الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 2 البقرة > الآيات ٢١٩-٢٢٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ «١» .
وهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا انتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثاراً للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إذا استخرج الجهد، ويَرْجُونَ: معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبداً معه خوفٌ ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء.
ت: والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإلا فهو أمنيّة.
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...
الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر]
أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ...
فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق
«٢»
ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ.
وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ...
الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] ، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: ٩٠] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حرّمت الخمر» «١»
،
ولم يحفظ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود «١» ، وروي عنه صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً «٢» ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر «٣» ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود
ثمانين وبه قال مالك «١» .
ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع.
قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز «١» .
ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه «١» ، قال ابن عبَّاس:
كلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب «٢» .
انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ...
الآية: قال ابن عبّاس، ٥٤ أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله «٣» .
وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها «٤» ، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها «٥» ، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم.
وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته.
قال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها «٦» .
انتهى.