الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة عبس
تفسيرُ سورةِ عبس كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة﴿ عَبَسَ وتولى ﴾ أي عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه، وقال ابن عطية: في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العتب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار، وقال غيرهما، هو إكرام للنبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن ﴿ أَن جَآءَهُ الأعمى ﴾ في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بتولى أو عبس.
وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره، وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يشهد صاحبها، ومنه قول المحدثين سليمان الأعمش، وعبد الرحمن الأعرج وغير ذلك ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾ أيّ شيء يطلعك على حال هذا الأعمى ﴿ لَعَلَّهُ يزكى ﴾ أي يتطهر وينتفع في دينه بما يسمع منك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمَّا مَنِ استغنى * فَأَنتَ لَهُ تصدى ﴾ أي تتعرّض للغني رجاء أن يسلم ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى ﴾ أي لا حرج عليك أن لا يتزكى هذا الغني ﴿ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى ﴾ إشارة إلى عبد الله بن أم مكتوم، ومعنى يسعى يسرع في مشيته من حرصه على طلب الخير ﴿ وَهُوَ يخشى ﴾ الله أو يخاف الكفار وإذايتهم له على اتباعك، وقيل: جاء وليس معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع، وهذا ضعيف ﴿ فَأَنتَ عَنْهُ تلهى ﴾ أي تشتغل عنه بغيره من قولك: لهيت عن الشيء إذا تركته، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأدّب بما أدبه الله في هذه السورة فلم يُعرض بعدها عن فقير ولا تعرّض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الكلام المتقدّم تذكرة أو موعظة للنبي صلى الله عليه وسلم، والآخر أن القرآن تذكرة لجميع الناس، فلا ينبغي أن يُوثر فيه أحد على أحد، وهذا أرجح لأنه يناسبه: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، وما بعده، وأنّث الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ على معنى القصة أو الموعظة أو السورة أو القراءة، وذكَّرها في قوله: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ على معنى الوعظ أو الذكرى والقرآن ﴿ فَي صُحُفٍ ﴾ صفة لتذكرة أي ثابتة في صحف، وهي الصحف المنسوخة من اللوح المحفوظ وقيل: هي مصاحف المسلمين ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ إن كانت الصحف المصاحف فمعناه مرفوعة المقدار، وإن كان صحف الملائكة فمعناه كذلك، أو مرفوعة في السماء ومطهرة أي منزهة عن أيدي الشياطين ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ هي الملائكة، والسفرة جمع سافر وهو الكاتب؛ لأنهم يكتبون القرآن، وقيل: لأنهم سفراء بين الله وبين عبيده، وقيل: يعني القرَّاء من الناس.
والأول أرجح.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» أي أنه يعمل مثل عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أو له من الأجر على القرآن مثل أجورهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُتِلَ الإنسان ﴾ دعاء عليه على ما جرت به عادة العرب من الدعاء بهذا اللفظ، ومعناه تقبيح حاله، وأنه ممن يستحق أن يقال له ذلك، وقيل: معناه لعن، وهذا بعيد ﴿ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ تعجيب من شدّة كفره، مع أنه يجب عليه خلاف ذلك ﴿ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ ﴾ توقيف وتقرير ثم أجاب عنه بقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ يعني المني، ومقصد الكلام تحقير الإنسان، معناه أنه يجب أن يعلم الرب الذي خلقه ﴿ فَقَدَّرَهُ ﴾ أي هيأه لما يصلح له ومنه: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ [الفرقان: 2]، وقيل: معناه جعله على مقدار معلوم في إعطائه وأجله ورزقه وغير ذلك ﴿ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ﴾ نصب السبيل بفعل مضمر فسره يسره، وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها: يسر سبيل خروجه من بطن أمه، والآخر أنه سبيل الخير والشر لقوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ [الإنسان: 3]، الثالث: سبيل النظر السديد المؤدي إلى الإيمان، والأول أرجح لعطفه على قوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ وهو قول ابن عباس ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ أي جعله ذا قبر، يقال: قبرت الميت إذا دفنته، وأقبرته إذا أمرت أن يدفن ﴿ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ ﴾ أي بعثه من قبره، يقال: نشر الميت إذا قام، وأنشره الله والإشارة إذا شاء ليوم القيامة، أي الوقت الذي يقدر أن ينشره فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للإنسان عما هو فيه ﴿ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ أي لم يقض الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله، قال بعضهم: لا يقضي أحدا أبداً جميع ما افترض الله عليه إذ لابد للعبد من تفريط ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ ﴾ أمر بالاعتبار في الطعام كيف خلقه الله بقدرته ويسره برحمته، فيجب على العبد طاعته وشكره ويقبح معصيته والكفر به، وقيل: فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعاً، فينظر حقارة الدنيا وخساسة نفسه، والأول أشهر وأظهر في معنى الآية، على أن القول الثاني صحيح وانظر كيف فسره بقوله: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ﴾ وما بعده ليعدّد النعم ويظهر القدرة، وقرئ إنا صببنا الماء بفتح الهمزة على البدل من الطعام ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض ﴾ يعني يخرج النبات منها ﴿ حَبّاً ﴾ يعني القمح والشعير وسائر الحبوب ﴿ وَقَضْباً ﴾ قيل: هي الفصفصة، وقيل: هي علف البهائم، واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها مما يؤكل رطباً ﴿ غُلْباً ﴾ أي غليظة ناعمة ﴿ وَأَبّاً ﴾ الأبّ المرعى عند ابن عباس والجمهور، وقيل: التبن وقد توقف في تفسيره أبو بكر رضي الله عنهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الصآخة ﴾ القيامة وهي مشتقة من قولك: صخ الأذن إذا أصمها بشدة صياحه، فكأنه إشارة إلى النفخة في الصور، أو إلى شدة الأمر حتى يصخ من يسمعه لصعوبته وقيل: هي من قولك: أصاخ للحديث إذا استمعه، والأول هو الموافق للاشتقاق ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ ﴾ الآية ذكر فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على ترتيبهم في الحنو والشفقة فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره؛ وإنما يفر منهم لاشتغاله بنفسه؛ وقيل: إن فراره منهم لئلا يطالبوه بالتبعات والأول أرجح وأظهر، لقوله: ﴿ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ أي هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره، وانظر قول الأنبياء عليهم السلام، يومئذ: نفسي نفسي ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ أي مضيئة من السرور، وهو من قولك: أسفر الصبح إذا أضاء ﴿ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ أي غبار، والقترة أيضاً الغبار.
قال ابن عطية: الغبرة من العبوس والكرب، كما يقتر وجه المهموم والمريض، والقترة هي غبار الأرض، وقال الزمخشري: الغبرة: غبار يعلوها، والقترة سواد، فيعظم قبحها باجتماع الغبار والسواد.