الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الصافات
تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 40 دقيقة قراءة﴿ والصافات صَفَّا ﴾ تقديره والجماعات الصافات ثم اختلف فيها فقيل: هي الملائكة التي تصف في السماء صفوفاً لعبادة الله، وقيل: هو من يصف من بني آدم في الصلوات والجهاد، والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة [الآية: 165] ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون ﴾ ﴿ فالزاجرات زَجْراً ﴾ هي الملاكئة تزجر السحاب وغيرها، وقيل: الزاجرون بالمواعظ من بني آدم، وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن المعاصي ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ هي الملائكة تتلو القرآن والذكر، وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم، وهي كلها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبُّ المشارق ﴾ يعني مشارق الشمس، وهي ثلاثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب فإنها تشرق كل يوم من أيام السنة في مشرق منها وتغرب في مغرب، واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب لأنها معادلة لها، فتفهم من ذكرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ وقرأ نافع وغيره بإضافة الزينة إلى الكواكب، والزينة تكون مصدراً واسماً لما يزان به، فإن كان مصدراً فهو مضاف إلى الفاعل تقديره: بأن زينة الكواكب أسماً أو مضاف إلى المفعول تقديره: بأن زيناً الكواكب، وإن كانت اسماً فالإضافة بيان للزينة، وقرأ حفص وحمزة بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل، ونصب الكواكب على أنها مفعول بزينة أو بدل من موضع زينة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَحِفْظاً ﴾ منصوب على المصدر تقديره: وحفظناها حفظاً، أو مفعول من أجله، والواو زائدة أو محمول على المعنى، لأن المعنى إنا جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً ﴿ مَّارِدٍ ﴾ أي شديد الشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى ﴾ الضمير في يسمعون للشياطين، والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء، والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة.
وقرأ حفص وعاصم وحمزة يسمعون بتشديد السين والميم ووزنة يتفعلون والسمع طلب السماع، فنفى السماع على القراءة الأولى، ونفى طلبه على القراءة بالتشديد، والأول أرجح لقوله: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: 212] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنه لا يسمعون شيئاً، منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرجمون بالكواكب ﴿ وَيُقْذَفُونَ ﴾ أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تقتضّ، قال النقاش ومكي: ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا.
قال ابن عطية: وفي هذا نظر ﴿ دُحُوراً ﴾ أي طرداً وإبعاداً وإهانة؛ لأن الدحر الدفع بعنف.
وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع الحال تقديره: مدحورين ﴿ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي دائم، لأنهم يرجمون بالنجوم في الدنيا، ثم يقذفون في جهنم، ﴿ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة ﴾ ﴿ مَنْ ﴾ في وضع رفع بدل من الضمير في قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ ﴾ والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلا الشيطان الذي خطف الخطفة ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ أي شديد الإضاءة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ الضمير لكفار قريش، والاستفتاء نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة؛ لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم و ﴿ مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ يراد به ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب، وقيل: يراد به ما تقدم من الأمم والأول أرجح؛ لقراءة ابن مسعود أم من عددنا ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه يقول: هذه المخلوقات أشد خلقاً منكم، فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ اللازب اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ أي عجب يا محمد من ضلالهم وإعراضهم عن الحق، أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة، وقرأ حمزة والكسائي عجبتُ بضم التاء وأشكال ذلك على من يقول: إن التعجيب مستحيل على الله فتأولوه بمعنى: أنه جعله على حال يتعجب منها الناس وقيل: تقديره قل يا محمد عجبت وقد جاء التعجب من الله في القرآن والحديث كقوله صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك من شاب ليس له صبوة» وهي صفة فعل وإنما جعلوه مستحيلاً على الله، لأنهم قالوا إن التعجب استعظام خفي سببه، والصواب أنه لا يلزم أن يكون خفّي السبب بل هو لمجرد الاستعظام؛ فعلى هذا لا يستحيل على الله ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ تقديره وهم يسخرون منكم أو من العبث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ الآية هنا العلامة كانشاق القمر ونحوه، وروي أنها نزلت في مشرك اسمه ركانة، أراه النبي صلى الله عليه وسلم آيات فلم يؤمن و ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ معناه: يسخرون فيكون فعل واستعمل بمعنى واحد وقيل: معناه يستدعي بعضهم بعضاً لأن يسخر، وقيل يبالغون في السخرية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ﴾ الآية: معناها استبعادهم البعث وقد تقدم الكلام على الاستفهامين في الرعد ﴿ أَوَ آبَآؤُنَا ﴾ بفتح الواو دخلت همزة الإنكار على واو العطف، وقرئ بالإسكان عطفاً بأو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ أي قل: تبعثون.
والداخر الصاغر الذليل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ هي النفخة في الصور للقيام من القبور ﴿ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون من النظر بالأبصار، أو من الانتظار أي: ينتظرون ما يفعل بهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا يَوْمُ الدين ﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم مثل الذي قبله، أو مما يقال لهم مثل الذي بعده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ احشروا ﴾ الآية: خطاب للملائكة خاطبهم به الله تعالى أو خاطب به بعضهم بعضاً ﴿ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ يعني نساءهم المشركات وقيل يعني أصنامهم وقرناءهم من الجن والإنس ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ يعني الأصنام والآدميين الذي كانوا يرضون بذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم ﴾ أي دلوهم على طريق جهنم ليدخلوها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ يعني إنهم يسألون عن أعمالهم، توبيخاً لهم وقيل: يسألون عن قول: لا إله إلا الله والأول أرجح، لأنه أهم ويحتمل أن يسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون ﴿ مَّسْئُولُونَ ﴾ عاملاً فيما بعده والتقدير؛ يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وقد كنتم في الدنيا تقولون: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ [القمر: 44] ﴿ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ أي منقادون عاجزون عن الانتصار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين ﴾ الضمير في ﴿ قالوا ﴾ ، للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم، أو للإنس خاطبوا الجنّ، واليمين هنا يحتمل ثلاث معان: الأول أن يراد بها طريق الخير والصواب وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين كما أن العبارة عن الشر بالشمال، والمعنى أنهم قالوا لهم: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدوننا عنه والثاني أن يراد به القوة، والمعنى على هذا أنكم كنتم تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان والثالث أن يراد بها اليمين التي يحلف بها أي كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الضمير في قالوا للكبراء من الكفار، أو للشياطين والمعنى أنهم قالوا لأتباعهم: ليس الأمر كما ذكرتم، بل كفرتم باختياركم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ﴾ أي وجب العذاب علينا وعليكم، و ﴿ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ﴾ : معمول القول وحذف معمول ذائقون تقديره، وجب القول بأنا ذائقو العذاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ﴾ أي دعوناكم إلى الغي، لأنا كنّا على غي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ أي إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ الضمير في يقولون لكفار قريش، ويعنون بشاعر مجنون: محمد صلى الله عليه وسلم، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿ بَلْ جَآءَ بالحق ﴾ أي جاء بالتوحيد والإسلام، وهو لحق ﴿ وَصَدَّقَ المرسلين ﴾ الذين جاؤوا قبله: لأنه جاء بمثل ما جاؤوا به، ويحتمل أن يكون صدقهم لأنهم أخبروا بنبوّته فظهر صدقه لما بعث عليه الصلاة ولسلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ استثناء منقطع بمعنى لكن، وقرئ مخلصين بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدّم تفسيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ السرر جمع سرير، وتقابلهم في بعض الأحيان للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد بقصره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ الذين يطوفون عليهم الولدان، حسبما ورد في الآية الآخرى، والكأس الإناء الذي فيه خمر قاله ابن عباس: وقيل: الكأس إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم لا، والمعين: الجاري الكثير، لأنه فعيل، والميم فيه أصلية، وقيل: هو مشتق من العين والميم زائدة، ووزنه مفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَذَّةٍ ﴾ أي ذات لذة، فوصفها بالمصدر اتساعاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ الغول: اسم عام في الأذى والضير، ومنه يقال: غاله يغوله؛ إذا أهلكه، وقيل: الغول وجع في البطن، وقيل: صداع في الرأس، وإنما قدم المجرور هنا تعريضاً بخمر الدنيا لأن الغول فيها ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النزيف، وهو السكران، وعن هنا سببية، كقولك فعلته عن أمرك، أي لا ينزفون بسبب شربها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَاصِرَاتُ الطرف ﴾ معناه أنهن قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهن ﴿ عِينٌ ﴾ جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين في جمال ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ قيل شبههن في اللون ببيض النعام، فإنه بياض خالطه صفرة حسنة، وكذلك قال امرؤ القيس: كبكر مقناة البياض بصفرة وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشرة الأولى، وقيل: أراد الجوهر المصون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ هذا إخبار عن تحدّث أهل الجنة.
قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، والمعنى: أنهم يشربون فيتحدّثون على الشراب، بما جرى لهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾ قيل: إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمن وكافر، وقيل: إن قرينه كان من الجن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين ﴾ معناه أنه كان يقول له على وجه الإنكار: أتصدق بالدنيا والآخرة؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ أي مجازون ومحاسبون على الأعمال، ووزنه مفعول، وهو من الدين، بمعنى الجمزاء والحساب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ أي قال ذلك القائل لرفقائه في الجنة، أو الملائكة أو لخدامه: هل أنتم مطلعون على النار لأريكم ذلك العزيز فيها؟
ورُوي أن في الجنة كوى ينظرون أهلها منها إلى النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي سَوَآءِ الجحيم ﴾ أي في وسطها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ أي تهلكني بإغوائك، والردى الهلاك، وهذا خطاب خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المحضرين ﴾ في العذاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ هذا من كلام المؤمن، خطاب لقرينه، أو خطاباً لرفقائه في الجنة ولهذا قال نحن فأخبر عن نفسه وعنهم، ويحتمل أن يكون من كلامه وكلامهم جميعاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمن، أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة أو من كلام الله تعالى، وكذلك يحتمل هذه الوجود في قوله: ﴿ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون ﴾ والأول أرجح فيه أن يكون من كلام الله تعالى، لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلاً به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقة في الدنيا ففيه تحضيض على العمل الصالح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ الإشارة بذلك إلى نعيم الجنة، وكل ما ذكر من وصفها، وقال الزمخشري: الإشارة إلى قوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ ، والنزل الضيافة، وقيل: الرزق الكثير وجاء التفضيل هنا بين شيئين، ليس بينهما اشتراك، لان الكلام تقرير وتوبيخ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ﴾ قيل: سببها أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم، قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، فالفتنة على هذا الابتلاء في الدنيا وقيل: معناه، عذاب الظالمين في الآخرة والمراد بالظالمين هنا الكفار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم ﴾ أي تنبت في قعر جهنم وترتفع أغصانها إلى دركاتها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين ﴾ الطلع ثمر النخل فاستعير لشجرة الزقوم، وشبه برؤوس الشياطين مبالغة في قبحه وكراهته، لأنه قد تقرر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر: وجه شيطان وقيل: رؤوس الشياطين شجرة معروفة باليمن، وقيل: هو صنف من الحيات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي مزاجاً من ماء حار، فإن قيل: لم عطف هذه الجملة بثم، فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى أنهم يملؤون البطون من شجرة الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى أن شربهم للحميم أشدّ مما ذكر قبله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ الإهراع الإسراع الشديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ ﴾ أي دعانا فالمعنى دعاؤه بإلاهلاك قومه ونصرته عليهم ﴿ مِنَ الكرب العظيم ﴾ يعني الغرق ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين ﴾ أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين ﴾ معناه أبقينا عليها ثناء جميلاً في الناس إلى يوم القيامة ﴿ سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين ﴾ هذا التسليم من الله على نوح عليه السلام، وقيل: إن هذه الجملة مفعول تركنا، وهي محكية أي تركنا هذه الكلمة، تقال له يعني أن الخلق يسلمون عليه فيبتدأ بالسلام على القول الأول، لا على الثاني والأول أظهر، ومعنى ﴿ فِي العالمين ﴾ على القول الأول تخصيصه بالسلام عليه بين العالمين، كما تقول: أحب فلاناً في الناس: أي أحبه خصوصاً من بين الناس ومعناه على القول الثاني: أن السلام عليه ثابت في العالمين، وهذا الخلاف يجري حيث ما ذكر ذلك في هذه السورة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴾ الشيعة الصنف المتفق، فمعنى من شيعته: من على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح وقيل: على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ ﴾ عبارة عن إخلاصه وإقباله على الله تعالى، بكليته وقيل: المراد المجيء بالجسد ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أي سليم من الشرك، والشك وجميع العيوب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ ﴾ الإفك الباطل وإعرابه هنا مفعول من أجله، وآلهة مفعول به وقيل: أئفكا مفعول به، وآلهة بدل منه وقيل: أئفكا مصدر في موضع الحال، تقديره: آفكين أي كاذبين والأول أحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين ﴾ المعنى أي شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم به، وقد عبدتم غيره؟
أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره كما تقول ما ظنك بفلان؟
إذا قصدت تعظيمه، فالمقصد على المعنى الأول تهديد وعلى الثاني تعظيم لله وتوبيخ لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: إن سقيم ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسر أصنامهم إذا خرجوا ليعدهم وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنها كانت تأخذه الحمى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى وقت الحمى، واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمى، والثاني أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه استدل بالنظر في علم النجوم أنه يسقم، فاعتذر بما يخاف من السقم عن الخروج معهم والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم فقال: إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم، وليست بنجوم السماء، وهذا بعيد وقوله: إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون حقاً لا كذب فيه، ولا تجوّز أصلاً، ويعارض هذا ما ورد «عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات» ، أحدها: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ ويحتمل أن يكون كذبا صراحاً، وجاز له ذلك لهذا الاحتمال، لأنه فعل ذلك من أجل الله إذ قصد كسر الأصنام، ويحتمل أن يكون من المعارضين، فإن أراد أنه سقيم فيما يستقبل، لأن كل إنسان لابد له أن يمرض، أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذبيهم له، وهذان التأويلان أولى، لأن نفي الكذب بالجملة معارض للحديث، والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ أي تركوه إعراضاً عنه وخرجوا إلى عيدهم، وقيل: إنه أراد بالسقم الطاعون وهو داء يُعدي، فخافوا منه وتباعدوا عنه مخافة العدوى ﴿ فَرَاغَ ﴾ أي مال ﴿ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام ﴿ ضَرْباً باليمين ﴾ أي يمين يديه وقيل بالقوة وقيل: الحلف، وهو قوله: تالله لأكيدن أصنامكم، والأول أظهر وأليق بالضرب، وضرباً مصدر في موضع الحال ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ أي يسرعون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ أي تنجرون والنحت النجارة إشارة إلى صنعهم من الحجارة والخشب ﴿ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ذهب قوم إلى ما مصدرية والمعنى: الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وقيل: إنها موصولة بمعنى الذي والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل: إنها نافية، وقيل: إنها استفهامية، وكلاهما باطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً ﴾ قيل: البنيان في موضع النار، وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رمى عنه ﴿ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً ﴾ يعني حرقه بالنار ﴿ فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين ﴾ أي المغلوبين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ قيل: إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب إلى ربه بالموت، لأنه ظن أن النار تحرقه، وسيهدين على القول الأول يعني إلى صلاح الدين والدنيا، وعلى القول الثاني إلى الجنة، وقالت المتصوفة: معناه إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي مقبل على الله بكليتي تاركاً سواه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين ﴾ يعني ولداً من الصالحين ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟
فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل: وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذابحين يعني إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.
وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ ومن وراء إسحاق يعقوب، والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله.
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشرة سنة ﴿ قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أن يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ورؤيا الأنبياء حق، فوجب عليه الامتثال على الوجهين ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ إن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟
فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ أي إستسلما وانقيادا لأمر الله ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ناديناه والواو زائدة ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ ﴾ يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: صدقت الرؤيا؟
فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يَفْدِه الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد مضى إبراهيم ما عليه ﴿ البلاء المبين ﴾ الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة.
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم: أشدد رباطي لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاء الكبش من عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها، إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وَهَارُونَ ﴾ يعني بالنبوة وغير ذلك ﴿ مِنَ الكرب العظيم ﴾ يعني الغرق أو تعذيب فرعون إذلاله لهم ﴿ وَنَصَرْنَاهُمْ ﴾ الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما وقيل: على موسى وهارون خاصة، وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم، وهذا ضعيف ﴿ وَآتَيْنَاهُمَا الكتاب المستبين ﴾ يعني: التوراة ومعنى ﴿ المستبين ﴾ البين، وفي هذه الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان وهو الترصيع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين ﴾ إلياس من ذرية هارون وقيل إنه أدريس، وقد أخطأ من قال: إنه إلياس المذكور في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً ﴾ البعل في اللغة الرب بلغة أهل اليمن، وقيل: بعل اسم صنم يقال له بعلبك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَلاَمٌ على إِلْ يَاسِينَ ﴾ آل هنا على هذه القراءة بمعنى أهل ياسين اسم لإلياس، وقيل: لأبيه وقيل: لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقرئ إلياسين، وبكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة على هذا جمع إلياس، أو منسوب لإلياس حذفت منه الياء كما حذفت من أعجمين، وقيل سمى كل واحد من آل ياسين إلياس ثم جمعهم وقيل هو لغة في إلياس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَجُوزاً فِي الغابرين ﴾ قد ذكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين ﴾ قد ذكرنا قصته في يونس و[الأنبياء: 87] ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون ﴾ أي هرب إلى السفينة والفلك هنا واحد والمشحون المملوء، وسبب هروبه غضبه على قومه حين لم يؤمنوا، وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين ﴾ معنى ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجة، وسبب مقارعته أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تجر، فقالوا: إنما وقفت من حدث أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أي فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين ﴾ تسبحه هو قوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ [الأنبياء: 87]، حسبما حكى الله عنه في الأنبياء وقيل: هو قوله سبحانه الله وقيل: هو الصلاة، واختلف على هذا على يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ذلك، واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل: ساعة وقيل: ثلاثة أيام وقيل: سعبة أيام وقيل: أربعون يوماً ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء ﴾ العراء الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل، وقيل يعني الساحل ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ﴾ أي أنبتناها فوقه لتظله وتقيه حر الشمس، واليقطين، القرع وإنما خصه الله به لأنه يجمع برد الظل ولين اللمس وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه، فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب، وقيل: اليقطين كل شجرة لا ساق لها كالبقول والقرع والبطيخ، والأول أشهر ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ ﴾ يعني رسالته الأولى التي أبق بعدها وقيل: هذه رسالة ثانية بعد خروجه من بطن الحوت والأول أشهر ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ قيل: أو هنا بمعنى بل، وقرأ ابن عباس، بل يزيدون، وقيل هي بمعنى الواو وقيل: هي للابهام وقيل: المعنى أن البشر إذا نظر إليهم يتردد فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون واختلف في عددهم فقيل: مائة وعشرون ألفاً وقيل: مائة وثلاثون ألفاً وقيل: مائة وأربعون ألفاً وقيل: ومائة وسبعون ألفاً ﴿ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ ﴾ روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا فرفع الله العذاب عنهم إلى حين: يعني لانقضاء آجالهم وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة أسقطناها لضعف صحتها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون ﴾ قال الزمخشري: إن هذا معطوف على قوله: ﴿ فاستفتهم ﴾ الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما، والضمير المفعول لقريش وسائر الكفار أي أسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى، ثم قررهم على ما زعموا من أن الملائكة إناث وردّ عليهم بقوله: ﴿ وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴾ ، ويحتمل أن يكون بمعنى الشهادة، أو بمعنى الحضور أي أنهم لم يحضروا ذلك ولم يعلموه، ثم أخبر عن كذبهم في قولهم: ﴿ وَلَدَ الله ﴾ ، ثم قررهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات؛ وذلك كله ردّ عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله عن أقوالهم علواً كبيراً ﴿ أَصْطَفَى ﴾ دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل ﴿ ما لكم ﴾ هذا استفهام معناه التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء والمجرور بعدها خبرها، فينبغي الوقف على قوله: ﴿ أَمْ لَكُمْ ﴾ ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ ﴾ أي برهان بيّن ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ ﴾ تعجيز لهم لأنهم ليس لهم كتاب يحتجون به ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب، وفي معنى الآية قولان: أحدهما أن الجنَّة هنا الملائكة وسميت بهذا الاسم لأنه مشتق من الاجتنان وهو الاستتار، والملائكة مستورين عن أعين بني آدم كالجن، والنسب الذين جعلوه بينهم وبين الله قولهم: إنهم بنات الله، والقول الثاني أن الجن هنا الشياطين، وفي النسب الذي جعلوه بينه وبينهم أن بعض الكفار قالوا: إن الله والشياطين أخوان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ من قال: إن الجن الملائكة فالضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ يعود على الكفار أي قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب ومن قال: إن الجن الشياطين فالضمير يعود عليهم أي قد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ استثناء منقطع من المحضرين أو من الفاعل في يصفون والمعنى: لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في العذاب، أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ هذا خطاب للكفار والمراد بما ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ الأصنام وغيرها وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى ﴿ فَاتِنِينَ ﴾ مضلين والضمير في عليه يعود على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل و ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ مفعول بفاتنين والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحداً إلا من قضى الله أن يصلى الجحيم، أي لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله وقال الزمخشري: الضمير في عليه يعود على الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ هذا حكاية كلام الملائكة عليهم السلام، تقديره: ما منك مالك إلا وله مقام معلوم، وحذف الموصوف لفهم الكلام، والمقام المعلوم: يحتمل أن يراد به المكان الذي يقومون فيه، لأن منهم من هو في السماء الدنيا، وفي الثانية، وفي السموات، وحيث شاء الله، ويحتمل أن يراد به المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون ﴾ أي الواقفون في العبادة صفوفاً، ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم ليقتدوا بالملائكة، وليس أحد من أهل الملل يصلون صفوفاً إلا المسلمون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ﴾ قيل: معناه القائلون سبحان الله، وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال: إنهم بنات الله وشركاء له، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له، ويدل هذا الكلام أيضاً على أن المراد بالجن قبل هذا الملائكة، وقيل: إنه هذا كله من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكلام المسلمين، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأولين ﴾ الضمير لكفار قريش وسائر العرب، والمعنى أنهم كانوا قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: أو أرسل الله إلينا رسولاً وأنزل علينا كتاباً لكنا عباد الله المخلصين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَفَرُواْ بِهِ ﴾ الضمير للذكر، أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم له ذكر ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ تهديد ووعيد لهم على كفرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ المعنى سبق القضاء بأن المرسلين منصورون على أعدائهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ هذا النصر والغلبة بظهور الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في القتال، وبالسعادة في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ ﴾ أي أعرض عنهم، وذلك موادعة منسوخة بالسيف، والحين هنا يراد به يوم بدر، وقيل: حضور آجالهم، وقيل: يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ هذا وعد النبي صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ إشارة إلى قولهم ﴿ متى هَذَا الوعد ﴾ ؟
﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] وشبه ذلك ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ﴾ الساحة: الفِناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محظور وسوء ﴿ فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين ﴾ الصباح مستعمل في ورورد الغارات والرزايا، ومقصد الآية التهديد بعذاب يحل بهم بعد أن أنذروا، فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيل أنذرهم ناصح بأن جيشاً يحل بهم فلم يقبلوا نصحه، حتى جاءهم الجيش وأهلكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَبْصِرْ ﴾ كرر الأم بالتولي عنهم والوعد والوعيد على وجه التأكيد، وقيل: أراد بالوعيد الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، فإن قيل: لم قال أولاً أبصرهم، وقال هنا: أبصر، فحذف الضمير المفعول؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه اكتفى بذكره أولاً عن ذكره ثانياً فحذفه اقتصاراً، والآخر أنه حذفف ليفيد العموم فيمن تقدم وغيرهم كأنه قال: أبصر جميع الكفار بخلاف الأول، فإنه من قريش خاصة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ نزه الله تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالاً كثيرة شنيعة، والعزة إن أراد بها عزة الله: فمعنى رب العزة، ذو العزة وأضافها إليه لاختصاصه بها، وإن أراد بها عزة الأنبياء والمؤمنين: فمعنى رب العزة مالكها وخالقها، ومن هذا قال محمد بن سحنون: من حلف بعزة الله، فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزة التي أعطى عباده فليست بيمين، ثم ختم هذه السورة بالسلام على المرسلين ﴿ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ فأما السلام على المرسلين فيحتمل أن يريد التحية أو سلامتهم من أعدائهم، ويكون ذلك تكميلاً لقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ [الصافات: 182]، وأما الحمد لله، فيحتمل أن يريد به الحمد لله على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك، ويحتمل أن يريد الحمد لله على الاطلاق.