الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 334 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .
فنزلت هذه الآية التي في البقرة : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ ومنافع للناس ] ) فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .
فنزلت الآية التي في النساء : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) [ النساء : 43 ] ، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربن الصلاة سكران .
فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .
فنزلت الآية التي في المائدة .
فدعي عمر ، فقرئت عليه ، فلما بلغ : ( فهل أنتم منتهون ) [ المائدة : 91 ] ؟
قال عمر : انتهينا ، انتهينا .
وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق .
وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي ، عن عمر .
وليس له عنه سواه ، لكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه .
والله أعلم .
وقال علي بن المديني : هذا الإسناد صالح وصححه الترمذي .
وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله : انتهينا : إنها تذهب المال وتذهب العقل .
وسيأتي هذا الحديث أيضا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضا عند قوله في سورة المائدة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) [ المائدة : 90 ] الآيات .
فقوله : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إنه كل ما خامر العقل .
كما سيأتي بيانه في سورة المائدة ، وكذا الميسر ، وهو القمار .
وقوله : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية ، من حيث إن فيها نفع البدن ، وتهضيم الطعام ، وإخراج الفضلات ، وتشحيذ بعض الأذهان ، ولذة الشدة المطربة التي فيها ، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته : ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا لا ينهنهها اللقاء وكذا بيعها والانتفاع بثمنها .
وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله .
ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة ، لتعلقها بالعقل والدين ، ولهذا قال : ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) ; ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات ، ولم تكن مصرحة بل معرضة ; ولهذا قال عمر ، رضي الله عنه ، لما قرئت عليه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة : ( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) [ المائدة : 90 ، 91 ] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله ، وبه الثقة .
قال ابن عمر ، والشعبي ، ومجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه أول آية نزلت في الخمر : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ ومنافع للناس ] ) ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ، ثم التي في المائدة ، فحرمت الخمر .
وقوله : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى أنه بلغه : أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ، إن لنا أرقاء وأهلين [ فما ننفق ] من أموالنا .
فأنزل الله : ( ويسألونك ماذا ينفقون ) .
وقال الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قال : ما يفضل عن أهلك .
وكذا روي عن ابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب ، والحسن ، وقتادة ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء الخراساني ، والربيع بن أنس ، وغير واحد : أنهم قالوا في قوله : ( قل العفو ) يعني الفضل .
وعن طاوس : اليسير من كل شيء ، وعن الربيع أيضا : أفضل مالك ، وأطيبه .
والكل يرجع إلى الفضل .
وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هوذة بن خليفة ، عن عوف ، عن الحسن : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قال : ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس .
ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير : حدثنا علي بن مسلم ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رجل : يا رسول الله ، عندي دينار ؟
قال : " أنفقه على نفسك " .
قال : عندي آخر ؟
قال : " أنفقه على أهلك " .
قال : عندي آخر ؟
قال : " أنفقه على ولدك " .
قال : عندي آخر ؟
قال : " فأنت أبصر " .
وقد رواه مسلم في صحيحه .
وأخرج مسلم أيضا عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " .
وعنده عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " .
وفي الحديث أيضا : " ابن آدم ، إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف " .
ثم قد قيل : إنها منسوخة بآية الزكاة ، كما رواه علي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس ، وقاله عطاء الخراساني والسدي ، وقيل : مبينة بآية الزكاة ، قاله مجاهد وغيره ، وهو أوجه .
يسألونك عن الخمر والميسر القول في تأويل قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر } يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشربها .
والخمر : كل شراب خامر العقل فستره وغطى عليه , وهو من قول القائل : خمرت الإناء إذا غطيته , وخمر الرجل : إذا دخل في الخمر , ويقال , هو في خمار الناس وغمارهم , يراد به : دخل في عرض الناس , ويقال للضبع خامري أم عامر , أي استتري .
وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغمره فهو خمر , ومن ذلك أيضا خمار المرأة وذلك لأنها تستر به رأسها فتغطيه , ومنه يقال : هو يمشي لك الخمر , أي مستخفيا .
كما قال العجاج : في لامع العقبان لا يأتي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجر ويعني بقوله : لا يأتي الخمر : لا يأتي مستخفيا ولا مسارقة ولكن ظاهرا برايات وجيوش ; والعقبان جمع عقاب , وهي الرايات .
وأما " الميسر " فإنها " المفعل " من قول القائل : يسر لي هذا الأمر : إذا وجب لي فهو ييسر لي يسرا وميسرا , والياسر : الواجب , بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غير ذلك , ثم قيل للمقامر : ياسر , ويسر كما قال الشاعر : فبت كأنني يسر غبين يقلب بعدما اختلع القداحا وكما قال النابغة : أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف تأكله الصديق مخلع يعني بالياسر : المقامر , وقيل للقمار : ميسر , وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك .
3275 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { يسألونك عن الخمر والميسر } قال : القمار , وإنما سمي الميسر لقولهم أيسروا واجزروا , كقولك ضع كذا وكذا .
3276 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ثنا سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : كل القمار من الميسر , حتى لعب الصبيان بالجوز .
3277 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , قال : قال عبد الله : إياكم وهذم الكعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرا فإنهن من الميسر .
3278 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , مثله .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن نافع , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن أبي الأحوص , عن عبد الله أنه قال : إياكم وهذه الكعاب التي تزجرون بها زجرا , فإنها من الميسر .
3279 - حدثني علي بن سعيد الكندي , قال : ثنا علي بن مسهر , عن عاصم , عن محمد بن سيرين , قال : القمار : ميسر .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا سفيان , عن عاصم الأحول , عن محمد بن سيرين , قال : كل شيء له خطر , أو في خطر - أبو عامر شك - فهو من الميسر .
* - حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام , قال : ثنا علي بن مسهر , عن عاصم , عن محمد بن سيرين , قال : كل قمار ميسر حتى اللعب بالنرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن ابن سيرين , قال : كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر .
3280 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , عن الحسن , أنه قال : الميسر : القمار .
3281 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا المعتمر , عن ليث , عن طاوس وعطاء قالا : كل قمار فهو من الميسر , حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز .
3282 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن عطاء , عن سعيد , قال : الميسر : القمار .
3283 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , عن عبيد الله قال : إياكم وهاتين الكعبتين يزجر بهما زجرا فإنهما من الميسر .
3284 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عروبة , عن قتادة قال : أما قوله والميسر , فهو القمار كله .
3285 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , عن عبيد الله بن عمر أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد : النرد : ميسر , أرأيت الشطرنج ميسر هو ؟
فقال القاسم : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة , فهو ميسر .
3286 - حدثني علي بن داود , قال : قال ثنا أبو صالح , قال : ثنى معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : الميسر : القمار , كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله , فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله .
3287 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : الميسر القمار .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : الميسر القمار .
3288 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الليث , عن مجاهد وسعيد بن جبير , قالا : الميسر : القمار كله , حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان .
3289 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : سمعت عبيد بن سليمان يحدث عن الضحاك قوله : الميسر : قال : القمار .
* - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : الميسر القمار .
3290 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد , قال : ثنا موسى بن عقبة , عن نافع أن ابن عمر كان يقول : القمار من الميسر .
3291 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : الميسر قداح العرب , وكعاب فارس , قال : وقال ابن جريج , وزعم عطاء بن ميسرة أن الميسر : القمار كله .
3292 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة , عن سعيد بن عبد العزيز , قال : قال مكحول : الميسر : القمار .
* - حدثنا الحسن بن محمد الذارع , قال : ثنا الفضل بن سليمان وشجاع بن الوليد , عن موسى بن عقبة , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الميسر : القمار .قل فيهما إثم كبير وأما قوله : { قل فيهما إثم كبير } فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهم فيهما , يعني في الخمر والميسر إثم كبير .
فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما : 3293 - حدثني به موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما قوله : { فيهما إثم كبير } فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس .
وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم .
3294 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { قل فيهما إثم كبير } قال : هذا أول ما عيبت به الخمر .
3295 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { قل فيهما إثم كبير } يعني ما ينقص من الدين عند من يشربها .
والذي هو أولى بتأويل الآية , الإثم الكبير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر , في الخمر ما قاله السدي زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه , وذلك أعظم الآثام , وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله .
وأما في الميسر فما فيه من الشغل به عن ذكر الله , وعن الصلاة , ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه , كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } 5 91ومنافع للناس وأما قوله : { ومنافع للناس } فإن منافع الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها , وما يصلون إليه بشربها من اللذة , كما قال الأعشى في صفتها .
لنا من ضحاها خبث نفس وكأبة وذكرى هموم ما تفك أذاتها وعند العشاء طيب نفس ولذة ومال كثير عدة نشواتها وكما قال حسان : فنشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وأما منافع الميسر فما مصيبون فيه من أنصباء الجزور , وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور , وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره , ثم أقتسموا أعشارا على عدد القداح , وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة .
وجزور أيسار دعوت إلى الندى ونياط مقفرة أخاف ضلالها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 3296 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : المنافع ههنا ما يصيبون من الجزور .
3297 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط عن السدي : أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه , ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار .
3298 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } قال : منافعهما قبل أن يحرما .
3299 - حدثنا علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { ومنافع للناس } قال : يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها .
واختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأه معظم أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين { قل فيهما إثم كبير } بالباء , بمعنى : قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الآثام .
وقرأه آخرون من أهل المصرين , البصرة والكوفة : " قل فيهما إثم كبير " بمعنى الكثرة من الآثام , وكأنهم رأوا أن الإثم بمعنى الآثام , وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة .
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء { قل فيهما إثم كبير } لإجماع جميعهم على قوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } وقراءته بالباء ; وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر , لا الكثرة في العدد .
ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة , لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما .وإثمهما أكبر من نفعهما القول في تأويل قوله تعالى : { وإثمهما أكبر من نفعهما } يعني بذلك عز ذكره : والإثم بشرب هذه والقمار هذا , أعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما .
وإنما كان ذلك كذلك , لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا , وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر , فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به .
ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها , فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما , وإنما الإثم بأسبابهما , إذ كان عن سببهما يحدث .
وقد قال عدد من أهل التأويل : معنى ذلك وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما .
ذكر من قال ذلك : 3300 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وإثمهما أكبر من نفعهما } قال : منافعهما قبل التحريم , وإثمهما بعدما حرما .
3301 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه عن الربيع : { ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ينزل المنافع قبل التحريم , والإثم بعد ما حرم .
3302 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } يقول : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم .
3303 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } يقوله : ما يذهب من الدين والإثم فيه أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها .
وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر , فكان معلوما بذلك أن الإثم الذي ذكر الله في هذه الآية فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا , لا الإثم بعد التحريم .
ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر : 3304 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا قيس , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : لما نزلت : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس } فكرهها قوم لقوله : { فيها إثم كبير } وشربها قوم لقوله : { ومنافع للناس } حتى نزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 4 43 قال : فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة , حتى نزلت : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } 5 90 فقال عمر : ضيعة لك !
اليوم قرنت بالميسر .
3305 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا محمد بن أبي حميد , عن أبي توبة المصري , قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثا , فكان أول ما أنزل : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } الآية , فقالوا : يا رسول الله ننتفع بها ونشربها , كما قال الله جل وعز في كتابه .
ثم نزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } 4 43 الآية , قالوا : يا رسول الله لا نشربها عند قرب الصلاة قال : ثم نزلت : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } 5 90 الآية , قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حرمت الخمر " .
3306 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين , عن يزيد النحوي , عن عكرمة والحسن قالا : قال الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 4 43 و { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } فنسختها الآية التي في المائدة , فقال : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } 5 90 الآية .
3307 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عوف , عن أبي القموص زيد بن علي , قال : أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث مرات ; فأول ما أنزل قال الله : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } قال : فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك , حتى شرب رجلان , فدخلا في الصلاة , فجعلا يهجران كلاما لا يدري عوف ما هو , فأنزل الله عز وجل فيهما : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } فشربها من شربها منهم , وجعلوا يتقونها عند الصلاة , حتى شربها - فيما زعم أبو القميص - رجل , فجعل ينوح على قتلى بدر : تحيي بالسلامة أم عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقب عن هشام وود بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام كأي بالطوي طوي بدر من الشيزى يكلل بالسنام كأي بالطوي طوي بدر من الفتيان والحلل الكرام قال : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه , فلما عاينه الرجل , فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بيده ليضربه , قال : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله , والله لا أطعمها أبدا !
فأنزل الله تحريمها : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس } .
.
إلى قوله : { فهل أنتم منتهون } 5 90 : 91 فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : انتهينا انتهينا .
3308 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا إسحاق الأزرق , عن زكريا عن سماك , عن الشعبي , قال : نزلت في الخمر أربع آيات : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } فتركوها , ثم نزلت : { تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } 16 67 فشربوها .
ثم نزلت الآيتان في المائدة { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } إلى قوله : { فهل أنتم منتهون } 5 90 : 91 3309 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : نزلت هذه الآية : { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية , فلم يزالوا بذلك يشربونها , حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما , فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب , فقرأ : { قل يا أيها الكافرون } ولم يفهمها , فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 4 43 فكانت لهم حلالا , يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار أو ينتصف , فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون , ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة وهي العشاء , ثم يشربونها حتى ينتصف الليل وينامون , ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا .
فلم يزالوا بذلك يشربونها , حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار , فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه , فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث , فتكلم سعد بشيء , فغضب الأنصاري , فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد , فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها وقال : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } إلى قوله : { فهل أنتم منتهون } 5 90 : 91 3310 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , وعن رجل عن مجاهد في قوله : { يسألونك عن الخمر والميسر } قال : لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعض , حتى نزل تحريمها في سورة المائدة .
3311 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { قل فيهما إثم كبير } قال : هذا أول ما عيبت به الخمر .
3312 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } فذمهما الله ولم يحرمهما لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل , ثم أنزل الله في سورة النساء أشد منها : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 4 43 فكانوا يشربونها , حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها , فكان السكر عليهم حراما .
ثم أنزل الله جل وعز في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى : { لعلكم تفلحون } 5 90 : 91 فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها , ما أسكر منها وما لم يسكر , وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها .
3313 - وحدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر " , قال : ثم نزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 4 43 قال النبي : وإن ربكم يقدم في تحريم الخمر " , قال : ثم نزلت : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } 5 90 فحرمت الخمر عند ذلك .
3314 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية كلها , قال : نسخت ثلاثة في سورة المائدة , وبالحد الذي حد النبي صلى الله عليه وسلم , وضرب النبي صلى الله عليه وسلم , قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدا , ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه , ولم يكن حدا مسمى وهو حد .
وقرأ : { إنما الخمر والميسر } 5 90 الآية .ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو القول في تأويل قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } يعني جل ذكره بذلك : ويسألك يا محمد أصحابك : أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به , فقل لهم يا محمد أنفقوا منها العفو .
واختلف أهل التأويل في معنى : { العفو } في هذا الموضع , فقال بعضهم .
معناه : الفضل .
ذكر من قال ذلك : 3315 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي , قال : ثنا وكيع ح , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس قال : العفو : ما فضل عن هلك .
3316 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : قل العفو : أي الفضل .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال , أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : هو الفضل .
3317 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك , عن عطاء في قوله : العفو , قال : الفضل .
3318 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : العفو , يقول : الفضل .
3319 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : كان القوم يعملون في كل يوم بما فيه , فإن فضل ذلك اليوم فضل عن العيال قدموه ولا يتركون عيالهم جوعا , ويتصدقون به على الناس .
3320 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا يونس , عن الحسن في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : هو الفضل فضل المال .
وقال آخرون : معنى ذلك ما كان عفوا لا يبين على من أنفقه أو تصدق به .
ذكر من قال ذلك : 3321 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي , عن ابن عباس : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } يقول : ما لا يتبين في أموالكم .
3322 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن جريج , عن طاوس في قول الله جل وعز : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : اليسير من كل شيء .
وقال آخرون : معنى ذلك : الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافا ولا إقتارا .
ذكر من قال ذلك : 3323 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , عن عوف , عن الحسن في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } يقول : لا تجهد مالك حتى ينفد للناس .
3324 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء , عن قوله : { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : العفو في النفقة أن لا تجهد مالك حتى ينفد , فتسأل الناس 3325 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج عن ابن جريج , قال : سألت عطاء , عن قوله { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : العفو : ما لم يسرفوا , ولم يقتروا في الحق , قال : وقال مجاهد : العفو صدقة عن ظهر غنى .
* - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا عوف , عن الحسن في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : هو أن لا تجهد مالك .
وقال آخرون : معنى ذلك { قل العفو } خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرا .
ذكر من قال ذلك : 3326 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } يقول : ما أتوك به من شيء قليل أو كثير , فاقبله منهم .
وقال آخرون : معنى ذلك ما طاب من أموالكم .
ذكر من قال ذلك : 3327 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : يقول الطيب منه , يقول : أفضل مالك وأطيبه .
3328 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن قتادة , قال : كان يقول : العفو : الفضل .
يقول أفضل مالك .
وقال آخرون : معنى ذلك الصدقة المفروضة .
ذكر من قال ذلك : 3329 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد , أو عيسى عن قيس , عن مجاهد - شك أبو عاصم - قول الله جل وعز : { قل العفو } قال : الصدقة المفروضة .
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى العفو : الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مئونتهم وما لا بد لهم منه .
وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة , وصدقته في وجه البر .
ذكر بعض الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك : 3330 - حدثنا علي بن مسلم , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن عجلان , عن المقبري , عن أبي هريرة , قال : قال رجل يا رسول الله عندي دينار !
قال : " أنفقه على نفسك ؟
" قال : عندي آخر !
قال : " أنفقه على أهلك !
" قال : عندي آخر !
قال : " أنفقه على ولدك !
" قال : عندي آخر !
قال : " فأنت أبصر " .
3331 - حدثني محمد بن معمر البحراني , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا ابن جريج , قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه , فإن كان لا فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول , ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم " .
3332 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن عاصم , عن عمر بن قتادة , عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله , قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن , فقال : يا رسول الله , خذ هذه مني صدقة , فوالله ما أصبحت أملك غيرها !
فأعرض عنه , فأتاه من ركنه الأيمن , فقال له مثل ذلك , فأعرض عنه .
ثم قال له مثل ذلك فأعرض عنه .
ثم قال له مثل ذلك , فقال : " هاتها !
" مغضبا , فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره , ثم قال : " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس !
إنما الصدقة عن ظهر غنى " .
3333 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن إبراهيم المخرمي , قال : سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ارضخ من الفضل , وابدأ بمن تعول , ولا تلام على كفاف " .
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب .
فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته الصدقة من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق الفضل من ذلك , هو العفو من مال الرجل ; إذ كان العفو في كلام العرب في المال وفي كل شيء هو الزيادة والكثرة , ومن ذلك قوله جل ثناؤه : { حتى عفوا } 7 95 بمعنى : زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا , ومنه قول الشاعر : ولكنا يعض السيف منا بأسوق عافيات الشحم كوم يعني به كثيرات الشحوم .
ومن ذلك قيل للرجل : خذ ما عفا لك من فلان , يراد به : ما فضل فصفا لك عن جهده بما لم تجهده .
كان بينا أن الذي أذن الله به في قوله { قل العفو } لعباده من النفقة , فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه هو الذي بين لأمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " وأذنهم به .
فإن قال لنا قائل : وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة المفروضة ؟
قيل : أنكرت ذلك لقيام الحجة على أن من حلت في ماله الزكاة المفروضة , فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأهل سهمان الصدقة , أن عليه أن يسلمه إليهم , إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم [ في ] ماله إليهم , وذلك لا شك أنه جهده إذا سلمه إليهم لا عفوه , وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علم عباده وجه إنفاقهم من أموالهم عفوا , ما يبطل أن يكون مستحقا اسم جهد في حالة , وإذا كان ذلك كذلك فبين فساد قول من زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه , فأعطاه كائنا ما كان من قليل ماله وكثيره , وقول من زعم أنه الصدقة المفروضة .
وكذلك أيضا لا وجه لقول من يقول : إن معناه ما لم يتبين في أموالكم , لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لبابة : إن من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة , قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يكفيك من ذلك الثلث " وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوا من ذلك .
والثلث لا شك أنه بين فقده من مال ذي المال , ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } 25 67 وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } 17 29 وذلك هو ما حده صلى الله عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله .
ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل هي منسوخة , أم ثابتة الحكم على العباد ؟
فقال بعضهم : هي منسوخة نسختها الزكاة المفروضة .
ذكر من قال ذلك : 3334 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : كان هذا قبل أن تفرض الصدقة .
3335 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال : لم تفرض فيه فريضة معلومة , ثم قال : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } 7 199 ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة .
3336 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } هذه نسختها الزكاة .
وقال آخرون : بل مثبتة الحكم غير منسوخه .
ذكر من قال ذلك : 3337 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم .
قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد - أو عيسى , عن قيس .
عن مجاهد ; شك أبو عاصم , قال - قال : العفو : الصدقة المفروضة .
والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية من أن قوله : { قل العفو } ليس بإيجاب فرض فرض من الله حقا في ماله .
ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مما يسخطه جوابا معه لمن سأل نبيه محمدا عما فيه له رضا , فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقة غير المفروضات ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه , ولا منسوخ بحكم حدث بعده , فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : " إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه , ثم بأهله , ثم بولده " ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها .
وذلك هو القوام بين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إن شاء الله تعالى .
ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ : ما الدلالة على نسخه ؟
وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة وهبة ووصية الثلث .
فما الذي دل على أن ذلك منسوخ ؟
فإن زعم أنه يعني بقوله : إنه منسوخ أن إخراج العفو من المال غير لازم فرضا , وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة في المال ; قيل له : وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضا , فأسقطه فرض الزكاة ؟
ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضا , إذ لم يكن أمر من الله عز ذكره , بل فيها الدلالة على أنها جواب ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات , ولا سبيل لمدعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادعى .
وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو , فقرأته عامة قراء الحجاز وقراء الحرمين ومعظم قراء الكوفيين : { قل العفو } نصبا , وقرأه بعض قراء البصريين : " قل العفو " رفعا .
فمن قرأه نصبا جعل " ماذا " حرفا واحدا , ونصبه بقوله : { ينفقون } على ما قد بينت قبل , ثم نصب العفو على ذلك ; فيكون معنى الكلام حينئذ : ويسألونك أي شيء ينفقون ؟
ومن قرأ رفعا جعل " ما " من صلة " ذا " ورفعوا العفو ; فيكون معنى الكلام حينئذ : ما الذي ينفقون , قل الذي ينفقون العفو .
ولو نصب العفو , ثم جعل " ماذا " حرفين بمعنى يسألونك ماذا ينفقون ؟
قل ينفقون العفو , ورفع الذين جعلوا " ماذا " حرفا واحدا بمعنى .
ما ينفقون ؟
قل الذي ينفقون ; خبرا كان صوابا صحيحا في العربية .
وبأي القراءتين قرئ ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما .
غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الأمر كذلك قراءة من قرأه بالنصب , لأن من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر .كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون القول في تأويل قوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } يعني بقول عز ذكره : { كذلك يبين الله لكم الآيات } هكذا يبين أي ما بينت لكم أعلامي وحججي , وهي آياته في هذه السورة , وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي , وبينت لكم حدودي وفرائضي , ونبهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي , ثم على حجج رسولي إليكم , فأرشدتكم إلى ظهور الهدى , فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحججي , وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي ووعيدي وثوابي وعقابي , فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة , والفوز بنعيم الأبد على القليل من اللذات , واليسير من الشهوات , بركوب معصيتي في الدنيا الفانية التي من ركبها , كان معاده إلي , ومصيره إلى ما لا قبل له به من عقابي وعذابي .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 3338 - حدثنا علي بن داود , قال ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي , عن ابن عباس { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } قال : يعني في زوال الدنيا وفنائها , وإقبال الآخرة وبقائها .
3339 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } يقول : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا .
3340 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج , عن ابن جريج قال : قوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } قال : أما الدنيا فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء , والآخرة دار جزاء ثم بقاء , فتتفكرون , فتعملون للباقية منهما .
قال : وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضا .
3341 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } وإنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء , وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء , فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة .
قوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرونقوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : يسألونك السائلون هم المؤمنون ، كما تقدم .
والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة .
وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه خمروا [ ص: 49 ] آنيتكم فالخمر تخمر العقل ، أي تغطيه وتستره ، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر ( بفتح الميم ) لأنه يغطي ما تحته ويستره ، يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها ، قال الشاعر :ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريقأي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره .
وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف :في لامع العقبان لا يمشي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجرومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم ، أي هو في مكان خاف .
فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال : قد اختمر العجين ، أي بلغ إدراكه .
وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه .
وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل ، من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس ، أي اختلطت بهم .
فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته ، والأصل الستر .والخمر : ماء العنب الذي غلى أو طبخ ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه ؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام .
وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسا على الميسر ، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة ، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها .الثانية : والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره ، والحد في ذلك واجب .
وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال ، وإذا سكر منه أحد دون أن [ ص: 50 ] يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه ، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر ، على ما يأتي بيانه في " المائدة والنحل " إن شاء الله تعالى .الثالثة : قال بعض المفسرين : إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ، فكذلك تحريم الخمر .
وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ، ثم بعده : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ثم قوله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ثم قوله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه على ما يأتي بيانه في " المائدة " .الرابعة : قوله تعالى : والميسر الميسر : قمار العرب بالأزلام .
قال ابن عباس : ( كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ) فنزلت الآية .
وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس أيضا : ( كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب ، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق ) ، على ما يأتي .
وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو ، وميسر القمار ، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها .
وميسر القمار : ما يتخاطر الناس عليه .
قال علي بن أبي طالب : الشطرنج ميسر العجم .
وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء .
وسيأتي في " يونس " زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى .[ ص: 51 ] والميسر مأخوذ من اليسر ، وهو وجوب الشيء لصاحبه ، يقال : يسر لي كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا .
والياسر : اللاعب بالقداح ، وقد يسر ييسر ، قال الشاعر :فأعنهم وايسر بما يسروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزلوقال الأزهري : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته فقد يسرته .
والياسر : الجازر ؛ لأنه يجزئ لحم الجزور .
قال : وهذا الأصل في الياسر ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون ؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك .
وفي الصحاح : ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها .
قال سحيم بن وثيل اليربوعي :أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدمكان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام .
ويقال : يسر القوم إذا قامروا .
ورجل يسر وياسر بمعنى .
والجمع أيسار ، قال النابغة :أني أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدماوقال طرفة :وهم أيسار لقمان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزروكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم ، قال الشاعر :وناجية نحرت لقوم صدق وما ناديت أيسار الجزاءالخامسة : روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين ، وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد ، حيوانه بلحمه ، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار ؛ لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر ، وبيع اللحم باللحم لا يجوز [ ص: 52 ] متفاضلا ، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا من جنس واحد ، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش ، وذوات الأربع المأكولات ، كلها عنده جنس واحد ، لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه ؛ لأنه عنده من باب المزابنة ، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم ، ونحو ذلك .
والطير عنده كله جنس واحد ، وكذلك الحيتان من سمك وغيره .
وروي عنه أن الجراد وحده صنف .
وقال الشافعي وأصحابه والليث بن سعد : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين ، على عموم الحديث .
وروي عن ابن عباس ( أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء ، فقال رجل : أعطوني جزءا منها بشاة ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا ) .
قال الشافعي : ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة .
قال أبو عمر : قد روي عن ابن عباس ( أنه أجاز بيع الشاة باللحم ، وليس بالقوي ) .
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت ، يعني الشاة المذبوحة بالقائمة .
قال سفيان : ونحن لا نرى به بأسا .
قال المزني : إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز ، وإن صح بطل القياس واتبع الأثر .
قال أبو عمر : وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار ، إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر .
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم .
قال أبو عمر : ولا أعلمه يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك في موطئه ، وإليه ذهب الشافعي ، وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا .
فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه ؛ لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع .
ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس .
والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه ، كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب ، فاعلم .السادسة : قوله تعالى : قل فيهما يعني الخمر والميسر إثم كبير إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور ، وزوال العقل الذي يعرف [ ص: 53 ] به ما يجب لخالقه ، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله ، إلى غير ذلك .
روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام .
قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا ، فسقته كأسا .
قال : زيدوني ، فلم يرم حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر ، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر ، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ، وذكره أبو عمر في الاستيعاب .
وروي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟
فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لا تصل إليه ، فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة .
فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء .
فقال : اصطناع المعروف واجب .
فقيل له : إنه ينهى عن الزنى .
فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه .
فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر .
فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه!
فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات .
وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه ، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ، ورأى القمر فتكلم بشيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله ، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليمافلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيماولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما[ ص: 54 ] فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيماقال أبو عمر : وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر ، وهو القائل رضي الله عنه :إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقهاولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقهاوجلده عمر الحد عليها مرارا ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه ، فحبسه ، وكان أحد الشجعان البهم ، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا .
قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، فلم يشربها بعد ذلك .
وفي رواية : قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها ، وأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا .
وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان ، أو قال : في نواحي جرجان ، وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت ، وهي معروشة على قبره ، ومكتوب على القبر " هذا قبر أبي محجن " قال : فجعلت أتعجب وأذكر قوله :إذا مت فادفني إلى جنب كرمةثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء ، فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح وجهه ، حتى رئي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورئي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له : أكرمك الله .
وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء ؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل .السابعة : قوله تعالى : ومنافع للناس أما في الخمر فربح التجارة ، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح ، وكانوا لا يرون المماسكة فيها ، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي .
هذا أصح ما قيل في منفعتها ، وقد قيل في منافعها : إنها تهضم الطعام ، وتقوي الضعف ، وتعين على الباه ، وتسخي البخيل ، وتشجع الجبان ، وتصفي اللون ، إلى غير ذلك من اللذة بها .
وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : [ ص: 55 ]ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاءإلى غير ذلك من أفراحها .
وقال آخر :فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسديروإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعيرومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب ، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم ، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ، ومن بقي سهمه آخرا كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء .
وقيل : منفعته التوسعة على المحاويج ، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين .وسهام الميسر أحد عشر سهما ، منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ ، وهي : " الفذ " وفيه علامة واحدة له نصيب وعليه نصيب إن خاب .
الثاني : " التوأم " وفيه علامتان وله وعليه نصيبان .
الثالث : " الرقيب " وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا .
الرابع : " الحلس " وله أربع .
الخامس : " النافز " والنافس أيضا وله خمس .
السادس : " المسبل " وله ست .
السابع : " المعلى " وله سبع .
فذلك ثمانية وعشرون فرضا ، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي .
وبقي من السهام أربعة ، وهي الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء ، وهي : " المصدر " و " المضعف " و " المنيح " و " السفيح " .
وقيل : الباقية الأغفال الثلاثة : " السفيح " و " المنيح " و " الوغد " تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا .
ويسمى المجيل المفيض والضارب والضريب والجمع الضرباء .
وقيل : يجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحدا ، ثم يجثو الضريب على ركبتيه ، ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الربابة فيخرج .
وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء ، يشترى الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه ، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم ، ويسمونه " البرم " قال متمم بن نويرة :[ ص: 56 ]ولا برما تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعاثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام .
قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور ، فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما ، وليس كذلك ، ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء .
والربابة ( بكسر الراء ) : شبيهة بالكنانة تجمع فيها سهام الميسر ، وربما سموا جميع السهام ربابة ، قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه :وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدعوالربابة أيضا : العهد والميثاق ، قال الشاعر ( علقمة بن عبدة ) :وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوبوفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه ، كما تقدم .
ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ، ومنه قول الأعشى :المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسرومنه قول الآخر :بأيديهم مقرومة ومغالق يعود بأرزاق العفاة منيحهاو " المنيح " في هذا البيت المستمنح ؛ لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد املس وكثر فوزه ، فذلك المنيح الممدوح .
وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال فذلك إنما يوصف بالكر ، وإياه أراد الأخطل بقوله :ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح وجلن ثم مجالاوفي الصحاح : " والمنيح سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا " .
ومن الميسر قول لبيد :إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم فواحش ينعى ذكرها بالمصايف[ ص: 57 ] فهذا كله نفع الميسر ، إلا أنه أكل المال بالباطل .الثامنة : قوله تعالى : وإثمهما أكبر من نفعهما أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع ، وأعود بالضرر في الآخرة ، فالإثم الكبير بعد التحريم ، والمنافع قبل التحريم .
وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة ، وحجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها .
وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام .
و " كثير " بالثاء المثلثة يعطي ذلك .
وقرأ باقي القراء وجمهور الناس كبير بالباء الموحدة ، وحجتهم أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر ، فوصفه بالكبير أليق .
وأيضا فاتفاقهم على أكبر حجة ل كبير بالباء بواحدة .
وأجمعوا على رفض " أكثر " بالثاء المثلثة ، إلا في مصحف عبد الله بن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير " " وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين .التاسعة : قال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية ؛ لأن الله تعالى قد قال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ، فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام .
قال ابن عطية : ليس هذا النظر بجيد ؛ لأن الإثم الذي فيها هو الحرام ، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر .قلت : وقال بعضهم : في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سماه إثما ، وقد حرم الإثم في آية أخرى ، وهو قوله عز وجل : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم وقال بعضهم : الإثم أراد به الخمر ، بدليل قول الشاعر :شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقولقلت : وهذا أيضا ليس بجيد ؛ لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية ، وإنما قال : قل فيهما إثم كبير ولم يقل : قل هما إثم كبير .
وأما آية " الأعراف " وبيت الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبينا ، إن شاء الله تعالى .
وقد قال قتادة : إنما في هذه الآية ذم الخمر ، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية " المائدة " وعلى هذا أكثر المفسرين .[ ص: 58 ] قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل العفو قراءة الجمهور بالنصب .
وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع .
واختلف فيه عن ابن كثير .
وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق .
قال النحاس وغيره : إن جعلت " ذا " بمعنى الذي كان الاختيار الرفع ، على معنى : الذي ينفقون هو العفو ، وجاز النصب .
وإن جعلت " ما " و " ذا " شيئا واحدا كان الاختيار النصب ، على معنى : قل ينفقون العفو ، وجاز الرفع .
وحكى النحويون : ماذا تعلمت : أنحوا أم شعرا ؟
بالنصب والرفع ، على أنهما جيدان حسنان ، إلا أن التفسير في الآية على النصب .الثانية : قال العلماء : لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ، كما بيناه ودل عليه الجواب ، والجواب خرج على وفق السؤال ، كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق ، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدم - فإنه لما نزل قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ، قال : كم أنفق ؟
فنزل : قل العفو والعفو : ما سهل وتيسر وفضل ، ولم يشق على القلب إخراجه ، ومنه قول الشاعر :خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضبفالمعنى : أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ، هذا أولى ما قيل في تأويل الآية ، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدي والقرظي محمد بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم ، قالوا : ( العفو ما فضل عن العيال ) ، ونحوه عن ابن عباس وقال مجاهد : صدقة عن ظهر غنى ، وكذا قال عليه السلام : خير الصدقة ما أنفقت عن غنى وفي حديث آخر : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى .
وقال قيس بن سعد : هذه الزكاة المفروضة .
وقال جمهور العلماء : بل هي نفقات التطوع .
وقيل : هي منسوخة .
وقال الكلبي : [ ص: 59 ] كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره ، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي ، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها .
وقال قوم : هي محكمة ، وفي المال حق سوى الزكاة .
والظاهر يدل على القول الأول .الثالثة : قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم الآيات قال المفضل بن سلمة : أي في أمر النفقة .
لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى .
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها ، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها .
أي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر, وقد كانا مستعمَلَيْنِ في الجاهلية وأول الإسلام, فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه, أن يبين لهم منافعهما ومضارهما, ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما, وتحتيم تركهما.
فأخبر أن إثمهما ومضارهما, وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال, والصد عن ذكر الله, وعن الصلاة, والعداوة, والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما, من كسب المال بالتجارة بالخمر, وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس, عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما, لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته, ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما, وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة, قدم هذه الآية, مقدمة للتحريم, الذي ذكره في قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } إلى قوله: { مُنْتَهُونَ } وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت, قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا.
فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه, من أي نوع كان، وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين, من النرد, والشطرنج, وكل مغالبة قولية أو فعلية, بعوض سوى مسابقة الخيل, والإبل, والسهام, فإنها مباحة, لكونها معينة على الجهاد, فلهذا رخص فيها الشارع.
{ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر, وأمرهم أن ينفقوا العفو, وهو المتيسر من أموالهم, الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه, من غني وفقير ومتوسط, كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله, ولو شق تمرة.
ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم, ولا يكلفهم ما يشق عليهم.
ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا, أو تكليفا لنا [بما يشق] بل أمرنا بما فيه سعادتنا, وما يسهل علينا, وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.
ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي, وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ } أي: الدالات على الحق, المحصلات للعلم النافع والفرقان، { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه, وتعرفوا أن أوامره, فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها, فترفضوها وفي الآخرة وبقائها, وأنها دار الجزاء فتعمروها.
قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) الآية نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟
فأنزل الله هذه الآية .
وجملة القول في تحريم الخمر على ما قال المفسرون أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " ( 67 - النحل ) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد تقدم في تحريم الخمر " فتركها قوم لقوله ( إثم كبير ) وشربها قوم لقوله ( ومنافع للناس ) إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ : " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " هكذا إلى آخر السورة بحذف لا فأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " ( 43 - النساء ) فحرم السكر في أوقات الصلاة فلما نزلت هذه الآية تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ثم إنهم افتخروا عند ذلك ( وانتسبوا ) وتناشدوا الأشعار فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر : اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة : إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) .
وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا يا رب قال أنس : حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرم عليهم شيئا أشد من الخمر .
[ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما نزلت الآية في سورة المائدة حرمت الخمر فخرجنا بالحباب إلى الطريق فصببنا ما فيها فمنا كسر صبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حينا فلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها ] .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم أخبرنا ابن علية ، أخبرنا عبد العزيز بن صهيب ، قال : قال لي أنس بن مالك ما كان لنا خمر غير فضيخكم وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال : حرمت الخمر .
فقالوا : أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل .
عن أنس : سميت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتى تختمر وتتغير وعن ابن المسيب : لأنها تركت حتى صفا صفوها ورسب كدرها واختلف الفقهاء في ماهية الخمر فقال قوم : هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل النار فيه واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربه ويفسق ويكفر مستحلها وذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ولا يحرم ما يتخذ من غيرهما كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانيد إلا أن يسكر منه فيحرم وقالوا : إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه قالوا : هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام ويحتجون بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله أن ارزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه .
ورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث .
وقال قوم : إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالا وهو قول إسماعيل بن علية .
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فقليله حرام يحد شاربه .
واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو الربيع العتكي أخبرنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أحمد بن أبي رجاء أنا يحيى بن أبي حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء : من العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل " وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من العنب خمرا وإن من التمر خمرا وإن من العسل خمرا وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا " فثبت أن الخمر لا يختص بما يتخذ من العنب أو الرطب .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح شراب وزعم أنه شرب الطلاء وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته فجلده عمر الحد تاما ، وما روي عن عمر وأبي عبيدة ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون مسكرا .
وسئل ابن عباس عن الباذق فقال سبق محمد الباذق فما أسكر فهو حرام .
قوله تعالى : ( والميسر ) يعني القمار قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله تعالى هذه الآية والميسر : مفعل من قولهم يسر لي الشيء إذا وجب ييسر يسرا وميسرا ثم قيل للقمار ميسر وللمقامر ياسر ويسر وكان أصل الميسر في الجزور وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام لسبعة منها أنصباء وهي : الفذ وله نصيب واحد والتوأم وله نصيبان والرقيب وله ثلاثة أسهم والحلس وله أربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة منها : لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدي رجل عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض ثم يجيلها ويخرج قدحا منها باسم رجل منهم فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج فإن خرج له واحد من الثلاثة التي لا أنصباء لها كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله .
وقال بعضهم كان لا يأخذ شيئا ولا يغرم ويكون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك ويسمونه البرم وهو أصل القمار الذي كانت تفعله العرب .
والمراد من الآية أنواع القمار كلها قال طاووس وعطاء ومجاهد : كل شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب وروي عن علي رضي الله عنه في النرد والشطرنج أنهما من الميسر .
قوله تعالى : ( قل فيهما إثم كبير ) وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ الباقون بالباء فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة .
" إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " ( 91 - المائدة ( ومنافع للناس ) فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) قال الضحاك وغيره : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم وقيل : إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم وهو ما يحصل من العداوة والبغضاء .
قوله تعالى : ( ويسألونك ماذا ينفقون ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق؟
فقال ( قل العفو ) قرأ أبو عمرو العفو بالرفع معناه : الذي ينفقون هو العفو .
وقرأ الآخرون بالنصب على معنى قل : أنفقوا العفو .
واختلفوا في معنى العفو فقال قتادة وعطاء والسدي : هو ما فضل عن الحاجة وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية ثم نسخ بآية الزكاة .
وقال مجاهد : معناه : التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كلا على الناس .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول " وقال عمرو بن دينار : الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا " ( 67 - الفرقان ) وقال طاووس : ما يسر والعفو : اليسر من كل شيء ( ومنه قوله تعالى ) " خذ العفو " ( 199 - الأعراف ) أي الميسور من أخلاق الناس .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار قال صلى الله عليه وسلم : " أنفقه على نفسك " قال : عندي آخر قال : " أنفقه على ولدك " قال : عندي آخر قال : " أنفقه على أهلك " قال : عندي آخر قال : " أنفقه على خادمك " قال : عندي آخر قال : أنت أعلم .
قوله تعالى : ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) قال الزجاج : إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قال : كذلك أيها القبيل وقيل : هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " ( 1 - الطلاق ) .
«يسألونك عن الخمر والميسر» القمار ما حكمهما «قل» لهم «فيهما» أي في تعاطيهما «إثم كبير» عظيم وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش «ومنافع للناس» باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر «وإثمهما» أي ما ينشأ عنهما من المفاسد «أكبر» أعظم «من نفعهما» ولما نزلت شربها قوم وامتنع عنها آخرون إلى أن حرمتها آية المائدة «ويسألونك ماذا ينفقون» أي ما قدره «قل» أنفقوا «العفو» أي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو «كذلك» أي كما بين لكم ما ذكر «يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون».
يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال.
وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما.
ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم.
مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة.
ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟
قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين.
وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه.
والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها.
ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة.
إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
قوله : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ) .
.
السائلون هم المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعي من حيث الحل والتحريم .
لا عن الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما .قال القرطبي : والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها - وكل شيء غطى شيئاً فقد خمره .
ومنه ( خمروا آنيتكم ، فالخمر تخمر العقل ، أي : تغطيه وتستره .
.
فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك ، وقيل إنما سميت الخمر خمرا؛ لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر خمراً لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أي : اختلطت بهم .
فالمعاني الثلاثة متقاربة .
فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل .
ثم خمرته ، والأصل الستر .ويرى كثير من العلماء أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الخمر .
ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) ثم نزلت الآية التي في سورة المائدة ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " فنزلت هذه الآية ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر ) فدعى عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " .فنزلت الآية التي في النساء ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى ) فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة - نادى أن : لا يقربن الصلاة سكران .
فدعى عمر فقرئت عليه ، فقال : " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " فنزلت الآية التي في المائدة ، فدعى عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) قال عمر : " انتهينا " .وبهذا الرأي قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت في الخمر هي قوله - تعالى - في سورة النحل : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) وعلى هذا الرأي سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء فقد قال : نزلت في الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله - تعالى - ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم .
ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول الله ، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت : ( فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) فشربها قوم وتركها آخرون .ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يأيها الكافرون أعبدما تعبدون فنزلت : ( لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى ) فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا شعر فيه هجاء للأنصار فضرب أحد الأنصار سعداً بلحى بعير فشجه ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك .
فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت " إنما الخمر والميسر .
.
.
إلخ الآية " .
.
فقال عمر : انتهينا يا رب " .وأصحاب الرأي الأول يقولون : إن آية سروة النحل وهي قوله - تعالى - : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) ليس لها علاقة بموضوع الخمر ، ويفسرون السكر بأنه ما أحله الله مما لا يسكر وأنه هو الرزق الحسن وأن العطف بينهما من باب عطف التفسير .ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يشتهونه ويحبونه من الخمر والميسر ، يمثل أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأوامر الله ونواهيه ، فعندما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها في الطرقات .
بل وحطموا الأواني التي كانت توضع فيها الخمر امتثالا وطاعة لله - تعالى - .وهكذا نرى قوة الإِيمان التي غرسها الإِسلام في نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه السامية ، وتربيته الحكيمة .
.
تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع .هذا وجمهور العلماء على أن كلمة " خمر " تشمل كل شراب مسكر سواء أكان من عصير العنب أم من الشعير أم من التمر أم من غير ذلك ، ولكها سواء في التحريم قل المشروب منها أو كثر سكر شاربه أو لم يسكر .ومن أدلتهم ما وراه الإِمام مسلم عن ابن عمر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة " .ومن أدلتهم أيضاً أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره .وقال الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : إن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط ، أما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو السعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذاً .
وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب .
أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حرام .وقد رجح العلماء رأى الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم .قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : " حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر " .
أخرجه البخاري ، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم - أي أواني الخمر - وبادروا إلى الامتثال لا عتقادهم أن ذلك كله خمر " أي وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك .وقال الآلوسي : وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام ، وقليله ككثيره ، ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة .
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع - وهو نبيذ العسل - فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " وروى أبو داود " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر " وصح " ما أسكر كثيرة فقليله حرام " والأحاديث متضافرة على ذلك .
ولعمري إن اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا " الخمر " ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب " الخمر " ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية والإِكسير - ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمة - وهيهات هيهات - فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله وإنا إليه راجعون .بعد هذه الكلمة التمهيدية عن الآية ، وعن مدلول كلمة خمر ننتقل إلى معنى كلمة " الميسر " فنقول : الميسر : القمار - بكسر القاف - وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر ، كالموعد من وعد .
وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجئ للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزر .
ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه .قال القرطبي نقلا عن الأزهري : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسراً ، لأنه أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته فقد يسرته .
والياسر : الجازر لأنه يجزئ لحم الجزور .
.
ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون ، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك .وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب أنهم كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام أو الأقلام ، فكانوا إذا أرادوا أن يقامروا أحضروا بعيرا وقسموه ثمانية وعشرين قسما وتترك ثلاثة من تلك الأقداح غفلا لا علامة عليها وكانت تسمى : السفيح ، والمنيح ، والوغد .
ومن طلع له واحد منها لا يأخذ شيئاً من الجزور .
أما السبعة الأخرى فهي الرابحة وهي الفذو له سهم واحد ، والتوأم وله سهمان ، والرقيب وله ثلاثة ، والحلس وله أربعة ، والنافس وله خمس والمسبل وله ستة ، والمعلي وله سبعة فيكون المجموع ثمانية وعشرين سهما .تلك صورة تقريبية لقمار العرب كما أوردها بعض المفسرين ولا شك أنه يدخل في حكمها من حيث الحرمة ما كان مشابها لها في المخاطرة والرهان وأخذ الأموال بدون مقابل مشروع ، أو ضياعها فيما حرمه الله .ومعنى الآية الكريمة : يسألك أصحابك يا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب الميسر ، قل لهم على سبيل الإِرشاد والإِعلام : في تعاطيهما ( إِثْمٌ كَبِيرٌ ) أي : ذنب عظيم ، وضرر شديد وذلك لما فيهما من القبائح المنافية لمحاسن الشرع من الكذب ، والأذى ، وشيوع العداوة والبغضاء بين الناس ، واستلاب أموالهم بغير حق .وقوله : ( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) أي وفيهما منافع دنيوية للناس إذ الخمر تعدر على المتاجرين فيها أرباحا مالية ، والميسر يؤدي إلى إصابة بعض الناس للمال بدون تعب .وأطلق - سبحانه - الإِثم وقيد المنافع بأنها للناس ، للتبيه على أن الإِثم في الخمر والميسر ذاتي ، فهما في ذاتهما رجس كبير ، وخطر وبيل ، وأن ما فيهما من منافع ضئيل ولا يتجاوز بعض الناس ، فهي منافع خاصة وليست عامة ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك .( وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) أي أن المفاسد والأضرار التي تترتب على تعاطيهما ، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما ، إذ تعاطيهما يؤدي إلى منفعة بعض الناس ، أما مضارهما فكثيرة ، من ذلك أن تعاطي الخمر يضعف الضمير ، ويفسد الأخلاق ، ويميت الحياء ، ويفقد الرشد ويتلف المال ، ويغري بالتنازع بين الناس ، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - في كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب .
.
إلخ .وإن شئت المزيد من معرفة مضار الخمر فراجع ما كتبه العلماء والمتخصصون في ذلك .أما تعاطي الميسر فمن مضاره - كما يقول الأستاذ الإِمام محمد عبده - إفساد التربية بتعويد النفس الكسل ، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية ، وإضعفا القوة العقلية ، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران ، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغني إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في العز والغني وانحصرت ثروتها في جرل أضاعها عليها في ليلة واحدة؛ فأصبحت عنية وأمست فقيرة " .إّن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطي الخمر والميسر لا تساو شيئاً بجانب تلك المضار الجسمية التي تعود على أفراد الأمة في دينهم وعقولهم وأجسامهم وأموالهم وترابطهم ، وصدق الله إذ يقول : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) ثم يأتي بعد ذلك السؤال الثاني الذي ورد في هاتين الآيتين وهو قوله - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ) .ومناسبة هذا السؤال لما قبله أنهم بعد أن نهوا عن إنفاق أموالهم في الوجوه المحرمة كتعاطي الخمر والميسر ، سألوا عن وجوه الإِنفاق الحلال ، وعن مقدار ما ينفقون فأجيبوا بهذا الجواب الحكيم .قال الآلوسي : أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس أن نفراً من الصحابة حين أمرو بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا وما الذي ننفقه منها فأنزل الله - تعالى - ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ) وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق ولا ما يأكل " .وأصل العفو في اللغة الزيادة .
قال - تعالى - : ( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ ) أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد .
ويطلق على ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية .
يقال : خذ ما عفا لك .
أي ما تيسر .
كما يطلق على الترك قال - تعالى - ( عَفَا الله عَمَّا سَلَف ) أي تركه وتجاوز عنه .والمراد هنا : ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر الذي يتيسر إخراجه ويسهل بذله ، ولا يتضرر صاحبه بتركه .والمعنى : ويسألونك ما الذي يتصدقون به من أموالهم في وجوه البر ، فقل لهم تصدقوا بما زاد عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه ، ولا يشق عليكم بذله .وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد حكيم إلى التعاون والتراحم بين أفراد المجتمع ، وتوجيه إلى المنهاج الوسط الذي يأبى التبذير وينفر من التقتير ، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا الإِرشاد والتوجيه ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غني وابدأ بمن تعول " .وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إبدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " .إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى .وللأستاذ الإِمام كلام جيد في هذا المقام ، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : إن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة كإعداد القوة وتربية الناشئة .
.
تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا في مثل ذلك؛ لأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة ، إذ هو يعتبر نفسه جزءاً منها وهي كل له ، بينما الأمة الثانية لا تعد بواحد لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر .
.
وفي الحقيقة أن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة ، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ .
فِي الدنيا والآخرة ) .أي : مثل هذا البيان الحكيم الذي بينه الله لكم فيما سألتم عنه يبين لكم في سائر كتابه آياته وأحكامه وحججه لكي تتفكروا وتتدبروا فيما ينفعكم في دنياكم وآخرتكم ، بأن تعملوا في الدنيا العمل الصالح الذي يجعلكم تظفرون برضا الله في أخراكم .قال صاحب الكشاف : " وقوله : ( فِي الدنيا والآخرة ) إما أن يتعلق بتتفكرون .
فيكون المعنى : لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون سبما هو أصلح لكم كما بينت لكم أن العفو أصلح من الجهد في النفقة وتتفكرون في الدارين فنؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع .
ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله ( وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) فيكون المعنى : لتفكروا في عقاب الإِثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب الأليم .
وإما أن يتعلق بيبين على معنى : يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون " .
الحكم الثالث: في الخمر: اعلم أن قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعاً عن الحل والحرمة.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم، فشربوا وسكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل: ﴿ إِنَّمَا الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فقال عمر: انتهينا يا رب، قال القفال رحمه الله: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعاً من الشرب ضمناً، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر.
المسألة الثانية: اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو؟
ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر.
أما المقام الأول: في بيان أن الخمر ما هو؟
قال الشافعي رحمه الله: كل شراب مسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة: الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه: أحدها: ما روى أبو داود في سننه: عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمراً.
وثانيها: أنه قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمس، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة.
وثالثها: أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، ولا شك أن عمر كان عالماً باللغة، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره.
الحجة الثانية: روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً».
والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني: أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتاً في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه الله: وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.
الحجة الثالثة: روى أبو داود أيضاً عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام».
قال الخطابي: قوله عليه السلام: «كل مسكر خمر» دل على وجهين: أحدهما: أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولاً للقوم حسن من الشارع أن يقال: مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسماً شرعياً على سبيل الاحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما.
والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمراً فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازاً على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشيء.
الحجة الرابعة: روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع، فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام» قال الخطابي: البتع شراب يتخذ من العسل، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد لقول من قال: إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل والكثير منها، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله.
الحجة الخامسة: روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».
الحجة السادسة: روي أيضاً عن القاسم عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.
الحجة السابعة: روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، وهو حرام.
النوع الثاني: من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، من وهدة وأكمة، وخمرت رأس الإناء أي غطيته، والخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري: سميت خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال: خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر *** ويقال خامر السقام كبده، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل، كما سميت مسكراً لأنها تسكر العقل أي تحجزه، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً إذا ستره للمبالغة، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، وهو غير جائز، لأنا نقول: ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات، ومسمى الصوم هو الإمساك، ويثبتونه بالاشتقاقات.
النوع الثالث: من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما: هذه الآية والثانية: آية المائدة والثالثة: وردت في السكر وهو قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.
النوع الرابع: من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذاً قالا: يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في هذا الحكم.
النوع الخامس: من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة ﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصاً في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإن لم يكن كذلك فلابد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.
والحجة الثانية: ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال: اسقوني، فقال العباس: ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا؟
فقال: ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس: يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم، فقال: ردوا علي القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب، وقال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا متنها بالماء.
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره.
الحجة الثالثة: التمسك بآثار الصحابة.
والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ نكرة في الإثبات، فلم قلتم: إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ؟
ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها.
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماءً نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلاً إلى الحموضة، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، وأيضاً كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز.
وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر.
المقام الثاني: في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه: الأول: أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم، والإثم حرام لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى ﴾ فكان مجموع هاتين الآيتين دليلاً على تحريم الخمر الثاني: أن الإثم قد يراد به العقاب، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ صرح برجحان الإثم والعقاب، وذلك يوجب التحريم.
فإن قيل: الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن فيه إثماً، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم: إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراماً؟.
قلنا: لأن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى أن فيه إثماً، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم المحرم محرم، فوجب أن يكون الشرب محرماً، ومنهم من قال: هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر، واحتج عليه بوجوه: أحدها: أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني: لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة؟
الثالث: أنه تعالى أخبر أن فيهما إثماً كبيراً فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلاً ما داما موجودين، فلو كان ذلك الإثم الكبير سبباً لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع.
والجواب عن الأول: أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرماً، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعاً من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام.
والجواب عن الثاني: أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكوناً وطمأنينة.
والجواب عن الثالث: أن قوله: ﴿ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ إخبار عن الحال لا عن الماضي، وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان، وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب.
المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر فنقول: الميسر القمار، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه: أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره، وعن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.
وثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام، يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجازر، لأنه يجزئ لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور.
وثالثها: قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب، والياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة.
وأما صفة الميسر فقال صاحب الكشاف: كانت لهم عشرة قداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، بفتح الحاء وكسر اللام، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة، وهي: المنيح والسفيح، والوعد، ولبعضهم في هذا المعنى شعر: لي في الدنيا سهام *** ليس فيهن ربيح وأساميهن وغد *** وسفيح ومنيح فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم».
وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال: النرد والشطرنج من الميسر، وقال الشافعي رضي الله عنه: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان، لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه.
المسألة الخامسة: الإثم الكبير، فيه أمور أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل المانع منها، والتقريب بعد ذلك معلوم، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك؟
فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم.
وثانيها: ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
وثالثها: أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها أقوى.
بخلاف سائر المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر، كان نشاطه أكثر، ورغبته فيه أتم.
فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقاً في اللذات البدنية، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد، حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وبالجملة فالخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الخمر أم الخبائث».
وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث العداوة، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً، وهو أيضاً يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما المنافع المذكورة في قوله تعالى: ﴿ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه، ويسلي المحزون، ويشجع الجبان، ويسخي البخيل ويصفي اللون، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء ومن منافع الميسر: التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له مال من غير كد وتعب، ثم يصرفه إلى المحتاجين، فيكتسب منه المدح والثناء.
المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ كَثِيرٍ ﴾ بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي، أن الله وصف أنواعاً كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر ﴾ فذكر أعداداً من الذنوب فيهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عشرة بسبب الخمر، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه قال: فيهما إثم ومنافع، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال: فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيراً يدل عليه قوله تعالى: ﴿ كبائر الإثم ﴾ ، ﴿ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ ، ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ وأيضاً القراء اتفقوا على قوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ ﴾ بالباء المنقوطة من تحت، وذلك يرجح ما قلناه.
الحكم الرابع: في الإنفاق: قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) ﴾ .
اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هاهنا فأجيب عنه بذكر الكمية، قال القفال: قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان هذا؟
فيقول: هو رجل من مذهبه كذا، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به، هل هو كل المال أو بعضه، فأعلمهم الله أن العفو مقبول، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: أصل العفو في اللغة الزيادة، قال تعالى: ﴿ خُذِ العفو ﴾ أي الزيادة، وقال أيضاً: ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال: العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلاً عن الكفاية يقال: خذ ما عفا لك، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسر والتسهيل، قال عليه الصلاة والسلام: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم».
معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق، ويقال: أعفى فلان فلاناً بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة، وهو راجع إلى التخفيف ويقال: أعطاه كذا عفواً صفواً، إذا لم يكدر عليه بالأذى، ويقال: خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر، ومنه قوله تعالى: ﴿ خُذِ العفو ﴾ أي ما سهل لك من الناس، ويقال للأرض السهلة: العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال: العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ وقال: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه، ثم بمن يعول» وهكذا وهكذا وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف» وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من بين يديه، فقال: هاتها مغضباً فأخذها منه، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته، ثم قال: «يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها»، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة، وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط، فالإنفاق الكثير هو التبذير، والتقليل جداً هو التقتير، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله: ﴿ قُلِ العفو ﴾ ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، وشرع النصارى على المسامحة التامة، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور، فلذلك كان أكمل من الكل.
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو (العفو) بضم الواو والباقون بالنصب، فمن رفع جعل (ذَا) بمعنى (الذى) وينفقون صلته كأنه قال: ما الذي ينفقون؟
فقال: هو العفو ومن نصب كان التقدير: ما ينفقون وجوابه: ينفقون العفو.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب، فلهم قولان الأول: قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها هاهنا على سبيل الإجمال، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني: أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم، ثم ينفقوا الباقي، ثم صار هذا منسوخاً بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة.
القول الثاني: أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو الصدقة واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضاً لبين الله تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض.
وأجيب عنه: بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئاً على سبيل الإجمال، ثم يذكر تفصيله وبيانه بطريق آخر.
أما قوله: ﴿ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات ﴾ فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدنيا والأخرة ﴾ فيه وجوه: الأول: قال الحسن: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون والثاني: ﴿ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات ﴾ فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لابد من ترجيح الآخرة على الدنيا الثالث: يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لابد من ترجيح الآخرة على الدنيا.
واعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولاً عن الظاهر لا لدليل وأنه لا يجوز.
<div class="verse-tafsir"
نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ﴾ [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال.
ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة قالوا؛ يا رسول الله، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: ﴿ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون.
ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ فقل من يشربها.
ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافياً، فنزلت ﴿ إِنَّمَا الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فقال عمر رضي الله عنه: انتهينا يا رب.
وعن عليّ رضي الله عنه: لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: لو أدخلت أصبعي فيه لم تتبعني.
وهذا هو الإيمان حقاً، وهم الذين اتقوا الله حق تقاته.
والخمر: ما غلى واشتدّ وقذف بالزبد من عصير العنب، وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم غلى واشتدّ ذهب خبثه ونصيب الشيطان، وحلّ شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبي حنيفة.
وعن بعض أصحابه: لأن أقول مرارًا هو حلال، أحبّ إليّ من أن أقول مرة هو حرام، ولأن أخر من السماء فأتقطع قطعاً أحبّ إليّ من أن أتناول منه قطرة.
وعند أكثر الفقهاء هو حرام كالخمر، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب.
وسميت خمرًا لتغطيتها العقل والتمييز كما سميت سكرًا لأنها تسكرهما، أي تحجزهما، وكأنها سميت بالمصدر من (خمرة خمراً) إذا ستره للمبالغة.
والميسر: القمار، مصدر من يسر، كالموعد والمرجع من فعلهما.
يقال: يسرته، إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر، لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كدٍّ ولا تعب، أو من اليسار.
لأنه سلب يساره.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال: أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنيِ أي يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور.
فإن قلت: كيف صفة الميسر؟
قلت: كانت لهم عشرة أقداح، وهي: الأزلام والأقلام، والفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى والمنيح والسفيح، والوغد.
لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء.
وقيل: ثمانية وعشرين إلا لثلاثة، وهي المنيح والسفيح والوغد.
ولبعضهم: لِيَ في الدُّنْيَا سِهَامٌ ** لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ وَأسَامِيهِنَّ وَغْدٌ ** وَسَفِيحٌ وَمنيحُ للفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة؛ وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة، ويضعونها على يدي عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها.
فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المرسوم به ذلك القدح.
ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله.
وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها.
ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم.
وفي حكم الميسر: أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم» وعن عليّ رضي الله عنه: أنّ النرد والشطرنج من الميسر وعن ابن سيرين: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر.
والمعنى: يسألونك عما في تعاطيهما، بدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، ﴿ وَإِثْمُهُمَآ ﴾ وعقاب الإثم في تعاطيهما ﴿ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشرتهم، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم، وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام.
وقرئ: ﴿ إثم كثير ﴾ - بالثاء- وفي قراءة أبيّ: ﴿ وإثمهما أقرب ﴾ .
ومعنى الكثرة: أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة ﴿ العفو ﴾ نقيض الجهد؛ وهو أن ينفق مالاً يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، قال: خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ويقال للأرض السهلة: العفو.
وقرئ بالرفع والنصب.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ رجلاً أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأتاه من الجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه؛ فقال: هاتها مغضباً، فأخذها فخذفه بها خذفاً لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناسا إنما الصدقة عن ظهر غنىً» .
﴿ فِى الدنيا والأخرة ﴾ إمّا أن يتعلق بتتفكرون، فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين؛ فتأخذون بما هو أصلح لكم؛ كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، أوتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.
ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا.
حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم.
وإمّا أن يتعلق ﴿ يبين ﴾ على معنى: يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون، لما نزلت ﴿ إِنَّ الذى يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ [النساء: 10] اعتزلوا اليتامى وتحاموهم وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم وكاد يوقعهم في الحرج.
فقيل ﴿ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾ أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ ﴾ وتعاشروهم ولم تجانبوهم ﴿ ف ﴾ هم ﴿ إخوانكم ْ ﴾ في الدين، ومن حق الأخ أن يخالط أخاه، وقد حملت المخالطة على المصاهرة ﴿ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح ﴾ أي لا يخفى على الله من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح ﴿ وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم.
وقرأ طاوس: ﴿ قل إصلاح إليهم ﴾ .
ومعناه إيصال الصلاح وقرئ: ﴿ لعنتكم ﴾ ، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
﴿ إنالله عَزِيزٌ ﴾ [البقرة: 173] غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ فَأخَذَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ ومُعاذًا ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَشَرِبَها قَوْمٌ وتَرَكَها آخَرُونَ.
ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَأمَّ أحَدُهم فَقَرَأ: « قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» فَنَزَلَتْ ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ في نَفَرٍ فَلَمّا سَكِرُوا افْتَخَرُوا وتَناشَدُوا، فَأنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ، فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ، فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.» والخَمْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ خَمَرَهُ إذا سَتَرَهُ، سُمِّيَ بِها عَصِيرُ العِنَبِ والتَّمْرِ إذا اشْتَدَّ وغَلا كَأنَّهُ يَخْمُرُ العَقْلَ، كَما سُمِّيَ سَكَرًا لِأنَّهُ يُسْكِرُهُ أيْ يَحْجِزُهُ، وهي حَرامٌ مُطْلَقًا وكَذا كُلُّ ما أسْكَرَ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: نَقِيعُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى ذَهَبَ ثُلُثاهُ ثُمَّ اشْتَدَّ حَلَّ شُرْبُهُ ما دُونَ السَّكَرِ.
﴿ والمَيْسِرِ ﴾ أيْضًا مَصْدَرٌ كالمَوْعِدِ، سُمِّيَ بِهِ القِمارُ لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ بِيُسْرٍ أوْ سَلْبُ يَسارِهِ، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ تَعاطِيهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما ﴾ أيْ في تَعاطِيهِما.
﴿ إثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الِانْتِكابِ عَنِ المَأْمُورِ، وارْتِكابِ المَحْظُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « كَثِيرٌ» بِالثّاءِ.
﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ مِن كَسْبِ المالِ والطَّرَبِ والِالتِذاذِ ومُصادَقَةِ الفِتْيانِ، وفي الخَمْرِ خُصُوصًا تَشْجِيعُ الجَبانِ وتَوْفِيرُ المُرُوءَةِ وتَقْوِيَةُ الطَّبِيعَةِ.
﴿ وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ أيِ المَفاسِدُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنهُما أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ المُتَوَقَّعَةِ مِنهُما.
ولِهَذا قِيلَ إنَّها المُحَرَّمَةُ لِلْخَمْرِ لِأنَّ المَفْسَدَةَ إذا تَرَجَّحَتْ عَلى المَصْلَحَةِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الفِعْلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِما مَرَّ مِن إبْطالِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
﴿ وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ قِيلَ سائِلُهُ أيْضًا عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ سَألَ أوَّلًا عَنِ المُنْفَقِ والمَصْرِفِ، ثُمَّ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ.
﴿ قُلِ العَفْوَ ﴾ العَفْوُ نَقِيضُ الجُهْدِ ومِنهُ يُقالُ لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما تَيَسَّرَ لَهُ بَذْلُهُ ولا يَبْلُغُ مِنهُ الجَهْدَ.
قالَ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي...
ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وَرُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ أصابَها في بَعْضِ المَغانِمِ فَقالَ: خُذْها مِنِّي صَدَقَةً، فَأعْرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ حَتّى كَرَّرَ عَلَيْهِ مِرارًا فَقالَ: هاتِها مُغْضَبًا فَأخَذَها فَحَذَفَها حَذْفًا لَوْ أصابَهُ لَشَجَّهُ ثُمَّ قالَ: « يَأْتِي أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ « العَفْوُ» .
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ أيْ مِثْلَ ما بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجَهْدِ، أوْ ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ، وإنَّما وحَّدَ العَلامَةَ والمُخاطَبُ بِهِ جَمْعٌ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ والجَمْعِ، ﴿ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في الدَّلائِلِ والأحْكامِ.
<div class="verse-tafsir"
!
نزل في الخمر أربع آيات نزل بمكة وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل
البقرة (٢١٩ _ ٢٢٠)
مسلبة للمال فنزل {يسألونك عَنِ الخمر والميسر} فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن ابن عوف جماعة فشربوا وسكروا وأم بعضهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزل لاَ تَقْرَبُواْ
الصلاة وَأَنتُمْ سكارى فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل إِنَّمَا الخمر والميسر إلى قوله فهل انتم منتهون فقال عمر انتهينا يا رب وعن علي رضى الله عنه لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب وسميت بمصدر خمره خمراً إذا ستره لتغطيتها العقل والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد من فعله يقال يسرته إذا قمرته واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب أو من اليسار كأنه سلب يساره وصفة الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم والتوأم وله سهمان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله أربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي المنيح والسفيح والوغد فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجذور كله وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه وفي حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما بدليل {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور كثير حمزة وعلي {ومنافع لِلنَّاسِ} بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها وفى الميسر بارتفاق الفقراء أو نيل المال بلا كد {وَإِثْمُهُمَا} وعقاب الإثم في تعاطيهما {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة {ويسألونك مَاذَا
يُنفِقُونَ قُلِ العفو} أي الفضل أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضاً فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل وإذا كان صانعاً أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة العفو أبو عمرو فمن نصبه جعل ماذا
اسماً واحدا فى موضع النصب بينفقون والتقدير قل ينفقون العفو ومن رفعه جعل ما مبتدأ وخبره ذا مع صلته فذا بمعنى الذي وينفقون صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب العفو أي هو العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال {كذلك} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين {يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لعلكم تتفكرون}
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: ”نَزَلَتْ في «عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ونَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: أفْتِنا في الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَإنَّهُما مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ ومَسْلَبَةٌ لِلْمالِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ“،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ”، فَقالَ قَوْمٌ: ما حَرُما عَلَيْنا، فَكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ إلى أنْ صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا أُناسًا مِنَ الصَّحابَةِ وأتاهم بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا وسَكِرُوا وحَضَرَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ، فَقَدَّمُوا عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، فَقَرَأ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ إلَخْ بِحَذْفِ (لا) فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ اتَّخَذَ عُتْبانُ بْنُ مالِكٍ صَنِيعًا ودَعا رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وكانَ قَدْ شَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ فَأكَلُوا مِنهُ وشَرِبُوا الخَمْرَ، حَتّى أخَذَتْ مِنهُمْ، ثُمَّ إنَّهُمُ افْتَخَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ وتَناشَدُوا الأشْعارَ، فَأنْشَدَ سَعْدٌ ما فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ وفَخْرٌ لِقَوْمِهِ، فَأخَذَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لِحى البَعِيرِ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ سَعْدٍ فَشَجَّهُ مُوَضَّحَةً، فانْطَلَقَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وشَكا إلَيْهِ الأنْصارَ، فَقالَ:“اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا رَأْيَكَ في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ بِأيّامٍ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» .
وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: ”لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنها في بِئْرٍ، فَبُنِيَتْ في مَكانِها مَنارَةٌ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها، ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ ثُمَّ جَفَّ، فَنَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ لَمْ أرْعَهُ دابَّتِي“.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”لَوْ أدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِيها لَمْ تَتْبَعْنِي“، وهَذا هو الإيمانُ والتُّقى حَقًّا.
والخَمْرُ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الَّتِي مِن ماءِ العِنَبِ إذا غَلى واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُخَمِّرُ العَقْلَ؛ أيْ: تَسْتُرُهُ ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ لِسَتْرِهِ وجْهَها، والخامِرُ وهو مَن يَكْتُمُ الشَّهادَةَ، وقِيلَ: لِأنَّها تُغَطّى حَتّى تَشْتَدَّ، ومِنهُ: «خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ”؛» أيْ: غَطُّوها، وقِيلَ: لِأنَّها تُخالِطُ العَقْلَ، وخامَرَهُ داءٌ خالَطَهُ، وقِيلَ: لِأنَّها تُتْرَكُ حَتّى تُدْرَكَ، ومِنهُ اخْتَمَرَ العَجِينُ؛ أيْ: بَلَغَ إدْراكَهُ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وعَلَيْها فالخَمْرُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ اسْمَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وذَهَبَ الإمامانِ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ القَذْفِ، ويَكْفِي الِاشْتِدادُ؛ لِأنَّ المَعْنى المُحَرَّمَ يَحْصُلُ بِهِ، ولِلْإمامِ أنَّ الغَلَيانَ بِدايَةُ الشِّدَّةِ وكَمالُها بِقَذْفِ الزُّبْدِ وسُكُونِهِ؛ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصّافِي مِنَ الكَدِرِ، وأحْكامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُناطُ بِالنِّهايَةِ كالحَدِّ وإكْفارِ المُسْتَحِلِّ وحُرْمَةِ البَيْعِ، وأخَذَ بَعْضُهم بِقَوْلِهِما في حُرْمَةِ الشُّرْبِ احْتِياطًا، ثُمَّ إطْلاقُ الخَمْرِ عَلى غَيْرِ ما ذُكِرَ مَجازٌ عِنْدَنا، وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هو حَقِيقَةٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ؛ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ: «“كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ”».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهو مِن خَمْسَةٍ؛ مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ، و(الخَمْرُ) ما خامَرَ العَقْلَ، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «“الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وأشارَ إلى الكَرْمِ والنَّخْلَةِ”».
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ:“حَرُمَتِ الخَمْرُ حِينَ حَرُمَتْ، وما يُتَّخَذُ مِن خَمْرِ الأعْنابِ إلّا قَلِيلٌ، وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ”، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ كُلَّهُ بَيانُ الحُكْمِ، وتَعْلِيمُ أنَّ ما أسْكَرَ حَرامٌ كالخَمْرِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الإرْشادِ، لا تَعْلِيمُ اللُّغاتِ العَرَبِيَّةِ، سِيَّما والمُخاطِبُونَ في الغايَةِ القُصْوى مِن مَعْرِفَتِها، وما يُقالُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مُخامَرَةِ العَقْلِ، وهي مَوْجُودَةٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ لا يَقْتَضِي العُمُومَ، ولا يُنافِي كَوْنَ الِاسْمِ خاصًّا فِيما تَقَدَّمَ، فَإنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ، ثُمَّ هو اسْمٌّ خاصٌّ لِلنَّجْمِ المَعْرُوفِ، لا لِكُلِّ ما ظَهَرَ، وهَذا كَثِيرُ النَّظِيرِ، وتَوَسَّطَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّ (الخَمْرَ) حَقِيقَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ في الَّتِي مِن ماءِ العِنَبِ إذا صارَ مُسْكِرًا، وإذا اسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ كانَ مَجازًا، إلّا أنَّ الشّارِعَ جَعَلَهُ حَقِيقَةً في كُلِّ مُسْكِرٍ شابَهَ مَوْضُوعَهُ اللُّغَوِيَّ، فَهو في ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ والزَّكاةِ في مَعانِيها المَعْرُوفَةِ شَرْعًا، والخِلافُ قُوِيٌّ، ولِقُوَّتِهِ ووُقُوعِ الإجْماعِ عَلى تَسْمِيَةِ المُتَّخِذِ مِنَ العِنَبِ خَمْرًا دُونَ المُسْكِرِ مِن غَيْرِهِ أكْفَرُوا مُسْتَحِلَّ الأوَّلِ، ولَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلَّ الثّانِي، بَلْ قالُوا: إنَّ عَيْنَ الأوَّلِ حَرامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ ولا مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، ومَن أنْكَرَ حُرْمَةَ العَيْنِ وقالَ: إنَّ السُّكْرَ مِنهُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ بِهِ يَحْصُلُ الفَسادُ، فَقَدْ كَفَرَ لِجُحُودِهِ الكِتابَ؛ إذْ سَمّاهُ رِجْسًا فِيهِ، والرِّجْسُ مُحَرَّمُ العَيْنِ فَيَحْرُمُ كَثِيرُهُ وإنْ لَمْ يُسْكِرْ، وكَذا قَلِيلُهُ ولَوْ قَطْرَةٌ، ويُحَدُّ شارِبُهُ مُطْلَقًا، وفي الخَبَرِ: «“حَرُمَتِ الخَمْرُ لِعَيْنِها”، وفي رِوايَةٍ:“بِعَيْنِها قَلِيلِها وكَثِيرِها سَواءٌ”، والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ»، وقالُوا: إنَّ الطَّبْخَ لا يُؤَثِّرُ؛ لِأنَّهُ لِلْمَنعِ مِن ثُبُوتٍ الحُرْمَةِ، لا لِرَفْعِها بَعْدَ ثُبُوتِها، إلّا أنَّهُ لا يُحَدُّ فِيهِ ما لَمْ يُسْكَرْ مِنهُ، بِناءً عَلى أنَّ الحَدَّ بِالقَلِيلِ النِّيِّئِ خاصَّةً - وهَذا قَدْ طُبِخَ - وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ فالعَصِيرُ إذا طُبِخَ حَتّى يَذْهَبَ أقَلُّ مِن ثُلْثَيْهِ وهو المَطْبُوخُ أدْنى طَبْخِهِ - ويُسَمّى الباذِقَ - والمُنَصَّفُ وهو ما ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ، فَحَرامٌ عِنْدِنا إذا غَلى واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ، أوْ إذا اشْتَدَّ عَلى الِاخْتِلافِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ مُباحٌ؛ لِأنَّهُ مَشْرُوبٌ طَيِّبٌ ولَيْسَ بِخَمْرٍ، ولَنا أنَّهُ رَقِيقٌ مُلِدٌّ مُطْرِبٌ، ولِذا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الفُسّاقُ، فَيُحَرَّمُ شُرْبُهُ رَفَعًا لِلْفَسادِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، وأمّا نَقِيعُ التَّمْرِ وهو السُّكْرُ - وهو النِّيِّئُ مِن ماءِ التَّمْرِ - فَحَرامٌ مَكْرُوهٌ، وقالَ شَرِيكٌ: إنَّهُ مُباحٌ لِلِامْتِنانِ ولا يَكُونُ بِالمُحَرَّمِ، ويَرُدُّهُ إجْماعُ الصَّحابَةِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الِابْتِداءِ، كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، وقِيلَ: أرادَ بِها التَّوْبِيخَ؛ أيْ: أتَتَّخِذُونَ ﴿ مِنهُ سَكَرًا ﴾ وتَدَّعُونَ ( رِزْقًا حَسَنًا ) وأمّا نَقِيعُ الزَّبِيبِ - وهو النِّيِّئُ مِن ماءِ الزَّبِيبِ، فَحَرامٌ إذا اشْتَدَّ وغَلى، وفِيهِ خِلافُ الأوْزاعِيِّ، ونَبِيذُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أدْنى طَبْخَةٍ حَلالٌ، وإنِ اشْتَدَّ إذا شُرِبَ مِنهُ ما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُسْكِرُ مِن غَيْرِ لَهْوٍ ولا طَرَبٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ حَرامٌ، ونَبِيذُ العَسَلِ والتِّينِ والحِنْطَةِ والذُّرَةِ والشَّعِيرِ وعَصِيرُ العِنَبِ إذا طُبِخَ وذَهَبَ ثُلْثاهُ حَلالٌ عِنْدَ الإمامِ الأوَّلِ والثّانِي، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ حَرامٌ أيْضًا، وأفْتى المُتَأخِّرُونَ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ في سائِرِ الأشْرِبَةِ، وذَكَرَ ابْنُ وهْبانَ أنَّهُ مُرْوِيٌّ عَنِ الكُلِّ، ونَظَمَ ذَلِكَ، فَقالَ: وفي عَصْرِنا فاخْتِيرَ حَدٌّ وأوْقَعُوا طَلاقًا لِمَن مِن مُسْكِرِ الحَبِّ يَسْكَرُ وعَنْ كُلِّهِمْ يُرْوى، وأفْتى مُحَمَّدٌ بِتَحْرِيمِ ما قَدْ - قَلَّ - وهو المُحَرَّرُ وعِنْدِي أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ الشَّرابَ المُتَّخَذَ مِمّا عَدّا العِنَبَ كَيْفَ كانَ وبِأيِّ اسْمٍ سُمِّيَ مَتى كانَ بِحَيْثُ يَسْكَرُ مَن لَمْ يَتَعَوَّدْهُ حَرامٌ، وقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، ويُحَدُّ شارِبُهُ ويَقَعُ طَلاقُهُ ونَجاسَتُهُ غَلِيظَةٌ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ النَّقِيعِ، وهو نَبِيذُ العَسَلِ، فَقالَ:“كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ”،» ورَوى أبُو داوُدَ: «“نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفْتِرٍ”،» وصَحَّ: «“ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ”،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «“ما أسْكَرَ الفِرْقُ مِنهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ» والأحادِيثُ مُتَظافِرَةٌ عَلى ذَلِكَ، ولَعَمْرِي إنَّ اجْتِماعَ الفُسّاقِ في زَمانِنا عَلى شُرْبِ المُسْكِراتِ مِمّا عَدا (الخَمْرِ) ورَغْبَتَهم فِيها فَوْقَ اجْتِماعِهِمْ عَلى شُرْبِ (الخَمْرِ) ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ بِكَثِيرٍ، وقَدْ وضَعُوا لَها أسْماءً كالعَنْبَرِيَّةِ والإكْسِيرِ ونَحْوِهِما ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ تُخْرِجُها مِنَ الحُرْمَةِ وتُبِيحُ شُرْبَها لِلْأُمَّةِ - وهَيْهاتَ هَيْهاتَ - الأمْرُ وراءَ ما يَظُنُّونَ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، نَعَمْ حُرْمَةُ هَذِهِ الأشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الخَمْرِ حَتّى لا يُكَفَّرَ مُسْتَحَلُّها كَما قَدَّمْنا؛ لِأنَّها اجْتِهادِيَّةٌ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى القَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ لَمْ يَبْقَ في يَدِهِ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ إلّا قَلِيلٌ.
والمَيْسِرِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن (يَسَرَ) كالمَوْعِدِ والمَرْجِعِ، يُقالُ: يَسَرْتَهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ (اليُسْرِ)؛ لِأنَّهُ أخَذَ المالَ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ؛ لِأنَّهُ سُلِبَ لَهُ، وقِيلَ: مِن يَسَّرُوا الشَّيْءَ إذا اقْتَسَمُوهُ، وسُمِّيَ المُقامِرُ ياسِرًا؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ يُجْزِئُ لَحْمَ الجَزُورِ، وقالَ الواحِدِيُّ: مِن يُسْرِ الشَّيْءِ إذا وجَبَ، والياسِرُ الواجِبُ بِسَبَبِ القَدَحِ، وصِفَتُهُ أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ هي الأزْلامُ والأقْلامُ الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ والنّافِسُ والمُسْبِلُ والمُعْلّى والمَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ؛ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها، ويُجَزِّءُونَها ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ إلّا الثَّلاثَةَ، وهو المَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ، لِلْفَذِّ سَهْمٌ، ولِلتَّوْأمِ سَهْمانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ، ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ، ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ، ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ، ولِلْمُعْلّى سَبْعَةٌ يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ - وهي خَرِيطَةٌ - ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيَخْرُجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِمّا لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وغَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلِّهِ مَعَ حِرْمانِهِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ويُسَمُّونَهُ البَرِمَ.
ونَقَلَ الأزْهَرِيُّ كَيْفِيَّةً أُخْرى لِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ الوَغْدَ في الأسْماءِ بَلْ ذَكَرَ غَيْرَهُ، والَّذِي اعْتَمَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَثِيرُونَ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم هَذِهِ الأسْماءَ، فَقالَ: كُلُّ سِهامِ الياسِرِينَ عَشَرَهْ فَأوْدِعُوها صُحُفًا مُنَشَّرَهْ لَها فُرُوضٌ ولَها نَصِيبُ الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ يَتْلُوهُنَّ ثُمَّ النّافِسُ وبَعْدَهُ مُسْبِلُهُنَّ السّادِسُ ثُمَّ المُعلّى كاسْمِهِ المُعَلّى صاحِبُهُ في الياسِرِينَ الأعْلى والوَغْدُ والسَّفِيحُ والمَنِيح غُفْلٌ فَما فِيما يُرى رَبِيحُ وفي حُكْمِ ذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ القِمارِ مِنَ النَّرْدِ والشَّطْرَنْجِ وغَيْرِهِما، حَتّى أدْخَلُوا فِيهِ لَعِبَ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ والقَرْعَةِ في غَيْرِ القِسْمَةِ وجَمِيعَ أنْواعِ المُخاطَرَةِ والرِّهانِ.
وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، ومَعْنى الآيَةِ يَسْألُونَكَ عَمّا في تَعاطِي هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ودَلَّ عَلى التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما ﴾ إذِ المُرادُ في تَعاطِيهِما بِلا رَيْبَ ﴿ إثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ تَناوُلَهُما مُؤَدٍّ إلى ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو تَرْكُ المَأْمُورِ، وفِعْلُ المَحْظُورِ ﴿ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ مِنَ اللَّذَّةِ والفَرَحِ وهَضْمِ الطَّعامِ وتَصْفِيَةِ اللَّوْنِ وتَقْوِيَةِ الباهِ وتَشْجِيعِ الجَبانِ وتَسَخِّيَةِ البَخِيلِ وإعانَةِ الضَّعِيفِ، وهي باقِيَةٌ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَهُ، وسَلْبُها بَعْدَ التَّحْرِيمِ مِمّا لا يُعْقَلُ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وخَبَرُ: «ما جَعَلَ اللَّهُ - تَعالى - شِفاءَ أُمَّتِي فِيما حَرُمَ عَلَيْها» لا دَلِيلَ فِيهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى.
﴿ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ أيِ: المَفاسِدِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنها أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ المُتَوَقَّعَةِ فِيهِما، فَمِن مَفاسِدِ الخَمْرِ إزالَةُ العَقْلِ الَّذِي هو أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ، وإذا كانَتْ عَدْوَةً لِلْأشْرَفِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ أخَسَّ الأُمُورِ؛ لِأنَّ العَقْلَ إنَّما سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ يَعْقِلُ - أيْ يَمْنَعُ صاحِبَهُ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها بِطَبْعِهِ - فَإذا شَرِبَ زالَ ذَلِكَ العَقْلُ المانِعُ عَنِ القَبائِحِ وتَمَكَّنَ إلْفُها - وهو الطَّبْعُ - فارْتَكَبَها وأكْثَرَ مِنها، ورُبَّما كانَ ضِحْكَةً لِلصِّبْيانِ حَتّى يَرْتَدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ.
ذَكَرابْنُ أبِي الدُّنْيا أنَّهُ مَرَّ بِسَكْرانٍ وهو يَبُولُ بِيَدِهِ ويَغْسِلُ بِهِ وجْهَهُ كَهَيْئَةِ المُتَوَضِّئِ، ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الإسْلامَ نُورًا والماءَ طَهُورًا.
وعَنِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في الجاهِلِيَّةِ: ألا تَشْرَبُ الخَمْرَ، فَإنَّها تَزِيدُ في حَرارَتِكَ؟
فَقالَ: ما أنا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلَهُ جَوْفِي، ولا أرْضى أنْ أُصْبِحَ سَيِّدَ قَوْمٍ وأُمْسِيَ سَفِيهَهم.
ومِنها صَدُّها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - وعَنِ الصَّلاةِ وإيقاعُها العَداوَةَ والبَغْضاءَ غالِبًا.
ورُبَّما يَقَعُ القَتْلُ بَيْنَ الشّارِبِينَ في مَجْلِسِ الشُّرْبِ، ومِنها أنَّ الإنْسانَ إذا ألِفَها اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها، وكادَ يَسْتَحِيلُ مُفارَقَتُهُ لَها وتَرْكُهُ إيّاها، ورُبَّما أوْرَثَتْ فِيهِ أمْراضًا كانَتْ سَبَبًا لِهَلاكِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ لَها مَضارَّ بَدَنِيَّةً كَثِيرَةً، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ، وبِالجُمْلَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى إزالَةِ العَقْلِ والخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقامَةِ لَكَفى، فَإنَّهُ إذا اخْتَلَّ العَقْلُ حَصَلَتِ الخَبائِثُ بِأسْرِها، ولِذَلِكَ قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها أُمُّ الخَبائِثِ“،» ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - شَرِبُوها في وقْتٍ أصْلًا، ومِن مَفاسِدِ (المَيْسِرِ) أنَّ فِيهِ أكْلَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وأنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا مِنَ المُقامِرِينَ إلى السَّرِقَةِ وتَلَفِ النَّفْسِ وإضاعَةِ العِيالِ وارْتِكابِ الأُمُورِ القَبِيحَةِ والرَّذائِلِ الشَّنِيعَةِ والعَداوَةِ الكامِنَةِ والظّاهِرَةِ، وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن أعْماهُ اللَّهُ تَعالى وأصَمَّهُ، ولِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى أعَظْمِيَّةِ المَفاسِدِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّها هي المُحَرِّمَةُ لِلْخَمْرِ، فَإنَّ المَفْسَدَةَ إذا تَرَجَّحَتْ عَلى المَصْلَحَةِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الفِعْلِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِأنَّ فِيها الإخْبارَ بِأنَّ فِيها الإثْمَ الكَبِيرَ، والإثْمُ إمّا العِقابُ أوْ سَبَبُهُ، وكُلٌّ مِنهُما لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المُحَرَّمُ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في التَّحْرِيمِ كَما قالَ قَتادَةُ: إذْ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: الإثْمُ بِمَعْنى المَفْسَدَةِ، ولَيْسَ رُجْحانُ المُفْسِدَةِ مُقْتَضِيًا لِتَحْرِيمِ الفِعْلِ بَلْ لِرُجْحانِهِ، ومِن هُنا شَرِبَها كِبارُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بَعْدَ نُزُولِها، وقالُوا: إنَّما نَشْرَبُ ما يَنْفَعُنا، ولَمْ يَمْتَنِعُوا حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ، فَهي المُحَرِّمَةُ مِن وُجُوهٍ، كَما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، وقُرِئَ: (إثْمٌ كَثِيرٌ) بِالمُثَلَّثَةِ، وفي تَقْدِيمِ الإثْمِ ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ أوِ الكَثْرَةِ وتَأْخِيرِ ذِكْرِ المَنافِعِ مَعَ تَخْصِيصِها بِالنّاسِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَلَبَةِ الأوَّلِ ما لا يَخْفى، وقَرَأ أُبَيٌّ: (وإثْمُهُما أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما).
﴿ ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «”أنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ - تَعالى - أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: إنّا لا نَدْرِي ما هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي أُمِرْنا بِها في أمْوالِنا، فَما نُنْفِقُ مِنها؟
فَنَزَلَتْ“؛ وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُنْفِقُ الرَّجُلُ مالَهُ حَتّى ما يَجِدَ ما يَتَصَدَّقُ، ولا ما يَأْكُلُ حَتّى يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبانَ عَنْ يَحْيى، أنَّهُ بَلَغَهُ «”أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا أرِقّاءَ وأهْلِينَ، فَما نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“،» وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى يَسْألُونَكَ قَبْلَها عَطْفُ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ كَنَظِيرَتِها، وكَأنَّهُ سُئِلَ أوَّلًا عَنِ المُنْفَقِ والمَصْرِفِ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ بِقَرِينَةِ الجَوابِ، فالمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْ صِفَةِ ما يُنْفِقُونَهُ ﴿ قُلِ العَفْوَ ﴾ أيْ: صِفَتِهِ أنْ يَكُونَ عَفْوًا فَكَلِمَةُ ما لِلسُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ كَما يُقالُ: ما زِيدُ؟
فَيُقالُ: كَرِيمٌ، إلّا إنَّهُ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ، وأصْلُ العَفْوِ نَقِيضُ الجُهْدِ، ولِذا يُقالُ لِلْأرْضِ المُمَهَّدَةِ السَّهْلَةِ الوَطْءُ: عَفْوٌ، والمُرادُ بِهِ ما لا يَتَبَيَّنُ في الأمْوالِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: الفَضْلُ مِنَ العِيالِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما لا يُجْهِدُ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ“،» وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْهُ أيْضًا، أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنى، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: أنْفِقْ عَلَيَّ أوْ طَلِّقْنِي، ويَقُولُ مَمْلُوكُكَ: أنْفِقْ عَلَيَّ أوْ بِعْنِي، ويَقُولُ ولَدُكَ: إلى مَن تَكِلُنِي“،» وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جابِرٍ، قالَ: «قَدِمَ أبُو حَصِينٍ السُّلَمِيُّ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الحَمامَةِ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ هَذِهِ مِن مَعْدِنٍ، فَخُذْها فَهي صَدَقَةٌ، ما أمْلِكُ غَيْرَها، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أتاهُ مِن قِبَلِ رُكْنِهِ الأيْمَنِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أتاهُ مِن رُكْنِهِ الأيْسَرِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أتاهُ مِن خَلْفِهِ، فَأخَذَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحَذَفَهُ بِها، فَلَوْ أصابَتْهُ لَأوْجَعَتْهُ أوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقالَ: يَأْتِي أحَدُكم بِما يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ“».
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ عَلى أنَّ ( ماذا يُنْفِقُونَ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ الفِعْلِ، و(ماذا) مَفْعُولُ (يُنْفِقُونَ) لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ.
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ أيْ: مِثْلِ ما بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجُهْدِ؛ لِأنَّهُ أبْقى لِلِبانِ وأكْثَرُ نَفْعًا في الآخِرَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ العَفْوَ ﴾ وإيرادُ صِيغَةِ البَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لِكَوْنِهِ مَعْنى مُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ إذْ لا مُخَصَّصٌ مَعَ كَوْنِ التَّعْمِيمِ أفْيَدُ، والقُرْبُ إنَّما يُرَجِّحُ القَرِيبَ عَلى ما سِواهُ فَقَطْ، وجَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ عَلى ما فِيهِ لا يَخْفى بُعْدُهُ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، واللّامُ في الآياتِ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ، إمّا بِإنْزالِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ، أوْ بِإزالَةِ إجْمالِها بِآيَةٍ أُخْرى، أوْ بِبَيانٍ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ( كَذَلِكم ) عَلى طِبْقِ ( لَكم ) لَكِنَّهُ وُحِّدَ بِتَأْوِيلِ نَحْوِ القَبِيلَةِ أوِ الجَمْعِ مِمّا هو مُفْرَدُ اللَّفْظِ جَمْعُ المَعْنى رَوْمًا لِلتَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ لُحُوقِ عَلامَةِ الخِطابِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: إنَّ الإفْرادَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ مَن يَتَلَقّى الكَلامَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الخِطابِ في كَلامٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، وذا لا يَجُوزُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرِّضى ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ 229﴾ أيْ: في الآياتِ، فَتَسْتَنْبِطُوا الأحْكامَ مِنها وتَفْهَمُوا المَصالِحَ والمَنافِعَ المَنُوطَةَ بِها، وبِهَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ كَوْنُ تَرْجِّي التَّفَكُّرِ غايَةً لِتَبْيِينِ الآياتِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.
قال بعض المفسرين: إن الله لم يدع شيئاً من الكرامة والبر، إلا وقد أعطى هذه الأمة.
ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك في تحريم الخمر، كانوا مولعين على شربها، فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، أي عن شرب الخمر والميسر هو القمار.
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ في تجارتهم.
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما.
فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها.
ثم نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] ، فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90] الآية.
فصارت حراماً عليهم حتى كان بعضهم يقول: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر.
وقيل: إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها.
وروي أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم، فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟
فأخبرهم أنه يريد محمدا .
فقالوا: لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة.
فقال: إن خدمة الرب واجبة.
فقالوا له: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء.
فقال: إن اصطناع المعروف واجب.
فقيل له إنه ينهى عن الزنى.
فقال: إن الزنى فحش قبيح في العقل وقد صرت شيخاً، فلا أحتاج إليه.
فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر.
قال: أما هذا فإني لا أصبر عنه فرجع.
وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه، فلم يبلغ إلى منزله، حتى سقط عن البعير فانكسر عنقه فمات.
وقال بعضهم: في هذه الآية ما يدل على تحريمه، لأنه سماها إثماً، وقد حرم الإثم في آية أُخرى وهي قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ [الأعراف: 33] .
وقال بعضهم: أراد بالإثم، الخمر بدليل قول الشاعر: شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضل عقلي ...
كذاك الإثم يَذْهَبُ بِالعُقُولِ وروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية، وكان يقول: الناس يطلبون زيادة العقل، فأنا لا أنقص عقلي.
وأما الميسر، فكانوا يشترون جزوراً ويضربون سهامهم، فمن خرج سهمه أولاً، يأخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء، ومن بقي سهمه آخراً، فكان عليه ثمن الجزور كله وليس له من اللحم شيئاً.
وقال عطاء ومجاهد: الميسر القمار كله، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.
قرأ حمزة والكسائي: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ بالثاء من الكثرة، والباقون (بالياء) كبير أي ذنب عظم.
قوله: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ، أي ماذا يتصدقون؟
قُلِ الْعَفْوَ، أي الفضل من المال، يريد أن يعطي ما فضل من قوته وقوت عياله، ثم نسخ بآية الزكاة.
وقرأ أبو عمرو: «قُلِ العَفْوُ» بالرفع، يعني الإنفاق وهو الزكاة.
وقرأ الباقون: بالنصب، يعني أنفقوا الفضل.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، يعني أمره ونهيه كما يبين لكم أمر الصدقة.
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، يعني في الدنيا أنها لا تبقى ولا تدوم، ولا يدوم إلا العمل الصالح وفي الآخرة أنها تدوم وتبقى ولا تزول.
وقال بعضهم: معناه كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا، لعلكم تتفكرون في الآخرة.
قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، يقول: عن مخالطة اليتامى وذلك أنه لما نزلت هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] ، تركوا مخالطتهم فشق عليهم ذلك.
وكان عند الرجل منهم يتيم، فجعل له بيتاً على حدة وطعاماً على حدة، ولا يخالطه بشيء من ماله.
فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، قد أنزل الله آية في أموال اليتامى، ما قد أنزل من الشدة فعزلناهم على حدة.
أفيصلح لنا أن نخالطهم؟
فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، أي عن مخالطة اليتامى.
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ.
يقول: أي لمالهم خير من ترك مخالطتهم.
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ، أي تشاركوهم في النفقة والخدمة والدابة، فَإِخْوانُكُمْ في الدين.
ويقال: الامتناع منه خير وإن تخالطوهم فهم إخوانكم.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لمال اليتيم مِنَ الْمُصْلِحِ بماله، يعني لا بأس بالخلطة، وإذا قصدت به الإصلاح ولم تقصد به الإضرار به.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
قال القتبي: ولو شاء الله، لضيق عليكم ولشدد عليكم، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم.
وقال الزجاج: لَأَعْنَتَكُمْ، معناه لأهلككم.
وأصل العنت في اللغة من قول العرب: عنت البعير، إذا انكسرت رجله وحقيقته ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم.
وقال الكلبي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ في مخالطتهم فجعلها حراماً.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقد ذكرناها.
<div class="verse-tafsir"
قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ «١» .
وهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا انتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثاراً للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إذا استخرج الجهد، ويَرْجُونَ: معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبداً معه خوفٌ ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء.
ت: والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإلا فهو أمنيّة.
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...
الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر]
أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ...
فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق
«٢»
ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ.
وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ...
الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] ، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: ٩٠] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حرّمت الخمر» «١»
،
ولم يحفظ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود «١» ، وروي عنه صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً «٢» ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر «٣» ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود
ثمانين وبه قال مالك «١» .
ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع.
قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز «١» .
ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه «١» ، قال ابن عبَّاس:
كلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب «٢» .
انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ...
الآية: قال ابن عبّاس، ٥٤ أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله «٣» .
وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها «٤» ، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها «٥» ، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم.
وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته.
قال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها «٦» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، قالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: «أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ، وفِيهِمْ عُمَرُ، ومُعاذٌ، فَقالُوا: أفْتِنا في الخَمْرِ، فَإنَّها مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وَفِي تَسْمِيَةِ الخَمْرِ خَمْرًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها سُمِّيَتْ خَمْرًا، لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ: تُخالِطُهُ.
والثّانِي: لِأنَّها تُخَمِّرُ العَقْلَ، أيْ: تَسْتُرُهُ.
والثّالِثُ: لِأنَّها تُخَمِّرُ، أيْ: تُغَطِّي ذِكْرَ هَذِهِ الأقْوالِ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الخَمْرُ في اللُّغَةِ: ما سُتِرَ عَلى العَقْلِ، يُقالُ: دَخَلَ فُلانٌ في خِمارِ النّاسِ، أيْ: في الكَثِيرِ الَّذِي يَسْتَتِرُ فِيهِمْ، وخِمارُ المَرْأةِ قِناعُها، سُمِّيَ خِمارًا لِأنَّهُ يُغَطِّي.
قالَ: والخَمْرُ هاهُنا هي المُجْمَعُ عَلَيْها، وقِياسُ كُلِّ ما عَمِلَ عَمَلَها أنْ يُقالَ لَهُ: خَمْرٌ، وأنْ يَكُونَ في التَّحْرِيمِ بِمَنزِلَتِها، لِأنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِمارَ كُلَّهُ حَرامٌ، وإنَّما ذَكَرَ المَيْسِرَ مِن بَيْنِهِ، وجَعَلَ كُلَّهُ قِياسًا عَلى المَيْسِرِ، والمَيْسِرُ إنَّما يَكُونُ قِمارًا في الجُزُرِ خاصَّةً.
فَأمّا المَيْسِرُ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ: هو القِمارُ.
قالَ ابُنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: يَسَرْتُ: إذا ضَرَبْتُ بِالقِداحِ، ويُقالُ لِلضّارِبِ بِالقِداحِ: ياسِرٌ وياسِرُونَ.
ويُسْرٌ وأيْسارٌ.
وَكانَ أصْحابُ الثَّرْوَةِ والأجْوادِ في الشِّتاءِ عِنْدَ شِدَّةِ الزَّمانِ وكَلْبِهِ يَنْحَرُونَ جَزُورًا، ويُجَزِّئُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَضْرِبُونَ عَلَيْها القِداحَ، فَإذا قَمَرَ القامِرُ، جَعَلَ ذَلِكَ لِذَوِي الحاجَةِ والمَسْكَنَةِ، وهو النَّفْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، وكانُوا يَتَمادَحُونَ بِأخْذِ القِداحِ، ويَتَسابُونَ بِتِرْكِها ويَعِيبُونَ مَن لا يُيْسِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ "كَبِيرٌ" بِالباءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالثّاءِ.
وَفِي إثْمِ الخَمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ شُرْبَها يُنْقِصُ الدِّينَ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ وآَذى النّاسَ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وُقُوعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وتَغْطِيَةِ العَقْلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّمْيِيزُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي إثْمِ المَيْسِرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، ويُوقِعُ العَداوَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يَدْعُوا إلى الظُّلْمِ ومَنعِ الحَقِّ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ وجائِزٌ أنْ يُرادَ جَمِيعُ ذَلِكَ.
وَأمّا مَنافِعُ الخَمْرِ؛ فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الرِّبْحُ في بَيْعِها.
والثّانِي: انْتِفاعُ الأبْدانِ مَعَ التِذاذِ النُّفُوسِ.
وأمّا مَنافِعُ المَيْسِرِ: فَإصابَةُ الرَّجُلِ المالَ مِن غَيْرِ تَعَبٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: وإثْمُهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: وإثْمُهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْضًا لِأنَّ الإثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ في أسْبابِهِا أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما.
وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا.
واخْتَلَفُوا بِماذا كانَتِ الخَمْرَةُ مُباحَةً؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ﴾ .
قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: بِالشَّرِيعَةِ الاُولى، وأقَرَّ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى حُرِّمَتْ.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ لِهَذِهِ الآَيَةِ تَأْثِيرٌ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَقْتَضِي ذَمَّها دُونَ تَحْرِيمِها، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَها تَأْثِيرًا في التَّحْرِيمِ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ فِيها إثْمًا كَبِيرًا والإثْمُ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ والإثْمَ والبَغْيَ ﴾ .
هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وحَكاهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها، واحْتَجَّ لِصِحَّتِهِ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي، فَقالَ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ ؛ وقَعَ التَّساوِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا قالَ: ﴿ وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ صارَ الغالِبُ الإثْمَ، وبَقِيَ النَّفْعُ مُسْتَغْرِقًا في جَنْبِ الإثْمِ، فَعادَ الحُكْمُ لِلْغالِبِ المُسْتَغْرِقِ، فَغَلَبَ جانِبُ الخَطَرِ.
* فَصْلٌ فَأمّا المَيْسِرُ؛ فالقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في الخَمْرِ، إنْ قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الآَيَةَ دَلَّتْ عَلى التَّحْرِيمِ، فالمَيْسِرُ حُكْمُها حَرامٌ أيْضًا، وإنْ قُلْنا: إنَّها دَلَّتْ عَلى الكَراهَةِ؛ فَأقْوَمُ الأقْوالِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الآَيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ نَصَّتْ عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الَّذِي سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِالنَّفَقَةِ هاهُنا: الصَّدَقَةُ والعَطاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ العَفْوَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعُ واوَ "العَفْوَ" وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "ماذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَجَوابُهُ العَفْوَ بِالنَّصْبِ، كَما تَقُولُ في جَوابِ.
ماذا أنْفَقْتَ؟
أيْ: أنْفَقْتُ دِرْهَمًا.
هَذا وجْهُ نَصْبِ العَفْوِ.
ومَن رَفَعَ جَعَلَ "ذا" بِمَنزِلَةِ الَّذِي، ولَمْ يَجْعَلْ "ماذا" اسْمًا واحِدًا، فَإذا قالَ قائِلٌ: ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: ما الَّذِي أنْزَلَ رَبُّكُمْ؛ فَجَوابُهُ: قُرْآَنٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: "العَفْوُ" في اللُّغَةِ: الكَثْرَةُ والفَضْلُ، يُقالُ: قَدْ عَفا القَوْمُ: إذا كَثُرُوا.
و"العَفْوُ" ما أتى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَفْوُ: المَيْسُورُ.
يُقالُ: خُذْ ما عَفاكَ: أيْ: ما أتاكَ سَهْلًا بِلا إكْراهٍ ولا مَشَقَّةٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالعَفْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما يَفْضُلُ عَنْ حاجَةِ المَرْءِ وعِيالِهِ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُهم مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القَصْدُ بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ ما لا يَتَبَيَّنُ عَلَيْهِمْ مِقْدارُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: عَفا الأثَرُ إذا خَفِيَ ودُرِسَ، حَكاهُ شَيْخُنا عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
* فَصْلٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَرَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّها نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، وأبى نَسْخُها آَخَرُونَ.
وفَصْلُ الخِطابِ في ذَلِكَ أنّا مَتى قُلْنا: إنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ التَّصَدُّقُ بِفاضِلِ المالِ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ أُوجَبَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآَيَةُ صَدَقَةً قَبْلَ الزَّكاةِ، فالآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ الزَّكاةِ، ومَتى قُلْنا: إنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ، أوْ عَلى الصَّدَقَةِ المَندُوبِ إلَيْها، فَهي مُحْكَمَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كَذَلِكَ، وهو يُخاطِبُ جَماعَةً، لِأنَّ الجَماعَةَ مَعْناها: القَبِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: كَذَلِكَ يا أيُّها القَبِيلُ.
وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلنَّبِيِّ، ، كَأنَّهُ قالَ: كَذَلِكَ يا أيُّها النَّبِيُّ، لِأنَّ الخِطابَ لَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى خِطابِ أُمَّتِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ في "كَذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما بَيْنَ مِنَ الإنْفاقِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي بَيَّنَهُ لَكم في الإنْفاقِ يُبَيِّنُ الآَياتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "كَذَلِكَ" غَيْرُ إشارَةٍ إلى ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: هَكَذا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ فَتَعْرِفُونَ فَضْلَ ما بَيْنَهُما، فَتَعْمَلُونَ لِلْباقِي مِنهُما.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عن دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عن دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُونَ ﴾ ابْتِداءُ خَبَرٍ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- وتَحْذِيرٌ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن شَرِّ الكَفَرَةِ، و"يَرُدُّوكُمْ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ ﴾ ، أيْ يَرْجِعُ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ.
قالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وطاوُوسٌ، والحَسَن: عَلى خِلافٍ عنهُ، والشافِعِيُّ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-: يُقْتَلُ دُونَ أنْ يُسْتَتابَ.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى قَوْلِهِما إنَّهُ يُقالُ لَهُ لِلْحِينِ: راجِعْ، فَإنْ أبى ذَلِكَ قُتِلَ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنْ كانَ المُرْتَدُّ ابْنَ مُسْلِمِينَ قُتِلَ دُونَ اسْتِتابَةٍ، وإنْ كانَ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ اسْتُتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْهَلُ مِن فَضْلِ الإسْلامِ ما لا يَجْهَلُ ابْنُ المُسْلِمِينَ.
واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالِاسْتِتابَةِ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والشافِعِيُّ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-.
وقالَ الزُهْرِيُّ: يُدْعى إلى الإسْلامِ فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بن أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ اسْتَتابَ مُرْتَدًّا شَهْرًا، فَأبى قَتَلَهُ.
وقالَ النَخْعِيُّ، والثَوْرِيُّ: يُسْتَتابُ مَحْبُوسًا أبَدًا.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: واخْتَلَفَتِ الآثارُ عن عُمَرَ في هَذا البابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُنَفِّذُ بِحَسَبِ جُرْمِ ذَلِكَ المُرْتَدِّ، أو قِلَّةِ جُرْمِهِ، المُقْتَرِنُ بِالرِدَّةِ.
وحَبِطَ العَمَلُ إذا انْفَسَدَ في آخِرَ فَبَطَلَ.
وَقَرَأ أبُو السَمالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ، واللَيْثُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: مِيراثُ المُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وقالَ مالِكٌ، ورَبِيعَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: مِيراثُهُ في بَيْتِ المالِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ ورَثَتَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ لا يَرِثُونَهُ إلّا شُذُوذًا، رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن قَتادَةَ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ خِلافُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةُ.
قالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وغَيْرُهُما: «لَمّا قُتِلَ واقَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ في الشَهْرِ الحَرامِ تَوَقَّفَ رَسُولُ اللهِ عن أخْذِ خُمْسِهِ الَّذِي وُفِّقَ في فَرْضِهِ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ»، وفي الأسِيرَيْنِ، فَعَنَّفَ المُسْلِمُونَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وأصْحابَهُ، حَتّى شُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَتَلافاهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الشَهْرِ الحَرامِ، ثُمَّ بِذِكْرِهِمْ والإشارَةِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثُمَّ هي باقِيَةٌ في كُلِّ مَن فَعَلَ ما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
وهاجَرَ الرَجُلُ إذا انْتَقَلَ نَقْلَةَ إقامَةٍ مِن مَوْضِعٍ، إلى مَوْضِعٍ وقَصَدَ تَرْكَ الأوَّلِ إيثارًا لِلثّانِي وهِيَ: مُفاعَلَةٌ مِن هَجَرَ،.
ومَن قالَ: المُهاجَرَةُ الِانْتِقالُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ فَقَدْ أوهَمَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ كانَ الأغْلَبَ في العَرَبِ، ولَيْسَ أهْلُ مَكَّةَ مُهاجِرِينَ عَلى قَوْلِهِ،.
وجاهَدَ: مُفاعَلَةٌ مِن جَهِدَ إذا اسْتَخْرَجَ الجُهْدَ، و"يَرْجُونَ" مَعْناهُ: يَطْمَعُونَ ويَسْتَقْرِبُونَ، والرَجاءُ تَنَعُّمٌ، والرَجاءُ أبَدًا مَعَهُ خَوْفٌ ولا بُدَّ.
كَما أنَّ الخَوْفَ مَعَهُ رَجاءٌ، وقَدْ يَتَجَوَّزُ أحْيانًا ويَجِيءُ الرَجاءُ بِمَعْنى ما يُقارِنُهُ مِنَ الخَوْفِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ وقالَ الأصْمَعِيُّ: إذا اقْتَرَنَ حَرْفُ النَفْيِ بِالرَجاءِ، كانَ بِمَعْنى الخَوْفِ كَهَذا البَيْتِ، وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ) المَعْنى: لا يَخافُونَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الرَجاءَ في الآيَةِ عَلى بابِهِ، أيْ لا يَرْجُونَ الثَوابَ في لِقائِنا، وبِإزاءِ ذَلِكَ خَوْفُ العِقابُ.
وقالَ قَوْمٌ: اللَفْظَةُ مِنَ الأضْدادِ دُونَ تَجَوُّزٍ في إحْدى الجِهَتَيْنِ، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ وقالَ الجاحِظُ في كِتابِ "البُلْدانِ": إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: " لَمْ يَرُجْ لَسْعها " أيْ لَمْ يَرْجُ بُرْءَ لَسْعِها وزَوالِهِ، فَهو يَصْبِرُ عَلَيْهِ.
وباقِي الآيَةِ وعْدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ الآيَةُ.
السائِلُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"الخَمْرِ" مَأْخُوذَةٌ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «خَمِّرُوا الإناءَ» ومِنهُ: خِمارُ المَرْأةِ، والخَمْرُ: ما واراكَ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا يا زَيْدُ والضَحّاكُ سَيْرًا ∗∗∗ فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ الطَرِيقِ أيْ: سِيرا مُدِلَّيْنِ فَقَدْ جاوَزْتُما الوَهْدَةَ الَّتِي يَسْتَتِرُ بِها الذِئْبُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: في لامِعِ العَقِبانِ لا يَمْشِي الخَمَرَ ∗∗∗..................
يَصِفُ جَيْشًا جاءَ بِراياتٍ غَيْرِ مُسْتَخِفٍّ.
ومِنهُ قَوْلُهُمْ: دَخَلَ فُلانٌ في غِمارِ الناسِ وخِمارِهِمْ، أيْ: هو بِمَكانٍ خافٍ، فَلَمّا كانَتِ الخَمْرُ تَسْتُرُ العَقْلَ وتُغَطِّي عَلَيْهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.
والخَمْرُ ماءُ العِنَبِ الَّذِي غَلِيَ ولَمْ يُطْبَخْ وما خامَرَ العَقْلَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَهو في حُكْمِهِ.
وَحَرُمَتِ الخَمْرُ بِالمَدِينَةِ يَوْمَ حَرُمَتْ وهي مِنَ العَسَلِ، والزَبِيبِ، والتَمْرِ، والشَعِيرِ، والقَمْحِ، ولَمْ تَكُنْ عِنْدَهم خَمْرُ عِنَبٍ.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى خَمْرِ العِنَبِ -إذا غَلَتْ ورَمَتْ بِالزُبْدِ- أنَّها حَرامٌ قَلِيلُها وكَثِيرُها، وأنَّ الحَدَّ واجِبٌ في القَلِيلِ مِنها والكَثِيرِ.
وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَمُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، والحَدُّ في ذَلِكَ واجِبٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وجَماعَةٌ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ: "ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَما لا يُسْكِرُ مِنهُ حَلالٌ، وإذا سَكِرَ أحَدٌ مِنهُ دُونَ أنْ يَتَعَمَّدَ الوُصُولَ إلى حَدِّ السُكْرِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ" وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ النَظَرُ.
وأبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وعُمَرُ الفارُوقُ، والصَحابَةُ عَلى خِلافِهِ.
ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ».
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ في "الإشْرافِ": لَمْ يُبْقِ هَذا الخَبَرُ مَقالَةً لِقائِلٍ، ولا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أوَّلُ تَطَرُّقٍ إلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، ثُمَّ بَعْدَهُ: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ .
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : «حُرِّمَتِ الخَمْرُ».
ولَمْ يَحْفَظْ عَنِ النَبِيِّ في حَدِّ الخَمْرِ إلّا أنَّهُ جِلْدُ أرْبَعِينَ.
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ.
ورُوِيَ عنهُ «أنَّهُ ضَرَبَ فِيها ضَرْبًا مَشاعًا»، وحَزْرَهُ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَوْطًا، وعَمِلَ بِذَلِكَ هو، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ تَهافَتَ الناسُ فِيها فَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ وجَعَلَهُ كَأخَفِّ الحُدُودِ ثَمانِينَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وقالَ الشافِعِيُّ بِالأرْبَعِينَ.
وضَرَبَ الخَمْرَ غَيْرَ شَدِيدٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ لا يَبْدُو إبِطُ الضارِبِ.
وقالَ مالِكٌ: الضَرْبُ كُلُّهُ سَواءٌ لا يُخَفَّفُ ولا يَبْرَحُ.
ويُجْتَنَبُ مِنَ المَضْرُوبِ الوَجْهُ والفَرْجُ والقَلْبُ والدِماغُ والخَواصِرُ بِإجْماعٍ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ مِنَ الإباحَةِ والإشارَةِ إلى التَرْخِيصِ.
و"المَيْسِرِ" مَأْخُوذٌ مِن يَسَرَ: إذا جَزَرَ، والياسِرُ: الجازِرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَمْ يَزَلْ بِكَ واشِيهِمْ ومَكْرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أشاطُوا بِغَيْبِ لَحْمِ مَن يَسَرُوا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أقُولُ لَهم بِالشِعَبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا إنِّي ابْنُ فارِسٍ زَهْدَمِ والجَزُورُ الَّذِي يَسْتَهِمُ عَلَيْهِ، يُسَمّى مُيْسِرًا لِأنَّهُ مَوْضِعُ اليُسْرِ، ثُمَّ قِيلَ لِلسِّهامِ مَيْسِرٌ لِلْمُجاوَرَةِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: المَيْسِرُ مَأْخُوذٌ مِن يَسَرَ لِي هَذا إذا وجَبَ وتَسَنّى، ونَسَبَ القَوْلَ إلى مُجاهِدٍ، ثُمَّ جَلَبَ مِن نَصِّ كَلامِ مُجاهِدٍ ما هو خِلافٌ لِقَوْلِهِ، بَلْ أرادَ مُجاهِدٌ الجَزَرَ.
واليُسْرُ: الَّذِي يَدْخُلُ في الضَرْبِ بِالقِداحِ، وجَمْعُهُ أيْسارٌ، وقِيلَ: يُسْرٌ جَمْعُ ياسِرٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ وأحْراسٍ.
وسِهامٌ المَيْسِرِ سَبْعَةٌ لَها حُظُوظٌ، وفِيها فُرُوضٌ عَلى عِدَّةِ الحُظُوظِ، وثَلاثَةٌ لا حُظُوظَ لَها، ولا فُرُوضَ فِيها،.
وهِيَ: الفَذُّ.
والتَوْأمُ، والرَقِيبُ.
والحِلْسُ.
والنافِسُ.
والمُسْبِلُ.
والمُعَلّى والثَلاثَةُ الَّتِي لا حُظُوظَ لَها: المُنَيَّحُ.
والسَفِيحُ.
والوَغْدُ.
تُزادُ هَذِهِ الثَلاثَةُ لِتَكْثُرَ السِهامُ وتَخْتَلِطَ عَلى الحُرْضَةِ، وهو الضارِبُ بِها فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا.
وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تَضْرِبَ بِهَذِهِ القِداحِ في الشَتْوَةِ وضِيقِ الوَقْتِ وكَلْبِ البَرْدِ عَلى الفُقَراءِ تَشْتَرِي الجَزُورَ، ويَضْمَنُ الأيْسارَ ثَمَنَها ثُمَّ تَنْحَرُ وتُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أقْسامٍ، وأخْطَأ الأصْمَعِيُّ في قِسْمَةِ الجَزُورِ فَذَكَرَ أنَّها كانَتْ عَلى قَدْرِ حُظُوظِ السِهامِ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ قِسْمًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ.
ثُمَّ يَضْرِبُ عَلى العَشْرَةِ الأقْسامِ فَمَن فازَ سَهْمُهُ بِأنْ يَخْرُجَ مِنَ الرَبابَةِ مُتَقَدِّمًا أخَذَ أنْصِباءَهُ وأعْطاها الفُقَراءَ.
وفِي أحْيانٍ رُبَّما تَقامَرُوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُغْرَمُ الثَمَنَ مَن لَمْ يَفُزْ سَهْمُهُ، ويَعِيشُ بِهَذِهِ السِيرَةِ فُقَراءُ الحَيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: المُطْعِمُو الضَيْفِ إذا ما شَتَوْا ∗∗∗ والجاعِلُو القُوتِ عَلى الياسِرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: بِأيْدِيهِمْ مَقْرُومَةٌ ومَغالِقُ ∗∗∗ يَعُودُ بِأرْزاقِ العُفاةِ مَنِيحُها والمَنِيحُ في هَذا البَيْتِ المُسْتَمْنِحِ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعِيرُونَ السَهْمَ الَّذِي قَدْ أمْلَسَ، وكَثُرَ فَوْزُهُ فَذَلِكَ المَنِيحُ المَمْدُوحُ.
وأمّا المَنِيحُ الَّذِي هو أحَدُ الثَلاثَةِ الأغْفالِ فَذَلِكَ إنَّما يُوصَفُ بِالكَرِّ، وإيّاهُ أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: ولَقَدْ عَطَفْنَ عَلى فَزارَةَ عَطْفَةً ∗∗∗ كَرَّ المَنِيحُ وجُلْنَ ثَمَّ مَجالًا ومِنَ المَيْسِرِ قَوْلُ لَبِيدٍ: إذا يَسَرُوا لَمْ يُورِثِ اليُسْرُ بَيْنَهم ∗∗∗ فَواحِشُ يُنْعى ذِكْرُها بِالمَصائِفِ فَهَذا كُلُّهُ هو نَفْعُ المَيْسِرِ إلّا أنَّهُ أكَلَ المالَ بِالباطِلِ فَفِيهِ إثْمٌ كَبِيرٌ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، والحُسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: كُلُّ قِمارٍ مَيْسِرٌ مِن نَرْدَ وشَطْرَنْجَ ونَحْوِهِ، حَتّى لَعِبِ الصِبْيانِ بِالجَوْزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ: الإثْمُ فِيهِما بَعْدَ التَحْرِيمِ، والمَنفَعَةُ فِيهِما قَبْلَهُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: الإثْمُ في الخَمْرِ: ذِهابُ العَقْلِ والسِبابُ والِافْتِراءُ والإذايَةُ والتَعَدِّي الَّذِي يَكُونُ مِن شارِبِها.
والمَنفَعَةُ: اللَذَّةُ بِها، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِقاءُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْراحِها.
وقالَ مُجاهِدٌ: "المَنفَعَةُ بِها كَسْبُ أثْمانِها، ثُمَّ أعْلَمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الإثْمَ أكْبَرُ مِنَ النَفْعِ وأعُودُ بِالضَرَرِ في الآخِرَةِ، فَهَذا هو التَقْدِمَةُ لِلتَّحْرِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "كَثِيرٌ" بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ، وحُجَّتُها أنَّ النَبِيَّ : «لَعَنَ الخَمْرَ ولَعَنَ مَعَها عَشْرَةً: بائِعُها ومُبْتاعُها والمُشْتَراةُ لَهُ، وعاصِرُها والمَعْصُورَةُ لَهُ وساقِيها وشارِبُها وحامِلُها والمَحْمُولَةُ إلَيْهِ وآكِلُ ثَمَنِها» فَهَذِهِ آثامٌ كَثِيرَةٌ.
وأيْضًا فَجَمْعُ المَنافِعِ يَحْسُنُ مَعَهُ جَمْعُ الآثامِ، و"كَثِيرٌ" بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ يُعْطِي ذَلِكَ.
وقَرَأ باقِي القُرّاءِ، وجُمْهُورُ الناسِ: "كَبِيرٌ" بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، وحُجَّتُها أنَّ الذَنْبَ في القِمارِ وشُرْبِ الخَمْرِ مِنَ الكَبائِرِ فَوَصْفُهُ بِالكَبِيرِ ألْيَقُ.
وأيْضًا فاتِّفاقُهم عَلى "أكْبَرُ" حُجَّةٌ لِكَبِيرٍ بِالباءِ بِواحِدَةٍ-، وأجْمَعُوا عَلى رَفْضِ أكْثَرَ -بِالثاءِ مُثَلَّثَةً- إلّا ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإنَّ فِيهِ "قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَثِيرٌ وإثْمُهُما أكْثَرُ" بِالثاءِ مُثَلَّثَةً في الحَرْفَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما إثْمٌ ﴾ ، يُحْتَمَلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ في اسْتِعْمالِهِما بَعْدَ النَهْيِ، والآخَرُ أنْ تُرادَ خِلالَ السُوءِ الَّتِي فِيهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ كَرِهَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ، وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ تَجَنَّبُوها عِنْدَ أوقاتِ الصَلَواتِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ضَيْعَةٌ لَكَ اليَوْمَ، قُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ.
وقالَ رَسُولُ اللهِ : «حُرِّمَتِ الخَمْرُ».
ولَمّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟
﴾ قالَ: "انْتَهَيْنا.
انْتَهَيْنا".
قالَ الفارِسِيُّ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ ﴾ وأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِيها إثْمًا، فَهي حَرامٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ هَذا النَظَرُ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ الإثْمَ الَّذِي فِيها هو الحَرامُ، لا هي بِعَيْنِها عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا النَظَرُ.
وقالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللهُ الخَمْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُحَرِّمْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ ﴾ قالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: هَذِهِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.
وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: بَلْ هي نَفَقاتُ التَطَوُّعِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: نُسِخَتْ بِالزَكاةِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي مَحْكَمَةٌ وفي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ.
و"العَفْوَ": هو ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ دُونَ أنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ ومالَهُ، ونَحْوَ هَذا هي عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مَن عَفا الشَيْءُ إذا كَثُرَ، فالمَعْنى: أنْفَقُوا ما فَضَلَ عن حَوائِجِكم ولَمْ تُؤْذُوا فِيهِ أنْفُسَكم فَتَكُونُوا عالَةً،.
ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: «مَن كانَ لَهُ فَضْلٌ فَلْيُنْفِقْهُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلى مَن يَعُولُ، فَإنَّ فَضَلَ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ».
وَقالَ : «خَيْرُ الصَدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنًى»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «ما كانَ عن ظَهْرِ غِنًى».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "العَفْوَ" بِالنَصْبِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "العَفْوُ" بِالرَفْعِ.
واخْتَلَفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى "ماذا" فَمَن جَعَلَ "ما" ابْتِداءً و"ذا" خَبَرُهُ بِمَعْنى الَّذِي، وقُدِّرَ الضَمِيرُ في "يُنْفِقُونَ" عائِدًا؛ قَرَأ "العَفْوُ" بِالرَفْعِ لِتَصِحَّ مُناسَبَةُ الجُمَلِ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم أوِ الَّذِي تُنْفِقُونَ العَفْوَ.
ومَن جَعَلَ "ماذا" اسْمًا واحِدًا مَفْعُولًا بِـ "يُنْفِقُونَ"؛ قَرَأ: "قُلِ العَفْوَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وصَحَّ لَهُ التَناسُبُ.
ورَفْعُ "العَفْوَ" مَعَ نَصْبِ "ماذا" جائِزٌ ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها.
وَعَلى مَنزِلَتَيْهِما، لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في تِلْكَ الآياتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الدُنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِـ "الآياتِ"، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ وهو المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَتَعَلَّقُ "فِي الدُنْيا" بِـ "تَتَفَكَّرُونَ".
<div class="verse-tafsir"
استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية، والمشروع في بيانها من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى يَسْھَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 178] إلى آخر السورة، عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر والمواعظ والأمثال والقصص؛ على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطاً للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ، وقد تناسقت في هذه الآية.
والسائلون هم المسلمون؛ قال الواحدي: نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال، فنزلت هذه الآية، قال في «الكشاف»: فلما نزلت هذه الآية ترك الخمر قوم وشربها آخرون ثم نزلت بعدها آية المائدة (90): ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر.
﴾ وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديماً لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه، وأما ما يذكره علماء الإسلام أن الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة، وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها، وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم، على أن مراعاتها درجات، ولا حاجة إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه عن شربها، وفي التوراة التي بيد اليهود أن نوحاً شرب الخمر حتى سكر، وأن لوطاً شرب الخمر حتى سكر سكراً أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع، والأخير من الأكاذيب؛ لأن النبوءة تستلزم العصمة، والشرائع وإن اختلفت في إباحة أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء، والذي يجب اعتقاده: أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء؛ لا يشربها شاربوها إلا للطرب واللهو والسكر، وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ولأنها يشربونها لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها.
وفي سفر اللاويين من التوراة وكلم الله هارون قائلاً: خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا.
فرضاً دهرياً في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلَّل وبين النجس والطاهر.
وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم، وقصارى لذَّاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم، قال طرفة: ولولا ثلاثٌ هُنَّ من عِيشة الفتى *** وجدك لم أحفل متى قام عُوَّدِي فمنهن سبقي العاذلات بشَربة *** كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ وعن أنس بن مالك: حرمت الخمر ولم يكن يومئذٍ للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر.
فلا جرَم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبةً إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنانُ بذلك في قوله تعالى: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [النحل: 67] على تفسير من فسر السَّكَر بالخمر.
وقيل السَّكَر: هو النبيذ غير المسكر، والأظهر التفسير الأول.
وآية سورة النحل نزلت بمكة، واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام، أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب.
والصحيح الأول، فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكراً من الثمرات التي خلقها لهم، ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ذلك بالتدريج، فقيل: إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم، وأن سبب نزولها ما تقدم، فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيهاً لهم، إذ كانوا لا يذكرون إلاّ محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم، قال البغوي: إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تَقَدَّم في تحريم الخمر " أي ابتدأَ يُهيئ تحريمها يقال: تقدمت إليك في كذا أي عرضتُ عليك، وفي «تفسير ابن كثير»: أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزهاً.
وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة، وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى أبو داود، وروَى أيضاَ عن ابن عباس أنّه رأى أن آية المائدة نسخت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43]، ونسخت آية ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ ، ونُسب لابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زين بن أسلم.
وذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة المائدة، فيجيء على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة وأنها وضعت هنا إلحاقاً بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها.
وأن معنى فيهما إثم كبير} في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم، وهذا هو الأظهر من الآية؛ إذ وُصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلاّ مؤكدة للتحريم ونصاً عليه؛ لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد يتأوّله المتأوّلون بالعذر في شربها، وقد روي في بعض الآثار أنّ ناساً شربوا الخمر بعد نزول هذه الآية فصلّى رجلان فجعلا يهجران كلاماً لا يُدْرَى ما هو، وشرِبها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر من المشركين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فزعاً ورفع شيئاً كان بيده ليضربه فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآلى: لا أطعمها أبداً، فأنزل الله تحريمها بآية سورة المائدة.
والخمر اسم مشتق من مصدر خَمَر الشيءَ يخمرُه من باب نصر إذا ستَره، سمي به عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكراً؛ لأنه يَستر العقل عن تصرفه الخَلْقي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر، أو هو اسم جاء على زِنة المصدر وقيل: هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أوْ عصير غيره أو ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وتُرك حتى يختمر ويُزبد، واستظهره صاحب «القاموس».
والحق أن الخمر كل شراب مسكر إلا أنه غلب على عصير العنب المسكر؛ لأنهم كانوا يتنافسون فيه، وأن غيره يطلق عليه خَمر ونبيذ وفضيخ، وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم الخمر من فضيخ التمر، وأن أشربة أهل المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب، وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ، والنقيع، والسُّكَرْكَةَ، والبِتْع.
وما ورد في بعض الآثار عن ابن عمر: نزل تحريم الخمر وبالمدينة خمسة أشربة ما فيها شراب العنب، معناه ليس معدوداً في الخمسة شرابُ العنب لقلة وجوده وليسر المراد أن شراب العنب لا يوجد بالمدينة.
وقد كان شراب العنب يجلب إلى الحجاز ونجد من اليمن والطائف والشام قال عَمرو ابن كلثوم: ولا تُبِقي خُمور الأَنْدَرِين وأندرين بلد من بلاد الشام.
وقد انبنى على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام، فقد أجمع العلماء كلهم على أن خمر العنب حرام كثيرها إجماعاً وقليلها عند معظم العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى، ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذاً بمسمى الخمر عندهم، وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت لجميعها وهذا هو الصواب.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان الثوري: يختص شراب العنب بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم منه إلا القدر المسكر، هكذا ينقل المخالفون عن أبي حنيفة، وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقاً حتى ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئاً، ويزيد ذلك إيهاماً قاعدة أن المأذون فيه شرعاً لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص وحوادث كقول أبي نواس: أباح العراقي النبيذ وشربه *** وقال حَرامان المدامة والسَّكْرُ ولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن الأشربة المسكرة قسمان، أحدهما محرم شربه وهو أربعة: (الخمر) وهو النيء من عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذَف بالزبد، (والطِلاء) بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكراً، (والسَّكَر) بفتح السين والكاف وهو النيء من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكراً، (والنقيع) وهو النيء من نبيذ الزبيب، وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ونجسة العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها، وأما الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر.
القسم الثاني الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو أدنى طبخة، ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة، ونبيذ العسل والتين والبُرّ والشعير والذُّرة طُبخ أم لم يطبخ.
والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فهذه الأربعة يحل شربها؛ إذا لم يقصد به اللهو والطرب بل التقوي على العبادة (كذا) أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر.
وهذا التفصيل دليله القياس، لأن هذه الأشربة لم يبق فيها الإسكار المعتاد، وأما الحد فلا وجه للتفصيل فيه لأنه إن كان على السكر فالجميع سواء في الإسكار، على أنه يلزم ألاّ يكون الحد إلا عند حصول السكر وليس في الآثار ما يشهد لغير ذلك، وإن كان الحد لسد الذريعة فلا أرى أن قاعدة سد الذريعة تبلغ إلى حد مرتكب الذريعة قبل حصول المتذرع إليه.
وتَمسكُّ الحنفية لهذا التفصيل بأن الأنبذة شربها الصحابة هو تمسك أوهى مما قبله، إذ الصحابة يحاشون عن شرب المسكرات وإنما شربوا الأنبذة قبل اختمارها، واسم النبيذ يطلق على الحلو والمختمر فصار اللفظ غير منضبط، وقد خالف محمد بن الحسن إمامه في ذلك فوافق الجمهور.
وربما ذكر بعضهم في الاستدلال أن الخمر حقيقة في شراب العنب النيء مجاز في غيره من الأنبذة والشراب المطبوخ، وقد جاء في الآية لفظ الخمر فيحمل على حقيقته وإلحاقُ غيره به إثبات اللغة بالقياس، وهذا باطل، لأن الخلاف في كون الخمر حقيقة في شراب العنب أو في الأعم خلاف في التسمية اللغوية والإطلاق، فبقطع النظر عنه كيف يظن المجتهد بأن الله تعالى يحرم خصوص شراب العنب ويترك غيره مما يساويه في سائر الصفات المؤثرة في الأحكام.
فإن قالوا: إن الصفة التي ذكرت في القرآن قد سوينا فيها جميع الأشربة وذلك بتحريم القدر المسكر وبقيت للخمر أحكام ثبتت بالسنة كتحريم القليل والحد عليه أو على السُّكر فتلك هي محل النظر، قلنا: هذا مصادرة لأننا استدللنا عليهم بأنه لا يظن بالشارع أن يفرق في الأحكام بين أشياء متماثلة في الصفات، على أنه قد ثبت في «الصحيح» ثبوتاً لا يدع للشك في النفوس مجالاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة " رواه النعمان بن بشير وهو في «سنن أبي داود» وقال: " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " رواه أبو هريرة وهو في «سنن أبي داود»، وقال: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " رواه ابن عمر في «سنن الترمذي»، وقال أنس: لقد حُرِّمت الخمر وما نجد شراب العنب إلا قليلاً، وعامة شرابنا فضيخ التمر.
كما في «سنن الترمذي».
وأما التوسع في الخمر بعد الطبخ، فهو تشويه للفقه ولطخ، وماذا يفيد الطبخ إن كان الإسكار لم يزل موجوداً.
وصف الله الخمر بأن فيها إثماً كبيراً ومنافع.
والإثم: معصية الله بفعل ما فيه فساد ولا يرضى الله، وأشار الراغب إلى أن في اشتقاق الإثم معنى الإبطاء عن الخير، وقال ابن العربي في تفسير سورة الأعراف: الإثم عبارة عن الذم الوارد في الفعل، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب، وظاهر اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم في الشرع، فهو ضد القربة فيكون معنى ﴿ فيهما إثم كبير ﴾ أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر.
وإطلاق الكبير على الإثم مجاز، لأنه ليس من الأجسام، فالمراد من الكبير: الشديد في نوعه كما تقدم آنفاً.
وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما؛ لأن الظرفية أشد أنواع التعلق، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في كلام العرب، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة، والمراد في استعمالهما المعتاد.
واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة في الدنيا والآخرة.
وقرأ الجمهور ﴿ إثم كبير ﴾ بموحَّدَة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي (كثير) بالثاء المثلثة، وهو مجازاً استعير وصف الكثير للشديد تشبيهاً لقوة الكيفية بوفرة العدد.
والمنافع: جمع منفعة، وهي اسم على وزن مَفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدراً ميمياً قصد منه قوة النفع، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبنى.
ويحتمل أن يكون اسم مكان دالاً على كثرة ما فيه كقولهم مَسْبَعة ومَقْبَرة أي يكثر فيهما النفع من قبيل قولهم مَصْلَحة ومَفْسَدة، فالمنفعة على كل حال أبلغ من النفع.
والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية، وفيها ذهاب المال في شربها، وفي الإنفاق على الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عُمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي: ولسنا بشَرْببٍ أمَّ عمرو إذَا انْتَشَوْا *** ثِيابُ الندامَى عندهم كالمغانم ولكننا يا أمَّ عمرو نديمنا *** بمنزلة الريَّان ليس بعائم وقال عنترة: وإذا سَكِرْتُ فإنني مُستهلك *** مالي وعِرضي وافِرٌ لم يُكْلَمِ وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيباً، قال لبيد: أُغْلِي السِّبَاءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقٍ *** أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُها ومن آثامها ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها ضراراً في الكبد والرئتين والقلب وضعفاً في النَّسل، وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها، لأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية، فممن حرمها على نفسه في الجاهلية قَيْس بن عاصم المِنْقَري بسبب أنه شرب يوماً حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم معه كلاماً، فلما أخبر بذلك حين صحا آلى لا يذوق خمراً ما عاش وقال: رأيتُ الخمرَ صالحة وفيها *** خصال تُفسد الرجلَ الحليما فلا واللَّه أَشْرَبُها صَحِيحا *** ولا أُشْفَى بها أَبدا سَقيما ولا أعطي بها ثَمنا حياتي *** ولا أَدعو لها أبداً نديماً فإنَّ الخمر تفضح شاربيها *** وتُجنيهم بها الأمر العظيما وفي «أمالي القالي» نسبة البيتين الأولين لصفوان بن أمية، ومنهم عامر بن الظَّرِب العَدْواني، ومنهم عفيف بن معد يكرب الكندي عم الأشعث بن قيس، وصفوان بن أمية الكناني، وأسلوم البالي، وسويد بن عدي الطائي، (وأدرك الإسلام) وأسد بن كُرْز القَسْري البَجَلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة، وعثمان بن عفان، وأبو بكر الصديق، وعباس بن مرداس، وعثمان بن مظعون، وأمية بن أبي الصلت، وعبد الله بن جُدْعان.
وأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة الطائف واليمن من الخمر، وفيها منافع من اللذة والطرب، قال طرفة: ولولا ثلاث هُنَّ من عيشة الفتى *** وجدك لم أَحفل متى قام عُوَّدِي فمنهن سَبْقِي العاذِلات بشَرْبَة *** كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالمَاء تُزْبِد وذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فراراً من الاعتراف بمنافع بدنية للخمر وهو جحود للموجود ومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع بدنية ولكنها بالتحريم زالت.
وذُكر في هذه الآية الميسر عطفاً على الخمر ومخبراً عنهما بأخبار متحدة فما قيل في مقتضى هذه الآية من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله في الميسر، وقد بان أن الميسر قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ وهو أكبر لهو يَلْهُون به، وكثيراً ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم للشِّواء عند شرب الخمر، فهم يتوسلون لنحر الجَزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر كما في قصة حمزة، إذ نحر شارفاً لعليّ بن أبي طالب حين كان حمزة مع شَرْب فغنته قينته مغرية إياه بهذا الشارف: ألا يا حَمْزَ للشُّرُف النِّوَاءِ *** وهُنَّ معقَّلاتٌ بالفِناء فقام إليها فشق بطنها وأخرج الكبد فشواه في قصة شهيرة، وقال طرفةُ يذكر اعتداءه على ناقة من إبل أبيه في حال سُكره: فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذات خَيْففٍ جُلاَلَةٌ *** عَقِيلةُ شَيْخخٍ كالوَبيل يَلَنْدَدِ يقول وقد تَرَّ الوَظيفَ وساقَها *** أَلَسْتَ ترى أن قد أتيتَ بمُؤْيِدِ وقال ألا ماذا ترون بشارب *** شديد علينا بغيه متعمِّدِ فلا جرم أن كان الميسر أيسر عليهم لاقتناء اللحم للشرب ولذلك كثر في كلامهم قرنه بالشُّرب، قال سبرة بن عمرو الفقعسي يذكر الإبل: نُحَابي بها أَكْفَاءَنَا ونُهِينها *** ونَشْرَبُ في أثمانها ونُقَامِرُ وذكر لبيد الخمر ثم ذكر الميسر في معلقته فقال: أغلى السِّباءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقٍ *** أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُها ثم قال: وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِها *** بمَغَالِققٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُها وذكرهما عنترة في بيت واحد فقال يذكر محاسن قرنه الذي صرعه في الحرب: رَبِذٍ يَدَاهُ بالقِدَاححِ إذَا شَتَا *** هَتَّاككِ غَايَاتتِ التِّجار مُلَوَّمَ فلأجل هذا قُرن في هذه الآية ذكر الخمر بذكر الميسر، ولأجله اقترنا في سؤال السائلين عنهما إن كان ثمة سؤال.
والميسر: اسم جنس على وزن مَفْعِل مشتق من اليُسر، وهو ضد العسر والشدة، أو من اليسار وهو ضد الإعسار، كأنهم صاغوه على هذا الوزن مراعاة لزنة اسم المكان من يَسر يَيْسِر وهو مكان مجازي جعلوا ذلك التقامر بمنزلة الظرف الذي فيه اليسار أو اليسر، لأنه يفضي إلى رفاهة العيش وإزالة صعوبة زمن المَحْل وكَلَب الشِّتَاء، وقال صاحب «الكشاف»: هو مصدر كالمَوْعد، وفيه أنه لو كان مصدراً لكان مفتوح السين؛ إذ المصدر الذي على وزن المفعِل لا يكون إلا مفتوح العين ما عدا ما شذ، ولم يذكروا الميسر في الشاذ، إلا أن يجاب بأن العرب وضعوا هذا الاسم على وزن المصدر الشاذ ليعلم أنه الآن ليس بمصدر.
والميسر: قمار كان للعرب في الجاهلية، وهو من القمار القديم المتوغل في القدم كان لعادٍ من قبل، وأول من ورد ذكر لعب الميسر عنه في كلام العرب هو لقمان بن عَاد ويقال لقمان العادي، والظاهر أنه ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام، وهو غير لقمان الحكيم، والعرب تزعم أن لقمان كان أكثر الناس لعباً بالميسر حتى قالوا في المثل «أيسرُ من لقمان» وزعموا أنه كان له ثمانية أيسار لا يفارقونه هم من سادة عاد وأشرافهم، ولذلك يشبِّهون أهلَ الميسر إذا كانوا من أشراف القوم بأَيْسار لقمان قال طرفة بن العبد: وهُمُ أَيْسَار لقُمْانَ إذا *** أَغْلَتتِ الشَّتْوة أَبْدَاءَ الجُزُرْ أراد التشبيه البليغ.
وصفة الميسر أنهم كانوا يجعلون عشرة قِداح جمع قِدْح بكسر القاف وهو السهم الذي هو أصغر من النبل ومن السهم فهو سهم صغير مثل السهام التي تلعب بها الصبيان وليس في رأسه سنان وكانوا يسمونها الخِطاء جمع حَظْوَة وهي السهم الصغير وكلها من قصَب النبْععِ، وهذه القداح هي: الفذ، والتَّوْأم، والرَّقِيبُ، والحِلْس، والنَّافِس، والمُسْبل، والمُعَلَّى، والسَّفيح، والمنيح، والوَغْد، وقيل النافسُ هو الرابع والحِلس خامس، فالسبعة الأوَل لها حظوظ من واحد إلى سبعة على ترتيبها، والثلاثة الأخيرة لا حظوظ لها وتسمى أَغفالاً جمع غُفْل بضم الغين وسكون الفاء وهو الذي أغفل من العَلامة، وهذه العَلامات خُطُوط من واحد إلى سبعة (كأرقام الحساب الروماني إلى الأربعة)، وقد خطُّوا العلامات على القِداح ذات العلامات بالشلط في القصَبة أو بالحرق بالنار فتسمى العلامة حينئذ قَرْمَة، وهذه العلامات توضع في أسافل القداح.
فإذا أرادوا التقامر اشتَرَوْا جزوراً بثمن مؤجل إلى ما بعد التقامر وقسموه أَبْدَاءً أي أجزَاء إلى ثمانية وعشرين جُزءاً أو إلى عشرة أجزاء على اختلاف بين الأصمعي وأبي عُبيدة، والظاهر أن للعرب في ذلك طريقتين فلذلك اختلف الأصمعي وأبو عبيدة، ثم يضعون تلك القِداح في خريطة من جِلْد تسمى الرِّبابة بكسر الراء هي مثل كنانة النبال وهي واسعة لها مخرج ضيق يضيق عن أن يخرج منه قِدحان أو ثلاثة، ووكلوا بهذه الربابة رجلاً يُدعى عندهم الحُرْضة والضَّرِيب والمُجيل، وكانوا يُغْشُون عينيه بمِغْمَضَة، ويجعلون على يديه خِرقة بيضاء يسمونها المِجْوَل يعصبونها على يديه أو جلدةً رقيقة يسمونها السُّلْفة بضم السين وسكون اللام، ويلتحق هذا الحُرْضة بثوب يُخْرِج رأسه منه ثم يجثو على ركبتيه ويضع الربابة بين يديه، ويقوم وراءَه رجل يسمى الرقيب أو الوكيل هو الأمين على الحُرْضة وعلى الأَيسار كي لا يحتال أحد على أحد وهو الذي يأمر الحُرْضة بابتداء الميسر، يجلسون والأيسارَ حول الحرضة جُثياً على رُكَبهم، قال دريد بن الصمة: دَفَعْتُ إلى المُجيل وقد تَجَاثَوْا *** على الرُّكبات مطلع كل شمس ثم يقول الرقيب للحرْضة جَلْجِلْ القِداح أي حركها فيخضخضها في الرِبابة كي تختلط ثم يفيضها أي يدفعها إلى جهة مَخرج القِداح من الربابة دَفْعة واحدة على اسم واحد من الأيسار فيخرج قِدح فيتقدم الوكيل فيأخذه وينظره فإن كان من ذوات الأنصباء دفعه إلى صاحبه وقال له قم فاعتزِلْ فيقوم ويعتزل إلى جهة ثم تعاد الجلجلة، وقد اغتفروا إذا خرج أول القداح غُفْلاً ألا يحسب في غُرم ولا في غُنْم بل يُرد إلى الربابة وتعاد الإحالة وهكذا ومن خَرَجت لهم القداح الأغفال يدفعون ثمن الجزور.
فأما على الوصف الذي وصفَ الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءا فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئاً من أَبْداء الجزور لأن مجموع ما على القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون، وعلى أهل القداح الخاسرة غرم ثمنه.
وأما على الوصف الذي وصف أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء فذلك يقتضي أن ليس كل المتقامرين برابح، لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام مما رقمت به القداح وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة وغرم أهل السهام الأغفال ثمن الجزور ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين استوفوا أبداء الجزور شيءٌ إذ ليس في الميسر أكثر من جزور واحد قال لبيد: وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِها *** البيت وإذْ لا غنم في الميسر إلا من اللحم لا من الدراهم أو غيرها، ولعل كلاً من وصفي الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر، وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أَخَذ بعض من حضر سهمين أو ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غُرمه وإنما يفعل هذا أهلُ الكرم واليسار لأنه معرض لخسارة عظيمة، إذ لم يفز قدحه، ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم مُتَمِّمَ الأيسار قال النابغة: إني أُتَمِّمُ أيْساري وأمنحُهم *** مثنى الأيادِي وأَكْسُو الجفنة الأدُما ويسمُّون هذا الإتمام بمثْنى الأيادي كما قال النابغة، لأنه يقصد منه تكرير المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم، وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة والجَزّار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ويسمونه بدءا، وأما الحرضة فيعطى لحماً دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم.
ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم يحضرون طمعاً في اللحم، والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم بالتحريك.
وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء، لأنه لو كان هذا الإعطاء مطرداً لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال الأعشى: المُطْعِمُو الضيففِ إذا ما شَتَوْا *** والجاعِلُو القُوتتِ على اليَاسِر ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا يجعلون الربح للفقراء واليتامَى ومَن يُلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم، قال لبيد: أَدْعُو بهن لعَاقِرٍ أو مُطْفِلٍ *** بُذِلَتْ لجيراننِ الجميع لِحَامُها فالضَّيفُ والجارُ الجَنيب كأنما *** هبَطا تَبالَةَ مخصِبا أَهْضَامُها فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات لبيد، وقال عنترة كما تقدم: رَبِذٍ يَداه بالقِداح إذا شَتَا *** هَتَّاككِ غَايَات التِّجار ملوح أي خفيف اليد في الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء، وقال عُمير ابن الجَعد: يَسِرٍ إذا كان الشتاءُ ومُطْعمٍ *** للَّحْم غير كُبُنَّةٍ عَلْفُوفِ الكُبُنَّة بضمتين المنقبض القليل المعروف والعلفوف كعصفور الجافي.
فالمنافع في الميسر خاصة وعامة وهي دنيوية كلها، والإثم الذي فيه هو ما يوقعه من العداوة والبغضاء ومن إضاعة الوقت والاعتياد بالكسل والبطالة واللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التفقه في الدين وعن التجارة ونحوها مما به قوام المدنِيَّة وتلك آثام لها آثارها الضارة في الآخرة، ولهذه الاعتبارات ألحق الفقهاء بالميسر كل لعب فيه قمار كالنّرد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إيَّاكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم» يريد النرد، وعن علي: النرد والشطرنج من الميسر، وعلى هذا جمهور الفقهاء ومالك وأبو حنيفة وقال الشافعي: إذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسانُ عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراماً وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع المال وأخذه وهذا ليس كذلك وهو وجيه والمسألة مبسوطة في الفقه.
والناس مراد به العموم لاختلاف المنافع، ولأنه لما وقع الإخبار بواسطة (في) المفيدة الظرفية لم يكن في الكلام ما يقتضي أن كل فرد من أفراد الناس ينتقع بالخمر والميسر، بل الكلام يقتضي أن هاته المنافع موجودة في الخمر والميسر لمن شاء أن ينتفع كقوله تعالى: ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ [النحل: 69].
وليس المراد بالناس طائفة لعدم صلوحية أل هنا للعهد ولو أريد طائفة لما صح إلا أن يقال ومنافع الشاربين والياسرين كما قال: ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [محمد: 15].
فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع، قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء، لأن الله جعل هذا الدين ديناً دائماً وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرِّعون لمختلف ومتجددِ الحوادث، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى: ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴾ [الحجرات: 12] ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيراً لهم بأن ربهم لا يريد إلاَّ صلاحَهم دون نكايتهم كقوله: ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216] وقوله: ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ [البقرة: 183].
وهنالك أيضاً فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ [البقرة: 187].
﴿ وَيَسْھَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فِى الدنيا والاخرة ﴾ كان سؤالهم عن الخمر والميسر حاصلاً مع سؤالهم ﴿ ماذا ينفقون ﴾ ، فعطفت الآية التي فيها جَوابُ سؤالهم ﴿ ماذا ينفقون ﴾ على آية الجواب عن سؤال الخمر والميسر، ولذلك خولف الأسلوب الذي سلف في الآيات المختلفة بجمل ﴿ يسألونك ﴾ بدون عطف فجيء بهذه معطوفة بالواو على التي قبلها.
ومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم كان ينتفع به المحاويج، فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق.
روى ابن أبي حاتم أن السائل عن هذا معاذ ابن جبل وثعلبة بن غَنَمَة، وقيل هو رجوع إلى الجواب عن سؤال عمرو بن الجموح الذي قيل إنه المجاب عنه بقوله تعالى: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ﴾ [البقرة: 215] إلخ، وعليه فالجواب عن سؤاله موزع على الموضعين ليقع الجواب في كل مكان بما يناسبه.
ولإظهار ما يدفع توقعهم تعطيل نفع المحاويج وصلت هذه الآية بالتي قبلها بواو العطف.
والعفو: مصدر عَفَا يعفو إذا زاد ونَمَى قال تعالى: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ﴾ [الأعراف: 95]، وهو هنا ما زاد على حاجة المرء من المال أي فَضلَ بعد نفقته ونفقة عياله بمعتاد أمثاله، فالمعنى أن المرء ليس مطالباً بارتكاب المآثم لينفق على المحاويج، وإنما ينفق عليهم مما استفضله من ماله وهذا أمر بإنفاق لا يشق عليهم وهذا أفضل الإنفاق، لأن مقصد الشريعة من الإنفاق إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات وإنما يحصل التعميم والدوام بالإنفاق من الفاضل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم فلا يتركه واحد منهم ولا يخلون به في وقت من أوقاتهم، وهذه حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني، وفي الحديث: «خيرُ الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غنى وابدأ بمن تَعول» فإن البداءة بمن يعول ضرب من الإنفاق، لأنه إن تركهم في خصاصة احتاجوا إلى الأخذ من أموال الفقراء، وفي الحديث: «إنك أنْ تَدَع ورثتَك أغنياء خير من أن تَدَعهم عالة يتكففون الناس» أي يمدون أكفهم للسؤال، فتبين أن المنفق بإنفاقه على من ينفق عليه يخفف عن الفقراء بتقليل عدد الداخلين فيهم، ولذلك جاء في الحديث: «وإنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك».
ولهذا أمر في هذه الآية بإنفاق العفو، لأنها لعموم المنفقين، فلا تنافي أن ينفق أحد من ماله المحتاج هو إليه أو جميع ماله إذا صبَر على ذلك ولم يكن له من تجب عليه هو نفقته.
وآل في العفو للجنس المعروف للسامعين، والعفو مقول عليه بالتشكيك؛ لأنه يتبع تعيينَ ما يحتاجه المنفق والناسُ في ذلك متفاوتون، وجعل الله العفو كلَّه منفقاً ترغيباً في الإنفاق وهذا دليل على أن المراد من الإنفاق هنا الإنفاق المتطوع به، إذ قد تضافرت أدلة الشريعة وانعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب على المسلم إنفاق إلا النفقات الواجبة وإلا الزكوات وهي قد تكون من بعض ما يفضل من أموال أهل الثروة إلا ما شذ به أبو ذَر، إذ كان يرى كنز المال حراماً وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه، وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة، وعن قيس بن سعد أن هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى قوله يكون (أل) في العفو للعهد الخارجي وهو نماء المال المقدر بالنصاب.
وقرأ الجمهور (قل العفو) بنصب العفو على تقدير كونه مفعولاً لفعل دل عليه ﴿ ماذا ينفقون ﴾ ، وهذه القراءة مبنية على اعتبار ذا بعد (ما) الاستفهامية ملغاة فتكون (ما) الاستفهامية مفعولاً مقدماً لينفقون فناسب أن يجيء مفسر (ما) في جواب السؤال منصوباً كمفسره.
وقرأ ابن كثير في إحدى روايتين عنه وأبو عمرو ويعقوب بالرفع على أنه خبر مبتدأ تقديره هو العفو، وهذه القراءة مبنية على جعل ذا بعد ما موصولة أي يسألونك عن الذي ينفقونه، لأنها إذا كانت موصولة كانت مبتدأ إذ لا تعمل فيها صلتها وكانت ما الاستفهامية خبراً عن ما الموصولة، وكان مفسرها في الجواب وهو العفو فناسب أن يجاء به مرفوعاً كمفسره ليطابق الجوابُ السؤال في الاعتبارين وكلا الوجهين اعتبار عربي فصيح.
وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ ، أي كذلك البيان يبين الله لكم الآيات، فالكاف للتشبيه واقعة موقع المفعول المطلق المبيِّن لنوع ﴿ يُبَيِّن ﴾ ، وقد تقدم القول في وجوه هذه الإشارة في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ [البقرة: 143].
أو الإشارة راجعة إلى البيان الواقع في قوله تعالى: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ إلى قوله ﴿ العفو ﴾ ، وقرن اسم الإشارة بعلامة البعد تعظيماً لشأن المشار إليه لكماله في البيان، إذ هو بيان للحكم مع بيان علته حتى تتلقاه الأمة بطيب نفس، وحتى يلحقوا به نظائره، وبيان لقاعدة الإنفاق بما لا يشذ عن أحد من المنفقين، ولكون الكاف لم يقصد بها الخطاب بل مجرد البعد الاعتباري للتعظيم لم يؤت بها على مقتضى الظاهر من خطاب الجماعة فلم يقل كذلكم على نحو قوله: ﴿ يبين الله لكم ﴾ .
واللام في ﴿ لكم ﴾ للتعليل والأجل وهو امتنان وتشريف بهذه الفضيلة لإشعاره بأن البيان على هذا الأسلوب مما اختصت به هاته الأمة ليتلقوا التكاليف على بصيرة بمنزلة الموعظة التي تلقى إلى كامل العقل موضحة بالعواقب، لأن الله أراد لهاته الأمة أن يكون علماؤها مشرعين.
وبين فائدة هذا البيان على هذا الأسلوب بقوله: ﴿ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ﴾ أي ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، لأن التفكر مظروف في الدنيا والآخرة، فتقدير المضاف لازم بقرينة قوله ﴿ والآخرة ﴾ إذ لا معنى لوقوع التفكر يوم القيامة فلو اقتصر على بيان الحظر والوجوب والثواب والعقاب لكان بيانا للتفكر في أمور الآخرة خاصة ولو اقتصر على بيان المنافع والمضار بأن قيل: قل فيهما نفع وضر لكان بياناً للتفكر في أمور الدنيا خاصة، ولكن ذكر المصالح والمفاسد والثواب والعقاب تذكير بمصلحتي الدارين، وفي هذا تنويه بشأن إصلاح أمور الأمة في الدنيا، ووقع في كلام لعلي بن أبي طالب وقد ذم رجل الدنيا عنده فقال له: «الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها الخ».
ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة وهو حكم الخمر والميسر ثم ما نشأ عنه قوله: ﴿ ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ .
ويجوز أن تكون الإشارة بقوله {كذلك لكون الإنفاق من العفو وهو ضعيف، لأن ذلك البيان لا يظهر فيه كمال الامتنان حتى يجعل نموذجاً لجليل البيانات الإلهية وحتى يكون محل كمال الامتنان وحتى تكون غايته التفكر في الدنيا والآخرة، ولا يعجبكم كونه أقرب لاسم الإشارة، لأن التعليق بمثل هاته الأمور اللفظية في نكت الإعجاز إضاعة للألباب وتعلق بالقشور.
وقوله: لعلكم تتفكرون } غاية هذا البيان وحكمته، والقول في لعل تقدم.
وقوله ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ يتعلق بتتفكرون لا بيبين، لأن البيان واقع في الدنيا فقط.
والمعنى ليحصل لكم فكر أي علم في شؤون الدنيا والآخرة، وما سوى هذا تكلف.
﴿ وَيَسْھَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ عطف تبيين معاملة اليتامى على تبيين الإنفاق لتعلق الأمرين بحكم تحريم الميسر أو التنزيه عنه فإن الميسر كان باباً واسعاً للإنفاق على المحاويج وعلى اليتامى، وقد ذكر لبيد إطعام اليتامى بعد ذكر إطعام لحوم جزور الميسر فقال: ويُكَلِّلُون إذَا الرياحُ تَنَاوَحَتْ *** خُلْجاً تَمُدُّ شوَارعا أَيْتَامُها أي تمد أيدياً كالرماح الشوارع في اليبس أي قلة اللحم على عظام الأيدي فكان تحريم الميسر مما يثير سؤالا عن سد هذا الباب على اليتامى وفيه صلاح عظيم لهم وكان ذلك السؤال مناسبة حسنة للتخلص إلى الوصاية باليتامى وذكر مجمل أحوالهم في جملة إصلاح الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام، فكان هذا وجه عطف هذه الجملة على التي قبلها بواو العطف لاتصال بعض هذه الأسئلة ببعض كما تقدم في قوله: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ .
وقد روي أن السائل عن اليتامى عبد الله بن رواحة، وأخرج أبو داود عن ابن عباس لما نزل قول الله عز وجل: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ [الإسراء: 34] ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ [النساء: 10] الآيات انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكر ذلك لرسول الله فأنزل الله ﴿ ويسألونك عن اليتامى ﴾ الآية مع أن سورة النساء نزلت بعد سورة البقرة، فلعل ذكر آية النساء وهم من الراوي وإنما أراد أنه لما نزلت الآيات المحذرة من مال اليتيم مثل آية سورة الإسراء (34) ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ففي تفسير الطبري ﴾ بسنده إلى ابن عباس: لما نزلت: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ عزلوا أموال اليتامى فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت ﴿ وإن تخالطوهم ﴾ أو أن مراد الراوي لما سمع الناس آية سورة النساء تجنبوا النظر في اليتامى فذكروا بآية البقرة إن كان السائل عن آية البقرة غير المتجنب حين نزول آية النساء وأياً ما كان فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة في حفظ النظام فقد كان العرب في الجاهلية كسائر الأمم في حال البساطة يكون المال بيد كبير العائلة فقلما تجد لصغير مالاً، وكان جمهور أموالهم حاصلاً من اكتسابهم لقلة أهل الثروة فيهم، فكان جمهور العرب إما زارعاً أو غارساً أو مغيراً أو صائداً، وكل هذه الأعمال تنقطع بموت مباشريها، فإذا مات كبير العائلة وترك أبناء صغاراً لم يستطيعوا أن يكتسبوا كما اكتسب آباؤهم إلا أبناء أهل الثروة، والثروة عندهم هي الأنعام والحوائط إذ لم يكن العرب أهل ذهب وفضة وإن الأنعام لا تصلح إلا بمن يرعاها فإنها عروض زائلة وإن الغروس كذلك ولم يكن في ثروة العرب ملك الأرض إذ الأرض لم تكن مفيدة إلا للعامل فيها، على أن من يتولى أمر اليتيم يستضعفه ويستحل ماله فينتفع به لنفسه، وكرم العربي وسرفه وشربه وميسره لا تغادر له مالاً وإن كثر.
وتغلُّب ذلك على مِلاك شهوات أصحابه فلا يستطيعون تركه يدفعهم إلى تطلب إرضاء نهمتهم بكل وسيلة فلا جرم أن يصبح اليتيم بينهم فقيراً مدحوراً، وزد إلى ذلك أن أهل الجاهلية قد تأصل فيهم الكبر على الضعيف وتوقير القوى فلما عدم اليتيم ناصره ومن يذب عند كان بحيث يعرض للمهانة والإضاعة ويتخذ كالعبد لوليه، من أجل ذلك كله صار وصف اليتيم عندهم ملازماً لمعنى الخصاصة والإهمال والذل، وبه يظهر معنى امتنان الله تعالى على نبيه أن حفظه في حال اليتم مما ينال اليتامى في قوله: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ [الضحى: 6].
فلما جاء الإسلام أمرَهم بإصلاح حال اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم حتى قيل إن أولياء اليتامى تركوا التصرف في أموالهم واعتزلوا اليتامى ومخالطتهم فنزلت هذه الآية.
والإصلاح جعل الشيء صالحاً أي ذا صلاح والصلاح ضد الفساد، وهو كون شيء بحيث يحصل به منتهى ما يطلب لأجله، فصلاح الرجل صدور الأفعال والأقوال الحسنة منه، وصلاح الثمرة كونها بحيث ينتفع بأكلها دون ضر، وصلاح المال نماؤه المقصود منه، وصلاح الحال كونها بحيث تترتب عليها الآثار الحسنة.
و ﴿ إصلاح لهم ﴾ مبتدأ ووصفه، واللام للتعليل أو الاختصاص.
ووصف الإصلاح ب ﴿ لهم ﴾ دون الإضافة إذ لم يقل إصلاحهم لئلا يتوهم قصره على إصلاح ذواتهم لأن أصل إضافة المصدر أن تكون لذات الفاعل أو ذات المفعول فلا تكون على معنى الحرف، ولأن الإضافة لما كانت من طرق التعريف كانت ظاهرة في عهد المضاف فعدل عنها لئلا يتوهم أن المراد إصلاح معين كما عدل عنها في قوله: ﴿ ايتوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ [يوسف: 59] ولم يقل بأخيكم ليوهمهم أنه لم يرد أخاً معهوداً عنده، والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم، ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم دون تقتير ولا سرف، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها.
ولقد أبدع هذا التعبير، فإنه لو قيل إصلاحهم لتوهم قصره على ذواتهم فيحتاج في دلالة الآية على إصلاح الأموال إلى القياس ولو قيل قل تدبيرهم خير لتبادر إلى تدبير المال فاحتيج في دلالتها على إصلاح ذواتهم إلى فحوى الخطاب.
و {خير في الآية يحتمل أن يكون أفعل تفضيل إن كان خطاباً للذين حملهم الخوف من أكل أموال اليتامى على اعتزال أمورهم وترك التصرف في أموالهم بعلة الخوف من سوء التصرف فيها كما يقال: إن السلامة من سلمى وجارتها *** أن لا تحل على حاللٍ بواديها فالمعنى إصلاح أمورهم خير من إهمالهم أي أفضل ثواباً وأبعد عن العقاب، أي خير في حصول غرضكم المقصود من إهمالهم فإنه ينجر منه إثم الإضاعة ولا يحصل فيه ثواب السعي والنصيحة، ويحتمل أن يكون صفة مقابل الشر إن كان خطاباً لتغيير الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام، فالمعنى إصلاحهم في أموالهم وأبدانهم وترك إضاعتهم في الأمرين كما تقدم خير، وهو تعريض بأن ما كانوا عليه في معاملتهم ليس بخير بل هو شر، فيكون مراداً من الآية على هذا: التشريع والتعريض إذ التعريض يجامع المعنى الأصلي، لأنه من باب الكناية والكناية تقع مع إرادة المعنى الأصلي.
وجملة وإن تخالطوهم فإخوانكم } عطف على جملة ﴿ إصلاح لهم خير ﴾ والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو جمع الأشياء جمعاً يتعذر معه تمييز بعضها عن بعض فيما تراد له، فمنه خلط الماء بالماء والقمح والشعير وخلط الناس ومنه اختلط الحابل بالنابل، وهو هنا مجاز في شدة الملابسة والمصاحبة والمراد بذلك ما زاد على إصلاح المال والتربية عن بعد فيشمل المصاحبة والمشاركة والكفالة والمصاهرة إذ الكل من أنواع المخالطة.
وقوله ﴿ فإخوانكم ﴾ جواب الشرط ولذلك قرن بالفاء لأن الجملة الاسمية غير صالحة لمباشرة أداة الشرط ولذلك ف (إخوانكم) خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم إخوانكم، وهو على معنى التشبيه البليغ، والمراد بالأخوة أخوة الإسلام التي تقتضي المشاورة والرفق والنصح.
ونقل الفخر عن الفراء «لو نصبته كان صواباً بتقدير فإخوانكم تخالطون» وهو تقدير سمج، ووجود الفاء في الجواب ينادي على أن الجواب جملة اسمية محضة، وبعد فمحمل كلام الفراء على إرادة جواز تركيب مثله في الكلام العربي لا على أن يقرأ به، ولعل الفراء كان جريئاً على إساغة قراءة القرآن بما يسوغ في الكلام العربي دون اشتراط صحة الرواية.
والمقصود من هذه الجملة الحث على مخالطتهم لأنه لما جعلهم إخواناً كان من المتأكد مخالطتهم والوصاية بهم في هاته المخالطة، لأنهم لما كانوا إخواناً وجب بذل النصح لهم كما يبذل للأخ وفي الحديث " حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ويتضمن ذلك التعريض بإبطال ما كانوا عليه من احتقار اليتامى والترفع عن مخالطتهم ومصاهرتهم.
قال تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ [النساء: 127] أي عن أن تنكحوهن لأن الأخوة تتضمن معنى المساواة فيبطل الترفع.
وقوله: ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ وعد ووعيد، لأن المقصود من الأخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه، وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح وفيه أيضاً ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم، وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر.
و (مِن) في قوله: ﴿ من المصلح ﴾ تفيد معنى الفصل والتمييز وهو معنى أثبته لها ابن مالك في «التسهيل» قائلاً «وللفصْل» وقال في «الشرح»: «وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ و ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ [آل عمران: 179] اه وهو معنى رشيق لا غنى عن إثباته وقد أشار إليه في «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ أتأتون الذكران من العالمين ﴾ في سورة الشعراء وجعله وجهاً ثانياً فقال: «أو أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة» اه فجعل معنى (مِن) معنى من بين، وهو لا يتقوم إلاّ على إثبات معنى الفصل، وهو معنى متوسط بين معنى من الابتلاء ومعنى البدلية حين لا يصلح متعلق المجرور لمعنى الابتدائية المحض ولا لمعنى البدلية المحض فحدث معنى وسط، وبحث فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» أن الفصل حاصل من فعل ﴿ يميز ﴾ ومن فعل ﴿ يعلم ﴾ واستظهر أن من للابتداء أو بمعنى عن.
وقوله: ﴿ ولو شاء الله لأعنتكم ﴾ تذييل لما دل عليه قوله: ﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ على ما تقدم.
والعنت: المشقة والصعوبة الشديدة أي ولو شاء الله لكلفكم ما فيه العنت وهو أن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فتجدوا ذلك شاقاً عليكم وعنتاً، لأن تجنب المرء مخالطة أقاربه من إخوة وأبناء عم ورؤيته إياهم مضيعة أمورهم لا يحفل بهم أحد يشق على الناس في الجبلة وهم وإن فعلوا ذلك حذراً وتنزهاً فليس كل ما يبتدئ المرء فعله يستطيع الدوام عليه.
وحذف مفعول المشيئة لإغناء ما بعده عنه، وهذا حذف شائع في مفعول المشيئة فلا يكادون يذكرونه.
وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله بذهب بسمعهم ﴾ [البقرة: 20].
وقوله: ﴿ أن الله عزيز حكيم ﴾ تذييل لما اقتضاه شرط (لو) من الإمكان وامتناع الوقوع أي إن الله عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت، لكنه حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يلكفكموه.
وفي جمع الصفتين إشارة إلى أن تصرفات الله تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع إشكالات عظيمة فيما يعبَّر عنه بالقضاء والقدر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ الآيَةَ يَعْنِي: يَسْألُكَ أصْحابُكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الخَمْرِ والمُيْسِرِ وشُرْبِها، وهَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيها.
والخَمْرُ كُلُّ ما خامَرَ العَقْلَ فَسَتَرَهُ وغَطّى عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَمَّرْتُ الإناءَ إذا غَطَّيْتَهُ، ويُقالُ: هو في خُمارِ النّاسِ وغُمارِهِمْ يُرادُ بِهِ دَخَلَ في عُرْضِهِمْ فاسْتَتَرَ بِهِمْ، ومِن ذَلِكَ أُخِذَ خِمارُ المَرْأةِ لِأنَّهُ يَسْتُرُها، ومِنهُ قِيلَ: هو يَمْشِي لَكَ الخَمَرَ أيْ مُسْتَخْفِيًا، قالَ العَجّاجُ: في لامِعِ العِقْبانِ لا يَأْتِي الخَمَرْ يُوَجِّهُ الأرْضَ ويَسْتاقُ الشَّجَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لا يَأْتِي الخَمَرَ، أيْ لا يَأْتِي مُسْتَخْفِيًا، لَكِنْ ظاهِرًا بِراياتٍ وجُيُوشٍ.
فَأمّا المَيْسِرُ فَهو القِمارُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَسَرَ لِي هَذا الشَّيْءَ يَسْرًا ومَيْسِرًا، فالياسِرُ اللّاعِبِ بِالقِداحِ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُقامِرِ: ياسِرٌ ويَسَرَ كَما قالَ الشّاعِرُ: فَبِتُّ كَأنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ∗∗∗ يُقَلِّبُ بَعْدَما اخْتَلَعَ القِداحا ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( ...
كَثِيرٌ ) بِالثّاءِ.
وَفي إثْمِهِما تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ شارِبَ الخَمْرِ يَسْكَرُ فَيُؤْذِي النّاسَ، وإثْمُ المَيْسِرِ: أنْ يُقامِرَ الرَّجُلُ فَيَمْنَعُ الحَقَّ ويَظْلِمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ إثْمَ الخَمْرِ زَوالُ عَقْلِ شارِبِها إذا سَكِرَ حَتّى يَغْرُبَ عَنْهُ مَعْرِفَةُ خالِقِهِ.
وَإثْمُ المَيْسِرِ: ما فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، ووُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ فَمَنافِعُ الخَمْرِ أثْمانُها ورِبْحُ تِجارَتِها، وما يَنالُونَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِشُرْبِها، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ وَكَما قالَ آخَرُ: فَإذا شَرِبْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ∗∗∗ وإذا صَحَوْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعِيرِ وَأمّا مَنافِعُ المَيْسِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اكْتِسابُ المالِ مِن غَيْرِ كَدٍّ.
والثّانِي: ما يُصِيبُونَ مِن أنْصِباءِ الجَزُورِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَياسَرُونَ عَلى الجَزُورِ فَإذا أفْلَحَ الرَّجُلُ مِنهم عَلى أصْحابِهِ نَحَرُوهُ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ أعْشارًا عَلى عِدَّةِ القِداحِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: وجَزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ إلى النَّدى ∗∗∗ أوْساطَ مُقْفِرَةٍ أخَفَّ طِلالُها وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ إثْمَهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ كِلاهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ يَعْنِي الإثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ مِن أسْبابِهِما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِما فَضَلَ عَنِ الأهْلِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الوَسَطُ في النَّفَقَةِ ما لَمْ يَكُنْ إسْرافًا أوْ إقْتارًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: إنَّ العَفْوَ أنْ يُؤْخَذَ مِنهم ما أتَوْا بِهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وهو قَوْلٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والخامِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي هي العَفْوُ هَلْ نُسِخَتْ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ هي ثابِتَةٌ.
واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِها أوْ بِغَيْرِها؟
فَقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ النَّظَرِ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وَقالَ قَتادَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّها حُرِّمَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ.
وَرَوى عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أبِي القَلُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الخَمْرِ ثَلاثَ آياتٍ فَأوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنْ الخَمْرِ والمُيَسَّر قُلْ فِيهِما إثْم كَبِير ومَنافِع لِلنّاسِ وإثْمهما أكْبَر مِن نَفْعِهِما ﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم حَتّى شَرِبَها رَجُلانِ ودَخَلا في الصَّلاةِ وجَعَلا يَقُولانِ كَلامًا لا يَدْرِي عَوْفٌ ما هو، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ فَشَرِبَها مَن شَرِبَها مِنهم وجَعَلُوا يَتَوَقَّوْنَها عِنْدَ الصَّلاةِ، حَتّى شَرِبَها فِيما زَعَمَ أبُو القَلُوصِ رَجُلٌ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلى قَتْلى بَدْرٍ، وجَعَلَ يَقُولُ: تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِن سَلامِ ∗∗∗ ذَرِينِي أصْطَبِحْ بَكْرًا فَإنِّي ∗∗∗ رَأيْتُ المَوْتَ نَبَّثَ عَنْ هِشامِ ∗∗∗ ووَدِينِي المُغِيرَةَ لَوْ فَدَوْهُ ∗∗∗ بِألْفٍ مِن رِجالٍ أوْ سَوامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُكَلَّلُ بِالسَّنامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرامِ قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَجاءَ فَزِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ مِنَ الفَزَعِ حَتّى انْتَهى إلَيْهِ، فَلَمّا عايَنَهُ الرَّجُلُ ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا كانَ بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ، فَقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ وغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ، لا أطْعَمُها أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في تَحْرِيمِها ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فَقالُوا: انْتَهَيْنا.
» ورَوى مُوسى عَنْ عَمْرٍو عَنْ أسْباطٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ فَلَمْ يَزالُوا يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا ودَعا ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَشَرِبُوا حَتّى سَكِرُوا، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأمَّهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَرَأ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ فَلَمْ يُقِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُشَدِّدُ في الخَمْرِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما تَقُولُونَ ﴾ فَكانَتْ لَهم حَلالًا يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ أوْ يَنْتَصِفَ فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ وهم صاحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَها حَتّى يَنْتَصِفَ اللَّيْلُ، ويَنامُونَ ويَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ أصْبَحُوا، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا ودَعا ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَسَوّى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا وأخَذُوا في الحَدِيثِ فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ فَرَفَعَ لِحى البَعِيرِ وكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها، فَقالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ، وفي سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَخْلِطُوا طَعامَهم بِطَعامِ مَن يَكُونُ عِنْدَهم مِنَ الأيْتامِ، وكانُوا يَعْزِلُونَ طَعامَهم عَنْ طَعامِهِمْ، وشَرابَهم عَنْ شَرابِهِمْ، حَتّى رُبَّما فَسَدَ طَعامُهم، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ ﴾ ، يَعْنِي في الطَّعامِ، والشَّرابِ، والمُساكَنَةِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ، واسْتِخْدامِ العَبْدِ قالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَن خالَطَ يَتِيمًا، فَلْيُوَسِّعْ عَلَيْهِ، ومَن خالَطَ بِأكْلٍ فَلا يَفْعَلْ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَّهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخْلِطُ مالَكَ بِمالِهِ، أتُرِيدُ أنْ تُصْلِحَ مالَهُ أوْ تُفْسِدَ مالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَشَدَّدَ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مُوبِقًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ يَعْنِي: عَزِيزٌ في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الإعْناتِ، حَكِيمٌ فِيما صَنَعَ مِن تَدْبِيرِهِ وتَرْكِهِ الإعْناتَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي والضياء المقدسي في المختارة عن عمر.
أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب المال والعقل، فنزلت ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ التي في سورة البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [ المائدة: 91] قال عمر: انتهينا انتهينا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: كنا نشرب الخمر، فأنزلت ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر...
﴾ الآية.
فقلنا: نشرب منها ما ينفعنا.
فأنزلت في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .
الآية.
فقالوا: اللهم قد انتهينا.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قال: «لما نزلت سورة البقرة، نزل فيها تحريم الخمر فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: إنما سميت الخمر لأنها صفاء صفوها وسفل كدرها.
وأخرج أبو عبيد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: الميسر القمار.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الميسر القمار، وإنما سمي الميسر لقولهم أيسر جزوراً، كقولك ضع كذا وكذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ قال: الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قهر صاحبه ذهب بأهله وماله.
وفي قوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ يعني ما ينقص من الدين عند شربها ﴿ ومنافع للناس ﴾ يقول: فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ يقول: ما يذهب من الدين والاثم فيه أكبر مما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...
﴾ [ النساء: 43] الآية.
فكانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها، فما يأتي الظهر حتى يذهب عنهم السكر، ثم إن ناساً من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلموا بما لا يرضي الله من القول.
فأنزل الله: ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب ﴾ [ المائدة: 90] الآية.
فحرم الخمر ونهى عنها.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك عن الخمر...
﴾ الآية.
قال: نسخها ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ [ المائده: 90] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ قال: هذا أول ما عيبت به الخمر ﴿ ومنافع للناس ﴾ قال: ثمنها وما يصيبون من السرور.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدما حرما.
وأما قوله تعالى: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ .
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس «أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟
فأنزل الله: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق به، ولا ما لا يأكل حتى يتصدق عليه» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبان عن يحيى «أنه بلغه أن معاذ بن جبل، وثعلبة، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن لنا ارقاء وأهلين، فما ننفق من من أموالنا؟
فأنزل الله: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ قال: هو ما لا يتبين في أموالكم، وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك، وفي لفظ قال: الفضل من العيال.
وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن دينار الهذلي.
أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن العفو.
فقال: العفو على ثلاثة أنحاء: نحو تجاوز عن الذنب، ونحو في القصد في النفقة ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ ، ونحو في الاحسان فيما بين الناس ﴿ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ [ البقرة: 237] .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ قل العفو ﴾ قال: ذلك أن لا تجد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ قل العفو ﴾ قال: الفضل.
وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن طاوس قال: العفو اليسر من كل شيء، قال: وكان مجاهد يقول ﴿ العفو ﴾ الصدقة المفروضة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل العفو ﴾ قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة، ثم قال: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف ﴾ [ الأعراف: 199] ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ قل العفو ﴾ قال: هذا نسخته الزكاة.
وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول تقول المرأة: إما أن تطعمني وأما أن تطلقني، ويقول العبد، اطعمني واستعملني، ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني» .
وأخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الصدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعود تقول المرأة: انفق عليّ أو طلقني، ويقول مملوكك: انفق علي أو بعني.
ويقول ولدك: إلى من تكلني» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار.
قال: تصدق به على نفسك.
قال: عندي آخر.
قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر.
قال: تصدق به على زوجتك.
قال: عندي آخر.
قال: تصدق به على خادمك.
قال: عندي آخر.
قال: أنت أبصر» .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل، وفي لفظ: قدم أبو حصين السلمي بمثل بيضة من الحمامة من ذهب فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته.
فقال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول» .
وأخرج البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» .
وأخرج مسلم والنسائي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا» .
وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأيدي ثلاث.
فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت، فإن أعطيت خيراً فليُرَ عليك، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على الكفاف» .
وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم عن مالك بن نضلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأيدي ثلاث.
فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فاعط الفضل ولا تعجز عن نفسك» .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: «دخل رجل المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا أثواباً فطرحوا فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة فجاء فطرح أحد الثوبين، فصاح به وقال: خذ ثوبك» .
وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» .
وأخرج البزار عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابن آدم إنك ان تبذل الفضل خير لك، وان تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفاً، فاقرض الله يطلق لك قدميك.
قال: وما الذي أقرض يا رسول الله؟
قال: تبرأ مما أمسيت فيه.
قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟
قال: نعم.
فخرج وهو يهم بذلك، فأتاه جبريل فقال: مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المساكين، وليعط السائل، وليبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية مما هو فيه» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ركب المصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة، وانفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل العفة والحكمة، طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانتيه، وعزل عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله» .
وأخرج البزار عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ما تقول في الصلاة؟
قال: «تمام العمل» .
قلت: يا رسول الله أسألك عن الصدقة؟
قال: «شيء عجيب» ، قلت: يا رسول الله تركت أفضل عمل في نفسي أو خيره قال: «ما هو؟» قلت: الصوم.
قال: «خير وليس هناك» .
قلت: يا رسول الله وأي الصدقة؟
قال: «تمرة» .
قلت: فإن لم أفعل؟
قال: «بكلمة طيبة» .
قلت: فإن لم أفعل؟
قال: «تريد أن لا تدع فيك من الخير شيئاً» .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل دينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله، قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويعينهم؟» .
وأخرج مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله «دينار انفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار انفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن كدير الضبي قال: «أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار.
قال: تقول العدل، وتعطي الفضل، قال: هذا شديد لا أستطيع أن أقول العدل كل ساعة، ولا أن أعطي فضل مالي.
قال: فاطعم الطعام، وأفش السلام، قال: هذا شديد والله!
قال: هل لك من إبل؟قال: نعم.
قال: انظر بعيراً من ابلك وسقاء فاسق أهل بيت لا يشربون إلاَّ غبا فلعلك أن لا يهلك بعيرك، ولا ينخرق سقاؤك، حتى تجب لك الجنة.
قال: فانطلق يكبر، ثم أنه استشهد بعد» .
وأخرج ابن سعد عن طارق بن عبد الله قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فسمعت من قوله: تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثمَّ أدناك فأدناك» .
وأخرج مسلم عن خيثمة قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له، فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟
قال: لا.
قال: فانطلق فاعطهم، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته» .
أما قوله تعالى: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ﴾ في الدنيا والآخرة، يعني في زوال الدنيا وفنائها، واقبال الآخرة وبقائها.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ في الدنيا والآخرة.
يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ في الدنيا والآخرة.
قال: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الصعق بن حزن التميمي قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ في الدنيا والآخرة.
قال: هي والله لمن تفكرها، ليعلمن أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلمن أن الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: من تفكر في الدنيا عرف فضل احداهما على الأخرى، عرف أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وأن الآخرة دار بقاء، ثم دار جزاء، فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وجماعة، أتوا رسول الله ، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ (١) والخَمْر عند أهل اللغة سميت خمرًا لسترها العقل.
قال ابن المُظَفَّر: الَخْمر معروف، واختمارها: إِدْرَاكها وغَلَيَانُها، ومُخَمِّرُها: مُتَّخِذُها، وخُمْرَتُها: ما غشي المَخْمورَ من الخُمَارِ [[في "مقاييس اللغة" 2/ 215 زيادة: [والسكر في قلبه] والكلام منسوب إلى الخليل فلعل الليث ناقل كما قال محقق "تهذيب اللغة"، كما أنه أخبر عن الخمر بالمذكر فقال: معروف، وكذا في "التهذيب"، والعبارة المنقولة عن الخليل: الخمر معروفة.]]، وأنشد: وقد أَصَابَتْ حُمَيَّاها مَقَاتِلَهُ ...
فلم تكَد تَنْجَلِي عن قَلْبِه الخُمَرُ (٢) وخَمَرْتُ الدابةَ أُخْمِرُها، إذا سَقَيْتُهَا الخَمْر (٣) (٤) (٥) (٦) وقد اخْتَمَرَتِ المرأةُ بخمارها، وتَخَمَّرَتْ وهي حَسَنَهُ الخِمْرَةِ، ويقال: خَامِرِي أمَّ عَامر (٧) وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تدرك، وقال ابن الأنباري: سميت خَمْرًا؛ لأنها تُخَامِرُ العَقْلَ، أي: تخالِطُه، يقال: خَامَره الداءُ، إذا خَالَطَه، وأنشد لكثير: هَنِيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ (٨) يقال: خامر السقامُ كبدَه، وخامرت كبدُه السقامَ، تجعل أيهما شئت فاعلًا، قال: أتَيْت الوَلِيدَ له عَايدًا ...
وقد خَامَرَ القَلْبُ منه سَقَامَا (٩) وهذا (١٠) (١١) (١٢) فأما حدها: فمذهب الثوري (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) قال الزجاج: القياس أن ما عمل عمل الخمر أن يقال لها خمر، وأن يكون (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) "إن من التمر لخمرًا، وإن من العنب لخمرًا، وإن من الزبيب لخمرًا، وإن من الحنطة لخمرًا، وإن من الشعير لخمرًا، وإن من الذرة لخمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر" (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَيْسِرِ ﴾ يعني: القمار، قال ابن عباس: كان الرجلُ في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله، فأنزل الله هذه الآية (٢٦) (٢٧) (٢٨) يَسَرُ الشِّتَاءِ وفَارِسٌ ذو قدمة ...
في الحَرْبِ أن حَاصَ الجَبَانُ مَحِيصَا (٢٩) وهم أيْسَارُ لُقْمَانَ إذا ...
أغْلَتِ الشَّتْوَةُ أبْدَاءَ الجُزُرْ (٣٠) قال ابن الأعرابي: يقال: يَسَر الياسِر يَيْسِر، إذا جاء بقِدْحِه للقمار (٣١) (٣٢) أقولُ لهم بالشِعْبِ إذ يَيْسِرُونني ...
ألم تيأسوا أني ابنُ (٣٣) (٣٤) أي: تقتسمونني كما نقتسم أعضاء الجزور في الميسر، أراد أنهم أخذوا فداه فاقتسموه، فكأنهم اقتسموا نفسه، وكانت العرب تنحر الجزور وتجعله أقسامًا (٣٥) (٣٦) قال النضر: الياسر: الجزار، ويَسَرْتُ الناقة، أي (٣٧) (٣٨) والجَاعِلُو القُوتِ على اليَاسِرِ (٣٩) يعني: الجازر، وقيل: الميسر من اليُسْر، وهو تَسَهُّلُ الشيء، وذلك أنهم كانوا يشتركون في الجزور لِيَسْهُل أمرُه (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَالْمَيْسِرِ ﴾ (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ أراد: الإثم بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة، والقمار يورث (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقال الربيع (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) لنا من ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وكَأبةٌ ...
وذِكرى هُمُومٍ ما تَغِبُّ أَذَاتُها وعند العِشَاءِ طيبِ نَفْسٍ ولَذّةٍ ...
ومالٍ كثِيرٍ عدة نَشَوَاتُها (٥٢) ومنفعة الميسر: ما يصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء (٥٣) وقال قتادة: في هذه الآية ذمها ولم (٥٤) (٥٥) وذهب قوم من أهل النظر: إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية؛ لأن الكتاب قد دل في موضع آخر على تحريم الإثم في قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ ﴾ وقد حرم الإثم، وقال: ﴿ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، فوجب أن يكون محرمًا (٥٦) واختلف القراء في قوله: ﴿ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ فقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء، الباقون بالباء (1)، وحجتهم: أن الباء أولى؛ لأن الكِبَر مثلُ العِظَم، ومقابل الكِبرِ الصِّغَر، قال الله تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ وقد استعملوا في وصف الذنب العِظَمَ والكِبَرَ، يدل على ذلك قوله: ﴿ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ ، ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ ، بالباء، كذلك هاهنا ينبغي أن يكون بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبائر.
وقالوا في اللمم: صغيرٌ وصغيرة، ولم يقولوا: قليل، فلو كان (كثير) متجهًا في هذا لوجب (2) أن يقال في غير الكبيرة (3): قليل، ألا ترى أن القلة تقابل الكثرة، كما أن الصغر يقابل الكبر.
واتفاق القراء على الباء في ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ ﴾ ، ورفضهم الثاء مما يقوي الباء.
وأما من قرأ بالثاء فلأنه قد جاء فيهما ما يقوي (4) وصف الإثم فيهما بالكثرة دون الكبر، وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ﴾ فذكر عددًا من الذنوب فيهما، ولأن (5) النبي لعن عَشْرَةً في سبب الخمر (6)، فدل على كثرة الإثم فيها، ولأن الإثم في هذه الآية عودل به المنافع فَحَسُنَ أن يوصف بالكثرة (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ نزل في سؤال عمرو بن الجموح، لما نزل قوله: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ في سؤاله أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق، فنزل قوله: ﴿ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) وقال في رواية الوالبي: ما لا يتبين (٦٤) (٦٥) وقال مجاهد: صدقة عن ظهر غنى (٦٦) ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾ ، أي: زادوا على (ما) (٦٧) (٦٨) وقال الشاعر: ولكنا نُعِضُّ السَّيْفَ منها ...
بأسْؤُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (٦٩) أي: زائدات الشحم.
قال أهل التفسير: أُمِروا أن ينفقوا الفَضْل، وكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه ما يكفيه في عامه، وينفق باقيه، إلى أن فرضت الزكاة، فنسخت آيةُ الزكاة المفروضة هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة (٧٠) (٧١) واختلف القرَّاء في رفع العفو ونصبه، فقرؤا بالوجهين جميعًا (٧٢) ﴿ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ بمنزلة ما ينفقون (٧٣) (٧٤) ومن رفع العفو جعل ذا (٧٥) (٧٦) (٧٧) قال أبو إسحاق: ويجوز أن تنصب ﴿ الْعَفْوَ ﴾ وإن كان (ما) وحدها اسمًا، تحمل (العفوَ) على ينفقون (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ أشار إلى ما بين في الإنفاق، كأنه قال: مثل الذي بينه لكم في الإنفاق إذ يقول: (قل العفو) يبين لكم الآيات لتتذكروا (٨٣) وقيل: مثل البيان في الخمر والميسر يبين الله لكم الآيات (٨٤) ﴿ كَذَلِكَ ﴾ وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك أيها القبيل.
وقد أتى القرآن في غير موضع (بذلك) للجماعة، قال الله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ ﴾ ثم قال: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ والأصل: (ذلكن) (٨٥) ، أي: كذلك أيها النبي يبين الله لكم الآيات؛ لأن خطاب النبي مشتمل على خطاب أمته، كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ (٨٦) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 770، وعنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 546، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 73، البغوي في "تفسيره" 1/ 249، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 239، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 156.
وورد عن عمر قوله: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
الحديث رواه أبو داود == (3670) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والترمذي (3048) كتاب التفسير، باب: من سورة المائدة، والنسائي 8/ 286 كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، وأحمد 1/ 53، والحاكم 2/ 305، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن المديني كما في "تفسير ابن كثير" 1/ 274.
(٢) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 1099، "مقاييس اللغة" 2/ 215، "لسان العرب" 2/ 1259 (خمر) وروايته: لذٌّ أصابت.
(٣) نقله عن ابن المظفر في "تهذيب اللغة" 1/ 1099.
(٤) نقل عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1099 قوله: أبو عبيد عن الكسائي: خمرت العجين وفطرته، وهي الخمرة الذي يجعل في العجين يسميه الناس: الخمير.
(٥) في "تهذيب اللغة" 1/ 1099: ثعلب عن ابن الأعرابي.
(٦) رواه البخاري (3280) كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم (2013) كتاب الأشربة باب تغطية الإناء في الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، من حديث جابر بن عبد الله.
والتخمير: التغطية.
(٧) مثَل يضرب للرجل الأحمق، وأم عامر هي الضبع، قال ابن السكيت: الضبع محَمَّق، ويدخل عليها الرجل في وجارها تحمل عليه، فيقول: خامري أم عامر، ليست أم عامر هاهنا، فتمكنه حتى يكْعمَها ويوثقها بحبل ثم يجرها.
ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1099، "مقاييس اللغة" 2/ 217، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 238.
(٨) عجز البيت: لعزة من أعراضنا ما استحلت.
والبيت في "ديوانه" ص100، كتاب "العين" 4/ 263، "مقاييس اللغة" 2/ 216.
"المعجم المفصل" 1/ 547.
(٩) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.
(١٠) في (ش) (وهو).
(١١) في (ي) (خالطه).
(١٢) ينظر في مادة خمر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 291، "تهذيب اللغة" 1/ 1101، "المفردات" ص 165، "عمدة الحفاظ" 1/ 614، "اللسان" 2/ 1261.
(١٣) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي 204، "تفسير الثعلبي" 2/ 784، "بداية المجتهد" 1/ 549.
(١٤) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 278، "شرح معاني الآثار" 4/ 212، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 324.
(١٥) الحبلة: العنبة.
(١٦) في (م): (فغشي).
(١٧) ينظر: "الموطأ" في الأشربة، باب: الحد في الخمر 1/ 843، "المدونة" 6/ 261.
(١٨) ينظر.
"الأم" 6/ 195.
(١٩) ينظر: "المغني" 12/ 514، "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" 6/ 372.
(٢٠) ينظر: "التمهيد" 1/ 245، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 149.
(٢١) في (ش) (تكون).
(٢٢) ابن الأنباري، ذكره الزجاج 1/ 291.
(٢٣) في (ش): (وإما).
(٢٤) في (م): (الجزد)، وفي (ش): (الجرر)، وفي (ي): (الحرر).
(٢٥) أخرجه أبو داود (3672) كتاب الأشربة، باب: الخمر مما هو؟، والترمذي (1872) كتاب الأشربة، باب: ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (3380) كتاب الأشربة، باب: مما يكون منه الخمر، والإمام أحمد 4/ 267 والحاكم 4/ 164 وصححه.
وحسنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" 10/ 44.
(٢٦) رواه أبو عبيد في " الناسخ والمنسوخ" ص 249، والطبري في "تفسيره" 2/ 358، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 90،والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 628، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 878، "الدر المنثور" 1/ 452.
(٢٧) في (ش): مناجية.
وفي (أ) كأنها: مناخبة، وما أثبت من "تفسير الثعلبي" 2/ 878، والمناخبة: المراهنة والمخاطرة كما في النهاية، وأثبت محقق "تفسير الطبري" فتاحة.
(٢٨) "تفسير الطبري" 2/ 357، "تفسير الثعلبي" 2/ 878، وعنده: الواجب بقداح.
(٢٩) البيت لم أهتد لقائله، ولا من ذكره.
(٣٠) البيت في "اللسان" 8/ 4959 (يسر)، "تفسير القرطبي" 3/ 53، والشتوة: مفرد شتاء، والعرب تجعل الشتاء مجاعة؛ لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع، وأبداء: جمع بدء، خير عظم في الجزور، وقيل: هو خير نصيب فيها.
(٣١) نقله في "اللسان" 8/ 4959 (يسر).
(٣٢) من قوله: يسر الياسر.
ساقط من (أ) و (م).
(٣٣) في (ش) و (ي): (لي).
(٣٤) البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي، ينظر: "مجاز القرآن"،"اللسان" 8/ 4959، "تفسير القرطبي" 3/ 53، ورواية الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3981 "يسر".
أقول لأهل الشعب، ورواية "اللسان": ألم تعلموا.
وتيأسوا: تعلموا.
وزهدم: اسم فرس.
(٣٥) ليست في (أ) ولا (م).
(٣٦) ينظر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة ص 56 - 154، "تفسير الثعلبي" 2/ 879، "المحرر الوجيز" 2/ 234، "الميسر والأزلام" لعبد السلام هارون ص 12 - 54.
(٣٧) في (ش): (إذا).
(٣٨) نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3980.
(٣٩) عجز بيت للأعشى، وصدره: لمطعمون اللحم إذا ما شتوا ينظر: "ديوانه" ص 95، "تهذيب اللغة" 4/ 3980، "لسان العرب" 8/ 4959 (يسر).
(٤٠) ينظر في الميسر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة، "تهذيب اللغة" 4/ 3981، "عمدة الحفاظ" 4/ 409، "لسان العرب" 8/ 4959 (يسر).
(٤١) ليست في (ش) (٤٢) "تفسير مقاتل" 1/ 188.
(٤٣) ليست في (ي).
(٤٤) تقدم ذلك في ذكر سبب نزول الآية.
(٤٥) من قوله: الخاصمة.
ساقط من (أ) ولا (م).
(٤٦) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي).
(٤٧) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 889 - 890.
(٤٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 361، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 891.
(٤٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 361، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 174، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 891.
(٥٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 292، "تفسير الثعلبي" 2/ 890 (٥١) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي).
(٥٢) البيتان للأعشى بن قيس في قصيدة فخر له، ينظر: "ديوانه" ص 31 وفي الأشربة لابن قتيبة ص 198، "تفسير الطبري" 2/ 359 "تفسير الثعلبي" 2/ 890.
(٥٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293، "تفسير الثعلبي" 2/ 890.
(٥٤) في (ي): (فلم).
(٥٥) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 363، وذكره في "زاد المسير" 1/ 2414، وفي "الحجة" 2/ 307.
(٥٦) من "الحجة" 2/ 308.
(٥٧) في (ش): (بالكثير) وفي (بالكبيرة).
(٥٨) من "الحجة" 1/ 312 - 314 بتصرف.
(٥٩) ذكر السيوطي في "لباب النقول" 1/ 41 أن ابن المنذر أخرج عن أبي حيان أن عمرو ابن الجموح سأل النبي ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟
فنزلت.
وذكره مقاتل بنحوه 1/ 188 وذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 891 أن رسول الله حثهم على الصدقة، ورغبهم فيها من غير عزم، فقالوا: يا رسول الله، ماذا ننفق وعلى من نتصدق؟
فنزلت، وعنه نقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 546، والسيوطي في "لباب النقول" ص 42، وعزاه لابن جرير، وبنحوه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 381.
(٦٠) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 838، والطبري في "تفسيره" 2/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 133، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 894.
(٦١) رواه عنه الطبري 2/ 364، والثعلبي 2/ 893، البغوي في "تفسيره" 1/ 253.
(٦٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 89، والطبري 2/ 364، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 893 (٦٣) رواه سعيد بن منصور 3/ 339، والطبري في "تفسيره" 2/ 364، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 893.
(٦٤) في (ش): (مانبين) (٦٥) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 394، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 631، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 894.
(٦٦) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 365 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 894.
(٦٧) ساقطة من (ش).
(٦٨) "تفسيرالثعلبي" 2/ 896 (٦٩) القائل: لبيد، ينظر: "ديوانه" ص 104، "مجاز القرآن" 0/ 222، "تفسير الطبري" 2/ 366 "تفسير الثعلبي" 2/ 896 والضمير في قوله: منها، يعود إلى الإبل، يقال: أعضَّه السيف، إذا ضربه به والباء في (أسوق) زائدة، كُوْم: عظام الأسمنة يقال في البعير: أكوم، والناقة: كوماء.
(٧٠) من قوله: المفروضة.
ساقطة من (ي).
(٧١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293، وعزاه الثعلبي 2/ 899 للكلبي، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 238، واستظهر ابن الجوزي أن لا نسخ في الآية،== وأنها في الإنفاق المندوب إليه، وقال الطبري 2/ 368: فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقات غير المفروضات، ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده.
وينظر: "النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 665.
(٧٢) قرأ أبو عمرو: ﴿ قل العفوُ ﴾ رفعا، والباقون نصبًا.
(٧٣) قوله: بمنزلة ما ينفقون ساقطة من (أ) و (م).
(٧٤) ساقطة من (ي).
(٧٥) في (ي): (إذا).
(٧٦) في (ش): (فيضمر) لحلها هي الصواب.
(٧٧) من "الحجة" 2/ 318 بتصرف.
(٧٨) في (ي): (ما ينفقون).
(٧٩) (قيل) ساقطة من (ش).
(٨٠) في (ي): (فيجوز).
(٨١) ذكره الزجاج 1/ 293.
(٨٢) ينظر ما تقدم.
(٨٣) (لتتفكروا) في (ش)، وفي (ي): (تتفكروا).
(٨٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 368 - 369، "بحر العلوم" 1/ 203، "تفسير الثعلبي" 2/ 900 - 901، "الكشاف" 1/ 263.
(٨٥) في (ي) و (ش) و (م): (ولكن).
(٨٦) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293 - 294 بتصرف، "تفسير الثعلبي" 2/ 900.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية: نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه ﴿ الخمر ﴾ كل مسكر من العنب وغيره ﴿ والميسر ﴾ القمار، وكان ميسر العرب بالقدارح في لحم الجزور، ثم يدخل في ذلك النرد والشطرنج وغيرهم، وروي ان السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ﴿ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ نص في التحريم وأنهما من الكبائر، لأن الإثم حرام لقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم ﴾ [الأعراف: 33] خلافاً لمن قال: إنما حرمتها آية المائدة لا هذه الآية ﴿ ومنافع ﴾ في الخمر؛ التلذذ والطرب، وفي القمار: الاكتساب به.
ولا يدل ذكر المنافع على الإباحة قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده ﴿ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ ﴾ تغليباً للإثم على المنفعة، وذلك أيضاً بيان للتحريم ﴿ قُلِ العفو ﴾ أي السهل من غير مشقة، وقراءة الجماعة بالنصب بإضمار فعل مشاكلةً للسؤال، على أن يكون ما مبتدأ، وذا خبره ﴿ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدنيا والآخرة ﴾ أي في أمرهما ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى ﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورّعاً، فنزلت إباحة مخالتطتهم بالإصلاح لهم، فإن قيل: لم جاء ويسألونك بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟
فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأولى وقع في أوقات مفترقة فلم يأت بحرف عطف وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو لأنها كانتا متناسقة ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ تحذير من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى ﴿ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ لضيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم، قال ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم أموال اليتامى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إثم كبير ﴾ بالثاء المثلثة: حمزة وعلي.
الباقون: بالباء.
﴿ قل العفو ﴾ بالرفع أبو عمرو.
الباقون: بالنصب.
﴿ لأعنتكم ﴾ بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه.
وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة.
الوقوف: ﴿ والميسر ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى ﴿ من نفعهما ﴾ ط ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ العفو ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ لا لتعلق الجار.
﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ اليتامى ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ فإخوانكم ﴾ ط ﴿ المصلح ﴾ ط ﴿ لأعنتكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يؤمنّ ﴾ ط لأجل لام الابتداء بعده ﴿ أعجبتكم ﴾ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان ﴿ يؤمنوا ﴾ ط ﴿ أعجبكم ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن جملة "والله يدعو" تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله "ويبين آياته" من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل ﴿ يتذكرون ﴾ (ه).
التفسير: الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر.
قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون.
ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون.
فنزلت ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ فقلّ من يشربها.
ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً.
فنزلت ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال عمر: انتهينا يا رب.
والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.
واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر.
وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب.
احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير.
وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه.
والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة.
وكذا ما روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله : "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً" ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة.
كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" فمراد الشارع أن كل مسكر فهو خمر لغة أو شرعاً فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد.
وعن عائشة قالت: سئل رسول الله عن البتع - وهو شراب يتخذ من العسل - فقال "كل شراب مسكر فهو حرام" وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر.
قال: الخطابي: والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء.
وأيضاً الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر.
وكذا في قول عمر ومعاذ "الخمر مذهبة للعقل".
فإنه يوجب أن كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في علة التحريم.
وأيضاً قال ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة ﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار.
فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر.
حجة أبي حنيفة قوله ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضاً ما روي في الصحيحين عن جابر "أن رسول الله استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذاً؟
قال: بلى.
فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب" .
واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئاً أو مطبوخاً لقوله "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله يقول "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً.
وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.
وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طرياً.
قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء.
قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟
قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئاً وقد حرم.
وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد.
يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله "أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحداً".
ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين.
ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئاً كان أو مطبوخاً، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر.
وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم.
وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه.
والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة.
ثم إن قوله ﴿ يسئلونك عن الخمر والميسر ﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما.
وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثماً والإثم حرام لقوله ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ﴾ ومما يؤكد هذا أن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر وقد جعل الله الإثم لازماً لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من وجوه الانتفاع والاستعمال.
وصرح أيضاً بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع المتوهم فيها عاجلاً، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلباً لما هو آكد في التحريم ثقة واطمئناناً كما التمس إبراهيم مشاهدة إحياء الموتى طلباً لمزيد الإيقان وركوناً إلى سكون النفس بالعيان.
فإن قيل: لما كان الإثم لازماً لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر الشرائع؟
قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين!
وأيضاً هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف الأزمان ولا سيما إذا اعتبرت مصالح الإنسان.
والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعليهما.
يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره.
عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.
أو من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كدّ وتعب.
وقال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه.
فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر.
ثم يقال للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزئ لحم الجزور.
وقال الواحدي: يسر الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح.
وأما صفة الميسر على ما في الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح - وهي الأزلام والأقلام - أساميها: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد.
لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء.
وقيل: ثمانية وعشرين.
لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة.
يجعلونها في الربابة - وهي خريطة - ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها.
فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.
قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما.
روي عن النبي "إياكم وهاتين الكعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم" وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز.
وروي أن علياً مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟.
إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان.
فإن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال وهذا ليس كذلك.
ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف.
وأما السبق في النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق لقوله "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في كتب الفقه.
﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ أي إنهما من الكبائر.
ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.
أما في الخمر فلأنها عدوّ العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف يكون أخس الأشياء.
حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً.
وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟
فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، وقوة النفس عليها أقوى.
بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ﴾ وبقوله "الخمر أم الخبائث" ذماً لها وتقريراً لإثم شاربها.
وقد لعن رسول الله بسبب الخمر عشرة.
وقال : "كل مسكر حرام" "وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟
قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل.
وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن: أقومها زقاً يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها.
قال أبقراط: في الخمر عشر منافع.
خمس جسمانية وخمس نفسانية.
فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه.
والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل.
ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح.
ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن.
الحساب الدائم العذاب، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له.
الحكم الرابع: ﴿ ويسئلونك ماذا ينفقون ﴾ وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية.
وذلك أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟
ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلاً عن الكفاية.
ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسير والتسهيل.
ويقال للأرض السهلة: العفو.
ومن قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله.
وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير وعن النبي أنه كان يحبس لأهله قوت سنة.
وقال : "خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف" وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف.
فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات، ذكرها ههنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان مفروضاً لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف.
وقيل: إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة.
﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه.
﴿ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ﴾ فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.
ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى.
ويجوز أن يتعلق بـ "يبين" أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون.
الحكم الخامس: ﴿ ويسئلونك عن اليتامى ﴾ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت.
وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت.
﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي.
أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه.
وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل: عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا و الآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه.
﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز.
قيل: المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة.
وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إلى تفسير قوله ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وقيل: المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله.
وأيضاً الشركة داخلة في قوله ﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب.
وأيضاً إنه قال بعد هذه الآية ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ﴾ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك ﴿ والله يعلم المفسد ﴾ لأمورهم ﴿ من المصلح ﴾ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر.
﴿ ولو شاء الله لأعنتكم ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم.
وعن ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً.
وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده.
وقد يستدل بالآية على أنه لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول "ولو شاء لأعنت" ولهذا قال: ﴿ إن الله عزيز ﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم.
الحكم السادس: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ أكثر المفسرين على أن هذه الآية ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم.
وعن أبي مسلم: أنه متعلق بقصة اليتامى ترغيباً في مخالطتهنّ دون مخالطة المشركات.
عن ابن عباس: أن رسول الله بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي - وكان حليفاً لبني هاشم - إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق.
فأتته وقالت: ألا نخلو؟
فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا.
فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟
قال: نعم.
ولكن أرجع إلى رسول الله فاستأمره فنزلت هذه الآية.
ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأوّل في لفظ النكاح فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد لقوله "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء.
ولقوله أيضاً "ولدت من نكاح لا من سفاح" ولقوله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو العقد بل هو الوطء بدليل قوله " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وقال "ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون" ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم.
يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينيه.
والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال اللفظ فيهما جميعاً.
قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم "نكح المرأة" فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً.
فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه تزوّجها وعقد عليها.
وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته.
لم يريدوا غير المجامعة.
إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد أي لا تعقدوا على المشركات.
الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟
قال الأكثرون: نعم لقوله ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ولقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فلو كان كفر اليهود والنصارى غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق.
وأيضاً النصارى قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضاً يثبتون لله صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض.
وروي "أن النبي أمّر أميراً وقال: إذا لقيت عدوّاً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك" .
وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين، فقد أثبتوا شريكاً لله في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر.
واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب إضافة ذلك إلى غير الله.
والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك إلى غير الله كان مشركاً كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب.
احتج المخالف بأنه فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال ﴿ ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ والعطف يقتضي التغاير.
وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص أوّلاً ثم عمم.
هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة.
وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي بأنه يسم كل من كان كافراً بأنه مشرك.
التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعاً فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي.
لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ ضائعاً ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها.
فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟
فقال: لا، ولكني أخاف.
وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله أنه قال: "نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا" وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الاستثناء خالياً عن الفائدة.
وإن قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها.
ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات.
روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتاً من قبل الشرع.
قوله ﴿ حتى يؤمن ﴾ اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في تفسير قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ أنه لا بد في الإيمان الحقيقي من التصديق القلبي، إلا أنه اكتفي ههنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى علام الخفيات.
فإن وافق سره العلن كان مؤمناً حقاً وإلا كان منافقاً جداً ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم.
والمراد بالأمة وكذا بالعبد في قوله ﴿ ولعبد مؤمن ﴾ أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيداً لله وإماؤه أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة ﴿ خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ للمبالغة والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما.
وقد تحصل المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضاً من حسن الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين فتنعكس هذه القضايا.
وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا قال رسول الله "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة.
ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوّج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة، لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ لا خلاف ههنا في أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر ﴿ أولئك ﴾ المشركات والمشركون ﴿ يدعون إلى النار ﴾ أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة الارتداد أهم من الطموح إلى إسلام المشرك.
فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال.
وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب.
وغرض هذا القائل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد.
وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار فهذا هو الدعوة إلى النار.
﴿ والله يدعو إلى الجنة ﴾ حيث أمر بالتزوج بالمسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم و مصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم ﴿ بإذن ﴾ بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن ﴿ والمغفرة ﴾ بالرفع على الابتداء أي المغفرة كائنة بتيسيره ﴿ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ﴾ معناه واضح.
وقد عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها.
وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه ﴿ ومنافع للناس ﴾ وملاذ لأهل القرب والاستئناس.
فصحوك من لفظي هو الوصل كله *** وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فمـا مـل سـاقيهـا ومـا مـل شـارب *** عقـار لحــاظ كـأســه يسـكـر اللبــا قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي.
فــأســكـــر القـــــوم دور كـــأس *** وكــان سـكــري مــن المـــديـــــر الكأس والشراب والساقي و المسقي ههنا واحد كما قيل: رق الــزجــاج وراقــت الخمـــر *** فتشـــابهـــا وتشــاكـــل الأمــــــر فكـــأنمـــا خمـــر ولا قــــــــدح *** وكـــأنمـــــا قـــــدح ولا خمـــــر وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية.
أما الميسر فإثمه كبير عند ا لأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين.
﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص.
وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ .
﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، بعد الحرمة ﴿ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، قبل الحرمة، ﴿ وَإِثْمُهُمَآ ﴾ ، بعد الحرمة، ﴿ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ ، قبل التحريم.
والمنفعة في الميسر: بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر، وهو القمار.
وذلك أن نفراً كانوا يشترون الجزور فيجعلون لكل رجل منهم سهماً، ثم يقترعون، فمن خرج سهمه برئ من الثمن حتى يبقى آخر رجل، فيكون ثمن الجزور عليه وحده، ولا حق له في الجزور، ويقتسم الجزور بقيتهم.
وقيل: يقسم بين الفقراء؛ فذلك الميسر.
ثم قال: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، في ركوبهما؛ لأن فيهما ترك الصلاة، وترك ذكر الله، وركوب المحارم والفواحش.
ثم قال: ﴿ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، يعني التجارة، واللذة، والربح.
ثم اختلف فيه: قال قوم: إن الخمر محرمة بهذه الآية حيث قال: ﴿ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، والإثم محرم بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ ﴾ .
وقال قوم: لم تحرم بهذه الآية؛ إذ فيها ذكر النفع، ولكن حرمت بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ ﴾ ، والرجس محرم، وقال الله : ﴿ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وعمل الشيطان مرحم.
ثم أخبر في أخرها أنه: ﴿ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ ، وذلك كله محرم.
والأصل عندنا في هذا: أنهم أجمعوا على حرمة الميسر مع ما كان فيه من المنافع للفقراء وأهل الحاجة والمعونة لهم؛ لأنهم كانوا يقتسمون على الفقراء، فإذا حرم الله هذا ثبت أن المقرون به أحق في الحرمة مع ما فيه من الضرر الذي ذكرنا.
والله أعلم.
وقال الشيخ، رحمه الله ، في قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ : ولم يبين في السؤال أنه عن أي أمرهما كان السؤال؟
وأمكن استخراج حقيقة ذلك عن الجواب بقوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، كأن السؤال كان "عما فيهما"؟
فقال: فيهما كذا.
وعلى ذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ كأن السؤال عما يعمل في أموال اليتامى، من المخالطة وأنواع المصالح، وكذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، كأنه قال: عن غشيان في المحيض، إذ في ذلك جرى الجواب فلم يبين في السؤال لما في الجواب دليله، أو لما كان الذين سألوا معروفين يوصل بهم إلى حقيقة ذلك.
والله أعلم.
وقيل: هذه الآية تدل على حرمتهما بما قال: ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، وقد قال الله : ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلإِثْمَ ﴾ ، ثبت أن الإثم محرم.
وأكثر السلف على أن الحرمة فيهما ليست بهذه الآية، ولكن بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، يبلغ أمر الخمر والميسر إلى ما يكون فيهما ﴿ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، من نحو ما بين عند السكر والميسر في سورة المائدة من وقوع العداوة والبغضاء والصد عما ذكر، ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ ﴾ ، في ذلك الوقت بوجوه: أما في الخمر: إلى أن يسكر، وفي التجارة فيها.
وفي الميسر: لما كان يفرق ما فيه ذلك على الفقراء، وما فيه من التجارة ونحو ذلك.
وعلى التأويل الأول يخرج قوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، أي: في الشرب والعمل إذ حرما، ﴿ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، قبل أن يحرما.
والله أعلم.
ثم الذي علينا: أن نعرف حرمتهما اليوم إن كانت في هذه الآية أو لم تكن، فينتهي الانتفاع بهما ويحذر ذلك، وقد بين الله الكافي من ذلك في سورة المائدة، وجاءت الآثار في تحريمهما، على ما في الميسر من الخطر والجهالة التي جاءت الآثار على كون أمثالها في حكم الربا، وفي الخمر ما لا يتخذ للمنافع وإنما يتخذ للهو والطرب، وكل ذلك مما نهينا عنه، مع ما في ذلك من ذهاب العقل الذي هو أعز ما في البشر، وغلبة السفه في أهله.
فحقيق لمن عقل اتقاه لو كان حلالاً؛ لما في ذلك من التبذير، فكيف وقد ظهرت الحرمة.
ثم كان معلوماً علة حرمة الخمر إذا سكر منها الشارب، ثم جاء به القرآن، وليست تلك العلة في شرب القليل منه، فلم يلحق بحق القليل غيرها، وألحق بالكثير كل شراب يعمل ذلك العمل، لما فيه المعنى الذي ذكره، إذ كانت الخمر لا تتخذ في المتعارف للمصالح ولا لأنواع المنافع، بل تتخذ لما ذكرت من اللهو والطرب، ولا يستعمل شربها إلا المعروفون بالفسق، فتكون حرمة الخمر بعينها، لا ما ذكرت من قصد العواقب بها.
وكل جوهر لا يتخذ لا يقصد باتخاذ ذلك فهو غير محرم بعينه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ﴾ .
﴿ ٱلْعَفْوَ ﴾ : هو الفضل عن القوت، وذلك أن أهل الزروع كانوا يتصدقون بما يفضل عن قوت سنة، وأهل الغلات يتصدقون بما يفضل عن قوت الشهور، وأهل الحرف والأعمال يتصدقون بما يفضل عن قوت يوم، ثم نسخ ذلك بما روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن رسول الله ، أنه قال: "الزكاة نسخت كل صدقة كانت، وصوم شهر رمضان نسخ كل صوم كان، والأضحية نسخت كل دم كان" .
فإن ثبت هذا فهو ما ذكرنا.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كان هذا قبل أن تفرض الصدقة.
دليل ذلك ظهور أموال كثيرة لأهلها في الصحابة، رضوان الله عنهم أجمعين، إلى يومنا لم يخرجوا من أملاكهم، ولا تصدقوا بها، ولا أنكر عليهم؛ فثبت أن الأمر في ذلك منسوخ، أو هو على الأدب.
وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
قيل: أما في الدنيا: فتعلمون أنها دار بلاء وفناء، وأما الآخرة: دار جزاء وبقاء، فتفكرون فتعملون للباقية منهما.
وقال الحسن: إي - والله - ومن تفكر فيهما ليعلمن أن الدنيا دار بلاء، وأن الآخرة دار بقاء.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.
بل يعلم بالتفكر أن الدنيا للزوال، علم أنها هي للتزود لدار القرار، فيصرف سعيه إلى التقديم، وجهده في فكاك رقبته وإعتاقها.
ولا قوة إلا بالله.
وفي قوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ دلالة جواز تأخير البيان؛ لأنه أمر بالتفكر والتدبر، وجعل لهم عند الفكر الوصول إلى المراد في الخطاب، فدل أنه يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع.
وقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾ .
كأن في السؤال إضماراً؛ لأنه قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ ، ولم يبين في أي حكم، وإضماره - والله أعلم - أن يقال: يسألونك عن مخالطة اليتامى.
يبين ذلك قوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ أن السؤال كان عن المخالطة.
وكذلك قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ ، ولم يبين في أي حكم، فكأنه قال: يسألونك عن شرب الخمر والعمل بالقمار والميسر، ثم قال: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ، دل قوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ أن السؤال كان عن شرب الخمر والعمل بالميسر.
وهذا جائز في اللغة، وفي القرآن كثير أن يكون في الجواب بيان السؤال أنه عما كان وإن لم يذكر في السؤال؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ ﴾ ، دل ما ذكرنا من الفتيا أن الاستفتاء كان عن الميراث.
وكذلك قوله: ﴿ َيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ أن السؤال كان عن نساء اليتامى.
وهذا جائز؛ وربما يخرج الجواب على إثر نوازل، فيعرف مراده بالنوازل دون ذكر السؤال.
ثم السؤال يحتمل وجهين: يحتمل: أن يكون عن مخالطة الأموال والأنفس جميعاً بقوله: ﴿ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، فإنما حملهم - والله أعلم - على سؤال المخالطة، ما قيل: لما نزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ ، أشفق المسلمون من خلطة اليتامى، فعزلوا لهم بيتا، وعزلوا طعامهم وخدمهم وثيابهم، فشق ذلك عليهم جميعاً، فسألوا عن ذلك رسول الله فنزلت هذه الآية: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ الآية.
وفي الآية دليل جواز المناهدات والمؤاكلات في الأسفار وغيرها حيث أباح لهم المخالطة بأموال اليتامى.
فإذا احتمل ذلك مال الصغار من اليتامى فاحتماله في مال الكبير أشد؛ إذ مال الكبير يحتمل الإباحة والإذن، ومال الصغير لا.
وفي الآية دليل جواز القليل من المعروف واليسير منه في ملك الصغير، واحتماله ذلك؛ لأنه - جل وعز - أباح لهم المخالطة مع اليتامى على العلم في الاستيفاء مبلغ الكبير بل يقصر عنه.
وفيه دليل أن علة الربا ليس هو الأكل، على ما قاله بعض الناس، ولكن هو الكيل والوزن؛ لأنه أباح لهم المخالطة في المأكول من الطعام والمشروب من الشراب، على غير كيل ولا وزن، على العلم بقصور الصغير عن الاستيفاء قدر الكبير وبلوغه مبلغه، فلو كان علته الأكل لكان لا يبيح لهم أكل الربا؛ فدل أن علته ليس الأكل، ولكن هي الفضل عن الكيل أو الوزن في الجنس.
وفيه دليل جواز بيع الثمرة بالثمرتين لخروجه عن الكيل.
وهكذا كل شيء خرج عن الكيل والوزن، لترك للناس مكايلته وموازنته، وإن كان كيليّاً يجوز بيع واحد باثنين.
والله أعلم.
وفيه دليل أن لا بأس بأن يؤدب الرجل اليتيم بما هو صلاح له.
وذلك كما يؤدب ولده وأن يعلمه بما فيه الاعتياد لمحاسن الأخلاق والتوسيع، كما أمر بالصلاة إذا بلغ سبعاً، والضرب عليها إذا بلغ عشراً اعتياداً.
ألا ترى أنه روي في الخبر: "شر الناس الذي يأكل وحده ويشرب وحده".
وفي المخالطة التخلق بالأخلاق الحسنة، وفي تركها التخلق بالأخلاق السيئة، والاعتياد بعادة السوء.
وقوله: ﴿ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾ ، فيه دليل إضمار، وهو طلب الصلاح لهم: إما بالتولي لهم في أموالهم والنظر لهم بما يعقب نفعاً لهم، وطلب التخلق بالأخلاق الحسنة الاعتياد بالعادة المحمودة؛ فذلك (إصلاح) خير، بطلبكم الصلاح لهم، أو خير لهم بما يعود نفع ذلك إليهم.
وإلا فظاهر الصلاح حسن لكل أحد، فلا وجه لتخصيصهم به؛ فدل أنه على طلب النفع والنظر لهم.
والله أعلم.
[وقوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، فيه دليل الترغيب؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ ، رغبهم عز وجل بما أخبر أنهم ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، بطلب الصلاح والنظر والنفع لهم، إذ يستوجب بعضهم قبل بعض المعونة لهم والحفظ والصلاح، كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
دل قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، على أن الصغير قد يعق والديه في أمر الدين، ويجوز منهم التدين إذا عقلوه وإن لم يكونوا بلغوا.
والله أعلم].
ثم أوعدهم عز وجل بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ﴾ .
أي - والله أعلم - يعلم طالب النفع والنظر لهم من طالب الفساد والإسراف في أموالهم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ .
قيل: يضيق عليكم، ولم يأذن لكم بالمخالطة معهم.
وقيل: لأعنتكم، فلم يرض لكم في الخلطة.
وقيل: لأحرجكم.
وهو واحد.
وأصل العنت: الإثم، كقوله : ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ، يعني: أثمتم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
فيه وعيد لهم على ما ذكرنا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يسألك أصحابك -أيها النبي- عن الخمر (وهي: كل ما غطى العقل وأذهبه)؛ يسألونك عن حكم شربها وبيعها وشرائها؟
ويسألونك عن حكم القِمار (وهو: ما يُؤخذ من المال عن طريق المنافسات التي فيها عوض من الطرفين المشترِكَين في المنافسة)؟
قل مجيبًا إياهم: فيهما مضار ومفاسد دينية ودنيوية كثيرة؛ من ذهاب العقل والمال، والوقوع في العداوة والبغضاء، وفيهما منافع قليلة كالمكاسب المالية، وضررهما والإثم الحاصل بهما أكبر من نفعهما، وما كان ضرّه أكثر من نفعه؛ فإن العاقل يجتنبه، وهذا البيان من الله فيه تمهيد لتحريم الخمر.
من فوائد الآيات الجهل بعواقب الأمور قد يجعل المرء يكره ما ينفعه ويحب ما يضره، وعلى المرء أن يسأل الله الهداية للرشاد.
جاء الإسلام بتعظيم الحرمات والنهي عن الاعتداء عليها، ومن أعظمها صد الناس عن سبيل الله تعالى.
لا يزال الكفار أبدًا حربًا على الإسلام وأهله حتَّى يخرجوهم من دينهم، والله موهن كيد الكافرين.
الإيمان بالله تعالى، والهجرة إليه، والجهاد في سبيله؛ أعظم الوسائل التي ينال بها المرء رحمة الله ومغفرته.
حرّمت الشريعة كل ما فيه ضرر غالب وإن كان فيه بعض المنافع؛ مراعاة لمصلحة العباد.
<div class="verse-tafsir" id="91.JyP7Y"
قال السيوطي في أسباب النزول: روى أحمد من حديث أبي هريرة قال قدم رسول الله المدينة وهو يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر ﴾ الآية فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله آية أغلط منها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ الآية ثم نزلت آية أغلظ من ذلك ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ إلى قوله ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ قالوا انتهينا ربنا.
وقال (الجلال) في تفسير آية البقرة إنها"لما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون حتى نزلت آية المائدة" وهو مخالف للإطلاق الذي نقلناه آنفًا عن كتاب أسباب النزول له.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فإنها تذهب بالمال العقل.
فنزلت هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ فكان ينادي رسول الله إذا قام إلى الصلاة "أن لا يقربن الصلاة سكران".
فدعي عمر فقرئت عليه، فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ قال عمر انتهينا انتهينا.
ولا يتوقف فهم معنى الآيات على شيء من هذه الروايات، ويظهر من مجموعها أن القطع بتحريم الخمر والنهي عنها كان بعد تمهيد بالذم، والنهي عن السكر في حال قرب الصلاة، وأوقات الصلوات متقاربة فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران وهو الذي تدل عليه الجملة الحالية ﴿ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ التي قيد بها النهي، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما لا يخفى.
قال القفال والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب والخمر وكان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق.
والذي كان يتبادر لولا الروايات أن آية سورة النساء هي التي نزلت أولًا فكانوا يمتنعون عن الشرب في أكثر الأوقات لئلا تفوتهم الصلاة، وأما آية المائدة فلا شك أنها آخر ما نزل لأنها أكدت النهي، وبينت علة التحريم بالتعيين، على أن السورة برمتها من آخر السور نزولًا.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية، وأن ما أتى بعدها فهو من قبيل التوكيد لأن لفظ الإثم يفيد المحرم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ .
ولكن ذهب الجمهور إلى أن التحريم كان تدريجًا كما تقدم، وهو المنقول والمعهود في حكمة التشريع.
والإثم هو الضرر، فتحريم كل ضار لا يقتضي تحريم ما فيه مضرة من جهة ومنفعة من جهة أخرى، لذلك كانت هذه الآية موضعًا لاجتهاد الصحابة فترك لها الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون، كأنما رأوا أنه يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها، فكان ذلك تمهيدًا للقطع بتحريمها ولو فوجئوا بالتحريم مع ولوع الكثيرين بها واعتقادهم منفعتها لخشي أن يخالفوا أو يستثقلوا التكليف فكان من حكم الله أن رباهم على الاقتناع بأسرار التشريع وفوائده ليأخذوه بقوة وعقل.
لفظ الخمر منقول من مصدر خمر الشيء بمعنى ستره وغطاه، يقال خمرت الشيء إذا سترته وخمرت الجارية ألبستها الخمار وهو النصيف الذي تغطي به وجهها وتخمرت هي واختمرت.
والوجه في النقل أن هذا الشراب يستر العقل ويغطيه، أو هو من خامره بمعنى خالطه، يقال خامره الداء أي خالطه وهو ما صرح به عمر في خطبة له على منبر النبي ، أو بمعنى التغيير، يقال خمر الشيء (كعلم) إذا تغير عما كان عليه، والعصير يتغير فيكون خمرًا، أو بمعنى الإدراك من خمر العجين ونحوه فاختمر أي بلغ وقت إدراكه، وقال ابن الأعرابي إنه يقال سميت الخمر خمرًا لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها، وجميع هذه المعاني ظاهرة في هذه الأشربة المسكرة كلها كما قال ابن عبد البر فيصح إطلاق اسم الخمر لغة على كل مسكر وهذا ما ذهب إليه أشهر علماء اللغة كالجوهري وأبو نصر القشيري وأبو حنيفة الدينوري والمجد صاحب القاموس.
والظاهر أن هذا الاطلاق حقيقي ولا وجه للعدول عنه إلا أن يصح أن العرب كانت تسمي نوعًا خاصًا من المسكرات خمرًا لا تطلق اللفظ على مسكر سواه وهو ما زعمه بعض الناس، والحنفية على أن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، زاد بعضهم ثم سكن، وقيل إذا اشتد فقط.
ويرده أن الصحابة وهم صميم العرب فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما كان من العنب وما كان من غيره، بل قال أهل الأثر إن الخمر حرمت بالمدينة ولم يكن شرابهم يومئذ إلا نبيذ البسر والتمر، فهو الذي تناوله نص القرآن ابتداء، وأخرج أبو داود: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة، والخمر ما خامر العقل: وكان هذا كل ما كان يعرف ولا شك أن غيره مثله.
والأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك ومنها حديث: "كل مسكر خمر"، وروي بزيادة "وكل خمر حرام".
وكان النبي والخلفاء يجلدون كل من سكر ويعبرون عن ذلك بحد الخمر أو عقوبته، يقول المخصِّصون إن ما ورد في الحديث اصطلاح شرعي لا لغوي، ونقول: إن الذي أنزل عليه الذكر ليبين للناس ما نزل عليهم قد بين لهم أن الخمر التي نهى الله عنها في كتابه هي كل مسكر، فلا فرق في حكمها بين مسكر وآخر، وهذا البيان قطعي متواتر لأن العمل عليه وفي حديث أبي داود وغيره: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من يسر إذا وجب، أو من اليسر بمعنى السهولة لأنه كسب بلا مشقة ولا كد، أو من اليسار وهو الغني لأنه سببه للرابح، أو من اليسر بمعنى التجزئة والاقتسام يقال يسروا الشيء إذا اقتسموه.
قال الأزهري الميسر الجزور (الجمل) كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرًا لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر أي لأنه يجزئ لحم الجزور ثم صار يقال للمتقامرين جازرون لأنهم سبب الجزر والتجزئة، هذا هو الأصل.
وأما كيفيته عند العرب فهي أنه كان لهم عشرة قداح (جمع قدح بالكسر) وتسمى الأزلام والأقلام -وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس (ككتف) والمسبل والمعلى والنافس والمنيح والسفيح والوغد- لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرين جزءًا، وليس للثلاثة الأخيرة شيء فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة وهو أعلاها، ولذلك يضرب به المثل لمن كان أكبر حظًا أو نجاحًا من غيره في كل شيء مفيد له فيقال: صاحب القدح المعلى، وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الربابة وهي الخريطة، ويضعونها على يد عدل يجلجلها ويدخل يده فيخرج منها واحدًا باسم رجل، ثم واحدًا باسم رجل إلخ...
فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئًا، وغرم ثمن الجزور كله.
وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم (بالتحريك) وهو في الأصل ثمر العضاة لا ينتفع به، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال: كل سهام الياسرين عشرة فأودعوها صحفًا منشرة لها فروض ولها نصيب الفذ والتوأم والرقيب والحلس يتلوهن ثم النافس وبعده مسبلهن السادس ثم المعلى كاسمه المعلى صاحبه في الياسرين الأعلى والوغد والسفيح والمنيح غفل فما فيها يرى ربيح وقد اختلفوا هل الميسر ذلك النوع من القمار بعينه أم يطلق على كل مقامرة، ولكن لا خلاف بين الفقهاء في أن كل قمار محرم إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبًا فيهما للاستعداد للجهاد، وليس منها سباق الخيل المعروف في عصرنا فإنه من شر القمار الذي ترجع جميع أنواعه إلى كونها من أكل أموال الناس بالباطل.
﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قرأ حمزة والكسائي "كثير" بالمثلثة من الكثرة وقرأ الباقون كبير من الكبر.
والإثم كل ما فيه ضرر وتبعة من قول وعمل، أي قل أيها الرسول إن في تعاطي الخمر والميسر إثمًا كثير المفاسد وذنبًا كبير الضرر وإنما كان إثم الخمر كبيرًا لأن مضراتها والتبعات التي تعقبها كبيرة، والضرر يكون في البدن والنفس والعقل والمال، ويكون في التعامل وارتباط الناس بعضهم ببعض.
ولا يوجد إثم من الآثام يدخل ضرره في كل شيء كالخمر من الأفعال والكذب من الأقوال، وأنواع هذا الضرر كثيرة فمن مضرات الخمر الصحية إفساد المعدة والإقهاء وتغيير الخلق، فالسكارى يسرع إليهم التشوه، فتجحظ أعينهم، وتمتقع سحنتهم، وتعظم بطونهم، بل قال أحد أطباء الألمان إن السكور (كثير السكر) ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين، ويكون كالهرم جسمًا وعقلًا، ومنها مرض الكبد والكلى، وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوروبية فتكًا ذريعًا على عناية أهلها بقوانين الصحة، ولكن لا وقاية من شرور السكر إلا بتركه، وقد قيل إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوروبا بداء السل.
ولم يكن هذا الداء معروفًا أو منتشرًا في مثل هذه البلاد (مصر) قبل شيوع السكر فيها، فهو من الأدواء التي حملها إليها الأوروبيون، وقد كثر كثرة فاحشة في مصر على أن جوها لا يساعد على انتشاره.
وأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس، وليس ضرره فيه خاصًا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر، بل السكر يضعف القوة العاقلة، وكثيرًا ما ينتهي بالجنون، ولأحد أطباء ألمانية كلمة اشتهرت كالأمثال وهي: "اقفلوا لي نصف الحانات، أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ (التكايا) والسجون".
وقد قال الأطباء إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل، فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها، وقد يحدث فيها احتقانًا والتهابًا، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله، وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي.
ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعيق دورته وقد يوقفها أحيانًا فيموت السكور فجأة، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانًا فيفسد الدم ولو في بعض الأعضاء فتكون "الغنغرينا" التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكًا، وتصلب الشرايين يسرع الشيخوخة والهرم.
ومن تأثيره في جهاز التنفس إضعاف مرونة الحنجرة، وتهييج شعب التنفس، وأهون ضرر ذلك بحة الصوت والسعال، وأعظمها تدرن الرئة أي السل الفاتك بالشبان، والقاطع لجميع لذات الإنسان.
وأما تأثيره في المجموع العصبي فهو الذي يولد الجنون ويهلك النسل، فولد السكور لا يكون نجيبًا وولد ولده يكون شرًا من ولده وأضعف بدنًا وعقلًا، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل البتة، ولا سيما إذا جرى الأبناء عن طريق الآباء كما هو الغالب.
ومن مضرات الخمر في التعامل وقوع النزاع في الخصام بين السكارى بعضهم مع بعضه، وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم، تثير ذلك أدنى بادرة من أحدهم، فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء.
وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين ولذلك ورد بها النص في سورة المائدة.
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ .
ومنها إفشاء السر وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة، ولا سيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة وسياسة الدولة ومصالحها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس، ومنها الخسة والمهانة في أعين الناس فإن السكران يكون في هيأته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه حتى الصبيان، لأنه يكون أقل منهم عقلًا، وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله، والضبط في أفكاره وأقواله، وينقلون عن السكارى من النوادر الغريبة ما يكفي في ردع من له شرف وعقل عن الخمر، فيراجع ذلك في كتب الأدب والمحاضرة.
ومما ذكر عن المحدثين أن ابن أبي الدنيا مر بسكران وهو يبول في يده ويمسح وجهه كهيئة المتوضئ ويقول الحمد لله الذي جعل الإسلام نورًا والماء طهورًا.
وعرض بعضهم شرب الخمر على أحد فصحاء المجانين فقال له المجنون: أنت تشرب لتكون مثلي، فأنا أشرب لأكون مثل من؟
ومنها أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرئ عليها ولا سيما الزنا والقتل، وبلغني أن جميع الذين يختلفون إلى مواخير الزنا لا يذهبون إليها إلا وهم سكارى، لأن غير السكران تنفر نفسه من هذه القاذورات المبتذلة مهما تكن خسيسة، ولذلك سميت الخمر أم الخبائث كما ورد في الحديث.
فهذه إشارة إلى مضرتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب.
ومن مضراتها المالية أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة: فإذا شربت فإني مستهلك مالي، البيت.
ولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا ولا في مكان كهذه البلاد، فإن أنواع الخمر كثرت فيها، ومنها ما هو غالي الثمن جدًا، ثم إن المتجرين بها كثيرًا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا، وفي مصر القاهرة بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء والراقصات والمغنيات، يدخلها الرجال زرافات وأفذاذًا، ويتبارون ثَمَّ في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف.
وإن الخمار الرومي الفقير ليفتح في أحد القرى والمزارع من هذه البلاد حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها فتكون أموالها وغلاتها وقطنها وتجارتها في يد "الخواجه" صاحب الحانة.
وقد عم البلاء بالخمر هذا القطر بما لأهله من الاستعداد للتقليد حتى قيل إن ما يصرف في مصر على الخمر يعدل ما يصرف في فرنسة كلها.
ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات، لا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، ولذلك قال تعالى في آية المائدة بعد ما تقدم آنفًا ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ ﴾ .
وسيأتي إيضاح هذا المعنى في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى.
فهذا شيء من البيان لكون إثم الخمر كبيرًا، بمعنى أن كبره بكبر ضرره، أو كونه كثيرًا لكثرة أنواعه، وقد يشتبه بعض المبتلين بشرب الخمر في بعض تلك المضرات الصحية أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها، وهيهات هيهات لما يتوهمون فإن المزاج الذي يتحمل سم الخمر الذي يسمى الكحول أو الغول زمنًا طويلًا، بحيث يغتر الناس بحسن صحة صاحبه، قليل في الناس، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر، ويجهلون الأصل الغالب، وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته بل تجتمع كلها في الغالب.
وأما المضرات المعنوية فيقل في معتادي السكر من يحفل بها، على أن منهم من يرى أنه يسهل عليه تجنبها.
﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ وهذا القول إرشاد للمؤمنين إلى طريق الاستدلال، فكان عليهم أن يهتدوا منه إلى القاعدتين اللتين تقررتا بعد الإسلام: قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وقاعدة "ترجيح ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما"، ولكن لم يهتد إلى ذلك جميعهم، إذ ورد أن بعضهم ترك الخمر عند نزول الآية وبعضهم لم يترك كما تقدم.
ومضرة الخمر لا يجهلها أحد ولذلك كان في الجاهلية من حرمها على نفسه ومنهم العباس بن مرداس قيل له في الجاهلية ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك فقال "ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم".
وأطباء الإفرنج وعلماؤهم مجمعون على أن ضرر الخمر -وكذلك الميسر بالأولى- أكبر من نفعها، وقد ألفت جمعيات في أوروبا وأمريكا للسعي في إبطال المسكرات، فهم يتعاهدون على عدم الشرب، وعلى الدعوة إلى ذلك، والسعي لدى الحكومات بالتشديد على بائعي الخمور، فالأيام والأجيال كلما تقدمت وارتقت تؤيد قول القرآن بأن إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما، فإن أطباء هذا العصر يصفون من مضرات الخمر ما لم يكن معروفًا عند الأطباء المتقدمين وهو ما أطلقه الله تعالى لعباده ليبحثوا فيه ويتبينوا صدقه بأنفسهم لتكون عقولهم مؤيدة لكتابه بوجوب اجتنابه.
ولكن لدينا من أهل الذكاء والفطنة وأدعياء العلم والمدينة من استعبدهم سلطان اللذة، فصرفهم عن النظر والبحث في هذه المضرات، كما صرفهم عن هداية الدين، وصرف آباءهم عن تربيتهم عليه فأسرفوا في معاقرة الخمر حتى غيض معين حياة بعض الشبان، وانكسفت شموس عقول آخرين قبل الاكتمال، فحرموا من سعادة الحياة، وحرمت بيوتهم وأمتهم مما كانت ترجوه من ذكائهم واستعدادهم، بدت فتنة السكر في طائفة من الكبراء والمتعلمين، وصارت تعد من علامات المتفرنجين الذين يسمون المتمدنين، وسرت عدواها إلى غيرهم من المقلدين، حتى قلد فيها شيوخ القرى وعمد البلاد فكانوا شر قدوة للفلاحين والعمال والأجراء، وعم خطر هذه الآفة التي تتبعها آفة الزنا حيث سارت، ويتبع الزنا داء الزهري الذي هو من أسباب انقطاع النسل، فأية منفعة توازي هذه الآفات القاتلة والجوائح المصطلمة؟
إنني كنت أقول إن المصريين لا يفنون في جنس آخر وإن استولى عليهم قرونًا طويلة، ولكن غيرهم قد يفنى فيهم، لأنهم يرضون بكل سلطة، ويدينون لكل قوة، فلا يؤثر فيهم الذل والفقر كما يؤثر في غيرهم، بل يظلون ما وجدوا قوتًا يتناسلون ويكثرون، والعامل لا يعدم في أرض زراعية كمصر قوتًا، ولذلك تقلبت الأمم على المصريين ثم زالت أو زال سلطانها عنهم، وبقي المصريون مصريين، لهم سحنتهم وصفاتهم وأخلاقهم وعاداتهم، ولكنني رجعت عن هذا القول بعد ما رأيت من انتشار الخمر والزنا في البلاد، ولا سيما هذه الخمور الافرنجية التي تباع للفقراء والفلاحين، وما هي بخمر جعلت للشرب وإنما هي المادة المحرقة السامة التي تسمى "السبيرتو" يضاف إليها شيء من الماء والسكر أو غير ذلك مما يمكن من تناولها.
فإذا استمر السكر والفحش على سريانهما هذا، فلا يبعد أن تنقرض الأمة المصرية بعد جيلين أو ثلاثة كما انقرض هنود أمريكا، فلا يبقى منهم إلا بقية من الخدم والأجراء عند من يخلفهم في الأرض، فإن السكر والزنا كالمقراضين يقرضان الأمم قرضًا.
وأما كون إثم الميسر أكبر من نفعه فهو أظهر مما تقدم في الخمر لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع القمار وعم ضررها، حتى إن الحكومات الحرة التي تبيح تجارة الخمر تمنع أكثر أنواع القمار وتعاقب عليها، على احترامها للحرية الشخصية في جميع ضروب التصرف التي لا تضر بغير العامل، فمنفعة القمار وهمية، ومضراته حقيقية، فإن المقامر يبذل ماله المملوك له حقيقة على وجه اليقين لأجل ربح موهوم ليس عنده وزن ذرة لترجيحه على خطر الخسران والضياع، والمسترسل في إضاعة المُحَقَّق طلبًا للمتوَهَّم يفسد فكره ويضعف عقله، ولذلك ينتهي الأمر بكثير من المقامرين إلى بخع أنفسهم أو الرضى بعيشة الذل والمهانة.
إنني أعرف رجلًا كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه، فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها وعاش بقية حياته فقيرًا معدمًا حتى مات جائعًا.
ولقد ربح في ليلة تسع مائة ألف فرنك فقال لا أبرح حتى أتمهما مليونًا، فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحيانًا فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء.
ولبيوت القمار في مصر طرق في استدراج الأغنياء لا يعقلها المصريون، على ما يرون من آثارها في تخريب بيوت من اصطيدوا بأحابيلها من إخوانهم.
ويحكى أن رجلًا عاقلًا رأى من ولده ميلًا إلى المقامرة لمعاشرته بعض أهلها، فلما حانت وفاته وخاف أن يضيع ولده ما يرثه عنه، وعلم أن النهي لا يكون إلا إغراء، قال له يا بني أوصيك إذا شئت أن تقامر بأن تبحث عن أقدم مقامر في البلد وتلعب معه، فطفق الولد بعده يبحث ويسأل وكلما دل على واحد علم منه أن هناك من هو أقدم منه حتى انتهى به البحث إلى شيخ رث الثياب، ظاهر الاكتئاب، فعلم من حاله ومقاله أن مآل المقامر إلى أسوأ مآب، وأن والده قد اجتهد بنصيحته فأصاب، وأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب، ورجع هو إلى رشده وأناب، فلم يدخل بيت المقامرة من طاق ولا باب.
ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما، لأن للخمر تأثيرًا في العصب يدعو إلى العَوْد إلى شربها والإكثار منها، فإن ما تحدثه من التنبيه يعقبه خمود وفتور بمقتضى سنة رد الفعل، فيشعر السكران بعد الصحو أنه مضطر إلى معاودة السكر، ليزول عنه ما حل به، فإذا هو عاد قويت الداعية.
وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في الزيادة، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا المطمع الوهمي.
وهذا شر ما في هاتين الجريمتين.
وجملة القول أن الله تعالى قد هدانا لأن نعلم مضرات الخمر والميسر ببحثنا لنكون على بصيرة في تحريمها علينا، وأننا نرى الأمم التي لا تدين بالإسلام ولم تخاطب من الله تعالى بهذه الهداية قد اهتدت إلى ما لم نهتد إليه من تلك المضار، وأنشأت تؤلف الجمعيات للسعي في إبطال هاتين الجريمتين ونحن الذين منحنا تلك الهداية منذ ثلاثة عشر قرنًا ونيف أنشأنا نأخذ عن تلك الأمم ما أنشأت هي تقاومه وتذمه، حتى إن السكر قد غلب في رؤساء دنيانا، والميسر قد انتشر في أمرائنا وكبرائنا، ثم فشا فيمن دونهم تقليدًا لهم.
انظروا إلى من أنعم الله عليهم بهذه النعمة كيف صاروا يكفرونها، وكيف حل بهم غضب الله تعالى فسلبوا معظم ما وهبوا، ويخشى أن يمتد ذلك حتى يعز تداركه والعياذ بالله تعالى: قال تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾ - قال السيوطي في كتاب أسباب النزول: أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي فقالوا إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا في أموالنا فما ننفق منها؟
فأنزل الله ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾ .
وأخرج أيضًا عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله فقالا يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا؟
فأنزل الله هذه الآية.
وليس المعنى أن السؤال الأول عن الخمر والميسر نزل وحده ثم نزل هذا السؤال بعده، بل المراد أن هذه الأسئلة كانت مما يقع من الصحابة فأنزل الله هذه الآيات بيانًا لهذه الأحكام وإجابة للسائلين عندما استعدوا للأخذ بها، وما ورد يدل على أن المراد أي جزء من أموالهم ينفقون، وأي جزء منها يمسكون، ليكونوا ممتثلين لقوله ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ومتحققين بقوله ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ وما في معنى ذلك من الآيات التي تنطق بأن الإنفاق في سبيل الله من آيات الإيمان وشعبه اللازمة له على الاطلاق، الذي يشعر أن على المؤمن أن ينفق كل ما يملك في سبيل الله.
وقد قضت الحكمة بهذا الاطلاق في أول الإسلام وبمدح الإيثار على النفس لأن المسلمين كانوا فئة قليلة في أمم وشعوب وقبائل تناصبهم العداوة وتبذل في ذلك الأموال والأرواح، فإذا لم يتحدوا حتى يكونوا كشخص واحد، ويبذل كل واحد ما بيده لمصلحتهم العامة، لا تستقيم لهم حال ولا تقوم لهم قائمة، وهذه هي السنة العامة في كل دين عند ابتداء ظهوره وأول نشأته، ثم بعد أن تعتز الملة وتكثر الأمة، ويصير يكفي لحفظ مصلحتها ما يبذله كل ذي غنى من بعض ماله، ويفرغ الجمهور للأعمال الخاصة بحيث يتمكن ذو العمل أن يفيض من كسبه على أهله وولده، بعد أن كان مستغرقًا في السعي لتعزيز دينه ووقايته من المحو والزوال، بعد هذا كله تختلف الحال فلا يسهل على كل واحد أن يؤثر كل محتاج على نفسه وأهله وولده، ولذلك توجهت النفوس بعد استقرار الإسلام إلى تقييد تلك الاطلاقات في الإنفاق، فسألوا ماذا ينفقون؟
فأجيبوا بأن ينفقوا العفو وهو الفضل والزيادة عن الحاجة، وعليه الأكثر، وقال بعضهم إن العفو نقيض الجهد أي ينفقون ما سهل عليهم وتيسر لهم مما يكون فاضلًا عن حاجتهم وحاجة من يعولون.
قرأ أبو عمرو (العفو) بالرفع والباقون بالنصب والإعراب ظاهر، والزيادة أمر مجمل يحتاج إلى بيان، فهل المراد حاجة اليوم أو الشهر أو السنة؟
رجح بعضهم الأخير لأن النبي ادخر لأهله قوت سنة، ونحن نرى أن القرآن أطلق العفو ليقدره كل قوم في كل عصر بحسب ما يليق بحالهم، لأنه خطاب عام ليس خاصًا بأهل جزيرة العرب، ولا بحال الناس في زمن البعثة.
والمراد بهذا الإنفاق ما وراء الزكاة المفروضة المحدودة كصدقة التطوع على الأفراد وعلى المصالح العامة، وإن كان لفظ العفو يصدق على الزكاة لأنها لا تكون إلا من الزائد على الحاجة الذي لا جهد ولا مشقة فيه.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد هذا فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول "وأخرج ابن خزيمة من حديثه أيضًا أن النبي قال: "خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة انفق علي أو طلقني، ويقول مملوكك أنفق علي أو بعني، ويقول ولدك إلى من تكلني".
إن الأمة المؤلفة من مليون واحد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة كإعداد القوة وتربية النابتة على ما يؤهلها لاستعمالها ويقرر الفضيلة في أنفسها تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مئة مليون لا يبذلون شيئًا من فضول أموالهم في مثل ذلك: ذلك بأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة لأن أمته عون له تعده جزءًا منها ويعدها كلأ له، والأمة الثانية كلها لا تعد بواحد لأن كل جزء من أجزائها يخذل الآخر ويرى أن حياته بموته فيكون كل واحد منها في حكم الميت.
وفي الحقيقة إن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم، ويتعاون الجميع على حفظ الوحدة الجامعة لهم التي تحقق معنى الأمة فيهم.
وإنه لم تنهض أمة ولا ملة إلا بمثل هذا التعاون، وهو مساعدة الغني للفقير، وإعانة القوي للضعيف، وبذل المال والعناية في حفظ المصلحة العامة.
بهذا ظهر القليل على الكثير وكانت لهم السيادة، وبترك هذا انحلت الأمم الكبيرة، وفقدت الملك والسعادة.
إن النكتة في الجمع بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق في آية واحدة هي المقارنة بين حال فريقين من الناس: فريق ينفق المال بغير حساب في سبيل الإثم، إما للتفاخر والتباهي فيما لا فخر فيه ولا شرف في الحقيقة، وإما لمجرد اللذة وإن ساءت عواقبها، وفريق ينفقه في سبيل الله يزيل به ضرورة إخوانه المساكين والضعفاء، ويرفع به شأن أمته بما يجعله للمصالح العامة وأعمال الخير، وأعظم المصالح والأعمال في هذا العصر هو التعليم والتربية، ولو بذل المصريون عشر ما ينفقون في الخمر والميسر -ولا سيما ما يسمونه المضاربة- على التعليم لتيسر لهم تَعَمُّم المدارس في بلادهم، وتوجيه التعليم فيها إلى ما يجدد ملتهم، ويعيد إليهم ما فقدوا من كرامتهم.
وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ ﴾ معناه: مثل هذا النحو وعلى هذه الطريقة من البيان قد قضت حكمة الله بأن يبين لكم آياته في الأحكام المتعلقة بمصالحكم ومنافعكم، وذلك بأن يوجه عقولكم إلى ما في الأشياء من المضار والمنافع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيظهر لكم الضار منها أو الراجح ضرره فتعلموا أنه جدير بالترك فتتركوه على بصيرة واقتناع بأنكم فعلتم ما فيه المصلحة، كما يظهر لكم النافع فتطلبوه، فمن رحمته بكم لم يرد أن يعنتكم ويكلفكم ما لا تعقلون له فائدة إرغامًا لإرادتكم وعقلكم، بل أراد بكم اليسر فعلمكم حكم الأحكام وأسرارها، وهداكم إلى استعمال عقولكم فيها، لترتقوا بهدايته عقولًا وأرواحًا، لا لتنفعوه سبحانه أو تدفعوا عنه الضر، فإنه غني عنكم بنفسه، حميد بذاته، عزيز بقدرته.
ثم بين جل شأنه أن هذا البيان المعد للتفكر ليس خاصًا بمصالح الدنيا وحدها، ولا بطلب الآخرة على انفرادها، وإنما هو متعلق بهما جميعًا فقال ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ أي تتفكرون في أمورهما معًا، فتجتمع لكم مصالح الجسد والروح فتكونون أمة وسطًا، وأناسي كاملين، لا كالذين حسبوا أن الآخرة لا تنال إلا بترك الدنيا وإهمال منافعها ومصالحها بالمرة فخسروها وخسروا الآخرة معها، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا كالذين انصرفوا إلى اللذات الجسدية كالبهائم ففسدت أخلاقهم وأظلمت أرواحهم، وكانوا بلاء على الناس وعلى أنفسهم، فخسروا الآخرة والدنيا معها.
وهذا الإرشاد إلى التفكر في مصالح الدنيا والآخرة جميعًا -هو في معنى ما جاء في الدعاء بقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ وتقدم تفسيرها، فالله تعالى يبين في مثل هذه الآيات أن الإسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل في مصالح الدارين، وقدم الدنيا في الذكر، لأنها مقدمة في الوجود بالفعل، وكل ما أمرنا الله تعالى به وهدانا إليه فهو من ديننا، ولذلك قال علماؤنا إن جميع الفنون والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم من الفروض الدينية إذا أهملت الأمة شيئًا منها فلم يقم به من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة إليه، كانت كلها عاصية لله تعالى مخالفة لدينه، إلا من كان عاجزًا عن دفع ضرر الحاجة وعن الأمر به للقادر عليه، فأولئك هم المعذورون بالتقصير.
على هذا قام صرح مجد الإسلام عدة قرون، كان المسلمون كلما عرض لهم شيء بسبب التوسع في العمران يتوقف عليه حفظه وتعميم دعوته النافعة قاموا به حق القيام، وعدوا القيام به من الدين عملًا بمثل هذه الآية وغيرها من الآيات، ومضوا على ذلك قرونًا كانوا فيها أبسط الأمم وأعلاها حضارة وعمرانًا، وبرًا وإحسانًا، إلى أن غلا أقوام في الدين واتبعوا سنن من قبلهم في إهمال مصالح الدنيا، زعمًا أن ذلك من الزهد المطلوب، أو التوكل المحبوب، وما هو منهما في شيء!
وكان من أثر ذلك أن أهملت الشريعة فلا توجد حكومة إسلامية على وجه الأرض تقيمها، لأنه لا يوجد من أهلها من يصلح لحكم الناس في هذه العصور التي اتسعت فيها مصالح الأمم والحكومات، بالتوسع في العلوم والصناعات وارتباط العالم بعضه ببعض، ثم صار علماء المسلمين أنفسهم يعدون الاشتغال بالعلوم والفنون التي تتوقف عليها مصالح الدنيا صادة عن الدين مبعدة عنه، بل يوجد فيهم من يقول إنها مفسدة لعقائده مفضية إلى الخروج منه.
وهذا هو دخول جحر الضب الذي دخله من قبلنا، وهو كما ترى خروج عن هدى القرآن!.
وقد يقال إذا كان المنقطع لعلوم الدين لا يأمن على عقيدته أن تذهب ودينه أن يفسد إذا هو تفكر في مصالح الدنيا وعرف العلوم التي لا تقوم هذه المصالح بدونها، فكيف يكون حال من يدرسون هذه العلوم الدنيوية من المسلمين وليسوا على شيء يعتد به من العلوم الدينية؟
لا جرم أن هذا قضاء على الإسلام بأنه آفة العمران، وعدو العلم والنظام، وهو قضاء جائر يبطله القرآن، وتنقضه سيرة السلف الصالحين الذين سبقونا بالإيمان، ولكن أين من يتبعهما الآن؟!
وقد قام فريق من الذين لم ينظروا في كتاب الله مرة نظرة معتبر، ولم يتلوا منه آية تلاوة مفكر متدبر، يقسمون المسلمين إلى قسمين: قسم لا تجب المبالاة بدينه، ولا يهتم به في شكه أو يقينه، فله أن يتعلم ما يشاء صحت عقيدته أو فسدت، صلحت أعماله أو خسرت.
وقسم آخر يجب أن يصان عقله عن كل فكر، ويحاط بجميع الوسائل التي تمنعه من النظر فيما عليه الناس من خير وشر، وما يعرض في الكون من نفع وضر، كيلا يفسد النظر عقيدته، ويضل الفكر السليم بصيرته، وهذا القسم هو الذي تفوض إليه الرياسة الدينية، ويعهد إليه بقيادة الأمة في صلاح الأعمال وانتظام الأحوال، وأعظم قسم في الأمة هو القسم الأول بحكم الضرورة، بل هو الأمة كلها بالتقريب، وقد صار بيده زمام جميع أمورها وقوة الحكم فيها، إذ لا يمكن أن يتيسر لهذا القسم الثاني وهو خلو من العلم بحالها، ودون كل واحد منها في العقل، وفوقه في الغباوة والجهل، أن يقود واحدًا منها، بله قيادتها كلها؟!
فهل يتفق مثل هذا للخلف، مع شيء من سنة السلف؟
ألا عاقل يقول لهؤلاء المشعوذين: كيف ساغ في عقولكم أن يسلم إلى الجاهل قيادة العاقل؟
وكيف يتيسر حفظ الدين بالعدول عن سنن المرسلين، ومخالفة سير السلف الصالحين؟؟!.
ثم قال تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى ﴾ إلخ...
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال لما نزلت ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ و ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى ﴾ الآية.
ذكره السيوطي في أسباب النزول.
نعم إن آيات الوصية في اليتامى كثيرة ومنها ما نزل في مكة كقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ وقوله : ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ ، جعل دع اليتيم وهو دفعه وجره بعنف أول آيات التكذيب بالدين.
وأجمع ما ورد في ذلك وأكده آيات سورة النساء وهي مدنية كسورة البقرة، ومنها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ ولكن سورتها نزلت بعد سورة البقرة.
وقد كان السابقون الأولون من المؤمنين يحفظون حدود الله تعالى ويأخذون القرآن بقوة لأنهم لبلاغتهم يفهمون الوعيد في مثل هذه الآية فتحدث لهم من الذكرى والعظة ما لا يجد مثله من لم يؤت بلاغتهم.
وليس المراد ببلاغتهم أنهم قرأوا علم المعاني والبيان فحفظوا في أذهانهم عللًا كثيرة للتقديم والتأخير في المسند والمسند إليه ونحو ذلك، وإنما هي مقاصد الكلام ومغازيه تغوص في أعماق القلوب كما يغوص الماء في الإسفنج، فلا تدع فيها مكانًا يتعاصى على تأثيرها.
هذا الاتعاظ والاعتبار بوصايا الكتاب العزيز في اليتامى قد ملك نفوس المؤمنين فتركهم في حيرة وحرج من أمر القيام عليهم واستغلال أموالهم، خوفًا أن ينالهم شيء من الظلم المذكور في آية سورة النساء لأن الظلم يتناول كل ما نقص من الحق، وشاهده قوله تعالى ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ فإذا اختلط اثنان في النفقة وأكل أحدهما مما اشترى بمالهما أكثر من الآخر، تكون الزيادة من مال الآخر، فإن كان راشدًا فرضاه ولو بالعرف أو القرينة إذن يبيح هذا التناول، وأما إذا كان الخليط يتيمًا فإن الزيادة تكون مظنة الظلم أو هي منه حتمًا، ولذلك تأثم الصحابة عليهم الرضوان من مخالطة اليتامى بعد نزول آية النساء، وإن كانت العادة جارية بتسامح الناس في مؤاكلة الخلطاء والشركاء من غير تدقيق فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله فلا يخالطونه في شيء حتى إنهم كانوا يطبخون له وحده، ثم إنهم فطنوا إلى أن هذا على ما فيه من الحرج عليهم لا مصلحة فيه لليتيم بل هو مفسدة له في تربيته ومضيعة لماله، وفيه من القهر المنهي عنه ما لا يخفى، فإنه يكون في البيت كالكلب أو الداجن في مأكله ومشربه.
ومن هنا جاءت الحيرة واحتيج إلى السؤال عن طريق الجمع بين الأمرين، والتوحيد بين المصلحتين، بأن يعيش اليتيم في بيت كافله عزيزًا كريمًا كأحد عياله، ويسلم الكافل من أكل شيء من ماله بغير حق، وكان من فضل الله تعالى ورحمته أن أنزل الوحي في إزالة الحيرة وكشف الغمة، فقال لنبيه: ﴿ قُلْ ﴾ لهؤلاء السائلين عن القيام على اليتامى وكفالتهم، وعن المصلحة في عزلهم أو مخالطتهم ﴿ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ يعني أي إصلاح لهم خير من عدمه فلا تتركوا شيئًا مما تعلمون أن فيه صلاحًا لهم في أموالهم وأحوالهم من تربية وتهذيب، هذا ما أفاده تنكير (إصلاح) وإن تخالطوهم لرؤيتكم الخير لهم في المخالطة في المعيشة فهم إخوانكم في الدين، وإنما شأن الإخوان المخالطة في المعاشرة.
وقد أزالت الكلمة الأولى من هذا الجواب الوجيز شبهة المتأثمين من كفالتهم، وكشفت الكلمة الثانية شبهة القُوّام المتحرجين من مخالطتهم، ومن هذا الجواب عرفنا حقيقة السؤال، وهذا من ضروب الإيجاز التي لم تعرف إلا من القرآن.
أما معنى كون الإصلاح لهم خيرًا فهو أن القيام عليهم لإصلاح نفوسهم بالتهذيب والتربية، وإصلاح أموالهم بالتثمير والتنمية، هو خير من إهمال شأنهم وتركهم لأنفسهم، تفسد أخلاقهم وتضيع حقوقهم.
خير لهم لما فيه من صلاحهم، وخير للقُوَّام والكافلين لما فيه من درء مفسدة إهمالهم، ومن المصلحة العامة في صلاح حالهم، ولما في ذلك من حسن القدوة في الدنيا، وحسن المثوبة في الأخرى قال في التفسير الكبير قال القاضي: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرها لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرًا فيه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل فيه أيضًا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، ويدخل فيه أيضًا معنى قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ .
وأما قوله ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ فمعناه أنه لا وجه للتأثم من مخالطتهم في المأكل والمشرب والمكسب، فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الإخوة أن يكونوا خلطاء وشركاء في المِلْك والمعاش، ولا ضرر في أحد منهم في ذلك، بل هو نافع لهم، لأن كل واحد منهم يسعى في مصلحة الجميع، والمخالطة مبنية بينهم على المسامحة لانتفاء مظنة الطمع وتحقق الإخلاص وحسن النية.
كأنه يقول: وإن تخالطوهم فعليكم أن تعاملوهم معاملة الإخوة في ذلك فيكون اليتيم في البيت كالأخ الصغير تراعى مصلحته بقدر الإمكان، ويتحرى أن يكون في كفته الرجحان، وقيل إن المراد بالمخالطة المصاهرة وأخوة الإسلام علة لحلها، وقد أطال أبو مسلم في ترجيح هذا الوجه.
وهذا الذي هدانا إليه الكتاب العزيز في شأن اليتامى من معاملتهم كالإخوان مبني على ما أودع الفطرة السليمة من الحب والإخلاص للأقربين، وقد طرأ الفساد على هذه الرابطة النسبية في بلاد كثيرة بما أفسدت السياسة في الأمة، فصار الأخ يطمع في مال أخيه، ويحفر له من المهاوي ما لعله هو يقع فيه، وأمثال هؤلاء الذين فسدت طباعهم واعتلت خلائقهم، لا يوكل إليهم الرجوع إلى الفطرة وتحكيمها في معاملة اليتامى كالإخوة، لذلك لم يكتف القرآن بذلك حتى وضع للضمير والوجدان قاعدة يرجع إليها في هذا الشأن، فقال: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ﴾ أي أنه لم يكل أمر مخالطة اليتامى إلى حكم نزعة القرابة وعاطفة الأخوة من قلوبكم إلا وهو يعلم ما تضمر هذه القلوب من قصد الإصلاح لهم أو الإفساد، فعليكم أن تراقبوه في أعمالكم ونياتكم، وتعلموا أن سيحاسبكم على مثقال الذرة مما تعملون لهم.
والمصلح هو من يأتي بالإصلاح عملًا، والمفسد هو من يأتي بالإفساد فعلًا، وحال كل منهما ظاهرة للعيان، وإنما أيقظ الله تعالى القلوب إلى ذكر علمه بذلك لتلاحظ اطلاعه على العمل، وتتذكر جزاءه عليه فتراقبه فيما خفي منه، لعلها تأمن من مزالق الشهوة، وتسلم من مزال الشبهة، فإن شهوة الطمع تولد لصاحبها شبهة أكل مال اليتيم، كما يأكل صاحبها مال أخيه الضعيف، ولا عاصم من ذلك إلا بمراقبة الله تعالى وتقواه.
وإلا فإننا نرى أكثر الأوصياء على الأيتام في هذا الزمان يظهرون للملأ إصلاح أحوالهم، وتثمير أموالهم مع العفة والزهادة فيها، وهم في الباطن يأكلونها أكلًا لما، حتى إن واحدهم يصبح غنيًا بعد فقر ولا عمل له إلا القيام على اليتيم، والأجرة المفروضة له على الوصاية لا غناء فيها فيكون غنيًا بها.
وكل من يطلب أن يكون وصيًا على يتيم ويسعى لذلك سعيه فهو موضع للظنة، وقلما يوجد فيهم من يرضى بما يفرض له على عمله.
ثم بين لنا منته علينا ورحمته بنا بما أذن لنا من مخالطة اليتامى فقال ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ أي أوقعكم في العنت وهو المشقة وما يصعب احتماله، بأن يكلفكم القيام بشؤون اليتامى وتربيتهم وحفظ أموالهم، ولا يأذن لكم بمخالطتهم ولا بأكل لقمة واحدة من طعامهم، ولكنه لسعة رحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وما جعل عليكم في الدين من حرج، ولذلك أباح لكم مخالطة اليتامى على أن تعاملوهم معاملة الإخوة، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وقد عفا عما جرى العرف على التسامح فيه لعدم استغناء الخلطاء عنه، ووكل ذلك إلى ذمتكم وأمركم بمراقبته فيه، وهو الرقيب المهيمن الذي لا يخفى عليه شيء من عملكم ولا من قصدكم ونيتكم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فلو شاء إعناتكم لعز على غيره منعه من ذلك، إذ لا عزة تعلو عزته، ولكن مضت حكمته بأن تكون شريعته جامعة لمصالح عباده، جارية على سنن الفطرة المعتدلة التي فطرهم عليها.
والنكتة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق والسؤال عن الخمر والميسر أنه لما كان ذلك السؤالان مبينين لحال فريقين من الناس في الإنفاق وبذل المال ناسب أن يذكر بعدهما السؤال عن صنف هو من أحق أصناف الناس بالإنفاق عليه وبذل المال في سبيل تربيته وإصلاح شأنه، وهو صنف اليتامى، وليس الترغيب بالإنفاق عليهم ببعيد من هذه الآية، وقد تكرر في غير هذه السورة.
كأنه يذكرنا عند الإذن بمخالطة اليتامى والترغيب في الإصلاح لهم، بأن النفقة عليهم من أموالنا مندوب إليها، وأنهم من المستحقين لما ننفقه من العفو الزائد عن حاجاتنا، فلا يليق بنا أن نعكس القضية ونطمع في فضول أموالهم، لأنهم ضعفاء قاصرون لا يستطيعون دفاعًا عن حقوقهم، ولا ذودًا عن مصالحهم.
فجمع الأسئلة الثلاثة في الآيتين وعطف بعضها على بعض في غاية الإحكام والالتئام.
وترون من هذا السؤال وجوابه كيف كانت عناية المؤمنين في حفظ أحكام الله واتقاء اعتداء حدوده، وكيف شدد الله تعالى الأمر في شأن اليتامى؟
فلم يأذن بالقيام عليهم إلا بقصد الإصلاح، ولا بمخالطتهم إلا مخالطة أُخوة، وكيف وجه القلوب مع هذا إلى مراقبته، والتذكر لإحاطة علمه؟
ثم ترون كيف اتخذ الناس هذه الآيات وسيلة للتلذذ بنغمات قارئيها، أو للتعبد بألفاظها دون الاهتداء بمعانيها، ومن أخذته هزة عند سماع مثل قوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ﴾ فإنها لا تلبث أن تزول، ثم هو لا يزول عن إفساده، ولا يرجع إلى رشاده، ومنهم من يتزيا بزي المتقين، ويظهر في صورة الصالحين، ويكثر من التسبيح والتلاوة، وحضور صلاة الجماعة، حتى إذا ما جعل وصيًا على يتيم لا ترى لذلك التحنث أثرًا في عمله، ولا ذلك السمت حائلًا دون زلله، فهو إن أصلح شيئًا يفسد أشياء، ولا يراقب الحسبة والقضاء، ذلك أن الإسلام قد صار تقاليد صورية، وحركات بدنية، ليس له منبع في القلوب، ولا أثر صالح في الأعمال، وإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأبدان، ولا يعبأ بالحركات والأقوال، ولكن ينظر إلى القلوب والأرواح، وما ينشأ عن صلاحها من خير وإصلاح.
<div class="verse-tafsir"