ المَلَكِ والتَّلَقُّفِ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّناسُبِ والتَّجانُسِ، ومَلَكًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَسُولًا وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِ وكَذَلِكَ بَشَرًا والأوَّلُ أوْفَقُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ عَلى أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم بِإظْهارِهِ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ، أوْ عَلى أنِّي بَلَّغْتُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنَّكم عانَدْتُمْ وشَهِيدًا نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ.
﴿ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ يَعْلَمُ أحْوالَهُمُ الباطِنَةَ مِنها والظّاهِرَةَ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهُ.
﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها.
رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ.
﴿ مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم.
﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
﴿ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ ولا الإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداءِ.
﴿ وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ هو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ.
﴿ فَأبى الظّالِمُونَ ﴾ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ.
﴿ إلا كُفُورًا ﴾ إلّا جُحُودًا.
﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ وسائِرَ نِعَمِهِ، وأنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِ حاتِمٍ: لَوْ ذاتَ سِوارٍ لَطَمَتْنِي وَفائِدَةُ هَذا الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ المُبالَغَةُ مَعَ الإيجازِ والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿ إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ ﴾ لَبَخِلْتُمْ مَخافَةَ النَّفادِ بِالإنْفاقِ إذْ لا أحَدَ إلّا ويَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ فَهو إذَنْ بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ هَذا وإنَّ البُخَلاءَ أغْلَبُ فِيهِمْ.
﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ بَخِيلًا لِأنَّ بِناءَ أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ومُلاحَظَةِ العِوَضِ فِيما يَبْذُلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ هي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِجارُ الماءِ مِنَ الحَجَرِ وانْفِلاقُ البَحْرِ ونَتْقُ الطُّورِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ الطُّوفانُ والسُّنُونَ ونَقْصُ الثَّمَراتِ مَكانَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ.
وَعَنْ صَفْوانَ «أنْ يَهُودِيًّا سَألَ النَّبِيَّ عَنْها فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى ذِي سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا في السَّبْتِ، فَقَبَّلَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ ورِجْلَهُ.» فَعَلى هَذا المُرادُ بِالآياتِ الأحْكامُ العامَّةُ لِلْمِلَلِ الثّابِتَةِ في كُلِّ الشَّرائِعِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حالِ مَن يَتَعاطى مُتَعَلِّقَها في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ.
وَقَوْلُهُ وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زائِدٌ عَلى الجَوابِ ولِذَلِكَ غَيَّرَ فِيهِ سِياقَ الكَلامِ.
﴿ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ ﴾ فَقُلْنا لَهُ سَلْهم مِن فِرْعَوْنَ لِيُرْسِلَهم مَعَكَ، أوْ سَلْهم عَنْ حالِ دِينِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ « فَسَألَ» عَلى لَفْظِ المُضِيِّ بِغَيْرِ هَمْزٍ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ و ﴿ إذْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقُلْنا أوْ سَألَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أوْ فاسْألْ يا مُحَمَّدُ بَنِي إسْرائِيلَ عَمّا جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إذْ جاءَهم، أوْ عَنِ الآياتِ لِيَظْهَرَ لِلْمُشْرِكِينَ صِدْقُكَ أوْ لِتَتَسَلّى نَفْسُكَ، أوْ لِتَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أتى بِما اقْتَرَحُوا لَأصَرُّوا عَلى العِنادِ والمُكابَرَةِ كَمَن قَبْلَهم، أوْ لِيَزْدادَ يَقِينُكَ لَأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ يُوجِبُ قُوَّةَ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ وعَلى هَذا كانَ ﴿ إذْ ﴾ نَصْبا بِـ ﴿ آتَيْنا ﴾ أوْ بِإضْمارِ يُخْبِرُوكَ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا ﴾ سُحِرْتَ فَتَخَبَّطَ عَقْلُكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ يا فِرْعَوْنُ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ عَلى إخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي الآياتِ.
﴿ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ ﴾ بَيِّناتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي ولَكِنَّكَ تُعانِدُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.
﴿ وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ ما صَرَفَكَ أوْ هالِكًا قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنِينِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ كَذِبٌ بَحْتٌ وظَنَّ مُوسى يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ مِن تَظاهُرِ أماراتِهِ.
وقُرِئَ « وإنْ أخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى إنِ المُخَفَّفَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأرادَ ﴾ فِرْعَوْنُ.
﴿ أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ ﴾ أنْ يَسْتَخِفَّ مُوسى وقَوْمَهُ ويَنْفِيَهم.
﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أرْضِ مِصْرَ أوِ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ.
﴿ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا ﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ فاسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ.
﴿ وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ فِرْعَوْنَ أوْ إغْراقِهِ.
﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ الكَرَّةُ أوِ الحَياةُ أوِ السّاعَةُ أوِ الدّارُ الآخِرَةُ يَعْنِي قِيامَ القِيامَةِ.
﴿ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكم وإيّاهم ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكم ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكم، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ أيْ وما أنْزَلْنا القُرْآنَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ.
وقِيلَ وما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصْدِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ.
ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ نَفْيَ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ.
﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لِلْعاصِي بِالعِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ.
﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ﴾ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.
وقِيلَ فَرَقْنا فِيهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ نُجُومِهِ فَإنَّهُ نَزَلَ في تَضاعِيفِ عِشْرِينَ سَنَةً.
﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ عَلى مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعُونُ في الفَهْمِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا ﴾ فَإنَّ إيمانَكم بِالقُرْآنِ لا يَزِيدُهُ كَمالًا وامْتِناعَكم عَنْهُ لا يُورِثُهُ نَقْصًا وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ قَرَءُوا الكُتُبَ السّابِقَةَ وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ وأماراتِ النُّبُوَّةِ، وتَمَكَّنُوا مِنَ المَيْزِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوْ رَأوْا نَعْتَكَ وصِفَةَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ في تِلْكَ الكُتُبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ﴿ قُلْ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وإعْراضِهِمْ.
﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ القُرْآنُ.
﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا ﴾ يَسْقُطُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ وعْدِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ عَنْ خُلْفِ المَوْعِدِ.
﴿ إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا ﴾ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ كائِنًا لا مَحالَةَ.
﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الحالِ والسَّبَبِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلشُّكْرِ عِنْدَ إنْجازِ الوَعْدِ والثّانِي لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَكَرَ الذَّقْنِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مِن وجْهِ السّاجِدِ، واللّامُ فِيهِ لِاخْتِصاصِ الخُرُورِ بِهِ.
﴿ وَيَزِيدُهُمْ ﴾ سَماعُ القُرْآنِ خُشُوعًا كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ نَزَلَتْ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالُوا إنَّهُ يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ.
أوْ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ، والمُرادُ عَلى الأوَّلِ هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما يُطْلَقانِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ وإنِ اخْتَلَفَ اعْتِبارُ إطْلاقِهِما، والتَّوْحِيدُ إنَّما هو لِلَذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ المُطْلَقُ وعَلى الثّانِي أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ وهو أجْوَدُ لِقَوْلِهِ: ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ والدُّعاءُ في الآيَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ والتَّنْوِينُ في ﴿ أيًّا ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و ﴿ ما ﴾ صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في ﴿ أيًّا ﴾ مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في ﴿ فَلَهُ ﴾ لِلْمُسَمّى لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ فَهو حَسَنٌ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ.
﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ حَتّى تُسْمِعَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها.
﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ حَتّى لا تُسْمِعَ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ.
﴿ سَبِيلا ﴾ وسَطًا فَإنَّ الِاقْتِصادَ في جَمِيعِ الأُمُورِ مَحْبُوبٌ.
رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ ويَقُولُ أطْرُدُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.» وَقِيلَ مَعْناهُ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالإخْفاتِ نَهارًا والجَهْرِ لَيْلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ ولِيٌّ يُوالِيهِ مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ما يُشارِكُهُ مِن جِنْسِهِ ومِن غَيْرِ جِنْسِهِ اخْتِيارًا واضْطِرارًا، وما يُعاوِنُهُ ويُقَوِّيهِ، ورَتَّبَ الحَمْدَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ جِنْسَ الحَمْدِ لِأنَّهُ الكامِلُ الذّاتِ المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكُ نِعْمَةٍ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ واجْتَهَدَ في العِبادَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ عَنْ حَقِّهِ في ذَلِكَ.
رُوِيَ «أنَّهُ كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» والقِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَةٍ ومِائَتا أُوقِيَةٍ.
واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.