الآية ٢١٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٨ من سورة البقرة

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن إسحاق : فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين [ المهاجرين ] ؟

فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء .

قال ابن إسحاق : والحديث في هذا عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، عن عروة .

وقد روى يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق .

وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه ، نحو ذلك .

وروى شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضا ، وفيه : فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين ، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا : أيحل القتال في الشهر الحرام ؟

فأنزل الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام [ قتال فيه ] ) الآية .

وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " .

ثم قال ابن هشام عن زياد ، عن ابن إسحاق : وقد ذكر عن بعض آل عبد الله [ بن جحش ] أن الله قسم الفيء حين أحله ، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه ، وخمسا إلى الله ورسوله .

فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير .

قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون .

وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون ، وعثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون .

قال ابن إسحاق : فقال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، في غزوة عبد الله بن جحش ، ويقال : بل عبد الله بن جحش قالها ، حين قالت قريش : قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، فسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه المال ، وأسروا فيه الرجال .

قال ابن هشام : هي لعبد الله بن جحش : تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاند

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به = وبقوله: " والذين هاجروا " الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم &; 4-318 &; ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، (39) إلى غيرها هجرة...

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

...

(40) لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه.

وأصل المهاجرة: " المفاعلة " من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه.

وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهاجرين " ، لما وصفنا من هجرتهم دورَهم ومنازلهم كراهةً منهم النـزولَ بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم - إلى الموضع الذي يأمنون ذلك.

* * * وأما قوله: " وجاهدوا " فإنه يعني: وقاتلوا وحاربوا.

* * * وأصل " المجاهدة "" المفاعلة " من قول الرجل: " قد جَهَد فلان فلانًا على كذا " -إذا كرَبَه وشقّ عليه-" يجهده جهدًا ".

فإذا كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد من صَاحبه شدة ومشقة، قيل: " فلانٌ يجاهد فلانًا " - يعني: أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه -" فهو يُجاهده مجاهدة وجهادًا " .

* * * وأما " سبيل الله "، فطريقه ودينه.

(41) * * * &; 4-319 &; فمعنى قوله إذًا : " والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله "، والذين تحوَّلوا من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوفَ فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله =" أولئك يرجون رَحمة الله "، أي: يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم.

=" والله غفور "، أي ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة.

(42) * * * وهذه الآية أيضًا ذُكر أنها نـزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.

* ذكر من قال ذلك: 4102 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان ، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم -أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ.

فأنـزل الله: " إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ".

(43) 4103 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: أنـزل الله عز وجل القرآنَ بما أنـزلَ من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه - يعني: في قتلهم ابن الحضرمي - فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نـزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمعُ أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟

فأنـزل الله عز وجل فيهم: " إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيمٌ".

&; 4-320 &; فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.

(44) 4104 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسنَ الثناء فقال: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيم "، هؤلاء خيارُ هذه الأمة.

ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجَا طلب، ومن خاف هرب.

4105 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

------------------------ الهوامش : (39) كان الكلام في المطبوعة متصلا بما بعده في موضع هذه النقط ، ولكنه لا يستقيم ولا يطرد .

ففصلت بين الكلامين .

وظني أن سياق الكلام وتمامه : "فتحوَّلوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها هجرة ، لما كرهوا من كفرهم وشركهم ، وإيثارًا لجوار المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" ، وسياق الكلام يدل على ذلك .

(40) مكان هذه النقط خرم لا شك فيه ، كأن ناسخًا أسقط سطرًا أو سطرين ، وكان صدر الكلام فيما أتوهم .

"هجر المكان يهجره هجرًا وهجرانًا وهجرة : كرهه فخرج منه ، تاركًا لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه" - أو كلامًا هذا معناه .

(41) انظر معنى"سبيل الله" فيما سلف ، 2 : 497/ 3 : 564 ، 583 .

(42) انظر معنى"غفور" فيما سلف من مراجعه في فهارس اللغة (غفر) .

(43) الأثر : 4102 - هو من تمام الأثر السالف رقم : 4084 ، وهو بتمامه في الدر المنثور 1 : 250 (44) الأثر : 3103 - سيرة ابن هشام 2 : 255 ، وهو تمام الأثر السالف : 4082 .

وكان في المطبوعة هنا : "فوفقهم الله من ذلك .

.

.

" ، والصواب ما أثبت من ابن هشام .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية .

قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين ، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم ، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم ، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا ، فالإشارة إليهم في قوله : " إن الذين آمنوا " ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل .

وقيل : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر ، فأنزل الله : إن الذين آمنوا والذين هاجروا إلى آخر الآية .والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني .

والهجر ضد الوصل .

وقد هجره هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة .

والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية .

والتهاجر التقاطع .

ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم ، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب ، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله .

وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد ، مجاهدة وجهادا .

والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع [ ص: 48 ] والمجهود .

والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة .

و " يرجون " معناه يطمعون ويستقربون .

وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ ، لأمرين : أحدهما : لا يدري بما يختم له .

والثاني : لئلا يتكل على عمله ، والرجاء ينعم ، والرجاء أبدا معه خوف ولابد ، كما أن الخوف معه رجاء .

والرجاء من الأمل ممدود ، يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة ، يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير .

وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته ، قال بشر يخاطب بنته :فرجي الخير وانتظري إيابي إذا ما القارظ العنزي آباوما لي في فلان رجية ، أي ما أرجو .

وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف ، قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا ؛ أي لا تخافون عظمة الله ، قال أبو ذؤيب :إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواملأي لم يخف ولم يبال .

والرجا - مقصور - : ناحية البئر وحافتاها ، وكل ناحية رجا .

والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا ، فيقصرون ولا يمدون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الأعمال الثلاثة, هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية, وبها يُعرف ما مع الإنسان, من الربح والخسران، فأما الإيمان, فلا تسأل عن فضيلته, وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة, وأهل الجنة من أهل النار؟

وهو الذي إذا كان مع العبد, قبلت أعمال الخير منه, وإذا عُدِمَ منه لم يقبل له صرف ولا عدل, ولا فرض, ولا نفل.

وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف, لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله, وأهله, وخلانه, تقربا إلى الله ونصرة لدينه.

وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء, والسعي التام في نصرة دين الله, وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة, وجزاؤه, أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر, لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام, وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.

فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا.

فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله, لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل, وعدم القيام بالأسباب, فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه, ونقص عقله, بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح, ووجود الغلة بلا بذر, وسقي, ونحو ذلك.

وفي قوله: { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ } إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها, ويعول عليها, بل يرجو رحمة ربه, ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه, وستر عيوبه.

ولهذا قال: { وَاللَّهُ غَفُورٌ } أي: لمن تاب توبة نصوحا { رَحِيمٌ } وسعت رحمته كل شيء, وعم جوده وإحسانه كل حي.

وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة, حصل له مغفرة الله, إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.

وإذا حصلت له المغفرة, اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب, التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة, حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم, فلولا توفيقه إياهم, لم يريدوها, ولولا إقدارهم عليها, لم يقدروا عليها, ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا, وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال أصحاب السرية : يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا وهل نطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا؟

فأنزل الله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا ) فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم ) ( وجاهدوا ) المشركين ( في سبيل الله ) طاعة لله فجعلها جهادا ، ) ( أولئك يرجون رحمت الله ) أخبر أنهم على رجاء الرحمة ( والله غفور رحيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل «إن الذين آمنوا والذين هاجروا» فارقوا أوطانهم «وجاهدوا في سبيل الله» لإعلاء دينه «أولئك يرجون رَحْمَتَ الله» ثوابه «والله غفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم، وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه.

والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم رحمة واسعة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - عاقبة من يرتد عن دينه أتبع ذلك ببيان عاقبة المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله أولائك يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .قال الإِمام الرازي : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان :الأول : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله : هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجراً وثواباً؟

فنزلت الآية ، لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً ، وكان مجاهداً بسبب هذه المقاتلة .وفي الثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ) وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَاجَرُواْ ) ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد " .والمعنى : إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، واستقاموا على طريق الحق ، وأذعنوا لحكمه ، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه : ( والذين هَاجَرُواْ ) أي : تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة دينهم : ( وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله ) لإِعلاء كلمته ( أولائك ) الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة ( يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله ) أي : يؤملون تعلق رحمته - تعالى - بهم ، أو ثوابه على أعمالهم ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أي : واسع المغفرة للتائبين المستغفرين ، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين .قال القرطبي : " والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، والقصد ترك الأول إيثارا للثاني .

والهجرة ضد الوصل ، والاسم الهجرة .

وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد .

والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود ، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة .وإنما قال ( يَرْجُونَ ) وقد مدحهم ، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين :أحدهما : أنه لا يدري بماذا ختم له .والثاني : لئلا يتكل على عمله ، والرجاء أبداً معه خوف كما أن الخوف معه رجاء " .وجيء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع إذا الإِيمان يكون أولا ثم المهاجرة من أرض الضالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم ، ثم الجهاد من أجل إعلاء كملة الحق .وأفرد الإِيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد ، وجمع الهجرة والجهاد في موصول واحد لأنهما فرعان عنه .وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم وأنفسهم في سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب ، وبرأتهم مما أثاره المشركون حولهم من شبهات ، وحذرتهم من السير في طريقهم ، وبشرتهم بحسن العاقبة متى استجابوا لتعاليم دينهم ، واعتصموا بحبله .وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل والتضحية ، ساق القرآن في آيتين ثلاثة أسئلة وأجاب عنها بما يشفي الصدور ، ويصلح النفوس .فقال تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسألتان: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجراً وثواباً فنزلت هذه الآية، لأن عبد الله كان مؤمناً، وكان مهاجراً، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً والثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.

المسألة الثانية: ﴿ هاجروا ﴾ أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح: هجر، لأنه مما ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين، وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب، فكان ذلك مهاجرة، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد والقوة، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو، وعند فعل العدو، ومثل ذلك فتصير مفاعلة.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد منه الرجاء، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالفوز والثواب في عمله، بل كان يتوقعه ويرجوه.

فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقاً بالرجاء، ولم يقع به كما في سائر الآيات؟.

قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلاً، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء.

وثانيها: هب أنه واجب عقلاً بحكم الوعد، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع.

وثالثها: أن المذكور هاهنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء.

ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون  ﴾ .

القول الثاني: أن المراد من الرجاء: القطع واليقين في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح، وأنه غفور رحيم، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، وعن ابن عباس رضي الله عنه: لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة.

والمعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام.

و ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ عن قتال فيه ﴾ ، على تكرير العامل، كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ﴾ [الأعراف: 75] وقرأ عكرمة: ﴿ قتل فيه قل قتل فيه كبير ﴾ ، أي إثم كبير.

وعن عطاء: أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام؟

فحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت.

وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] .

﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ مبتدأ وأكبر خبره، يعني وكبائر قريش من صدّهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول الله والمؤمنون ﴿ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن أعما ﴿ والفتنة ﴾ الإخراج أو الشرك.

والمسجد الحرام: عطف على سبيل الله، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في ﴿ بِهِ ﴾ .

﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم ﴾ إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى معناها التعليل كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونكم كي يردّوكم.

و ﴿ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليَّ.

وهو واثق بأنه لا يظفر به ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ ﴾ ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه ﴿ فَيَمُتْ ﴾ على الردّة ﴿ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة ﴾ لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة.

وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها.

وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلمًا.

﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ ﴾ روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت ﴿ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله ﴾ وعن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون.

وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نَزَلَتْ أيْضًا في أصْحابِ السَّرِيَّةِ لَمّا ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ.

﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ كَرَّرَ المَوْصُولَ لِتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ والجِهادِ كَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ ثَوابَهُ، أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ إشْعارًا بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجَبٍ ولا قاطِعٍ في الدَّلالَةِ سِيَّما والعِبْرَةُ بِالخَواتِيمِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِما فَعَلُوا خَطَأً وقِلَّةَ احْتِياطٍ.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِإجْزالِ الأجْرِ والثَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين فى سبيل الله نزل {إن الذين آمنوا والذين هَاجَرُواْ} تركوا مكة وعشائرهم {وجاهدوا فِي سبيل الله} مع المشركين ولا وقف عليه لأن {أولئك يَرْجُونَ رحمة الله} خبر إن قيل من رجا طلب ومن خاف هرب {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في (الكَبِيرِ) مِن حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أنَّها نَزَلَتْ في السَّرِيَّةِ، لِما ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ.

﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ أيْ: فارَقُوا أوْطانَهُمْ، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ ضِدَّ الوَصْلِ.

﴿ وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِإعْلاءِ دِينِهِ، وإنَّما كُرِّرَ المَوْصُولُ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، فَكَأنَّهُما وإنْ كانا مَشْرُوطَيْنِ بِالإيمانِ في الواقِعِ مُسْتَقِلّانِ في تَحَقُّقِ الرَّجاءِ، وقَدَّمَ الهِجْرَةَ عَلى الجِهادِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْهِ في الوُقُوعِ تُقَدُّمَ الإيمانِ عَلَيْهِما.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يُؤَمِّلُونَ تَعَلُّقَ رَحْمَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِهِمْ أوْ ثَوابِهِ عَلى أعْمالِهِمْ، ومِنها تِلْكَ الغُزاةُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، واقْتَصَرَ البَعْضُ عَلَيْها بِناءً عَلى ما رَواهُ الزُّهْرِيُّ: ”أنَّهُ لَمّا فَرَّجَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْ أهْلِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ ما كانُوا فِيهِ مِن غَمٍّ، طَمِعُوا فِيما عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - مِن ثَوابِهِ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أنَطْمَعُ أنْ تَكُونَ غَزْوَةً نُعْطى فِيها أجَرَ المُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ“، ولا يَخْفى أنَّ العُمُومَ أعَمُّ نَفْعًا، وأثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ؛ إذْ لا اسْتِحْقاقَ بِهِ، ولا يَدُلُّ دَلالَةً قَطْعِيَّةً عَلى تَحَقُّقِ الثَّوابِ؛ إذْ لا عَلاقَةَ عَقْلِيَّةً بَيْنَهُما، وإنَّما هو تَفَضُّلٌ مِنهُ - تَعالى - سِيَّما والعِبْرَةُ بِالخَواتِيمِ، فَلَعَلَّهُ يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ الحُبُوطَ، ولَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى كَثِيرًا، فَلا يَنْبَغِي الِاتِّكالُ عَلى العَمَلِ.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 228﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وتَأْكِيدٌ لَهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المَغْفِرَةَ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ رَجاءَ الرَّحْمَةِ يَدُلُّ عَلَيْها، وقَدَّمَ وصْفَ المَغْفِرَةِ لِأنَّ دَرْأ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فنزل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في طاعة الله بقتل ابن الحضرمي.

أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، أي ينالون جنة الله.

وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بقتالهم في الشهر الحرام، ثم نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام وصار مباحا بقوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: 136] فنهاهم الله عن ظلم أنفسهم بالسيئات والخطايا، وأمرهم بالقتال عاماً.

وروى أبو يوسف عن الكلبي أن القتال في الشهر الحرام لا يجوز.

وقال أبو جعفر الطحاوي: لا نعلم أن أهل العلم اختلفوا أن قتال المشركين في الشهر الحرام غير جائز.

وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قتال الكفار في الشهر الحرام، فقال: لا بأس به، وكذلك قال سليمان بن يسار وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات، مَاتَ شهيداً/، وعسى أن تحبّوا الدّعة، وترك ٥٣ ب القتَالِ، وهو شرٌّ لكم في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم.

قال ص: قوله: وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً عسى هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ في كلام العرب، قالوا: وكل «عسى» في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالى:

عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] انتهى.

وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ...

الآية- قوة أمر.

وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ...

الآية نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولى، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ على ما قاله ابْنُ إِسْحَاق «١»

، وقالوا: إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرمى واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ «٢»

عمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ، فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، واستسهل المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ:

محمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ» فنزلت هذه الآية، وقِتالٍ بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه.

وقال الفَرَّاء: هو مخفوضٌ بتقدير «عَنْ» وقرىء «٣»

بِهِ، والشهْرُ في الآية اسم الجنس،

وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَاماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دماً، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم ورَجَبٌ، وروى جابر بن عبد الله، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يغزى، فذلكَ قولُهُ تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ: مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ «أَكْبَرُ» ، ومعنى الآيةِ على قول الجمهورِ:

إِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه كما فعلتم برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْماً عند اللَّه.

قال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: قوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ منسوخ.

ص: وسبيل الله: دينه «١»

، والْمَسْجِدِ: قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية «٢»

وغيره: هو معطوفٌ على سَبِيلِ اللَّهِ وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقاً ب «صَدّ» ، أي: وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو «صَدّ» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبيٍّ، وهو: «وكُفْرٌ بِهِ» ، ولا يجوز.

وقيل: معطوفٌ على ضمير «بِهِ» ، أي: وكُفْرٌ بِهِ، وَبِالْمَسُجِدِ ورُدَّ بأن فيه عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ «٣»

، وأبو الحَسَنِ والشَّلَوْبِينُ «٤»

، والمختار جوازه لكثرته سماعا ومنه

قراءة حمزة: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: المعنى عند جمهور المفسِّرين: والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشدُّ اجتراما من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل: المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون.

وقوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ، أي: يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر عياذاً باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء: يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد «١»

، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له: يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتدِّ «٢»

عند مالك والشافعيّ: في بيت

مال المسلمين.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القُرْآَنُ بِالرُّخْصَةِ لِأصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ في قَتْلِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: ما لَهم أجْرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ ﴾ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ لَهُمُ الرُّخْصَةُ قامُوا، فَقالُوا: [يا رَسُولَ اللَّهِ ] أنُطْمِعُ أنْ تَكُونَ لَنا غَزاةٌ نُعْطى فِيها أجْرَ المُجاهِدِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ﴿ هاجَرُوا ﴾ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ﴿ وَجاهَدُوا ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ ابْنُ الحَضْرَمِيِّ وأصْحابُهُ.

و ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ ﴾ : مَغْفِرَتُهُ وجْنَّتُهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهِجْرَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن هُجْرانِ الوَطَنِ والأهْلِ والوَلَدِ.

والمُهاجِرُونَ مَعْناهُمُ: المُهاجِرُونَ الأوْلادُ والأهْلُ، فَعَرَفَ مَكانَ المَفْعُولِ فَأُسْقِطَ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: أوَّلُ لِواءٍ عُقِدَ في الإسْلامِ لِواءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وأوَّلُ مَغْنَمٍ قُسِّمَ في الإسْلامِ: مَغْنَمُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عن دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عن دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُونَ  ﴾ ابْتِداءُ خَبَرٍ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- وتَحْذِيرٌ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن شَرِّ الكَفَرَةِ، و"يَرُدُّوكُمْ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ  ﴾ ، أيْ يَرْجِعُ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ.

قالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.

وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وطاوُوسٌ، والحَسَن: عَلى خِلافٍ عنهُ، والشافِعِيُّ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-: يُقْتَلُ دُونَ أنْ يُسْتَتابَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى قَوْلِهِما إنَّهُ يُقالُ لَهُ لِلْحِينِ: راجِعْ، فَإنْ أبى ذَلِكَ قُتِلَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنْ كانَ المُرْتَدُّ ابْنَ مُسْلِمِينَ قُتِلَ دُونَ اسْتِتابَةٍ، وإنْ كانَ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ اسْتُتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْهَلُ مِن فَضْلِ الإسْلامِ ما لا يَجْهَلُ ابْنُ المُسْلِمِينَ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالِاسْتِتابَةِ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والشافِعِيُّ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-.

وقالَ الزُهْرِيُّ: يُدْعى إلى الإسْلامِ فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بن أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ اسْتَتابَ مُرْتَدًّا شَهْرًا، فَأبى قَتَلَهُ.

وقالَ النَخْعِيُّ، والثَوْرِيُّ: يُسْتَتابُ مَحْبُوسًا أبَدًا.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: واخْتَلَفَتِ الآثارُ عن عُمَرَ في هَذا البابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُنَفِّذُ بِحَسَبِ جُرْمِ ذَلِكَ المُرْتَدِّ، أو قِلَّةِ جُرْمِهِ، المُقْتَرِنُ بِالرِدَّةِ.

وحَبِطَ العَمَلُ إذا انْفَسَدَ في آخِرَ فَبَطَلَ.

وَقَرَأ أبُو السَمالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ، واللَيْثُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: مِيراثُ المُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وقالَ مالِكٌ، ورَبِيعَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: مِيراثُهُ في بَيْتِ المالِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ ورَثَتَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ لا يَرِثُونَهُ إلّا شُذُوذًا، رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن قَتادَةَ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ خِلافُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةُ.

قالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وغَيْرُهُما: «لَمّا قُتِلَ واقَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ في الشَهْرِ الحَرامِ تَوَقَّفَ رَسُولُ اللهِ  عن أخْذِ خُمْسِهِ الَّذِي وُفِّقَ في فَرْضِهِ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ»، وفي الأسِيرَيْنِ، فَعَنَّفَ المُسْلِمُونَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وأصْحابَهُ، حَتّى شُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَتَلافاهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الشَهْرِ الحَرامِ، ثُمَّ بِذِكْرِهِمْ والإشارَةِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثُمَّ هي باقِيَةٌ في كُلِّ مَن فَعَلَ ما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

وهاجَرَ الرَجُلُ إذا انْتَقَلَ نَقْلَةَ إقامَةٍ مِن مَوْضِعٍ، إلى مَوْضِعٍ وقَصَدَ تَرْكَ الأوَّلِ إيثارًا لِلثّانِي وهِيَ: مُفاعَلَةٌ مِن هَجَرَ،.

ومَن قالَ: المُهاجَرَةُ الِانْتِقالُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ فَقَدْ أوهَمَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ كانَ الأغْلَبَ في العَرَبِ، ولَيْسَ أهْلُ مَكَّةَ مُهاجِرِينَ عَلى قَوْلِهِ،.

وجاهَدَ: مُفاعَلَةٌ مِن جَهِدَ إذا اسْتَخْرَجَ الجُهْدَ، و"يَرْجُونَ" مَعْناهُ: يَطْمَعُونَ ويَسْتَقْرِبُونَ، والرَجاءُ تَنَعُّمٌ، والرَجاءُ أبَدًا مَعَهُ خَوْفٌ ولا بُدَّ.

كَما أنَّ الخَوْفَ مَعَهُ رَجاءٌ، وقَدْ يَتَجَوَّزُ أحْيانًا ويَجِيءُ الرَجاءُ بِمَعْنى ما يُقارِنُهُ مِنَ الخَوْفِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ وقالَ الأصْمَعِيُّ: إذا اقْتَرَنَ حَرْفُ النَفْيِ بِالرَجاءِ، كانَ بِمَعْنى الخَوْفِ كَهَذا البَيْتِ، وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ) المَعْنى: لا يَخافُونَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الرَجاءَ في الآيَةِ عَلى بابِهِ، أيْ لا يَرْجُونَ الثَوابَ في لِقائِنا، وبِإزاءِ ذَلِكَ خَوْفُ العِقابُ.

وقالَ قَوْمٌ: اللَفْظَةُ مِنَ الأضْدادِ دُونَ تَجَوُّزٍ في إحْدى الجِهَتَيْنِ، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ وقالَ الجاحِظُ في كِتابِ "البُلْدانِ": إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: " لَمْ يَرُجْ لَسْعها " أيْ لَمْ يَرْجُ بُرْءَ لَسْعِها وزَوالِهِ، فَهو يَصْبِرُ عَلَيْهِ.

وباقِي الآيَةِ وعْدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ الآيَةُ.

السائِلُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"الخَمْرِ" مَأْخُوذَةٌ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «خَمِّرُوا الإناءَ» ومِنهُ: خِمارُ المَرْأةِ، والخَمْرُ: ما واراكَ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا يا زَيْدُ والضَحّاكُ سَيْرًا ∗∗∗ فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ الطَرِيقِ أيْ: سِيرا مُدِلَّيْنِ فَقَدْ جاوَزْتُما الوَهْدَةَ الَّتِي يَسْتَتِرُ بِها الذِئْبُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: في لامِعِ العَقِبانِ لا يَمْشِي الخَمَرَ ∗∗∗..................

يَصِفُ جَيْشًا جاءَ بِراياتٍ غَيْرِ مُسْتَخِفٍّ.

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: دَخَلَ فُلانٌ في غِمارِ الناسِ وخِمارِهِمْ، أيْ: هو بِمَكانٍ خافٍ، فَلَمّا كانَتِ الخَمْرُ تَسْتُرُ العَقْلَ وتُغَطِّي عَلَيْهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.

والخَمْرُ ماءُ العِنَبِ الَّذِي غَلِيَ ولَمْ يُطْبَخْ وما خامَرَ العَقْلَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَهو في حُكْمِهِ.

وَحَرُمَتِ الخَمْرُ بِالمَدِينَةِ يَوْمَ حَرُمَتْ وهي مِنَ العَسَلِ، والزَبِيبِ، والتَمْرِ، والشَعِيرِ، والقَمْحِ، ولَمْ تَكُنْ عِنْدَهم خَمْرُ عِنَبٍ.

وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى خَمْرِ العِنَبِ -إذا غَلَتْ ورَمَتْ بِالزُبْدِ- أنَّها حَرامٌ قَلِيلُها وكَثِيرُها، وأنَّ الحَدَّ واجِبٌ في القَلِيلِ مِنها والكَثِيرِ.

وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَمُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، والحَدُّ في ذَلِكَ واجِبٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وجَماعَةٌ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ: "ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَما لا يُسْكِرُ مِنهُ حَلالٌ، وإذا سَكِرَ أحَدٌ مِنهُ دُونَ أنْ يَتَعَمَّدَ الوُصُولَ إلى حَدِّ السُكْرِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ" وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ النَظَرُ.

وأبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وعُمَرُ الفارُوقُ، والصَحابَةُ عَلى خِلافِهِ.

ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ».

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ في "الإشْرافِ": لَمْ يُبْقِ هَذا الخَبَرُ مَقالَةً لِقائِلٍ، ولا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أوَّلُ تَطَرُّقٍ إلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، ثُمَّ بَعْدَهُ: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى  ﴾ .

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ  ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : «حُرِّمَتِ الخَمْرُ».

ولَمْ يَحْفَظْ عَنِ النَبِيِّ  في حَدِّ الخَمْرِ إلّا أنَّهُ جِلْدُ أرْبَعِينَ.

أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ.

ورُوِيَ عنهُ  «أنَّهُ ضَرَبَ فِيها ضَرْبًا مَشاعًا»، وحَزْرَهُ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَوْطًا، وعَمِلَ بِذَلِكَ هو، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ تَهافَتَ الناسُ فِيها فَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ وجَعَلَهُ كَأخَفِّ الحُدُودِ ثَمانِينَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وقالَ الشافِعِيُّ بِالأرْبَعِينَ.

وضَرَبَ الخَمْرَ غَيْرَ شَدِيدٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ لا يَبْدُو إبِطُ الضارِبِ.

وقالَ مالِكٌ: الضَرْبُ كُلُّهُ سَواءٌ لا يُخَفَّفُ ولا يَبْرَحُ.

ويُجْتَنَبُ مِنَ المَضْرُوبِ الوَجْهُ والفَرْجُ والقَلْبُ والدِماغُ والخَواصِرُ بِإجْماعٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ  ﴾ ؛ يُرِيدُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ مِنَ الإباحَةِ والإشارَةِ إلى التَرْخِيصِ.

و"المَيْسِرِ" مَأْخُوذٌ مِن يَسَرَ: إذا جَزَرَ، والياسِرُ: الجازِرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَمْ يَزَلْ بِكَ واشِيهِمْ ومَكْرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أشاطُوا بِغَيْبِ لَحْمِ مَن يَسَرُوا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أقُولُ لَهم بِالشِعَبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا إنِّي ابْنُ فارِسٍ زَهْدَمِ والجَزُورُ الَّذِي يَسْتَهِمُ عَلَيْهِ، يُسَمّى مُيْسِرًا لِأنَّهُ مَوْضِعُ اليُسْرِ، ثُمَّ قِيلَ لِلسِّهامِ مَيْسِرٌ لِلْمُجاوَرَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَيْسِرُ مَأْخُوذٌ مِن يَسَرَ لِي هَذا إذا وجَبَ وتَسَنّى، ونَسَبَ القَوْلَ إلى مُجاهِدٍ، ثُمَّ جَلَبَ مِن نَصِّ كَلامِ مُجاهِدٍ ما هو خِلافٌ لِقَوْلِهِ، بَلْ أرادَ مُجاهِدٌ الجَزَرَ.

واليُسْرُ: الَّذِي يَدْخُلُ في الضَرْبِ بِالقِداحِ، وجَمْعُهُ أيْسارٌ، وقِيلَ: يُسْرٌ جَمْعُ ياسِرٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ وأحْراسٍ.

وسِهامٌ المَيْسِرِ سَبْعَةٌ لَها حُظُوظٌ، وفِيها فُرُوضٌ عَلى عِدَّةِ الحُظُوظِ، وثَلاثَةٌ لا حُظُوظَ لَها، ولا فُرُوضَ فِيها،.

وهِيَ: الفَذُّ.

والتَوْأمُ، والرَقِيبُ.

والحِلْسُ.

والنافِسُ.

والمُسْبِلُ.

والمُعَلّى والثَلاثَةُ الَّتِي لا حُظُوظَ لَها: المُنَيَّحُ.

والسَفِيحُ.

والوَغْدُ.

تُزادُ هَذِهِ الثَلاثَةُ لِتَكْثُرَ السِهامُ وتَخْتَلِطَ عَلى الحُرْضَةِ، وهو الضارِبُ بِها فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا.

وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تَضْرِبَ بِهَذِهِ القِداحِ في الشَتْوَةِ وضِيقِ الوَقْتِ وكَلْبِ البَرْدِ عَلى الفُقَراءِ تَشْتَرِي الجَزُورَ، ويَضْمَنُ الأيْسارَ ثَمَنَها ثُمَّ تَنْحَرُ وتُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أقْسامٍ، وأخْطَأ الأصْمَعِيُّ في قِسْمَةِ الجَزُورِ فَذَكَرَ أنَّها كانَتْ عَلى قَدْرِ حُظُوظِ السِهامِ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ قِسْمًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

ثُمَّ يَضْرِبُ عَلى العَشْرَةِ الأقْسامِ فَمَن فازَ سَهْمُهُ بِأنْ يَخْرُجَ مِنَ الرَبابَةِ مُتَقَدِّمًا أخَذَ أنْصِباءَهُ وأعْطاها الفُقَراءَ.

وفِي أحْيانٍ رُبَّما تَقامَرُوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُغْرَمُ الثَمَنَ مَن لَمْ يَفُزْ سَهْمُهُ، ويَعِيشُ بِهَذِهِ السِيرَةِ فُقَراءُ الحَيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: المُطْعِمُو الضَيْفِ إذا ما شَتَوْا ∗∗∗ والجاعِلُو القُوتِ عَلى الياسِرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: بِأيْدِيهِمْ مَقْرُومَةٌ ومَغالِقُ ∗∗∗ يَعُودُ بِأرْزاقِ العُفاةِ مَنِيحُها والمَنِيحُ في هَذا البَيْتِ المُسْتَمْنِحِ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعِيرُونَ السَهْمَ الَّذِي قَدْ أمْلَسَ، وكَثُرَ فَوْزُهُ فَذَلِكَ المَنِيحُ المَمْدُوحُ.

وأمّا المَنِيحُ الَّذِي هو أحَدُ الثَلاثَةِ الأغْفالِ فَذَلِكَ إنَّما يُوصَفُ بِالكَرِّ، وإيّاهُ أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: ولَقَدْ عَطَفْنَ عَلى فَزارَةَ عَطْفَةً ∗∗∗ كَرَّ المَنِيحُ وجُلْنَ ثَمَّ مَجالًا ومِنَ المَيْسِرِ قَوْلُ لَبِيدٍ: إذا يَسَرُوا لَمْ يُورِثِ اليُسْرُ بَيْنَهم ∗∗∗ فَواحِشُ يُنْعى ذِكْرُها بِالمَصائِفِ فَهَذا كُلُّهُ هو نَفْعُ المَيْسِرِ إلّا أنَّهُ أكَلَ المالَ بِالباطِلِ فَفِيهِ إثْمٌ كَبِيرٌ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، والحُسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: كُلُّ قِمارٍ مَيْسِرٌ مِن نَرْدَ وشَطْرَنْجَ ونَحْوِهِ، حَتّى لَعِبِ الصِبْيانِ بِالجَوْزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ: الإثْمُ فِيهِما بَعْدَ التَحْرِيمِ، والمَنفَعَةُ فِيهِما قَبْلَهُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الإثْمُ في الخَمْرِ: ذِهابُ العَقْلِ والسِبابُ والِافْتِراءُ والإذايَةُ والتَعَدِّي الَّذِي يَكُونُ مِن شارِبِها.

والمَنفَعَةُ: اللَذَّةُ بِها، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِقاءُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْراحِها.

وقالَ مُجاهِدٌ: "المَنفَعَةُ بِها كَسْبُ أثْمانِها، ثُمَّ أعْلَمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الإثْمَ أكْبَرُ مِنَ النَفْعِ وأعُودُ بِالضَرَرِ في الآخِرَةِ، فَهَذا هو التَقْدِمَةُ لِلتَّحْرِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "كَثِيرٌ" بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ، وحُجَّتُها أنَّ النَبِيَّ  : «لَعَنَ الخَمْرَ ولَعَنَ مَعَها عَشْرَةً: بائِعُها ومُبْتاعُها والمُشْتَراةُ لَهُ، وعاصِرُها والمَعْصُورَةُ لَهُ وساقِيها وشارِبُها وحامِلُها والمَحْمُولَةُ إلَيْهِ وآكِلُ ثَمَنِها» فَهَذِهِ آثامٌ كَثِيرَةٌ.

وأيْضًا فَجَمْعُ المَنافِعِ يَحْسُنُ مَعَهُ جَمْعُ الآثامِ، و"كَثِيرٌ" بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ يُعْطِي ذَلِكَ.

وقَرَأ باقِي القُرّاءِ، وجُمْهُورُ الناسِ: "كَبِيرٌ" بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، وحُجَّتُها أنَّ الذَنْبَ في القِمارِ وشُرْبِ الخَمْرِ مِنَ الكَبائِرِ فَوَصْفُهُ بِالكَبِيرِ ألْيَقُ.

وأيْضًا فاتِّفاقُهم عَلى "أكْبَرُ" حُجَّةٌ لِكَبِيرٍ بِالباءِ بِواحِدَةٍ-، وأجْمَعُوا عَلى رَفْضِ أكْثَرَ -بِالثاءِ مُثَلَّثَةً- إلّا ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإنَّ فِيهِ "قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَثِيرٌ وإثْمُهُما أكْثَرُ" بِالثاءِ مُثَلَّثَةً في الحَرْفَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما إثْمٌ ﴾ ، يُحْتَمَلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ في اسْتِعْمالِهِما بَعْدَ النَهْيِ، والآخَرُ أنْ تُرادَ خِلالَ السُوءِ الَّتِي فِيهِما.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ كَرِهَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ، وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى  ﴾ تَجَنَّبُوها عِنْدَ أوقاتِ الصَلَواتِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ  ﴾ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ضَيْعَةٌ لَكَ اليَوْمَ، قُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ.

وقالَ رَسُولُ اللهِ  : «حُرِّمَتِ الخَمْرُ».

ولَمّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟

 ﴾ قالَ: "انْتَهَيْنا.

انْتَهَيْنا".

قالَ الفارِسِيُّ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ  ﴾ وأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِيها إثْمًا، فَهي حَرامٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ هَذا النَظَرُ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ الإثْمَ الَّذِي فِيها هو الحَرامُ، لا هي بِعَيْنِها عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا النَظَرُ.

وقالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللهُ الخَمْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُحَرِّمْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ ﴾ قالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: هَذِهِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.

وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: بَلْ هي نَفَقاتُ التَطَوُّعِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: نُسِخَتْ بِالزَكاةِ.

وقالَ آخَرُونَ: هي مَحْكَمَةٌ وفي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ.

و"العَفْوَ": هو ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ دُونَ أنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ ومالَهُ، ونَحْوَ هَذا هي عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مَن عَفا الشَيْءُ إذا كَثُرَ، فالمَعْنى: أنْفَقُوا ما فَضَلَ عن حَوائِجِكم ولَمْ تُؤْذُوا فِيهِ أنْفُسَكم فَتَكُونُوا عالَةً،.

ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «مَن كانَ لَهُ فَضْلٌ فَلْيُنْفِقْهُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلى مَن يَعُولُ، فَإنَّ فَضَلَ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ».

وَقالَ  : «خَيْرُ الصَدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنًى»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «ما كانَ عن ظَهْرِ غِنًى».

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "العَفْوَ" بِالنَصْبِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "العَفْوُ" بِالرَفْعِ.

واخْتَلَفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى "ماذا" فَمَن جَعَلَ "ما" ابْتِداءً و"ذا" خَبَرُهُ بِمَعْنى الَّذِي، وقُدِّرَ الضَمِيرُ في "يُنْفِقُونَ" عائِدًا؛ قَرَأ "العَفْوُ" بِالرَفْعِ لِتَصِحَّ مُناسَبَةُ الجُمَلِ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم أوِ الَّذِي تُنْفِقُونَ العَفْوَ.

ومَن جَعَلَ "ماذا" اسْمًا واحِدًا مَفْعُولًا بِـ "يُنْفِقُونَ"؛ قَرَأ: "قُلِ العَفْوَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وصَحَّ لَهُ التَناسُبُ.

ورَفْعُ "العَفْوَ" مَعَ نَصْبِ "ماذا" جائِزٌ ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها.

وَعَلى مَنزِلَتَيْهِما، لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في تِلْكَ الآياتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الدُنْيا  ﴾ مُتَعَلِّقٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِـ "الآياتِ"، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ وهو المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَتَعَلَّقُ "فِي الدُنْيا" بِـ "تَتَفَكَّرُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قال الفخر: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان، أحدهما: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجراً أو ثواباً؟

فنزلت هذه الآية؛ لأن عبد الله كان مؤمناً ومهاجراً وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً (يعني فتحققت فيه الأوصاف الثلاثة).

الثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله: ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ [البقرة: 216] أَتبع ذلك بذكر من يقول به اه، والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد.

وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع.

و (الذين هاجروا) هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم، مشتق من الهَجْر وهو الفراق، وإنما اشتق منه وزن المفاعلة للدلالة على أنه هجر نشأ عن عداوة من الجانبين فكل من المنتقِل والمنتقَل عنه قد هجر الآخر وطلب بُعده، أو المفاعلة للمبالغة كقولهم: عافاك الله فيدل على أنه هجر قوماً هَجراً شديداً، قال عبدة بن الطيب: إنَّ التي ضَرَبَتْ بيتاً مُهاجَرَةً *** بكوفةِ الجند غَالت وُدَّها غول والمجاهدة مفاعلة مشتقة من الجَهْد وهو المشقة وهي القتال لما فيه من بذل الجهد كالمفاعلة للمبالغة، وقيل: لأنه يضم جُهده إلى جُهد آخر في نصر الدين مثل المساعدة وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر للإعانة والقوة، فالمفاعلة بمعنى الضم والتكرير، وقيل: لأن المجاهِد يبذل جهده في قتال من يبذل جهده كذلك لقتاله فهي مفاعلة حقيقية.

و (في) للتعليل.

و (سبيل الله) ما يوصل إلى رضاه وإقامةِ دينه، والجهاد والمجاهدة من المصطلحات القرآنية الإسلامية.

وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء.

وجيء باسم الإشارة للدلالة على أن رجاءهم رحمةَ الله لأجل إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، فتأكد بذلك ما يدل عليه الموصول من الإيماء إلى وجه بناءِ الخبر، وإنما احتيج لتأكيده لأن الصلتين لما كانتا مما اشتهر بهما المسلمون وطائفة منهم صارتا كاللقب؛ إذ يطلق على المسلمين يومئذٍ في لسان الشرع اسم الذين آمنوا كما يطلق على مسلمي قريش يومئذٍ اسم المهاجرين فأكد قَصدُ الدلالة على وجه بناء الخبر من الموصول.

والرجاء: ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلاً منه وصدقاً، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَرَجَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وهم أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، وسُهَيْلُ بْنُ البَيْضاءِ، وخالِدُ ابْنُ البُكَيْرِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كانَ أمِيرَهم، فَتَأخَّرَ عَنِ القَوْمِ سَعْدٌ وعُتْبَةُ لِيَطْلُبا بَعِيرًا لَهُما ضَلَّ، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَرَماهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وغُنِمَتِ العِيرُ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ أوْ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، فَعَيَّرَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ  بِذَلِكَ وقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَلامَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ولامَهُ المُسْلِمُونَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.

» واخْتَلَفُوا فِيمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ لِيُعَيِّرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ ذَلِكَ.

فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وإخْراجَ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ والفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا؟

فَقالَ الزُّهْرِيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً ﴾ وقالَ عَطاءٌ: هو ثابِتُ الحُكْمِ، وتَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ، والأوَّلُ أصَحُّ لِما تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ غَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بِالطّائِفِ، وأرْسَلَ أبا العاصِ إلى أوْطاسَ لِحَرْبِ مَن بِها مِنَ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في ذِي القِعْدَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ أيْ يَرْجِعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا  ﴾ أيْ رَجَعا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: اسْتَرَدَّ فُلانٌ حَقَّهُ.

﴿ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ أيْ بَطَلَتْ، وأصْلُ الحُبُوطِ الفَسادُ، فَقِيلَ في الأعْمالِ إذا بَطَلَتْ: حَبِطَتْ لِفَسادِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ومَن مَعَهُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا في سَفَرِهِمْ وِزْرًا فَلَيْسَ فِيهِ أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ يَعْنِي عَنْ مُساكَنَةِ المُشْرِكِينَ في أمْصارِهِمْ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ المُهاجِرُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مُهاجِرِينَ لِهَجْرِهِمْ دُورَهم ومَنازِلَهم كَراهَةَ الذُّلِّ مِنَ المُشْرِكِينَ وسُلْطانِهِمْ، ( وجاهَدُواْ ) يَعْنِي قاتَلُوا، وأصْلُ المُجاهَدَةِ المُفاعَلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ كَذا إذا أكَدَّهَ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُكابِدُ مِن صاحِبِهِ شِدَّةً ومَشَقَّةً قِيلَ: فُلانٌ يُجاهِدُ فُلانًا.

وَأمّا ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَطَرِيقُ اللَّهِ، وطَرِيقُهُ: دِينُهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَقَّةٌ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا حالَهم في المُسْتَقْبَلِ جازَ أنْ يَرْجُوا الرَّحْمَةَ خَوْفًا أنْ يَحْدُثَ مِن مُسْتَقْبَلِ أُمُورِهِمْ ما لا يَسْتَوْجِبُونَها مَعَهُ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهم إنَّما رَجَوُا الرَّحْمَةَ لِأنَّهم لَمْ يَتَيَقَّنُوها بِتَأْدِيَةِ كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، أو عبيدة بن الحرث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

فقال بعضهم إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم أجر، فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾ » .

وأخرج البزار عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن فلان في سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة، فذكر الحديث.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال فيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ وغيره أكبر منه ﴿ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ﴾ وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه» .

وأخرج ابن إسحاق حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن منده وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث صفوان بن بيضاء في سرية عبد الله بن جحش قبل الأبواء، فغنموا وفيهم نزلت ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير من طريق السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، أو سهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة.

قال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، أضلا راحلة لهما وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة بن عثمان، وعمرو الحضرمي، فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانقلب المغيرة وقتل عمرو الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال قال المشركون: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عنه محمداً ﴿ والفتنة ﴾ وهي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: ﴿ وصد عن سبيل الله وكفر به...

﴾ الآية.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: «إن رجلاً من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة فرماه بسهم فقتله، وكان بين قريش ومحمد عقد فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب.

فقالت قريش: في الشهر الحرام ولنا عهد؟

فأنزل الله: ﴿ قل قتال فيه كبير...

﴾ الآية.

يقول: كفر به وعبادة الأوثان أكبر من قتل ابن الحضرمي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، فلقي ناساً من المشركين ببطن نخلة والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي.

فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام، وقد قتلتم في الشهر الحرام؟

فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ إلى قوله: ﴿ أكبر عند الله ﴾ من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي ﴿ والفتنة ﴾ التي أنتم عليها مقيمون يعني الشرك ﴿ أكبر من القتل ﴾ .

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الزهري عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا فيها عمرو بن الحضرمي في عبر تجارة لقريش في يوم بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة من عدوّ وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا.

وقال قائل: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفقتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش وكان ابن الحضرمي أوّل قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله...

﴾ إلى آخر الآية.

فحدثهم الله في كتابه: إن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وإن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك، فمن صدهم عن سبيل الله حين يسخمونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم للمسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ [ التوبة: 1] .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري ومقسم قالا «لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي أوّل ليلة من رجب وهو يرى أنه من جمادى فقتله، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

قال الزهري: فكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد» .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أنه يسير فقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه، فما أمرتك به فامض له ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم.

فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً، فمضى معه القوم حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، بعيراً لهما كانا يتعقبانه، فتخلفا عليه يطلبانه.

ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان، والمغيرة بن عبد الله، معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم وزيت، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقاً قال عمار: ليس عليكم منهم بأس وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخر يوم من جمادى، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة حرم مكة فيمتنعن منكم.

فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وهرب المغيرة فاعجزهم.

واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً، فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام، فأنزل الله في ذلك ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وفدى الأسيرين.

فقال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن يكون لنا غزوة؟

فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ﴾ وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه قال: وكذلك كان يقرأها ﴿ عن قتال فيه ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة.

أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ قتل فيه ﴾ .

وأخرج عن عطاء بن ميسرة قال: أحل القتال في الشهر الحرام في براءة في قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [ التوبة: 36] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري.

أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام.

وأخرج النحاس في ناسخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ أي في الشهر الحرام.

قال: ﴿ قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم، فكان القتال محظوراً حتى نسخة آية السيف في براءة ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] فأبيح القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ﴿ والفتنة أكبر من القتل ﴾ قال: الشرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ قال: كفار قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ قال: هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء.

إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: هؤلاء خيار هذه الأمة، جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه، قالوا لرسول الله: أصبنا القوم في رجب أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (١) ﴿ هَاجَرُوا ﴾ فارقوا عشائرهم وأوطانهم (٢) (٣) ﴿ وَجَاهَدُوا ﴾ يعني: جاهدوا المشركين، ومعناه: حملوا أنفسهم على المشقة في قتالهم، ومنه: يقال: اجتهد فلان رأيه، إذا حمل نفسه على المشقة في بلوغ صواب الرأي، وأصله: من الجُهْد، الذي هو المشقة، ومنه: الجهاد، وهو الأرض الصلبة، لحمل النفس في ركوبها على المشقة (٤) ﴿ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في نصرة دين الله (٥) ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ قال الزجاج: إنما قال: ﴿ يَرْجُونَ ﴾ لأنهم عند أنفسهم غير بالغين ما يجب لله (٦) (٧) ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم.

(١) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 356، والواحدي في "أسباب النزول" ص 71، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 769، وقد رواه الطبري من حديث جندب بن عبد الله في "تفسيره" 4/ 306، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 384، وأبو يعلى في "مسنده" 3/ 102، وهو تمام قصة سبب النزول في الآية السابقة ومذكور في بعض رواياتها.

(٢) "تفسيرالثعلبي" 2/ 769.

(٣) ينظر في هجر "تهذيب اللغة" 4/ 3717، "المفردات" ص514 - 515، "عمدة الحفاظ" 4/ 278 - 280، "لسان العرب" 8/ 4617.

قال الراغب: الهجْر والهِجران: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب.

(٤) ينظر في جهد "تهذيب اللغة" 1/ 675، "المفردات" ص 108، "عمدة الحفاظ" 1/ 405 - 406، "اللسان" 2/ 709.

ونقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 675 عن الليث: الجَهد: ما جَهد الإنسان من مرض أو أمر شاق، فهو مجهود، قال: والجُهد لغة بهذا المعنى.

وقال الفراء: بلغت الجَهد.

أي: الغاية، واجْهَدُ جهْدًا في هذا الأمر.

أي ابلغ فيه غايتك، وأما الجُهد فالطاقة.

وقال الراغب: الجَهد والجُهد: الطاقة والمشقة، وقيل: الجَهد بالفتح: المشقة، والجُهد: الوسع.

(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 769.

(٦) في (ي): (ما يحب الله).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 290 - 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية: نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه ﴿ الخمر ﴾ كل مسكر من العنب وغيره ﴿ والميسر ﴾ القمار، وكان ميسر العرب بالقدارح في لحم الجزور، ثم يدخل في ذلك النرد والشطرنج وغيرهم، وروي ان السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ﴿ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ نص في التحريم وأنهما من الكبائر، لأن الإثم حرام لقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم ﴾ [الأعراف: 33] خلافاً لمن قال: إنما حرمتها آية المائدة لا هذه الآية ﴿ ومنافع ﴾ في الخمر؛ التلذذ والطرب، وفي القمار: الاكتساب به.

ولا يدل ذكر المنافع على الإباحة قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده ﴿ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ ﴾ تغليباً للإثم على المنفعة، وذلك أيضاً بيان للتحريم ﴿ قُلِ العفو ﴾ أي السهل من غير مشقة، وقراءة الجماعة بالنصب بإضمار فعل مشاكلةً للسؤال، على أن يكون ما مبتدأ، وذا خبره ﴿ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدنيا والآخرة ﴾ أي في أمرهما ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى ﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورّعاً، فنزلت إباحة مخالتطتهم بالإصلاح لهم، فإن قيل: لم جاء ويسألونك بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟

فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأولى وقع في أوقات مفترقة فلم يأت بحرف عطف وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو لأنها كانتا متناسقة ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ تحذير من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى ﴿ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ لضيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم، قال ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم أموال اليتامى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط للابتداء بالشرط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كره لكم ﴾ ج ﴿ خير لكم ﴾ ج لتفصيل الأحوال ﴿ شر لكم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ قتال فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ.

وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله".

و "كفر به" مبتدأ.

والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم ﴿ أكبر من القتل ﴾ ط ﴿ استطاعوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

المستقبل على المستقبل.

﴿ يتذكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  ﴾ جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر.

الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق ﴿ يسئلونك ماذا ينفقون ﴾ عن ابن عباس: نزلت الآية "في رجل أتى النبي  فقال: إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك.فقال: إن لي دينارين.

فقال: أنفقهما على أهلك.

فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك.

فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك.

قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك.

قال: إن لي ستة.

قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً" .

وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟

أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً  ﴾ وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ الآية.

فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود.

وذلك أن قوله ﴿ ما أنفقتم من خير ﴾ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق.

وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية.

فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله ﴿ إنها بقرة لا ذلول  ﴾ سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية.

وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟

والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت.

لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله.

والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق.

وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار.

وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب.

﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم أحسن الجزاء.

عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة.

وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله  في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب.

قوله  : ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ كان النبي  غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله  الجهاد.

قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية.

أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ كتب ﴾ وأما العموم فلأن قوله ﴿ عليكم ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ و ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب.

وعن ابن عمر وعطاء أن قوله ﴿ كتب ﴾ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ عليكم ﴾ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت.

والعموم في ﴿ عليكم الصيام ﴾ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع.

وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.

﴿ وهو كره لكم ﴾ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله  فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟

والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن  أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.

والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم.

وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله  ﴿ حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ﴾ وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.

﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.

العلــم أولــه مــر مـذاقتـه *** لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم.

وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو.

وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.

وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن.

قال: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح  ﴾ وقد وجد ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً  ﴾ وقد حصل.

والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله  كما بينا في "لعل" ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وذلك أن علمه  فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد.

وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف.

وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله  علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه  يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك.

فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله  في جواب الملائكة ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

الحكم الثاني في قوله  ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغيرالشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي  هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟

ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي  - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير.

وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين.

فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك.

فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة.

ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم.

حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.

ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.

فلما رأوا أصحاب رسول الله  هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار.

فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم.

وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب.

فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم.

فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين.

واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم.

واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله  بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم.

سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين.

فقال رسول الله  لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام" ، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.

فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ فأخذ رسول الله  العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما.

فلما قدما فأداهما.

فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله  بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله  : "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" .

وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله  عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ عن قتال فيه ﴾ بتكرير العامل.

وقرأ عكرمة ﴿ قتل فيه قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة.

وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف.

فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله  ﴿ قل قتال ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟

قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش.

فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه.

ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟

عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.

وروى جابر قال: لم يكن رسول الله  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.

وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟

قال: نعم.

قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم.

وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته.

قوله  ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ ويمكن أن يقال أن قوله ﴿ قتال فيه كبير ﴾ نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.

﴿ وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟

واعلم أن قوله ﴿ وصد ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة ﴿ تساءلون به والأرحام  ﴾ بالخفض.

والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام.

واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله ﴿ وكفر به ﴾ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له".

وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم.

وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم.

والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة.

وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش.

وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر.

وأجيب بأن معلوم الله كالواقع.

والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة.

وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال.

وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام.

وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار.

﴿ أكبر من القتل ﴾ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.

يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول  من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل.

ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  ﴾ وقوله ﴿ إن استطاعوا ﴾ استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" ﴿ ومن يرتدد ﴾ ومن يرجع ﴿ منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴾ باق على الردة ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.

وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات.

وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب.

ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون.

وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة.

فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه.

لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي.

فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع.

وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق.

فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور.

وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله  عطفاً على الشرط ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك.

وفي الحديث "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال.

فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق.

إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي.

وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله  هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً.

وقيل: إنه  لما أوجب الجهاد بقوله ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.

ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل.

والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر.

وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة.

والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته.

ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا.

ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك.

وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد.

ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله.

وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ \[المؤمنون: 60\].

﴿ والله غفور رحيم ﴾ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله.

عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة.

ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب.

وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.

وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.

وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.

روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله  خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك.

قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟

قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟

وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.

ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

والكراهة المذكورة هاهنا والمحبة: هي كراهة الطباع والنفس، [ومحبة الطباع والنفس،] لا كراهة الاختيار.

ولا يكون في كراهة الطباع خطاب؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار؛ لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول الله  يؤمرون بالقتال والمجاهدة مع العدو ثم هم يكرهون عما أمروا اختياراً منهم؛ لأن ذلك دأب أهل النار، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد والمشقة وكراهيته.

وقوله: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل هذا في القتال خاصة، وهو أن يكونوا كرهوا القتال؛ لما فيه من المشقة والشدة، ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال الثواب والدرجات في الآخرة.

﴿ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً ﴾ ، يعني التعود على الجهاد، ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ ، لما فيه من اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة.

ويحتمل هذا في كل أمر يحب [الرجال] في الابتداء ويكون عاقبته شرّاً له، ويكره أمراً فيكون عاقبته خيراً له.

هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها؛ ليعلم أن ليس إلينا من التدبير في شيء.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، [أي: ويعلم] ما هو خير لكم في العواقب مما هو شر لكم، "وأنتم لا تعلمون".

وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام، ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول الله  ، والكفر به، وإخراج أهله منه، لكن إذ فعلوا ذلك، لم يكن القتال بجنبه كبيراً، بل الكفر فيه أكبر من القتل.

فكأنه - والله أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر، ثم جعل الكفر أكبر من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه.

ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند البلوى بما بين.

والقتال بنفسه كبير؛ لأن فيه تفاني الخلق، ولم يخلقوا للفناء.

ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين: أحدهما: أنه ذكر القتل، وجعل الكفر أكبر منه، ولو أوجب القتل التخليد، ما أوجب الكفر، لكان فيه التساوي، ولا يكون الكفر أكبر من القتل فبان أن الكبيرة لا توجب التخليد ما أوجب الكفر.

والله أعلم.

والثاني: قال: والكفر منه، فصيره أكبر، ثم [لا يخلو أكبره] من أن يكون بنفسه، أو بالكافر، أو بالله.

ولا يحتمل أن يكون بالكافر؛ لأن فعل الكفر أصغر عنده من فعل الزنى والقتل؛ لأنه يدين بالكفر ويستحسنه، ويستقبح ذلك.

فبان أن يكبر بنفسه أو بالله.

فإن قالوا: بنفسه.

قيل لهم: لما جاز أن يكون كبره بغير من ينشئه لما لا جاز خلقه بغير من يفعله، أو يكن بالله؟

وهو قولنا.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم يفعلون كذا، فكان كما قال: فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

وقوله: ﴿ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، ولكن لا يستطيعون أن يردوكم عن دينكم.

ففيه إياس الكفرة عن رد هؤلاء إلى دينهم، وأمن هؤلاء عن الرجوع إلى دينهم.

وقيل: (إن) بمعنى (لو)، أي: لو قدروا أن يردوكم عن دينكم إلى دينهم لفعلوا.

أخبر الله عز وجل عما ودوا إن إستطاعوا، لكن الله بما أكرمهم وبشرهم من النصر وإظهار الدين لا يستطيعون على ذلك أظهر بقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكر إحباط الأعمال، بالموت على الكفر، والعمل يحبط بالكفر دون الموت.

والوجه فيه: أنه لا يحتمل أن يكون الموت هو سبب إحباط الأعمال، بل الكفر بنفسه إذا وجد؛ إذ الموت لا صنع فيه للعباد، والكفر فيه لهم اختيار، لم يجز جعل العمل حبطاً بما لا صنع له فيه، دل أن الكفر هو المحبط، لا الموت، ولكن ذكر الموت في هذا لما فيه تمام الحبط والإبطال، وما لم يمت ترجى له المنفعة بحسناته؛ لأنه إذا كفر جحد تلك الحسنات فأبطلها، فإذا أسلم بعد ذلك ندم على جعل ذلك باطلاً، فصار مقابلاً لسيئاته بحسنات، فهو حالة الانتفاع به كما قال عز وجل: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .

أما في الدنيا: فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الحسن الذي يستوجب بالخير والدين عند الناس، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله وصار على أعين الناس أخف من الكلب والخنزير.

وأما حبطه في الآخرة: فذهاب ثواب أعماله، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند الله، لا بالعمل نفسه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ  جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ  ﴾ ، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب بإحضاره وإتيانه عند الله، لا بالعمل نفسه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ .

تضمن قوله: ﴿ ءَامَنُواْ ﴾ الإيمان بالله، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من الرسالات وغيرها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ .

الهجرة تكون على وجهين: أحدهما: الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول الله  بالمدينة، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  ﴾ .

ثم روي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة" والهجرة الثانية: هجرة الآثام والإجرام، فهي لا ترتفع أبداً.

وقال الحسن في قوله  : ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ : أي بالعداوة منه لمن كفر بالله.

وقال أبو بكر الصديق - رضي الله  عنه -: أن يهجر قومه وداره ويخرج لله.

وقوله: ﴿ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

المجاهدة تكون على وجوه: مجاهدة العدو، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.

وقوله: ﴿ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ .

فيه دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر الله.

وقوله: ﴿ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجهين: الرحمة: الجنة، والرحمة: المغفرة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

لما كان منهم من التقصير فيما ذكر من المجاهدة والمهاجرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين آمنوا بالله ورسوله، والذين تركوا أوطانهم مهاجرين إلى الله ورسوله، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا؛ أولئك يطمعون في رحمة الله ومغفرته، والله غفور لذنوب عباده رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.N2klq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه من طريق زيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله  عبد الله بن جحش -وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب مقفله من بدر الأولى وكتب له كتابًا يعلمه فيه أين يسير فقال: "أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك فانظر فيه فما أمرتك به فامض له، ولا تستكره أحدًا من أصحابك على الذهاب معك".

فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أنْ أَمض حتى تنزل "نخلة" فأتنا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، ولم يأمره بقتال.

فقال لأصحابه -وكانوا ثمانية- حين قرأ الكتاب: سمعًا وطاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فأنا ماضٍ لأمر رسول الله  ومن كره ذلك منكم فليرجع، فإن رسول الله  قد نهاني أن أستكره منكم أحدًا.

فمضي القوم معه حتى كانوا بنجران أَضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا "نخلة" فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله وأشرف لهم عكاشة بن حصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقًا قالوا عمار ليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله  وكان آخر يوم من جمادى، فقالوا لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة الحرم فليمتنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل، وأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله  فقال لهم: "والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".

فأوقف رسول الله  الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئًا.

فلما قال لهم رسول الله ما قال سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ  ﴾ الآية فأخذ النبي  العير وفدى الأسيرين.

وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي  فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟

فنزلت.

هكذا أورد القصة بعض المفسرين وقوله في صدرها "في رجب إلخ" يختلف مع قوله بعد "وكان آخر يوم من جمادى" وذكروا أن هذه القصة كانت قبل غزوة بدر بشهرين، وبعد الهجرة بسبعة عشر شهرًا.

وأخرجها السيوطي في أسباب النزول عمن ذكر ما عدا ابن إسحق من حديث جندب بن عبد الله مختصرة وقال إنهم قتلوا ابن الحضرمي ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى: وقال في آخرها: فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر، فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا  ﴾ الآية ومشى على ذلك في التفسير.

وكلامه يفيد أن الآيات نزلت متفرقة والصواب أن الآيات الثلاث نزلت في قصة واحدة مرة واحدة.

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ  ﴾ إلخ قالوا إن هذه أول آية فرض فيها القتال وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وقد كان القتال ممنوعًا فأذن فيه بعد الهجرة بقوله تعالى في سورة الحج: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  ﴾ الآيات ثم كتب في هذه السنة.

ونقل عن ابن عمر وعطاء أن القتال كان واجبًا في ذلك الوقت على الصحابة فقط، وأن هذا هو المراد من الآية.

وذهب السلف إلى أن القتال مندوب إليه واستدلوا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  ﴾ وهو مردود بأن القاعدين هنا هم أولو الضرر العاجزون عن القتال لما نطقت به الآية، وأما القاعدون كراهة في القتال فحكمهم في سورة براءة، وقيل إن القتال يجب في العمر مرة واحدة.

وقد انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف الذي كان في القرن الثاني على أن الجهاد من فروض الكفاية إلا أن يدخل العدو بلاد المسلمين فاتحًا فيكون فرض عين.

أما قوله تعالى ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ فقد عده بعضهم من المشكلات إذ كيف يكره المؤمنون ما يكلفهم الله تعالى إياه وفيه سعادتهم، وحمله جمهور المفسرين على الكره الطبيعي والمشقة، وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة في القيام بأعبائه من حيث إنه ما أمر الله به وجعل فيه المصلحة لحفظ دينه كما قال في آيات الإذن به من سورة الحج ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ  ﴾ إلخ.

وقوله ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ معناه أن من الأشياء المكروهة طبعًا ما تأتونه وأنتم ترجون نفعه وخيره كشرب الدواء البشع المر، ومن الأشياء المستلذة طبعًا ما يتوقع فاعلها الضر والأذى في نفسه أو من جهة منازعة الناس له فيه.

هذا تقرير ما قاله المفسرون ولكن لا يظهر على هذا الذي قالوه معنى وجيه لقوله  ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ لأن هذا مما يعلمه الناس ويتوقعونه لا مما هداهم الكتاب إليه بعد أن كانوا غائبين عنه، والصواب أن ﴿ عَسَى  ﴾ في مثل هذا المقام تفيد أن ما دخلت عليه من شأنه أن يقع، لا أنه مرجو من المتكلم ومتوقع، وأن الكره محمول على غير ما حملوه عليه.

ذلك أن النبي  بُعِثَ والعرب في قتال مستحر، ونزاع مستمر، وكان الغزو للسلب والنهب من أعظم أسباب الكسب، وكان الصحابة قد ألفوا القتال واعتادوه ومرنوا عليه فلم يكن عندهم مكروهًا بالطبع، ولكنهم كانوا يرون أنفسهم فئة قليلة حملت هذا الدين واهتدت به ويخشون أن يقاوموا المشركين بالقوة فيهلكوا ويضيع الحق الذي هدوا إليه وكلفوا إقامته والدعوة إليه.

وثم وجه آخر وهو أن كرههم للقتال لم يكن خوفًا على أنفسهم أن يبيدوا ولا على الحق الذي حملوه أن يضيع، وإنما هو حب السلام والرحمة بالناس التي أودعها القرآن في نفوسهم، وثبتها الإيمان في قلوبهم، واختيار مصابرة الكفار ومجادلتهم بالدليل والبرهان دون مجادلتهم بالسيف والسنان، رجاء أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا خطوات الشيطان، وعلى هذا الوجه يظهر من معنى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ ما لا يظهر في المعنى الذي قبله ويفيد قوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أن قياسكم جميع الكافرين على أنفسكم، وتوقعكم أن يزين لهم من الإيمان ما زين لكم، هو من الأقيسة الباطلة، فإن الاستعداد في الناس يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فمنهم من ساءت خليقته، وأحاطت به خطيئته، حتى لم يبق لروح الحق منفذ إلى عقله، ولا لحب الخير طريق إلى قلبه، فلا تنفع فيه الدعوة، ولا ترجى له الهداية، ومثل هذا الفريق في الأمة كمثل الدم الفاسد في الجسم إذا لم يخرج منه فإنه يفسده، ولم يأمر الله بقتالهم إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم، فلا يقاسون على من سلمت فطرتهم وحسنت سريرتهم، حتى كان وقوعهم في الباطل جهلًا منهم بالحق وإصابتهم بعض الشر لعدم التمييز بينه وبين الخير، وأنتم أيها المؤمنون لا تعلمون كنه استعداد الناس ولا ما يكون من أثره في مستقبلهم، وإنما الله هو الذي يعلم ذلك فامتثلوا أمره.

وأما معناه على الوجه الأول فهو أن سنة الله تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه ما استمسك حزب الله بحقهم فأقاموه ودعوا إليه ودافعوا عنه، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به أعداءه ويطمعهم بالتنكيل بحزبه، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم، وأنه قد سبق في علم الله تعالى أن الله لا بد أن يظهر دينه وينصر أهله على قلتهم، ويخذل أهل الباطل على كثرتهم ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وقد علم الله كل هذا وأنتم لا تعلمون ما خبأ لكم في غيبه، وستجدونه في امتثال أمره، والعمل بما يرشدكم إليه في كتابه.

ومن عجيب ما ترى العينان نقل المفسرين بعضهم عن بعض أن المراد بقوله تعالى ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا  ﴾ جميع التكاليف التي أمروا بها، وبقوله تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا  ﴾ جميع ما نهوا عنه.

ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يكره طبعه وتستثقل نفسه جميع ما أمره الله تعالى به، وتحب جميع ما نهاه عنه، ولكن التقليد يذهل المرء عن نفسه وما تحب وتكره، وعما يراه ويعرفه في الناس بالمشاهدة والاختبار.

بعد ما بين سبحانه أن القتال كتب على هذه الأمة فلا مفر منه، وإن كرهه المؤمنون خشية أن يضيع الحق بهلاك أهله، أو لما أودع القرآن قلوبهم من الرحمة، والرجاء يجذب الناس إلى الإيمان بجاذب الدليل والحجة -وهو الأرجح- بينّ سبحانه مسألة لا بد في هذا المقام من بيانها للحاجة إلى العلم بها، على أنه وقع السؤال عنها، وهي مسألة القتال في الشهر الحرام فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان النبي  يقر الناس على غير القبيح مما كانوا عليه، وترك القتال أربعة أشهر من السنة حسن لأنه تقليل للشر، لذلك كان لما فعله عبد الله بن جحش وأصحابه وقع سيء عند المسلمين والمشركين جميعًا على أنهم لم يكونوا يعلمون عند أخذ العير وقتل من قتلوا أن ذلك اليوم غرة رجب.

قيل إن السائلين هم المؤمنون وقيل هم المشركون وقد تقدمت الرواية في ذلك، وسياق الآية رد على المشركين، وإرشاد للمؤمنين، وهي: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ أي عن القتال فيه وقرئ ﴿ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ بتكرير العامل وقدم ذكره للعناية به، ونكر القتال في السؤال والجواب لتنويعه كأنه قيل أيصح أن يقع فيه قتال ما؟

﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ أي أن أيّ قتال فيه وإن كان صغيرًا في نفسه أمر كبير مستنكر وقوعه فيه لعظم حرمته، وقال بعضهم معناه ذنب كبير وهذا تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام، قال ابن جريج حلف لي عطاء بالله إنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا على سبيل الدفع، وإن هذا حكم باقٍ إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم إنه منسوخ بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وأنكر بعضهم هذا لأنه نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف.

وقال آخرون إن الآية لا تدل.

وعبارة البيضاوي: "والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في كل الشهر الحرام مطلقًا لأن لفظ ﴿ قِتَالٍ  ﴾ فيها نكرة في حيز مثبت فلا يعم".

وهذا القول غير ظاهر فإن دلالة الآية على المنع المطلق لا يتوقف على كون لفظ القتال فيها عامًا، وربما كانت دلالة النكرة فيما أدل على إطلاق الحكم في كل قتال في جنس الشهر الحرام كما بيناه في معنى تنكيرها وكونه للتنويع.

ولهم في الآية كلام كثير، والظاهر المتبادر أن إثبات كون القتال في الشهر الحرام كبيرًا تمهيد للحجة على أن ما فعله عبد الله بن جحش وما عساه يفعله المسلمون من القتال فيه مبني على قاعدة لا ينكرها عقل، وهي وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن بد من أحدهما، ولا شك أن القتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم، وإنما يرتكب لإزالة ما هو أعظم منه وذلك قوله تعالى ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ أي وصد الناس ومنعهم عن الطريق الموصل إليه تعالى وهو الإسلام، وهو الذي يفعله المشركون من اضطهاد المسلمين وفتنتهم عن دينهم إذ يقتلون من يسلم أو يؤذنونه في نفسه وأهله وماله، ويمنعونه من الهجرة إلى النبي  ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ  ﴾ أي بالله تعالى ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ أي وصد عن المسجد الحرام، وهو منع المؤمنين من الحج والاعتمار ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ  ﴾ وهو النبي  والمهاجرون، وذلك كقوله في آيات الإذن بالقتال في سورة الحج ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  ﴾ كل واحدة من هذه الجرائم التي عليها المشركون ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ من القتال في الشهر الحرام فكيف بها وقد اجتمعت.

ثم صرح بالعلة العامة لمشروعية القتال وهي فتنة الناس عن دينهم فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ  ﴾ وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبما علم من الإيذاء والتعذيب، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته، وبلال، وصهيب، وخباب بن الارت، وغيرهم.

كان عمار يعذب بالنار يكوى بها ليرجع عن الإسلام، وكان النبي  يمر به فيرى أثر النار به كالبرص.

وعن أم هانئ قالت إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد الله وسمية أمه كانوا يعذبون في الله فمر بهم النبي  فقال: "صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" وفي رواية: "صبرًا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت".

مات ياسر في العذاب وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة ابن المغيرة وهو الذي عهد إليه بتعذيبها فعذبها عذابًا شديدًا رجاء أن تفتن في دينها فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها وكانت عجوزًا كبيرة، وكان أبو جهل يقول لها مع ذلك: ما آمنت بمحمد إلا أنك عشقته لجماله: يؤذيها بالقول كما يؤذيها بالفعل.

وكان يلبس عمار درعًا من الحديد في اليوم الصائف يعذبه بحره.

وكان أمية بن خلف يعذب بلالًا بفتنه فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويومًا ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء، أي يضعه على الرمل المحمى بحرارة الشمس الذي ينضج اللحم، ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد  ، وتبعد اللات والعزى.

فيأبى ذلك وهانت عليه نفسه في الله  ، وكانوا يعطونه للولدان فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول "أحد، أحد".

وحكى خباب  عن نفسه قال لقد رأيتني يومًا وقد أوقدت لي نار وضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك (دهن) ظهري!

فهذا نموذج من فتنة المشركين لضعفاء المسلمين، وما امتنع منهم إلا من له عصبة من قومه عز عليهم إبساله فمنعوه حمية وأنفة للقرابة، على أن النبي  على منعة قومه وعناية الله تعالى به لم يسلم من إيذائهم فقد وضعوا سلا الجزور على ظهره وهو يصلي وخاف أصحابه تنحيته عن ظهره، حتى نحته السيدة فاطمة عليها السلام، وتعرضوا له بضروب من الإيذاء كفاه الله شرها كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ .

هذا ما كان المشركون يعاملون به المؤمنين في حال ضعفهم، ولما هاجروا وكثروا صاروا يقصدونهم بالقتال في مهجرهم لأجل الدين، ولذلك قال تعالى ﴿ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ عاد إلى خطاب المؤمنين الذين كانوا يكرهون القتال لما تقدم، فأعلمهم أن أولئك المشركين لا هم لهم إلا منع الإسلام من الأرض، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله؛ وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة، طمع في غير مطمع، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام، لو لم يحتف بها غيرها من الآثام، كيف وقد قارنها الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه والاعتداء بالقتال والاستمرار عليه.

وقوله ﴿ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ يفيد الشك في استطاعتهم وعدم الثقة بها لأن من عرف الإسلام معرفة صحيحة، وهو الحق الصريح، لا يرجع عنه إلى الكفر، وهو الباطل المفضوح، وهكذا يكون فلا يزال الكفار يقاتلوننا ليردونها عن ديننا إن استطاعوا، ولم يستطيعوا.

ولما ذكر الردة التي يبغونها بقتالهم بين حكمها فقال ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ أي ومن يرجع منكم عن الإسلام إلى الكفر حتى يموت عليه فرضًا، فأولئك المرتدون هم الذين بطلت وفسدت أعمالهم في الدارين حتى كأن واحدهم لم يعمل صالحًا قط.

لأن الرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة تصيب المخ والقلب فتذهب بالحياة، فإن لم يمت المصاب بعقله وقلبه، فهو في حكم الميت لا ينتفع بشيء.

وكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدي إلى نور الإيمان، تفسد روحه ويظلم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، ولا يعطى شيئًا من أحكام المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا والآخرة.

يقول بعض الفقهاء: إن المرتد تبطل أعماله حتى كأنه لم يعمل خيرًا قط، وحتى إنه يجب عليه إعادة نحو الحج إذا رجع إلى الإسلام، وتطلق منه امرأته طلاقًا بائنًا فلا تعود إليه إذا هو عاد إلى الإسلام إلا بعقد جديد.

ويقول غيرهم إن حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر، فإذا ارتد المسلم مدة ثم عاد لا تجب عليه إعادة نحو الحج، وأما امرأته فإنها تكون موقوفة إلى انتهاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها كانت على عصمته، وإن عاد بعد انقضاء العدة فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد.

وللردة أحكام أخرى عند الفقهاء تطلب من كتبهم.

ومعنى الآية ظاهر وهو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه ولا في أخراه، وذلك أن الرجوع عن الدين رجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية الثلاثة وهي: الإيمان بأن لهذا الكون العظيم المتقن في وحدة نظامه، وبديع أحكامه، ربا إلهًا أبدعه وأتقنه بقدرته وحكمته بغير مساعد ولا واسطة، فلا تأثير لغيره في شيء منه إلا ما هدى هو الناس إليه باطراد سننه في الأسباب والمسببات، فيجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، لا في الدعاء ولا في غيره من معاني العبادة التي بيناها في سورة الفاتحة وغيرها.

وهذا الأصل هو منتهى ما يصل إليه ارتقاء العقل البشري في الاعتقاد، وتطهير الأنفس من الخرافات والأوهام.

الإيمان بعالم الغيب والحياة الآخرة، ذلك أن العوالم الحية التي في هذا الكون لا تنعدم من الوجود ولا تنفذ من أقطار ملك الله بما نراه من فساد تركيبها وذهاب صورها، فإذا كان العدم المحض غير معقول، والتحول في الصور مألوف منظور، فلا غرو أن يكون للناس حياة أخرى في عالم آخر بعد خراب هذا العالم.

وهذا الإيمان ركن من أركان الارتقاء البشري لأنه يبعث البشر إلى الاستعداد لذلك العالم الأوسع الأكمل، ويعرفهم بأن وجودهم أكمل وأبقى مما يتوهمون.

العمل الصالح الذي ينفع صاحبه وينفع الناس.

فهذه الأصول الثلاثة التي جاء بها كل نبي مرسل لا يتركها إنسان بعد معرفتها والأخذ بها، إلا ويكون منكوسًا لاحظ له من الكمال في دنياه ولا في آخرته، بل يكون من أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المظلمة، التي لا مقر لها في الآخرة إلا دار الخزي والهوان كما قال تعالى ﴿ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ وقد تقدم الكلام في مثل هذا.

كأنه تعالى يقول للمؤمنين الكارهين للقتال لا سيما في الشهر الحرام: إذا كان هؤلاء المشركون على ما ذكر من الكفر والطغيان، ومن إيذائكم وفتنكم عن الإيمان، ومن منع إخوانكم عن الهجرة إليكم بعد طردكم من الأوطان، ومن القصد إلى قتالكم حتى يردوكم عن دينكم، لتخسروا دنياكم وآخرتكم، فلا ينبغي أن تحجموا عن قتالهم عند الإمكان، ولا أن تحفلوا بإنكارهم عليكم القتال في الشعر الحرام.

ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين، ناسب أن يذكر جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين، لأن الذهن يتوجه إلى طلبه فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ  ﴾ المهاجرة مفارقة الأوطان والأهل وهي من الهجر ضد الوصل.

ولما هاجر النبي  من مكة فرارًا بنفسه وبقومه من أذى قريش وفتنتهم إلى المدينة التي عاهده من آمن من أهلها على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وجب على كل مسلم أن يتبعه في هجرته ليعتز الإسلام بأهله، ويقدر المؤمنون باجتماعهم على الدفاع عن أنفسهم.

واستمر وجوب الهجرة على من قدر إلى فتح مكة، إذ خذل الله المشركين وجعل كلمتهم السفلى، وكلمة الله هي العليا.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام في مثل عصرنا هذا، ويؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده أو عمل بما يجب عليه، وإن كان حكام تلك البلاد من صنف المسلمين، ومن ذلك أن لا يقدر المسلمون التصريح قولًا وكتابة بكل ما يعتقدون، ولا يمكنوا من القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجمع عليه منهما.

وأما المجاهدة فهي من الجهد وهو المشقة وليس خاصًا بالقتال.

والرجاء هو توقع المنفعة من أسبابها.

فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم، هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه رجاء حقيقيًا، وهم أجدر بأن يعطوا ما يرجون، وأما طلب المنافع ودفع المضار من غير أسبابها العادية في العاديات والشرعية في الدينيات، فلا يسميان رجاء، بل تمنيًا وغرورًا: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين، ولا سيما المهاجرين المجاهدين، يغفر لهم ما عساه يفرط منهم من تقصير، ويتغمدهم برحمته ورضوانه ونعم المصير.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل