التسهيل لعلوم التنزيل سورة الشورى

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الشورى

تفسيرُ سورةِ الشورى كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 29 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشورى كاملةً (ابن جزي الكلبي)

حمٓ ١ عٓسٓقٓ ٢ كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣

﴿ حم* عسق ﴾ الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدم في سورة البقرة، وقد حكى الطبري أن رجلاً سأل ابن عباس عن حم عسق فأعرض عنه، فقال حذيفة: إنما كرهها ابن عباس، لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينة على نهر من أنهار المشرق، ثم يخسف الله بها في آخر الزمان، والرجل على هذا أبو جعفر المنصور، والمدينة بغداد.

وقد ورد في الحديث الصحيح أنها يخسف بها ﴿ كَذَلِكَ يوحي إِلَيْكَ ﴾ الكاف نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك إلى تضمنه القرآن أو السورة، وقيل: الإشارة لقوله: ﴿ حم* عسق ﴾ فإن الله أنزل بهذه الأحرف بعينها في كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظر ﴿ الله العزيز الحكيم ﴾ اسم الله فاعل بيوحِي، وأما على قراءة ﴿ ﴾ بالفتح فهو فاعل بفعل مضمر، دل عليه يوحي كأن قائلاً قال: من الذي أوحى؟

فقيل: الله.

<div class="verse-tafsir"

تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥

﴿ تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ ﴾ أي يتشققن من خوف الله وعظيم جلاله، وقيل: من قول الكفار: أتخذ الله ولداً، فهي كالآية التي في مريم قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه: مردود لأن الله تعالى لا يوصف به ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ الضمير للسموات والمعنى يتشققن من أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل، وقيل: الضمير للأرضين وهذا بعيد، وقيل: الضمير للكفار كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السموات يتفطرن، وهذا أيضاً بعيد ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ عموم يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ [غافر: 7].

وقيل: إنّ يستغفرون للذين آمنوا نسخ هذه الآية، وهذا باطل، لأن النسخ لا يدخل في الأخبار، ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يعالجوا بالعقوبة فيكون عاماً، فإن قيل: ما وجه اتصال قوله: ﴿ والملائكة يُسَبِّحُونَ ﴾ الآية: بما قبلها؟

فالجواب أنا إن فسرنا تفطر السموات بأنه من عظمة الله؛ فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضاً تعظيماً له، فينتظم الكلام، وإن فسرنا تفطرها بأنه من كفر بني آدم؛ فيكون تسبيح الملائكة تنزيهاً لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌۭ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌۭ فِى ٱلسَّعِيرِ ٧

﴿ أُمَّ القرى ﴾ هي مكة، والمراد أهلها، ولذلك عطف عليه ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ يعني من الناس ﴿ يَوْمَ الجمع ﴾ يعني يوم القيامة وسمي بذلك لأن الخلائق يجتمعون فيه.

<div class="verse-tafsir"

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٩

﴿ أَمِ اتخذوا ﴾ أم منقطعة، والأولياء هنا المعبودون من دون الله.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍۢ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ١٠

﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ أي ما اختلفهم فيه أنتم والكفار من أمر الدين فحكمه إلى الله؛ بأن يعاقب المبطل ويثيب المحق؛ أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ [النساء: 59].

<div class="verse-tafsir"

فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًۭا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١١

﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ يعني الإناث ﴿ وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً ﴾ يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ معنى يذرؤكم يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، يكثركم، والضمير المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم ﴾ ، وهذا كما تقول كلمت زيداً كلاماً أكرمته فيه، وقيل: الضمير للتزويج الذي دل عليه قوله: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، وقال الزمخشري: تقديره ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ في هذا التدبير.

وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً، والضمير في يذرؤكم خطاب للناس؛ والأنعام غلَّب فيه العقلاء على غيرهم، فإن قيل: لم قال يذرؤكم فيه وهلا قال يذرؤكم به؟

فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير قاله الزمخشري ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين، قال كثير من الناس: الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى ليس مثله شيء، وقال الطبري وغيره ليست بزائدة، ولكن وضع مثله موضع هو، والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري: وهذا كما تقول: مثلك لا يبخل، والمراد: أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته.

<div class="verse-tafsir"

لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٢

﴿ مَقَالِيدُ ﴾ قد ذكر في [الزمر: 63].

<div class="verse-tafsir"

۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ١٣

﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ اتفق دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات، وذلك هو المراد هنا، ولذلك فسره بقوله: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين ﴾ يعني إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبالدار الآخرة، وأما الأحكام الفروعية، فاختلفت فيها الشرائع فليست تراد هنا ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ ﴾ يحتمل أن تكون أن في موضع نصب بدلاً من قوله: ﴿ مَا وصى ﴾ أو في موضع خفض بدلاً من به، أو في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أو تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب ﴿ كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ أي صعب الإسلام على المشركين ﴿ الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ﴾ الضمير في إليه يعود على الله تعالى، وقيل على الدين.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ١٤

﴿ وَمَا تفرقوا ﴾ يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ ﴾ يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في الدنيا ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب ﴾ يعني المعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل: يعني العرب، والكتاب على هذا القرآن ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ الضمير للكتاب، أو للدين أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٥

﴿ فَلِذَلِكَ فادع ﴾ أي إلى ذلك الذي شرع الله، فادع الناس فاللام بمعنى إلى، والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله: ما تدعوهم إليه وقيل: ءن اللام بمعنى أجل، والإشارة إلى التفرق والاختلاف، أي لأجل ما حدث من التفرق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله: واستقم معطوفاً، وعلى الأول يكون مستأنفاً فيوقف على ﴿ فادع واستقم ﴾ ﴿ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ أي دُمْ على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ لضمير الكفار وأهواؤهم ما كانوا يحبون من الكفر والباطل كله ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ قيل: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه، ويحتمل أن يريد بالعدل في دعائهم إلى دين الإسلام، أي أمرت أن أحملكم على الحق ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي لا جدال ولا مناضرة، فإن الحق قد ظهر وأنتم تعاندون.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌ ١٦

﴿ والذين يُحَآجُّونَ فِي الله ﴾ أي يجادلون المؤمنين في دين الإسلام، ويعني كفار قريش، وقيل: اليهود ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه، وقيل: يعود على الدين وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر وأحسن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي زاهقة باطلة.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ ١٧

﴿ أَنزَلَ الكتاب ﴾ يعني جنس الكتاب ﴿ بالحق ﴾ أي بالواجب أو متضمناً الحق ﴿ والميزان ﴾ قال ابن عباس وغيره يعني: العدل، ومعنى إنزال العدل، إنزال الأمر به في الكتب المنزلة، وقيل يعني الميزان المعروف، فإن قيل: وما وجه اتصال ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟

فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: أعدلوا وافعلوا الصواب قبل يوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم ﴿ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ جاء قريب، بالتذكير، لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقت الساعة.

<div class="verse-tafsir"

يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ ١٨

﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ﴾ أي يطلبون تعجيلها استهزاء بها، وتعجيزاً للمؤمنين ﴿ يُمَارُونَ ﴾ أي يجادلون ويخالفون.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ١٩

﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ يعني الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في قوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا ﴾ [هود: 6] أي ما تقوم به الحياة، فإن هذا على العموم لكل حيوان طول عمره، والزائد خاص بمن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠

﴿ حَرْثَ الآخرة ﴾ عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعار من حرث الأرض؛ لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ عبارة عن تضعيف الثواب ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ أي نؤته منها ما قدّر له، لأن كل واحد لابد أن يصل إلى ما قسم له ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ ﴾ هذا للكفار، أو لمن كان يريد الدنيا خاصة، ولا رغبة له في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢١

ِ ﴿ أَمْ لَهُمْ ﴾ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ، والشركاء الأصنام وغيرها، وقيل: الشياطين ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ الضمير في شرعوا للشركاء، وفي لهم: للكفار، وقيل: بالعكس والأول أظهر ﴿ لَمْ يَأْذَن ﴾ بمعنى: لم يأمر، والمراد بما شرعوا من البواطل في الاعتقادات، وفي الأعمال، كالبحيرة والوصيلة وغير ذلك.

﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ أي لولا القضاء السابق بأن لا يقضي بينهم في الدنيا لقضي بينهم فيها.

<div class="verse-tafsir"

تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ٢٢

﴿ تَرَى الظالمين ﴾ يعني في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ شَكُورٌ ٢٣

﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ تقديره يبشر به، وحذف الجار والمجرور ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أن القرى بمعنى القرابة، وفي بمعنى من أجل، والمعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم؛ فالمقصد على هذا استعطاف قريش، ولم يكن فيهم بطن إلا وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة: الثاني أن القربى بمعنى الأقارب، أو ذوي القربى، والمعنى إلا أن تودّوا أقاربي وتحفظوني فيهم، والمقصد على هذا وصية بأهل البيت: الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض، والمعنى أن تودوا أقاربكم، والمقصود على هذا وصية بصلة الأرحام الرابع أن القربى التقرّب إلى الله، والمعنى إلا أن تتقربوا إلى الله بطاعته، والاستثناء على القول الثالث والرابع منقطع، وأما على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع، لأن المودّة ليست بأجر، ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فجعل المودة كالأجر ﴿ يَقْتَرِفْ ﴾ أي يكتسب ﴿ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ يعني مضاعفة الثواب.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤

﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ ﴾ فالمقصد بهذا قولان: أحدهما أنه رد على الكفار في قولهم افترى على الله كذباً: أي لو افتريت على الله كذباً لختم على قلبك، ولكنك لم تفتر على الله كذباً فقد هداك وسددك، والآخر أن المراد: إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار، وتحمل أذاهم ﴿ وَيَمْحُ الله الباطل ﴾ هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قبله، لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله ويبدأ به، وفي المراد به وجهان: أحدهما أنه من تمام ما قبله: أي لو افتريت على الله كذباً لختم على قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريت، والآخر أنه على وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر، ويحق الحق وهو الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٢٥ وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ٢٦

﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ ﴿ عَنْ ﴾ هنا بمعنى من، وكأنه قال التوبة الصادرة من عباده وقبول التوبة على ثلاثة أوجه: أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعاً والثاني التوبة من مظالم العباد فهي غير مقبولة حتى ترّد المظالم أو يستحل منها والثالث التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية وقيل: إنها في المشيئة ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا، وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلاً، والثاني العفو عن مظالم العباد وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، وهو حاصل باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السنة أنها في المشيئة، ومذهب المعتزلة أنها لا تغفر إلا بالتوبة ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين آمَنُواْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي يجيبهم فيما يطلبون منه.

وقال الزمخشري: أي أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام.

والثاني أن معناه يجيب و ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ فاعل أي يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه والثالث أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم واستفعل هذا على بابه من الطلب، والأول أرجح لدلالة قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ ؛ ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل.

﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم ما لا يطلبون، زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الشفاعة والرضوان.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ٢٧

﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ أي بغى بعضهم على بعض، وطغوا؛ لأن الغنى يوجب الطغيان، وقال بعض الصحابة: فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنيناها.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ ٢٨

﴿ وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ قيل لعمر رضي الله عنه: اشتد القحط وقنط الناس.

فقال: الآن يمطرون، وأخذ ذلك من هذه الآية، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: اشتدي أزمة تنفرجي ﴿ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ قيل: يعني المطر فهو تكرار للمعنى الأول بلفظ آخر، وقيل: يعني الشمس وقيل: بالعموم.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ ٢٩

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ لا إشكال؛ لأن الدواب في الأرض وأما في السماء فقيل: يعني الملائكة وقيل: يمكن أن تكون في السماء دواب لا نعلمها نحن وقيل: المعنى أنه بث في أحدهما فذكر الاثنين كما تقول في بني فلان كذا وإنما هو في بعضهم ﴿ وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ يريد جمع الخلق في الحشر يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ٣٠

﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ المعنى أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم؛ إنما هي سبب الذنوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر.

وقرأ نافع وابن عامر ﴿ بما كسبت ﴾ بغير فاء على أن يكون ﴿ مَآ أَصَابَكُمْ ﴾ بمعنى الذي وقرأ الباقون بالفاء على أن يكون ما أصابكم شرطاً.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٣١ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ ٣٢

﴿ بِمُعْجِزِينَ ﴾ قد ذكر الجواري جمع جارية وهي السفينة ﴿ كالأعلام ﴾ جمع علم وهو الجبل.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ ٣٣ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍۢ ٣٤

﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ ﴾ الضمير في يظللن للجواري وفي ظهره للبحر، أي لو أراد الله أن يسكن الرياح لبقيت السفن واقفة على ظهر البحر، فالمقصود تعديد النعمة في إرسال الرياح أو تهديد بإسكانه ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ﴾ عطف على يسكن الريح، ومعنى يوبقهن يهلكهن بالغرق، من شدة الرياح العاصفة والضمير فيه للسفن، وفي ﴿ كَسَبُوا ﴾ لركابها من الناس والمعنى: أنه لو شاء لأغرقها بذنوب الناس.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ٣٥ فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ٣٧ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣٨ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ٣٩ وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٠ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٤٢ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ٤٣ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ ٤٤ وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍۢ مُّقِيمٍۢ ٤٥

﴿ وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.

وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ [مريم: 21] ﴿ كَبَائِرَ الإثم ﴾ ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.

﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابا.

وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان.

أما صفات عمر فقوله: ﴿ والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش ﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً ﴾ [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ ، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: «إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وقوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ ، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولاً وما الله دولاً، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزاً من الزيادة عليها ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزاً ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي ﴾ [الحجرات: 9] ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي على النار ﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذل ﴾ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عمياً فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدراً ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفاً من كلام الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍۢ يَوْمَئِذٍۢ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ ٤٧

﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ ذكر في [غافر: 11] ﴿ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ أي إنكار يعني لا تنكرون أعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩

﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً ﴾ قدم الإناث اعتناء بهنّ وتأنيساً لمن وهبهن له.

قال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى قبل الذكر، لأن الله بدأ بالإناث وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأنبياء عليهم السلام فشعيب ولوط كان لهما إناث دون ذكور، وإبراهيم كان له ذكور دون إناث، ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الإناث والذكور، ويحيى كان عقيماً، والظاهر أنها على العموم في جميع الناس، إذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم من هذه الأقسام الأربعة التي ذكر، وفي الآية من أدوات البيان التقسيم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ٥١

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً ﴾ الآية: بين الله تعالى فيها كلامه لعباده، وجعله على ثلاثة أوجه أحدها المذكور أولاً وهو الذي يكون بإلهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك وهو قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ يعني ملكاً، فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي، وهذا خاص بالأنبياء والثاني خاص بموسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كلمة الله ليلة الإسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء كثيراً، وقد يكون لسائر الخلق ومنه، ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ [النحل: 68] ومنه؛ منامات الناس ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ قرأ نافع يرسل ويوحي بالرفع، على تقدير أو هو يرسل والباقون بالنصب عطفاً على وحياً لأن تقديره: أن يوحي عطف على أن المقدرة.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٢

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ الروح هنا القرآن، والمعنى مثل هذا الوحي، وهو بإرسال ملك أوحينا إليك القرآن، والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، أو يكون من الأمر بالشيء ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ المقصد بهذا شيئان: أحدهما تعداد النعمة عليه صلى الله عليه وسلم، بأن علمه الله ما لم يكن يعلم.

والآخر احتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من أحد، فإن قيل: أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم؟

فالجواب أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه، وقد كان مؤمناً بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له بالنبوة ﴿ ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً ﴾ الضمير للقرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله