الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الروم
تفسيرُ سورةِ الروم كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 49 دقيقة قراءة( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ الم ﴾ .
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ.
﴿ وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ.
﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ .
﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ.
وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ.
﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا.
﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ.
﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ .
﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا.
﴿ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى الوَعْدِ.
﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وعْدَهُ ولا صِحَّةَ وعْدِهِ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ما يُشاهِدُونَهُ مِنها والتَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها.
﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ ﴾ الَّتِي هي غايَتُها والمَقْصُودُ مِنها.
﴿ هم غافِلُونَ ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، و ( هم ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى أوْ مُبْتَدَأٌ و ( غافِلُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأُولى، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ المُبْدَلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالحَيَواناتِ المَقْصُورِ إدْراكُها مِنَ الدُّنْيا بِبَعْضِ ظاهِرِها، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ بِظاهِرِها مَعْرِفَةَ حَقائِقِها وصِفاتِها وخَصائِصِها وأفْعالِها وأسْبابِها وكَيْفِيَّةِ صُدُورِها مِنها وكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيها ولِذَلِكَ نَكَّرَ ظاهِرًا، وأمّا باطِنُها فَإنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ ووَصْلَةٌ إلى نَيْلِها وأُنْمُوذَجٌ لِأحْوالِها وإشْعارًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ والعِلْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِظاهِرِ الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ أوَلَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ فِيها، أوْ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّها أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها ومِرْآةٌ يُجْتَلى فِيها لِلْمُسْتَبْصِرِ ما يُجْتَلى لَهُ في المُمْكِناتِ بِأسْرِها لِيَتَحَقَّقَ لَهم قُدْرَةُ مُبْدِعِها عَلى إعادَتِها مِثْلَ قُدْرَتِهِ عَلى إبْدائِها.
﴿ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ أوْ عِلْمٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ تَنْتَهِي عِنْدَهُ ولا تَبْقى بَعْدَهُ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ بِلِقاءِ جَزائِهِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المُسَمّى أوْ قِيامِ السّاعَةِ.
﴿ لَكافِرُونَ ﴾ جاحِدُونَ يَحْسَبُونَ أنَّ الدُّنْيا أبَدِيَّةٌ وأنَّ الآخِرَةَ لا تَكُونُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِسَيْرِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ ونَظَرِهِمْ في آثارِ المُدَمَّرِينَ قَبْلَهم.
﴿ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿ وَأثارُوا الأرْضَ ﴾ وقَلَّبُوا وجْهَها لِاسْتِنْباطِ المِياهِ واسْتِخْراجِ المَعادِنِ وزَرْعِ البُذُورِ وغَيْرِها.
﴿ وَعَمَرُوها ﴾ وعَمَرُوا الأرْضَ.
﴿ أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها ﴾ مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاها فَإنَّهم أهْلُ وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لا تَبَسُّطَ لَهم في غَيْرِها، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم مُغْتَرُّونَ بِالدُّنْيا مُفْتَخِرُونَ بِها وهم أضْعَفُ حالًا فِيها، إذْ مَدارُ أمْرِها عَلى التَّبَسُّطِ في البِلادِ والتَّسَلُّطِ عَلى العِبادِ والتَّصَرُّفِ في أقْطارِ الأرْضِ بِأنْواعِ العِمارَةِ وهم ضُعَفاءُ مُلْجَؤُونَ إلى دارٍ لا نَفْعَ لَها.
﴿ وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ.
﴿ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ما تَفْعَلُ الظَّلَمَةُ فَيُدَمِّرُهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ ولا تَذْكِيرٍ.
﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ حَيْثُ عَمِلُوا ما أدّى إلى تَدْمِيرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى ﴾ أيْ ثُمَّ كانَ عاقِبَتُهُمُ العاقِبَةَ ﴿ السُّوأى ﴾ أوِ الخَصْلَةَ ( السُّوأى )، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما اقْتَضى أنْ تَكُونَ تِلْكَ عاقِبَتَهم وأنَّهم جاءُوا بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ، و ( السُّوأى ) تَأْنِيثُ الأسْوَأِ كالحُسْنى أوْ مَصْدَرٌ كالبُشْرى نُعِتَ بِهِ.
﴿ أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ عِلَّةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ( السُّوأى )، أوْ خَبَرُ كانَ و ( السُّوأى ) مَصْدَرُ ( أساءُوا ) أوْ مَفْعُولُهُ بِمَعْنى، ﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ ﴾ الَّذِينَ اقْتَرَفُوا الخَطِيئَةَ أنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واسْتَهْزَءُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( السُّوأى ) صِلَةَ الفِعْلِ و ( أنْ كَذَّبُوا ) تابِعَها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِلْإبْهامِ والتَّهْوِيلِ، وأنْ تَكُونَ ( أنْ ) مُفَسِّرَةً لِأنَّ الإساءَةَ إذا كانَتْ مُفَسَّرَةً بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ( عاقِبَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ ( السُّوأى ) و ( أنْ كَذَّبُوا ) عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ يُنْشِئُهم.
﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ يَبْعَثُهم.
﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ والعُدُولُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المَقْصُودِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوحٌ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴾ يَسْكُتُونَ مُتَحَرِّينَ آيِسِينَ يُقالُ ناظَرْتُهُ فَأُبْلِسَ إذا سَكَتَ وآيَسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ ومِنهُ النّاقَةُ المُبْلاسُ الَّتِي لا تَرْغُو، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أبْلَسَهُ إذا أسْكَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ ﴾ مِمَّنْ أشْرَكُوهم بِاللَّهِ.
﴿ شُفَعاءُ ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
﴿ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ﴾ يَكْفُرُونَ بِآلِهَتِهِمْ حِينَ يَئِسُوا مِنهم، وقِيلَ كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ ( شَفْعُواءُ ) و ( عَلْمُواءُ بَنِي إسْرائِيلَ ) بِالواوِ وكَذا ( السُّوأى ) بِالألِفِ إثْباتًا لِلْهَمْزَةِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها.
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ ﴾ أرْضٍ ذاتِ أزْهارٍ وأنْهارٍ.
﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ يُسَرُّونَ سُرُورًا تَهَلَّلَتْ لَهُ وُجُوهُهم.
﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ مُدْخَلُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ، أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِتَنَزُّهِهِ واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالمَساءِ والصَّباحِ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ فِيهِما أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِالعَشِيِّ الَّذِي هو آخِرُ النَّهارِ مِن عَشى العَيْنُ إذا نَقَصَ نُورُها والظَّهِيرَةُ الَّتِي هي وسَطُهُ لِأنَّ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِيهِما أكْثَرُ، وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ اعْتِراضًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ ( تُمْسُونَ ) صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، و ( تُصْبِحُونَ ) صَلاةُ الفَجْرِ، و ( عَشِيًّا ) صَلاةُ العَصْرِ، و ( تُظْهِرُونَ ) صَلاةُ الظُّهْرِ.
ولِذَلِكَ زَعَمَ الحَسَنُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا وإنَّما فَرْضُهُ الخَمْسَ بِالمَدِينَةِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآيَةَ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ، ومَن قالَهُ حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ» .
وَقُرِئَ «حِينًا تُمْسُونَ» و «حِينًا تُصْبِحُونَ» أيْ تُمْسُونَ فِيهِ وتُصْبِحُونَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطّائِرِ مِنَ البَيْضَةِ.
﴿ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ، أوْ يَعْقُبُ الحَياةَ المَوْتُ وبِالعَكْسِ.
﴿ وَيُحْيِي الأرْضَ ﴾ بِالنَّباتِ.
﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ.
﴿ تُخْرَجُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم فَإنَّهُ أيْضًا تَعْقِيبٌ لِلْحَياةِ المَوْتُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ أيْ في أصْلِ الإنْشاءِ لِأنَّهُ خَلَقَ أصْلَهم مِنهُ.
﴿ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ في الأرْضِ.
﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ لِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ وسائِرَ النِّساءِ خُلِقْنَ مِن نُطَفِ الرِّجالِ، أوْ لِأنَّهُنَّ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسٍ آخَرَ.
﴿ لِتَسْكُنُوا إلَيْها ﴾ لِتَمِيلُوا إلَيْها وتَأْلَفُوا بِها فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ والِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِلتَّنافُرِ.
﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، أوْ بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ.
﴿ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ بِواسِطَةِ الزَّواجِ حالَ الشَّبَقِ وغَيْرِها بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ نَظْمًا لِأمْرِ المَعاشِ، أوْ بِأنَّ تَعَيُّشَ الإنْسانِ مُتَوَقِّفٌ عَلى التَّعارُفِ والتَّعاوُنِ المُحْوِجِ إلى التَّوادِّ والتَّراحُمِ، وقِيلَ المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ والرَّحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ .
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَيَعْلَمُونَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ ﴾ لُغاتِكم بِأنْ عَلَّمَ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ أوْ ألْهَمَهُ وضْعَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها، أوْ أجْناسَ نُطْقِكم وأشْكالِهِ فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ.
﴿ وَألْوانِكُمْ ﴾ بَياضُ الجِلْدِ وسَوادُهُ، أوْ تَخْطِيطاتُ الأعْضاءِ وهَيْئاتُها وألْوانُها، وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ التَّمايُزُ والتَّعارُفُ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما وأسْبابِهِما والأُمُورِ المُلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ لا تَكادُ تَخْفى عَلى عاقِلٍ مَن مَلَكٍ أوْ إنْسٍ أوْ جِنٍّ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ اللّامِ ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ: ﴿ وَما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ ﴾ مَنامُكم في الزَّمانَيْنِ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ وطَلَبِ مَعاشِكم فِيهِما، أوْ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ فَلَفَّ وضَمَّ بَيْنَ الزَّمانَيْنِ والفِعْلَيْنِ بِعاطِفَيْنِ إشْعارًا بِأنَّ كُلًّا مِنَ الزَّمانَيْنِ وإنِ اخْتَصَّ بِأحَدِهِما فَهو صالِحٌ لِلْآخَرِ عِنْدَ الحاجَةِ، ويُؤَيِّدُهُ سائِرُ الآياتِ الوارِدَةِ فِيهِ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ فَإنَّ الحِكْمَةَ فِيهِ ظاهِرَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ مُقَدَّرٌ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى.
.
.
وأنْ أشَهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخَلِّدِي أوِ الفِعْلُ فِيهِ مَنزِلَةُ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيِّدِي خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ آيَةٌ يُرِيكم بِها البَرْقَ كَقَوْلِهِ: فَما الدَّهْرُ إلا تارَتانِ فَمِنهُما.
.
.
∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ خَوْفًا مِنَ الصّاعِقَةِ لِلْمُسافِرِ.
﴿ وَطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ لِلْمُقِيمِ، ونَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ لِفِعْلٍ يُلْزِمُ المَذْكُورَ فَإنَّ إراءَتَهم تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهم أوَّلَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ نَحْوَ إرادَةِ خَوْفٍ وطَمَعٍ، أوْ تَأْوِيلِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِالإخافَةِ والإطْماعِ كَقَوْلِكَ فَعَلْتُهُ رَغْمًا لِلشَّيْطانِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلَ كَلَّمْتُهُ شِفاهًا.
﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ ﴾ بِالنَّباتِ.
﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في اسْتِنْباطِ أسْبابِها وكَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها لِيُظْهِرَ لَهم كَمالَ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ﴾ قِيامُهُما بِإقامَتِهِ لَهُما وإرادَتِهِ لِقِيامِهِما في حَيِّزَيْهِما المُعَيَّنَيْنِ مِن غَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، والتَّعْبِيرُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ الآلَةِ.
﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ ثُمَّ خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ ﴿ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ واحِدَةً فَيَقُولُ أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا، والمُرادُ تَشْبِيهُ سُرْعَةِ تَرَتُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، وثُمَّ إمّا لِتَراخِي زَمانِهِ أوْ لِعَظَمِ ما فِيهِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِتَخْرُجُونَ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، و ( إذا ) الثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ ولِذَلِكَ نابَتْ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الأُولى.
﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ بَعْدَ هَلاكِهِمْ.
﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ والإعادَةُ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِنَ الأصْلِ بِالإضافَةِ إلى قَدْرِكم والقِياسِ عَلى أُصُولِكم وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سَواءٌ ولِذَلِكَ قِيلَ الهاءُ لِـ ( الخَلْقَ )، وقِيلَ ( أهْوَنُ ) بِمَعْنى هَيِّنٍ وتَذْكِيرُ هو لِأهْوَنُ أوْ لِأنَّ الإعادَةَ بِمَعْنى أنْ يُعِيدَ.
﴿ وَلَهُ المَثَلُ ﴾ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ كالقُدْرَةِ العامَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ ومَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أرادَ بِهِ الوَصْفَ بِالوَحْدانِيَّةِ.
﴿ الأعْلى ﴾ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ.
﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَصِفُهُ بِهِ ما فِيها دَلالَةً ونُطْقًا.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجَزُ عَنْ إبْداءِ مُمْكِنٍ وإعادَتِهِ.
﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم.
﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مِن مَمالِيكِكم.
﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها.
﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم فِيهِ شَرْعًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مَعَ أنَّهم بَشَرٌ مُثُلُكم وأنَّها مُعارَةٌ لَكم، و ( مِن ) الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَّفْيِ.
﴿ تَخافُونَهُمْ ﴾ أنْ يَسْتَبِدُّوا بِتَصَرُّفٍ فِيهِ.
﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ كَما يَخافُ الأحْرارُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ.
﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ نُبَيِّنُها فَإنَّ التَّفْصِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأمْثالِ.
﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بِالإشْراكِ.
﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ جاهِلِينَ لا يَكُفُّهم شَيْءٌ فَإنَّ العالِمَ إذا اتَّبَعَ هَواهُ رُبَّما رَدَعَهُ عِلْمُهُ.
﴿ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فَمَن يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ.
﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالَةِ ويَحْفَظُونَهم عَنْ آفاتِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ فَقَوِّمْهُ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ أوْ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ خِلْقَتَهُ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أوِ المَصْدَرِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَها.
﴿ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ خَلَقَهم عَلَيْها وهي قَبُولُهم لِلْحَقِّ وتَمَكُّنُهم مِن إدْراكِهِ، أوْ مِلَّةُ الإسْلامِ فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وقِيلَ العَهْدُ المَأْخُوذُ مِن آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ.
﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَهُ أوْ ما يَنْبَغِي أنْ يُغَيَّرَ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ أوِ الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ.
﴿ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ اسْتِقامَتَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.
﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقِيلَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ مِنَ النّابِ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ أوْ في أقِمْ لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ غَيْرَ أنَّها صُدِّرَتْ بِخِطابِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَفْرِيقُهُمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِمَعْنى تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
﴿ وَكانُوا شِيَعًا ﴾ فِرَقًا تُشايِعُ كُلٌّ إمامَها الَّذِي أضَلَّ دِينَها.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا بِأنَّهُ الحَقُّ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ( فَرِحُونَ ) صِفَةَ ( كُلُّ ) عَلى أنَّ الخَبَرَ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ ﴾ شِدَّةٌ.
﴿ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ.
﴿ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ.
﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم بِالإشْراكِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي عافاهم.
﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِمَعْنى التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ مُبالَغَةً وقُرِئَ و «لْيَتَمَتَّعُوا» .
﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ.
﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ حُجَّةً وقِيلَ ذا سُلْطانٍ أيْ مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ.
﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿ كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ أوْ نَطَقَ.
﴿ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ بِإشْراكِهِمْ وصِحَّتِهِ، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ بِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ.
﴿ فَرِحُوا بِها ﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها.
﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ شِدَّةٌ.
﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ﴾ كَصِلَةِ الرَّحِمِ، واحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ وهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهِ.
﴿ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ ما وُظِّفَ لَهُما مِنَ الزَّكاةِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ أوْ لِمَن بُسِطَ لَهُ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ.
﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ ذاتَهُ أوْ جِهَتَهُ أيْ يَقْصِدُونَ بِمَعْرُوفِهِمْ إيّاهُ خالِصًا، أوْ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ لا جِهَةً أُخْرى.
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِما بُسِطَ لَهُمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا ﴾ زِيادَةٍ مُحَرَّمَةٍ في المُعامَلَةِ أوْ عَطِيَّةٍ يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ بِمَعْنى ما جِئْتُمْ بِهِ مِن إعْطاءِ رِبًا.
﴿ لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ ﴾ لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في أمْوالِهِمْ.
﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فَلا يَزْكُو عِنْدَهُ ولا يُبارِكُ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( لِتَرْبُوا ) أيْ لِتَزِيدُوا أوْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا.
﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ خالِصًا ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقَوِّي والمُوسِرُ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَغْيِيرُهُ عَنْ سُنَنِ المُقابَلَةِ عِبارَةً ونَظْمًا لِلْمُبالَغَةِ، والِالتِفاتُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ خاطَبَ بِهِ المَلائِكَةَ وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، أوْ لِلتَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قالَ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والرّاجِعُ مِنهُ مَحْذُوفٌ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً تَقْدِيرُهُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُوهُ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ ﴾ أثْبَتَ لَهُ لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ تَقَدُّسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ فَقالَ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ المَوْصُولَةُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ ﴾ والرّابِطُ ﴿ مِن ذَلِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، و ﴿ مِن ﴾ الأُولى والثّانِيَةُ تُفِيدُ أنَّ شُيُوعَ الحُكْمِ في جِنْسِ الشُّرَكاءِ والأفْعالِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَعْمِيمِ المَنفِيِّ وكُلٌّ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِتَأْكِيدٍ لِتَعْجِيزِ الشُّرَكاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ كالجَدْبِ والمَوَتانِ وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ وإخْفاقِ الغاصَّةِ ومَحْقِ البَرَكاتِ وكَثْرَةِ المَضارِّ، أوِ الضَّلالَةُ والظُّلْمُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَحْرِ قُرى السَّواحِلِ وقُرِئَ و «البُحُورُ» .
﴿ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاهُ، وقِيلَ ظَهَرَ الفَسادُ فى البَرِّ بِقَتْلِ قابِيلَ أخاهُ وفي البَحْرِ بِأنَّ جُلَنْدا مَلِكَ عُمانَ كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا.
﴿ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ بَعْضَ جَزائِهِ فَإنَّ تَمامَهُ في الآخِرَةِ واللّامُ لِلْعِلَّةِ أوْ لِلْعاقِبَةِ.
وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ويَعْقُوبَ ﴿ لِنُذِيقَهُمْ ﴾ بِالنُّونِ.
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ.
﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ لِتُشاهِدُوا مِصْداقَ ذَلِكَ وتَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ.
﴿ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ كانَ لِفُشُوِّ الشِّرْكِ وغَلَبَتِهِ فِيهِمْ، أوْ كانَ الشِّرْكُ في أكْثَرِهِمْ وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي في قَلِيلٍ مِنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَرُدَّهُ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَأْتِيَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( مَرَدَّ ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ اللَّهُ لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِمَجِيئِهِ.
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ يَتَصَدَّعُونَ أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ وبالُهُ وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ.
﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ عِلَّةٌ لِـ ( يَمْهَدُونَ ) أوْ لِـ ( يَصَّدَّعُونَ )، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والِاكْتِفاءِ عَلى فَحْوى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّ فِيهِ إثْباتَ البُغْضِ لَهم والمَحَبَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْكِيدُ اخْتِصاصِ الصَّلاحِ المَفْهُومِ مِن تَرْكِ ضَمِيرِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِهِمْ تَعْلِيلٌ لَهُ ومِن فَضْلِهِ دالٌّ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ، وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ ﴾ الشَّمالَ والصَّبا والجَنُوبَ فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ وأمّا الدَّبُّورُ فَرِيحُ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ«اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿ مُبَشِّراتٍ ﴾ بِالمَطَرِ.
﴿ وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها، وقِيلَ الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها أوِ الرُّوحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ ) أوْ عَلَيْها بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ دَلَّ عَلَيْهِ.
﴿ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي تِجارَةَ البَحْرِ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ بِالتَّدْمِيرِ.
﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ لَهم وإظْهارٌ لِكَرامَتِهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهم، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلا ذَلِكَ» .
وقَدْ يُوقَفُ عَلى ( حَقًّا ) عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْتِقامِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ ﴾ مُتَصِّلًا تارَةً.
﴿ فِي السَّماءِ ﴾ في سَمْتِها.
﴿ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ سائِرًا أوْ واقِفًا مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ﴾ قِطَعًا تارَةً أُخْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالسُّكُونِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ أوْ جَمْعُ كِسْفَةٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.
﴿ فَتَرى الوَدْقَ ﴾ المَطَرَ.
﴿ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ﴾ في التّارَّتَيْنِ.
﴿ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ يَعْنِي بِلادَهم وأراضِيَهم.
﴿ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ لِمَجِيءِ الخِصْبِ.
﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ المَطَرُ.
﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى تَطاوُلِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ واسْتِحْكامِ يَأْسِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ أوِ السَّحابِ أوِ الإرْسالِ.
﴿ لَمُبْلِسِينَ ﴾ لِآيِسِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ ﴾ أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ ولِذَلِكَ جَمَعَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ.
﴿ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَةِ.
﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها.
﴿ لَمُحْيِي المَوْتى ﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ، كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، هَذا ومِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ مِنَ الكائِناتِ الرّاهِنَةِ ما يَكُونُ مِن مَوادَّ تَفَتَّتَتْ وتَبَدَّدَتْ مِن جِنْسِها في بَعْضِ الأعْوامِ السّالِفَةِ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ قُدْرَتِهِ إلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عَلى سَواءٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا ﴾ فَرَأوُا الأثَرَ أوِ الزَّرْعَ فَإنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ السَّحابُ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ: ﴿ لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ جَوابٌ سَدَّ مَسَدَّ الجَزاءِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِالِاسْتِقْبالِ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناعِيَةٌ عَلى الكُفّارِ بِقِلَّةِ تَثَبُّتِهِمْ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ وسُوءِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّ النَّظَرَ السَّوِيَّ يَقْتَضِي أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ ويَلْتَجِئُوا إلَيْهِ بِالِاسْتِغْفارِ إذا احْتَبَسَ القَطْرُ عَنْهم ولا يَيْأسُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنْ يُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ والِاسْتِدامَةِ بِالطّاعَةِ إذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ ولَمْ يُفَرِّطُوا في الِاسْتِبْشارِ وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ إذا ضَرَبَ زَرُوعَهم بِالِاصْفِرارِ ولا يَكْفُرُوا نِعَمَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ وهم مِثْلُهم لَمّا سَدُّوا عَنِ الحَقِّ مَشاعِرَهم.
﴿ وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ قَيَّدَ الحُكْمَ بِهِ لِيَكُونَ أشَدَّ اسْتِحالَةً، فَإنَّ الأصَمَّ المُقْبِلَ وإنْ لَمْ يَسْمَعِ الكَلامَ يَفْطَنُ مِنهُ بِواسِطَةِ الحَرَكاتِ شَيْئًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ مَفْتُوحَةً ورَفَعَ ( الصُّمُّ ) .
﴿ وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ﴾ سَمّاهم عُمْيًا لِفَقْدِهِمُ المَقْصُودَ الحَقِيقِيَّ مِنَ الأبْصارِ أوْ لِعَمى قُلُوبِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ «تَهْدِي العُمْيَ» .
﴿ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ فَإنَّ إيمانَهم يَدْعُوهم إلى تَلَقِّي اللَّفْظِ وتَدَبُّرِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُؤْمِنِ المَشارِفُ لِلْإيمانِ.
﴿ فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ لِما تَأْمُرُهم بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ أيِ ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكم كَقَوْلِهِ ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ أوْ خَلَقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ وهو النُّطْفَةُ.
﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ وذَلِكَ إذا بَلَغْتُمُ الحُلُمُ أوْ تَعَلَّقَ بِأبْدانِكُمُ الرُّوحُ.
﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً ﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنُّ، وفَتَحَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ الضّادَ في جَمِيعِها والضَّمُّ أقْوى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ «مِن ضَعْفٍ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ» .
وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ والتَّنْكِيرُ مَعَ التَّكْرِيرِ لِأنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ عَيْنَ المُتَقَدِّمِ.
﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبْيَةٍ وشَيْبَةٍ.
﴿ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ فَإنَّ التَّرْدِيدَ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ دَلِيلُ العِلْمِ والقُدْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً وَصارَتْ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ كالكَوْكَبِ لِلزُّهْرَةِ.
﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا ﴾ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ وانْقِطاعِ عَذابِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «ما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ أرْبَعُونَ» وهو مُحْتَمِلٌ لِلسّاعاتِ والأيّامِ والأعْوامِ.
﴿ غَيْرَ ساعَةٍ ﴾ اسْتَقَلُّوا مُدَّةً لُبْثِهِمْ إضافَةً إلى مُدَّةِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أوْ نِسْيانًا.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ.
﴿ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ يُصْرَفُونَ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ.
﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ ﴾ في عِلْمِهِ أوْ قَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ لَكم أيْ أوْجَبَهُ أوِ اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ .
﴿ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ رَدُّوا بِذَلِكَ ما قالُوهُ وحَلَفُوا عَلَيْهِ.
﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ.
﴿ وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في النَّظَرِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُهُ، أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ إنْكارِكم.
( فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ) وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ لِأنَّ المَعْذِرَةَ بِمَعْنى العُذْرِ، أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما.
﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ لا يُدْعَوْنَ إلى ما يَقْتَضِي إعْتابَهم أيْ إزالَةُ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دُعُوا إلَيْهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِمُ اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ أيِ اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ولَقَدْ وصَفْناهم فِيهِ بِأنْواعِ الصِّفاتِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، مِثْلَ صِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهم وما لا يَكُونُ لَهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِالمَعْذِرَةِ والِاسْتِعْتابِ، أوْ بَيَّنّا لَهم مِن كُلِّ مَثَلٍ يُنَبِّهُهم عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وصِدْقِ الرَّسُولِ.
﴿ وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ.
﴿ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن فَرْطِ عِنادِهِمْ وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ.
﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ يَعْنُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ إلا مُبْطِلُونَ ﴾ مُزَوِّرُونَ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ.
﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ويُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم.
﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِنُصْرَتِكَ وإظْهارِ دِينِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
﴿ حَقٌّ ﴾ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ.
﴿ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ ﴾ ولا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ.
﴿ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ فَإنَّهم شاكُّونَ ضالُّونَ لا يُسْتَبْدَعُ مِنهم ذَلِكَ.
وعَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ «وَلا يَسْتَحِقَّنَّكَ» أيْ لا يُزِيغَنَّكَ فَيَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «مَن قَرَأ سُورَةَ الرُّومِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مَلَكٍ سَبَّحَ اللَّهَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وأدْرَكَ ما ضَيَّعَ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ» .