الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة النازعات
تفسيرُ سورةِ النازعات كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةاختلف في معنى النازعات والنشاطات والسابقات والسابحات والمدبرات، فقيل: إنها الملائكة وقيل: النجوم، فعلى القول بأنها الملائكة سماهم نازعات؛ لأنهم ينزعون نفوس بني آدم من أجسادها، وناشطات لأنهم ينشطونها أي يخرجونها فهو من قولك: نشطت الدلو من البئر: إذا أخرجتها وسابحات لأنهم يسبحون في سيرهم، أي يسرعون فيسبقون فيدبرون أمور العباد والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمرهم الله.
وعلى القول بأنها النجوم سماها نازعات لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب، وناشطات لأنها تنشط من برج إلى برج، وسابحات لأنها تسبح في الفلك ومنه: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 40] فتسبق في جريها فتدبر أمراً من علم الحساب، وقال ابن عطية: لا أعلم خلافاً أن المدبرات أمراً الملائكة، وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا.
وقد قيل في النازعات والناشطات أنها النفوس، تنزع من معنى النزع بالموت، فتنشط من الأجساد، وقيل: في السابحات والسابقات أنها الخيل وأنها السفن ﴿ غَرْقاً ﴾ إن قلنا النازعات الملائكة ففي معنى غرقاً وجهان: أحدهما: أنها من الغرق أي تغرق الكفار في جهنم، والآخر: أنه من الإغراق في الأمر، بمعنى المبالغة فيه، أي تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله، وإن قلنا إنها النفوس، فهو أيضاً ن الإغراق أي تغرق في الخروج من الجسد، والإعراب غرقاً مصدر في موضع الحال، ونشطاً وسبحاً وسبقاً مصادر، وأمراً مفعول به، وجواب القسم محذوف، وهو بعث الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وقيل: الجواب: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ على تقدير حذف لام التأكيد، وقيل: هو: ﴿ إن ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ وهذا بعيد لبعده عن القسم، ولأنه إشارة إلى قصة فرعون لا لمعنى القسم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ قيل: الراجفة النفخة الأولى في الصور، والرادفة النفخة الثانية: لأنها تتبعها ولذلك سماها رادفة، من قولك: ردفت الشيء إذا تبعته، وفي الحديث: «أن بينهما أربعين عاماً» ، وقيل: الراجفة: الموت والرادفة: القيامة، وقيل: الراجفة الأرض، من قوله: ﴿ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ [المزمل: 14] والرادفة السماء لأنها تنشق يومئذ.
والعامل في يوم ترجف محذوف وهو الجواب المقدر تقديره: لتبعثن يوم ترجف الرجفة، وإن جعلنا: يوم ترجف، الجواب فالعامل في يوم معنى قوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ وقوله: ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ في موضع الحال، ويحتمل أن يكون العامل فيه تتبعها ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي شديدة الاضطراب، والوجيف والوجيب بمعنى واحد، وارتفع قلوب بالابتداء وواجفة خبره، وقال الزمخشري: واجفة صفة، والخبر: أبصارها خاشعة ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ كناية عن الذل والخوف، وإضافة الأبصار إلى القلوب على تجوز، والتقدير: قلوبُ أصحابها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة * أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴾ هذا حكاية قول الكفار في الدنيا، ومعناه على الجملة إنكار البعث، فالهمزة في قوله: ﴿ أئنا لمردودون ﴾ للإنكار.
ولذلك اتفق العلماء على قراءته بالهمزتين، إلا أن منهم من سهَّل الثانية ومنهم من خففها.
واختلفوا في إذ كنا عظاماً نخرة فمنهم من قرأه بهمزة واحدة لأنه ليس بموضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيداً للإنكار المتقدم، ثما اختلفوا في معنى الحافرة على ثلاثة أقوال: أحدها أنها الحالة الأولى.
يقال: رجع فلان في حافرته إذا رجع إلى حالته الأولى.
فالمعنى أننا لمردودون إلى الحياة بعد الموت.
والآخر أن الحافرة الأرض بمعنى محفورة فالمعنى أننا لمردودون إلى وجه الأرض بعد الدفن في القبور.
والثالث أن الحافرة النار والعظام النخرة البالية المتعفنة، وقرئ ناخرة بألف وبحذف الألف وهما بمعنى واحد؛ إلا أن حذف الألف أبلغ لأن فَعَلَ أبلغُ من فَاعَل وقيل: معناه العظام المجوفة التي تمر بها الريح فيسمع لها نخير، والعامل في ﴿ إئذا كنا ﴾ محذوف تقديره إذا كنا عظاماً نبعث، ويحتمل أن يكون العامل فيه: مردودون في الحافرة، ولكن إنما يجوز ذلك على قراءة إذا كنا بهمزة واحدة على الخبر، ولا يجوز على قراءته بهمزتين.
لأن همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ الكرة الرجعة والخاسرة منسوبة إلى الخسران كقوله: عيشة راضية، أي ذات رضى أو معنى خاسر أصحابها ومعنى هذا الكلام أنهم قالوا: إن كان البعث حقاً فكرَّتنا خاسرة، لأنا ندخل النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ يعني النفخة في الصور للقيام من القبور.
وهذا من كلام الله تعالى ردَّاً على الذين أنكروا البعث كأنه يقول: لا تظنوا أنه صعب على الله هو عليه يسير، فإنما ينفخ نفخة واحدة في الصور فيقوم الناس من قبورهم ﴿ فَإِذَا هُم بالساهرة ﴾ إذا هنا فجائية والساهرة وجه الأرض، والباء ظرفية والمعنى: إذا نفخ في الصور حصلوا بالأرض أسرع شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ توقيف وتنبيه وليس المراد به مجرد الاستفهام ﴿ طُوًى ﴾ ذكر في [طه: 12] ﴿ اذهب إلى فِرْعَوْنَ ﴾ تفسير للنداء ﴿ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى ﴾ أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والزذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الآية الكبرى ﴾ قلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وجعلهما واحدة لأن الثانية تتبع الأولى، ويحتمل أن يريد الأولى وحدها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى ﴾ الإدبار كناية عن الإعراض عن الإيمان، ويسعى عبارة عن جده في الكفر، وفي إبطال أمر موسى عليه السلام وقيل: هو حقيقة.
أي قام من مجلسه يفر من مجالسة موسى أو يهرب من العصا لما صارت ثعباناً ﴿ فَحَشَرَ ﴾ أي جمع جنوده وأهل مملكته ﴿ فنادى ﴾ أي نادى قومه وقال لهم ما قال، ويحتمل أنه ناداهم بنفسه، أو أمر من يناديهم، والأول أظهر.
وروى أنه قام فيهم خطيباً فقال ما قال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى ﴾ النكال مصدر بمعنى التنكيل، والعامل فيه أخذه الله؛ لأنه بمعناه وقيل: العام محذوف، والآخرة هي: دار الآخرة، والأولى: الدنيا فالمعنى نكال الآخرة بالنار ونكال الأولى بالغرق.
وقيل: الآخرة قوله: أنا ربكم الاعلى والأولى قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ﴾ [القصص: 38] وقيل: بالعكس فالمعنى أخذه الله وعاقبه على كلمة الآخرة وكلمة الأولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء ﴾ هذا توقيف قصد به الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد فنائها ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ السمك: غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها.
ومعنى رفعه أنه جعله مسيرة خمسمائة عام، وقيل: السَّمْك السقف ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي أتقن خلقتها وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ أي جعله مظلماً يقال: غطش الليل إذا أظلم.
وأغطشه الله ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى، وأضاف الضحى والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ أي بسطها، واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة غير كروية وقد ذكرنا في [فصلت: 11] الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ﴾ ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ نسب الماء والمرعى إلى الأرض، لأنهما يخرجان منها فإن قيل: لم قال أخرج بغير حرف العطف؟
فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري ﴿ والجبال أَرْسَاهَا ﴾ أي أثبتها، ونصب الجبال بفعل مضمر يدل عليه الظاهر وكذلك الأرض ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ تقديره: فعل ذلك كله تمتيعاً لكم منه ﴿ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الطآمة ﴾ هي القيامة وقيل: النفخة الثانية واشتقاقها من قولك: طمَّ الأمر إذا علا وغلب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى ﴾ أي أُظهرت لكل من يرى، فهي لا تخفى على أحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ ذكر في سورة [الرحمن: 46] ﴿ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى ﴾ أي ردها عن شهواتها وأغراضها الفاسدة قال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه.
وقال سهل التستري لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ ذكر في [الأعراف: 187] ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾ أي من ذكر زمانها، فالمعنى: لست في شيء من ذكر ذلك قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة كثيراً فلما نزلت هذه الآية انتهى ﴿ إلى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ ﴾ أي منتهى علمها لا يعلم متى تكون إلا هو وحده ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾ أي: إنما بعثت لتنذر بها، وليس عليك الإخبار بوقتها، وخص الإنذار بمن يخشاها؛ لأنه هو الذي ينفعه الإنذار ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ أخبر أنهم إذا رأوا الساعة ظنوا أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا عشية يوم أو ضحى يوم، وأضاف الضحى كذلك إلى العشية لما بينهما من الملابسة إذ هما في يوم واحد.