الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة المؤمنون
تفسيرُ سورةِ المؤمنون كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 36 دقيقة قراءة﴿ الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ الخشوع حالة في القلب من الخوف والمراقبة والتذلل لعظمة المولى جل جلاله، ثم يظهر أثر ذلك على الجوارح بالسكون والإقبال على الصلاة وعدم الالتفات والبكاء والتضرع، وقد عدّ بعض الفقهاء الخشوع في فرائض الصلاة، لأنه جعله بمعنى حضور القلب فيها، وقد جاء في الحديث: لا يكتب للعبد في صلاته إلا ما عقل منها، والصواب أن الخشوع أمر زائد على حضور القلب، فقد يحضر القلب ولا يخشع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ ﴾ اللغو هنا: الساقط من الكلام كالسب واللهو، والكلام بما لا يعني، وعدد أنواع المنهي عنه من الكلام عشرون نوعاً، ومعنى الإعراض عنه: عدم الاستماع إليه والدخول فيه، ويحتمل أن يريد أنهم لا يتكلمون به، ولكن إعراضهم عن سماعه يقتضي ذلك من باب أولى وأحرى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ أي مؤدّون، فإن قيل: لم قال فاعلون ولم يقل مؤدّون؟
فالجواب؛ أن الزكاة لها معنيان أحدهما: الفعل الذي يفعله المزكي أي أداء ما يجب على المال، والآخر المقدار المخرج من المال كقولك: هذه زكاة مالي، والمراد هنا الفعل لقوله: ﴿ فَاعِلُونَ ﴾ ويصح المعنى الآخر على حذف تقديره: هم لأداء الزكاة فاعلون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على أَزْوَاجِهِمْ ﴾ هذا المجرور يتعلق بفعل يدل عليه قوله: ﴿ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ أي لا يلامون على أزواجهم ويمكن أن يتعلق بقوله: ﴿ حَافِظُونَ ﴾ على أن يكون على بمعنى عن ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ يعني النساء المملوكات، ﴿ وَرَآءَ ذلك ﴾ يعني ما سوى الزوجات والمملوكات ﴿ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ ﴾ يحتمل أن يريد أمانة الناس وعهدهم وأمانة الله وعهده في دينه أو العموم، والأمانة أعم من العهد، لأنها قد تكون بعهد وبغير عهد متقدم ﴿ رَاعُونَ ﴾ أي حافظون لها قائمون بها ﴿ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ المحافظة عليها هي فعلها في أوقاتها مع توفية شروطها، فإن قيل: كيف كرر ذكر الصلوات أولاً وآخراً؟
فالجواب: أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولاً الخشوع فيها وذكر هنا المحافظة عليها، فهما مختلفان، وأضاف الصلاة في الموضعين إليهم دلالة على ثبوت فعلهم لها ﴿ الوارثون ﴾ أي المستحقون للجنة، فالميراث استعارة، وقيل: إن الله جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار، فيرث المؤمنون مساكن الكفار في الجنة ﴿ الفردوس ﴾ مدينة الجنة وهي جنة الأعناب، وأعاد الضمير عليها مؤنثاً على معنى الجنة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ اختلف هل يعني آدم، أو جنس بني آدم ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ السلالة: هي ما يسل من الشيء أي ما يستخرج منه، ولذلك قيل إنها الخلاصة، والمراد بها هنا: القطعة التي أخذت من الطين وخلق منها آدم، فإن أراد بالإنسان آدم: فالمعنى أنه خلق من تلك السلالة المأخوذة من الطين، ولكن قوله بعد هذا ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً ﴾ لابد أن يراد به بنو آدم، فيكون الضمير يعود على غير من ذكر أولاً، ولكن يفسره سياق الكلام، وإن أراد بالإنسان ابن آدم فيستقيم عود الضمير عليه، ويكون معنى خلقه من سلالة من طين: أي خلق أصله وهو أبوه آدم ويحتمل عندي أن يراد بالإنسان الجنس الذي يعم آدم وذريته، فأجمل ذكر الإنسان أولاً ثم فصله بعد ذلك إلى الخلقة المختصة بآدم: وهي من طين، وإلى الخلقة المختصة بذريته.
وهي النطفة، فإن قيل: ما الفرق بين من ومن؟
فالجواب على ما قال الزمخشري: أن الأولى للابتداء، والثانية للبيان.
كقوله من الأوثان ﴿ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ يعني رحم الأمّ، ومعنى ﴿ مَّكِينٍ ﴾ : متمكن وذلك في الحقيقة من صفة النطفة المستقرّة، لا من صفة المحل المستقرّ فيه، ولكنه كقولك طريق سائر: أي يسير الناس فيه، وقد تقدّم تفسير النطفة والمضغة والعلقة في أول الحج ﴿ خَلْقاً آخَرَ ﴾ قيل: هو نفخ الروح فيه، وقيل: خروجه إلى الدنيا، وقيل: استواء الشباب وقيل على العموم من نفخ الروح فيه إلى موته ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ هو مشتق من البركة، وقيل: معناه تقدس ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ أي أحسن الخالقين خلقاً، فحذف التمييز لدلالة الكلام عليه، وفسر بعضهم الخالقين بالمقدّرين، فراراً من وصف المخلوق بأنه خالق، ولا يجب أن ينفي عن المخلوق أنه خالق بمعنى صانع كقوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين ﴾ [المائدة: 110] وإنما الذي يجب أن ينفي عنه معنى الاختراع، والإيجاد من العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَبْعَ طَرَآئِقَ ﴾ يعني السموات، وسماها طرائق لأن بعضها طورق فوق بعض كمطارقة النعل، وقيل: يعني الأفلاك لأنها طرق للكواكب ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غَافِلِينَ ﴾ يحتمل أن يريد بالخلق المخلوقين، أو المصدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَآءً بِقَدَرٍ ﴾ يعني المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون والأنهار في الأرض، وقيل: يعني أربعة أنهار وهي النيل، والفرات، ودجلة، وسيحان، ولا دليل على هذا التخصيص، ومعنى بقدر: بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ ﴾ يعني الزيتون، وإنما خص النخيل والأعناب والزيتون بالذكر: لأنها أكرم الشجر وأكثرها منافع، وطور سيناء: جبل بالشام وهو الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وينسب الزيتون إليه لأنها فيه كثيرة وسيناء اسم جبل أضافه إليه كقوله: جبل أحد، وقرأ الباقون: بفتح السين ولم ينصرف للتأنيث اللازم، وقرئ بالكسر، ولم ينصرف للعجمة أو للتأنيث مع التعريف، لأن فعلاء بالكسر لا تكون ألفه للتأنيث، وقيل: معناه مبارك، وقيل ذو شجرة، ويلزم على ذلك صرفه ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ يعني الزيت، وقرئ تنبت بفتح التاء، فالمجرور على هذا في موضع الحال.
كقولك جاء زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: تُنْبِتُ بضم التاء وكسر الباء، وفيه ثلاثة أوجه: الأول أن أنبت بمعنى نبت، والثاني حذف المفعول تقديره تنبت ثمرتها بالدهن والثالث زيادة الباء ﴿ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ الصبغ الغمس في الإدام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والغنم والمقصود بالذكر الإبل، لقوله: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ ﴾ وقد تقدم في [النحل: 80] ذكر المنافع التي فيها وتذكيرها وتأنيثها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ ﴾ استبعدوا أن تكون النبوّة لبشر؛ فيا عجباً منهم إذ أثبتوا الربوبية لحجر!
﴿ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ ﴾ أي يطلب الفضل والرياسة عليكم ﴿ مَّا سَمِعْنَا بهذا ﴾ أي بمثل ما دعاهم إليه من عبادة الله، أو بمثل الكلام الذي قال لهم، وهذا يدل على أنه كان قبل نوح فترة طويلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ أي جنون.
فانظر اختلاف قولهم فيه: فتارة نسبوه إلى طلب الرياسة، وتارة إلى الجنون ﴿ حتى حِينٍ ﴾ أي إلى وقت لم يعينوه، ولكن أرادوا وقت زوال جنونه على قولهم، أو وقت موته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ تضمن هذا دعاء عليهم، لأن نصرته إنما هي بإهلاكهم وقد تقدم في [هود: 37] تفسير ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ووحينا، ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي ﴾ ﴿ فاسلك فِيهَا ﴾ أي أدخل فيها، وقد تقدم تفسير زوجين إثنين ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ : اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن يكون بمعنى الاختبار، أو إنزال البلاء ﴿ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ قيل: إنهم عاد ورسولهم هود، لأنهم الذين يلون قوم نوح، وقيل: أنهم ثمود ورسولهم صالح، وهذا أصح لقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾ [المؤمنون: 41]، وأما عاد فأهلكوا بالريح ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ قدم هذا المجرور على قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ لئلا يوهم أنه متصل بقوله: ﴿ الحياة الدنيا ﴾ بخلاف قوله: ﴿ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ في غير هذا الموضع ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ أي نعمناهم ﴿ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ يحتمل أنهم قالوا ذلك لإنكارهم أن يكون نبيّ من البشر، أو قالوه أنفه من اتباع بشر مثلهم، وكذلك قال قوم نوح ﴿ أَيَعِدُكُمْ ﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ كرر أن تأكيداً للأولى؛ ومخرجون خبر عن الأولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ هذا من حكاية كلامهم، وهيهات: اسم فعل بمعنى بعد، وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوّه، ويجوز فيه الفتح والضم والكسر والإسكان، وتارة يجيء فاعله دون لام كقوله: فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهله، وتارة يجيء باللام كهذه الآية، قال الزجاج في تفسيره البعد: ﴿ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، فنزّله منزلة المصدر، قال الزمخشري: وفيه وجه آخر: وهي أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك البيان المهيت به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، فوضع هي موضع الحياة لدلالة الخبر عليها ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ أي يموت بعض ويولد بعض، فينقرض قرن ويحدث قرن آخر ومرادهم: إنكار البعث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَمَّا قَلِيلٍ ﴾ ما زائدة، وقيل صفة للزمان والتقدير: عن زمان قليل يندمون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ يعني هالكين كالغثاء، والغثاء ما يحمله السيل من الورق وغيره مما يبلى ويسود، فشبه به الهالكين ﴿ فَبُعْداً ﴾ مصدر موضع الفعل بمعنى بعدوا: أي هلكوا، والعامل في مضمر لا يظهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَتْرَا ﴾ مصدر ووزنه فعلى، ومعناه التواتر والتتابع، وهو موضع موضوع الحال: أي متواترين واحداً بعد واحد، فمن قرأه بالتنوين.
فألفه للإلحاق، ومن قرأه بغير تنوين: فألفه للتأنيث فلم ينصرف، وتأنيثه لأن الرسل جماعة والتاء الأولى فيه بدل من واو هي فاء الكلمة ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ أي يتحدث الناس بما جرى عليهم، ويحتمل أن يكون جمع حديث أو جمع أحدوثة، وهذا أليق لأنها تقال في الشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَوْماً عَالِينَ ﴾ أي متكبرين ﴿ وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ أي حامدون متذللون ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ الضمير لبني إسرائيل لا لقوم فرعون، لأنهم هلكوا قبل إنزال التوراة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ﴾ الربوة: الموضع المرتفع من الأرض، ويجوز فيها فتح الراء وضمها وكسرها، واختلف في موضع هذه الربوة، فقيل: بيت المقدس، وقيل: بغوطة دمشق، وقيل: بفلسطين ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ القرار: المستوي من الأرض؛ فمعناه أنها بسيطة يمكن فيها الحرث والغراسة، وقيل: إن القرار هنا الثمار والحبوب، والمعين الماء الجاري، فقيل: إنه مشتق من قولك: معن الماء إذ كثر، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فعيل، وقيل: إنه مشتق من العين، فالميم زائدة، ووزنه مفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الرسل ﴾ هذا النداء ليس على ظاهره، لأن الرسل كانوا في أزمنة متفرقة، وإنما المعنى أن كل رسول في زمانه خوطب بذلك، وقيل: الخطاب لسيدنا محد صلى الله عليه وآله وسلم، وأقامه مقام الجماعة وهذا بعيد ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ أي من الحلال، فالأمر على هذا للوجوب، أو من المستلذات فالأمر للإباحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قرئ إن بالكسر على الاستئناف وهي قراءة أهل الكوفة وبالفتح على معنى لأن، وهي متعلقة بقوله آخراً ﴿ فاتقون ﴾ وقيل: تتعلق بفعل مضمر تقديره: واعلموا، والأمة هنا الدين، وهو ما اتفقت عليه الرسل من التوحيد وغيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فتقطعوا أَمْرَهُمْ ﴾ أي افترقوا واختلفوا، والضمير لأمم الرسل المذكورين من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ زُبُراً ﴾ جمع زبور: وهو الكتاب، والمعنى أنهم افترقوا في اتباع الكتب، فاتبعت طائفة التوراة، وطائفة الإنجيل، وغير ذلك، ووضعوا كتاباً من عند أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ الضمير لقريش، والغمرة الجهل والضلال، وأصلها من غمرة الماء ﴿ حتى حِينٍ ﴾ هنا يوم بدر أو يوم موتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ الآية: ردّ عليهم فيما ظنوا من أن أموالهم وأولادهم خير لهم وأنهم سبب لرضا الله عنهم ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ ﴾ هذا خبر أن، والضمير الرابط محذوف تقديره نسارع به ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أن ذلك استدراج لهم، ففيه معنى التهديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ قيل: معناه يعطون ما أعطوه من الزكاة والصدقات وقيل: إنه عام في جميع أفعال البرّ أي يفعلونها وهم يخافون أن لا تقبل منهم، وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إلا أنها قرأت: ﴿ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ بالقصر، فيحتمل أن يكون الحديث تفسيراً لهذه القراءة، وقيل: إنه عام في الحسنات والسيئات: أي يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله ﴿ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ أن في موضع المفعول من أجله، أو في موضع المفعول بوجلت، إذ هي في المعنى خائفة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات ﴾ فيه معنينان: أحدهما أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات، والآخر أنهم يتعجلون ثواب الخيرات، وهذا مطابق للآية المتقدّمة، لأنه أثبت فيهم ما نفى عن الكفار من المسارعة ﴿ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ فيه المعنيان المذكوران في يسارعون للخيرات، وقيل: معناه سبقت لهم السعادة في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ يعني أن هذا الذي وصف به الصالحون غير خارج عن الوسع والطاقة، وقد تقدّم الكلام على تكليف ما لا يطاق في البقرة ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ ﴾ يعني صحائف الأعمال، ففي الكلام تهديد وتأمين من الظلم والحيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذا ﴾ أي في غفلة من الدين بجلمته ومن القرآن، وقيل: من الكتاب المذكور، وقيل: من الأعمال التي وصف بها المؤمنون ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك ﴾ أي لهم أعمال سيئة دون الغمرة التي هم فيها، فالمعنى أنهم يجمعون بين الكفر وسوء الأعمال، والإشارة بذلك على هذا إلى الغمرة، وإنما أشار إليها بالتأكيد لأنها في معنى الكفر، وقيل: الإشارة إلى قوله من هذا: أي لهم أعمال سيئة غير المشار إليها حسبما اختلف فيه ﴿ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ قيل: هي إخبار عن أعمالهم في الحال، وقيل: عن الاستقبال، وقيل: المعنى أنهم يتمادون على عملها حتى يأخذهم الله فجعل.
﴿ حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ غاية لقوله: ﴿ عَامِلُونَ ﴾ ﴿ مُتْرَفِيهِمْ ﴾ أي أغنياؤهم وكبراؤهم ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ أي يستغيثون ويصيحون فإن أراد العذاب قتل المترفين يوم بدر: فالضمير في يجأرون لسائر قريش: أي صاحوا وناحوا على القتلى، وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة: فالضمير لجميعهم ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ اليوم ﴾ تقديره: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا ويحتمل أن يكون هذا القول حقيقة، وأن يكون بلسان الحال ولفظه نهي، ومعناه: أن الجؤار لا ينفعهم ﴿ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ أي ترجعون إلى وراء وذلك عبارة عن إعراضهم عن الآيات وهي القرآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ قيل: إن الضمير عائد على المسجد الحرام وقيل: إنه على الحرم وإن لم يذكر؛ ولكنه يفهم من سياق الكلام والمعنى: أنهم يستكبرون بسبب المسجد الحرام لأنهم أهله وولاته، وقيل: إنه عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى على هذا أن القرآن يحدث لهم عتواً وتكبراً، وقيل: إنه يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على هذا متعلق بسامراً ﴿ سَامِراً ﴾ مشتق من السمر وهو الجلوس بالليل للحديث، وكانت قريش تجتمع بالليل في المسجد، فيتحدّثون وكان أكثر حديثهم سب النبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى أنهم سامرون بذكره وسبه ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ من قرأ بضم التاء وكسر الجيم فمعناه تقولون الهجر بضم الهاء وهو الفحش من الكلام وهي قراءة نافع، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم الجيم فهو من الهجر بفتح الهاء أي تهجرون الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو من قولك: هجر المريض إذا هذي أي: تقولون اللغو من القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول ﴾ يعني القرآن، وهذا توبيخ لهم ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين ﴾ معناه أن النبوّة ليست ببدع فينكرونها، بل قد جاءت آناؤهم الأولين فقد كانت النبوة النوح وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ ﴾ المعنى أم لم يعرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم، ويعلموا أنه أشرفهم وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة وأرجحهم عقلاً، فكيف ينسبونه إلى الكذب أو إلى الجنون، أو غير ذلك من النقائص؟
مع أنه جاءهم بالحق الذي لا يخفى على كل ذي عقل سليم، وأنه عين الصواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ﴾ الاتباع هنا استعارة، والحق هنا يراد به الصواب والأمر المستقيم، فالمعنى لو كان الأمر على ما تقتضي أهواؤهم من الشرك بالله واتباع الباطل لفسدت السموات والأرض كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22] وقيل: إن الحق في الآية هو الله تعالى، وهذا بعيد في المعنى، وإنما حمله عليه أن جعل الاتباع حقيقة لوم يفهم فيه الاستعارة، وإنما الحق هنا هو المذكورة في قوله، ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون بتذكيرهم ووعظهم أو بفخرهم وشرفهم وهذا أظهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ الخرج هو الأجرة ويقال فيه: خراج والمعنى واحد، وقرئ بالوجهين في الموضعين فهو كقوله أم تسألهم أي لست تسألهم أجراً فيثقل عليهم اتباعك ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ أي رزق ربك خير من أموالهم فهو يرزقك ويغنيك عنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ ﴾ أي عادلون ومعرضون عن الصراط المسقيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ ﴾ الآية: قال الأكثرون: نزلت هذه الآية حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش بالقحط فنالهم الجوع حتى أكلوا الجلود وغيرها، فالمعنى رحمناهم بالخصب وكشفنا ما بهم من ضرّ الجوع والقحط: لتمادوا على طغيانهم، وفي هذا عندي نظر، فإنَّ الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة حسبما ورد في الحديث، وقيل: المعنى لو رحمناهم بالرد إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وهذا القول لا يلزم عليه ما لزم على الآخر، ولكنه خرج عن معنى الآية: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب ﴾ قيل: إن هذا العذاب هو الجوع بالقحط، وأن الباب ذا العذاب الشديد المتوعد به بعد هذا يوم بدر، وهذا مردود بأن العذاب الذي أصابهم إنما كان بعد بدر، وقيل إن العذاب الذي أخذهم هو يوم بدر، والباب المتوعد به هو القحط، وقيل: الباب ذو العذاب الشديد: عذاب الآخرة، وهذا أرجح، ولذلك وصفه بالشدّة لأنه أشد من عذاب الدنيا، وقال: ﴿ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ : أي يائسون من الخير، وإنما يقع لهم اليأس في الآخرة كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ [الروم: 12].
﴿ فَمَا استكانوا ﴾ أي ما تذللوا لله عز وجل، وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة في آخر [آل عمران: 146] ﴿ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ إن قيل: هلا قال: فما استكانوا وما تضرعوا، أو فما يستكينون وما يتضرعون باتفاق الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟
فالجواب: أن ما استكانوا عند العذاب الذي أصابهم، وما يتضرعون حتى يفتح عليهم باب عذاب شديد فنفى الاستكانة فيما مضى، ونفى التضرع، في الحال والاستقبال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ما زائدة، وقليلاً صفة لمصدر محذوف تقديره: شكراً قليلاً تشكرون وذكر السمع والبصر والأفئدة وهي القلوب لعظم المنافع التي فيها، فيجب شكر خالقها؛ ومن شكره: توحيده واتباع رسوله عليه الصلاة السلام، ففي ذكرها تعديد نعمة وإقامة حجة ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي الأرض ﴾ أي نشركم فيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَهُ اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو فاعله ومختص به فاللام على هذا للاختصاص، وقد ذكر في البقرة معنى اختلاف الليل والنهار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون ﴾ أي قالت قريش مثل قول الأمم المتقدمة، ثم فسر قولهم بإنكارهم البعث، وإليه الإشارة بقولهم: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا ﴾ ، وقد ذكر الاستفهامان في الرعد، وأساطير الأولين في الأنعام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ ﴾ هذه الآيات توقيف لهم على أمور لا يمكنهم الإقرار بها، وإذا أقروا بها لزمهم توحيد خالقها والإيمان بالدار الآخرة ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قرئ في الأول لله باللام بإجماع، جواباً لقوله: ﴿ لِّمَنِ الأرض ﴾ ، وكذلك قرأ الجمهور الثاني والثالث، وذلك على المعنى لأن قوله: ﴿ مَن رَّبُّ السماوات ﴾ في معنى لمن هي، وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ ﴿ مَلَكُوتُ ﴾ مصدر وفي بنائه مبالغة ﴿ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ الإجازة المنع من الإهانة، يقال: أجرت فلاناً على فلان، إذا منعته من مضرته وإهانته، فالمعنى أن الله تعالى بغيث من شاء ممن شاء، ولا يغيب أحد منه أحداً ﴿ فأنى تُسْحَرُونَ ﴾ أي تخدعون عن الحق والخادع لهم الشيطان، وذلك تشبيه بالسحر في التخطيط والوقوع في الباطل، ورتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولاً: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ثم قال ثانياً: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ ، وذلك أبلغ، لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثاً: ﴿ فأنى تُسْحَرُونَ ﴾ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد، ولذلك رد عليهم بنفي ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ هذا برهان على الوحدانية، وبيانه أن يقال: لو كان مع الله إلهاً آخر لانفرد كل وا حد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبدّ كل واحد منهما بملكه، وطلب غلبة الآخر والعلوّ عليه كما ترى حال ملوك الدنيا، ولكن لما رأينا جميع المخلوقات مرتبطة بعضها ببعض حتى كأن العالم كله كرة واحدة: علمنا أن مالكه ومدبره واحد، لا إله غيره.
وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية وغيره، بل هو دليل آخر، فإن قيل: إذ لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدّم قبلها شرط ولا سؤال سائل؟
فالجواب: أن الشرط محذوف تقديره لو كان معه آلهة وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ ، وهو جواب للكفار الذين وقع الرد عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَالِمِ الغيب ﴾ بالرفع خبر ابتداء، وبالخفض صفة الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ الآية: معناه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظالمين إن قضى أن يرد ذلك، وفيها تهديد للظالمين وهم الكفار، وإن شرطية وما زائدة، وجواب الشرط ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِي ﴾ ، وكرر قوله: ﴿ رَّبِّ ﴾ مبالغة في الدعاء والتضرع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ قيل التي هي أحسن لا إله إلا الله، والسيئة الشرك، والأظهر أنه أمر بالصفح والاحتمال وحسن الخلق وهو محكم غير منسوخ، وإنما نسخ ما يقتضيه من مسالمة الكفار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين ﴾ يعني نزغاته ووساوسه، وقيل: يعني الحنون، واللفظ أعم من ذلك ﴿ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ معناه أن يكونوا معه، وقيل: يعني حضورهم عند الموت ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال الزمخشري: حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأيتهم الموت ﴿ قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب به مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحمون يا آل محمد وقيل إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [الأنعام: 158]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحاً في الإيمان الذي تركه أول مرة ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع له عما طلب ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ يعني قوله: ﴿ رَبِّ ارجعون ﴾ ﴿ لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله والثاني أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذباً فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحاً ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ يعني المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ المعنى أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ [عبس: 34-35] فتكون الأنساب كأنها معدومة ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ [الطور: 25] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ذلك، فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار ﴾ أي تصيبهم بالإحراق ﴿ كَالِحُونَ ﴾ الكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وكثيراً ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري للكباش إذا شويت رؤوسها، وفي الحديث: إن شفة الكافر ترتفع في النار حتى تبلغ وسط رأسه، وفي ذلك عذاب وتشويه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ أي ما قدر عليهم من الشقاء، وقرئ شقاوتنا، والمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ اخسئوا ﴾ كلمة تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانة وإبعاد ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ أي لا تكلمون في رفع العذاب، فحينئذ ييأسون من ذلك، أعاذنا الله من ذلك برحمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بضم السين من السخرة بمعنى التخديم، وبالكسر من السخر بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هذا بالضم، وقرئ هنا بالوجهين لاحتمال المعنيين، وعلى أن معنى الاستهزاء هنا أليق لقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض ﴾ يعني في جوف الأرض أمواتاً، وقيل: أحياء في الدنيا، فأجابوا بأنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم لاستقصارهم المدة أو لما هم فيه من العذاب بحيث لايعدون شيئا ﴿ فَسْئَلِ العآدين ﴾ أي اسأل من يقدر على أن يعدّ، وهو من عوفي مما ابتلوا به أو يعنون الملائكة ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ معناه أنه بالنسبة إلى بقائهم في جهنم خالدين أبداً ﴿ عَبَثاً ﴾ أي باطلاً والمعنى إقامة حجة على الحشر للثواب والعقاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ أي لا حجة ولا دليل، والجملة صفة لقوله: ﴿ إِلَهَا آخَرَ ﴾ وجواب الشرط ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ الضمير للأمر والشأن، وانظر كيف افتتح السورة بفلاح المؤمنين وختمها بعدم فلاح الكفارين، ليبين البون بين الفريقين والله أعلم.