الآية ٢١٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٦ من سورة البقرة

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 147 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين : أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام .

وقال الزهري : الجهاد واجب على كل أحد ، غزا أو قعد ; فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين ، وإذا استغيث أن يغيث ، وإذا استنفر أن ينفر ، وإن لم يحتج إليه قعد .

قلت : ولهذا ثبت في الصحيح " من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية " .

وقال عليه السلام يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، إذا استنفرتم فانفروا " .

وقوله : ( وهو كره لكم ) أي : شديد عليكم ومشقة .

وهو كذلك ، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء .

ثم قال تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) أي : لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء ، والاستيلاء على بلادهم ، وأموالهم ، وذراريهم ، وأولادهم .

( وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) وهذا عام في الأمور كلها ، قد يحب المرء شيئا ، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة .

ومن ذلك القعود عن القتال ، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم .

ثم قال تعالى : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي : هو أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم ; فاستجيبوا له ، وانقادوا لأمره ، لعلكم ترشدون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه بقوله : " كتب عليكم القتال "، فُرض عليكم القتال، يعني قتال المشركين= وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ .

* * * واختلف أهل العلم في الذين عُنوا بفرض القتال.

فقال بعضهم: عني بذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً دون غيرهم.

* ذكر من قال ذلك: 4072 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء قلت له: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ" ، أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها ؟

قال: لا!

كُتب على أولئك حينئذ.

4073 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا &; 4-296 &; خالد، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ"، قال نسختها وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [سورة البقرة: 285] * * * قال أبو جعفر: وهذا قول لا معنى له، لأن نسخَ الأحكام من قبل الله جل وعزّ، لا من قبل العباد، وقوله: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخٌ منه.

4074 - حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، قال: سألت الأوزاعي عن قول الله عز وجل: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم ؟

قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا.

(1) * * * وقال آخرون: هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقطُ فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين، كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم، وعلى هذا عامة علماء المسلمين .

* * * قال أبو جعفر: وذلك هو الصواب عندنا لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [سورة النساء: 95]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى.

* * * &; 4-297 &; وقال آخرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيام الساعة.

* ذكر من قال ذلك: 4075- حدثنا حُبَيش بن مبشر قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس!

فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي.

(2) * * * وقد بينا فيما مضى معنى قوله: " كتب " بما فيه الكفاية.

(3) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وهو ذو كره لكم، فترك ذكر " ذو " اكتفاء بدلالة قوله: " كره لكم "، عليه، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: 82] وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن عطاء في تأويله.

* ذكر من قال ذلك: 4076 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: " وهو كره لكم " قال: كُرّه إليكم حينئذ.

* * * " والكره " بالضم: هو ما حمل الرجلُ نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه،" والكَرْهُ" بفتح " الكاف "، هو ما حمله غيره، فأدخله عليه كرهًا.

وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم.

&; 4-298 &; 4077 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ بن مسلم، قال: الكُرْه المشقة، والكَرْه الإجبار.

* * * وقد كان بعض أهل العربية يقول: " الكُره والكَره " لغتان بمعنى واحد، مثل: " الغُسْل والغَسْل " و " الضُّعف والضَّعف "، و " الرُّهبْ والرَّهبْ".

وقال بعضهم: " الكره " بضم " الكاف " اسم و " الكره " بفتحها مصدر.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم، كما:- 4078 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم "، وذلك لأن المسلمين كانوا يكرهون القتال، فقال: " عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم " يقول: إن لكم في القتال الغنيمةَ والظهور والشهادة، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين، ولا تُستْشهدوا، ولا تصيبوا شيئًا.

4079 - حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، قال: حدثني يحيى بن محمد بن مجاهد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي، قال: أخبرني عامر بن واثلة قال: قال ابن عباس: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن عباس ارضَ عن الله بما قدَّرَ، وإن كان خلافَ هواك، فإنه مثبَتٌ في كتاب الله.

قلت: يا رسول الله، فأين؟

وقد قرأت القرآن !

قال: في قوله: " وعسى &; 4-299 &; أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " (4) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أنّ قتالكم إياهم، هو خيرٌ لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغِّبهم في قتال من كفر به.

----------------- (1) الأثر : 4074 - محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني نزل بغداد وكان وجه مشايخ بغداد وكان أحد الحفاظ الأثبات المتقنين مات سنة 270 ، وروى عنه الطبري في المذيل (انظر المنتخب من ذيل المذيل : 104) ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي روى عنه البخاري ، توفي ببغداد سنة 215 .

وكلاهما مترجم في التهذيب .

(2) الأثر : 4075 - حبيش بن مبشر بن أحمد الطوسي الفقيه ، كان ثقة من عقلاء البغداديين مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب وتاريخ بغداد .

وكان في المطبوعة : "حسين بن ميسر" وليس في الرواة من يعرف بذلك .

(3) انظر ما سلف 3 : 357 ، 364 ، 365 .

(4) الحديث : 4079 - هذا إسناد مظلم والمتن منكر!

لم أجد ترجمة"يحيى بن محمد بن مجاهد" ولا"عبيد الله بن أبي هاشم" ولا أدري ما هما .

ولفظ الحديث لم أجده ، ولا نقله أحد +من ينقل عن الطبري .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : " كتب " معناه فرض ، وقد تقدم مثله .

وقرأ قوم " كتب عليكم القتل " ، وقال الشاعر ( هو عمر بن أبي ربيعة ) : [ ص: 37 ]كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولهذا هو فرض الجهاد ، بين سبحانه أن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة إلى الجنة .

والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار ، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال ، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة ، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ثم أذن له في قتال المشركين عامة .

واختلفوا من المراد بهذه الآية ، فقيل : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين عليهم ، فلما استقر الشرع صار على الكفاية ، قاله عطاء والأوزاعي .

قال ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب الغزو على الناس في هذه الآية ؟

فقال : لا ، إنما كتب على أولئك .

وقال الجمهور من الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته .

وقال سعيد بن المسيب : إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا ، حكاه الماوردي .

قال ابن عطية : والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية ، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين ، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين ، وسيأتي هذا مبينا في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى .

وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوع .

قال ابن عطية : وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد ، فقيل له : ذلك تطوع .الثانية : قوله تعالى : وهو كره لكم ابتداء وخبر ، وهو كره في الطباع .

قال ابن عرفة : الكره ، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه ، هذا هو الاختيار ، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين ، يقال : كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية ، وأكرهته عليه إكراها .

وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى .

وقال عكرمة في هذه الآية : إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا : سمعنا وأطعنا ، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة ، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات .قلت : ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة ، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق .[ ص: 38 ] الثالثة : قوله تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئا قيل : " عسى " : بمعنى قد ، قاله الأصم .

وقيل : هي واجبة .

و " عسى " من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى :عسى ربه إن طلقكن أن يبدله .

وقال أبو عبيدة : " عسى " من الله إيجاب ، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم .قلت : وهذا صحيح لا غبار عليه ، كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ، فاستولى العدو على البلاد ، وأي بلاد ؟

!

وأسر وقتل وسبى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته!

وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :رب أمر تتقيه جر أمرا ترتضيهخفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية, فيها فرض القتال في سبيل الله, بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه, لضعفهم, وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكثر المسلمون, وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس, لما فيه من التعب والمشقة, وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا, فهو خير محض, لما فيه من الثواب العظيم, والتحرز من العقاب الأليم, والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم, وغير ذلك, مما هو مرب, على ما فيه من الكراهة { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة, فإنه شر, لأنه يعقب الخذلان, وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله, وحصول الذل والهوان, وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب.

وهذه الآيات عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك.

وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن, أنه إذا أحب أمرا من الأمور, فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له, فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويجعل الخير في الواقع, لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته منه كما قال [تعالى:] { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أو ساءتكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( كتب عليكم القتال ) أي فرض عليكم الجهاد واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال عطاء : الجهاد تطوع والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم وإليه ذهب الثوري واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى : " فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى " ( 95 - النساء ) ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يكن يعده الحسنى وجرى بعضهم على ظاهر الآية وقال : الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " .

وقال قوم وعليه الجمهور : إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام قال الزهري والأوزاعي : كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا فمن غزا فبها ونعمت ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر ، وإن استغني عنه قعد .

قوله تعالى : ( وهو كره لكم ) أي شاق عليكم ، قال بعض أهل المعاني : هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى وقال عكرمة نسخها قوله تعالى : ( سمعنا وأطعنا ) يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا ( سمعنا وأطعنا ) .

قال الله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) لأن في الغزو إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة ( وعسى أن تحبوا شيئا ) يعني القعود عن الغزو ( وهو شر لكم ) لما فيه من فوات الغنيمة والأجر ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كُتِب» فرض «عليكم القتال» للكفار «وهو كُرْهٌ» مكروه «لكم» طبعا لمشقته «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم» لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر وفي تركه وإن أحببتموه شرا لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر «والله يعلم» ما هو خير لكم «وأنتم لا تعلمون» ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم.

والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك.

فبادروا إلى الجهاد في سبيله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ) حض لهم على بذل النفس في سبيل إعلاء كلمة الله ، بعد أن حضهم في الآية السابقة على بذل المال .والكُره - بضم الكاف - بمعنى الكراهية بدليل قوله - تعالى - : ( وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً .

.

.

) أي أن القتال لشدة ويلاته ، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة ، وقرئ وهو كره لكم - بفتح الكاف - فيكون فيه معنى الإِكراه ، لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه .

وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية .ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما كان مكروها للنفوس لما فيه من التعرض للجراح وقطع الأطراف ، وإزهاق الأرواح والإِنسان ميال بطبعه إلى الحياة ، وأيضاً لما فيه من إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه وطعامه ، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد ، ومشتقات تتلوها مشقات ، ولكن كون القتال مكروها للنفوس لا ينافي الإِيمان ولا يعني أن المسلمين كرهوا فرضيته ، لأن امتثال الأمر قد يتضمن مشقة ، ولكن إذا عرف الثواب في جنبه اقتحام المشقات .

ولا شك أن القتال في سبيل الله - مع ما فيه من صعاب وشدائد - ستكون عاقبته العزة في الدنيا ، والسعادة في الأخرى .ويرى بعضهم أن كره المسلمين للقتال ليس سببه ما فيه من شدائد ومخاطر وتضحيات بدليل أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته ، وإنما السبب في كراهيتهم له هو أن الإِسلام قد غرس في نفوسهم رقة ورحمة وسلاما وحبا ، وهذه المعاني جعلتهم يحبون مصابرة المشركين ويكرهون قتالهم أملا في هدايتهم ، ورجاء في إيمانهم ، ولكن الله - تعالى - كتب على المسلمين قتال أعدائهم لأنه يعلم أن المصلحة في ذلك ، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم .ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب إلى ظاهر الآية ، لأن القتال فريضة شاقة على النفس البشرية ، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشقتها ، ولا أن يهون من أمرها ، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها ، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر ، بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن وراءه حكمة تهون مشقته ، وتسهل صعوبته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإِنساني القصير .

وقد بين القرآن هذه الحكمة في قوله ( وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ) .أي : وعسى أن تكرهوا شيئاً كالقتال في سبيل الله - تعالى - وهو خير لكم إذ فيه إحدى الحسنيين : إما الظفر والغنيمة - في الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى وإما الشهادة والجنة ، وعسى أن تحبوا شيئاً كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم في الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم تحت طائلة الأعداء .قال الفخر الرازي : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل ، ولأجله حسن شرب الدواء في المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وترك الجهاد ، وإن كان يفيد - أي بحسب ظنكم - في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإِنفاق ولكن فيه أنوع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم .

.

.

والحاصل أن القتال في سبيل الله سبب لحصول الأمن من الأعداء في الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد في الآخرة .

.

"وقال القرطبي : والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات منكم مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون ويذهب أمركم .وهذا صحيح لا غبار عليه ، كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ، فاستولى العدو على البلاد ، وأي بلاد؟!!

وأسر وقتل وسبى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!

ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته!!

وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة؛ فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :رب أمر تتقيه ...

جر أمراً ترتضيهخفى المحبوب منه ...

وبدا المكروه فيهوهذا الكلام الذي كتبه الإِمام القرطبي من مئات السنين يثير في النفس شجوناً وآلاماً ، فإن المسلمين ما هانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد في سبيل الله ، وتثافلوا إلى الأرض ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، وآثروا متع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة .وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره للآية : هذا إيجاب من الله - تعالى - للجهاد على المسلمين وأن يكفوا شر الأعداء من حوزة الإِسلام .

قال الزهري : الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد .

فالقاعد عليه إذا استعين به أن يعين ، وإذا استغيث به أن يغيث ، وإذا استنقرأن ينفر ، ولهذا ثبت في الصحيح " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية " ، وقال : صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونبة وإذا استنفرتم فانفروا " .وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسملين ، كل على حسب قدرته .وقد ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله : ( والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) أي : والله يعلم ما هو خير لكم وما هو شر لكم في الواقع وأنتم لا تعلمون ذلك ، فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم ، وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم ، ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل عليهما ما قبلهما .

أي : يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونها .

والمقصود من هذه الجملة الكريمة الترغيب في الجهاد ، والامتثال لما شرعه الله - تعالى - سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف ، لأن العليم بالحكم والمصالح هو الله رب العالمين .وبذل كنرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم الطبيعية ، وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال ، ولكنه يرى نفوسهم على الاستجابة لأوامر الله العليم بالغايات المطلع على العواقب ، الخبير بما فيه خيرهم ومصلحتهم ، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم في سبيل رضا خالقهم عن طواعية واختيار ، لا عن قسر وإجبار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثاني: فيما يتعلق بالقتال: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن له في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم: إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء: أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ يقتضي الوجوب وقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ يقتضيه أيضاً، والخطاب بالكاف في قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص  ﴾ ، ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام  ﴾ .

فإن قيل: ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية.

قلنا: بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ﴾ ، ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ حجة عطاء أن قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا: إن قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ﴾ ، ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك، بدلالة منفصلة وهي الإجماع، وتلك الدلالة مفقودة هاهنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي، قالوا: ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى  ﴾ ولو كان القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى، اللهم إلا أن يقال: الفرض كان ثابتاً ثم نسخ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  ﴾ والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن هذا الخطاب مع المؤمنين، والعقل يدل عليه أيضاً لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر، وإذا كان كذلك فكيف قال: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارهاً لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز، لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله تعالى وتكاليفه، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده.

والجواب من وجهين: الأول: أن المراد من الكره، كونه شاقاً على النفس، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال الثاني: أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم.

المسألة الثالثة: الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار *** كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني: أن يكون فعلاً بمعنى مفعول، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له، ومشقته عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً  ﴾ والله أعلم وقال بعضهم: الكره، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.

أما قوله: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ عَسَى ﴾ فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه، عسيتما وعسيتم قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ  ﴾ ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول: عسى زيد.

كما تقول: قام زيد ومعناه: قرب قال تعالى: ﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم  ﴾ أي قرب، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد.

المسألة الثانية: معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وهاهنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت، ومنها وجدان الغنيمة، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء.

أما ما يتعلق بالدين فكثيرة، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان.

فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: ﴿ الشر ﴾ السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف، ومنه قوله: وحتى أشرت بالأكف المصاحف *** والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة.

المسألة الرابعة: ﴿ عَسَى ﴾ توهم الشك مثل ﴿ لَعَلَّ ﴾ وهي من الله تعالى يقين، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل، أما إن قلنا بأنها بمعنى ﴿ لَعَلَّ ﴾ فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ قال الخليل: ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجب في القرآن قال: ﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح  ﴾ وقد وجد ﴿ وَعَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا  ﴾ وقد حصل والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ من الكراهة بدليل قوله: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا ﴾ ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، كقولها: فَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له.

وإما أن يكون فعلاً بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، أي وهو مكروه لكم.

وقرأ السلمي- بالفتح- على أن يكون بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم.

ومنه قوله تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ [الأحقاف: 15] ، وعلى قوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا ﴾ جميع ما كلفوه، فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ ما يصلحكم وما هو خير لكم ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ شاقٌّ عَلَيْكم مَكْرُوهٌ طَبْعًا، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخَيْرِ.

وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، أوْ بِمَعْنى الإكْراهِ عَلى المَجازِ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشَدَّتِهِ وعِظَمِ مَشَقَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ .

﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوا بِهِ، فَإنَّ الطَّبْعَ يَكْرَهُهُ وهو مَناطُ صَلاحِهِمْ وسَبَبُ فَلاحِهِمْ.

﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ ﴾ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ، فَإنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهُ وتَهْواهُ وهو يُفْضِي بِها إلى الرَّدى، وإنَّما ذَكَرَ (عَسى) لِأنَّ النَّفْسَ إذا ارْتاضَتْ يَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْها.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْكامَ تَتْبَعُ المَصالِحَ الرّاجِحَةَ وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال} فرض عليكم جهاد الكفار {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها ...

فإنما هي إقبال وإدبار ...

كأنه فى نفسه كراهة لفرط كراهتم له أو هو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي وهو مكروه لكم {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وهو خير لكم} فأنتم تكروهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا} وهو القعود عن الغزو {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر {والله يَعْلَمُ} ما هو خير لكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ﴾ أيْ: قِتالِ الكَفّارِ، وهو فَرْضُ عَيْنٍ إنْ دَخَلُوا بِلادَنا، وفَرْضُ كِفايَةٍ إنْ كانُوا بِبِلادِهِمْ، وقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ونَصْبِ (القِتالِ)، وقُرِئَ أيْضًا: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ) أيْ: قَتْلِ الكَفَرَةِ.

﴿ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى كُتِبَ وعَطْفُ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ جائِزٌ كَما نُصَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ ورَدَ بِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ لا تَجِيءُ بِالواوِ والمُنْتَقِلَةُ لا فائِدَةَ فِيها، (والكُرْهُ) بِالضَّمِّ كَـ(الكَرْهِ) بِالفَتْحِ، وبِهِما قُرِئَ: (الكَراهَةُ)، وقِيلَ: المَفْتُوحُ المَشَقَّةُ الَّتِي تَنالُ الإنْسانَ مِن خارِجٍ والمَضْمُومُ ما يَنالُهُ مِن ذاتِهِ، وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمٌ بِمَعْنى الإكْراهِ والمَضْمُومُ بِمَعْنى (الكَراهَةِ)، وعَلى كُلٍّ حالٌ، فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَمُؤَوَّلٌ أوْ مَحْمُولٌ عَلى المُبالَغَةِ أوْ هو صِفَةٌ كَـ(خُبْزٍ مَخْبُوزٍ)، وإنْ كانَ بِمَعْنى الإكْراهِ، وحُمِلَ عَلى الكُرْهِ عَلَيْهِ، فَهو عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشَدَّتِهِ وعِظَمِ مَشَقَّتِهِ ثُمَّ كَوْنُ القَتْلِ مَكْرُوهًا لا يُنافِي الإيمانَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ طَبِيعِيَّةٌ لِما فِيهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وإفْناءِ البَدَنِ وتَلَفِ المالِ، وهي لا تُنافِي الرِّضا بِما كُلِّفَ بِهِ كالمَرِيضِ الشّارِبِ لِلدَّواءِ البَشِعِ يَكْرَهُهُ لِما فِيهِ مِنَ البَشاعَةِ ويَرْضى بِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى.

﴿ وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوا بِهِ، فَإنَّ الطَّبْعَ يَكْرَهُهُ، وهو مَناطُ صَلاحِهِمْ، ومِنهُ القِتالُ، فَإنَّ فِيهِ الظَّفْرَ والغَنِيمَةَ والشَّهادَةَ الَّتِي هي السَّبَبُ الأعْظَمُ لِلْفَوْزِ بِغايَةِ الكَرامَةِ.

﴿ وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ ﴾ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ، فَإنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهُ وتَهْواهُ وهو يُفْضِي بِها إلى الرَّدى، ومِن ذَلِكَ تَرْكُ قِتالِ الأعْداءِ، فَإنَّ فِيهِ الذُّلَّ وضَعْفَ الأمْرِ وسَبْيَ الذَّرارِي ونَهْبَ الأمْوالِ ومِلْكَ البِلادِ وحِرْمانَ الحَظِّ الأوْفَرِ مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، والجُمْلَتانِ الِاسْمِيَّتانِ حالانِ مِنَ النَّكِرَةِ وهو قَلِيلٌ، ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى جَوازِهِ كَما في البَحْرِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا صِفَةً لَها وساغَ دُخُولُ الواوِ لِما أنَّ صُورَةَ الجُمْلَةِ هُنا كَصُورَتِها إذا كانَتْ حالًا.

﴿ وعَسى ﴾ الأُولى لِلْإشْفاقِ والثّانِيَةُ لِلتَّرَجِّي عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وإنَّما ذَكَرَ عَسى الدّالَّةَ عَلى عَدَمِ القَطْعِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا ارْتاضَتْ وصَفَتِ انْعَكَسَ عَلَيْها الأمْرُ الحاصِلُ لَها قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَحْبُوبُها مَكْرُوهًا ومَكْرُوهَها مَحْبُوبًا، فَلَمّا كانَتْ قابِلَةً بِالِارْتِياضِ لِمِثْلِ هَذا الِانْعِكاسِ لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّها تَكْرَهُ ما هو خَيْرٌ لَها وتُحِبُّ ما هو شَرٌّ لَها، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ إنَّها هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيقِ كَما في سائِرِ القُرْآنِ، ما عَدا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ .

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم وما هو شَرٌّ لَكم وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلْإيجازِ.

﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 216﴾ ذَلِكَ فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُكم إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا لَكُمْ، وانْتَهُوا عَمّا نَهاكم عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْهاكم إلّا عَمّا هو شَرٌّ لَكُمْ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها الجِهادَ، وهو بَذْلُ النَّفْسِ الَّذِي هو فَوْقَ بَذْلِ المالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، أي فرض عليكم القتال.

وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، أي شاق عليكم.

وذلك أن الله تعالى، لما أمرهم بالجهاد، كرهوا الخروج.

وإنما كانت كراهيتهم له، لأنه كان في الخروج عليهم مشقة، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى: ثم قال: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، يعني الجهاد.

وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لأن فيه فتحاً وغنيمة وشهادة وفيه إظهار الإسلام.

وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وهو الجلوس عن الجهاد، لأنه يسلط عليكم عدوكم.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الجهاد خير لكم.

وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أن ذلك خير، حين أحببتم القعود عن الجهاد.

ويقال: والله يعلم ما كان فيه صلاحكم وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.

ذلك قوله تعالى.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ.

وذلك أن النبيّ  بعث عبد الله بن جحش مع تسعة رهط، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين إلى عير لقريش، فلقوا العير.

وكان ذلك في آخر الشهر، فأمر عبد الله بن جحش بعض أصحابه، فحلق رأسه.

فلما رآهم المشركون آمنوا وظنوا أنه دخل رجب، فقاتلهم المسلمون وأخذوا أموالهم، فعيَّرهم المشركون بذلك، فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ.

قال الزجاج: معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام.

وقال القتبي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟

فأبدل قتالاً من الشهر الحرام.

قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، أي عظيم عند الله.

ثم قال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يقول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها.

وَكُفْرٌ بِهِ، أي بالله تعالى ويقال: وَكُفْرٌ بِهِ أي بالحج.

قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإنما صار خفضاً، لأنه عطف على سبيل الله، كأنه قال: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله تعالى.

وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ.

أي من المسجد أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام.

وَالْفِتْنَةُ، يعني الشرك أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أعظم عقوبة من القتل في الشهر الحرام.

ثم قال: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ الإسلام إلى دينهم الكفر.

إِنِ اسْتَطاعُوا، يعني إن قدروا على ذلك ولكنهم لا يقدرون عليه.

ثم هدد المسلمين ليثبتوا على دينهم الإسلام، فقال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الإسلام.

فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بالله تعالى فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، أي بطلت حسناتهم.

فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، يعني لا يكون لأعمالهم التي عملوا ثواب، كما قال في آية أخرى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] ، وقال تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الكهف: 105] .

وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أي دائمون.

قال الفقيه: حدّثنا أبو إبراهيم محمد بن سعيد قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن داود قال: حدثنا المقدمي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: حدثنا الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن النبيّ  بعث رهطاً وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتاباً، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: «لَا تُكْرِه أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى المَسِيرِ» .

فلما بلغ المكان، قرأ الكتاب فاسترجع ثم قال: السمع والطاعة لله ولرسوله، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون: قتلهم محمد في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ....

فقال المشركون: إن لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ: نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من أذاية الكافرين لهم.

وخَلَوْا: معناه: انقرضوا، أي: صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، والْبَأْساءُ في المال، والضَّرَّاءُ في البدن، ومَثَلُ: معناه شبه، والزَّلْزَلَة: شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال.

وقرأ نافع «١»

: «يَقُولُ» بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحتى: غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير «إلى أَنْ» وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ.

وأكثر المتأوِّلين على أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ على طلب استعجال النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب، والرسولُ اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: حتى يقول الذين آمنوا: متى نَصْرُ اللَّهِ، فيقولَ الرسولُ: ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ، فقدم الرسولَ في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدِّم في الزمان.

قال ع «٢»

: وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكْرِ القَوْل.

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ...

الآية: السَّائِلُون: هم المؤمنون، والمعنى: يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها؟

و «ما» يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و «ذَا» : خبرها بمعنى «الَّذِي» و «يُنْفِقُونَ» : صلةٌ، و «فِيهِ» عائدٌ على «ذَا» تقديرُه: ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون «مَاذَا» اسما واحداً مركَّباً في موضع نصب.

قال قومٌ: هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلى هذا نسخَ منها الوالِدَانِ «١»

، وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة «٢»

، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره: هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلى هذا لا نسخ فيها «٣» .

وما تَفْعَلُوا جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمّن الوعد بالمجازات، وكُتِبَ: معناه فُرِضَ واستمر الإِجماع على أن الجهاد على أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فرض كفاية «٤» .

وقوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ...

الآية: قال قومٌ: عسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة، وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا فَرَضَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ الجِهادَ شُقَّ عَلَيْهِمْ وكَرِهُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

و"كُتِبَ" بِمَعْنى: فُرِضَ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: كَرِهْتُ الشَّيْءَ أكْرَهُهُ كَرْهًا وكُرْهًا، وكَراهَةً وكَراهِيَةً.

وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ مِنَ الكُرْهِ، فالفَتْحُ فِيهِ جائِزٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدٍ ذَكَرَ أنَّ النّاسَ مُجْتَمِعُونَ عَلى ضَمِّ هَذا الحَرْفِ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الآَيَةِ.

وإنَّما كَرِهُوهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلى النُّفُوسِ، لا أنَّهم كَرِهُوا فَرْضَ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الفَرّاءُ: الكُرْهُ والكَرْهُ: لُغَتانِ.

وكَأنَ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُونَ بِالكُرْهِ إلى ما كانَ مِنكَ مِمّا لَمْ تُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَإذا أُكْرِهْتَ عَلى الشَّيْءِ اسْتَحَبُّوا "كُرْهًا" بِالفَتْحِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُرْهُ بِالفَتْحِ، مَعْناهُ: الإكْراهُ والقَهْرُ، وبِالضَّمِّ مَعْناهُ: المَشَقَّةُ.

ومِن نَظائِرِ هَذا: الجُهْدُ: الطّاقَةُ، والجُهْدُ: المَشَقَّةُ ومِنهم مَن يَجْعَلُهُما واحِدًا.

وعِظَمُ الشَّيْءِ: أكْبَرُهُ وَعَظَمَةُ نَفْسِهِ.

وعَرْضُ الشَّيْءِ: إحْدى نَواحِيهِ.

وعَرْضُهُ: خِلافُ طُولِهِ.

والأكْلُ: مَصْدَرُ أكَلَتْ، والأكْلُ: المَأْكُولُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ، كالفَقْرِ والفُقْرِ، والضَّعْفِ والضُّعْفِ، والدَّفِّ والدُّفِّ، والشَّهْدِ والشُّهْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الجِهادَ.

﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ أوْ شَهادَةٌ.

﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ﴾ وهُوَ: القُعُودُ عَنْهُ.

﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ لا تُصِيبُونَ فَتْحًا ولا غَنِيمَةً ولا شَهادَةً.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ أنَّ الجِهادَ خَيْرٌ لَكم.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ حِينَ أحْبَبْتُمُ القُعُودَ عَنْهُ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مِنَ المُحْكَمِ النّاسِخِ لِلْعَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها أوْجَبَتِ الجِهادَ عَلى الكُلِّ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ التَّوْبَةِ ١٢٢ .

والثّالِثُ: أنَّها ناسِخَةٌ مِن وجْهٍ، مَنسُوخَةٌ مِن وجْهٍ.

وَقالُوا: إنَّ الحالَ في القِتالِ كانَتْ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ.

الأُولى المَنعُ مِنَ القِتالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ  ﴾ .

والثّانِيَةُ: أمَرَ الكُلَّ بِالقِتالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا  ﴾ .

ومِثْلُها هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّالِثَةُ كَوْنُ القِتالِ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً  ﴾ .

فَيَكُونُ النّاسِخُ مِنها إيجابُ القِتالِ بَعْدَ المَنعِ مِنهُ، والمَنسُوخُ مِنهُ وُجُوبُ القِتالِ عَلى الكُلِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٍ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنِ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ السائِلُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ: ما هي الوُجُوهُ الَّتِي يُنْفِقُونَ فِيها؟

وَأيْنَ يَضَعُونَ ما لَزِمَ إنْفاقُهُ؟

و"ما" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ و"ذا" خَبَرُها، فَهي بِمَعْنى الَّذِي، و"يُنْفِقُونَ" صِلَةٌ، وفِيهِ عائِدٌ عَلى "ذا" تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَهُ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُنْفِقُونَ" فَيُعَرّى مِنَ الضَمِيرِ، ومَتّى كانَتِ اسْمًا مُرَكَّبًا فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لا ما جاءَ مِن قَوْلِ الشاعِرِ: وماذا عَسى الواشُونَ أنْ يَتَحَدَّثُوا سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّنِي لَكَ عاشِقُ فَإنْ عَسى لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، فـَ "ماذا" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو مُرَكَّبٌ إذْ لا صِلَةَ لِـ "ذا".

قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وعَلى هَذا نُسِخَ مِنها الوالِدانِ ومَن جَرى مَجْراهُما مِنَ الأقْرَبِينَ.

وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، ثُمَّ نَسَخَتْها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.

ووَهِمَ المَهْدَوِيُّ عَلى السُدِّيُّ في هَذا فَنَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ ثُمَّ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ: هي نَدْبٌ، والزَكاةُ غَيْرُ هَذا الإنْفاقِ، فَعَلى هَذا لا نَسْخَ فِيها.

واليُتْمُ: فَقْدُ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ، وتَقَدُّمُ القَوْلِ في المِسْكِينِ و"ابْنِ السَبِيلِ".

﴿ وَما تَفْعَلُوا ﴾ جَزْمٌ بِالشَرْطِ، والجَوابُ في الفاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَفْعَلُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وظاهِرُ الآيَةِ الخَبَرُ، وهي تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ بِالمُجازاةِ.

وَ"كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَثَلَهُ، وهَذا هو فَرْضُ الجِهادِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ".

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: فُرِضَ القِتالُ عَلى أعْيانِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الشَرْعُ وقَيَّمَ بِهِ، صارَ عَلى الكِفايَةِ.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: أوَّلُ فَرْضِهِ إنَّما كانَ عَلى الكِفايَةِ دُونَ تَعْيِينٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَمَرَّ الإجْماعُ عَلى أنَّ الجِهادَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ مَن قامَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، إلّا أنْ يَنْزِلَ العَدُوُّ بِساحَةٍ لِلْإسْلامِ فَهو حِينَئِذٍ فَرْضُ عَيْنٍ.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ، وغَيْرُهُ عَنِ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: الجِهادُ تَطَوُّعٌ، وهَذِهِ العِبارَةُ عِنْدِي إنَّما هي عَلى سُؤالِ السائِلِ، وقَدْ قَيَّمَ بِالجِهادِ فَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ تَطَوُّعٌ.

والـ"كُرْهُ" بِضَمِّ الكافِ: الِاسْمُ، وفَتْحُها المَصْدَرُ، وقالَ قَوْمٌ: "الكُرْهُ" بِفَتْحِ الكافِ ما أُكْرِهَ المَرْءُ عَلَيْهِ، و"الكُرْهُ" ما كَرِهَهُ هو.

وقالَ قَوْمٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ الآيَةُ.

قالَ قَوْمٌ عَسى مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، والمَعْنى: عَسى أنْ تَكْرَهُوا ما في الجِهادِ مِنَ المَشَقَّةِ ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تَغْلِبُونَ وتَظْهَرُونَ وتَغْنَمُونَ وتُؤَجِّرُونَ، ومَن ماتَ، ماتَ شَهِيدًا، ﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا ﴾ الدَعَةُ وتَرْكُ القِتالِ ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تُغْلَبُونَ وتُذَلُّونَ ويَذْهَبُ أمْرُكم.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ قُوَّةُ أمْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ في قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ سِرِّيَّةً عَلَيْها عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ، مُقَدِّمُهُ مِن بَدْرٍ الأُولى، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ ومَعَهُ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخُوهُ نَوْفَلُ المَخْزُومِيّانِ، والحَكَمُ بْنُ كِيسانَ، في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ، وفي آخِرِ يَوْمٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ ورَدَ عنهُ أنَّ ذاكَ كانَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، والمُسْلِمُونَ يَظُنُّونَها مِن جُمادى، وأنَّ القَتْلَ في الشَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَقْصِدُوهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ فَإنَّهم قالُوا: إنْ تَرَكْناهُمُ اليَوْمَ دَخَلُوا الحَرَمَ، فَأزْمَعُوا قِتالَهُمْ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وأُسِرَ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ والحَكَمُ، وفَّرَ نَوْفَلُ فَأعْجَزَهم واسْتَسْهَلَ المُسْلِمُونَ هَذا في الشَهْرِ الحَرامِ خَوْفَ فَوْتِهِمْ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَحَلَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ، وعَيَّرُوا بِذَلِكَ، وتَوَقَّفَ النَبِيُّ  .

وقالَ: ما أمَرْتُكم بِقِتالٍ في الأشْهُرِ الحُرُمِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُمِّيَّةَ الضَمْرِيَّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي كِلابٍ في رَجَبٍ فَنَزَلَتْ، وهَذا تَخْلِيطٌ مِنَ المَهْدَوِيِّ.

وصاحِبا عَمْرٍو كانَ عِنْدَهُما عَهْدٌ مِنَ النَبِيِّ  ، وكانَ عَمْرُو قَدْ أفْلَتَ مِن قِصَّةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَكَرَ الصاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في رِسالَتِهِ المَعْرُوفَةِ بِالأسْدِيَّةِ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ سُمِّيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَوْنِهِ مُؤَمَّرًا عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقِتالٍ بَدَلٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو خَفْضٌ بِتَقْدِيرِ عن.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو خَفْضٌ عَلى الجِوارِ.

وقَوْلُهُ هَذا خَطَأٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ عن قِتالِ فِيهِ" بِتَكْرِيرِ "عن" وكَذَلِكَ قَرَأها الرَبِيعُ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قَتْلٌ فِيهِ قُلْ قَتْلٌ" دُونَ ألِفٍ فِيهِما.

وَ"الشَهْرِ" في الآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَها ﴿ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ قِوامًا، تَعْتَدِلُ عِنْدَهُ، فَكانَتْ لا تَسْفِكُ دَمًا، ولا تُغَيِّرُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهِيَ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمِ، ورَجَبٌ.

ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيها إلّا أنْ يُغْزى»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، و"صَدٌّ" مُبْتَدَأٌ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والخَبَرُ "أكْبَرُ"، و"المَسْجِدُ" مَعْطُوفٌ عَلى "سَبِيلِ اللهِ"، وهَذا هو الصَحِيحُ.

وقالَ الفَرّاءُ: "صَدٌّ" عَطْفٌ عَلى "كَبِيرٌ" وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ المَعْنى يَسُوقُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَكُفْرٌ بِهِ" عَطْفٌ أيْضًا عَلى "كَبِيرٌ"، ويَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ إخْراجَ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ اللهِ، وهَذا بَيْنَ فَسادِهِ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ إنَّكم يا كُفّارَ قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُونَ عَلَيْنا القِتالَ في الشَهْرِ الحَرامِ، وما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ مِنَ الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ لِمَن أرادَ الإسْلامَ، ومَن كُفْرُكم بِاللهِ وإخْراجُكم أهْلَ المَسْجِدِ مِنهُ -كَما فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ  وأصْحابُهُ- أكْبَرُ جُرْمًا عِنْدَ اللهِ.

وقالَ الزُهْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً  ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ وقالَ عَطاءٌ: لَمْ تُنْسَخْ، ولا يَنْبَغِي القِتالُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ المَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: والفِتْنَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عن دِينِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا أشَدَّ اجْتِرامًا مِن قَتْلِكم في الشَهْرِ الحَرامِ.

وقِيلَ: المَعْنى: والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن أنْ لَوْ قَتَلُوا ذَلِكَ المَفْتُونَ، أيْ: فِعْلُكم عَلى كُلِّ إنْسانٍ أشَدُّ مِن فِعْلِنا.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "الفِتْنَةُ" هُنا: الكُفْرُ، أيْ كُفْرُكم أشَدُّ مِن قَتْلِنا أُولَئِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

المناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله: ﴿ ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ﴾ [البقرة: 214] فقد كلفت به الأمم قبلنا، فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى عليه السلام، وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود، وكلف ذو القرنين بتعذيب الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض.

ولفظ ﴿ كتب عليكم ﴾ من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية.

وآل في (القتال) للجنس، ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموماً عرفياً أي كتب عليكم قتال عدو الدين.

والخطاب للمسلمين، وأعداؤهم يومئذ المشركون، لأنهم خالفوهم في الدين وآذوا الرسول والمؤمنين، فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم غير مأذون في القتال في أول ظهور الإسلام، ثم أذن له في ذلك بقوله تعالى: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ [الحج: 39]، ثم نزلت آية قتال المبادئين بقتال المسلمين في قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] كما تقدم آنفاً.

هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد الله بن جَحش كما يأتي، وذلك في الشهر السابع عشر من الهجرة، فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات والنظم التي حوتها كقوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ [البقرة: 183]، ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ [البقرة: 178]، ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ [البقرة: 180].

فعلى المختار يكونُ قوله: ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ خبراً عن حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله ﴿ وهو كره لكم ﴾ الآية، أو إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده، أو إنشاءً أُنُفاً لوجوب القتال إن كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ إذْن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له.

وقوله: ﴿ وهو كره لكم ﴾ ، حال لازمة وهي يجوز اقترانها بالواو، ولك أن تجعلها جملة ثانية معطوفة على جملة: ﴿ كُتب عليكم القتال ﴾ ، إلا أن الخبر بهذا لما كان معلوماً للمخاطبين تعين أن يكون المراد من الإخبار لازم الفائدة، أعني كتبناه عليكم ونحن عالمون أنه شاق عليكم، وربما رجح هذا الوجه بقوله تعالى بعد هذا: ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ .

والكره بضم الكاف: الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكَره بالفتح على الأصح، وقيل: الكُره بالضم المشقة ونفرة الطبع، وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل مَّا بأذى أو مشقة، وحيث قُرئ بالوجهين هنا وفي قوله تعالى: ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها ﴾ [الأحقاف: 15] ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العُقَيلي: بكُره سراتنا يا آل عمرو *** نُغاديكم بمُرْهَفَة النِّصَال رووه بضم الكاف وبفتحها.

على أن قوله تعالى بعد ذلك ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ الوارد مورد التذييل: دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئياً من جزئيات أن تكرهوا شيئاً.

وقد تحمل صاحب «الكشاف» لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف، وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء: فإنما هي إقْبَالٌ وإدْبَار *** أي تُقبل وتُدبر.

وقيل: الكُره اسم للشيء المكروه كالخبز.

فالقتال كريه للنفوس، لأنه يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذَّاته ونومه وطعامه وأهله وبيته، ويلجئ الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح، ولكن فيه دفع المذلَّة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم، وفي الحديث " لا تَمَنَّوْا لِقَاء العدوّ فإذا لقيتم فاصبروا " وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العُقَيلي: ونَبِكي حينَ نَقتُلكم عليكم *** ونَقتلكم كأنَّا لا نُبالي ومعلوم أن كراهية الطبع الفعلَ لا تنافي تلقي التكليف به برضا لأن أكثر التكليف لا يخلو عن مشقة.

ثم إن كانت الآية خبراً عن تشريع مضى، يحتمل أن تكون جملة ﴿ وهو كره ﴾ حكاية لحالة مضت وتلك في أيام قلة المسلمين فكان إيجاب القتال ثقيلاً عليهم، وقد كان من أحكامه أن يثبت الواحد منهم لعشرة من المشركين أعدائهم، وذلك من موجبات كراهيتهم القتال، وعليه فليس يلزم أن تكون تلك الكراهية باقية إلى وقت نزول هذه الآية، فيحتمل أن يكون نزلت في شأن صلح الحديبية وقد كانوا كَرِهوا الصلح واستحبوا القتال، لأنهم يومئذ جيش كثير فيكون تذكيراً لهم بأن الله أعلم بمصالحهم، فقد أوجب عليهم القتال حين كانوا يكرهونه وأوجب عليهم الصلح في وقت أحبوا فيه القتال، فحذف ذلك لقرينة المقام، والمقصود الإفضاء إلى قوله: ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ لتطمئن أنفسهم بأن الصلح الذي كرهوه هو خير لهم، كما تقدم في حوار عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر، ويكون في الآية احتباك، إذ الكلام على القتال، فتقدير السياق كتب عليكم القتال وهو كره لكم ومنعتم منه وهو حِبٌّ لكم، وعسى أن تكرهوا القتال وهو خير لكم وعسى أن تحبوه وهو شر لكم، وإن كانت الآية إنشاء تشريع فالكراهية موجودة حين نزول الآية فلا تكون واردة في شأن صلح الحديبية، وأول الوجهين أظهرهما عندي ليناسب قوله عقبه: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ [البقرة: 217].

وقوله: ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ تذييل احتيج إليه لدفع الاستغراب الناشيء عن قوله: ﴿ كتب عليكم القتال وهو كُره لكم ﴾ ، لأنه إذا كان مكروهاً فكان شأن رحمة الله بخلقه ألا يكتبه عليهم فذيل بهذا لدفع ذلك.

وجملة ﴿ وعسى ﴾ معطوفة على جملة ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ ، وجملة ﴿ وهو خير لكم ﴾ : حالية من ﴿ شيئاً ﴾ على الصحيح من مجيء الحال من النكرة، وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله والمؤمنين، وإن كان سبحانه غنياً عن البيان والتعليل، لأنه يأمر فيُطاع، ولكن في بيان الحكمة تخفيفاً من مشقة التكليف، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته، إذ يكره الطبع شيئاً وفيه نفعه وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات، فإن الشيء قد يكون لذيذاً ملائماً ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريهاً منافراً وفي ارتكابه صلاح.

وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما، فكانت الشرائع وحملتها من العلماء والحكماء تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار الغايات والعواقب.

فإن قلت: ما الحكمة في جعل أشياء كثيرةٍ نافعةٍ مكروهةً، وأشياء كثيرةٍ ضارةٍ محبوبةً، وهلا جعل الله تعالى النَّافعَ كلَّه محبوباً والضار كلَّه مكروهاً فتنساقَ النفوسُ للنافع باختيارها وتجتنب الضار كذلك فنُكفى كلفة مسألة الصلاح والأصلح التي تناظر فيها الأشعري مع شيخه الجبائي وفارق الأشعري من أجلها نحلة الاعتزال؟.

قلت: إن حكمة الله تعالى بنت نظام العالم على وجود النافع والضار والطيب والخبيث من الذوات والصفات والأحداث، وأوكل للإنسان سلطة هذا العالم بحكم خِلْقِه الإنسانَ صالحاً للأمرين وأَراه طريقي الخير والشر كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ [البقرة: 213]، وقد اقتضت الحكمة أن يكون النافع أكثر من الضار ولعل وجود الأشياء الضارة كَوَّنه الله لتكون آلة لحمل ناس على اتباع النافع كما قال تعالى: ﴿ فيه بأس شديد ومنافع للناس ﴾ [الحديد: 25]، وقد أقام نظام هذا العالم على وجود المتضادات، وجعل الكمال الإنساني حاصلاً عند حصول جميع الصفات النافعة فيه، بحيث إذا اختلت بعض الصفات النافعة منه انتقصت بقيةُ الصفات النافعة منه أو اضمحلت، وجعل الله الكمال أقل من النقص لتظهر مراتِبُ النفوس في هذا العالم ومبالغ العقول البشرية فيه، فاكتسب الناس وضيعوا وضروا ونفعوا فكثر الضار وقل النافع بما كسَب الناسُ وفعلوا قال تعالى: ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ (100).

وكما صارت الذوات الكاملة الفاضلة أقل من ضدها صارت صفات الكمال عزيزة المنال، وأُحيطت عزتها ونفاستها بصعوبة منالها على البشر وبما يحف بها من الخطر والمتاعب، لأنها لو كانت مما تنساق لها النفوس بسهولة لاستوى فيها الناس فلم تظهر مراتِبُ الكمال ولم يقع التنافس بين الناس في تحصيل الفضائل واقتحام المصاعب لتحصيلها قال أبو الطيب: ولا فضل فيها للشجاعة والندى *** وصبرِ الفتى لولا لقاء شَعُوب فهذا سبب صعوبة الكمالات على النفوس.

ثم إن الله تعالى جعل نظام الوجود في هذا العالم بتولد الشيء من بين شيئين وهو المعبر عنه بالازدواج، غير أن هذا التولد يحصل في الذوات بطريقة التولد المعروفة قال تعالى: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ [الرعد: 3] وأما حصوله في المعاني، فإنما يكون بحصول الصفة من بين معنيي صفتين أخريين متضادتين تتعادلان في نفس فينشأ عن تعادلهما صفة ثالثة.

والفضائل جعلت متولدة من النقائص؛ فالشجاعةُ من التهور والجبننِ، والكرمُ من السرف والشح، ولا شك أن الشيء المتولد من شيئين يكون أقل مما تولد منه، لأنه يكون أقل من الثلث، إذ ليس كلَّما وجد الصفتان حصل منهما تولد صفة ثالثة، بل حتى يحصل التعادل والتكافؤ بين تينك الصفتين المتضادتين وذلك عزيز الحصول ولا شك أن هاته الندرة قضت بقلة اعتياد النفوس هاته الصفات، فكانت صعبة عليها لقلة اعتيادها إياها.

ووراء ذلك فالله حدد للناس نظاماً لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما خلقت لأجله، فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان وهذا النظام كله تهيئة لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة كما يقال: «الدنيا مزرعة الآخرة» وبهذا تكمل نظرية النقض الذي نقض به الشيخ الأشعري على شيخه الجبائي أصلهم في وجوب الصلاح والأصلح فيكون بحث الأشعري نقضاً وكلامنا هذا سَنَداً وانقلاباً إلى استدلال.

وجملة ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ تذييل للجميع، ومفعولا ﴿ يعلم ﴾ و ﴿ تعلمون ﴾ محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم فيظنون الملائم نافعاً والمنافر ضاراً.

والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح والخير، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه فتطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها، لنفرع عليها ونقيس ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة، لأن الله تعالى لا يجري أمره ونهيه إلا على وفق علمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ.

وَفي فَرْضِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ أبَدًا حَتّى يَقُومَ بِهِ مَن فِيهِ كِفايَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فُرِضَ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في عَيْنِهِ أبَدًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ والكُرْهُ بِالضَّمِّ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ مِن غَيْرِ إكْراهِ أحَدٍ.

والكَرْهُ بِالفَتْحِ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ بِإكْراهِ غَيْرِهِ لَهُ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِيهِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: وهو ذُو كُرْهٍ لَكم وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: مَعْناهُ وهو مَكْرُوهٌ لَكم، فَأقامَ المُقَدَّرَ مَقامَهُ.

ثُمَّ في كَوْنِهِ كُرْهًا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وهو كُرْهٌ لَكم قَبْلَ التَّعَبُّدِ وأمّا بَعْدَهُ فَلا.

الثّانِي: وهو كُرْهٌ لَكم في الطِّباعِ قَبْلَ الفَرْضِ وبَعْدَهُ.

وَإنَّما يُحْتَمَلُ بِالتَّعَبُّدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ ﴾ وفي عَسى هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمَعُ المُشْفِقِ مَعَ دُخُولِ الشَّكِّ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قَدْ.

وَقالَ الأصَمُّ: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ القِتالِ ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالأجْرِ والثَّوابِ، ﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ﴾ يَعْنِي مِنَ المُتارَكَةِ والكَفِّ ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ، يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظُّهُورِ عَلَيْكم وفي الآخِرَةِ بِنُقْصانِ أُجُورِكم.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فِيهِ مَصْلَحَتَكم ﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمكة بالتوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يكفوا أيديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض وأذن لهم في القتال، فنزلت ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ يعني فرض عليكم، وأذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه ﴿ وهو كره لكم ﴾ يعني القتال وهو مشقة لكم ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً ﴾ يعني الجهاد قتال المشركين ﴿ وهو خير لكم ﴾ ويجعل الله عاقبته فتحاً وغنيمة وشهادة ﴿ وعسى أن تحبوا شيئاً ﴾ يعني القعود عن الجهاد ﴿ وهو شر لكم ﴾ فيجعل الله عاقبته شراً فلا تصيبوا ظفراً ولا غنيمة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما تقول في قوله: ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ أواجب الغزو على الناس من أجلها؟

قال: لا، كتب على أولئك حينئذ.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد إن استعين به أعان، وإن استغيث به أغاث، وإن استغني عنه قعد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وهو كره لكم ﴾ قال: «نسختها هذه الآية ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ [ البقرة: 285] وأخرجه ابن جرير موصولاً عن عكرمة عن ابن عباس» .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس قال: عسى من الله واجب.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كل شيء في القرآن عسى، فإن عسى من الله واجب.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال: كل شيء من القرآن عسى فهو واجب، إلا حرفين: حرف التحريم ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ [ التحريم: 5] وفي بني إسرائيل ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم ﴾ [ الإِسراء: 8] .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: عسى على نحوين: أحدهما في أمر واجب قوله: ﴿ فعسى أن يكون من المفلحين ﴾ [ القصص: 67] وأما الآخر فهو أمر ليس بواجب كله قال الله: ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ ليس كل ما يكره المؤمن من شيء هو خير له، وليس كل ما أحب هو شر له.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا ابن عباس..

ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، فإنه مثبت في كتاب الله.

قلت: يا رسول الله فأين وقد قرأت القرآن؟

قال: ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ » .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أبي ذر «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟

قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، قال: فأي العتاقة أفضل؟

قال: أنفسها.

قال: أفرأيت إن لم أجد؟

قال: فتعين الصانع وتصنع لا خرق.

أفرأيت إن لم أستطع؟

قال: تدع الناس من شرك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟

قال: الإِيمان بالله ورسوله.

قيل: ثم ماذا؟

قال: الجهاد في سبيل الله.

قيل: ثم ماذا؟

قال: ثم حج مبرور» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، والجهاد في سبيل الله» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد، وتكفل الله للمجاهد في سبيله أن يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرجعه سالماً بما نال من أجر وغنيمة» .

وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: علمني عملاً يعدل الجهاد، قال: لا أجده حتى تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجداً فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر، قال: لا أستطيع ذاك؟

قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قيل: يا رسول الله، أخبرنا بما يعدل الجهاد في سبيل الله؟

قال: لا تستطيعونه.

قال: بلى يا رسول الله.

قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم البائت بآيات الله، لا يفتر من صيام وصلاة حتى يرجع المجاهد إلى أهله» .

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «إن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشعب فيه عيينة ماء عذب، فأعجبه طيبه فقال: لو أقمت في هذا الشعب واعتزلت الناس لن أفعل حتى استأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟

اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟

فقال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله.

قال: ثم من؟

قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره» .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، ألا أخبركم بالذي يليه؟» قالوا: بلى.

قال: «امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس، ألا أخبركم بشر الناس؟» قالوا: بلى.

قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي» .

وأخرج الطبراني عن فضالة بن عبيد «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الإِسلام ثلاثة: سفلى، وعليا، وغرفة، فأما السفلى فالإِسلام دخل فيه عامة المسلمين، فلا تسأل أحداً منهم إلا قال: أنا مسلم.

وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض.

وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم» .

وأخرج البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِسلام ثمانية أسهم: الإِسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن علي مرفوعاً.

مثله.

وأخرج أحمد والطبراني عن عبادة بن الصامت «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟

قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، وحج مبرور، فلما ولى الرجل قال: وأهون عليك من ذلك إطعام الطعام، ولين الكلام، وحسن الخلق، فلما ولى الرجل قال: وأهون عليك من ذلك لا تتهم الله على شيء قضاه عليك» .

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي امامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم» .

وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الجهاد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى رجع» .

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» .

وأخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن عثمان بن عفان «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه» .

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك بعثت هذه السرية، وإن زوجي خرج فيها وقد كنت أصوم بصيامه، وأصلي بصلاته، وأتعبد بعبادته، فدلني على عمل أبلغ به عمله؟

قال: «تصلين فلا تقعدين، وتصومين فلا تفطرين، وتذكرين فلا تفترين.

قالت: وأطيق ذلك يا رسول الله؟

قال: ولو طوّقت ذلك- والذي نفسي بيده- ما بلغت العشير من عمله» .

وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا خرج الغازي في سبيل الله جعلت ذنوبه جسراً على باب بيته، فإذا خلف ذنوبه كلها فلم يبق عليه منها مثل جناح بعوضة، وتكفل الله له بأربع: بأن يخلفه فيما يخلف من أهل ومال، وأي ميتة مات بها أدخله الجنة، فإن رده سالماً بما ناله من أجر أو غنيمة، ولا تغرب شمس إلا غربت بذنوبه» .

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجمع الله في جوف رجل غباراً في سبيل الله ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار، ومن صام يوماً في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء، تأتي يوم القيامة لونها مثل لون الزعفران، وريحها مثل المسك، يعرفه بها الأولون والآخرون يقولون: فلان عليه طابع الشهداء.

ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو رفصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد، وإن له الجنة» .

وأخرج البزار عن أبي هند، رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، لا يفتر من صيام ولا صلاة ولا صدقة» .

وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار» .

وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار» .

وأخرج البزار عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار» .

وأخرج أحمد من حديث مالك بن عبد الله النخعي.

مثله.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلة؟

قالوا: بلى.

قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل أو يموت، ألا أخبركم بالذي يليه؟

رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويشهد أن لا إله إلا الله» .

وأخرج ابن سعد عن أم بشر بنت البراء بن معرور قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أنبئكم بخير الناس بعده؟

قالوا: بلى.

قال: رجل في غنمه يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، يعلم حق الله في ماله، قد اعتزل شرور الناس» .

وأخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس عام تبوك وهو مضيف ظهره إلى نخلة فقال: «ألا أخبركم بخير الناس؟

إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيء منه» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل دخل بيته بالسلام فهو ضامن على الله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن الخصاصية قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإِسلام، فاشترط عليّ: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الخمس، وتصوم رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج، وتجاهد في سبيل الله.

قلت: يا رسول الله أما اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فما لي إلا عشر ذودهن رسل أهلي وحمولتهم، وأما الجهاد فيزعمون أن من ولى فقد باء بغضب من الله، فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي.

فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم حركها ثم قال: لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنة؟!

ثم قلت: يا رسول الله أبايعك فبايعني عليهن كلهن» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعين لا تمسها النار.

عين فقئت في سبيل الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله» .

وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم وصححه عن أبي ريحانة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين فقئت في سبيل الله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم، أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه، أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المجاهد في سبيل الله مضمون على الله إما أن يلقيه إلى مغفرته ورحمته، وإما أن يرجعه بأجر وغنيمة.

ومثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر حتى يرجع» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عثمان بن عفان قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» .

وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار أبداً.

عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله» .

وأخرج الطبراني عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بليلة القدر؟

حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله» .

وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله» .

وأخرج ابن ماجة عن أنس «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمائة يوم، اليوم كألف سنة» .

وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسك يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: حدثنا بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة قتل أو مات دخل الجنة، ومن رمى بسهم بلغ العدوّ أو قصر كان عدل رقبة، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن كلم كلمة جاءت يوم القيامة ريحها مثل المسك ولونها مثل الزعفران» .

وأخرج البيهقي عن أكيدر بن حمام قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جلسنا يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا لفتى فينا: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله ما يعدل الجهاد؟

فأتاه فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا شيء «، ثم أرسلناه الثانية، فقال مثلها، ثم قلنا إنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث، فإن قال: لا شيء فقل: ما يقرب منه؟

فأتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء.

فقال: ما يقرب منه يا رسول الله؟

قال: طيب الكلام، وادامة الصيام، والحج كل عام، ولا يقرب منه شيء بعد» .

وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن فضالة بن عبيد «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا زعيم- والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم، وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة، فمن فعل ذلك لم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة» .

وأخرج أحمد والبزار عن معاذ بن جبل أنه قال: «يا نبي الله حدثني بعمل يدخلني الجنة، قال: بخ بخ لقد سألت لعظيم، لقد سألت لعظيم، لقد سألت لعظيم، وأنه ليسير على من أراد الله به الخير، تؤمن بالله، وباليوم الآخر، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً حتى تموت وأنت على ذلك، ثم قال: إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر، وقوام هذا الأمر وذروة السنام، فقال معاذ.

بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قوام هذا الأمر الصلاة والزكاة، وأن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما شجت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغى به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة ينفق عليها في سبيل الله، أو يحمل عليها في سبيل الله» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذروة سنام الإِسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يغز ولم يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أهل بيت لا يخرج منهم غاز، أو يجهزون غازياً، أو يخلفونه في أهله، إلا أصابهم الله بقارعة قبل الموت» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ بن جبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قاتل فواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن جرح في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء» .

وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته ارجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له» .

وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا آمنه الله دخان النار يوم القيامة، وما من رجل تغبر قدماه في سبيل الله إلا أمن الله قدميه من النار» .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن ربيع بن زياد «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ هو بغلام من قريش معتزل عن الطريق يسير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس ذاك فلاناً؟

قالوا: بلى.

قال: فادعوه، فدعوه قال: ما بالك اعتزلت الطريق؟!

فقال: يا رسول الله كرهت الغبار.

قال: فلا تعتزله، فوالذي نفس محمد بيده إنه لذريرة الجنة» .

وأخرج أبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن جابر بن عبد الله «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» .

وأخرج الترمذي عن أم مالك البهزية قالت «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها قلت: من خير الناس فيها؟

قال: رجل في ماشية يؤدي حقها ويعبد ربه، ورجل أخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه» .

وأخرج الترمذي وصححه والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً» .

وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرين، قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله» .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغزو غزوان.

فأما من ابتغى به وجه الله، وأطاع الإِمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله.

وأما من غزا فخراً، ورياء، وسمعة، وعصى الإِمام، وأفسد في الأرض، فإنه لن يرجع بالكفاف» .

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من سرية تغزو في سبيل الله فيسلمون ويصيبون الغنيمة إلاَّ تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وما من سرية تخفق وتخوّف وتصاب إلا تم لهم أجرهم» .

وأخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرية أن تخرج، قالوا: يا رسول الله أتخرج الليلة أم تمكث حتى تصبح؟

قال: أفلا تحبون أن تبيتوا هكذا في خريف من خراف الجنة، والخريف الحديقة» .

وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحات عنه خطاياه كما يتحات عذق النخلة» .

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حجة خير من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة، يقول: إذا حج الرجل حجة الإِسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإِسلام خير من أربعين غزوة» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها، والمائد فيه كالمتشحط في دمه» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لحجة أفضل من عشر غزوات، ولغزوة أفضل من عشر حجات» .

وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول قال: كثر المستأذنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج في غزوة تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «غزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة.

وأخرج مسلم والترمذي والحاكم عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» .

وأخرج الترمذي وصححه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله: المجاهد في سبيلي هو علي ضامن إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من جاهد في سبيل الله كان ضامناً على الله، ومن عاد مريضاً كان ضامناً على الله، ومن غدا إلى مسجد أو راح كان ضامناً على الله، ومن دخل على إمام بغزوة كان ضامناً على الله، ومن جلس في بيته لم يغتب إنساناً كان ضامناً على الله» .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن حبشي الخثعمي «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟

قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة.

قيل: فأي الصدقة أفضل؟

قال: جهد المقل.

قيل: فأي الهجرة أفضل؟

قال: من هجر ما حرم الله.

قيل: فأي الجهاد أفضل؟

قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله.

قيل: فأي القتل أشرف؟

قال: من أهرق دمه وعقر جواده» .

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة.

فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما علي من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟

قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما كلم بكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لأجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون، ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فاقتل، ثم أحيا فاقتل، ثم أحيا فاقتل» .

وأخرج ابن سعد عن سهيل بن عمر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير من عمله عمره في أهله» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الماء فيتقوّت مما كان فيه من ماء، ويصيب مما حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» .

وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص قال: «قال رجل: يا رسول الله أي العمل أفضل؟

قال: إيمان بالله، وتصديق، وجهاد في سبيله، وحج مبرور.

قال الرجل: أكثرت يا رسول الله.

فقال: فلين الكلام، وبذل الطعام، وسماح، وحسن الخلق، قال الرجل: أريد كلمة واحدة.

قال له: اذهب فلا تتهم الله على نفسك» .

وأخرج أحمد عن الشفاء بنت عبد الله وكانت من المهاجرات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الإِيمان، فقال: «ايمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: بني الإِسلام على عشرة أركان: الاخلاص لله وهي الفطرة، والصلاة وهي الملة، والزكاة وهي الطهرة، والصيام وهو الجنة، والحج وهو الشريعة، والجهاد وهو العزة، والأمر بالمعروف وهو الحجة، والنهي عن المنكر وهو الواقية، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة.

وأخرج أحمد عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله وجهه على النار» .

وأخرج الطبراني عن أبي المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من جاهد في سبيل الله وجبت له الجنة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لقي الله بغير أثر من جهاد لقيه وفيه ثلمة» .

وأخرج الطبراني عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وابتغوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وتبايعوا بالعين، أنزل الله عليهم البلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لعدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها» .

وأخرج مسلم والنسائي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» .

وأخرج البزار عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج أحمد من حديث معاوية بن جريج.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق عن اسحق بن رافع قال: بلغني عن المقداد أن الغازي إذا خرج من بيته عدد ما خلف وراءه من أهل القبلة وأهل الذمة والبهائم، يجري عليه بعدد كل واحد منهم قيراط، قيراط كل ليلة مثل الجبل، أو قال: مثل أحد.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «على النساء ما على الرجال إلا الجمعة، والجنائز، والجهاد» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾ الآية، اعلم أن رسول الله  كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن بعد الهجرة في قتال من يقاتله من المشركين دون من لا يقاتل (١) واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا: أصحاب رسول الله  خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي  فريضة (٢) وسئل عبد الله بن عمرو عن الفرائض؟

فقال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله  ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، وخالفه ابن عمر في الجهاد، فعد الفرائض وترك الجهاد (٣) وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية؛ لقوله عز وجل ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  ﴾ ولو كان القاعدُ مضيِّعًا فرضًا ما كان موعودًا بالحسنى.

وقال بعضهم: لم يزل الجهادُ فرض كفاية، غير أن رسول الله  كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير؛ لوجوب طاعته (٤) (٥) (٦) وقال أبو عبيد: القول في الجهاد أنه حق لازم للناس، غير أن بعضهم يقضي ذلك عن بعض، وإنما وسعهم هذا لقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً  ﴾ فإنها فيما يقال ناسخة لفرض الجهاد، والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين، إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ يعني: القتال كره لكم، وكان الكسائي يقول في الكَرْه والكُرْه: هما لغتان في المشقة (٧) (٨) قال الفراء: الكُره: المشقة، قمت على كُره، أي: على مشقة، وقال: أقامني على كره، إذا أكرهك عليه، فالكُره عند الفراء: الإجبار، ولهذا لم يقرأ هاهنا (كَرْه) بالفتح، كما قرأ في سائر المواضع بالضم والفتح؛ لأن المشقة هاهنا أليق من الإجبار (٩) قال الزجاج: وتأويله: وهو ذو كُره لكم، وهذا الكره من حيث المشقة الداخلة على النفس وعلى المال من المؤنة، وعلى الروح، (لا) (١٠) (١١) (١٢) وقيل: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ قبل أن يكتب عليكم.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لأن في الغزو إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ﴾ يعني: القعود عن الغزو، وهو شر لكم؛ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر (١٣) ﴿ وَعَسَى ﴾ عند العامة شك وتوهم، وهي عند الله يقين وواجب.

وعسى.

فعل يتصرف، درج مضارعه وبقي ماضيه، فيقال منه: عسيتما وعسيتم، قال الله تعالى: ﴿ فَهَل عَسَيْتُم  ﴾ يتكلم فيه على فعل ماض، (وأميت) (١٤) ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: عسى زيد، كما تقول: قام زيد، ويقال منه: أعس بفلان أن يفعل كذا، مثل أحر وأخلق، وبالعسى أن يفعل كذا، يقول: بالحري أن يفعل، ومعناه في جميع الوجوه: قريب وقَرُبَ وأَقْرِب به.

ومنه قوله: ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ، بمعنى: قرب، ومنه: ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا  ﴾ ، أي: قرب ذلك، وكثرت (عسى) على الألسنة حتى صارت كأنها مثل: (لعل).

وتأويل (عسى): التقريب؛ لكون الشيء الذي يقع عليه ويقتضيه فيجري مجرى (كاد) (١٥) ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ  ﴾ المعنى: والصيام خير لكم، فتأويل قولك: عسى زيد أن يقوم، عسى قيام زيد، بمعنى قَرُبَ قيام زيدٍ ورُجِي ذلك، إلا أنهم لما قلبوا فقدموا الاسم وأخَّروا الفعلَ رفعوا زيدًا، فـ (أن يقوم) في قولك: عسى زيد أن يقوم، في موضع نصب بوقوع فعل زيد (عليه) (١٦) ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ  ﴾ .

﴿ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ، ولما كثرت عند العرب في ألفاظهم أسقطوا (أن) (١٧) عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنه ...

له كلّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أمْرُ (١٨) عَسَى الكَرْبُ الذي أمْسَيْتُ فيه ...

يكونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ قال أصحاب العربية: الشر: السوء، (وأصله) (٢٠) (٢١) وحتى أُشِرَّتْ بالأكفِّ المَصَاحِفُ (٢٢) فالشر: انبساط الضر، والشرر: اللهب لانبساطه، قال ابن عباس (٢٣)  فقال: "يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، إنه لمثبت في كتاب الله عز وجل"، قلت: يا رسول الله، أين وقد قرأت القرآن؟

قال: (مكيس) (٢٤) ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: يعلم ما فيه مصالحكم وما فيه منافعكم فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم.

(١) (يقاتله) في (ش).

(٢) رواه عنه الطبري 2/ 344، وابن أبي حاتم 2/ 382، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 739، وقال النحاس في "الناسخ والمنسوخ": 1/ 531: وأما قول عطاء: إنها فرض، ولكنه على الصحابة فقول مرغوب عنه، وقد رده العلماء، وقد ذكر الثعلبي عن عطاء ما يوافق قول الجمهور من أن الجهاد في الأصل فرض كفاية 2/ 741.

(٣) رواه بسنده الجصاص في "أحكام القرآن" 4/ 311، وله قصة، وبين أنه مختلف في صحته، أما حديث ابن عمر المشهور: "بني الإسلام ...

" فقد رواه البخاري (8) كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم (21) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.

(٤) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 37: فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، وممن ذكر أنه فرض كفاية أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 205، والطبري في "تفسيره" 2/ 344 - 345، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 741، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 217.

(٥) ساقط من (م).

(٦) قول الزهري رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 204، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 382، وقول الأوزاعي ذكره أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 205، والطبري في "تفسيره" 2/ 344.

(٧) ساقط جميعًا من (ي).

(٨) ينظر في بيان أنهما لغتان بمعنى: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 365، و"تفسير الطبري" 2/ 345، و"الصحاح" 6/ 2247.

(٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 288، و"تهذيب اللغة" 4/ 3136 "كره"، و"المفردات" ص431، "عمدة الحفاظ" 3/ 459، "اللسان" 7/ 3864، 3865، قال الزجاج: والكره يقال فيه: كرهت الشيء كُرها وكراهية، وكل ما في كتاب == الله عز وجل من الكُره فالفتح فيه جائز، إلا أن هذا الحرف الذي في هذه الآية ذكر أبو عبيدة أن الناس مجمعون على ضمه، قال الأزهري: الذي قاله أبو العباس والزجاج فحسن جميل.

وقال الراغب: قيل: الكَره والكُره واحد، نحو الضَّعف والضُّعف، وقيل: الكَره: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكُره: ما يناله من ذاته وهو يعافه، وهو على ضربين: أحدهما: ما يعاف من حيث العقل والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه، بمعنى: إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث العقل أو الشرع، أو العكس، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ أي تكرهونه من حيث الطبع، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ، وكرهت يقال فيهما جميعا، إلا أن استعماله في الكره أكثر.

اهـ- بتصرف.

(١٠) ساقط جميعًا من (ي).

(١١) الزجاج 1/ 289، وعبارته: معنى كراهتهم القتال أنهم كرهوه على جنس غِلَظِه عليهم ومشقته، لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله عز وجل، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح.

(١٢) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 344، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 382 عن عكرمة، ولفظ الأثر: نسختها هذه الآية ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ يعني: أنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال الطبري 2/ 344: وهذا قول لا معنى له؛ لأن نسخ الأحكام من قبل الله عز وجل لا من قبل العباد، وقوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخ منه.

(١٣) من "تفسير الثعلبي" 2/ 745.

(١٤) في (ي): ليست.

(١٥) في (ي): عاد.

(١٦) في (ي) (وعليه).

(١٧) ينظر في عسى وأحكامها: "الكتاب" لسيبويه 3/ 11، 12، 158، 4/ 233، "المقتضب" 3/ 68 - 72، "تهذيب اللغة" 3/ 2428، "المفردات" 338 ص، "عمدة الحفاظ" 3/ 92، "اللسان" 5/ 295، "مغني اللبيب" ص 201 - 204، وقال: ومعناه: الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ ، ثم ذكر أنها تستعمل على سبعة أوجه.

وقال في "البحر المحيط" 2/ 143: عسى هنا للإشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا  ﴾ فقوله: ﴿ أَن تَكرَهُوا ﴾ في موضع رفع بعسى.

(١٨) البيت لمحمد بن إسماعيل، ينظر: "همع الهوامع" 1/ 131.

"المعجم المفصل" 3/ 301.

(١٩) البيت لهدبة بن خشرم في "خزانة الأدب" 9/ 328.

"المعجم المفصل" 1/ 323.

(٢٠) ليست في (ش).

(٢١) يقال: شرَّرت، وأشررت، وشرَرْت.

(٢٢) البيت لكعب بن جعيل، وقيل: إنه للحصين بن الحمام المرِّي، يذكر يوم صفين، وتمامه: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم.

أي نشرت وأظهِرت.

ينظر: "اللسان" 4/ 2233 (شرر).

(٢٣) رواه عنه الطبري 2/ 344، وفي "الدر المنثور" عنه 1/ 439.

ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1853، "المفردات" ص260، "عمدة الحفاظ" 2/ 298، "اللسان" 4/ 2233 (شرر).

(٢٤) في (ي) و (ش) (مليس).

ولم أعرف المراد من الكلمة.

(٢٥) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 344، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 745 وأبو المسفر السمعاني في "تفسيره" 2/ 275 قال أحمد شاكر: هذا إسناد مظلم، والمتن منكر، لم أجد ترجمة يحيى بن محمد بن مجاهد، ولا عبيد الله بن أبي هشام،== ولا أدري ما هما، ولفظ الحديث لم أجده، ولا نقله أحد ممن ينقل عن الطبري.

ينظر حاشية "تفسير الطبري" 4/ 299.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال ﴾ : إن كان فرضاً على الأعيان فنسخه؛ ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 122] فصار القتال فرض كفاية، وإن كان على الكفاية فلا نسخ ﴿ كُرْهٌ ﴾ مصدر ذُكر للمبالغة، أو اسم مفعول كالخبز بمعنى المخبوز ﴿ وعسى أَن تَكْرَهُواْ ﴾ حض على القتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط للابتداء بالشرط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كره لكم ﴾ ج ﴿ خير لكم ﴾ ج لتفصيل الأحوال ﴿ شر لكم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ قتال فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ.

وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله".

و "كفر به" مبتدأ.

والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم ﴿ أكبر من القتل ﴾ ط ﴿ استطاعوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

المستقبل على المستقبل.

﴿ يتذكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  ﴾ جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر.

الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق ﴿ يسئلونك ماذا ينفقون ﴾ عن ابن عباس: نزلت الآية "في رجل أتى النبي  فقال: إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك.فقال: إن لي دينارين.

فقال: أنفقهما على أهلك.

فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك.

فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك.

قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك.

قال: إن لي ستة.

قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً" .

وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟

أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً  ﴾ وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ الآية.

فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود.

وذلك أن قوله ﴿ ما أنفقتم من خير ﴾ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق.

وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية.

فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله ﴿ إنها بقرة لا ذلول  ﴾ سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية.

وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟

والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت.

لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله.

والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق.

وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار.

وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب.

﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم أحسن الجزاء.

عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة.

وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله  في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب.

قوله  : ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ كان النبي  غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله  الجهاد.

قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية.

أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ كتب ﴾ وأما العموم فلأن قوله ﴿ عليكم ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ و ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب.

وعن ابن عمر وعطاء أن قوله ﴿ كتب ﴾ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ عليكم ﴾ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت.

والعموم في ﴿ عليكم الصيام ﴾ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع.

وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.

﴿ وهو كره لكم ﴾ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله  فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟

والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن  أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.

والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم.

وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله  ﴿ حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ﴾ وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.

﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.

العلــم أولــه مــر مـذاقتـه *** لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم.

وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو.

وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.

وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن.

قال: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح  ﴾ وقد وجد ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً  ﴾ وقد حصل.

والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله  كما بينا في "لعل" ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وذلك أن علمه  فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد.

وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف.

وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله  علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه  يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك.

فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله  في جواب الملائكة ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

الحكم الثاني في قوله  ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغيرالشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي  هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟

ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي  - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير.

وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين.

فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك.

فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة.

ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم.

حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.

ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.

فلما رأوا أصحاب رسول الله  هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار.

فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم.

وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب.

فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم.

فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين.

واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم.

واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله  بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم.

سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين.

فقال رسول الله  لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام" ، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.

فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ فأخذ رسول الله  العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما.

فلما قدما فأداهما.

فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله  بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله  : "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" .

وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله  عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ عن قتال فيه ﴾ بتكرير العامل.

وقرأ عكرمة ﴿ قتل فيه قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة.

وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف.

فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله  ﴿ قل قتال ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟

قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش.

فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه.

ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟

عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.

وروى جابر قال: لم يكن رسول الله  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.

وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟

قال: نعم.

قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم.

وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته.

قوله  ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ ويمكن أن يقال أن قوله ﴿ قتال فيه كبير ﴾ نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.

﴿ وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟

واعلم أن قوله ﴿ وصد ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة ﴿ تساءلون به والأرحام  ﴾ بالخفض.

والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام.

واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله ﴿ وكفر به ﴾ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له".

وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم.

وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم.

والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة.

وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش.

وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر.

وأجيب بأن معلوم الله كالواقع.

والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة.

وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال.

وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام.

وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار.

﴿ أكبر من القتل ﴾ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.

يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول  من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل.

ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  ﴾ وقوله ﴿ إن استطاعوا ﴾ استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" ﴿ ومن يرتدد ﴾ ومن يرجع ﴿ منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴾ باق على الردة ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.

وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات.

وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب.

ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون.

وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة.

فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه.

لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي.

فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع.

وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق.

فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور.

وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله  عطفاً على الشرط ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك.

وفي الحديث "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال.

فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق.

إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي.

وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله  هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً.

وقيل: إنه  لما أوجب الجهاد بقوله ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.

ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل.

والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر.

وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة.

والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته.

ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا.

ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك.

وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد.

ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله.

وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ \[المؤمنون: 60\].

﴿ والله غفور رحيم ﴾ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله.

عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة.

ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب.

وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.

وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.

وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.

روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله  خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك.

قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟

قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟

وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.

ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

والكراهة المذكورة هاهنا والمحبة: هي كراهة الطباع والنفس، [ومحبة الطباع والنفس،] لا كراهة الاختيار.

ولا يكون في كراهة الطباع خطاب؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار؛ لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول الله  يؤمرون بالقتال والمجاهدة مع العدو ثم هم يكرهون عما أمروا اختياراً منهم؛ لأن ذلك دأب أهل النار، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد والمشقة وكراهيته.

وقوله: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل هذا في القتال خاصة، وهو أن يكونوا كرهوا القتال؛ لما فيه من المشقة والشدة، ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال الثواب والدرجات في الآخرة.

﴿ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً ﴾ ، يعني التعود على الجهاد، ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ ، لما فيه من اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة.

ويحتمل هذا في كل أمر يحب [الرجال] في الابتداء ويكون عاقبته شرّاً له، ويكره أمراً فيكون عاقبته خيراً له.

هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها؛ ليعلم أن ليس إلينا من التدبير في شيء.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، [أي: ويعلم] ما هو خير لكم في العواقب مما هو شر لكم، "وأنتم لا تعلمون".

وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام، ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول الله  ، والكفر به، وإخراج أهله منه، لكن إذ فعلوا ذلك، لم يكن القتال بجنبه كبيراً، بل الكفر فيه أكبر من القتل.

فكأنه - والله أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر، ثم جعل الكفر أكبر من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه.

ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند البلوى بما بين.

والقتال بنفسه كبير؛ لأن فيه تفاني الخلق، ولم يخلقوا للفناء.

ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين: أحدهما: أنه ذكر القتل، وجعل الكفر أكبر منه، ولو أوجب القتل التخليد، ما أوجب الكفر، لكان فيه التساوي، ولا يكون الكفر أكبر من القتل فبان أن الكبيرة لا توجب التخليد ما أوجب الكفر.

والله أعلم.

والثاني: قال: والكفر منه، فصيره أكبر، ثم [لا يخلو أكبره] من أن يكون بنفسه، أو بالكافر، أو بالله.

ولا يحتمل أن يكون بالكافر؛ لأن فعل الكفر أصغر عنده من فعل الزنى والقتل؛ لأنه يدين بالكفر ويستحسنه، ويستقبح ذلك.

فبان أن يكبر بنفسه أو بالله.

فإن قالوا: بنفسه.

قيل لهم: لما جاز أن يكون كبره بغير من ينشئه لما لا جاز خلقه بغير من يفعله، أو يكن بالله؟

وهو قولنا.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم يفعلون كذا، فكان كما قال: فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

وقوله: ﴿ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، ولكن لا يستطيعون أن يردوكم عن دينكم.

ففيه إياس الكفرة عن رد هؤلاء إلى دينهم، وأمن هؤلاء عن الرجوع إلى دينهم.

وقيل: (إن) بمعنى (لو)، أي: لو قدروا أن يردوكم عن دينكم إلى دينهم لفعلوا.

أخبر الله عز وجل عما ودوا إن إستطاعوا، لكن الله بما أكرمهم وبشرهم من النصر وإظهار الدين لا يستطيعون على ذلك أظهر بقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكر إحباط الأعمال، بالموت على الكفر، والعمل يحبط بالكفر دون الموت.

والوجه فيه: أنه لا يحتمل أن يكون الموت هو سبب إحباط الأعمال، بل الكفر بنفسه إذا وجد؛ إذ الموت لا صنع فيه للعباد، والكفر فيه لهم اختيار، لم يجز جعل العمل حبطاً بما لا صنع له فيه، دل أن الكفر هو المحبط، لا الموت، ولكن ذكر الموت في هذا لما فيه تمام الحبط والإبطال، وما لم يمت ترجى له المنفعة بحسناته؛ لأنه إذا كفر جحد تلك الحسنات فأبطلها، فإذا أسلم بعد ذلك ندم على جعل ذلك باطلاً، فصار مقابلاً لسيئاته بحسنات، فهو حالة الانتفاع به كما قال عز وجل: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .

أما في الدنيا: فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الحسن الذي يستوجب بالخير والدين عند الناس، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله وصار على أعين الناس أخف من الكلب والخنزير.

وأما حبطه في الآخرة: فذهاب ثواب أعماله، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند الله، لا بالعمل نفسه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ  جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ  ﴾ ، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب بإحضاره وإتيانه عند الله، لا بالعمل نفسه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ .

تضمن قوله: ﴿ ءَامَنُواْ ﴾ الإيمان بالله، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من الرسالات وغيرها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ .

الهجرة تكون على وجهين: أحدهما: الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول الله  بالمدينة، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  ﴾ .

ثم روي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة" والهجرة الثانية: هجرة الآثام والإجرام، فهي لا ترتفع أبداً.

وقال الحسن في قوله  : ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ : أي بالعداوة منه لمن كفر بالله.

وقال أبو بكر الصديق - رضي الله  عنه -: أن يهجر قومه وداره ويخرج لله.

وقوله: ﴿ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

المجاهدة تكون على وجوه: مجاهدة العدو، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.

وقوله: ﴿ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ .

فيه دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر الله.

وقوله: ﴿ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجهين: الرحمة: الجنة، والرحمة: المغفرة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

لما كان منهم من التقصير فيما ذكر من المجاهدة والمهاجرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فُرِض عليكم -أيها المؤمنون- القتال في سبيل الله وهو مكروه للنفس بطبعها، لما فيه من بذل المال والنفس، ولعلكم تكرهون شيئًا وهو في الواقع خير ونفع لكم؛ كالقتال في سبيل الله، فمع عِظم ثوابه فيه النصر على الأعداء ورفع كلمة الله، ولعلكم تحبون شيئًا وهو شر ووبال عليكم؛ كالجلوس عن الجهاد، فإن فيه الخذلان وتسلط الأعداء، والله يعلم علمًا تامًّا خير الأمور وشرها، وأنتم لا تعلمون ذلك، فاستجيبوا لأمره؛ ففيه الخير لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.zY563"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه من طريق زيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله  عبد الله بن جحش -وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب مقفله من بدر الأولى وكتب له كتابًا يعلمه فيه أين يسير فقال: "أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك فانظر فيه فما أمرتك به فامض له، ولا تستكره أحدًا من أصحابك على الذهاب معك".

فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أنْ أَمض حتى تنزل "نخلة" فأتنا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، ولم يأمره بقتال.

فقال لأصحابه -وكانوا ثمانية- حين قرأ الكتاب: سمعًا وطاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فأنا ماضٍ لأمر رسول الله  ومن كره ذلك منكم فليرجع، فإن رسول الله  قد نهاني أن أستكره منكم أحدًا.

فمضي القوم معه حتى كانوا بنجران أَضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا "نخلة" فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله وأشرف لهم عكاشة بن حصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقًا قالوا عمار ليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله  وكان آخر يوم من جمادى، فقالوا لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة الحرم فليمتنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل، وأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله  فقال لهم: "والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".

فأوقف رسول الله  الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئًا.

فلما قال لهم رسول الله ما قال سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ  ﴾ الآية فأخذ النبي  العير وفدى الأسيرين.

وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي  فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟

فنزلت.

هكذا أورد القصة بعض المفسرين وقوله في صدرها "في رجب إلخ" يختلف مع قوله بعد "وكان آخر يوم من جمادى" وذكروا أن هذه القصة كانت قبل غزوة بدر بشهرين، وبعد الهجرة بسبعة عشر شهرًا.

وأخرجها السيوطي في أسباب النزول عمن ذكر ما عدا ابن إسحق من حديث جندب بن عبد الله مختصرة وقال إنهم قتلوا ابن الحضرمي ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى: وقال في آخرها: فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر، فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا  ﴾ الآية ومشى على ذلك في التفسير.

وكلامه يفيد أن الآيات نزلت متفرقة والصواب أن الآيات الثلاث نزلت في قصة واحدة مرة واحدة.

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ  ﴾ إلخ قالوا إن هذه أول آية فرض فيها القتال وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وقد كان القتال ممنوعًا فأذن فيه بعد الهجرة بقوله تعالى في سورة الحج: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  ﴾ الآيات ثم كتب في هذه السنة.

ونقل عن ابن عمر وعطاء أن القتال كان واجبًا في ذلك الوقت على الصحابة فقط، وأن هذا هو المراد من الآية.

وذهب السلف إلى أن القتال مندوب إليه واستدلوا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  ﴾ وهو مردود بأن القاعدين هنا هم أولو الضرر العاجزون عن القتال لما نطقت به الآية، وأما القاعدون كراهة في القتال فحكمهم في سورة براءة، وقيل إن القتال يجب في العمر مرة واحدة.

وقد انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف الذي كان في القرن الثاني على أن الجهاد من فروض الكفاية إلا أن يدخل العدو بلاد المسلمين فاتحًا فيكون فرض عين.

أما قوله تعالى ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ فقد عده بعضهم من المشكلات إذ كيف يكره المؤمنون ما يكلفهم الله تعالى إياه وفيه سعادتهم، وحمله جمهور المفسرين على الكره الطبيعي والمشقة، وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة في القيام بأعبائه من حيث إنه ما أمر الله به وجعل فيه المصلحة لحفظ دينه كما قال في آيات الإذن به من سورة الحج ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ  ﴾ إلخ.

وقوله ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ معناه أن من الأشياء المكروهة طبعًا ما تأتونه وأنتم ترجون نفعه وخيره كشرب الدواء البشع المر، ومن الأشياء المستلذة طبعًا ما يتوقع فاعلها الضر والأذى في نفسه أو من جهة منازعة الناس له فيه.

هذا تقرير ما قاله المفسرون ولكن لا يظهر على هذا الذي قالوه معنى وجيه لقوله  ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ لأن هذا مما يعلمه الناس ويتوقعونه لا مما هداهم الكتاب إليه بعد أن كانوا غائبين عنه، والصواب أن ﴿ عَسَى  ﴾ في مثل هذا المقام تفيد أن ما دخلت عليه من شأنه أن يقع، لا أنه مرجو من المتكلم ومتوقع، وأن الكره محمول على غير ما حملوه عليه.

ذلك أن النبي  بُعِثَ والعرب في قتال مستحر، ونزاع مستمر، وكان الغزو للسلب والنهب من أعظم أسباب الكسب، وكان الصحابة قد ألفوا القتال واعتادوه ومرنوا عليه فلم يكن عندهم مكروهًا بالطبع، ولكنهم كانوا يرون أنفسهم فئة قليلة حملت هذا الدين واهتدت به ويخشون أن يقاوموا المشركين بالقوة فيهلكوا ويضيع الحق الذي هدوا إليه وكلفوا إقامته والدعوة إليه.

وثم وجه آخر وهو أن كرههم للقتال لم يكن خوفًا على أنفسهم أن يبيدوا ولا على الحق الذي حملوه أن يضيع، وإنما هو حب السلام والرحمة بالناس التي أودعها القرآن في نفوسهم، وثبتها الإيمان في قلوبهم، واختيار مصابرة الكفار ومجادلتهم بالدليل والبرهان دون مجادلتهم بالسيف والسنان، رجاء أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا خطوات الشيطان، وعلى هذا الوجه يظهر من معنى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ﴾ ما لا يظهر في المعنى الذي قبله ويفيد قوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أن قياسكم جميع الكافرين على أنفسكم، وتوقعكم أن يزين لهم من الإيمان ما زين لكم، هو من الأقيسة الباطلة، فإن الاستعداد في الناس يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فمنهم من ساءت خليقته، وأحاطت به خطيئته، حتى لم يبق لروح الحق منفذ إلى عقله، ولا لحب الخير طريق إلى قلبه، فلا تنفع فيه الدعوة، ولا ترجى له الهداية، ومثل هذا الفريق في الأمة كمثل الدم الفاسد في الجسم إذا لم يخرج منه فإنه يفسده، ولم يأمر الله بقتالهم إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم، فلا يقاسون على من سلمت فطرتهم وحسنت سريرتهم، حتى كان وقوعهم في الباطل جهلًا منهم بالحق وإصابتهم بعض الشر لعدم التمييز بينه وبين الخير، وأنتم أيها المؤمنون لا تعلمون كنه استعداد الناس ولا ما يكون من أثره في مستقبلهم، وإنما الله هو الذي يعلم ذلك فامتثلوا أمره.

وأما معناه على الوجه الأول فهو أن سنة الله تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه ما استمسك حزب الله بحقهم فأقاموه ودعوا إليه ودافعوا عنه، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به أعداءه ويطمعهم بالتنكيل بحزبه، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم، وأنه قد سبق في علم الله تعالى أن الله لا بد أن يظهر دينه وينصر أهله على قلتهم، ويخذل أهل الباطل على كثرتهم ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وقد علم الله كل هذا وأنتم لا تعلمون ما خبأ لكم في غيبه، وستجدونه في امتثال أمره، والعمل بما يرشدكم إليه في كتابه.

ومن عجيب ما ترى العينان نقل المفسرين بعضهم عن بعض أن المراد بقوله تعالى ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا  ﴾ جميع التكاليف التي أمروا بها، وبقوله تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا  ﴾ جميع ما نهوا عنه.

ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يكره طبعه وتستثقل نفسه جميع ما أمره الله تعالى به، وتحب جميع ما نهاه عنه، ولكن التقليد يذهل المرء عن نفسه وما تحب وتكره، وعما يراه ويعرفه في الناس بالمشاهدة والاختبار.

بعد ما بين سبحانه أن القتال كتب على هذه الأمة فلا مفر منه، وإن كرهه المؤمنون خشية أن يضيع الحق بهلاك أهله، أو لما أودع القرآن قلوبهم من الرحمة، والرجاء يجذب الناس إلى الإيمان بجاذب الدليل والحجة -وهو الأرجح- بينّ سبحانه مسألة لا بد في هذا المقام من بيانها للحاجة إلى العلم بها، على أنه وقع السؤال عنها، وهي مسألة القتال في الشهر الحرام فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان النبي  يقر الناس على غير القبيح مما كانوا عليه، وترك القتال أربعة أشهر من السنة حسن لأنه تقليل للشر، لذلك كان لما فعله عبد الله بن جحش وأصحابه وقع سيء عند المسلمين والمشركين جميعًا على أنهم لم يكونوا يعلمون عند أخذ العير وقتل من قتلوا أن ذلك اليوم غرة رجب.

قيل إن السائلين هم المؤمنون وقيل هم المشركون وقد تقدمت الرواية في ذلك، وسياق الآية رد على المشركين، وإرشاد للمؤمنين، وهي: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ أي عن القتال فيه وقرئ ﴿ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  ﴾ بتكرير العامل وقدم ذكره للعناية به، ونكر القتال في السؤال والجواب لتنويعه كأنه قيل أيصح أن يقع فيه قتال ما؟

﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ أي أن أيّ قتال فيه وإن كان صغيرًا في نفسه أمر كبير مستنكر وقوعه فيه لعظم حرمته، وقال بعضهم معناه ذنب كبير وهذا تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام، قال ابن جريج حلف لي عطاء بالله إنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا على سبيل الدفع، وإن هذا حكم باقٍ إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم إنه منسوخ بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وأنكر بعضهم هذا لأنه نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف.

وقال آخرون إن الآية لا تدل.

وعبارة البيضاوي: "والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في كل الشهر الحرام مطلقًا لأن لفظ ﴿ قِتَالٍ  ﴾ فيها نكرة في حيز مثبت فلا يعم".

وهذا القول غير ظاهر فإن دلالة الآية على المنع المطلق لا يتوقف على كون لفظ القتال فيها عامًا، وربما كانت دلالة النكرة فيما أدل على إطلاق الحكم في كل قتال في جنس الشهر الحرام كما بيناه في معنى تنكيرها وكونه للتنويع.

ولهم في الآية كلام كثير، والظاهر المتبادر أن إثبات كون القتال في الشهر الحرام كبيرًا تمهيد للحجة على أن ما فعله عبد الله بن جحش وما عساه يفعله المسلمون من القتال فيه مبني على قاعدة لا ينكرها عقل، وهي وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن بد من أحدهما، ولا شك أن القتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم، وإنما يرتكب لإزالة ما هو أعظم منه وذلك قوله تعالى ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ أي وصد الناس ومنعهم عن الطريق الموصل إليه تعالى وهو الإسلام، وهو الذي يفعله المشركون من اضطهاد المسلمين وفتنتهم عن دينهم إذ يقتلون من يسلم أو يؤذنونه في نفسه وأهله وماله، ويمنعونه من الهجرة إلى النبي  ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ  ﴾ أي بالله تعالى ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ أي وصد عن المسجد الحرام، وهو منع المؤمنين من الحج والاعتمار ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ  ﴾ وهو النبي  والمهاجرون، وذلك كقوله في آيات الإذن بالقتال في سورة الحج ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  ﴾ كل واحدة من هذه الجرائم التي عليها المشركون ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ من القتال في الشهر الحرام فكيف بها وقد اجتمعت.

ثم صرح بالعلة العامة لمشروعية القتال وهي فتنة الناس عن دينهم فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ  ﴾ وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبما علم من الإيذاء والتعذيب، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته، وبلال، وصهيب، وخباب بن الارت، وغيرهم.

كان عمار يعذب بالنار يكوى بها ليرجع عن الإسلام، وكان النبي  يمر به فيرى أثر النار به كالبرص.

وعن أم هانئ قالت إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد الله وسمية أمه كانوا يعذبون في الله فمر بهم النبي  فقال: "صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" وفي رواية: "صبرًا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت".

مات ياسر في العذاب وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة ابن المغيرة وهو الذي عهد إليه بتعذيبها فعذبها عذابًا شديدًا رجاء أن تفتن في دينها فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها وكانت عجوزًا كبيرة، وكان أبو جهل يقول لها مع ذلك: ما آمنت بمحمد إلا أنك عشقته لجماله: يؤذيها بالقول كما يؤذيها بالفعل.

وكان يلبس عمار درعًا من الحديد في اليوم الصائف يعذبه بحره.

وكان أمية بن خلف يعذب بلالًا بفتنه فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويومًا ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء، أي يضعه على الرمل المحمى بحرارة الشمس الذي ينضج اللحم، ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد  ، وتبعد اللات والعزى.

فيأبى ذلك وهانت عليه نفسه في الله  ، وكانوا يعطونه للولدان فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول "أحد، أحد".

وحكى خباب  عن نفسه قال لقد رأيتني يومًا وقد أوقدت لي نار وضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك (دهن) ظهري!

فهذا نموذج من فتنة المشركين لضعفاء المسلمين، وما امتنع منهم إلا من له عصبة من قومه عز عليهم إبساله فمنعوه حمية وأنفة للقرابة، على أن النبي  على منعة قومه وعناية الله تعالى به لم يسلم من إيذائهم فقد وضعوا سلا الجزور على ظهره وهو يصلي وخاف أصحابه تنحيته عن ظهره، حتى نحته السيدة فاطمة عليها السلام، وتعرضوا له بضروب من الإيذاء كفاه الله شرها كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ .

هذا ما كان المشركون يعاملون به المؤمنين في حال ضعفهم، ولما هاجروا وكثروا صاروا يقصدونهم بالقتال في مهجرهم لأجل الدين، ولذلك قال تعالى ﴿ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ عاد إلى خطاب المؤمنين الذين كانوا يكرهون القتال لما تقدم، فأعلمهم أن أولئك المشركين لا هم لهم إلا منع الإسلام من الأرض، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله؛ وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة، طمع في غير مطمع، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام، لو لم يحتف بها غيرها من الآثام، كيف وقد قارنها الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه والاعتداء بالقتال والاستمرار عليه.

وقوله ﴿ إِنْ اسْتَطَاعُوا  ﴾ يفيد الشك في استطاعتهم وعدم الثقة بها لأن من عرف الإسلام معرفة صحيحة، وهو الحق الصريح، لا يرجع عنه إلى الكفر، وهو الباطل المفضوح، وهكذا يكون فلا يزال الكفار يقاتلوننا ليردونها عن ديننا إن استطاعوا، ولم يستطيعوا.

ولما ذكر الردة التي يبغونها بقتالهم بين حكمها فقال ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ أي ومن يرجع منكم عن الإسلام إلى الكفر حتى يموت عليه فرضًا، فأولئك المرتدون هم الذين بطلت وفسدت أعمالهم في الدارين حتى كأن واحدهم لم يعمل صالحًا قط.

لأن الرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة تصيب المخ والقلب فتذهب بالحياة، فإن لم يمت المصاب بعقله وقلبه، فهو في حكم الميت لا ينتفع بشيء.

وكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدي إلى نور الإيمان، تفسد روحه ويظلم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، ولا يعطى شيئًا من أحكام المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا والآخرة.

يقول بعض الفقهاء: إن المرتد تبطل أعماله حتى كأنه لم يعمل خيرًا قط، وحتى إنه يجب عليه إعادة نحو الحج إذا رجع إلى الإسلام، وتطلق منه امرأته طلاقًا بائنًا فلا تعود إليه إذا هو عاد إلى الإسلام إلا بعقد جديد.

ويقول غيرهم إن حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر، فإذا ارتد المسلم مدة ثم عاد لا تجب عليه إعادة نحو الحج، وأما امرأته فإنها تكون موقوفة إلى انتهاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها كانت على عصمته، وإن عاد بعد انقضاء العدة فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد.

وللردة أحكام أخرى عند الفقهاء تطلب من كتبهم.

ومعنى الآية ظاهر وهو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه ولا في أخراه، وذلك أن الرجوع عن الدين رجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية الثلاثة وهي: الإيمان بأن لهذا الكون العظيم المتقن في وحدة نظامه، وبديع أحكامه، ربا إلهًا أبدعه وأتقنه بقدرته وحكمته بغير مساعد ولا واسطة، فلا تأثير لغيره في شيء منه إلا ما هدى هو الناس إليه باطراد سننه في الأسباب والمسببات، فيجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، لا في الدعاء ولا في غيره من معاني العبادة التي بيناها في سورة الفاتحة وغيرها.

وهذا الأصل هو منتهى ما يصل إليه ارتقاء العقل البشري في الاعتقاد، وتطهير الأنفس من الخرافات والأوهام.

الإيمان بعالم الغيب والحياة الآخرة، ذلك أن العوالم الحية التي في هذا الكون لا تنعدم من الوجود ولا تنفذ من أقطار ملك الله بما نراه من فساد تركيبها وذهاب صورها، فإذا كان العدم المحض غير معقول، والتحول في الصور مألوف منظور، فلا غرو أن يكون للناس حياة أخرى في عالم آخر بعد خراب هذا العالم.

وهذا الإيمان ركن من أركان الارتقاء البشري لأنه يبعث البشر إلى الاستعداد لذلك العالم الأوسع الأكمل، ويعرفهم بأن وجودهم أكمل وأبقى مما يتوهمون.

العمل الصالح الذي ينفع صاحبه وينفع الناس.

فهذه الأصول الثلاثة التي جاء بها كل نبي مرسل لا يتركها إنسان بعد معرفتها والأخذ بها، إلا ويكون منكوسًا لاحظ له من الكمال في دنياه ولا في آخرته، بل يكون من أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المظلمة، التي لا مقر لها في الآخرة إلا دار الخزي والهوان كما قال تعالى ﴿ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ وقد تقدم الكلام في مثل هذا.

كأنه تعالى يقول للمؤمنين الكارهين للقتال لا سيما في الشهر الحرام: إذا كان هؤلاء المشركون على ما ذكر من الكفر والطغيان، ومن إيذائكم وفتنكم عن الإيمان، ومن منع إخوانكم عن الهجرة إليكم بعد طردكم من الأوطان، ومن القصد إلى قتالكم حتى يردوكم عن دينكم، لتخسروا دنياكم وآخرتكم، فلا ينبغي أن تحجموا عن قتالهم عند الإمكان، ولا أن تحفلوا بإنكارهم عليكم القتال في الشعر الحرام.

ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين، ناسب أن يذكر جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين، لأن الذهن يتوجه إلى طلبه فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ  ﴾ المهاجرة مفارقة الأوطان والأهل وهي من الهجر ضد الوصل.

ولما هاجر النبي  من مكة فرارًا بنفسه وبقومه من أذى قريش وفتنتهم إلى المدينة التي عاهده من آمن من أهلها على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وجب على كل مسلم أن يتبعه في هجرته ليعتز الإسلام بأهله، ويقدر المؤمنون باجتماعهم على الدفاع عن أنفسهم.

واستمر وجوب الهجرة على من قدر إلى فتح مكة، إذ خذل الله المشركين وجعل كلمتهم السفلى، وكلمة الله هي العليا.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام في مثل عصرنا هذا، ويؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده أو عمل بما يجب عليه، وإن كان حكام تلك البلاد من صنف المسلمين، ومن ذلك أن لا يقدر المسلمون التصريح قولًا وكتابة بكل ما يعتقدون، ولا يمكنوا من القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجمع عليه منهما.

وأما المجاهدة فهي من الجهد وهو المشقة وليس خاصًا بالقتال.

والرجاء هو توقع المنفعة من أسبابها.

فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم، هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه رجاء حقيقيًا، وهم أجدر بأن يعطوا ما يرجون، وأما طلب المنافع ودفع المضار من غير أسبابها العادية في العاديات والشرعية في الدينيات، فلا يسميان رجاء، بل تمنيًا وغرورًا: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين، ولا سيما المهاجرين المجاهدين، يغفر لهم ما عساه يفرط منهم من تقصير، ويتغمدهم برحمته ورضوانه ونعم المصير.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر