الآية ٢١٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٧ من سورة البقرة

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 255 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، حدثني الحضرمي ، عن أبي السوار ، عن جندب بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا ، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [ أو عبيدة بن الحارث ] فلما ذهب ينطلق ، بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس ، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك .

فلما قرأ الكتاب استرجع ، وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله .

فخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ، وبقي بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى .

فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام !

فأنزل الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) الآية .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة ، عن ابن مسعود : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، وكانوا سبعة نفر ، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي ، وفيهم عمار بن ياسر ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وسعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل بن بيضاء ، وعامر بن فهيرة ، وواقد بن عبد الله اليربوعي ، حليف لعمر بن الخطاب .

وكتب لابن جحش كتابا ، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب ، فإذا فيه : أن سر حتى تنزل بطن نخلة .

فقال لأصحابه : من كان يريد الموت فليمض وليوص ، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فسار ، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص ، وعتبة ، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها ، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة ، فإذا هو بالحكم بن كيسان ، والمغيرة بن عثمان ، وعمرو بن الحضرمي ، وعبد الله بن المغيرة .

وانفلت [ ابن ] المغيرة ، [ فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة ] وقتل عمرو ، قتله واقد بن عبد الله .

فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا المال ، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " حتى ننظر ما فعل صاحبانا " فلما رجع سعد وصاحبه ، فادى بالأسيرين ، ففجر عليه المشركون وقالوا : إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله ، وهو أول من استحل الشهر الحرام ، وقتل صاحبنا في رجب .

فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى وقيل : في أول رجب ، وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب .

فأنزل الله يعير أهل مكة : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) لا يحل ، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام ، حين كفرتم بالله ، وصددتم عنه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وإخراج أهل المسجد الحرام منه ، حين أخرجوا محمدا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردوه عن المسجد [ الحرام ] في شهر حرام ، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل .

فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام .

فقال الله : ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ) من القتال فيه .

وأن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي ، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى ، وأول ليلة من رجب .

وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى ، وكانت أول رجب ولم يشعروا ، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه .

وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك .

فقال الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وغير ذلك أكبر منه : صد عن سبيل الله ، وكفر به والمسجد الحرام ، وإخراج أهله منه ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، والشرك أشد منه .

وهكذا روى أبو سعد البقال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنها أنزلت في سرية عبد الله بن جحش ، وقتل عمرو بن الحضرمي .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) إلى آخر الآية .

وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ، رحمه الله ، في كتاب السيرة له ، أنه قال : وبعث يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب ، مقفله من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ، فيمضي لما أمره به ، ولا يستكره من أصحابه أحدا .

وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين .

ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش ، وهو أمير القوم ، وعكاشة بن محصن بن حرثان ، أحد بني أسد بن خزيمة ، حليف لهم .

ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر ، حليف لهم .

ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص .

ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة ، حليف لهم من عنز بن وائل ، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع ، أحد بني تميم ، حليف لهم .

وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث ، حليف لهم .

ومن بني الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء .

فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه : " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة ، بين مكة والطائف ، ترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم " .

فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة .

ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة ، أرصد بها قريشا ، حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم .

فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد .

فسلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن ، فوق الفرع ، يقال له : بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما ، كانا يعتقبانه ، فتخلفا عليه في طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة ، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش ، فيها : عمرو بن الحضرمي ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان ، والحكم بن كيسان ، مولى هشام بن المغيرة .

فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا وقالوا : عمار ، لا بأس عليكم منهم .

وتشاور القوم فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ، فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام .

فتردد القوم ، وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، وأخذ ما معهم .

فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم .

وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .

قال ابن إسحاق : وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش : أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه .

قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله قال : " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " .

فوقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا ، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا .

وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال .

فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان .

وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله : عمرو : عمرت الحرب ، والحضرمي : حضرت الحرب ، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب .

فجعل الله عليهم ذلك لا لهم .

فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) أي : إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ، ( والفتنة أكبر من القتل ) أي : قد كانوا يفتنون المسلم في دينه ، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) أي : ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين .

قال ابن إسحاق : فلما نزل القرآن بهذا من الأمر ، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين ، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم .

فقدم سعد وعتبة ، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .

فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا .

وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ، فمات بها كافرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك يا محمد أصحابُك عن الشهر الحرام = وذلك رَجبٌ = عن قتالٍ فيه.

&; 4-300 &; وخفضُ" القتال " على معنى تكرير " عن " عليه، وكذلك كانت قراءةُ عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا.

وقد:- 4080 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه "، قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه، قال: وكذلك كان يقرؤها: " عن قتال فيه ".

* * * = قال أبو جعفر: " قل " يا محمد: " قتالٌ فيه "- يعني في الشهر الحرام " كبيرٌ"، أي عظيمٌ عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه.

ومعنى قوله: " قتال فيه "، قل القتال فيه كبير.

وإنما قال: " قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، لأن العرب كانت لا تقرعُ فيه الأسنَّة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يَهيجه تعظيما له، وتسميه مضر " الأصمَّ" (5) لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه.

وقد:- 4081 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا الزبير، عن جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يَغزو حتى إذا حضر ذلك أقامَ حتىّ ينسلخ.

* * * وقوله جل ثناؤه: " وصَدٌّ عن سبيل الله ".

ومعنى " الصدّ" عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل: " صدّ فلان بوجهه عن فلان "، إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه.

* * * وقوله: " وكفرٌ به "، يعني: وكفر بالله، و " الباء " في" به " عائدة على اسم الله الذي في" سبيل الله ".

وتأويل الكلام: وصدٌّ عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام- وهم أهله وولاته- أكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام.

&; 4-301 &; فـ " الصدُّ عن سييل الله " مرفوع بقوله: " أكبر عند الله ".

وقوله: " وإخراج أهله منه " عطف على " الصد ".

ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: " والفتنة أكبر من القتل "، يعني: الشرك أعظم وأكبرُ من القتل، (6) يعني: مِنْ قَتل ابن الحضرميّ الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام.

* * * قال أبو جعفر: وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: " والمسجد الحرام " معطوف على " القتال " وأن معناه: يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من القتال في الشهر الحرام.

(7) وهذا القول، مع خروجه من أقوال أهل العلم، قولٌ لا وجهَ له.

لأن القوم لم يكونوا في شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم ؟

بل لم يدَّع ذلك عليهم أحدٌ من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عَمَّا ارتابوا بحكمه (8) كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادَّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه.

فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.

ولا خلاف بين أهل التأويل جميعًا أن هذه الآية نـزلت &; 4-302 &; على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله.

* ذكر الرواية عمن قال ذلك: 4082 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب مَقْفَلَه من بدر الأولى، وبعثَ معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.

= وكان أصحابُ عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة [بن عتبة] بن ربيعة- (9) ومن بني أمية- بن عبد شمس، ثم من حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رئاب، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرثان أحد بني أسد بن خزيمة- ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم - ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص- ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عرين (10) بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم- ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء.

= فلما سار عبدُ الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه: " إذا نظرت إلى كتابي هذا، (11) فسرْ حتى تنـزل نخلة بين مكة والطائف، &; 4-303 &; فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم ".

فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: " سمعا وطاعة "، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه، فلم يتخلَّف عنه[منهم] أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمَعْدِن فوق الفُرع يقال له بُحْران، (12) أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا عليه يعتقبانه، (13) فتخلَّفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نـزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا وتجارةً من تجارة قريش (14) فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نـزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمّار‍!

فلا بأس علينا منهم.

(15) وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من جمادى، (16) فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في &; 4-304 &; الشهر الحرام!

فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجُعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم.

فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسرَ عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم.

=وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أنّ عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمُس.

وذلك قبل أن يُفرضُ الخمس من الغنائم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام!

فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال!

وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموال وأسروا.

[فيه الرجال] (17) فقال من يردُّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى!

(18) وقالت يهود -تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم-: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله!" عمرو "، عمرت الحرب!

و " الحضرميّ"، حَضَرت الحربُ!" وواقد بن عبد الله "، وقدت الحرب!

فجعل الله عليهم ذلك وبهم.

= فلما أكثر الناسُ في ذلك أنـزل الله جل وعز على رسوله: " يسألونك عن الشهر &; 4-305 &; الحرام قتال فيه "، أي: عن قتالٍ فيه " قل قتال فيه كبيرٌ" إلى قوله: " والفتنة أكبر من القتل "، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجُكم عنه إذ أنتم أهله وولاته، أكبرُ عند الله من قتل من قتلتم منهم،" والفتنة أكبر من القتل "، أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل= وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين.

فلما نـزل القرآن بهذا من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، (19) قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العيرَ والأسيرين.

(20) 4083 - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ"، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، &; 4-306 &; وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب.

وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينـزل [ بطن ] مَلَل، (21) فلما نـزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنـزل بطن نخلة، (22) فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، (23) وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله.

فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

= فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا !

فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب !

فقال المسلمون : إنما قتلناه في جُمادى !

- وقيل : في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب.

فأنـزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: " وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل " .

(24) 4084 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه: أنه حدثه رجل، عن أبي السوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه بعث رَهطًا، فبعثَ عليهم &; 4-307 &; أبا عبيدة .

فلما أخذ لينطلق، بكى صَبابةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا : " ولا تكرهنَّ أحدًا من أصحابك على السير معك " .

فلما قرأ الكتاب استرجعَ وقال: سمعًا وطاعة لأمر الله ورسوله !

فخبَّرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ومضَى بقيتهم.

فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم : أمن رَجب أو من جمادى؟

فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام !

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثوه الحديث، فأنـزل الله عز وجل : " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبرُ من القتل "- والفتنة هي الشرك.

وقال بعضُ الذين - أظنه قال -: كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد !

فقال: إن يكن خيرًا فقد وَلِيت !

وإن يكن ذنبًا فقد عملت !

(25) 4085 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه "، قال: إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله.

وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام!

ولنا عهد!

فأنـزل الله جل وعز: " قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به " وصد عن المسجد الحرام " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله.

&; 4-308 &; 4086 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري وعُثمان الجزريّ، وعن مقسم مولى ابن عباس قال: لقي واقد بنُ عبد الله عمرَو بنَ الحضرميّ في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه من جمادى، فقتله، وهو أول قتيل من المشركين.

فعيَّر المشركون المسلمين فقالوا : أتقتلون في الشهر الحرام !

فأنـزل الله : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام " = يقول: وصد عن سبيل الله وكفرٌ بالله =" والمسجد الحرام " = وصد عن المسجد الحرام =" وإخراج أهله منه أكبر عند الله "، من قتل عمرو بن الحضرميّ =" والفتنة " ، يقول: الشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضا = قال الزهري وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرِّم القتالَ في الشهر الحرام، ثم أحِلّ [ له ] بعدُ.

(26) 4087 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير "، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردُّوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل.

فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتالَ في شهر حرام، &; 4-309 &; فقال الله جل وعز: " وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله " من القتل فيه = وأنّ محمدًا بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف آخرَ ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب = وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أنّ تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجلٌ منهم واحدٌ = وأنّ المشركين أرسلوا يُعيرونه بذلك فقال الله جل وعز: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير " وغير ذلك أكبر منه،" صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه " إخراجُ أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمدٌ، والشرك بالله أشدُّ.

4088 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك: قال لما نـزلت: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير " إلى قوله: " والفتنة أكبرُ من القتل "، استكبروه.

فقال: والفتنة = الشرك الذي أنتم عليه مقيمون = أكبر مما استكبرتم.

4089 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في جيش، فلقي ناسًا من المشركين ببطن نخلة، والمسلمون يحسَبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابنَ الحضرميّ، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرِّمون الشهرَ الحرام والبلدَ الحرام ، وقد قتلتم في الشهر الحرام!

فأنـزل الله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه " إلى قوله " أكبر عند الله " من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي، و " الفتنة " - التي أنتم عليها مقيمون، يعني الشركَ -" أكبر من القتل ".

4090 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: &; 4-310 &; وكان يسميها (27) - يقول: لقي واقدُ بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلةَ فقتله.

4091 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه "، فيمن نـزلت؟

قال: لا أدري = قال ابن جريج: وقال عكرمة ومجاهد: في عمرو بن الحضرمي.

قال ابن جريج، وأخبرنا ابن أبي حسين، عن الزهري ذلك أيضًا.

4092 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: " قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام "، - قال: يقول: صدٌ عن المسجد الحرام " وإخراج أهله منه " - فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي -" والفتنة أكبر من القتل " - كفرٌ بالله وعبادة الأوثان، أكبرُ من هذا كله.

4093 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " ، كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فعيّر المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفرٌ به، وإخراجُ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام.

قال أبو جعفر: وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع " الصد " و " الكفر به " ، (28) وأن رافعه " أكبر عند الله " .

وهما يؤكدان صحّة ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوعٌ على العطف على " الكبير " ، وقولِ من زعم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيل الله، &; 4-311 &; وزعم أن قوله: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله "، خبر منقطع عما قبله مبتدأ.

* * * 4094 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسمعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله: " والفتنة أكبر من القتل "، قال: يعني به الكفر.

4095 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من ذلك.

ثم عيَّر المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال: " والفتنة أكبر من القتل "، أي الشرك بالله أكبر من القتل.

* * * وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس: 4096 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَو بن الحضرمي في آخر ليلة من جُمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيِّرونه بذلك، فقال: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، وغيرُ ذلك أكبر منه: " صدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر " من الذي أصابَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

* * * قال أبو جعفر : وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله: " وصدٌّ عن سبيل الله " .

فقال بعض نحويي الكوفيين: في رفعه وجهان: أحدهما ، أن يكون " الصدُّ" مردودًا على " الكبير "، يريد: قل القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ &; 4-312 &; به .

وإن شئت جعلت " الصد "" كبيرًا " ، يريد به: قل القتالُ فيه كبير، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله والكفر به .

(29) * * * قال أبو جعفر : قال فأخطأ -يعني الفراء- في كلا تأويليه.

وذلك أنه إذا رفع " الصد " عطفًا به على " كبير " ، يصير تأويل الكلام: قل القتالُ في الشهر الحرام كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله، وكفرٌ بالله.

وذلك من التأويل خلافُ ما عليه أهل الإسلام جميعًا .

لأنه لم يدَّع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرًا بالله، بل ذلك غير جائز أن يُتَوَهَّم على عاقل يعقل ما يقولُ أن يقوله.

وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك: " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " ؟!

فلو كان الكلام على ما رآه جائزًا في تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، كان أعظمَ عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول في أثره: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله ".

وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظمُ عند الله من الكفر به، ما يُبين عن خطأ هذا القول.

وأما إذا رفع " الصد " ، بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر - وذلك رفعه بمعنى: وكبير صدٌّ عن سبيل الله، ثم قيل: " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، أعظمُ عند الله من الكفر بالله والصدِّ عن سبيله، وعن المسجد الحرام.

ومتأوِّل ذلك كذلك، داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائلُ القولَ الأوّل: (30) من تصييره بعض خلال الكفر أعظمَ عند الله &; 4-313 &; من الكفر بعينه.

وذلك مما لا يُخيل على أحدٍ خطؤه وفسادُه (31) .

* * * وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول القولَ الأول في رفع " الصد " ، ويزعم أنه معطوف به على " الكبير " ، ويجعل قوله: " وإخراج أهله " مرفوعًا على الابتداء، وقد بينا فسادَ ذلك وخطأ تأويله.

* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، هل هو منسوخٌ أم ثابت الحكم؟

فقال بعضهم: هو منسوخ بقوله الله جل وعز: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] ، وبقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ سورة التوبة: 5 ] * ذكر من قال ذلك: 4097 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء بن ميسرة: أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في" براءة " قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] : يقول: فيهن وفي غيرهن.

(32) 4098 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد.

(33) &; 4-314 &; وقال آخرون: بل ذلك حكم ثابتٌ = لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.

* ذكر من قال ذلك: 4099 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاجُ، عن ابن جريج، (34) قال: قلت لعطاء: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، قلت: ما لهم!

وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟

فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب.

قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة: من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] .

وإنما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزَا هوازن بحُنين وثقيفًا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوْطاس لحرب من بها من المشركين، في الأشهر الحرُم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم.

فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم.

&; 4-315 &; وأخرى، أن جميعَ أهل العلم بِسِيَر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أنّ بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ ، لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القومَ الحربَ ويحاربَهم، حتى رجع عثمان بالرسالة، جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكفَّ عن حربهم حينئذ وقتالهم.

وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرُم.

فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، وأنه منسوخ.

فإذا ظنّ ظانّ أن النهي عن القتال في الأشهر الحرُم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه.

فقد ظنّ جهلا .

وذلك أن هذه الآية - أعني قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " - في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنـزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهجرته إليها، وكانت وقعةُ حُنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، كما:- &; 4-316 &; 4100 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا "، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين = يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردُّوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة.

(35) 4101 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا " ، قال: كفار قريش.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه: " ومن يرتدد منكم عن دينه "، من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سورة الكهف: 64 ] يعني بقوله: " فارتدَّا " ، رجعا.

ومن ذلك قيل: " استردّ فلان حقه من فلان "، إذا استرجعه منه.

(36) وإنما أظهر التضعيف في قوله: " يرتدد " لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا &; 4-317 &; سكِّنت فالقياس ترك التضعيف، وقد تضعَّف وتدغم وهي ساكنة ، بناء على التثنية والجمع.

* * * وقوله: " فيمت وهو كافر "، يقول: من يرجع عن دينه دين الإسلام،" فيمت وهو كافر "، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبَطت أعمالهم.

* * * يعني بقوله: " حبطت أعمالهم "، بطلت وذهبت.

وبُطولها: ذهابُ ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة.

* * * وقوله: " وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "، يعني: الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها.

(37) * * * وإنما جعلهم " أهلها " لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال: " هؤلاء أهل محلة كذا "، يعني: سكانها المقيمون فيها.

* * * ويعني بقوله: " هم فيها خالدون "، هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية.

(38) * * * --------------- الهوامش : (5) يعني شهر رجب ، وهو رجب الأصم .

(6) انظر معنى"الفتنة" فيما سلف 3 : 565 ، 566 ثم 570ن 571 وفهرس اللغة في الأجزاء السالفة .

(7) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 141 .

(8) في المطبوعة : "وإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن القوم سألوا رسول الله .

.

.

" والصواب ما أثبت ، وإلا اختل الكلام اختلالا شديدًا .

(9) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام ونص ابن هشام : "أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش" بإسقاط : "ومن بني أمية" فتركت ما في الطبري على حاله لأنه صحيح المعنى أيضًا .

(10) في المطبوعة : " .

.

.

عبد الله بن مناة بن عويم" وأثبت ما في نص ابن هشام وهو الموافق لما أجمعت عليه كتب السير والأنساب .

(11) في المطبوعة : "إذا نظرت إلى كتابي .

.

.

" وأثبت ما في هشام وتاريخ الطبري وهو الصواب .

(12) في المطبوعة : "نجران" وهو خطأ صرف .

(13) "يتعقبانه" : أي يركبه هذا عقبة وهذا عقبة ، أي هذا نوبة وهذا نوبة .

(14) العير : القافلة من الإبل والحمير والبغال تخرج للميرة فيمتار عليها .

والأدم جمع أديم : وهو الجلد المدبوغ .

(15) عمار : معتمرون .

والاعتمار والعمرة زيارة البيت الحرام وأداء حقه ، في أي شهر كان .

وهو غير الحج يقال عنه"اعتمر" ولم يسمع"عمر" ولكن جاء"عمار" جمع"عامر" على هذا الثلاثي المتروك .

(16) هكذا في المطبوعة : "آخر يوم من جمادى" وفي نص ابن هشام وتاريخ الطبري"آخر يوم من رجب" وهو أصح النصين ، ولم أغيرها ، لأنه سيأتي بعد ما يدل على أن الرواية هنا هكذا .

(17) الزيادة بين القوسين من نص ابن هشام ، وتاريخ الطبري .

(18) انظر ص : 303 التعليق : 5 ونص ابن هشام والطبري"في شعبان" .

(19) الشفق (لفتح الشين والفاء) والإشقاق : الخوف والحذر .

(20) الأثر : 4082 - هو نص ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق 2 : 252- 254 ورواه الطبري في تاريخه 2 : 262- 263 .

(21) الزيادة بين القوسين من رواية الطبري في تاريخه .

(22) في تاريخه : "بطن نخل" في هذا الموضع منه ، وفيما يليه"بطن نخلة" .

(23) في المطبوعة : "نجران" وهو خطأ مضى مثله ص : 303 والصواب من التاريخ .

(24) الأثر : 4083 - رواه الطبري في تاريخه 2 : 263- 264 .

(25) الأثر : 4084 رواه الطبري في تاريخه 2 : 264- 265- وسيأتي تمامه برقم : 4102 .

(26) الحديث : 4086 - هذا حديث مرسل ، مروي بإسنادين عن اثنين من التابعين ، هما : الزهري ومقسم مولى ابن عباس .

فرواه معمر عن الزهري ورواه عن عثمان الجزري عن مقسم .

وهو ثابت في تفسير عبد الرزاق ، ص : 26 .

وزدنا منه [الواو] في قوله : "وعن مقسم" ، وكلمة [له] في آخر الحديث في قوله" ثم أحل [له] بعد" .

وعثمان الجزري : هو"عثمان بن ساج" ترجم له ابن أبي حاتم 3/1/153 ، وهو غير"عثمان ابن عمرو بن ساج" الذي ترجم له ابن أبي حاتم 3/1/162 .

وقد خلط بينهما الحافظ المزي في التهذيب ، وتعقبه الحافظ ابن حجر .

وانظر ما كتبنا في ذلك ، في شرح المسند : 2562 .

مقسم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين- : هو ابن بجرة ، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل .

وإنما قيل له"مولى ابن عباس" للزومه له .

وهو تابعي ثقة .

(27) هكذا في المطبوعة ، وأظن الصواب : "وكان يسميهما" .

(28) في المطبوعة"في رفع الصد به" والصواب ما أثبت .

(29) هو قول الفراء ، كما سيأتي بعد في النص ، وانظر معاني القرآن 1 : 141 .

وقد رد الطبري كلام الفراء ردًا حكيما ، وأظهر الفساد الذي ينطوي عليه قول من يقول في القرآن ، وهو لا يحكم النظر في أحكام الله ، فيظن كل جائز في العربية والنحو ، جائزا أن يحمل عليه كتاب الله .

وردود الطبري تعلم المرء كيف يتخلق بأخلاق أهل العلم والإيمان ، من الأناة والتوقف والصبر والورع ، أن تزل قدم في هوة من الضلال والجهالة وسوء الرأي .

(30) في المطبوعة : "داخل من الخطأ مثل .

.

.

" سقطت"في" من ناسخ فيما أرجح .

(31) أخال الشيء يخيل : اشتبه .

يقال : "هذا الأمر لا يخيل على أحد" ، أي : لا يشكل على أحد .

و"شيء مخيل" ، أي مشكل .

(32) الأثر : 4097 -"عطاء بن ميسرة" هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني يقال اسم أبيه"عبد الله" ، ويقال"ميسرة" .

مات سنة 135 ، وانظر الاختلاف فيه ، والإشكال في أمره وأمر عطاء بن أبي رباح في التهذيب في ترجمته .

(33) الأثر : 4098 - هو بعض الأثر السالف : 4086 .

وانظر التعليق عليه .

(34) في المطبوعة : " .

.

.

عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال قلت لعطاء .

.

.

" ، فقوله : "عن مجاهد" خطأ وزيادة مفسدة ، فحذفتها .

وانظر الأثر السالف رقم : 4901 .

(35) الأثر : 4100 - هو بعض الأثر السالف : 4082 .

والكلام من أول قوله : "يعني : على أن يفتنوا .

.

.

" ليس في سيرة ابن هشام ، ولا في تاريخ الطبري .

فإما أن يكون من كلام الطبري ، أو من كلام ابن حميد ، أو بعض رواة الأثر .

(36) انظر ما سلف 3 : 163 ، وفهارس اللغة فيما سلف ، ردد" (37) انظر معنى"أصحاب النار" فيما سلف 2 : 286 .

(38) انظر معنى"خالد" فيما سلف 2 : 286- 287 ، وفهارس اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدونفيه احدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " تقدم القول فيه .

وروى جرير بن عبد الحميد [ ص: 39 ] ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن : يسألونك عن المحيض ، يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن اليتامى ، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ) .

قال ابن عبد البر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث .

وروى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث ، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : ولا تكرهن أصحابك على المسير ، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، قال : فرجع رجلان ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب ، فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام ، فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام الآية .

وروي أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما ، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام ، فنزلت الآية .

والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط ، وقيل ثمانية ، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ، وقيل في رجب .

قال أبو عمر - في كتاب الدرر له - : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر - وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى - أقام بالمدينة بقية [ ص: 40 ] جمادى الآخرة ورجب ، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين ، وهم أبو حذيفة بن عتبة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن بيضاء الفهري ، وسعد بن أبي وقاص ، وعامر بن ربيعة ، وواقد بن عبد الله التميمي ، وخالد بن بكير الليثي .

وكتب لعبد الله بن جحش كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه ، وكان أميرهم ، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم ) .

فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحب الشهادة فلينهض ، ومن كره الموت فليرجع .

فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب فيه ، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونهضوا معه ، فسلك على الحجاز ، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة ، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي - واسم الحضرمي عبد الله بن عباد من الصدف ، والصدف بطن من حضرموت - وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة ، فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام : وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ، ثم اتفقوا على لقائهم ، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل بن عبد الله ، ثم قدموا بالعير والأسيرين ، وقال لهم عبد الله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا ، فكان أول خمس في الإسلام ، ثم نزل القرآن : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة ، وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول أمير ، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل .

وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله : هم فيها خالدون .

وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في الأسيرين ، فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة [ ص: 41 ] كافرا ، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة ، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين .

وقيل : إن انطلاق سعد بن أبي وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله بن جحش ، وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم ، فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد فزعوا منكم ، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم ، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم ، وتشاوروا في قتالهم ، الحديث .

وتفاءلت اليهود وقالوا : واقد وقدت الحرب ، وعمرو عمرت الحرب ، والحضرمي حضرت الحرب .

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم ، فقال : لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة ، وإن لم يقدما قتلناهما بهما ، فلما قدما فاداهما ، فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرا ، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى ، وطلب المشركون جيفته بالثمن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فهذا سبب نزول قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام .

وذكر ابن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب ، على ما تقدم .

وذكر الطبري عن السدي وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة ، والأول أشهر ، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب ، والمسلمون يظنونها من جمادى .

قال ابن عطية : وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين .الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية ، فالجمهور على نسخها ، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح .

واختلفوا في ناسخها ، فقال الزهري : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة " .

وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام ، وإغزاؤه أبا [ ص: 42 ] عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام .

وقيل : نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة ، وهذا ضعيف ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم .

وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي : فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية ، قال : فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان ، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين ، وفتنتهم إياهم عن الدين ، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه ، حتى أنزل الله عز وجل : " براءة من الله ورسوله " .

وكان عطاء يقول : الآية محكمة ، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم ، ويحلف على ذلك ؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة ، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق .

وروى أبو الزبير عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى .الثالثة : قوله تعالى : " قتال فيه " " قتال " بدل عند سيبويه بدل اشتمال ؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال ، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر ، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه .

قال الزجاج : المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام .

وقال القتبي : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز ؟

فأبدل قتالا من الشهر ، وأنشد سيبويه [ للشاعر عبدة بن الطيب ] :فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدماوقرأ عكرمة : " يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل " بغير ألف فيهما .

وقيل : المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه ، وهكذا قرأ ابن مسعود ، فيكون مخفوضا بعن [ ص: 43 ] على التكرير ، قاله الكسائي .

وقال الفراء : هو مخفوض على نية عن .

وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار .

قال النحاس : لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام ، وإنما الجوار غلط ، وإنما وقع في شيء شاذ ، وهو قولهم : هذا جحر ضب خرب ، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية : هذان : جحرا ضب خربان ، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا ، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها .

قال ابن عطية : وقال أبو عبيدة : هو خفض على الجوار ، وقوله هذا خط .

قال النحاس : ولا يجوز إضمار " عن " ، والقول فيه أنه بدل .

وقرأ الأعرج : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع .

قال النحاس : وهو غامض في العربية ، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه ؟

فقوله : " يسألونك " يدل على الاستفهام ، كما قال امرؤ القيس :أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكللوالمعنى : أترى برقا ، فحذف ألف الاستفهام ؛ لأن الألف التي في " أصاح " تدل عليها وإن كانت حرف نداء ، كما قال الشاعر :تروح من الحي أم تبتكروالمعنى : أتروح ، فحذف الألف لأن " أم " تدل عليها .الرابعة : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير ابتداء وخبر ، أي مستنكر ؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين .

والشهر في الآية اسم جنس ، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده ، فكانت لا تسفك دما ، ولا تغير في الأشهر الحرم ، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ثلاثة سرد وواحد فرد .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في " المائدة " إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : وصد عن سبيل الله ابتداء " وكفر به " عطف على " صد " " والمسجد الحرام " عطف على " سبيل الله " " وإخراج أهله منه " عطف على " صد " ، وخبر الابتداء " أكبر عند الله " أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام ، قاله المبرد وغيره .

وهو الصحيح ، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها .

" وكفر به " أي بالله ، وقيل : " وكفر به " أي بالحج والمسجد الحرام .

" وإخراج أهله منه أكبر " أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام .

وقال الفراء : " صد " عطف على " كبير " [ ص: 44 ] .

" والمسجد " عطف على الهاء في به ، فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع .

قال ابن عطية : وذلك خطأ ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله : " وكفر به " أي بالله عطف أيضا على " كبير " ، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله ، وهذا بين فساده .

ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه ، كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله .

وقال عبد الله بن جحش رضي الله عنه :تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن غيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقددما وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاندوقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير منسوخ بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وبقوله : فاقتلوا المشركين .

وقال عطاء : لم ينسخ ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم ، وقد تقدم .السادسة : قوله تعالى : والفتنة أكبر من القتل قال مجاهد وغيره : الفتنة هنا الكفر ، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك .

وقال الجمهور : معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا ، أي أن ذلك أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام .السابعة : قوله تعالى : " ولا يزالون " ابتداء خبر من الله تعالى ، وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة .

قالمجاهد : يعني كفار قريش .

" يردوكم " نصب بحتى ؛ لأنها غاية مجردة .الثامنة : قوله تعالى : " ومن يرتدد " أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر .

" فأولئك حبطت " أي بطلت وفسدت ، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها ، وربما تموت من ذلك ، فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام .[ ص: 45 ] التاسعة : واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا ؟

وهل يحبط عمله بنفس الردة أم لا ، إلا على الموافاة على الكفر ؟

وهل يورث أم لا ؟

فهذه ثلاث مسائل :الأولى : قالت طائفة : يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وقال بعضهم : ساعة واحدة .

وقال آخرون : يستتاب شهرا .

وقال آخرون : يستتاب ثلاثا ، على ما روي عن عمر وعثمان ، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم .

وقال الحسن : يستتاب مائة مرة ، وقد روي عنه أنه يقتل دون استتابة ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، وهو أحد قولي طاوس وعبيد بن عمير .

وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كان يقول : يقتل المرتد ولا يستتاب ، واحتج بحديث معاذ وأبي موسى ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال : انزل ، وألقى إليه وسادة ، وإذا رجل عنده موثق قال : ما هذا ؟

قال : هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود .

قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، فقال : اجلس .

قال : نعم لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات - فأمر به فقتل ، خرجه مسلم وغيره .

وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه ، إلا أن يطلب أن يؤجل ، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ، والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب .

والزنديق عندهم والمرتد سواء .

وقال مالك : وتقتل الزنادقة ولا يستتابون .

وقد مضى هذا أول " البقرة " .

واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر ، فقال مالك وجمهور الفقهاء : لا يتعرض له ؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه .

وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه يقتل ، لقوله عليه السلام : من بدل دينه فاقتلوه ولم يخص مسلما من كافر .

وقال مالك : معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر ، وأما من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث ، وهو قول جماعة من الفقهاء .

والمشهور عن الشافعي ما ذكره المزني والربيع أن المبدل لدينه من أهل الذمة يلحقه الإمام بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار ؛ لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد .

واختلفوا في المرتدة ، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : تقتل كما يقتل المرتد سواء ، وحجتهم ظاهر الحديث : من بدل دينه فاقتلوه .

و " من " يصلح للذكر والأنثى .

وقال الثوري وأبو حنيفة [ ص: 46 ] وأصحابه : لا تقتل المرتدة ، وهو قول ابن شبرمة ، وإليه ذهب ابن علية ، وهو قول عطاء والحسن .

واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة ، ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله ، وروي عن علي مثله .

ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان .

واحتج الأولون بقوله عليه السلام : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان .

.

.

فعم كل من كفر بعد إيمانه ، وهو أصح .العاشرة : قال الشافعي : إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه ، بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله .

وقال مالك : تحبط بنفس الردة ، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحج ؛ لأن الأول قد حبط بالردة .

وقال الشافعي : لا إعادة عليه ؛ لأن عمله باق .

واستظهر علماؤنا بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك .

قالوا : وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا .

وقال أصحاب الشافعي : بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم!

لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصور إتيانه منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم ؛ ابن العربي .

وقال علماؤنا : إنما ذكر الله الموافاة شرطا هاهنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين ، وحكمين متغايرين .

وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه ، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكان : أحدهما لحرمة الدين ، والثاني لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكل هتك حرمة عقاب ، وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام ، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات .

والله أعلم .[ ص: 47 ] الحادية عشرة : وهي اختلاف العلماء في ميراث المرتد ، فقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه : ميراث المرتد لورثته من المسلمين .

وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور : ميراثه في بيت المال .

وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين : ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين .

وقال أبو حنيفة : ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء ، وما كان مكتسبا في حالة الإسلام ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون ، وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا يفصلون بين الأمرين ، ومطلق قوله عليه السلام : لا وراثة بين أهل ملتين يدل على بطلان قولهم .

وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه ، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال : يرثونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ, لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها, تحريم القتال فيها, وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم, كما يجوز في البلد الحرام.

ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل, لسرية عبد الله بن جحش, وقتلهم عمرو بن الحَضْرَمِيِّ, وأخذهم أموالهم, وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عَيَّرَهُم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم, وكانوا في تعييرهم ظالمين, إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين, قال تعالى في بيان ما فيهم: { وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله, وفتنتهم من آمن به, وسعيهم في ردهم عن دينهم, وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام, والبلد الحرام, الذي هو بمجرده, كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟!

{ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي: أهل المسجد الحرام, وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لأنهم أحق به من المشركين, وهم عُمَّارُهُ على الحقيقة, فأخرجوهم { مِنْهُ } ولم يمكنوهم من الوصول إليه, مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } في الشهر الحرام, فكيف وقد اجتمعت فيهم؟!

فعلم أنهم فسقة ظلمة, في تعييرهم المؤمنين.

ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم, وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم, ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك, ساعون بما أمكنهم, { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } وهذا الوصف عام لكل الكفار, لا يزالون يقاتلون غيرهم, حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا, أهل الكتاب, من اليهود والنصارى, الذين بذلوا الجمعيات, ونشروا الدعاة, وبثوا الأطباء, وبنوا المدارس, لجذب الأمم إلى دينهم, وتدخيلهم عليهم, كل ما يمكنهم من الشبه, التي تشككهم في دينهم.

ولكن المرجو من الله تعالى, الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام, واختار لهم دينه القيم, وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام, وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره, ويجعل كيدهم في نحورهم, وينصر دينه, ويعلي كلمته.

وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار, كما صدقت على من قبلهم: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام, بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، { فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ودلت الآية بمفهومها, أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام, أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي, فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين : سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال له : " سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد : فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منها بخير فلما نظر في الكتاب قال : سمعا وطاعة ثم قال لأصحابه ذلك وقال : إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف .

فبينما هم كذلك إذ مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة فوق ثم أشرفوا عليهم فقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا : لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين [ وهو أول قتيل في الهجرة وأدى النبي صلى الله عليه وسلم دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش .

قال مجاهد وغيره : لأنه كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش عهد وادع أهل مكة سنتين أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه ] واستأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الحرائب وعير بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين وقالوا : يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه!

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه : ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم وقالوا : يا رسول الله إنا قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى؟

وأكثر الناس في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس في الإسلام وقسم الباقي بين أصحاب السرية وكان أول غنيمة في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم ، فقال بل نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فهذا سبب نزول هذه الآية قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام ) يعني رجبا سمي بذلك لتحريم القتال فيه .

( قتال فيه ) أي عن قتال فيه ) ( قل ) يا محمد ( قتال فيه كبير ) عظيم تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال ( وصد عن سبيل الله ) أي فصدكم المسلمين عن الإسلام ( وكفر به ) أي كفركم بالله ( والمسجد الحرام ) أي المسجد الحرام وقيل : وصدكم عن المسجد الحرام ( وإخراج أهله ) أي إخراج أهل المسجد ( منه أكبر ) وأعظم وزرا ( عند الله والفتنة ) أي الشرك الذي أنتم عليه ( أكبر من القتل ) أي من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت الحرام ثم قال : ( ولا يزالون ) يعني مشركي مكة وهو فعل لا مصدر له مثل عسى ) ( يقاتلونكم ) يا معشر المؤمنين ( حتى يردوكم ) يصرفوكم ( عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ) جزم بالنسق ( وهو كافر فأولئك حبطت ) بطلت ) ( أعمالهم ) حسناتهم ( في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أول سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل: «يسألونك عن الشهر الحرام» المحرم «قتال فيه» بدل اشتمال «قل» لهم «قتال فيه كبير» عظيم وزرا مبتدأ وخبر «وصد» مبتدأ منع للناس «عن سبيل الله» دينه «وكفر به» بالله «و» صد عن «المسجد الحرام» أي مكة «وإخراج أهله منه» وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وخبر المبتدأ «أكبر» أعظم وزرا «عند الله» من القتال فيه «والفتنة» الشرك منكم «أكبر من القتل» لكم فيه «ولا يزالون» أي الكفار «يقاتلونكم» أيها المؤمنون «حتى» كي «يردوكم» إلى الكفر «إن استطاعوا ومن يرتدِد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت» بطلت «أعمالهم» الصالحة «في الدنيا والآخرة» فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقيد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي «وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟

قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام.

والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام.

وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك.

ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم في سبيله عقب ذلك ببيان حكم القتال في الأشهر الحرم فقال - تعالى - : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) .

.

.

إلخ .وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير في سبب نزول هذه الآية قصة ملخصها : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر رجلا كلهم من المهاجرين ، وأعطاء كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير يومين ، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحداً من أصحابه .

فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها عيراً لقريش وتعلم لنا من أخبارهم " .فقال عبد الله : سمعا وطاعة!!

وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فيلنهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهض!

فنهضوا جميعاً ، فلما كانوا في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يعتقبانه .

فتخلفا في طلبه ، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا نخلة فمرت عير لقريش في طريقها لمكة وكانت في حراسة عمرو بن الخصومي وعثمان بن المغيرة ، وأخويه نوفل والحكم به كيسان .

فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب .

لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن في الحرم فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام!!

فترددوا وهابوا الإِقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، فرمى " واقد بن عبد الله " عمرو بن الحضرمي يسهم فقتله ، وأسروا عثمان والحكم ، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم .وقيل : كان ذلك في أول ليلة من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادي .

فإقدامهم على ما أقدموا عليه كان على سبيل الخطأ .ثم أقبل عبد الله ومن معه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله وقد عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه وقال لهم : " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا .

وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه القتال في الشهر الحرام ، واشتد ذلك على المسلمين ، حتى أنزل الله تعالى قوله : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ .

.

.

)والمعنى : يسألونك يا محمد عن حكم القتال في الشهر الحرام ، قل لهم .

القتال فيه أمر كبير مستنكر ، وذنب عظيم مستقبح ، لأن فثيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس ، وانتهاك لمحارم الله - تعالى - .والسائلون قيل هم المؤمنون؛ وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعليم والتماس المخرج لما حصل منهم .

وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعبير للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه على القتال فيه فرد الله عليهم بأن القتال فيه كبير ولكن ما فعله هؤلاء المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به .

.

.

الخ أكبر من ذلك بكثير .فالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين .

وتبكيت وتوبيخ إن كان من المشركين ، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروا الشبهات حول الإِسلام والمسلمين ، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من جرائم في حق المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجراً .والمراد بالشهر الحرم جميعها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب .وسميت بذلك لحرمة القتال فيها ، فأل في الشهر للجنس .

وقيل للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذي حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش وأصحابه .وقوله " قتال فيه " بدل اشتمال من الشهر الحرام ، و ( قِتَالٌ ) مبتدأ و ( كَبِيرٌ ) خبر و ( فِيهِ ) ظرف صفة لقتال مخصصة له .قال الإِمام الرازي : فإن قيل : لم نكر القتال في قوله - تعالى - : ( قِتَالٌ فِيهِ ) ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجئ باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور غير الأول كما في قوله - تعالى - : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً .

إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) قلنا : نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني غير الأول .

والقوم أرادوا بقولهم : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ ) ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال - تعالى - ( قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) .

وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو القتال الذي سألتم عنه؛ بل هو قتال آخر؛ لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإِسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟

إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإِسلام وتقوية الكفر؛ فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة .

فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب " .ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التي كل جريمة منها أكبر من القتال في الشهر الحرام الذي فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجلهلهم بالميقات فقال - تعالى - : ( وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله ) .أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال في الشهر الحرام كبير ، ثم قل لهم أيضاً على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه ، ومن شرككم بالله في بيته ، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه ، وتبكيت المشركين على إجرائمهم التي أولها يتمثل في قوله تعالى - : ( وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ) أي : منع من يريد الإِسلام من دخوله ، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإِشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته .وثانيها قوله : ( وَكُفْرٌ بِهِ ) أي : كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على ما قبله .وثالثها قوله : ( والمسجد الحرام ) وهو معطوف على سبيل الله أي : وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار .ورابعها قوله : ( وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ) أي : وإخراج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه ، كل ذلك " أكبر " جرما ، وأعظم إثما ( عِندَ الله ) من القتال في الشهر الحرام .قال الجمل : فقوله " أكبر " خبر عن الثلاثة أعنى : صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان :أحدهما : أن يكون خبراً عن المجموع .وثانيهما : أن يكون خبرا عنهما باعتبار كل واحد كما تقول : زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أي : كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد ، وهذا هو الظاهر .

والمفضل عليه محذوف أي : أكبر مما فعلته السرية " .ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائهم السابقة جريمة خامسة فقال : ( والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل ) أي : ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتال في الشهر الحرام ، لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة .وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر .

أي : كفركم بالله أكبر من القتل في الشهر الحرام .وأصيل الفتنة : عرض الذهب على النار ، لاستخلاصه من الغش ، ثم استعملت في الشرك وفي الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد .ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عندما قالوا : استحل محمد وأصحابه القتال في الشهر الحرام .تعدون قتلا في الحرام عظيمة ...

وأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمد ...

وكفر به ، والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهله ...

لئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن عيَّر تُمونا بقتله ...

وأرجف بالإِسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنا ...

بنخلة لما أوقد الحرب واقددماً ، وابن عبد الله عثمان بيننا ...

ينازعه غل من القد عاندوقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ) بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها .أي : ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكي يرجعوكم عن دين الإِسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه .

والتعبي بقوله ( وَلاَ يَزَالُونَ ) المفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع وأنهم لن يكفوا عن الإِعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم .و ( حتى ) للتعليل أي : ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) لكي ( يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ) أو بمعنى إلى ، أي : إلى أن يردوكم عن دينكم .

والرد : الصرف عن الشيء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك : فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين .وقوله : ( إِن اسْتَطَاعُواْ ) يدل - كما يقول الزمخشري - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق على .وهو واثق من أنه لن يظفر به .

ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك .وفائدة التقييد بالشرط " إن " التنبيه على سخافة عقول المشركين ، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدي إلى النتيجة التي يتمنونها وهي رد السملمين عن دينهم ، لأن لهذا الدين ربا يحميه ، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإِسلام فقال : ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر .و ( حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) أي : بطلت وفسدت وأصله من الحبط ، بفتح الباء - وهو أن تأكل الدابة أكلا كثيراً تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها وربما تموت من ذلك .

شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بارتداده فتكون وبالا عليه ، بحال الدابة التي أكلت حتى أصابها الحبط ففسد حالها .والمعنى : ومن يرتدد منكم عن دين الإِسلام ، فيمت وهو كافر دون أن يعود إلى الإِيمان فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلبت جميع أعمالهم الصالحة ، وصارت غير نافعة لهم لا في الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة المسلمين ، ولا في الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر ، وأولئك الذين هذا شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلوداً أبدياً كسائر الكفرة ، ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً .وجيء بصيغة الافتعال من الردة وهي مؤذنة بالتكلف ، للإِشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه ، فهذا المرتد لم يكن مستقراً على هذا الدين الحق وإنما قلقاً مضطرباً غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول في الدين الحق دون الثبات عليه .وفي قوله : ( مِنْكُمْ ) إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهي أن يردوا المسلمين جميعاً عن دينهم .

بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا ضعيف الإِيمان فيردوه إلى دينهم ، فيكون الله - تعالى - قد نفى خبثه عن هذا الدين ، إذ لا خير في هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه ، والكل مأواهم النار وبئس القرار .قال الجمل : ومن شرطية في محل رفع بالابتداء ، يرتدد فعل الشرط ، ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن في يرتدد؛ ومن للتبعيض .

والتقدير : ومن يرتدد في حال كونه كائناً منكم أي بعضكم ، وعن دينه متعلق بيرتدد ، وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب ، وقوله : ( وَهُوَ كَافِرٌ ) جملة حالية من ضمير بمت .

وقوله : فأولئك جواب اشرط .وقوله : وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإِخبار بأنهم أصحاب النار أو معطوف على جواب الشرط .

.

" .وفي الإِتيان باسم الإِشارة " أولئك " في الموضعين تنبيه إلى أنهم أحرياء بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر .وفي التنصيص على حبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم ، فهم في الدنيا - بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت ، والدفن في مقابر المسلمين ، ومن طلاق زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين ، أما في الآخرة فشأنهم شأن الكافرين في ملازمتهم للنار .

هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من من هذه الآية الكريمة .1 - حرمة القتال في الشهر الحرام ، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ ، وأنه لا حرج في قتال المشركين في الأشهر الحرم لقوله - تعالى - : ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) فإن المراد بالأشهر الحرم هنا : هي أشهر العهد الأربعة التي أبيح للمشركين السياحة فيها في الأرض ، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة ، فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأزمنة والأمكنة .

وأيضاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وثقيف وأرسل بعض أصحابه إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين ، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم ، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم .قال الآلوسي : وخالف عطاء في ذلك ، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله - تعالى -ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمراً إلى يوم القيامة ، والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار " .وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال : ومهما يكن فإن القتال في الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه .

ولقد قال جابر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يُغزَى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ .ولقد قال بعض العلماء : إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ) وبقتال النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه .

والحقيقة أنه لم يثبت ناسخ صريح في النسخ فإن قوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ) العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختاراً قط ، والتحريم في الاختيار والابتداء كما بينا لا في البقاء والاضطرار ، لذا قال - سبحانه - :( فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) ولأن الأشهر الحرم نص عليها في خطبة الوداع وكل ما جاء فيها غير منسوخ " .2 - كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط العمل في الدنيا سواء أمات المرتد على كفره أم عاد إلى الإِسلام قبل موته بدليل قوله - تعالى - في آية أخرى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) فقد علق الحبوط بمجرد الشرك ، والخطاب وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم فالمراد أمته لاستحالة الشرك عليه .

وعلى هذا الرأي سار المالكية والأحناف .ويرى الشافعية أن الردة تحبط العمل في الدنيا متى مات المرتد كافراً ، لأن الآية تقول : ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ويظهر أثر الخلاف فيمن حج مسلما ، ثم أرتد ثم أسلم ، فالأحناف والمالكية يوجبون عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت حجه .

والشافعية يقولون : لا حج عليه لأن حجه قد سبق والردة لا تحبط العمل إلا إذا مات الشخص كافراً .ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول: الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع؟

فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين.

الفريق الثاني: وهم أكثر المفسرين: رووا عن ابن عباس أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، وبعد سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، وكتب له كتاباً وعهداً ودفعه إليه، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه: أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد الله: سمعاً وطاعة لأمره فقال لأصحابه: من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضجت قريش وقالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، والمسلمون أيضاً قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام»، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه: أحدها: أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين.

وثانيها: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ وهو خطاب مع المسلمين وقوله: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ  فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ .

وثالثها: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام ﴾ .

والقول الثاني: أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا: سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ ﴾ أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ  ﴾ فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى: ﴿ قُتِلَ أَصْحَٰبُ ٱلْأُخْدُودِ  ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ  ﴾ وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير: يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ  ﴾ وقرأ عكرمة ﴿ قَتْلَ فِيهِ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ قِتَالٌ فِيهِ ﴾ مبتدأ و ﴿ كَبِيرٌ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ قِتَالٌ ﴾ وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله: ﴿ كَبِيرٌ ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  ﴾ .

فإن قيل: لم نكر القتال في قوله تعالى: ﴿ قِتَالٌ فِيهِ ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً  ﴾ .

قلنا: نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ ﴾ ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، فقال تعالى: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، وباطنه يكون موافقاً للحق، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب.

المسألة الثانية: اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال: حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع، روى جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟

قال نعم، قال أبو عبيد: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز.

والحجة في إباحته قوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، والذي عندي أن قوله تعالى: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فرداً واحداً، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقاً في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: للنحويين في هذه الآية وجوه: الأول: قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج، أن قوله: ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ كلها مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله: ﴿ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ والمعنى: أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان كبيراً، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذراً ظاهراً، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أنفسكم  ﴾ ، ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ وهذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ وذكروا فيه وجهين: أحدهما: أنه عطف على الهاء في به والثاني: وهو قول الأكثرين: أنه عطف على ﴿ سَبِيلِ الله ﴾ قالوا: وهو متأكد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام  ﴾ .

واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال: مررت به وعمرو، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية: صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فقوله: عن المسجد الحرام صلة للصد، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزاً.

أجيب عن الأول: لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير: وكفر به وبالمسجد الحرام، والإضمار في كلام الله ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام  ﴾ على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا: لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه هاهنا لوجهين: الأول: أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني: أن موضع قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ عقيب قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدًا  ﴾ كان من حق الكلام أن يقال: ولم يكن له أحد كفواً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ عطف بالواو على الشهر الحرام، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما: أن قوله: ﴿ قِتَالٌ فِيهِ ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ خبر بعد خبر، والتقدير: إن قتلاً فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر بالله.

والطريق الثاني: أن يكون قوله: ﴿ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ جملة مبتدأ وخبر، وأما قوله: ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فهو مرفوع بالابتداء، وكذا قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره قولك: زيد منطلق وعمرو، تقديره: وعمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا: أما قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً بالله، وهو خطأ بالإجماع، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ ﴾ أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع.

وأقول: للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً.

قلنا: يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفراً ونحن نقول به، لأن النكرة في الإثبات لا تفيد العموم، وعندنا أن قتالاً واحداً في المسجد الحرام كفر، ولا يلزم أن كل قتال كذلك، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر، قلنا: المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام والصحابة، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفراً فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلماً وكفراً، أكبر وأقبح عند الله مما يكون كفراً وحده، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء.

القول الثالث: في الآية قوله: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سبيل الله وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ وجهه ظاهر، وهو أن قتالاً فيه موصوف بهذه الصفات، وأما الخفض في قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزناً.

المسألة الثانية: أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه: أحدها: أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام.

وثانيها: صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام.

وثالثها: صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت، ولقائل أن يقول: الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلاً للرسل، مستحقاً للعبادة، قادراً على البعث، وأما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فإن عطفناه على الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ كان المعنى: وكفر بالمسجد الحرام، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع، ومن قال: إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى: وصد عن المسجد الحرام، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد، بل من مكة، وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون  ﴾ فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام، وهذا تفريع على قول الزجاج، وإنما قلنا: إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين: أحدهما: أن كل واحد من هذه الأشياء كفر، والكفر أعظم من القتال والثاني: أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر.

أما قوله تعالى: ﴿ والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل ﴾ فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما: هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين، وهو عندي ضعيف، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك، فإنه تعالى قال: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَر ﴾ فحمل الفتنة على الفكر يكون تكراراً، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء.

والقول الثاني: أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم، وتارة بالتعذيب، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ  ﴾ أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده، فصار ذلك مانعاً له عن الإنفاق، وقال تعالى: ﴿ الٓمٓ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  ﴾ أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء، وقال: ﴿ وفتناك فُتُوناً  ﴾ وإنما هو الامتحان بالبلوى، وقال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله  ﴾ والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال: ﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ  ﴾ والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم، وقال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ  إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وقال: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة  ﴾ أي المحنة في الدين وقال: ﴿ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ  ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين  ﴾ والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ  بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ  ﴾ قيل: المفتون المجنون، والجنون فتنة، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول.

فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان، وإنما قلنا: إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.

روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال: ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ والمعنى ظاهر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما زال يفعل كذا، ولا يزال يفعل كذا، قال الواحدي: هذا فعل لا مصدر له، ولا يقال منه: فاعل ولا مفعول، ومثاله في الأفعال كثير نحو ﴿ عَسَى ﴾ ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك: ذو، وما فتئ، وهلم، وهاك، وهات، وتعال، ومعنى: ﴿ لا يَزَالُونَ ﴾ أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه: ما، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى: ليردوكم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليِّ وهو واثق بأنه لا يظفر به.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ ﴾ أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني: وهو أكثر في اللغة من الإدغام، وقوله: ﴿ فَيَمُتْ ﴾ هو جزم بالعطف على ﴿ يَرْتَدِدْ ﴾ وجوابه ﴿ فَأولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ .

المسألة الثانية: لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم، ذكر بعده وعيداً شديداً على الردة، فقال: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة ﴾ واستوجب العذاب الدائم في النار.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة، فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه، قالوا: لأن من كان مؤمناً ثم ارتد والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال: إن الطارئ يزيل السابق وهذا محال لوجوه: أحدها: أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارئ، فليس كون الطارئ مزيلاً للسابق أولى من كون السابق دافعاً للطارئ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.

وثانيها: أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين، كان شرط طريان الطارئ زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال.

وثالثها: أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارئ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع، وإن ازداد أحدهما على الآخر، فلنفرض أن السابق أزيد، فعند طريان الطارئ لا يزول إلا ما يساويه، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية، فيكون ذلك ترجيحاً من غير مرجح وهو محال، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارئ الزائد، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارئ دون البعض، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحاً للمثل من غير مرجح وهو محال، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمناً ثم كفر، فذلك الإيمان السابق، وإن كنا نظنه إيماناً إلا أنه ما كان عند الله إيماناً، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيماناً، والكفر كفراً، وهذا هو الذي دلت الآية عليه، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت المرتد على تلك الردة.

أما البحث الفروعي: فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال الشافعي رحمه الله: لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج، حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ شرط في حبوط العمل أن يموت وهو كافر، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط، فوجب أن لا يصير عمله محبطاً، فإن قيل: هذا معارض بقوله: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ لا يقال: حمل المطلق على المقيد واجب.

لأنا نقول: ليس هذا من باب المطلق والمقيد، فإنهم أجمعوا على أن من علق حكماً بشرطين، وعلقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجد، كمن قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة: لا يبطل واحد منهما، بل إذا جاء يوم الخميس عتق، ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الأول.

والسؤال الثاني: عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية، ونحن نقول به فإن من جملة هذه الأحكام: الخلود في النار وذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط، وإنما الخلاف في حبط الأعمال، وليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه.

والجواب: أن هذا من باب المطلق والمقيد لا من باب التعليق بشرط واحد وبشرطين، لأن التعليق بشرط وبشرطين إنما يصح لو لم يكن تعليقه بكل واحد منهما مانعاً من تعليقه بالآخر، وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً في شيء من الأوقات، فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب المطلق والمقيد.

وأما السؤال الثاني: فجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، وإنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة، وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك وفي الحديث وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

المسألة الثانية: المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال، وإعدام المعدوم محال، ثم اختلف المتكلمون فيه، فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولاً بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي، وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل يستفيد منه أعظم المضار يقال: إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة، ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط، إما أن يكون حقيقة في لفظ الإحباط، وإما أن لا يكون، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير إليه، وإن كان مجازاً وجب المصير إليه، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال.

المسألة الثالثة: أما حبوط الأعمال في الدنيا، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين، ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا ﴾ أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالإنتقال عن دينهم يبطل كله، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة، وعند المنكرين لذلك معناه: أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثواباً ونفعاً في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى: ﴿ وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، وعن ابن عباس رضي الله عنه: لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة.

والمعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام.

و ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ عن قتال فيه ﴾ ، على تكرير العامل، كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ﴾ [الأعراف: 75] وقرأ عكرمة: ﴿ قتل فيه قل قتل فيه كبير ﴾ ، أي إثم كبير.

وعن عطاء: أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام؟

فحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت.

وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] .

﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ مبتدأ وأكبر خبره، يعني وكبائر قريش من صدّهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول الله والمؤمنون ﴿ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن أعما ﴿ والفتنة ﴾ الإخراج أو الشرك.

والمسجد الحرام: عطف على سبيل الله، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في ﴿ بِهِ ﴾ .

﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم ﴾ إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى معناها التعليل كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونكم كي يردّوكم.

و ﴿ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليَّ.

وهو واثق بأنه لا يظفر به ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ ﴾ ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه ﴿ فَيَمُتْ ﴾ على الردّة ﴿ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة ﴾ لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة.

وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها.

وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلمًا.

﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ ﴾ روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت ﴿ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله ﴾ وعن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون.

وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ ﴾ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ابْنَ عَمَّتِهِ عَلى سَرِيَّةٍ في جُمادى الآخِرَةِ.

قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.

لِيَتَرَصَّدَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ وثَلاثَةٌ مَعَهُ، فَقَتَلُوهُ وأسَرُوا اثْنَيْنِ واسْتاقُوا العِيرَ وفِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ، وكانَ ذَلِكَ غُرَّةَ رَجَبٍ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ، ويَنْذَعِرُ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ.

وشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ وقالُوا ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا، ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ  العِيرَ والأسارى) .» وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  الغَنِيمَةَ وهي أوَّلُ غَنِيمَةٍ في الإسْلامِ» والسّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ كَتَبُوا إلَيْهِ في ذَلِكَ تَشْنِيعًا وتَعْيِيرًا وقِيلَ أصْحابُ السَّرِيَّةِ.

﴿ قِتالٍ فِيهِ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ.

وقُرِئَ « عَنْ قِتالٍ» بِتَكْرِيرِ العامِلِ.

﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ أيْ ذَنَبٌ كَبِيرٌ، والأكْثَرُ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ خِلافًا لِعَطاءٍ وهو نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ وفِيهِ خِلافٌ، والأوْلى مَنعُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ مُطْلَقًا فَإنَّ ﴿ قِتالٍ فِيهِ ﴾ نَكِرَةٌ في حَيِّزٍ مُثْبَتٍ فَلا يَعُمُّ.

﴿ وَصَدٌّ ﴾ صَرْفٌ ومَنعٌ.

﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيِ الإسْلامِ أوْ ما يُوصِلُ العَبْدَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أيْ بِاللَّهِ.

﴿ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ عَلى إرادَةِ المُضافِ أيْ وصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ كَقَوْلِ أبِي دُؤادٍ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً...

ونارٌ تُوقِدُ بِاللَّيْلِ نارا وَلا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ عَلى ﴿ وَصَدٌّ ﴾ مانِعٌ مِنهُ إذْ لا يَتَقَدَّمُ العَطْفُ عَلى المَوْصُولِ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ ولا عَلى الهاءِ في ﴿ بِهِ ﴾ ، فَإنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ بِإعادَةِ الجارِّ.

﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ ﴾ أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ وهُمُ النَّبِيُّ  والمُؤْمِنُونَ.

﴿ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً وبِناءً عَلى الظَّنِّ، وهو خَبَرٌ عَنِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَعْدُودَةِ مِن كَبائِرِ قُرَيْشٍ.

وأفْعَلُ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

﴿ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ أيْ ما تَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الإخْراجِ والشِّرْكِ أفْظَعُ مِمّا ارْتَكَبُوهُ مِن قَتْلِ الحَضْرَمِيِّ.

﴿ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ ﴾ إخْبارٌ عَنْ دَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ لَهم وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِكَ أعْبُدُ اللَّهَ حَتّى أدْخُلَ الجَنَّةَ.

﴿ إنِ اسْتَطاعُوا ﴾ وهو اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ كَقَوْلِ الواثِقِ بِقُوَّتِهِ عَلى قَرْنِهِ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وإيذانٌ بِأنَّهم لا يَرُدُّونَهم.

﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ قَيَّدَ الرِّدَّةَ بِالمَوْتِ عَلَيْها في إحْباطِ الأعْمالِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ بِها الأعْمالُ النّافِعَةُ.

وقُرِئَ « حَبَطَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ فِيهِ.

في الدُّنْيا لِبُطْلانِ ما تَخَيَّلُوهُ وفَواتِ ما لِلْإسْلامِ مِنَ الفَوائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والآخِرَةِ بِسُقُوطِ الثَّوابِ.

﴿ وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ونزل فى سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف {يسألونك عَنِ الشهر الحرام} أي يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام {قِتَالٍ فِيهِ} بدل الاشتمال من الشهر وقرىء عن قتال فيه على تكرير العامل كقوله للذين استضعفوا لمن آمن منهم {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي إثم كبير قتال مبتدأ وكبير خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنها وقد وصفت بغيه وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله} أي منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو متبدأ {وكفر به}

أى بالله عطف عليه {والمسجد الحرام} عطف على سبيل الله أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا تقول مررت به وزيد ولكن تقول وبزيد ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد الحرام {وإخراج أهله} أى أهل المسجد الحرم وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وهو عطف عليه أيضاً {مِنْهُ} من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة {أَكْبَرُ عِندَ الله} أي مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن {والفتنة} الإخراج أو الشرك {أَكْبَرُ مِنَ القتل} في الشهر الحرام أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحاً من قتل هؤلاء المسلمين في الشهر الحرام {وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} أي إلى الكفر وهو إخبار

عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم وحتى معناها التعليل نحو فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة أي يقاتلونكم كي يردوكم وقوله تعالى {إن استطاعوا} استبعاد لا ستطاعتهم كقولك لعدوك إن ظفرت بي فلا تبق علي وأنت واثق بأنه لا يظفر بك {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} ومن يرجع عن دينه إلى دينهم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} أي يمت على الردة {فأولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة} لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب {وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} وبها احتج الشافعي رحمه الله على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها وقلنا قد علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حبط عمله} والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد وعنده يحمل عليه فهو بناء على هذا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ رُومانَ عَنْ عُرْوَةَ، قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وهو ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى نَخْلَةَ، فَقالَ: كُنْ بِها حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ قُرَيْشٍ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِقِتالٍ، وذَلِكَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَهُ أيْنَ يَسِيرُ، فَقالَ: اخْرُجْ أنْتَ وأصْحابُكَ حَتّى إذا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فافْتَحْ كِتابَكَ، وانْظُرْ فِيهِ فَما أمَرْتُكَ بِهِ فامْضِ لَهُ، ولا تَسْتَكْرِهْ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى الذَّهابِ مَعَكَ، فَلَمّا سارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ: ”أنِ امْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ فَأْتِنا مِن أخْبارِ قُرَيْشٍ، بِما اتَّصَلَ إلَيْكَ مِنهُمْ“ فَقالَ لِأصْحابِهِ - وكانُوا ثَمانِيَةً - حِينَ قَرَأ الكِتابَ: سَمْعًا وطاعَةً، مَن كانَ مِنكم لَهُ رَغْبَةٌ في الشَّهادَةِ، فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي، فَإنِّي ماضٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ومَن كَرِهَ ذَلِكَ مِنكم فَلْيَرْجِعْ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ نَهانِي أنْ أسْتَكْرِهَ مِنكم أحَدًا، فَمَضى مَعَهُ القَوْمُ حَتّى إذا كانُوا بِبَخْرانَ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَعْتَقِبانِهِ، فَتَخَلَّفا عَلَيْهِ يَطْلُبانِهِ، ومَضى القَوْمُ حَتّى نَزَلُوا نَخْلَةَ، فَمَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَعَهم تِجارَةٌ قَدْ مَرُّوا بِها مِنَ الطّائِفِ أدُمٌ وزَبِيبٌ، فَلَمّا رَآهُمُ القَوْمُ أشْرَفَ لَهم واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وكانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَما رَأوْهُ حَلِيقًا قالُوا: عُمّارُ لَيْسَ عَلَيْكم مِنهم بَأْسٌ، وأْتَمَرَ القَوْمُ بِهِمْ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وكانَ آخِرَ يَوْمٍ مِن جُمادى، فَقالُوا: لَئِنْ قَتَلْتُمُوهم إنَّكم لَتَقْتُلُونَهم في (الشَّهْرِ الحَرامِ)، ولَئِنْ تَرَكْتُمُوهم لَيَدْخُلُنَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ - مَكَّةَ الحَرامَ - فَلَيَتَمَنَّعَنَّ مِنكُمْ، فَأجْمَعَ القَوْمُ عَلى قَتْلِهِمْ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّهْمِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ وأعْجَزَهم واسْتاقُوا العِيرَ فَقَدِمُوا بِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُمْ: واللَّهِ ما أمَرْتُكم بِقِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأوْقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأسِيرَيْنِ والعِيرَ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنها شَيْئًا، فَلَمّا قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما قالَ سُقِطَ في أيْدِيهِمْ، وظَنُّوا أنْ قَدْ هَلَكُوا وعَنَّفَهم إخْوانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ - حِينَ بَلَغَهم أمْرُ هَؤُلاءِ -: قَدْ سَفَكَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الدَّمَ الحَرامَ، وأخَذَ المالَ وأسَرَ الرِّجالَ، واسْتَحَلَّ الشَّهْرَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - العِيرَ وفَدى الأسِيرَيْنِ”،» وفي سِيرَةِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ: إنَّ ذَلِكَ في رَجَبَ، وأنَّهم لَقُوا أُولَئِكَ في آخِرِ يَوْمٍ مِنهُ، وفي رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ: «“أنَّهُ لَمّا بَلَغَ كُفّارَ قُرَيْشٍ تِلْكَ الفِعْلَةُ رَكِبَ وفْدٌ مِنهم حَتّى قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: أيَحِلُّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - الآيَةَ”،» ومِن هُنا قِيلَ: السّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وأُيِّدَ بِأنَّ ما سَيَأْتِي مِن ذِكْرِ الصَّدِّ والكُفْرِ والإخْراجِ أكْبَرُ شاهِدِ صِدْقٍ عَلى ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ تَعْرِيضًا بِهِمْ مُوافِقًا لِتَعْرِيضِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، واخْتارَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ، قالُوا: وأكْثَرُ الرِّواياتِ تَقْتَضِيهِ، ولَيْسَ الشّاهِدُ مُفْصِحًا بِالمَقْصُودِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ رَجَبُ أوْ جُمادى فَـ(أْل) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والكَثِيرُ والأظْهَرُ أنَّها لِلْجِنْسِ، فَيُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ، وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ، وسُمِّيَتْ (حُرُمًا) لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيها، والمَعْنى يَسْألُونَكَ - أيِ - المُسْلِمُونَ أوِ الكُفّارُ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ عَلى أنَّ قِتالٍ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمالِ مِنَ الشَّهْرِ؛ لِما أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ مُشَوِّقٌ إلى الثّانِي مُلابِسٌ لَهُ بِغَيْرِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، ولِما كانَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً أوْ عامِلَةً صَحَّ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ التَّوْصِيفِ إنَّما هو في بَدَلِ الكُلِّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرِّضى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: (عَنْ قِتالٍ)، وهو أيْضًا بَدَلُ اشْتِمالٍ إلّا أنَّهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (قَتْلٍ فِيهِ)، وكَذا في ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ أيْ: عَظِيمِ وزْرًا، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِحُرْمَةِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأنَّ ما اعْتُقِدَ مِنَ اسْتِحْلالِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - القِتالَ فِيهِ باطِلٌ، وما وقَعَ مِن أصْحابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، وهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ - بَلْ مَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ - كَما في الحَدِيثِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ أشْهَرٌ مُعَيَّنَةٌ أُبِيحَ لِلْمُشْرِكِينَ السِّياحَةُ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ مِن كُلِّ سَنَةٍ، فالتَّقْيِيدُ بِها يُفِيدُ أنَّ قَتْلَهم بَعْدَ انْسِلاخِها مَأْمُورٌ بِهِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، وهو نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ، وساداتُنا الحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِهِ، وأمّا الشّافِعِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إنَّ الخاصَّ سَواءٌ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى العامِّ أوْ مُتَأخِّرًا عَنْهُ مُخَصَّصٌ لَهُ؛ لِكَوْنِ العامِّ عِنْدَهم ظَنِّيًّا، والظَّنِّيُّ لا يُعارِضُ القَطْعِيَّ، وقالَ الإمامُ: الَّذِي عِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ القِتالِ مُطْلَقًا في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لِأنَّ القِتالَ فِيها نَكِرَةٌ في حَيِّزٍ مُثْبَتٍ فَلا تَعُمُّ، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى القَوْلِ بِالنَّسْخِ، واعْتُرِضَ بِأنَّها عامَّةٌ لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِوَصْفٍ عامٍّ أوْ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ولَوْ سُلِّمَ فَقِتالُ المُشْرِكِينَ مُرادٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ حَرامٌ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ، وفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجارُّ ظَرْفًا لَغْوًا، ولَوْ سُلِّمَ عُمُومُ الوَصْفِ، بَلْ هو مُخَصَّصٌ لَها بِالقِتالِ الواقِعِ في الشَّهْرِ الحَرامِ المُعَيَّنِ، والوَصْفُ المُفِيدُ لِلْعُمُومِ هو الوَصْفُ المُساوِي عُمُومُهُ عُمُومَ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وكَوْنُ الأصْلِ مُطابَقَةُ الجَوابِ لِلسُّؤالِ قَرِينَةٌ عَلى الخُصُوصِ، وكَوْنُ المُرادِ قِتالَ المُشْرِكِينَ عَلى عُمُومِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ في القِتالِ المَخْصُوصِ ولَوْ سُلِّمَ عُمُومُها في السُّؤالِ، فَلا نُسَلِّمُ عُمُومَها في الجَوابِ، بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ أنَّ النَّكِرَةَ المَذْكُورَةَ إذا أُعِيدَ ذِكْرُها يُعادُ مُعَرَّفًا؛ نَحْوَ: سَألَتْنِي عَنْ رَجُلٍ والرَّجُلُ كَذا وكَذا، فَفي تَنْكِيرِها هُنا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ كُلَّ قِتالٍ حُكْمُهُ هَذا، فَإنَّ قِتالَ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ هَذا حُكْمُهُ، فَقَدْ «قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:“أُحِلَّتْ لِيَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ» وحُرْمَةُ قِتالِ المُسْلِمِينَ مُطْلَقًا لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ قِتالَ أهْلِ البَغْيِ يَحِلُّ وهم مُسْلِمُونَ، فالإنْصافُ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، نَعَمْ هو مُمْكِنٌ وبِهِ قالَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، كَما رَواهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: هَذا شَيْءٌ مَنسُوخٌ، ولا بَأْسَ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وخالَفَ عَطاءً في ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ، إلّا أنْ يُقاتَلُوا فِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ حُكْمًا مُسْتَمِرًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والأُمَّةُ اليَوْمَ عَلى خِلافِهِ في سائِرِ الأمْصارِ.

﴿ وصَدٌّ ﴾ أيْ: مَنعٍ وصَرْفٍ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهو (الإسْلامُ) قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ (الحَجُّ) قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، أوِ (الهِجْرَةُ) كَما قِيلَ، أوْ (سائِرُ ما يُوصِلُ العَبْدَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ)، فالإضافَةُ إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، ﴿ وكُفْرٌ بِهِ ﴾ أيْ: بِاللَّهِ أوْ بِسَبِيلِهِ، ﴿ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ اخْتارَ أبُو حَيّانَ عَطْفَهُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وإنْ لَمْ يَعُدِ الجارُّ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ ويُونُسُ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو شائِعٌ في لِسانِ العَرَبِ نَظْمًا ونَثْرًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهو لازِمٌ مِنَ العَطْفِ، وفِيهِ بَحْثٌ؛ إذِ الكُفْرُ قَدْ يُنْسَبُ إلى الأعْيانِ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ المُتَعَلِّقِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ﴾ واخْتارَ القاضِي تَقْدِيرَ مُضافٍ مَعْطُوفٍ عَلى صَدٌّ أيْ: وصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ عَنِ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ حَذْفَ المُضافِ وإبْقاءَ المُضافِ إلَيْهِ بِحالِهِ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، ورُدَّ بِمَنعِ الإطْلاقِ، فَفي التَّسْهِيلِ: إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ إثْرَ عاطِفٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أوْ مَفْصُولٍ بِلا سَبْقٍ بِمُضافٍ مِثْلَ المَحْذُوفِ لَفْظًا ومَعْنًى، جازَ حَذْفُ المُضافِ وإبْقاءُ المُضافِ إلَيْهِ عَلى انْجِرارِهِ قِياسًا؛ نَحْوَ: (ما مِثْلَ زَيْدٍ وأبِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ)؛ أيْ: مِثْلَ أبِيهِ، ونَحْوَ: (ما كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةٌ ولا بَيْضاءَ شَحْمَةٌ)، وإذا انْتَفى واحِدٌ مِنَ الشُّرُوطِ كانَ مَقْصُورًا عَلى السَّماعِ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ سَبَقَ إضافَةُ مِثْلِ ما حُذِفَ مِنهُ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَطْفَهُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَطْفَ ﴿ وكُفْرٌ بِهِ ﴾ عَلى وصَدٌّ مانِعٌ مِن ذَلِكَ؛ إذْ لا يُقَدَّمُ العَطْفُ عَلى المَوْصُولِ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ، وذُكِرَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنَّ ﴿ وكُفْرٌ بِهِ ﴾ في مَعْنى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فالعَطْفُ عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أعْنِي كُفْرًا بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، والفاصِلُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، ثانِيهِما أنَّ مَوْضِعَ ﴿ وكُفْرٌ بِهِ ﴾ عَقِيبَ والمَسْجِدِ الحَرامِ إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِفَرْطِ العِنايَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ حَيْثُ كانَ مِن حَقِّ الكَلامِ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ.

ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أُولى؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لا يُزِيلُ مَحْذُورَ الفَصْلِ ويَزِيدُ مَحْذُورًا آخَرَ، واخْتارَ السَّجاوَنْدِيُّ العَطْفَ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ وضُعِّفَ بِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَسْألُوا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ؛ أيْ: ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ وبَقاءَ عَمَلِهِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ إلّا في الشِّعْرِ، وقِيلَ: إنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وقَعَتْ في أثْناءِ الكَلامِ، وهو كَما تَرى.

﴿ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ ﴾ وهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ، وإنَّما كانُوا أهْلَهُ؛ لِأنَّهُمُ القائِمُونَ بِحُقُوقِهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَصِيرُونَ أهْلَهُ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

﴿ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ خَبَرٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ مِن كَبائِرِ قُرَيْشٍ، و(أفْعَلُ) مَن يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ المَذْكُورُ والمُؤَنَّثُ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً في الِاجْتِهادِ، ووُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في ذَلِكَ الفِعْلِ مَبْنِيٌّ عَلى الزَّعْمِ.

﴿ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ لِلتَّأْكِيدِ عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ الحُكْمِ الكُلِّيِّ عَلى الجُزْئِيِّ؛ أيْ: ما يُفْتَنُ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُعَذَّبُونَ بِهِ لِيَكْفُرُوا ﴿ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِنَ القَتْلِ وما ذُكِرَ سابِقًا داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ الكُفْرُ، والكَلامُ كُبْرى لِصُغْرى مَحْذُوفَةٌ، وقَدْ سِيقَ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ السّابِقِ ﴿ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى يَسْألُونَكَ بِجامِعِ الِاتِّحادِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ إنْ كانَ السّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ إنْ كانَ السّائِلُونَ غَيْرَهُمْ، والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِدَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ تَحْذِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، وإيقاظًا لَهم إلى عَدَمِ المُبالاةِ بِمُوافَقَتِهِمْ في بَعْضِ الأُمُورِ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لا يَزالُونَ يُعادُونَكم لِكَيْ يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطاعُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، والتَّعْبِيرُ بِأنَّ لِاسْتِبْعادِ اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّها لا تَجُوزُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، كَما يُفْرَضُ المُحالُ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، وكَوْنُ دَوامِ عَداوَتِهِمْ فِعْلًا عَبَثًا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الغَرَضُ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ(لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ)؛ إذْ لا مَعْنى لِدَوامِهِمْ عَلى العَداوَةِ إنِ اسْتَطاعُوها لَكِنَّها مُسْتَبْعَدَةٌ.

وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ حَتّى لِلْغايَةِ، والتَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ حِينَئِذٍ لِإفادَةِ أنَّ الغايَةَ مُسْتَبْعَدَةُ الوُقُوعِ والتَّقْيِيدُ بِالغايَةِ المُمْتَنِعُ وُقُوعُها شائِعٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ وفِيهِ أنَّ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ الغايَةِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ انْقِطاعِ العَداوَةِ، وقَدْ أفادَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والقَوْلُ بِالتَّأْكِيدِ غَيْرُ أكِيدٍ، نَعَمْ يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الغايَةِ لَوْ أُرِيدَ مِنَ المُقاتَلَةِ مَعْناها الحَقِيقِيُّ، ويَكُونُ الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِـ(لا يَزالُونَ) فَيُفِيدُ التَّقْيِيدُ أنَّ تَرْكَهُمُ المُقاتِلَةَ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ، إلّا أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَذَلًا كَما لا يَخْفى.

﴿ ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ الحَقِّ بِإضْلالِهِمْ وإغْوائِهِمْ أوِ الخَوْفِ مِن عَداوَتِهِمْ ﴿ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ ﴾ بِأنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الإسْلامِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتَّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِارْتِدادِ والمَوْتِ عَلى الكُفْرِ وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ في الشَّرِّ والفَسادِ، والجَمْعُ والإفْرادُ نَظَرًا لِلَّفْظِ والمَعْنى ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ أيْ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الحَسَنَةُ الَّتِي عَمِلُوها في حالَةِ الإسْلامِ فاسِدَةً بِمَنزِلَةِ ما لَمْ تَكُنْ، قِيلَ: وأصْلُ الحَبَطِ فَسادٌ يَلْحَقُ الماشِيَةَ لِأكْلِ الحُباطِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الكَلَأِ مُضِرٌّ، وفي النِّهايَةِ أحْبَطَ اللَّهُ - تَعالى - عَمَلَهُ أبْطَلَهُ، يُقالُ: حَبِطَ عَمَلُهُ وأحْبَطَ وأحْبَطَهُ غَيْرُهُ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: حَبِطَتِ الدّابَّةُ حَبَطا بِالتَّحْرِيكِ إذا أصابَتْ مَرْعًى طَيِّبًا فَأفْرَطَتْ في الأكْلِ حَتّى تَنْتَفِخَ فَتَمُوتَ، وقُرِئَ: (حَبَطَتْ) بِالفَتْحِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ لِبُطْلانِ ما تَخَيَّلُوهُ وفَواتِ ما لِلْإسْلامِ مِنَ الفَوائِدِ في الأُولى وسُقُوطِ الثَّوابِ في الأُخْرى.

﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ 227﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ، ولا يُغْنِي عَنْهم إيمانُهُمُ السّابِقُ عَلى الرِّدَّةِ شَيْئًا، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ الأعْمالَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْها، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّها لَوْ أحْبَطَتْ مُطْلَقًا لَما كانَ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ ﴾ فائِدَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّ فائِدَتَهُ أنَّ (إحْباطَ) جَمِيعِ الأعْمالِ حَتّى لا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ أصْلًا مَوْقُوفٌ عَلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، حَتّى لَوْ ماتَ مُؤْمِنًا (لا يُحْبِطُ) إيمانَهُ، ولا عَمَلٌ يُقارِنُهُ، وذَلِكَ لا يُنافِي إحْباطَ الأعْمالِ السّابِقَةِ عَلى الِارْتِدادِ بِمُجَرَّدٍ الِارْتِدادِ مِمّا لا يَعْنِي لَهُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأعْمالِ في الآيَةِ الأعْمالُ السّابِقَةُ عَلى الِارْتِدادِ؛ إذْ لا مَعْنى لِحُبُوطِ ما لَمْ يَفْعَلْ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى هَذا القَوْلُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: بِناءً عَلى أنَّهُ جَعَلَ المَوْتَ عَلَيْها شَرْطًا في الإحْباطِ، وعِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ يَنْتَفِي المَشْرُوطُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الشَّرْطَ النَّحْوِيَّ والتَّعْلِيقِيَّ لَيْسَ بِهَذا المَعْنى، بَلْ غايَتُهُ السَّبَبِيَّةُ والمَلْزُومِيَّةُ وانْتِفاءُ السَّبَبِ أوِ المَلْزُومِ لا يُوجِبُ انْتِفاءَ المُسَبِّبِ أوِ اللّازِمِ لِجَوازِ تَعَدُّدِ الأسْبابِ، ولَوْ كانَ شَرْطًا بِهَذا المَعْنى لَمْ يُتَصَوَّرِ اخْتِلافُ القَوْلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وذَهَبَ إمامُنا أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ مُجَرَّدَ الِارْتِدادِ يُوجِبُ الإحْباطَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ وما اسْتَدَلَّ بِهِ الشّافِعِيُّ لَيْسَ صَرِيحًا في المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَتْ جُمْلَةُ ( وأُولَئِكَ ) إلَخْ تَذْيِيلًا مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وأمّا لَوْ كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (الجَزاءِ) وكانَ مَجْمُوعُ الإحْباطِ والخُلُودِ في النّارِ مُرَتَّبًا عَلى المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، فَلا نُسَلِّمُ تَمامِيَّتَهُ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ اعْتَرَضَ عَلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - بِأنَّ اللّازِمَ عَلَيْهِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حَمْلَ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ مَشْرُوطٌ عِنْدَهُ بِكَوْنِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ في الحُكْمِ واتِّحادِ الحادِثَةِ، وما هُنا في السَّبَبِ، فَلا يَجُوزُ الحَمْلُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُطْلَقُ سَبَبًا كالمُقَيَّدِ، وثَمَرَةُ الخِلافِ عَلى ما قِيلَ تَظْهَرُ فِيمَن صَلّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ، والوَقْتُ باقٍ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الإمامِ قَضاءُ الصَّلاةِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وكَذا الحَجِّ، واخْتَلَفَ الشّافِعِيُّونَ فِيمَن رَجَعَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، هَلْ يَرْجِعُ لَهُ عَمَلُهُ بِثَوابِهِ أمْ لا؟

فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى الأوَّلِ فِيما عَدا الصُّحْبَةَ، فَإنَّها تَرْجِعُ مُجَرَّدَةً عَنِ الثَّوابِ، وذَهَبَ الجُلُّ إلى الثّانِي، وأنَّ أعْمالَهُ تَعُودُ بِلا ثَوابٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الصُّحْبَةِ وغَيْرِها، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو المُعْتَمَدُ في المَذْهَبِ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، أي فرض عليكم القتال.

وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، أي شاق عليكم.

وذلك أن الله تعالى، لما أمرهم بالجهاد، كرهوا الخروج.

وإنما كانت كراهيتهم له، لأنه كان في الخروج عليهم مشقة، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى: ثم قال: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، يعني الجهاد.

وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لأن فيه فتحاً وغنيمة وشهادة وفيه إظهار الإسلام.

وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وهو الجلوس عن الجهاد، لأنه يسلط عليكم عدوكم.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الجهاد خير لكم.

وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أن ذلك خير، حين أحببتم القعود عن الجهاد.

ويقال: والله يعلم ما كان فيه صلاحكم وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.

ذلك قوله تعالى.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ.

وذلك أن النبيّ  بعث عبد الله بن جحش مع تسعة رهط، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين إلى عير لقريش، فلقوا العير.

وكان ذلك في آخر الشهر، فأمر عبد الله بن جحش بعض أصحابه، فحلق رأسه.

فلما رآهم المشركون آمنوا وظنوا أنه دخل رجب، فقاتلهم المسلمون وأخذوا أموالهم، فعيَّرهم المشركون بذلك، فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ.

قال الزجاج: معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام.

وقال القتبي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟

فأبدل قتالاً من الشهر الحرام.

قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، أي عظيم عند الله.

ثم قال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يقول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها.

وَكُفْرٌ بِهِ، أي بالله تعالى ويقال: وَكُفْرٌ بِهِ أي بالحج.

قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإنما صار خفضاً، لأنه عطف على سبيل الله، كأنه قال: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله تعالى.

وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ.

أي من المسجد أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام.

وَالْفِتْنَةُ، يعني الشرك أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أعظم عقوبة من القتل في الشهر الحرام.

ثم قال: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ الإسلام إلى دينهم الكفر.

إِنِ اسْتَطاعُوا، يعني إن قدروا على ذلك ولكنهم لا يقدرون عليه.

ثم هدد المسلمين ليثبتوا على دينهم الإسلام، فقال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الإسلام.

فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بالله تعالى فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، أي بطلت حسناتهم.

فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، يعني لا يكون لأعمالهم التي عملوا ثواب، كما قال في آية أخرى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] ، وقال تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الكهف: 105] .

وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أي دائمون.

قال الفقيه: حدّثنا أبو إبراهيم محمد بن سعيد قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن داود قال: حدثنا المقدمي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: حدثنا الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن النبيّ  بعث رهطاً وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتاباً، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: «لَا تُكْرِه أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى المَسِيرِ» .

فلما بلغ المكان، قرأ الكتاب فاسترجع ثم قال: السمع والطاعة لله ولرسوله، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون: قتلهم محمد في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ....

فقال المشركون: إن لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات، مَاتَ شهيداً/، وعسى أن تحبّوا الدّعة، وترك ٥٣ ب القتَالِ، وهو شرٌّ لكم في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم.

قال ص: قوله: وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً عسى هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ في كلام العرب، قالوا: وكل «عسى» في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالى:

عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] انتهى.

وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ...

الآية- قوة أمر.

وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ...

الآية نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولى، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ على ما قاله ابْنُ إِسْحَاق «١»

، وقالوا: إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرمى واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ «٢»

عمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ، فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، واستسهل المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ:

محمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ» فنزلت هذه الآية، وقِتالٍ بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه.

وقال الفَرَّاء: هو مخفوضٌ بتقدير «عَنْ» وقرىء «٣»

بِهِ، والشهْرُ في الآية اسم الجنس،

وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَاماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دماً، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم ورَجَبٌ، وروى جابر بن عبد الله، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يغزى، فذلكَ قولُهُ تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ: مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ «أَكْبَرُ» ، ومعنى الآيةِ على قول الجمهورِ:

إِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه كما فعلتم برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْماً عند اللَّه.

قال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: قوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ منسوخ.

ص: وسبيل الله: دينه «١»

، والْمَسْجِدِ: قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية «٢»

وغيره: هو معطوفٌ على سَبِيلِ اللَّهِ وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقاً ب «صَدّ» ، أي: وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو «صَدّ» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبيٍّ، وهو: «وكُفْرٌ بِهِ» ، ولا يجوز.

وقيل: معطوفٌ على ضمير «بِهِ» ، أي: وكُفْرٌ بِهِ، وَبِالْمَسُجِدِ ورُدَّ بأن فيه عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ «٣»

، وأبو الحَسَنِ والشَّلَوْبِينُ «٤»

، والمختار جوازه لكثرته سماعا ومنه

قراءة حمزة: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: المعنى عند جمهور المفسِّرين: والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشدُّ اجتراما من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل: المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون.

وقوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ، أي: يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر عياذاً باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء: يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد «١»

، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له: يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتدِّ «٢»

عند مالك والشافعيّ: في بيت

مال المسلمين.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ﴾ رَوى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ، بَعَثَ رَهْطًا واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا انْطَلَقَ لِيُتَوَجَّهَ بَكى صَبابَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَبَعَثَ مَكانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا، وأمَرَهُ ألّا يَقْرَأهُ إلّا بِمَكانِ كَذا وكَذا، وقالَ: "لا تُكْرِهْنَّ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى المَسِيرِ مَعَكَ" فَلَمّا صارَ إلى المَكانِ، قَرَأ الكِتابَ واسْتَرْجَعَ، وقالَ: سَمْعًا [وَطاعَةً لِأمْرِ ] اللَّهِ ولِرَسُولِهِ [فَخَبَّرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ ]، فَرَجَعَ رَجُلانِ مِن أصْحابِهِ، ومَضى بَقِيَّتُهم، فَأتَوُا ابْنَ الحَضْرَمِيَّ فَقَتَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ، أمِن رَجَبٍ، أوْ مِن جُمادى الآَخِرَةَ؟

فَقالَ المُشْرِكُونَ [لِلْمُسْلِمِينَ ]: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ [فَأتَوُا النَّبِيَّ  فَحَدَّثُوهُ الحَدِيثَ ] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَئِنْ كانَ أصابَهم خَيْرٌ فَما لَهم أجْرٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ رَحِيمٌ  ﴾ .» قالَ الزُّهْرِيُّ: اسْمُ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ: عَمْرٌو، واسْمُ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ واقَدٍ اللِّيثِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، يَظُنُّونَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن جُمادى، وكانَتْ أوَّلَ رَجَبٍ.

وَقَدْ رَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في شَيْئَيْنِ.

أحَدُهُما: هَذا.

والثّانِي: دُخُولُ النَّبِيِّ،  ، مَكَّةَ في شَهْرٍ حَرامٍ يَوْمَ الفَتْحِ، حِينَ عابَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِ القِتالَ في شَهْرٍ حَرامٍ.

وَفِي السّائِلِينَ النَّبِيَّ،  ، عَنْ ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوهُ: هَلْ أخْطَؤُوا أمْ أصابُوا؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ سَألُوهُ عَلى وجْهِ العَيْبِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعُرْوَةُ، ومُجاهِدٌ.

والشَّهْرُ الحَرامُ: شَهْرُ رَجَبٍ، وكانَ يُدْعى الأصَمَّ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْمَعُ فِيهِ لِلسِّلاحِ قَعْقَعَةٌ تَعْظِيمًا لَهُ ﴿ قِتالٍ فِيهِ ﴾ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ فِيهِ.

﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: لا يَحِلُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ القِتالِ في هَذِهِ الأشْهُرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآَيَةِ بِبَقاءِ التَّحْرِيمِ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ: هَلْ هو باقٍ أمْ نُسِخَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ باقٍ.

رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ عَطاءً كانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ: ما يَحِلُّ لِلنّاسِ الآَنَ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ، ولا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، إلّا أنْ يُقاتِلُوا فِيهِ أوْ يَغْزُوا، وما نُسِخَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: القِتالُ جائِزٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ  ﴾ .

وهَذا قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ هو مَرْفُوعٌ بِالابْتِداءِ، وخَبَرُ هَذِهِ الأشْياءِ: ﴿ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وفي المُرادِ بِـ "سَبِيلِ اللَّهِ" هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجُّ، لِأنَّهم صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ،  ، عَنْ مَكَّةَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى السَّبِيلِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وخَفْضٌ "المَسْجِدِ" الحَرامِ نَسَقًا عَلى قَوْلِهِ: (سَبِيلِ اللَّهِ) كَأنَّهُ قالَ: وصَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ ﴾ لَمّا آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابَهُ؛ اضْطَرُّوهم إلى الخُرُوجِ فَكَأنَّهم أخْرَجُوهم، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ أعْظَمُ مِن قَتْلِ كُلِّ كافِرٍ.

"والفِتْنَةُ" هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ.

قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والجَماعَةُ.

والفِتْنَةُ في القُرْآَنِ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ ذَكَرْتُها في كِتابِ "النَّظائِرِ" ﴿ وَلا يَزالُونَ ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ، ﴿ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْلِمِينَ.

و(حَبِطَتْ) بِمَعْنى: بَطَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٍ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنِ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ السائِلُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ: ما هي الوُجُوهُ الَّتِي يُنْفِقُونَ فِيها؟

وَأيْنَ يَضَعُونَ ما لَزِمَ إنْفاقُهُ؟

و"ما" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ و"ذا" خَبَرُها، فَهي بِمَعْنى الَّذِي، و"يُنْفِقُونَ" صِلَةٌ، وفِيهِ عائِدٌ عَلى "ذا" تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَهُ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُنْفِقُونَ" فَيُعَرّى مِنَ الضَمِيرِ، ومَتّى كانَتِ اسْمًا مُرَكَّبًا فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لا ما جاءَ مِن قَوْلِ الشاعِرِ: وماذا عَسى الواشُونَ أنْ يَتَحَدَّثُوا سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّنِي لَكَ عاشِقُ فَإنْ عَسى لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، فـَ "ماذا" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو مُرَكَّبٌ إذْ لا صِلَةَ لِـ "ذا".

قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وعَلى هَذا نُسِخَ مِنها الوالِدانِ ومَن جَرى مَجْراهُما مِنَ الأقْرَبِينَ.

وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، ثُمَّ نَسَخَتْها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.

ووَهِمَ المَهْدَوِيُّ عَلى السُدِّيُّ في هَذا فَنَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ ثُمَّ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ: هي نَدْبٌ، والزَكاةُ غَيْرُ هَذا الإنْفاقِ، فَعَلى هَذا لا نَسْخَ فِيها.

واليُتْمُ: فَقْدُ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ، وتَقَدُّمُ القَوْلِ في المِسْكِينِ و"ابْنِ السَبِيلِ".

﴿ وَما تَفْعَلُوا ﴾ جَزْمٌ بِالشَرْطِ، والجَوابُ في الفاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَفْعَلُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وظاهِرُ الآيَةِ الخَبَرُ، وهي تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ بِالمُجازاةِ.

وَ"كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَثَلَهُ، وهَذا هو فَرْضُ الجِهادِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ".

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: فُرِضَ القِتالُ عَلى أعْيانِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الشَرْعُ وقَيَّمَ بِهِ، صارَ عَلى الكِفايَةِ.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: أوَّلُ فَرْضِهِ إنَّما كانَ عَلى الكِفايَةِ دُونَ تَعْيِينٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَمَرَّ الإجْماعُ عَلى أنَّ الجِهادَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ مَن قامَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، إلّا أنْ يَنْزِلَ العَدُوُّ بِساحَةٍ لِلْإسْلامِ فَهو حِينَئِذٍ فَرْضُ عَيْنٍ.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ، وغَيْرُهُ عَنِ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: الجِهادُ تَطَوُّعٌ، وهَذِهِ العِبارَةُ عِنْدِي إنَّما هي عَلى سُؤالِ السائِلِ، وقَدْ قَيَّمَ بِالجِهادِ فَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ تَطَوُّعٌ.

والـ"كُرْهُ" بِضَمِّ الكافِ: الِاسْمُ، وفَتْحُها المَصْدَرُ، وقالَ قَوْمٌ: "الكُرْهُ" بِفَتْحِ الكافِ ما أُكْرِهَ المَرْءُ عَلَيْهِ، و"الكُرْهُ" ما كَرِهَهُ هو.

وقالَ قَوْمٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ الآيَةُ.

قالَ قَوْمٌ عَسى مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، والمَعْنى: عَسى أنْ تَكْرَهُوا ما في الجِهادِ مِنَ المَشَقَّةِ ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تَغْلِبُونَ وتَظْهَرُونَ وتَغْنَمُونَ وتُؤَجِّرُونَ، ومَن ماتَ، ماتَ شَهِيدًا، ﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا ﴾ الدَعَةُ وتَرْكُ القِتالِ ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تُغْلَبُونَ وتُذَلُّونَ ويَذْهَبُ أمْرُكم.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ قُوَّةُ أمْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ في قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ سِرِّيَّةً عَلَيْها عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ، مُقَدِّمُهُ مِن بَدْرٍ الأُولى، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ ومَعَهُ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخُوهُ نَوْفَلُ المَخْزُومِيّانِ، والحَكَمُ بْنُ كِيسانَ، في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ، وفي آخِرِ يَوْمٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ ورَدَ عنهُ أنَّ ذاكَ كانَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، والمُسْلِمُونَ يَظُنُّونَها مِن جُمادى، وأنَّ القَتْلَ في الشَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَقْصِدُوهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ فَإنَّهم قالُوا: إنْ تَرَكْناهُمُ اليَوْمَ دَخَلُوا الحَرَمَ، فَأزْمَعُوا قِتالَهُمْ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وأُسِرَ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ والحَكَمُ، وفَّرَ نَوْفَلُ فَأعْجَزَهم واسْتَسْهَلَ المُسْلِمُونَ هَذا في الشَهْرِ الحَرامِ خَوْفَ فَوْتِهِمْ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَحَلَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ، وعَيَّرُوا بِذَلِكَ، وتَوَقَّفَ النَبِيُّ  .

وقالَ: ما أمَرْتُكم بِقِتالٍ في الأشْهُرِ الحُرُمِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُمِّيَّةَ الضَمْرِيَّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي كِلابٍ في رَجَبٍ فَنَزَلَتْ، وهَذا تَخْلِيطٌ مِنَ المَهْدَوِيِّ.

وصاحِبا عَمْرٍو كانَ عِنْدَهُما عَهْدٌ مِنَ النَبِيِّ  ، وكانَ عَمْرُو قَدْ أفْلَتَ مِن قِصَّةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَكَرَ الصاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في رِسالَتِهِ المَعْرُوفَةِ بِالأسْدِيَّةِ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ سُمِّيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَوْنِهِ مُؤَمَّرًا عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقِتالٍ بَدَلٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو خَفْضٌ بِتَقْدِيرِ عن.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو خَفْضٌ عَلى الجِوارِ.

وقَوْلُهُ هَذا خَطَأٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ عن قِتالِ فِيهِ" بِتَكْرِيرِ "عن" وكَذَلِكَ قَرَأها الرَبِيعُ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قَتْلٌ فِيهِ قُلْ قَتْلٌ" دُونَ ألِفٍ فِيهِما.

وَ"الشَهْرِ" في الآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَها ﴿ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ قِوامًا، تَعْتَدِلُ عِنْدَهُ، فَكانَتْ لا تَسْفِكُ دَمًا، ولا تُغَيِّرُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهِيَ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمِ، ورَجَبٌ.

ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيها إلّا أنْ يُغْزى»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، و"صَدٌّ" مُبْتَدَأٌ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والخَبَرُ "أكْبَرُ"، و"المَسْجِدُ" مَعْطُوفٌ عَلى "سَبِيلِ اللهِ"، وهَذا هو الصَحِيحُ.

وقالَ الفَرّاءُ: "صَدٌّ" عَطْفٌ عَلى "كَبِيرٌ" وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ المَعْنى يَسُوقُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَكُفْرٌ بِهِ" عَطْفٌ أيْضًا عَلى "كَبِيرٌ"، ويَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ إخْراجَ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ اللهِ، وهَذا بَيْنَ فَسادِهِ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ إنَّكم يا كُفّارَ قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُونَ عَلَيْنا القِتالَ في الشَهْرِ الحَرامِ، وما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ مِنَ الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ لِمَن أرادَ الإسْلامَ، ومَن كُفْرُكم بِاللهِ وإخْراجُكم أهْلَ المَسْجِدِ مِنهُ -كَما فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ  وأصْحابُهُ- أكْبَرُ جُرْمًا عِنْدَ اللهِ.

وقالَ الزُهْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً  ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ وقالَ عَطاءٌ: لَمْ تُنْسَخْ، ولا يَنْبَغِي القِتالُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ المَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: والفِتْنَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عن دِينِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا أشَدَّ اجْتِرامًا مِن قَتْلِكم في الشَهْرِ الحَرامِ.

وقِيلَ: المَعْنى: والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن أنْ لَوْ قَتَلُوا ذَلِكَ المَفْتُونَ، أيْ: فِعْلُكم عَلى كُلِّ إنْسانٍ أشَدُّ مِن فِعْلِنا.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "الفِتْنَةُ" هُنا: الكُفْرُ، أيْ كُفْرُكم أشَدُّ مِن قَتْلِنا أُولَئِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

من أهم تفاصيل الأحوال في القتال الذي كتب على المسلمين في الآية قبل هذه أن يعلموا ما إذا صادف القتال بينهم وبين المشركين الأشهرَ الحرمَ إذ كان محجراً في العرب من عهد قديم، ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك الحجر؛ لأنه من المصالح قال تعالى ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام يَسْھَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [المائدة: 97] فكان الحال يبعث على السؤال عن استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام.

روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الزهري مرسلاً وروى الطبري عن عروة بن الزبير مرسلاً ومطوَّلاً، أن هذه الآية نزلت في شأن سَريَّة عبد الله بن جَحْش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقّى عيراً لقريش ببطن نَخْلَةَ في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة، فلقي المسلمون العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، فقتل رجل من المسلمين عَمْراً وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة، وذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فعظم ذلك على قريش وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية.

فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم الغنيمة والأسيرين، وقيل: رد الأسيرين وأخذ الغنيمة.

فإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216] وآية ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه، كان وضعهما في التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالاً لما اشتملت عليه الآيتان الأخريان، وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة.

والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد لآية ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ [البقرة: 194].

والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ .

وهذا هو المناسب لقوله هنا ﴿ وصد عن سبيل الله ﴾ إلخ وقيل: سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش.

فالجملة استئناف ابتدائي، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها عقب آية ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ [البقرة: 216] ظاهرة.

والتعريف في (الشهر الحرام) تعريف الجنس، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه في قوله: ﴿ قتال فيه ﴾ ، وهو بدل اشتمال فيجوز فيه إبدال النكرة من المعرفة، بخلاف بدل البعض على أن وصف النكرة هنا بقوله (فيه) يجعلها في قوة المعرفة.

فالمراد بيان أيِّ شهر كان من الأشهر الحُرم وأيِّ قتال، فإن كان السؤال إنكارياً من المشركين فكون المراد جنس هذه الأشهر ظاهر، وإن كان استفساراً من المسلمين فكذلك، ومجرد كون الواقعة التي تسبب عليها السؤال وقعت في شهر معين لا يقتضي تخصيص السؤال بذلك الشهر، إذ لا يخطر ببال السائل بل المقصود السؤال عن دوام هذا الحكم المتقرر عندهم قبل الإسلام وهْوَ لا يختص بشهر دون شهر.

وإنما اختير طريق الإبدال هنا وكان مقتضى الظاهر أن يقال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام لأَجل الاهتمام بالشهر الحرام تنبيهاً على أن السؤال لأجل الشهر أيقع فيه قتال؟

لاَ لأَجل القتال هل يقع في الشهر وهما متآيلان، لكن التنقديم لقضاء حق الاهتمام، وهذه نكتة لإبدال عطففِ البيان تنفع في مواقع كثيرة، على أن في طريق بدل الاشتمال تشويقاً بارتكاب الإجمال ثم التفصيل.

وتنكير (قتال) مراد به العموم، إذ ليس المسؤول عنه قتالاً معيناً ولا في شهر معين، بل المراد هذا الجنس في هذا الجنس.

و(فيه) ظرف صفة لقتال مخصصة له.

وقوله: ﴿ قل قتال فيه كبير ﴾ إظهار لفظ القتال في مقام الإضمار ليكون الجواب صريحاً حتى لا يتوهم أن الشهر الحرام هو الكبير، وليكون الجواب على طبق السؤال في اللفظ، وإنما لم يعرف لفظ القتال ثانياً باللام مع تقدم ذكره في السؤال، لأنه قد استغنى عن تعريفه باتحاد الوصفين في لفظ السؤال ولفظ الجواب وهو ظرف (فيه)، إذ ليس المقصود من تعريف النكرة باللام إذا أعيد ذكرها إلاّ التنصيصَ على أن المراد بها تلك الأولى لا غيرها، وقد حصل ذلك بالوصف المتحد، قال التفتازاني: فالمسؤول عنه هو المجاب عنه وليس غيره كما توهم بناء على أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، لأن هذا ليس بضربة لازم يريد أن ذلك يتبع القرائن.

والجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين، واعتراف وإبكات إن كان السؤال إنكاراً من المشركين، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيثَوِّروا بذلك العرب ومن في قلبه مرض.

والكبير في الأصل هو عظيم الجثة من نوعه، وهو مجاز في القوى والكثير والمسن والفاحش، وهو استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه القوي في نوعه بعظيم الجثة في الأفراد، لأنه مألوف في أنه قوى، وهو هنا بمعنى العظيم في المآثم بقرينة المقام، مثل تسمية الذنب كبيرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «وما يعذَّبان في كبير وإنه لكبير» الحديثَ.

والمعنى أن القتال في الأشهر الحرم إثم كبير، فالنكرة هنا للعموم بقرينة المقام، إذ لا خصوصية لقتال قوم دون آخرين، ولا لقتل في شهر دون غيره، لا سيما ومطابقة الجواب للسؤال قد أكدت العموم، لأن المسؤول عنه حُكْم هذا الجنس وهو القتال في هذا الجنس وهو الشهر الحرام من غير تفصيل، فإن أجدر أفراد القتال بأن يكون مباحاً هو قتالنا المشركين ومع ذلك فهو المسؤول عنه وهو الذي وقع التحرج منه، أما تقاتل المسلمين فلا يختص إثمه بوقوعه في الشهر الحرام، وأما قتال الأمم الآخرين فلا يخطر بالبال حينئذٍ.

والآية دليل على تحريم القتال في الأشهر الحُرم وتقرير لما لتلك الأشهر من الحرمة التي جعلها الله لها منذ زمن قديم، لعله من عهد إبراهيم عليه السلام فإن حرمة الزمان تقتضي ترك الإثم في مُدَّته.

وهذه الأشهر هي زمن للحج ومقدماته وخواتمه وللعمرة كذلك فلو لم يحرم القتال في خلالها لتعطل الحج والعمرة، ولذلك أقرها الإسلام أيام كان في بلاد العرب مشركون لفائدة المسلمين وفائدة الحج، قال تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام ﴾ [المائدة: 97] الآية.

وتحريم القتال في الشهر الحرام قد خصص بعد هذه الآية ثم نسخ، فأما تخصيصه فبقوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عن، المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه إلى قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ﴾ [البقرة: 191، 194].

وأما نسخة فبقوله تعالى: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 1، 5] فإنها صرحت بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة، وهو العهد الواقع في صلح الحديبية؛ لأنه لم يكن عهداً مؤقتاً بزمن معين ولا بالأبد، ولأن المشركين نكثوا أيمانهم كما في الآية الأخرى: ﴿ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ﴾ [التوبة: 13].

ثم إن الله تعالى أَجَّلهم أجلاً وهو انقضاء الأشهر الحرم من ذلك العام وهو تسعة من الهجرة في حجة أبي بكر بالناس، لأن تلك الآية نزلت في شهر شوال وقد خرج المشركون للحج فقال لهم ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ فأخرها آخر المحرم من عام عشرة من الهجرة، ثم قال: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي تلك الأشهر الأربعة ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ فنسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق، ولذلك قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفاً في شهر ذي القعدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح.

وأغزى أبا عامر إلى أَوْطاسَ في الشهر الحرام، وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من المشركين.

فإن قلت: إذا نُسخ تحريم القتال في الأشهر الحُرم فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع «إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حَرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» فإن التشبيه يقتضي تقرير حُرمة الأشهر.

قلت: إن تحريم القتال فيها تَبَع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها.

والقتال الظلمُ محرم في كل وقت، والقتال لأجل الحق عبادة فنُسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم.

وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال: ﴿ قتال فيه كبير ﴾ واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الحجَّ على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال في الأشهر الحرم؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة.

وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلاّ للمسلمين وهم لا قتال بينهم، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج، فتسميته نسخاً تسامح، وإنما هو انتهاء مورد الحكم، ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الأشهر الحرم في خطبته، وقد تعطل حينئذٍ العمل بحرمة القتال في الأشهر الحرم، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج.

فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلَّفة قلوبهم من مصارف الزكاة بالإجماع لانقراضهم.

إنحاء على المشركين وإظهار لظلمهم بعد أن بكَّتهم بتقرير حرمة الأشهر الحرم الدال على أن ما وقع من أهل السرية من قتل رجل فيه كان عن خطأ في الشهر أو ظن سقوط الحرمة بالنسبة لقتال العدو، فإن المشركين استعظموا فعلاً واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه، ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرام ليس لذات الأشهر، لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل الله إياه ذا حرمة، فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه، وحرمة الأشهر الحرم لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها، فلا جرم أن الذين استعظموا حصول القتل في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتيَّة بصد المسلمين، وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراماً وحَرَّم لأجل حجها الأشهرَ الحرم، وأخرجوا أهل الحرم منه، وآذوهم، لأحْرِياء بالتحميق والمذمة، لأن هاته الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعاً لغيرها.

وقد قال الحسن البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه، وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما «عجباً لكم يا أهل العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض».

ويحق التمثل هنا بقول الفرزدق: أَتَغضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا *** جِهارا ولم تغضَبْ لقتل ابن خازم والمعنى أن الصد وما عطف عليه من أفعال المشركين أكبر إثماً عند الله من إثم القتال في الشهر الحرام.

والعندية في قوله: ﴿ عند الله ﴾ عندية مجازية وهي عندية العِلم والحُكم.

والتفضيل في قوله: ﴿ أكبر ﴾ : تفضيل في الإثم أي كل واحد من تلك المذكورات أعظم إثماً.

والمراد بالصد عن سبيل الله: منع من يريد الإسلام منه ونظيره قوله تعالى: ﴿ توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ﴾ [الأعراف: 86].

والكفر بالله: الإشراك به بالنسبة للمشركين وهم أكثر العرب، وكذلك إنكار وجوده بالنسبة للدهريين منهم، وتقدم الكلام عن الكفر وضابطه عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم ﴾ [البقرة: 6] إلخ.

وقوله ﴿ به ﴾ الباء فيه لتعدية ﴿ كُفْر ﴾ وليست للظرفية والضمير المجرور بالباء عائد إلى اسم الجلالة.

و ﴿ كُفر ﴾ معطوف على ﴿ صد ﴾ أي صد عن سبيل الله وكفر بالله أكبر من قتال الشهر الحرام وإن كان القتال كبيراً.

و (المسجد الحرام) معطوف على (سبيل الله) فهو متعلق ب (صد) تبعاً لتعلق متبوعه به.

وعلم أن مقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال: وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله، فخولف مقتضى هذا النظم إلى الصورة التي جاءت الآية عليها، بأن قُدم قوله (وكفر به) فجعل معطوفاً على (صد) قبل أن يستوفَى صد ما تعلق به وهو (والمسجِد الحرام) فإنه معطوف على (سبيل الله) المتعلق ب (صد) إذ المعطوف على المتعلَّق متعلِّقٌ فهو أولى بالتقديم من المعطوف على الاسم المتعلَّق به، لأن المعطوف على المتعلَّق به أجنبي عن المعطوف عليه، وأما المعطوف على المتعلِّق فهو من صلة المعطوف عليه، والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نظم الكلام على أسلوب أدق من مقتضى الظاهر وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع من جرائمهم، فإن الكفر بالله أفظع من الصد عن المسجد الحرام، فكان ترتيب النظم على تقديم الأهمِّ فالأهمِّ، فإن الصد عن سبيل الإسلام يجمع مظالم كثيرة؛ لأنه اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم، وجحد لرسالة رسول الله، والباعث عليه انتصارهم لأصنامهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً وَاحداً إنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجاب ﴾ [ص: 5] فليس الكفر بالله إلا ركناً من أركان الصد عن الإسلام فلذلك قدم الصد عن سبيل الله ثم ثنَّى بالكفر بالله ليفاد بدلالة المطابقة بعد أن دَلَّ عليه الصدُّ عن سبيل الله بدلالة التضمن، ثم عد عليهم الصد عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه.

ولا يصح أن يكون «والمسجد الحرام» عطفاً على الضمير في قوله (به) لأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام فإن الكفر يتعدى إلى ما يُعبد ومَا هو دين وما يتضمن ديناً، على أنهم يعظمون المسجد الحرام ولا يعتقدون فيه ما يسوغ أن يتكلف بإطلاق لفظ الكفر عليه على وجه المجاز.

وقوله: ﴿ وإخراج أهله منه ﴾ أي إخراج المسلمين من مكة؛ فإنهم كانوا حول المسجد الحرام؛ لأن في إخراجهم مظالم كثيرة فقد مرض المهاجرون في خروجهم إلى المدينة ومنهم كثير من أصابته الحمى حتى رفعت من المدينة ببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على أن التفضيل إنما تعلق بوقوع القتال في الأشهر الحرم لا بنفس القتل فإن له حكماً يخصه.

والأهل: الفريق الذين لهم مزيد اختصاص بما يضاف إليه اللفظ، فمنه أهل الرجل عشيرته، وأهل البلد المستوطنون به، وأهل الكرم المتصفون به، أراد به هنا المستوطنين بمكة وهم المسلمون، وفيه إيماء إلى أنهم أحق بالمسجد الحرام، لأنهم الذين اتبعوا ملة من بنى المسجد الحرام قال تعالى: ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [الأنفال: 34].

وقوله: ﴿ والفتنة أكبر من القتل ﴾ تذييل مسوق مساق التعليل، لقوله: ﴿ وإخراج أهله منه ﴾ ؛ وإذ قد كان إخراج أهل الحرم منه أكبر من القتل؛ كان ما ذكر قبله من الصد عن الدِّين والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام أكبر بدلالة الفحوى، لأن تلك أعظم جرماً من جريمة إخراج المسلمين من مكة.

والفتنة: التشغيب والإيقاع في الحيرة واضطراب العيش فهي اسم شامل لما يعظم من الأذى الداخل على أحد أو جماعة من غيرهم، وأريد بها هنا ما لقيه المسلمون من المشركين من المصائب في الدين بالتعرض لهم بالأذى بالقول والفعل، ومنعهم من إظهار عبادتهم، وقطيعتهم في المعاملة، والسخرية بهم والضرب المدمي والتمالئ على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم والإخراج من مكة ومنع من أموالهم ونسائهم وصدهم عن البيت، ولا يخفى أن مجموع ذلك أكبر من قتل المسلمين واحداً من رجال المشركين وهو عَمرو الحضرمي وأسِرهم رجلين منهم.

و (أكبر) أي أشد كِبَراً أي قوة في المحارم، أي أكبر من القتل الذي هو في الشهر الحرام كبير.

جملة معترضة دعا إلى الاعتراض بها مناسبة قوله: ﴿ والفتنة أكبر من القتل ﴾ لما تضمنته من صدور الفتنة من المشركين على المسلمين وما تتضمنه الفتنة من المقاتلة التي تداولَها المسلمون والمشركون.

إذ القتال يشتمل على أنواع الأذى وليس القتل إلاّ بعض أحوال القتال ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ [الحج: 39] فسمى فعل الكفار مع المسلمين مقاتلة وسمى المسلمين مقاتَلين بفتح التاء، وفيه إعلام بأن المشركين مضمرون غزو المسلمين ومستعدون له وإنما تأخروا عنه بعد الهجرة، لأنهم كانوا يقاسون آثار سني جدب فقوله ﴿ لا يزالون ﴾ وإن أشعر أن قتالهم موجود فالمراد به أسباب القتال، وهو الأذى وإضمار القتال كذلك، وأنّهم إن شرعوا فيه لا ينقطعون عنه، على أن صريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المستقبل، و(حتى) للغاية وهي هنا غاية تعليلية.

والمعنى: أن فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم.

وقوله: ﴿ إن استطعوا ﴾ تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم، فموقع هذا الشرط موقع الاحتراس مما قد تُوهِمُه الغاية في قوله: ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ ولهذا جاء الشرط بحرف (إن) المشعر بأن شرطه مرجو عدم وقوعه.

والرد: الصرف عن شيء والإرجاع إلى ما كان قبل ذلك، فهو يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما زاد على المفعول بإلى وعَن، وقد حذف هنا أحد المتعلِّقين وهو المتعلق بواسطة إلى لظهور أنهم يقاتلونهم ليردوهم عن الإسلام إلى الشرك الذي كانوا عليه، لأن أهل كل دين إذا اعتقدوا صحة دينهم حرصوا على إدخال الناس فيه قال تعالى: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ﴾ [البقرة: 120]، وقال: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا ﴾ [النساء: 89].

وتعليق الشرط بإن للدلالة على أن استطاعتهم ذلك ولو في آحاد المسلمين أمر مستبعدُ الحصول لقوة إيمان المسلمين فتكون محاولة المشركين ردَّ واحد من المسلمين عناء باطلاً.

اعتراض ثان، أو عطف على الاعتراض الذي قبله، والمقصدُ منه التحذير، لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام وعقَّبه باستبعاد أن يصدر ذلك من المسلمين، أعقبه بالتحذير منه، وجيء بصيغة ﴿ يرتدد ﴾ وهي صيغة مطاوعة إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قُدر حصوله لا يكون إلاّ عن محاولة من المشركين فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه ومن عرف الحق لا يرجع عنه إلاّ بعناء، ولم يلاحظ المفعول الثاني هنا؛ إذ لا اعتبار بالدين المرجوع إليه وإنما نيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أيِّ دين ومن يومئذٍ صار اسم الردة لقباً شرعياً على الخروج من دين الإسلام وإن لم يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه هذا الخارج.

وقوله (فَيمُتْ) معطوف على الشرط فهو كشرط ثان.

وفعل حبط من باب سمع ويتعدى بالهمزة، قال اللغويون أصله من الحبط بفتح الباء وهو انتفاخ في بطون الإبل من كثرة الأكل فتموت من ذلك، فإطلاقه على إبطال الأعمال تمثيل؛ لأن الإبل تأكل الخضر شهوة للشبع فيئول عليها بالموت، فشبه حال من عمل الأعمال الصالحة لنفعها في الآخرة فلم يجد لها أثراً بالماشية التي أكلت حتى أصابها الحبط، ولذلك لم تقيد الأعمال بالصالحات لظهور ذلك التمثيل.

وحَبَطُ الأعمال: زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعاً، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله: ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ .

فالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين وأولها آثار كلمة الشهادة من حُرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين.

وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخُوَّة التي بين المهاجرين والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء وحقوق التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل قوله: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ [النحل: 97].

وأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم.

والمراد بالأعمال: الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويرجون ثوابها بقرينة أصل المادة ومقام التحذير؛ لأنه لو بطلت الأعمال المذمومة لصار الكلام تحريضاً، وما ذكرت الأعمال في القرآن مع حبطت إلاّ غير مقيدة بالصالحات اكتفاء بالقرينة.

وقوله: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ عطف على جملة الجزاء على الكفر، إذ الأمور بخواتمها، فقد ترتب على الكفر أمران: بطلان فضل الأعمال السالفة، والعقوبة بالخلود في النار، ولكون الخلود عقوبة أخرى أعيد اسم الإشارة في قوله: ﴿ وأولئك أصحاب النار ﴾ .

وفي الإتيان باسم الإشارة في الموضعين التنبيه على أنهم أحرياء بما ذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة.

هذا وقد رتب حبط الأعمال على مجموع أمرين الارتداد والموت على الكفر، ولم يقيد الارتداد بالموت عليه في قوله تعالى: ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ [المائدة: 5] وقوله تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ [الزمر: 65] وقوله: ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ [الأنعام: 88].

وقد اختلف العلماء في المرتد عن الإسلام إذا تاب من ردته ورجع إلى الإسلام، فعند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام وتاب لم ترجع إليه أعماله التي عملها قبل الارتداد فإن كان عليه نذور أو أيمان لم يكن عليه شيء منها بعد عودته إلى الإسلام، وإن كان حج قبل أن يرتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحج ولا يؤخذ بما كان عليه زمن الارتداد إلاّ ما لو فعله في الكفر أخذ به.

وقال الشافعي إذا عاد المرتد إلى الإسلام عادت إليه أعماله كلها ما له وما عليه.

فأما حجة مالك فقال ابن العربي قال علماؤنا إنما ذكر الله الموافاة () شرطاً ههنا، لأنه عَلَّق الخلود في النار عليها فمن أوفى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية، ومن أَشرك حبط عمله بالآية الأخرى فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين اه يريد أن بين الشرطين والجوابين هنا توزيعاً فقوله: ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ جواب لقوله: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه ﴾ .

وقوله: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ جواب لقوله: ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ ، ولعل في إعادة ﴿ وأولئك ﴾ إيذاناً بأنه جواب ثان، وفي إطلاق الآي الأخرى عن التقييد بالموت على الكفر قرينة على قصد هذا المعنى من هذا القيد في هذه الآية.

وفي هذا الاستدلال إلغاء لقاعدة حمل المطلق على المقيد، ولعل نظر مالك في إلغاء ذلك أن هذه أحكام ترجع إلى أصول الدين ولا يكتفى فيها بالأدلة الظنية، فإذا كان الدليل المطلق يحمل على المقيد في فروع الشريعة فلأَنه دليل ظني، وغالب أدلة الفروع ظنية، فأما في أصول الاعتقاد فأخَذَ من كل آية صريحَ حكمها، وللنظر في هذا مجال، لأن بعض ما ذكر من الأعمال راجع إلى شرائع الإسلام وفروعه كالحج.

والحجة للشافعي إعمال حمل المطلق على المقيد كما ذكره الفخر وصوبه ابن الفرس من المالكية.

فإن قلت فالعمل الصالح في الجاهلية يقرره الإسلام فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحِكيم بن حزام " أسْلَمْتَ على ما أسلمتَ عليه من خير " فهل يكون المرتد عن الإسلام أقلَّ حالاً من أهل الجاهلية؟

فالجواب أن حالة الجاهلية قبل مجيء الإسلام حالة خُلُو عن الشريعة فكان من فضائل الإسلام تقريرها.

وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قُرة بن هبيرة العامري، وعلقمة بن عُلاثة، والأشعث بن قيس، وعيينَةَ بن حصن، وعَمْرو بن معديكرب، وفي «شرح القاضي زكريا على ألفية العراقي»: وفي دخول من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مُسلماً ثم ارتدَّ ثم أسلَم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير اه قال حُلولو في «شرح جمع الجوامع» ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة، هل تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها، لأن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فضيلة عظيمة، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ففيها نظر، أما من ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإسلام في حياته وصَحِبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح.

فإن قلت: ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين، قلت: تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على فرض وقوعه من غير معين كما في آية ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ [المائدة: 5] أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية: ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ [الأنعام: 88] وآية ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [الزمر: 65] فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبْط الأعمال، ومن الخسارة بإجمال، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ومعالجتهم ارتدادَ المسلمين المخاطبين بالآية، فكان فرض وقوع الشرك والارتداد منهم أقرب، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين، فذكر فيها زيادة تهويل وهو الخلود في النار.

وكانت هذه الآية من دلائل النبوة، إذا وقع في عام الردة، أن من بقي في قلبهم أثر الشرك حاولوا من المسلمين الارتداد وقاتلوهم على ذلك فارتد فريق عظيم وقام لها الصديق رضي الله عنه بعزمه ويقينه فقاتلهم فرجع منهم من بقي حياً، فلولا هذه الآية لأَيسوا من فائدة الرجوع إلى الإسلام وهي فائدة عدم الخلود في النار.

وقد أشار العطف في قوله: {فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذٍ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية، فتكون الآية بها دليلاً على وجوب قتل المرتد.

وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قُتل كافراً وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلاً أو امرأة، وقال أبو حنيفة في الرجل مثلَ قولهم، ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق، وقال أصحابه تحبس حتى تُسلم، وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي يقتل المرتد ولا يستتاب، وقيل يستتاب شهراً.

وحجة الجميع حديث ابن عباس مَن بدل دينه فاقتلوه وفعلُ الصحابة فقد قاتل أبوبكر المرتدين وأحرق علي السبائيَّة الذين ادَّعَوْا ألوهية عليّ، وأجمعوا على أن المراد بالحديث مَن بدل دينه الذي هو الإسلامْ، واتفق الجمهور على أن (مَنْ) شاملة للذكر والأنثى إلاّ من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن شُبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تُقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنَهي رسول الله عن قتل النساء فخصوا به عمومَ مَن بَدَّل دينه، وهو احتجاج عجيب، لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد، والمرأةُ من شأنها ألا تقاتل، فإنه نهي أيضاً عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء: إن من ارتد من الرهبان والأحبار بعد إسلامه لا يقتل؟

وقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطال الكفر فقالا: يقتل ولا تقبل توبته إذا أُخذ قبل أن يأتي تائباً.

ومن سبَّ النبي قُتِل ولا تُقبل توبته.

هذا، واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين؛ والخروجُ من العقيدة وتركُ أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة، ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحه به بإقراره نصّاً أو ضمناً فالنص ظاهر، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلاّ عن كافر مثل السجود للصنم، والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها.

وألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، أي ما كان العلم به ضرورياً قال ابن راشد في الفائق} «في التكفير بإنكار المعلوم ضرورةً خلاف».

وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف.

وحكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدينَ وجدَه غير صالح ووجد ما كان عليه قبلَ ذلك أصلحَ فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضاً تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يُجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئاً زاجراً مثل توقع الموت، فلذلك جُعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلاّ على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256] على القول بأنها غير منسوخة، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَرَجَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وهم أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، وسُهَيْلُ بْنُ البَيْضاءِ، وخالِدُ ابْنُ البُكَيْرِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كانَ أمِيرَهم، فَتَأخَّرَ عَنِ القَوْمِ سَعْدٌ وعُتْبَةُ لِيَطْلُبا بَعِيرًا لَهُما ضَلَّ، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَرَماهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وغُنِمَتِ العِيرُ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ أوْ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، فَعَيَّرَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ  بِذَلِكَ وقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَلامَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ولامَهُ المُسْلِمُونَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.

» واخْتَلَفُوا فِيمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ لِيُعَيِّرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ ذَلِكَ.

فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وإخْراجَ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ والفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا؟

فَقالَ الزُّهْرِيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً ﴾ وقالَ عَطاءٌ: هو ثابِتُ الحُكْمِ، وتَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ، والأوَّلُ أصَحُّ لِما تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ غَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بِالطّائِفِ، وأرْسَلَ أبا العاصِ إلى أوْطاسَ لِحَرْبِ مَن بِها مِنَ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في ذِي القِعْدَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ أيْ يَرْجِعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا  ﴾ أيْ رَجَعا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: اسْتَرَدَّ فُلانٌ حَقَّهُ.

﴿ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ أيْ بَطَلَتْ، وأصْلُ الحُبُوطِ الفَسادُ، فَقِيلَ في الأعْمالِ إذا بَطَلَتْ: حَبِطَتْ لِفَسادِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ومَن مَعَهُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا في سَفَرِهِمْ وِزْرًا فَلَيْسَ فِيهِ أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ يَعْنِي عَنْ مُساكَنَةِ المُشْرِكِينَ في أمْصارِهِمْ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ المُهاجِرُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مُهاجِرِينَ لِهَجْرِهِمْ دُورَهم ومَنازِلَهم كَراهَةَ الذُّلِّ مِنَ المُشْرِكِينَ وسُلْطانِهِمْ، ( وجاهَدُواْ ) يَعْنِي قاتَلُوا، وأصْلُ المُجاهَدَةِ المُفاعَلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ كَذا إذا أكَدَّهَ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُكابِدُ مِن صاحِبِهِ شِدَّةً ومَشَقَّةً قِيلَ: فُلانٌ يُجاهِدُ فُلانًا.

وَأمّا ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَطَرِيقُ اللَّهِ، وطَرِيقُهُ: دِينُهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَقَّةٌ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا حالَهم في المُسْتَقْبَلِ جازَ أنْ يَرْجُوا الرَّحْمَةَ خَوْفًا أنْ يَحْدُثَ مِن مُسْتَقْبَلِ أُمُورِهِمْ ما لا يَسْتَوْجِبُونَها مَعَهُ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهم إنَّما رَجَوُا الرَّحْمَةَ لِأنَّهم لَمْ يَتَيَقَّنُوها بِتَأْدِيَةِ كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، أو عبيدة بن الحرث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

فقال بعضهم إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم أجر، فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾ » .

وأخرج البزار عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن فلان في سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة، فذكر الحديث.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال فيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ وغيره أكبر منه ﴿ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ﴾ وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه» .

وأخرج ابن إسحاق حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن منده وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث صفوان بن بيضاء في سرية عبد الله بن جحش قبل الأبواء، فغنموا وفيهم نزلت ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير من طريق السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، أو سهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة.

قال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، أضلا راحلة لهما وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة بن عثمان، وعمرو الحضرمي، فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانقلب المغيرة وقتل عمرو الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال قال المشركون: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عنه محمداً ﴿ والفتنة ﴾ وهي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: ﴿ وصد عن سبيل الله وكفر به...

﴾ الآية.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: «إن رجلاً من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة فرماه بسهم فقتله، وكان بين قريش ومحمد عقد فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب.

فقالت قريش: في الشهر الحرام ولنا عهد؟

فأنزل الله: ﴿ قل قتال فيه كبير...

﴾ الآية.

يقول: كفر به وعبادة الأوثان أكبر من قتل ابن الحضرمي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، فلقي ناساً من المشركين ببطن نخلة والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي.

فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام، وقد قتلتم في الشهر الحرام؟

فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ إلى قوله: ﴿ أكبر عند الله ﴾ من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي ﴿ والفتنة ﴾ التي أنتم عليها مقيمون يعني الشرك ﴿ أكبر من القتل ﴾ .

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الزهري عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا فيها عمرو بن الحضرمي في عبر تجارة لقريش في يوم بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة من عدوّ وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا.

وقال قائل: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفقتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش وكان ابن الحضرمي أوّل قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله...

﴾ إلى آخر الآية.

فحدثهم الله في كتابه: إن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وإن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك، فمن صدهم عن سبيل الله حين يسخمونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم للمسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ [ التوبة: 1] .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري ومقسم قالا «لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي أوّل ليلة من رجب وهو يرى أنه من جمادى فقتله، فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

قال الزهري: فكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد» .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أنه يسير فقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه، فما أمرتك به فامض له ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم.

فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً، فمضى معه القوم حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، بعيراً لهما كانا يتعقبانه، فتخلفا عليه يطلبانه.

ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان، والمغيرة بن عبد الله، معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم وزيت، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقاً قال عمار: ليس عليكم منهم بأس وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخر يوم من جمادى، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة حرم مكة فيمتنعن منكم.

فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وهرب المغيرة فاعجزهم.

واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً، فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام، فأنزل الله في ذلك ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

﴾ الآية.

فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وفدى الأسيرين.

فقال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن يكون لنا غزوة؟

فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ﴾ وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه قال: وكذلك كان يقرأها ﴿ عن قتال فيه ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة.

أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ قتل فيه ﴾ .

وأخرج عن عطاء بن ميسرة قال: أحل القتال في الشهر الحرام في براءة في قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [ التوبة: 36] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري.

أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام.

وأخرج النحاس في ناسخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ أي في الشهر الحرام.

قال: ﴿ قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم، فكان القتال محظوراً حتى نسخة آية السيف في براءة ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] فأبيح القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ﴿ والفتنة أكبر من القتل ﴾ قال: الشرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ قال: كفار قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ قال: هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء.

إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: هؤلاء خيار هذه الأمة، جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ الآية، نزلت في سرية بعثها رسول الله  إلى نخلة، فلما انتهوا إليها وافت خيل المشركين فيها عمرو بن الحضرمي (١) (٢)  (٣) (٤) فقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العَيْب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام.

وقوله تعالى ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ هو خَفْضٌ على البدل من الشهر، وهذا من باب بدل الشيءِ من الشيءِ، والمعنى مشتمل عليه، ويسمى: بدلَ الاشتمال، وهو إبدال المصادر من الأسماء، كقولك: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، وعجبت من عمروٍ أمرِه، ونفعنى زيدٌ كلامُه، ومثله قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ  ﴾ ، وقول الأعشى: لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ...

تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم (٥) ومن هذا الباب: سُرِق زيدٌ مالُه، وسُلب زيدٌ ثوبُه (٦) ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم (٧) وقيل: الخفضُ في ﴿ قِتَالٍ ﴾ على معنى تكرير (عن)، تقديرُه: وعن قتال فيه، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود والربيع (٨) (٩) ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ﴾ مرتفع بالعطف على الابتداء (١٠) ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ هذا قول الزجاج (١١) (١٢) (١٣) أحدهما: أنه عطف على قوله: ﴿ كَبِيرٌ ﴾ يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى (١٤) والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة ﴿ كَبِيرٌ ﴾ المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ ﴾ (١٥) (١٦) ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (١٧)  وأصحابه عن البيت عام الحديبية (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أي: بالله ﴿ وَالْمَسْجِدِ ﴾ يُخْفَضُ بالعطف على ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25].

وقال الفراء: المسجد الحرام مخفوض بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ وعن المسجد (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ أي: أهل المسجد منه ﴿ أَكْبَرُ ﴾ أعظم وزرًا وعقوبة ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ (٢٦) ﴿ وَالْفِتْنَةُ ﴾ أي: الشرك والكفر {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}، يعني: قتل ابن الحضرمي (٢٧) (٢٨)  من مكة ومَنْع المؤمنين عن البيت (٢٩) وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم، فالعلماء فيه مختلفون: قال ابن جريج (٣٠) (٣١) وروى أبو الزبير عن جابر (٣٢)  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، هذه الآية عندهم ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ ﴾ يعني: مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له، يقال: ما يزال يفعل كذا، ولا (٣٧) ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ  ﴾ ، وهَلُمّ وهَاكَ وهَاتِ وتَعَالَوا.

ومعنى (لا يزالون) أي: يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي: تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي: لم يتركْه، وقلّ ما يتكلم به إلا بحرف نفي لأنه يبطل المعنى، وذلك أنك إذا قلت: زال زيد، فإنما أثبت زوال القيام، فإذا أدخلت حرف النفي نفيت الزوال، وبينت معنى الدوام، ومثله: (ما برح) بهذا التقدير سواء (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ أظهر التضعيف مع الجزم؛ لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَيَمُتْ ﴾ جزم بالعطف على ﴿ يَرْتَدِدْ ﴾ (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ أي: بطلت، يقال: حَبِطَ عملُ الرجلِ يَحْبَطُ حَبَطًا وحُبُوطًا، وأَحْبَطَه اللهُ إِحْبَاطًا (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ ﴾ .

(١) هو: عمرو بن العلاء الحضرمي، والحضرمي هو عبد الله بن عباد الصدفي، كان من صناديد كفار قريش، كان في عير تجارة قريش، قتله واقد بن عبد الله التميمي من سرية عبد الله بن جحش.

انظر"البداية والنهاية" 5/ 37 - 39.

(٢) هو: واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين التميمي الحنظلي اليربوعي، صحابي أسلم قبل دخول الرسول دار الأرقم، بعثه رسول الله  في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة لمراقبة تحركات المشركين والإتيان بأخبارهم، فكان أول من قاتل من المسلمين، شهد بدرًا والمشاهد كلها توفي في أول خلافة عمر  .

انظر: "معرفة الصحابة" 5/ 2729، "أسد الغابة" 5/ 432 - 433.

(٣) من قوله: عمرو بن الحضرمي ..

ساقط من (أ) ولا (م).

(٤) ينظر في سبب النزول: "تفسير الطبري" 2/ 347 - 348، "سيرة ابن هشام" 2/ 340، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 17، "تفسير الثعلبي" 2/ 753 - 760، والواحدي في "أسباب النزول" ص 69، قال ابن حجر في "تعليق التعليق" 1/ 76: وهو مرسل جيد، قوي الإسناد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالسماع.

(٥) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 177.

"الكامل" للمبرد 2/ 265، وابن يعيش في "تفسيره" 1/ 386، "شواهد المغني" 297.

قوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء.

ينظر: "شرح الديوان"، "مجاز القرآن"، "المعجم المفصل" 7/ 117.

(٦) ينظر في بدل الاشتمال: "الكتاب" لسيبويه 1/ 150 - 158، "المقتضب" 1/ 27، 4/ 296.

(٧) في (م): (ومعنى سؤالهم).

(٨) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "المصاحف" لابن أبي داود 58، "تفسير الثعلبي" 2/ 767، "البحر المحيط" 2/ 145.

(٩) ينظر في إعراب هذه الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 132، "البحر المحيط" 1/ 145، وقد أعرض المؤلف عن وجه ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 72، وهو الخفض على الجوار، قال النحاس: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عز وجل، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ وقال: وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضًا، أي: صار تابعا له، ولا نعني به المصطلح عليه جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقا لقول الجمهور، إلا أنه أغمض في العبارة وألبس في المصطلح.

(١٠) من قوله: (وما بعده من ..) ساقطة من (ي).

(١١) ذكره الزجاج في "تفسيره" 1/ 290.

(١٢) ينظر في إعراب الآية: المصادر السابقة.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141.

(١٤) ساقطة من (ش).

(١٥) من قوله: وإخراج.

ساقطة من (أ)، (ي).

(١٦) ينظر في مناقشة الفراء: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 128.

(١٧) ينظر في الصد "تهذيب اللغة" 2/ 1984 ، 1985، "المفردات" ص 279، "اللسان" 4/ 2409 "صد".

(١٨) ذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 767 مثل قول الواحدي، دون قوله: عام الحديبية، وفيه إشكال؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، والظاهر أن المراد بالصد عن سبيل الله: الصد عن دين الله.

ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 221، "تفسير القرطبي" 3/ 46، وقد حاول الرازي الإجابة عن هذا بأن المراد أنه معلوم لله قبل وقوعه، والأولى ما ذكرنا.

(١٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141.

(٢٠) في (ش): (فأنكر).

(٢١) ينظر في مناقشة قول الفراء: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "المحرر الوجيز" 2/ 221، "التفسير الكبير" 6/ 34، "التبيان" ص 133.

(٢٢) في (أ) (ي): (مجوعهما) وفي (م): (فجمعوهما).

(٢٣) ليست في (ي).

(٢٤) في (ي) (الباقى) وفي (م) (الثاني) وفي (ش) (الباقى).

(٢٥) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 308، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "التبيان" ص 133، "البحر المحيط" 2/ 146.

(٢٦) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 768.

(٢٧) المصدر السابق.

(٢٨) هو: عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة، أبو محمد الأسدي، أمه أميمة بنت عبد المطلب، أسلم قبل دخول الرسول  دار الأرقم وهاجر الهجرتين، كان أول أمير أمره الرسول  ، شهد بدرا وقتل في أحد شهيدًا سنة 3هـ.

انظر "أسد الغابة" 3/ 194 - 195، "الأعلام" 4/ 76.

(٢٩) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 2/ 768، البغوي في "تفسيره" 1/ 248.

(٣٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 353.

(٣١) في (ش) (بالحرم).

(٣٢) المصدر السابق.

(٣٣) في (ي) (يغروا).

(٣٤) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237، والرازي في "تفسيره" 2/ 23.

(٣٥) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237.

(٣٦) لم أجده عنه.

(٣٧) في (ي)، (ش) (أولا يزال).

(٣٨) ينظر في زال وأحكامها: "المقتضب" للمبرد 3/ 96 - 189، 4/ 119 - 120، "تهذيب اللغة" 2/ 1577، "المفردات" 216، "اللسان" 3/ 1901"زول".

(٣٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 290، "التبيان" ص 133.

(٤٠) في (ي) (يرتد).

(٤١) "تفسير الثعلبي" 2/ 768، "التبيان" ص 133.

(٤٢) في (ش) (وجوابها).

(٤٣) ونقل في "تهذيب اللغة" 1/ 726 "حبط" عن ابن السكيت، يقال: حَبَط عملُه يحبُط حبْطا وحُبوطا، بسكون الباء، وحبِط بطنُه إذا انتفخ يحبَط حبَطا فهو حبِط، ورأيت بخط الأقرع في كتاب ابن هانىء: حبَط عملُه يحبُط حبوطا وحبْطا، وهو أصح، ثم قال في 1/ 728: قلت: ولا أرى حبْط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبَط البطن؛ لأن صاحب الحبَط يهلِك، وكذلك عمل المنافق والمشرك يحبط، غير أنهم سكنوا الباء من قولهم: حبط بطنُه يحبَط حبْطا، كذلك أثبت لنا عن ابن السكيت وغيره.

(٤٤) في (ي): (ما).

(٤٥) أخرجه البخاري (6427) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ومسلم (1052) كتاب الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا.

قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 727: هو مثل الحريص المفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنْبِتُ أحرار العشب التي تَحْلَوْليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلِك، وكذلك الذي يجمع الدنيا، ويحرص عليها ويشحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها.

(٤٦) ينظر في حبط: "تهذيب اللغة" 1/ 726، "المفردات" ص 113 - 114، "عمدة الحفاظ" 1/ 423 - 425، "لسان العرب" 2/ 755.

(٤٧) في (أ) (م) (يحبط).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الشهر الحرام ﴾ : جنس وهو أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة وذو الحجة، والمحرم ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ بدل من الشهر وهو مقصود السؤال ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ أي ممنوع ثم نسخه: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وذلك بعيد فإن حيث وجدتموهم عموم في الأمكنة لا في الأزمنة، ويظهر أن ناسخه ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 36] بعد ذكر الأشهر الحرم، فكان التقدير: قاتلوا فيها، ويدل عليه: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]، ويحتمل أن يكون المراد وقوع القتال في الشهر الحرام: أي إباحته حسبما استقر في الشرع، فلا تكون الآية منسوخة، بل ناسخة لما كان في أوّل الإسلام، ومن تحريم القتال في الأشهر الحرم ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ابتداء، وما بعده معطوف عليه، و ﴿ أكبر عند الله ﴾ خبر الجميع، أي أن هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار: أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عَيَّر به الكفار المسلمين سرية عبد الله بن جحش، حين قاتل في أوّل يوم من رجب، وقد قيل: إنه ظن أنه آخر يوم من جمادى ﴿ بِهِ ﴾ عطف على سبيل الله ﴿ حتى يَرُدُّوكُمْ ﴾ قال الزمخشري: حتى هنا للتعليل ﴿ فأولائك حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ ذهب مالك على أن المرتد يحبط عمله بنفس الارتداد، سواء رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد.

ومن ذلك انتقاض وضوئه، وبطلان صومه، وذهب الشافعي إلى أنه: لا يحبط إلاّ إن مات كافراً؛ لقوله: ﴿ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ﴾ ، وأجاب المالكية بقوله حبطت أعمالهم جزاء على الردة، وقوله: ﴿ وأولائك أصحاب النار هُمْ فِيهَا ﴾ جزاء على الموت على الكفر، وفي ذلك نظر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط للابتداء بالشرط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كره لكم ﴾ ج ﴿ خير لكم ﴾ ج لتفصيل الأحوال ﴿ شر لكم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ قتال فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ.

وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله".

و "كفر به" مبتدأ.

والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم ﴿ أكبر من القتل ﴾ ط ﴿ استطاعوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

المستقبل على المستقبل.

﴿ يتذكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  ﴾ جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر.

الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق ﴿ يسئلونك ماذا ينفقون ﴾ عن ابن عباس: نزلت الآية "في رجل أتى النبي  فقال: إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك.فقال: إن لي دينارين.

فقال: أنفقهما على أهلك.

فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك.

فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك.

قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك.

قال: إن لي ستة.

قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً" .

وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟

أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً  ﴾ وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ الآية.

فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود.

وذلك أن قوله ﴿ ما أنفقتم من خير ﴾ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق.

وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية.

فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله ﴿ إنها بقرة لا ذلول  ﴾ سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية.

وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟

والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت.

لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله.

والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق.

وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار.

وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب.

﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم أحسن الجزاء.

عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة.

وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله  في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب.

قوله  : ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ كان النبي  غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله  الجهاد.

قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية.

أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ كتب ﴾ وأما العموم فلأن قوله ﴿ عليكم ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ و ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب.

وعن ابن عمر وعطاء أن قوله ﴿ كتب ﴾ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ عليكم ﴾ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت.

والعموم في ﴿ عليكم الصيام ﴾ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع.

وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.

﴿ وهو كره لكم ﴾ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله  فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟

والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن  أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.

والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم.

وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله  ﴿ حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ﴾ وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.

﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.

العلــم أولــه مــر مـذاقتـه *** لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم.

وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو.

وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.

وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن.

قال: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح  ﴾ وقد وجد ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً  ﴾ وقد حصل.

والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله  كما بينا في "لعل" ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وذلك أن علمه  فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد.

وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف.

وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله  علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه  يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك.

فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله  في جواب الملائكة ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

الحكم الثاني في قوله  ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغيرالشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي  هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟

ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي  - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير.

وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين.

فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك.

فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة.

ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم.

حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.

ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.

فلما رأوا أصحاب رسول الله  هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار.

فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم.

وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب.

فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم.

فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين.

واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم.

واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله  بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم.

سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين.

فقال رسول الله  لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام" ، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.

فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ فأخذ رسول الله  العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما.

فلما قدما فأداهما.

فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله  بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله  : "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" .

وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله  عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ عن قتال فيه ﴾ بتكرير العامل.

وقرأ عكرمة ﴿ قتل فيه قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة.

وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف.

فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله  ﴿ قل قتال ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟

قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش.

فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه.

ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟

عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.

وروى جابر قال: لم يكن رسول الله  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.

وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟

قال: نعم.

قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم.

وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته.

قوله  ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ ويمكن أن يقال أن قوله ﴿ قتال فيه كبير ﴾ نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.

﴿ وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟

واعلم أن قوله ﴿ وصد ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة ﴿ تساءلون به والأرحام  ﴾ بالخفض.

والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام.

واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله ﴿ وكفر به ﴾ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له".

وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم.

وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم.

والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة.

وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش.

وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر.

وأجيب بأن معلوم الله كالواقع.

والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة.

وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال.

وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام.

وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار.

﴿ أكبر من القتل ﴾ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.

يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول  من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل.

ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  ﴾ وقوله ﴿ إن استطاعوا ﴾ استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" ﴿ ومن يرتدد ﴾ ومن يرجع ﴿ منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴾ باق على الردة ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.

وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات.

وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب.

ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون.

وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة.

فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه.

لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي.

فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع.

وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق.

فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور.

وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله  عطفاً على الشرط ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك.

وفي الحديث "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال.

فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق.

إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي.

وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله  هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً.

وقيل: إنه  لما أوجب الجهاد بقوله ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.

ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل.

والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر.

وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة.

والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته.

ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا.

ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك.

وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد.

ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله.

وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ \[المؤمنون: 60\].

﴿ والله غفور رحيم ﴾ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله.

عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة.

ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب.

وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.

وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.

وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.

روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله  خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك.

قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟

قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟

وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.

ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

والكراهة المذكورة هاهنا والمحبة: هي كراهة الطباع والنفس، [ومحبة الطباع والنفس،] لا كراهة الاختيار.

ولا يكون في كراهة الطباع خطاب؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار؛ لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول الله  يؤمرون بالقتال والمجاهدة مع العدو ثم هم يكرهون عما أمروا اختياراً منهم؛ لأن ذلك دأب أهل النار، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد والمشقة وكراهيته.

وقوله: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل هذا في القتال خاصة، وهو أن يكونوا كرهوا القتال؛ لما فيه من المشقة والشدة، ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال الثواب والدرجات في الآخرة.

﴿ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً ﴾ ، يعني التعود على الجهاد، ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ ، لما فيه من اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة.

ويحتمل هذا في كل أمر يحب [الرجال] في الابتداء ويكون عاقبته شرّاً له، ويكره أمراً فيكون عاقبته خيراً له.

هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها؛ ليعلم أن ليس إلينا من التدبير في شيء.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، [أي: ويعلم] ما هو خير لكم في العواقب مما هو شر لكم، "وأنتم لا تعلمون".

وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام، ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول الله  ، والكفر به، وإخراج أهله منه، لكن إذ فعلوا ذلك، لم يكن القتال بجنبه كبيراً، بل الكفر فيه أكبر من القتل.

فكأنه - والله أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر، ثم جعل الكفر أكبر من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه.

ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند البلوى بما بين.

والقتال بنفسه كبير؛ لأن فيه تفاني الخلق، ولم يخلقوا للفناء.

ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين: أحدهما: أنه ذكر القتل، وجعل الكفر أكبر منه، ولو أوجب القتل التخليد، ما أوجب الكفر، لكان فيه التساوي، ولا يكون الكفر أكبر من القتل فبان أن الكبيرة لا توجب التخليد ما أوجب الكفر.

والله أعلم.

والثاني: قال: والكفر منه، فصيره أكبر، ثم [لا يخلو أكبره] من أن يكون بنفسه، أو بالكافر، أو بالله.

ولا يحتمل أن يكون بالكافر؛ لأن فعل الكفر أصغر عنده من فعل الزنى والقتل؛ لأنه يدين بالكفر ويستحسنه، ويستقبح ذلك.

فبان أن يكبر بنفسه أو بالله.

فإن قالوا: بنفسه.

قيل لهم: لما جاز أن يكون كبره بغير من ينشئه لما لا جاز خلقه بغير من يفعله، أو يكن بالله؟

وهو قولنا.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم يفعلون كذا، فكان كما قال: فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

وقوله: ﴿ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، ولكن لا يستطيعون أن يردوكم عن دينكم.

ففيه إياس الكفرة عن رد هؤلاء إلى دينهم، وأمن هؤلاء عن الرجوع إلى دينهم.

وقيل: (إن) بمعنى (لو)، أي: لو قدروا أن يردوكم عن دينكم إلى دينهم لفعلوا.

أخبر الله عز وجل عما ودوا إن إستطاعوا، لكن الله بما أكرمهم وبشرهم من النصر وإظهار الدين لا يستطيعون على ذلك أظهر بقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكر إحباط الأعمال، بالموت على الكفر، والعمل يحبط بالكفر دون الموت.

والوجه فيه: أنه لا يحتمل أن يكون الموت هو سبب إحباط الأعمال، بل الكفر بنفسه إذا وجد؛ إذ الموت لا صنع فيه للعباد، والكفر فيه لهم اختيار، لم يجز جعل العمل حبطاً بما لا صنع له فيه، دل أن الكفر هو المحبط، لا الموت، ولكن ذكر الموت في هذا لما فيه تمام الحبط والإبطال، وما لم يمت ترجى له المنفعة بحسناته؛ لأنه إذا كفر جحد تلك الحسنات فأبطلها، فإذا أسلم بعد ذلك ندم على جعل ذلك باطلاً، فصار مقابلاً لسيئاته بحسنات، فهو حالة الانتفاع به كما قال عز وجل: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .

أما في الدنيا: فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الحسن الذي يستوجب بالخير والدين عند الناس، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله وصار على أعين الناس أخف من الكلب والخنزير.

وأما حبطه في الآخرة: فذهاب ثواب أعماله، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند الله، لا بالعمل نفسه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ  جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ  ﴾ ، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب بإحضاره وإتيانه عند الله، لا بالعمل نفسه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ .

تضمن قوله: ﴿ ءَامَنُواْ ﴾ الإيمان بالله، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من الرسالات وغيرها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ .

الهجرة تكون على وجهين: أحدهما: الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول الله  بالمدينة، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  ﴾ .

ثم روي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة" والهجرة الثانية: هجرة الآثام والإجرام، فهي لا ترتفع أبداً.

وقال الحسن في قوله  : ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ : أي بالعداوة منه لمن كفر بالله.

وقال أبو بكر الصديق - رضي الله  عنه -: أن يهجر قومه وداره ويخرج لله.

وقوله: ﴿ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

المجاهدة تكون على وجوه: مجاهدة العدو، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.

وقوله: ﴿ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ .

فيه دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر الله.

وقوله: ﴿ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجهين: الرحمة: الجنة، والرحمة: المغفرة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

لما كان منهم من التقصير فيما ذكر من المجاهدة والمهاجرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يسألك الناس -أيها النبي- عن حكم القتال في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، قل مجيبًا إياهم: القتال في هذه الأشهر عظيم عند الله ومستنكر، كما أن ما يقوم به المشركون من صد عن سبيل الله مستقبح كذلك، ومنع المؤمنين عن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، والشرك الَّذي هم فيه أعظم من القتل.

ولا يزال المشركون على ظلمهم يقاتلونكم -أيها المؤمنون- حتَّى يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومن يرجع منكم عن دينه، ويمت وهو على الكفر بالله؛ فقد بطل عمله الصالح، ومآله في الآخرة دخول النار وملازمتها أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.qpABD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه من طريق زيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله  عبد الله بن جحش -وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب مقفله من بدر الأولى وكتب له كتابًا يعلمه فيه أين يسير فقال: "أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك فانظر فيه فما أمرتك به فامض له، ولا تستكره أحدًا من أصحابك على الذهاب معك".

فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أنْ أَمض حتى تنزل "نخلة" فأتنا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، ولم يأمره بقتال.

فقال لأصحابه -وكانوا ثمانية- حين قرأ الكتاب: سمعًا وطاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فأنا ماضٍ لأمر رسول الله  ومن كره ذلك منكم فليرجع، فإن رسول الله  قد نهاني أن أستكره منكم أحدًا.

فمضي القوم معه حتى كانوا بنجران أَضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا "نخلة" فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله وأشرف لهم عكاشة بن حصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقًا قالوا عمار ليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله  وكان آخر يوم من جمادى، فقالوا لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة الحرم فليمتنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل، وأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله  فقال لهم: "والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".

فأوقف رسول الله  الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئًا.

فلما قال لهم رسول الله ما قال سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ  ﴾ الآية فأخذ النبي  العير وفدى الأسيرين.

وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي  فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟

فنزلت.

هكذا أورد القصة بعض المفسرين وقوله في صدرها "في رجب إلخ" يختلف مع قوله بعد "وكان آخر يوم من جمادى" وذكروا أن هذه القصة كانت قبل غزوة بدر بشهرين، وبعد الهجرة بسبعة عشر شهرًا.

وأخرجها السيوطي في أسباب النزول عمن ذكر ما عدا ابن إسحق من حديث جندب بن عبد الله مختصرة وقال إنهم قتلوا ابن الحضرمي ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى: وقال في آخرها: فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر، فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا  ﴾ الآية ومشى على ذلك في التفسير.

وكلامه يفيد أن الآيات نزلت متفرقة والصواب أن الآيات الثلاث نزلت في قصة واحدة مرة واحدة.

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ  ﴾ إلخ قالوا إن هذه أول آية فرض فيها القتال وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وقد كان القتال ممنوعًا فأذن فيه بعد الهجرة بقوله تعالى في سورة الحج: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  ﴾ الآيات ثم كتب في هذه السنة.

ونقل عن ابن عمر وعطاء أن القتال كان واجبًا في ذلك الوقت على الصحابة فقط، وأن هذا هو المراد من الآية.

وذهب السلف إلى أن القتال مندوب إليه واستدلوا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  ﴾ وهو مردود بأن القاعدين هنا هم أولو الضرر العاجزون عن القتال لما نطقت به الآية، وأما القاعدون كراهة في القتال فحكمهم في سورة براءة، وقيل إن القتال يجب في العمر مرة واحدة.

وقد انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف الذي كان في القرن الثاني على أن الجهاد من فروض الكفاية إلا أن يدخل العدو بلاد المسلمين فاتحًا فيكون فرض عين.

أما قوله تعالى ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ فقد عده بعضهم من المشكلات إذ كيف يكره المؤمنون ما يكلفهم الله تعالى إياه وفيه سعادتهم، وحمله جمهور المفسرين على الكره الطبيعي والمشقة، وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة في القيام بأعبائه من حيث إنه ما أمر الله به وجعل فيه المصلحة لحفظ دينه كما قال في آيات الإذن به من سورة الحج ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ  ﴾ إلخ.

وقوله ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ معناه أن من الأشياء المكروهة طبعًا ما تأتونه وأنتم ترجون نفعه وخيره كشرب الدواء البشع المر، ومن الأشياء المستلذة طبعًا ما يتوقع فاعلها الضر والأذى في نفسه أو من جهة منازعة الناس له فيه.

هذا تقرير ما قاله المفسرون ولكن لا يظهر على هذا الذي قالوه معنى وجيه لقوله  ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ لأن هذا مما يعلمه الناس ويتوقعونه لا مما هداهم الكتاب إليه بعد أن كانوا غائبين عنه، والصواب أن ﴿ عَسَى  ﴾ في مثل هذا المقام تفيد أن ما دخلت عليه من شأنه أن يقع، لا أنه مرجو من المتكلم ومتوقع، وأن الكره محمول على غير ما حملوه عليه.

ذلك أن النبي  بُعِثَ والعرب في قتال مستحر، ونزاع مستمر، وكان الغزو للسلب والنهب من أعظم أسباب الكسب، وكان الصحابة قد ألفوا القتال واعتادوه ومرنوا عليه فلم يكن عندهم مكروهًا بالطبع، ولكنهم كانوا يرون أنفسهم فئة قليلة حملت هذا الدين واهتدت به ويخشون أن يقاوموا المشركين بالقوة فيهلكوا ويضيع الحق الذي هدوا إليه وكلفوا إقامته والدعوة إليه.

وثم وجه آخر وهو أن كرههم للقتال لم يكن خوفًا على أنفسهم أن يبيدوا ولا على الحق الذي حملوه أن يضيع، وإنما هو حب السلام والرحمة بالناس التي أودعها القرآن في نفوسهم، وثبتها الإيمان في قلوبهم، واختيار مصابرة الكفار ومجادلتهم بالدليل والبرهان دون مجادلتهم بالسيف والسنان، رجاء أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا خطوات الشيطان، وعلى هذا الوجه يظهر من معنى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ ما لا يظهر في المعنى الذي قبله ويفيد قوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أن قياسكم جميع الكافرين على أنفسكم، وتوقعكم أن يزين لهم من الإيمان ما زين لكم، هو من الأقيسة الباطلة، فإن الاستعداد في الناس يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فمنهم من ساءت خليقته، وأحاطت به خطيئته، حتى لم يبق لروح الحق منفذ إلى عقله، ولا لحب الخير طريق إلى قلبه، فلا تنفع فيه الدعوة، ولا ترجى له الهداية، ومثل هذا الفريق في الأمة كمثل الدم الفاسد في الجسم إذا لم يخرج منه فإنه يفسده، ولم يأمر الله بقتالهم إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم، فلا يقاسون على من سلمت فطرتهم وحسنت سريرتهم، حتى كان وقوعهم في الباطل جهلًا منهم بالحق وإصابتهم بعض الشر لعدم التمييز بينه وبين الخير، وأنتم أيها المؤمنون لا تعلمون كنه استعداد الناس ولا ما يكون من أثره في مستقبلهم، وإنما الله هو الذي يعلم ذلك فامتثلوا أمره.

وأما معناه على الوجه الأول فهو أن سنة الله تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه ما استمسك حزب الله بحقهم فأقاموه ودعوا إليه ودافعوا عنه، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به أعداءه ويطمعهم بالتنكيل بحزبه، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم، وأنه قد سبق في علم الله تعالى أن الله لا بد أن يظهر دينه وينصر أهله على قلتهم، ويخذل أهل الباطل على كثرتهم ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وقد علم الله كل هذا وأنتم لا تعلمون ما خبأ لكم في غيبه، وستجدونه في امتثال أمره، والعمل بما يرشدكم إليه في كتابه.

ومن عجيب ما ترى العينان نقل المفسرين بعضهم عن بعض أن المراد بقوله تعالى ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا  ﴾ جميع التكاليف التي أمروا بها، وبقوله تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا  ﴾ جميع ما نهوا عنه.

ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يكره طبعه وتستثقل نفسه جميع ما أمره الله تعالى به، وتحب جميع ما نهاه عنه، ولكن التقليد يذهل المرء عن نفسه وما تحب وتكره، وعما يراه ويعرفه في الناس بالمشاهدة والاختبار.

بعد ما بين سبحانه أن القتال كتب على هذه الأمة فلا مفر منه، وإن كرهه المؤمنون خشية أن يضيع الحق بهلاك أهله، أو لما أودع القرآن قلوبهم من الرحمة، والرجاء يجذب الناس إلى الإيمان بجاذب الدليل والحجة -وهو الأرجح- بينّ سبحانه مسألة لا بد في هذا المقام من بيانها للحاجة إلى العلم بها، على أنه وقع السؤال عنها، وهي مسألة القتال في الشهر الحرام فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان النبي  يقر الناس على غير القبيح مما كانوا عليه، وترك القتال أربعة أشهر من السنة حسن لأنه تقليل للشر، لذلك كان لما فعله عبد الله بن جحش وأصحابه وقع سيء عند المسلمين والمشركين جميعًا على أنهم لم يكونوا يعلمون عند أخذ العير وقتل من قتلوا أن ذلك اليوم غرة رجب.

قيل إن السائلين هم المؤمنون وقيل هم المشركون وقد تقدمت الرواية في ذلك، وسياق الآية رد على المشركين، وإرشاد للمؤمنين، وهي: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ أي عن القتال فيه وقرئ ﴿ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ بتكرير العامل وقدم ذكره للعناية به، ونكر القتال في السؤال والجواب لتنويعه كأنه قيل أيصح أن يقع فيه قتال ما؟

﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ أي أن أيّ قتال فيه وإن كان صغيرًا في نفسه أمر كبير مستنكر وقوعه فيه لعظم حرمته، وقال بعضهم معناه ذنب كبير وهذا تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام، قال ابن جريج حلف لي عطاء بالله إنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا على سبيل الدفع، وإن هذا حكم باقٍ إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم إنه منسوخ بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وأنكر بعضهم هذا لأنه نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف.

وقال آخرون إن الآية لا تدل.

وعبارة البيضاوي: "والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في كل الشهر الحرام مطلقًا لأن لفظ ﴿ قِتَالٍ  ﴾ فيها نكرة في حيز مثبت فلا يعم".

وهذا القول غير ظاهر فإن دلالة الآية على المنع المطلق لا يتوقف على كون لفظ القتال فيها عامًا، وربما كانت دلالة النكرة فيما أدل على إطلاق الحكم في كل قتال في جنس الشهر الحرام كما بيناه في معنى تنكيرها وكونه للتنويع.

ولهم في الآية كلام كثير، والظاهر المتبادر أن إثبات كون القتال في الشهر الحرام كبيرًا تمهيد للحجة على أن ما فعله عبد الله بن جحش وما عساه يفعله المسلمون من القتال فيه مبني على قاعدة لا ينكرها عقل، وهي وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن بد من أحدهما، ولا شك أن القتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم، وإنما يرتكب لإزالة ما هو أعظم منه وذلك قوله تعالى ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ أي وصد الناس ومنعهم عن الطريق الموصل إليه تعالى وهو الإسلام، وهو الذي يفعله المشركون من اضطهاد المسلمين وفتنتهم عن دينهم إذ يقتلون من يسلم أو يؤذنونه في نفسه وأهله وماله، ويمنعونه من الهجرة إلى النبي  ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ  ﴾ أي بالله تعالى ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ أي وصد عن المسجد الحرام، وهو منع المؤمنين من الحج والاعتمار ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ  ﴾ وهو النبي  والمهاجرون، وذلك كقوله في آيات الإذن بالقتال في سورة الحج ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  ﴾ كل واحدة من هذه الجرائم التي عليها المشركون ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ من القتال في الشهر الحرام فكيف بها وقد اجتمعت.

ثم صرح بالعلة العامة لمشروعية القتال وهي فتنة الناس عن دينهم فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ  ﴾ وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبما علم من الإيذاء والتعذيب، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته، وبلال، وصهيب، وخباب بن الارت، وغيرهم.

كان عمار يعذب بالنار يكوى بها ليرجع عن الإسلام، وكان النبي  يمر به فيرى أثر النار به كالبرص.

وعن أم هانئ قالت إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد الله وسمية أمه كانوا يعذبون في الله فمر بهم النبي  فقال: "صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" وفي رواية: "صبرًا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت".

مات ياسر في العذاب وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة ابن المغيرة وهو الذي عهد إليه بتعذيبها فعذبها عذابًا شديدًا رجاء أن تفتن في دينها فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها وكانت عجوزًا كبيرة، وكان أبو جهل يقول لها مع ذلك: ما آمنت بمحمد إلا أنك عشقته لجماله: يؤذيها بالقول كما يؤذيها بالفعل.

وكان يلبس عمار درعًا من الحديد في اليوم الصائف يعذبه بحره.

وكان أمية بن خلف يعذب بلالًا بفتنه فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويومًا ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء، أي يضعه على الرمل المحمى بحرارة الشمس الذي ينضج اللحم، ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد  ، وتبعد اللات والعزى.

فيأبى ذلك وهانت عليه نفسه في الله  ، وكانوا يعطونه للولدان فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول "أحد، أحد".

وحكى خباب  عن نفسه قال لقد رأيتني يومًا وقد أوقدت لي نار وضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك (دهن) ظهري!

فهذا نموذج من فتنة المشركين لضعفاء المسلمين، وما امتنع منهم إلا من له عصبة من قومه عز عليهم إبساله فمنعوه حمية وأنفة للقرابة، على أن النبي  على منعة قومه وعناية الله تعالى به لم يسلم من إيذائهم فقد وضعوا سلا الجزور على ظهره وهو يصلي وخاف أصحابه تنحيته عن ظهره، حتى نحته السيدة فاطمة عليها السلام، وتعرضوا له بضروب من الإيذاء كفاه الله شرها كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ .

هذا ما كان المشركون يعاملون به المؤمنين في حال ضعفهم، ولما هاجروا وكثروا صاروا يقصدونهم بالقتال في مهجرهم لأجل الدين، ولذلك قال تعالى ﴿ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ عاد إلى خطاب المؤمنين الذين كانوا يكرهون القتال لما تقدم، فأعلمهم أن أولئك المشركين لا هم لهم إلا منع الإسلام من الأرض، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله؛ وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة، طمع في غير مطمع، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام، لو لم يحتف بها غيرها من الآثام، كيف وقد قارنها الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه والاعتداء بالقتال والاستمرار عليه.

وقوله ﴿ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ يفيد الشك في استطاعتهم وعدم الثقة بها لأن من عرف الإسلام معرفة صحيحة، وهو الحق الصريح، لا يرجع عنه إلى الكفر، وهو الباطل المفضوح، وهكذا يكون فلا يزال الكفار يقاتلوننا ليردونها عن ديننا إن استطاعوا، ولم يستطيعوا.

ولما ذكر الردة التي يبغونها بقتالهم بين حكمها فقال ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ أي ومن يرجع منكم عن الإسلام إلى الكفر حتى يموت عليه فرضًا، فأولئك المرتدون هم الذين بطلت وفسدت أعمالهم في الدارين حتى كأن واحدهم لم يعمل صالحًا قط.

لأن الرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة تصيب المخ والقلب فتذهب بالحياة، فإن لم يمت المصاب بعقله وقلبه، فهو في حكم الميت لا ينتفع بشيء.

وكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدي إلى نور الإيمان، تفسد روحه ويظلم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، ولا يعطى شيئًا من أحكام المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا والآخرة.

يقول بعض الفقهاء: إن المرتد تبطل أعماله حتى كأنه لم يعمل خيرًا قط، وحتى إنه يجب عليه إعادة نحو الحج إذا رجع إلى الإسلام، وتطلق منه امرأته طلاقًا بائنًا فلا تعود إليه إذا هو عاد إلى الإسلام إلا بعقد جديد.

ويقول غيرهم إن حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر، فإذا ارتد المسلم مدة ثم عاد لا تجب عليه إعادة نحو الحج، وأما امرأته فإنها تكون موقوفة إلى انتهاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها كانت على عصمته، وإن عاد بعد انقضاء العدة فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد.

وللردة أحكام أخرى عند الفقهاء تطلب من كتبهم.

ومعنى الآية ظاهر وهو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه ولا في أخراه، وذلك أن الرجوع عن الدين رجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية الثلاثة وهي: الإيمان بأن لهذا الكون العظيم المتقن في وحدة نظامه، وبديع أحكامه، ربا إلهًا أبدعه وأتقنه بقدرته وحكمته بغير مساعد ولا واسطة، فلا تأثير لغيره في شيء منه إلا ما هدى هو الناس إليه باطراد سننه في الأسباب والمسببات، فيجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، لا في الدعاء ولا في غيره من معاني العبادة التي بيناها في سورة الفاتحة وغيرها.

وهذا الأصل هو منتهى ما يصل إليه ارتقاء العقل البشري في الاعتقاد، وتطهير الأنفس من الخرافات والأوهام.

الإيمان بعالم الغيب والحياة الآخرة، ذلك أن العوالم الحية التي في هذا الكون لا تنعدم من الوجود ولا تنفذ من أقطار ملك الله بما نراه من فساد تركيبها وذهاب صورها، فإذا كان العدم المحض غير معقول، والتحول في الصور مألوف منظور، فلا غرو أن يكون للناس حياة أخرى في عالم آخر بعد خراب هذا العالم.

وهذا الإيمان ركن من أركان الارتقاء البشري لأنه يبعث البشر إلى الاستعداد لذلك العالم الأوسع الأكمل، ويعرفهم بأن وجودهم أكمل وأبقى مما يتوهمون.

العمل الصالح الذي ينفع صاحبه وينفع الناس.

فهذه الأصول الثلاثة التي جاء بها كل نبي مرسل لا يتركها إنسان بعد معرفتها والأخذ بها، إلا ويكون منكوسًا لاحظ له من الكمال في دنياه ولا في آخرته، بل يكون من أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المظلمة، التي لا مقر لها في الآخرة إلا دار الخزي والهوان كما قال تعالى ﴿ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ وقد تقدم الكلام في مثل هذا.

كأنه تعالى يقول للمؤمنين الكارهين للقتال لا سيما في الشهر الحرام: إذا كان هؤلاء المشركون على ما ذكر من الكفر والطغيان، ومن إيذائكم وفتنكم عن الإيمان، ومن منع إخوانكم عن الهجرة إليكم بعد طردكم من الأوطان، ومن القصد إلى قتالكم حتى يردوكم عن دينكم، لتخسروا دنياكم وآخرتكم، فلا ينبغي أن تحجموا عن قتالهم عند الإمكان، ولا أن تحفلوا بإنكارهم عليكم القتال في الشعر الحرام.

ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين، ناسب أن يذكر جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين، لأن الذهن يتوجه إلى طلبه فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ  ﴾ المهاجرة مفارقة الأوطان والأهل وهي من الهجر ضد الوصل.

ولما هاجر النبي  من مكة فرارًا بنفسه وبقومه من أذى قريش وفتنتهم إلى المدينة التي عاهده من آمن من أهلها على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وجب على كل مسلم أن يتبعه في هجرته ليعتز الإسلام بأهله، ويقدر المؤمنون باجتماعهم على الدفاع عن أنفسهم.

واستمر وجوب الهجرة على من قدر إلى فتح مكة، إذ خذل الله المشركين وجعل كلمتهم السفلى، وكلمة الله هي العليا.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام في مثل عصرنا هذا، ويؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده أو عمل بما يجب عليه، وإن كان حكام تلك البلاد من صنف المسلمين، ومن ذلك أن لا يقدر المسلمون التصريح قولًا وكتابة بكل ما يعتقدون، ولا يمكنوا من القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجمع عليه منهما.

وأما المجاهدة فهي من الجهد وهو المشقة وليس خاصًا بالقتال.

والرجاء هو توقع المنفعة من أسبابها.

فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم، هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه رجاء حقيقيًا، وهم أجدر بأن يعطوا ما يرجون، وأما طلب المنافع ودفع المضار من غير أسبابها العادية في العاديات والشرعية في الدينيات، فلا يسميان رجاء، بل تمنيًا وغرورًا: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين، ولا سيما المهاجرين المجاهدين، يغفر لهم ما عساه يفرط منهم من تقصير، ويتغمدهم برحمته ورضوانه ونعم المصير.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله