التسهيل لعلوم التنزيل سورة محمد

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة محمد

تفسيرُ سورةِ محمد كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 18 دقيقة قراءة

تفسير سورة محمد كاملةً (ابن جزي الكلبي)

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍۢ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ٢

﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني كفار قريش، وعموم اللفظ يعم كل كافر، كما أن قوله بعد هذا: ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ يعني الصحابة، وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ يحتمل أن يكون صدُّوا بمعنى؛ أعرضوا فيكون غير متعد أو يكون بمعنى صدوا الناس فيكون متعدياً، وسبيل الله: الإسلام والطاعة ﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي أبطلها وأحبطها، وقيل: المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر؛ فإن هذه الآية نزلت بعد بدر، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ ﴾ هذا تجريد للاختصاص والاعتناء، بعد عموم قوله: ﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ولذلك أكده بالجملة الاعتراضية، وهو قوله: ﴿ وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ ﴾ ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ قيل: معناه أصلح حالهم وشأنهم، وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، فالمعنى إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍۢ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ٤

﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله فاضربوا الرقاب ضرباً، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه، والمراد، اقتلوهم.

ولكن عبّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل ﴿ حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أي هزتموهم، والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ عبارة معن الأسر ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ المن: العتق، والفداء: فك الأسير بمال، وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مخيّر في الأسارى بين خمسة أشياء: وهي: المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية.

وقيل: لا يجوز المنّ ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] فلا يجوز على هذا إلا قتلهم.

والصحيح أنها محكمة وانتصب منَّا وفِداء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها وقيل: الأوزار: الآثام، لأن الحرب لابد أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين، واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل: حتى يسلموا جميعاً؛ فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم: قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبداً، كما تقول: أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة ﴿ ذَلِكَ ﴾ تقديره: الأمر ذلك ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض.

<div class="verse-tafsir"

وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ٦

﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها، فهو من المعرفة وقيل: معناه طيِّبها لهم فهو من العَرْف وهو طيب الرائحة، وقيل: معناه شرَّفها ورفعها، فهو في الأعراف التي هي الجبال.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَتَعْسًۭا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ٨

﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ أي عثاراً وهلاكاً.

وانتصابه على المصدرية، والعامل فيه فعل مضمر، وعلى هذا عَطَفَ وأضلَّ أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا ١٠

﴿ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي لكفار قريش أمثال عاقبة الكفار المتقدمين من الدمار والهلاك.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ ١١

﴿ مَوْلَى الذين آمَنُواْ ﴾ أي وليهم وناصرهم وكذلك ﴿ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ ﴾ معناه: لا ناصر لهم، ولا يصح أن يكون المولى هنا بمعنى السيد، لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: و ﴿ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق ﴾ [الأنعام: 62] لأن معنى المولى مختلف في الموضعين؛ فمعنى ﴿ مَوْلاَهُمُ الحق ﴾ : ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله: ﴿ مَوْلَى الذين آمَنُواْ ﴾ فإنه خاص بالمؤمنين لأنه معنى الولي والناصر.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ١٢

﴿ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام ﴾ عبارة عن كثرة أكلهم، وعن غفلتهم عن النظر كالبهائم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةًۭ مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ١٣

﴿ مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ ﴾ يعني مكة.

وخروجه صلى الله عليه وسلم من وقت الهجرة، ونسب الإخراج إلى القرية.

والمراد بأهلها، لأنهم آذوه حتى خرج ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وجمعه حملاً على المعنى والمراد أهلكنا: أهلها.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم ١٤ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌۭ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍۢ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّن لَّبَنٍۢ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّنْ عَسَلٍۢ مُّصَفًّۭى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌۭ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًۭا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ١٥

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ أي على حجة ويعني به النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعني قريشاً بقوله: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ﴾ واللفظ أعم من ذلك.

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ ذكر في [الرعد: 35] ﴿ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ أي غير متغير ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار ﴾ تقديره: أمثلُ أهل الجنة المذكورة كمن هو خالد في النار؟

فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي، وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ١٦

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ يعني المنافقين، وجاء يستمعون بلفظ الجمع رعياً لمعنى من ﴿ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم ﴾ روي أنه عبد الله بن مسعود ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين: إما احتقاراً لكلامه، كأنهم قالوا: أي فائدة فيه، وإما جهلاً منهم ونسياناً لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه، وآنفاً معناه الساعة الماضية قريباً، وأصله من: استأنفت الشيء إذا ابتدأته.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًۭى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ ١٧

﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ يعني المؤمنين والضمير في زادهم الله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون: ماذا قال آنفاً.

وقيل: يعني بالذين اهتدوا قوماً من النصارى آمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم.

<div class="verse-tafsir"

فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ ١٨

﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة ﴾ الضمير للمنافقين، والمعنى هل ينتظرون إلا الساعة قريبة ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: «أنا من أشراط الساعة، وبثعت أنا والساعة كهاتين» ﴿ فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ أي كيف لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة؟

فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة، ففاعل جاءتهم الساعة، وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدم، والمراد به الاستبعاد.

<div class="verse-tafsir"

فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ ١٩

﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ أي دُمْ على العلم بذلك، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل، لأنه قدم قوله: فاعلم على قوله: واستغفر ﴿ والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ قيل: متقلبكم تصرفكم في الدنيا، ومثواكم إقامتكم في القبور.

وقيل: متقلبكم تصرفكم في اليقظة، ومثواكم منامكم.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌۭ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ مُّحْكَمَةٌۭ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ٢٠ طَاعَةٌۭ وَقَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ ۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ٢١

﴿ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص على نزول القرآن، والرغبة فيه؛ لأنهم كانوا يفرحون به ويستوحشون من إبطائه ﴿ مُّحْكَمَةٌ ﴾ يحتمل أن يريد بالمحكمة أي ليس فيها منسوخ، أو يراد متقنة، وقرأ ابن مسعود سورة محدثة ﴿ رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ يعني المنافقين، ونظرهم ذلك في شدّة الخوف من القتل لأن نظر الخائف قريب من نظر المغشي عليه ﴿ فأولى لَهُمْ ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى أحق وخبره على هذا طاعة.

والمعنى أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحق والآخر أن أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقولك: ويل لهم ومنه: أولى لك فأولى، فيوقف على أولى لهم على هذا القول، ويكون طاعة ابتداء كلام، تقديره: طاعة وقول معروف أمثل، أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف، وقولهم لك يا محمد طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قلوبهم ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الأمر ﴾ أسند العزم إلى الأمر مجازاً كقولك: نهاره صائم وليله قائم ﴿ صَدَقُواْ الله ﴾ يحتمل أن يريد صدق اللسان، أو صدق العزم والنية وهو أظهر.

<div class="verse-tafsir"

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ ٢٢

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلاّ فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية.

وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ۙ ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ كَرِهُوا۟ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلْأَمْرِ ۖ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ٢٦ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ ٢٧

﴿ إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ ﴾ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ثم كفروا به ﴿ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ أي زيَّن لهم ورجّاهم ومنّاهم و ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ أي مدَّ لهم في الأماني والآمال، والفاعل هو الشيطان وقيل: الله تعالى والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سوّل وأملى ﴿ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر ﴾ قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر: يعنون به مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربته ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة ﴾ أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة؟

يعني ملك الموت ومن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله.

والمعنى: هذا جزعهم من ذكر القتال، فكيف يكون حالهم عند الموت؟

﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ ضمير الفاعل للملائكة، وقيل: إنه للكفار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ ٢٩ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ ٣٠ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ ٣١ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّوا۟ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ ٣٢

﴿ أَمْ حَسِبَ ﴾ الآية: معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله.

والضغن: الحقد، ويراد به هنا النفاق والبعض في الإسلام وأهله ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ ﴾ أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلامتهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين، وروي أن الله لم يذكر واحداً منهم باسمه ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ﴾ معنى لحن القول مقصده وطريقته، وقيل: اللحن هو الخفي المعنى كالكناية والتعريض، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي نختبركم ﴿ حتى نَعْلَمَ ﴾ أي نعلمه علماً ظاهراً في الوجود تقوم به الحجة عليكم؛ وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده؛ بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ﴿ وَشَآقُّواْ الرسول ﴾ أي خالفوه وعادوه، ونزلت الآية في المنافقين وقيل: في اليهود.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَـٰلَكُمْ ٣٣

﴿ وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ يحتمل أربعة معان: أحدها لا تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان والثاني لا تبطلوا حسناتكم بفعل السيئات ذكره الزمخشري وهذا على مذهب المعتزلة، خلافاً للأشعرية فإن مذهبهم أن السيئات لا تبطل الحسنات.

والثالث لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعجب، والرابع لا تبطلوا أعمالكم بأن تقتطعوها قبل تمامها، وعلى هذا أخذ الفقهاء الآية: وبهذا يستدلون على أن من ابتدأ نافلة لم يجز له قطعها، وهذا أبعد هذه المعاني، والأول أظهر لقوله قبل ذلك في الكفار أو المنافقين، وسيحبط أعمالهم فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ومشاقتهم الرسول.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ٣٤

﴿ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ هذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، وقد أجمع المسلمون على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ ٣٥

﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم ﴾ أي لا تضعفوا عن مقاتلة الكفار وتبتدئوهم بالصلح، هو كقوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ [الأنفال: 61] ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي لن ينقصكم أجور أعمالكم، يقال: وترت الرجال أتره إذا نقصته شيئاً، أو أذهبت له متاعاً.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْـَٔلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ٣٦ إِن يَسْـَٔلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا۟ وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ ٣٧

﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ أي لا يسألكم جميعاً إنما يسألكم ما يخفّ عليكم مثل ربع العشر وذلك خفيف ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ معنى يحفظم يلح عليكم، والإحفاء أشد السؤال وتبخلوا جواب الشرط ﴿ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ الفاعل الله تعالى أو البخل، والمعنى يخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم ٣٨

﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص أو منادى ﴿ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني الجهاد والزكاة ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي إنما ضرر بخله على نفسه فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ أي يأت بقوم على خلاف صفتكم، بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله، فقيل إن هذا الخطاب لقريش، والقوم غيرهم هم الأنصار؛ وهذا ضعيف لأن الآية مدنية نزلت والأنصار حاضرون، وقيل: الخطاب لكل من كان حينئذ بالمدينة، والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله