التسهيل لعلوم التنزيل سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الزخرف

تفسيرُ سورةِ الزخرف كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 34 دقيقة قراءة

تفسير سورة الزخرف كاملةً (ابن جزي الكلبي)

وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢

﴿ والكتاب المبين ﴾ يعني القرآن، و ﴿ المبين ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى البيِّن، أو المبيِّن لغيره.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ٤

﴿ وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ أم الكتاب، اللوح المحفوظ، والمعنى: أن القرآن وصف في اللوح بأنه عليّ حكيم، وقيل: المعنى أن القرآن نُسِخَ بجملته في اللوح المحفوظ، ومنه كان جبريل ينقله، فوصفه الله بأنه علي حكيم؛ لكونه مكتوب في اللوح المحفوظ.

والأول أظهر وأشهر.

<div class="verse-tafsir"

أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ ٥

﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ الهمزة للإنكار والمعنى: أنمسك عنكم الذكر، ونضرب من قولك: أضربت عن كذا: إذا تركته، والذكر يراد به: القرآن، أو التذكير، والوعظ.

وصفحاً فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى الإعراض، تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه؛ فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضاً عنكم؟

وإعراب صفحاً على هذا مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفواً عنكم وغفراناً لذنبوكم؟

وإعراب صفحاً على هذا مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله، وقرأ الباقون بالفتح على أنه مفعول من أجله.

<div class="verse-tafsir"

فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨

﴿ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ الضمير لقريش وهم المخاطبون بقوله: ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ [الزخرف: 5]، فإن قيل: كيف قال: إن كنتم على الشرط بحرف إن التي معناها الشك، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟

فالجواب أن في ذلك إشارة إلى توبيخهم على الإسراف، وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيء لا يقع من عاقل، فلذلك وضع حرف التوقع في موضع الواقع ﴿ ومضى مَثَلُ الأولين ﴾ أي تقدّم في القرآن ذكر حال الأولين وكيفية إهلاكهم لما كفروا.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٩ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠

﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ﴾ الآية احتجاج على قريش؛ لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض؛ وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره، ومقتضى جوابهم أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله ب ﴿ العزيز العليم ﴾ ؛ لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم، وأما قوله: ﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ ﴾ فهو من كلام الله لا من كلامهم ﴿ مَهْداً ﴾ أي فراشاً على وجه التشبيه ﴿ سُبُلاً ﴾ أي طرقاً تمشون فيها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ١١

﴿ مَآءً بِقَدَرٍ ﴾ أي بمقدار ووزن معلوم وقيل: معناه بقضاء ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ تمثيل للخروج من القبور؛ بخروج النبات من الأرض.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ ١٢

﴿ الأزواج كُلَّهَا ﴾ يعني أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ ١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤

﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ﴾ الضمير يعود على ما تركبون ﴿ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذكر بالقلب أو باللسان، ويحتمل أن يريد النعمة في تسخير هذا المركوب أو النعمة على الاطلاق، وكان بعض السلف إذا ركب دابة يقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ثم يقول: ﴿ سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ أي مطيقين وغالبين ﴿ وَإِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ اعتراف بالحشر فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟

فالجواب: أن راكب السفينة أو الدابة متعرض للهلاك بما يخاف من غرق السفينة، أو سقوطه عن الدابة، فأمر بذكر الحشر ليكون مستعداً للموت الذي قد يعرض له، وقيل يذكر عند الركوب ركوب الجنازة.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ مُّبِينٌ ١٥

﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب، وفي ﴿ لَهُ ﴾ لله تعالى، وهذا الكلام متصل بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ﴾ [الزخرف: 9] الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، فكأنهم جعلوا جزءاً من عباده نصيباً له وحظاً دون سائر عباده.

وقال الزمخشري: معناه أنهم جعلوا الملائكة جزءاً منه وقال بعض اللغويين: الجزء في اللغة الإناث واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع.

<div class="verse-tafsir"

أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ ١٦ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧

﴿ أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ﴾ أم للإنكار والرد على الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله ومعنى أصفاكم: خصكم.

أي كيف يتخذ لنفسه البنات وهي أدنى، وأصفاكم بالبنين وهم أعلى ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ﴾ أي إذا بشر بالأنثى، وقد ذكر المعنى في النحل والمراد أنهم يكرهون البنات فيكف ينسبونها إلى الله؟

تعالى الله عن قولهم.

<div class="verse-tafsir"

أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ١٨

﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية ﴾ المراد بمن ينشأ في الحلية النساء، والحلية هي الحلي من الذهب والفضة، وشبه ذلك.

ومعنى ينشأ فيها يكبر وينبت في استعمالها.

وقرئ ينشأ بضم الياء وتشديد الشين بمعنى يُربِّي فيها، والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله.

كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي قوله: ﴿ وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ ، يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجَّتها لنقص عقلها، وقلَّ ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص؟

وإعراب ينشأ مفعول بفعل مضمر تقديره: أجعلتم لله من ينشأ أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ في الحلية خصصتم به الله.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ ١٩

﴿ وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب، فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد، والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثاً، وقرئ ﴿ عِبَادُ الرحمن ﴾ بالنون، والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين عند ربك، وقرئ عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضاً الاختصاص والتشريف ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ هذا ردّ على العرب في قولهم: إن الملائكة إناث، والمعنى لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟

﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ أي تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٢٠

﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ الضمير في ﴿ قَالُواْ ﴾ للكفار، وفي ﴿ عَبَدْنَاهُمْ ﴾ للملائكة، وقال ابن عطية للأصنام: والأول أظهر وأشهر، والمعنى: احتجاج احتجّ به الذين عبدوا الملائكة، وذلك أنهم قالوا: لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم، فكونه يمهلنا وينعم علينا: دليل على أنه يرضى عبادتنا لهم، ثم رد الله عليهم بقوله: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ يعني أن قولهم بلا دليل وحجة، وإنا هو تخرُّص منهم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ ٢١ بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ٢٢

﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل القرآن، وهذا أيضاً رد عليهم؛ لكونهم ليس لهم كتاب يحتجون به ﴿ بَلْ قالوا إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ ﴾ أي على دين وطريقة، والمعنى أنهم ليس لهم حجة، وإنما هم مقلدو آبائهم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ٢٣

﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآية المعنى كما اتبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة اتبع كل من كان قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة، بل بطريق التقليد المذموم.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ٢٤ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٢٥

﴿ قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرئ ﴿ قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم، وأما قراءة ﴿ قال ﴾ بالأمر فهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل: هو للنذير المتقدم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضاً بين قصة المتقدمين، فإنه قوله: ﴿ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ : حكاية عن الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: ﴿ فانتقمنا مِنْهُمْ ﴾ : يعني من المتقدمين.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٨ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ٢٩

﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ ﴾ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك استوى فيها الواحد والجماعة كَعَدْل وشبهه ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ يحتمل أن يكون استثناء منقطعاً، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلاً إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل ﴿ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال من الله ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم عليه السلام، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ومعناه: التوحيد ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، وقيل: يعود على ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ [الصافات: 35]، والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته؛ لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبداً ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ ﴾ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشاً من عقب إبراهيم عليه السلام، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله ﴿ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ٣١ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٣٢

﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة والطائف، ومن القريتين: معناها من إحدى القريتين، كقولك: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل: معناه ﴿ على رَجُلٍ ﴾ من رجلين من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى الآية أن قريشاً استبعدوا نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يعني أن الله يخص بالنبوّة من يشاء من عباده؛ على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا ﴾ أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية ﴿ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضاً ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ هذا تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًۭا مِّن فِضَّةٍۢ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ٣٣

﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية: تحقير أيضاً للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم، لجعلنا للكفار سُقُفاً من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها جرعة ماء ﴿ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ المعارج: الأدراج والسلالم، ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه: ﴿ فما استطاعوا أن يظهروه ﴾ والسرور جمع سرير، والزخرف الذهب، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق، وشبه ذلك وقيل: هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين؛ كقوله: ﴿ حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ [يونس: 24].

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ ٣٦

﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ يعشُ من قولك: عَشِيَ الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة، وقال الزمخشري: يَعْشَى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق، والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، و ﴿ ذِكْرِ الرحمن ﴾ ، قال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية: يريد به ما ذكر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله، ومعنى الآية: أن من غفل عن ذكر الله يَسَّرَ الله له شيطاناً يكون له قريناً، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ٣٧

﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل ﴾ الضمير في إنهم للشياطين، وضمير المفعول في يصدونهم لمن يَعْشُ عن ذكر الرحمن، وجمع الضميرين لأن المراد جمع ﴿ حتى إِذَا جَآءَنَا ﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر جاءانا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه، وقرأ الباقون بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش، والضمير في قال: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ [الزخرف: 36]، وقيل: للشيطان ﴿ بُعْدَ المشرقين ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب، وغُلِّبَ أحدهما في التشبيه، كما قيل: القمران، والآخر: أنه يعني المشرقين والمغربين، وحذف المغربين لدلالة المشرقين عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩

﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ هذا كلام يقال للكفار في الآخرة، ومعناه أنهم لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المركوب في الدنيا، إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه، والفاعل في ينفعكم قوله: ﴿ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ ، وإذ ظلمتم: تعليل معناه: بسبب ظلمكم، وقيل: الفاعل مضمر، وهو التبري الذي يقتضيه قوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ وأنكم على هذا تعدليل، والأول أرجح.

<div class="verse-tafsir"

أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٤٠ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم ﴾ الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالصُم والعُمي الكفار؛ إذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، ومقصد الآية وعيد للكفار، والمعنى إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك، وإن أخرنا وفاتك إلى حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون، وهذا الانتقام يحتمل أن يريد به قتلهم يوم بدر، وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا، أو يريد به عذاب الآخرة، وقيل: إن الضمير في ﴿ مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ للمسلمين، وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وإنه أكرم نبيه عليه السلام بأن توفاه قبل أن يرى الانتقام من أمته، والأول أشهر وأظهر.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ ٤٤

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ الضمير في ﴿ إِنَّهُ ﴾ للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلى الله عليه وسلم هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمر بعده لقريش، ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ أي تسألون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ ٤٥

﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ إن قيل: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء.

الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك.

والثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هَلْ مع الله آلهة يعبدون؛ لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٤٨

﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ الآيات هنا المعجزات؛ كقلب العصا حية، وأخراج اليد بيضاء وقيل: البراهين والحجج العقلية، والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر والظهور، ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات، إنما المعنى أنها إذا نظرت وجدت كبيرة، وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر: من تَلْقَ منهم تقلْ لا قيتُ سَيِّدَهم ** مثل النجوم التي يسري بها الساري هكذا قال الزمخشري، ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلا هي أكبر مما تقدمها، فالمراد أكبر من أختها المتقدّمة عليها.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ٤٩

﴿ وَقَالُواْ ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ ظاهر كلامهم هذا التناقض، فإن قولهم: ﴿ ياأيه الساحر ﴾ يقتضي تكذيبهم له، وقولهم: ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ يقتضي تصديقه، والجواب من وجهين: أحدهما أن القائلين لذلك كانوا مكذبين، وقولهم ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ يريدون على قولك وزعمك، وقولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ وعد نَوَوْا خلافه، والآخر: أنهم كانوا مصدّقين، وقولهم: يا أيها الساحر؛ إما أن يكون عندهم غير مذموم، لأن السحر كان علم أهل زمانهم، وكأنهم قالوا: يا أيها العالم، وإما أن يكون ذلك اسماً قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم، فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه.

<div class="verse-tafsir"

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٥١ أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢

﴿ ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ يحتمل أن ناداهم بنفسه أو أمر منادياً ينادي فيهم ﴿ قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ قصد بذلك الافتخار على موسى، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك من نهر اسكندرية إلى أسوان بطول النيل ﴿ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي ﴾ يعني: الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجري تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الاسنكدرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله: ﴿ أَنَآ خَيْرٌ ﴾ موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب موضع المسبب، وكان الأصل أن يقول فلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله: ﴿ أَنَآ خَيْرٌ ﴾ على وجه الإخبار.

ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة ﴿ مَهِينٌ ﴾ ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل: يعني العيّ في الكلام، وقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ : يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات.

<div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ٥٣

﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ يريد لولا ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوّته، والأسورة جمع سوار وأسوار، وهو ما يجعل في الذراع من الحلي، وكان الرجال حينئذ يجعلونه ﴿ مُقْتَرِنِينَ ﴾ أي مقترنين به لا يفارقونه، أو متقارنين بعضهم مع بعض ليشهدوا له ويقيموا الحجة.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ٥٤ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ٥٥ فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْـَٔاخِرِينَ ٥٦

﴿ فاستخف قَوْمَهُ ﴾ أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم ﴿ آسَفُونَا ﴾ أي أغضبونا ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ﴾ السلف بفتح السين واللام جمع سالف، وقرأ حمزة والكسائي: سُلُفاً بضمها جمع سليف ومعناه متقدم: أي تقدم قبل الكفار ليكون موعظة لهم، ومثلاً يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ٥٧

﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى؛ فهذا كان صدودهم من ضربه مثلاً، حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدون بمعنى يُعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] امتعضوا من ذلك، وقال عبد الله بن الزبعرى: أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟

فقال صلى الله عليه وسلم هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة؛ ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً، وقد علمت أن النصارى عبدوه، فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك، وضحكوا وسكت النبي صلى الله عليه وسلم.

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية، فالمعنىعلى هذا: لما ضربَ ابن الزبعرى عيسى مثلاً وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه، إذا قريش من هذا المثل يصدون: أي يضحكون ويصيحون من الفرح، وهذا المعنى إما يجري على قراءة يصدون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ٥٨

﴿ وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون بهو عيسى، والمعنى أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى، فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، لأنه خير من آلهتنا، وهذا الكلام من تمام ما قبله على ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية التي قبله، وأما على ما ذكر ابن عطية فهذا ابتداء معنى آخر، وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولاً آخر: وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا: نحن أهدى من النصارى، لأنهم عبدوا آدمياً ونحن عبدنا الملائكة، وقالوا آلهتنا وهم الملائكة خير أم عيسى؛ فمقصدهم تفضيل آلهتهم على عيسى.

وقيل: إن قولهم أم هو: يعنون به محمداً صلى الله عليه وسلم، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمد أن نعبد كما عبدت النصارى عيسى.

قالوا: أآلهتنا خير أم هو يريدون تفضيل آلهتهم على محمد والأظهر أن المراد بهو عيسى وهو قول الجمهور، ويدل على ذلك تقدم ذكره ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ﴾ أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب من يناظره سواء غلبه بحق أو بباطل، فإن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى: حصب جهنم، ولكنهم أرادوا المغالطة، فوصفهم الله بأنهم قو خصمون.

<div class="verse-tafsir"

إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٥٩

﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني عيسى والإنعام عليه بالنبوة والمعجزات، وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ٦٠

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ ﴾ في معناها قولان: أحدهما لو نشاء لجعلنا بدلاً منكم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون فيها بني آدم، فقوله منكم يتعلق ببدل المحذوف أو بيخلفون، والآخر لو نشاء لجعلنا منكم، أي لولدنا منكم أولاداً ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم، فإنا قادرون على أن نخلق من أولاد الناس ملائكة فلا تنكروا أن خلقنا عيسى من غير والد، حكى ذلك الزمخشري.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٦١

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ الضمير لعيسى وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل للقرآن، فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه شرط من أشراط الساعة، يوجب العلم بها فسمى الشرط علماً لحصول العلم به، ولذلك قرأ ابن عباس لعَلَم بفتح العين واللام: أي علامة وأما على القول بأنه للقرآن: فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتقوا ﴾ إما بيّن البعض دون الكل، لأن الأنبياء إنما يبينون أمور الدين لا الدنيا، وقيل: بعض بمعنى كل هذا ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ٦٥ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٦٦ ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ٦٧ يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٦٨

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ ذكر في مريم ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة ﴾ أي ينتظرون، والضمير لقريش أو للأحزاب ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ ﴿ الأخلاء ﴾ : جمع خليل وهو الصديق، وإما يعادي الخليل خليلَه يومَ القيامة، لأن الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين، لأن النفع دخل على بعضهم من بعض ﴿ ياعباد لاَ ﴾ الآية.

تقديره: يقول الله يوم القيامة للمتقين يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.

<div class="verse-tafsir"

ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ٧٠

﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي تنعمون وتسرون.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٥

﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ أي يائسون من الخير.

<div class="verse-tafsir"

وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ ٧٧ لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ٧٨ أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ٧٩ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ٨٠

﴿ وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ المعنى أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب، وروي أن مالكاً يبقى عبد ذلك ألف سنة، وحينئذ يقول لهم: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ أي دائمون في النار ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بالحق ﴾ الآية كلام الله تعالى لأهل النار، أو من كلام الله لقريش في الدنيا ﴿ أَمْ أبرموا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ الضمير لكفار قريش، والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي صلى الله عليه وسلم فإنا مُحكِمون نصره وحمايته ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآية: روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس: أترى الله يسمع سرنا، فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا ﴿ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ السرّ ما يحدث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم ﴿ بلى ﴾ أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقولون، والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ ٨١

﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ في تأويل أربعة أقوال: الأول أنها احتجاج وردّ على الكفار، على تقدير قولهم، ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد؛ كما يعظم خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ولد، فلست بعابد إلا الله وحده، وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم؛ لأنه علق عبادة الولد بوجوده، ووجوده محال فعبادته محال، القول الثاني إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم في قولكم أن له ولداً، والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة، القول الثالث أن العابدين بمعنى المنكرين: يقال عَبِد الرجل إذا أنف وتكبر وأنكر الشيء، والمعنى: إن زعمتم أن للرحمن ولداً فأنا أول المنكرين لذلك، وإن على هذه الأقوال الثلاثة شرطية، القول الرابع قال قتادة وابن زيد: إن هنا نافية بمعنى ما كان للرحمن ولد وتم الكلام، ثم ابتدأ قوله: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ ، والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة، وهو الذي عوَّل عليه الزمخشري، وقال الطبري: هو ملاطفة الخطاب ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [سبأ: 24] وقال ابن عطية منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ [النحل: 27] يعني شركائي على قولكم.

<div class="verse-tafsir"

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ٨٣

﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ الآية موادعة منسوخة بالسيف.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌۭ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌۭ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ٨٤ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥ وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦

﴿ وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله ﴾ أي هو الإله لأهل الإرض وأهل السماء، والمجرور يتعلق بإله، لأن فيه معنى الوصفية ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ أي علم زمان وقوعها ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة ﴾ أي لا يملك كل من عبد من دون الله أن يشفع عند الله، لأن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فهو المالك للشفاعة وحده ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ اختلف هل يعني شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منطقع، والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة؛ لكن من شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه، ويحتمل على هذا أن يكون من شهد مفعولاً بالشفاعة على إسقاط حرف الجر تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق، وإن أراد بمن شهد بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منطقعاً وأن يكون متصلاً إلا فيمن عبد عيسى والملائكة، والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلا من شهد بالحق.

<div class="verse-tafsir"

وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٨٩

﴿ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ القيل مصدر كالقول، والضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ ﴿ قِيلَهِ ﴾ بالنصب والخفض وقرئ في غير السبع بالرفع، فأما النصب فقيل هو معطوف على سرهم ونجواهم، وقيل: معطوف على موضع الساعة؛ لأنها مفعول أضيف إلى المصدر وقيل: معطوف على مفعول محذوف تقديره: يكتبون أقوالهم وقيله، وأما الخفض فقيل: إنه معطوف على لفظ الساعة، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله بالحق، وأما الرفع فقيل: إنه مبتدأ وخبره ما بعده، وضعَّف الزمخشري ذلك كله وقال: إنه من باب القسم فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم كقولك: اللهِ لأضربنّ زيداً والرفع كقولهم: أيمنُ الله ولعمرُك، وجواب القسم قوله: ﴿ إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ كأنه قال: أقسم بقيله أن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴿ فاصفح عَنْهُمْ ﴾ منسوخ بالسيف ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ تقديره أمري سلام: أي مسالمة، وقيل سلام عليكم على جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ تهديد.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد