الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة فاطر
تفسيرُ سورةِ فاطر كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 24 دقيقة قراءة﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ أي وسائط بين الله وبين الأنبياء متصرفين في أمر الله ﴿ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ صفات للأجنحة ولم ينصرف للعدل والوصف، والمعنى أن الملائكة منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة ﴿ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ ﴾ قيل: يعني حسن الصوت، وقيل: حسن الوجه، وقيل: حسن الحظ، والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة، أو يكون على الاطلاق في كل زيادة في المخلوقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ الفتح عبارة عن العطاء والإمساك عبارة عن المنع، والإرسال الإطلاق بعد المنع والرحمة كمل ما يمنّ الله به على عباده من خيريّ الدنيا والآخرة فمعنى الآية: لا مانع لما أعطى الله ولا مُعطي لما منع الله، فإن قيل: لم أنث الضمير في قوله: ﴿ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ وذكَّره في قوله: ﴿ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ ﴾ وكلاهما يعود على ما الشرطية، فالجواب: أنه لما فسر ﴿ مِن ﴾ الأولى بقوله: ﴿ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ أنثه لتأنيث الرحمة، وترك الآخرة على الأصل من التذكير ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد إمساكه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله ﴾ رفع غير على الصفة لخالق على الموضع، وخفضه صفة على الرفع، ورزق السماء المطر، ورزق الأرض النبات، والمعنى تذكيرهم بنعم الله وإقامة حجة على المشركين، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه كأنه يقول: إن يكذبوك فلا تحزن لذلك فإن الله سينصرك عليهم، كما كذبت رسل من قبلك فنصرهم الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الغرور ﴾ الشيطان، وقيل: التسويف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ﴾ توقيف وجوابه محذوف تقديره: أفمن زين له سوء عمله كمن لم يزين له؟
ثم بنى على ذلك ما بعده، فالذي زين له سوء عمله هو الذي أضله الله، ومن لم يزين له سوء عمله هو الذي هداه الله ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن حزنه لعدم إيمانهم، لأن ذلك بيد الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَلِكَ النشور ﴾ اي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض بالنبات كذلك يحيي الموتى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة ﴾ الآية تحتمل ثلاثة معان: أحدها وهو الأظهر من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله، فإن العزة كلها لله، والثاني من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فللَّه العزة جميعاً، فالمغالب له مغلوب، والثالث من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعاً ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ قيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ يعم ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم: فالعموم أولى ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ضمير الفاعل في يرفعه: الله وضمير المفعول للعمل الصالح، فالمعنى على هذا أن الله يرفع العمل الصالح: أي يتقبله ويثيب عليه، والثاني أن ضيمر الفاعل للكلام الطيب، وضمير المفعول للعمل الصالح، والمعنى على هذا: لا يقبل عمل صالح إلا ممن له كلام طيب، وهذا يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب لا إله إلا الله، لأنه لا يبقبل العمل إلا من موحد، والثالث أن ضمير الفاعل للعمل الصالح، وضمير المفعول للكلم الطيب، والمعنى على هذا أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم.
قال وقد يستقيم بأن يتأول أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه ﴿ يَمْكُرُونَ السيئات ﴾ لا يتعدى مكر فتأويله يمركون المكرات السيئات، فتكون السيئات مصدراً أو تضمن يمكرون معنى يكتسبون فتكون السيئات مفعولاً، والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين اجتمعوا في دار الندوة؛ وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه ﴿ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ البوار الهلاك أو الكساد، ومعناه هنا أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي أصنافاً وقيل: ذُكراناً وإناثاً وهذا أظهر ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ التعمير: طول العمر والنقص: قصره والكتاب: اللوح المحفوظ فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد فكيف أعاد الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ على الشخص المعمر؟
فالجواب من ثلاثة أوجه الأول وهو الصحيح أن المعنى ما يعمر من أحد ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، فوضع من معمر موضع من أحد، وليس المراد شخصاً واحداً، وإنما ذلك كقولك لا يعاقب الله عبداً ولا يثيبه إلا بحق، والثاني أن المعنى لا يزاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، وذلك أن يكتب في اللوح المحفوظ أن فلاناً إن تصدق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلة الرحم تزيد في العمر، إلا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين وليس مذهب الأشعرية، وقد قال كعب حين طُعن عمر: لو دعا الله لزاد في أجله، فأنكر الناس عليه فاحتج بهذه الآية.
والثالث أن التعمير هو كَتْبُ ما يستقبل من العمر والنقص هو: كَتْبُ ما مضى منه في اللوح المحفوظ وذلك حق كل شخص.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَسْتَوِي البحران ﴾ قد فسرنا البحرين الفرات والأجاج في [الفرقان: 53] وسائغ في [النحل: 66]، والقصد بالآية التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده، وقال الزمخشري: إن المعنى أن الله ضرب للبحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر وهذا بعيد ﴿ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ يعني الحوت السمك ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يعني الجوهر والمرجان، فإن قيل: إن الحلية لا تخرج إلا من البحر الملح دون العذب، فكيف قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ ﴾ أي من كل واحد منهما؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أن ذلك تجوّز في العبارة كما قال: ﴿ يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ [الأنعام: 130] والرسل إنما هي من الإنس.
الثاني أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح حيث تنصب أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصب في البحر الملح كان الإخراج منهما جميعاً.
الثالث زعم قومٌ أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول يبطله الحس أي الواقع ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ ذكر في [النحل: 14].
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُولِجُ ﴾ ذُكر في [لقمان: 29] ﴿ قِطْمِيرٍ ﴾ هو القشر الرقيق الأبيض الذي على نوى التمر، والمعنى أن الأصنام لا يملكون أقل الأشياء فكيف أكثرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أي بإشراككم، فالمصدر مضاف للفاعل، وكفر الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون بكلام يخلقه الله عندها، أو بقرينة الحال ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر عالم به، يعني نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يكفرون يوم القيامة بمن عبدهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله ﴾ خطاب لجميع الناس، وإنما عرف الفقر بالألف واللام ليدل على اختصاص الفقر بجنس الناس، وإن كان غيرهم فقراء ولكن فقراء الناس أعظم، ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم بالفقر، ووصفه بأنه الحميد ليدل على وجوده وكرمه الذي يوجب أن يحمده عباده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ الحمل عبارة عن الذنوب، والمثقلة الثقيلة الحمل أو النفس الكثيرة الذنوب، والمعنى أنها لودعت أحداً إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل عنها، وحذف مفعول ﴿ إِن تَدْعُ ﴾ لدلالة المعنى وقصد العموم، وهذه الآية بيان وتكميل لمعنى قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ [الإسراء: 15] ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ المعنى ولو كان المدعوّ ذا قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل منه شيئاً، لأن كل واحد يقول: نفسي نفسي ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار ﴿ بالغيب ﴾ في موضع حال من الفاعل في يخشون أي يخشون ربهم، وهم غائبون عن الناس فخشيتهم حق لا رياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير ﴾ تمثيل للكافر والمؤمن ﴿ وَلاَ الظلمات وَلاَ النور ﴾ تمثيل للكفر والإيمان ﴿ وَلاَ الظل وَلاَ الحرور ﴾ تمثيل للثواب والعقاب وقيل: ﴿ الظل ﴾ : الجنة ﴿ وَلاَ الحرور ﴾ النار.
والحرور في اللغة: شدة الحر بالنهار والليل السموم بالنهار خاصة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات ﴾ تمثيل لمن آمن فهو كالحي ومن لم يؤمن فهو كالميت ﴿ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ عبارة عن هداية الله لمن يشاء ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور ﴾ عبارة عن عدم سماع الكفار للبراهين والمواعظ، فشبههم بالموتى في عدم إحساسهم، وقيل: المعنى أن أهل القبور وهم الموتى حقيقة لا يسمعون، فليس عليك أن تسمعهم، وإنما بعث للأحياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ معناه أن الله قد بعث إلى كل أمة نبياً يقيم عليهم الحجة، فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟
ألا ترى أن بين عيسى ومحمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ستمائة سنة لم يبعث فيها نبي؟
فالجواب أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ ؟
[السجدة: 3] فالجواب أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم، وأيضاً فإن المراد بقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ينبغي أن تنكر، لأن الله أرسله كما أرسل من قبله والمراد بقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ [السجدة: 3] أنهم محتاجون إلى الإنذار، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي ﴿ نَكِيرِ ﴾ ذكر في سبأ ﴿ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ يريد الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان، وقيل: يريد الأنواع والأول أظهر لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك.
وفي الوجهين دليل على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلف ما يشاء ويختار.
وفيه ردّ على الطبائعيين الدهريين لأن الطبيعة لا يصدر عنها ولا نوع واحد ﴿ جُدَدٌ ﴾ جمع جدة وهي الخطط والطرائق في الجبال ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب وهو الشديد السواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر لقصد التأكيد، ولأن ذلك كثيراً ما يأتي في كلام العرب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَلِكَ ﴾ يتعلق بما قبله فيتم الوقف عليه والمعنى: أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات المختلف ألوانها، وذلك كله استدلال على قدرة الله وإرادته.
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ يعني العلماء بالله وصفاته وشرائعه علماً يوجب لهم الخشية من عذابه وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه وإذا لم يعرفه لم يخف منه فلذلك خص العلماء بالخشية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله ﴾ أي يقرأون القرآن وقيل: معنى ﴿ يَتْلُونَ ﴾ : يتبعون والخبر ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً ﴾ أو محذوف ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي لن تكسد ويعني بالتجارة طلب الثواب ﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ توفية الأجور، وهو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة التضعيف فوق ذلك، وقيل: الزيادة النظر إلى وجه الله ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا ﴾ يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والتوريث عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات ﴾ قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب وعائشة وأكثر المفسرين هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم: فالظالم لنفسه العاصي والسابق التقي والمقتصد بينهما وقال الحسن: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والظالم لنفسه من رجحت سيئاته والمقتصد من استوت حسانته وسيّئاته، وجميعهم يدخلون الجنة وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» ، وقيل: الظالم الكافر والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي فالضمير في منهم على هذا يعود على العباد، وأما على القول الأول فيعود على الذين اصطفينا وهو أرجح وأصح لوروده في الحديث، وجلالة القائلين به، فإن قيل: لم قدّم الظالم ووسط المقتصد وآخر السابق؟
فالجواب: أنه قدّم الظالم لنفسه رفقاً به لئلا ييئس وآخر السابق لئلا يعجب بنفسه، وقال الزمخشري: قدّم الظالم لكثرة الظالمين وآخر السابق لقلة السابقين ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ إشارة إلىلاصطفاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ بدل من الفضل أو خبر مبتدأ تقديره: ثوابهم جنات عدن أو مبتدأ تقديره: لهم جنات عدن ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ ضمير الفاعل يعود على الظالم، والمقتصد، والسابق، على القول بأن الآية في هذه الأمة: وأما على القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصة، وقال الزمخشري: إنه يعود على السابق خاصة وذلك على قول المعتزلة في الوعيد ﴿ أَسَاوِرَ ﴾ ذكر في [الحج: 23].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ قيل هو عذاب النار، وقيل: أهوال القيامة وقيل: هموم الدنيا والصواب العموم في ذلك كله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ دَارَ المقامة ﴾ هي الجنة والمقامة هي الإقامة، والموضع وإنما سميت الجنة دار المقامة، لأنهم يقومون فيها ولا يخرجون منها ﴿ نَصَبٌ ﴾ النصب تعب البدن، واللغوب تعب النفس، اللازم عن تعب البدن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَصْطَرِخُونَ ﴾ يفتعلون من الصراخ أي يستغيثون فيقولون: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا ﴾ وفي قولهم: ﴿ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ اعتراف بسوء عملهم وتندم عليه.
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ الآية توبيخ لهم وإقامة حجة عليهم وقيل: إن مدة التذكير ستون سنة وقيل: أربعون وقيل: البلوغ والأول أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمره الله ستين فقد أعذر إليه في العمر» ﴿ وَجَآءَكُمُ النذير ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعني الشيب، لأنه نذير بالموت والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي بما تضمره الصدور وتعتقده، وقال الزمخشري: ذات هنا تأنيث ذو معنى صاحب لأن المضمرات تصحب الصدور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَلاَئِفَ ﴾ ذكر الأنعام ﴿ مَقْتاً ﴾ المقت احتقار الإنسان وبغضه لأجل عيوبه أو ذنوبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ﴾ الآية احتجاج على المشركين وإبطال لمذهبهم ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ﴾ أي نصيب ﴿ على بَيِّنَةٍ ﴾ قرأ نافع بيِّنات أي على أمر جليّ، والضمير في أتيناهم يحتمل أن يكون للأصنام أو للمشركين وهذا أظهر في المعنى والأول أليق بما قبله من الضمائر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن تَزُولاَ ﴾ في موضع مفعول من أجله تقديره كراهة أن تزولا أو مفعول به لأن يمسك بمعنى يمنع ﴿ وَلَئِن زَالَتَآ ﴾ أي لو فرض زوالهما لم يمسكهما أحد، وقيل: أراد زوالهما يوم القيامة عند طيّ السماء وتبديل الأرض ونسف الجبال ﴿ مِّن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد تركه الإمساك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله ﴾ الضمير لقريش وذلك أنهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى جاءتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى منهم ﴿ إِحْدَى الأمم ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ يعني محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفوراً أو مفعول من أجله ﴿ وَمَكْرَ السيىء ﴾ هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولك: مسجد الجامع وجانب الغربي والأصل أن يقال: المكر السيء ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ أي لا يحيط وبالُ المكر السيء إلا بمن مكره ودبره، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة من حفر حفرة لأخيه وقع فيها فقال ابن عباس: أنا أجد هذا في كتاب الله: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأولين ﴾ أي هل ينتظرون إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم للرسل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ ﴾ أي لا يفوته شيء ولا يصعب عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ الضمير للأرض والدابة عموم في كل ما يدب وقيل: أراد بني آدم خاصة ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني يوم القيامة وباقي الآية وعد ووعيد.