الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال مقاتل بن حيان : هذه الآية في نفقة التطوع .
وقال السدي : نسختها الزكاة .
وفيه نظر .
ومعنى الآية : يسألونك كيف ينفقون ؟
قاله ابن عباس ومجاهد ، فبين لهم تعالى ذلك ، فقال : ( قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ) أي : اصرفوها في هذه الوجوه .
كما جاء في الحديث : " أمك وأباك ، وأختك وأخاك ، ثم أدناك أدناك " .
وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ، ثم قال : هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا ، ولا تصاوير الخشب ، ولا كسوة الحيطان .
ثم قال تعالى : ( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) أي : مهما صدر منكم من فعل معروف ، فإن الله يعلمه ، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء ; فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة .
القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به ؟، وعلى مَن ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به ؟
فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو مُحْصيه لكم حتى يوفِّيَكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم = على ما أطعتموه بإحسانكم = عليه.
* * * &; 4-292 &; و " الخير " الذي قال جل ثناؤه في قوله: " قل ما أنفقتم من خير "، هو المال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية.
* * * وفي قوله: " ماذا "، وجهان من الإعراب.
أحدهما: أن يكون " ماذا " بمعنى: أيّ شيء ؟، فيكون نصبًا بقوله: " ينفقون ".
فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟، ولا يُنصَب بـ " يسألونك ".
والآخر منهما الرفع.
وللرفع في" ذلك " وجهان: أحدهما أن يكون " ذا " الذي مع " ما " بمعنى " الذي"، فيرفع " ما " ب " ذا " و " ذا " لِ" ما "، و " ينفقون " من صلة " ذا "، فإن العرب قد تصل " ذا " و " هذا "، كما قال الشاعر: (35) عَــدَسْ!
مَـا لِعَبَّـادٍ عَلَيْـكِ إمَـارَةٌ أمنْــتِ وهــذَا تَحْــمِلِينَ طَلِيـقُ!
(36) فـ " تحملين " من صلة " هذا ".
فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟
والآخر من وجهي الرفع أن تكون " ماذا " بمعنى أيّ شيء، فيرفع " ماذا "، &; 4-293 &; وإن كان قوله: " ينفقون " واقعًا عليه، (37) إذ كان العاملُ فيه، وهو " ينفقون "، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال الشاعر: (38) ألا تَسْــأَلانِ المَـرْءَ مَـاذَا يُحَـاِولُ أَنَحْـبٌ فَيُقْضَـى أَمْ ضـلالٌ وَبَـاطِلُ (39) وكما قال الآخر: (40) وَقَـالُوا (41) تَعَرَّفْهـَا المَنَـازِلَ مِـنْ مِنًى وَمَـا كُـلُّ مَـنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ (42) فرفع " كل " ولم ينصبه " بعارف "، إذ كان معنى قوله: " وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف " جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد.
(43) وهذه الآية [نـزلت] (44) - فيما ذكر- قبل أن يفرض الله زكاةَ الأموال.
* ذكر من قال ذلك: 4068 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا &; 4-294 &; أسباط، عن السدي: " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين "، قال: يوم نـزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقةُ ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة.
4069 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أينَ يضعون أموالهم ؟
فنـزلت: " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامىَ والمساكين وابن السبيل "، فذلك النفقةُ في التطوُّع، والزكاةُ سوى ذلك كله= قال: وقال مجاهد: سألوا فأفتاهم في ذلك: " ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين " وما ذكر معهما.
4070 - حدثنا محمد بن عمرو، قال حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح في قول الله: " يسألونك ماذا ينفقون "، قال: سألوه فأفتاهم في ذلك: " فللوالدين والأقربين " وما ذكر معهما.
4071 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد = وسألته عن قوله: " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين "= قال: هذا من النوافل، قال: يقول: هم أحق بفضلك من غيرهم.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله السدي = : من أنه لم يكن يوم نـزلت هذه الآية زكاةٌ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة = قولٌ ممكن أن يكون كما قال: وممكن غيره.
ولا دلالة في الآية على صحة ما قال، لأنه ممكن أن يكون قوله: " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين " الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من &; 4-295 &; الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [سورة البقرة: 177] .
وهذا القول الذي قلناه في قول ابن جريج الذي حكيناه.
* * * وقد بينا معنى المسكنة، ومعنى ابن السبيل فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته.
(45) * * * --------------------------- الهوامش : (35) هو يزيد بن مفرغ الحميري .
(36) تاريخ الطبري 6 : 178 والأغاني 17 : 60 (ساسي) ومعاني القرآن للفراء 1 : 138 والخزانة : 2 : 216 ، 514 واللسان (عدس) من أبيات في قصة يزيد بن مفرغ مع عباد بن زياد بن أبي سفيان ، وكان معاوية ولاه سجستان فاستصحب معه يزيد بن مفرغ فاشتغل عنه بحرب الترك .
فغاظ ذلك ابن مفرغ واستبطأ جائزته ، فبسط لسانه في لحية عباد وكان عباد عظيم اللحية فقال : ألاَ لَيْــتَ اللِّحَــى كـانت حشيشًـا فنَعْلِفَهـــا خـــيولَ المســـلمينَا فعرف عباد ما أراد فطلبه منه ، فهجاه وهجا معاوية باستلحاق زياد بن أبي سفيان فأخذه عبيد الله بن زياد اخو عباد ، فعذبه عذابًا قبيحًا ، وأرسله إلى عباد ، ثم أمرهما معاوية بإطلاقه فلما انطلق على بغلة البريد ، قال هذا الشعر الذي أوله هذا البيت .
وقوله : "عدس" زجر للبغلة ، حتى صارت كل بغلة تسمى"عدس" .
والشعر شعر جيد فاقرأه في المراجع السالفة .
(37) سلف أن"الوقوع" هو تعدي الفعل إلى المفعول ، فانظر فهرس المصطلحات وما سلف 2 : 108 ، 198 .
(38) هو لبيد بن ربيعة .
(39) ديوانه : 2/27 القصيدة : 41 ، وسيبويه 1 : 405 والخزانة 2 : 556 ومعاني القرآن للفراء 1 : 139 وغيرها .
والشاهد فيه أنه رفع"نحب" وهو مردود على"ما" في"ماذا" .
فدل ذلك على أن"ذا" بمعنى"الذي" وما بعده من صلته ، فلا يعمل فيما قبله .
والنحب : النذر .
يقول : أعليه نذر في طول سعيه الذي ألزم به نفسه؟
والنحب : الحاجة وهي صحيحة المعنى في مثل هذا البيت يقول : أهي حاجة لا بد منها يقضيها بسعيه ، أم هي اماني باطلة يتمناهان لو استغنى عنها وطرحها لما خسر شيئًا ، ولسارت به الحياة سيرًا بغير حاجة إلى هذا الجهاد المتواصل ، والاحتيال المتطاول؟
(40) هو مزاحم العقيلي .
(41) هو مزاحم العقيل (42) ديوانه : 28 ، وسيبويه 1 : 36ن 73 ، شاهدا على نصب"كل" ورفعها ومعاني القرآن للفراء 1 : 139 وقال : لم"أسمع أحدًا نصب" كل وشرح شواهد المغني : 328 .
وقوله : "تعرفها المنازل" بنصبها على حذف الخافض أو الظرف أي تعرف صاحبتك بالمنازل من منى .
فيقول : لا أعرف أحدًا يعرفها ممن يغشى مني فأسأله عنها .
(43) انظر أكثر ما مضى في معاني القرآن للفراء 138- 140 .
(44) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، ليستقيم الكلام .
(45) انظر تفسير"المسكين" فيما سلف 2 : 137 ، 293/ ثم 3 : 345 = ومعنى"اليتامى" فيما سلف 2 : 292/ ثم 3 : 345 = ومعنى"ابن السبيل" فيما سلف 3 : 345 .
قوله تعالى : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليمفيه أربع مسائل :الأولى قوله تعالى : " يسألونك " إن خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت : يسلونك .
ونزلت الآية في عمرو بن الجموح ، وكان شيخا كبيرا فقال : يا رسول الله ، إن مالي كثير ، فبماذا أتصدق ، وعلى من أنفق ؟
فنزلت يسألونك ماذا ينفقون .الثانية : قوله تعالى : ماذا ينفقون " ما " في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " الخبر ، وهو بمعنى الذي ، وحذفت الهاء لطول الاسم ، أي ما الذي ينفقونه ، وإن شئت كانت " ما " في موضع نصب ب " ينفقون " و " ذا " مع " ما " بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير ، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب ، إلا ما جاء في قول الشاعر ( عمر بن أبي ربيعة ) :وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق[ ص: 36 ] فإن " عسى " لا تعمل فيه ، ف " ماذا " في موضع رفع وهو مركب ، إذ لا صلة ل " ذا " .الثالثة : قيل : إن السائلين هم المؤمنون ، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها ، وأين يضعون ما لزم إنفاقه .
قال السدي : نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة .
قال ابن عطية : ووهم المهدوي على السدي في هذا ، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان .
وقال ابن جريج وغيره : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فيها ، وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع ، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله ، من طعام وكسوة وغير ذلك .
قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه ، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه ، كانت أمه أو أجنبية ، وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا ، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه ، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما .
فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو ، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر ؛ لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام .الرابعة : قوله تعالى : قل ما أنفقتم " ما " في موضع نصب ب " أنفقتم " وكذا " وما تنفقوا " وهو شرط والجواب " فللوالدين " ، وكذا " وما تفعلوا من خير " شرط ، وجوابه " فإن الله به عليم " وقد مضى القول في اليتيم والمسكين وابن السبيل .
ونظير هذه الآية قوله تعالى فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل وقرأ علي بن أبي طالب " يفعلوا " بالياء على ذكر الغائب ، وظاهر الآية الخبر ، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة .
أي: يسألونك عن النفقة، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه، فأجابهم عنهما فقال: {قل ما أنفقتم من خير} أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم، أعظمهم حقا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق، ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة، على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون، على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة، {واليتامى} وهم الصغار الذين لا كاسب لهم، فهم في مظنة الحاجة لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم، وفقد الكاسب، فوصى الله بهم العباد، رحمة منه بهم ولطفا، {والمساكين} وهم أهل الحاجات، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، فينفق عليهم، لدفع حاجاتهم وإغنائهم.
{وابن السبيل} أي: الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره بالنفقة، التي توصله إلى مقصده.
ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف، لشدة الحاجة، عمم تعالى فقال: {وما تفعلوا من خير} من صدقة على هؤلاء وغيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات، لأنها تدخل في اسم الخير، {فإن الله به عليم} فيجازيكم عليه، ويحفظه لكم، كل على حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها ونفعها.
قوله تعالى : ( يسألونك ماذا ينفقون ) نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا ذا مال فقال : يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟
فأنزل الله تعالى ( يسألونك ماذا ينفقون ) وفي قوله ) ( ماذا ) وجهان من الإعراب أحدهما أن يكون محله نصبا بقوله ) ( ينفقون ) تقديره : أي شيء ينفقون؟
والآخر أن يكون رفعا بما ومعناه : ما الذي ينفقون؟
( قل ما أنفقتم من خير ) أي من مال ( فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) يجازيكم به قال أهل التفسير : كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة .
«يسألونك» يا محمد «ماذا ينفقون» أي الذي ينفقونه والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخاً ذا مال فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفق وعلى من ينفق «قل» لهم «ما أنفقتم من خير» بيان لما شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: «فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل» أي هم أولى به «وما تفعلوا من خير» إنفاق أو غيره «فإن الله به عليم» فمجاز عليه.
يسألك أصحابك -أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وعلى مَن ينفقون؟
قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب، واجعلوا نفقتكم للوالدين، والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم، واليتامى، والفقراء، والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله.
وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم.
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين بعد ذلك لى أن مما يعينهم على دفع الأذى وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم في طاعة الله ، وأن يعدوا أنفسهم للقتال في سبيله فقال - تعالى - :( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ .
.
.
)قال الآلوسي : عن ابن جريج قالِ : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ) الآية .
وعن ابن عباس قال : كان عمرو بن الجموع شيخاً كبيراً وعنده مال كثير فقال يا رسول الله : بماذا نتصدق ، وعلى من ننفق؟
فنزلت الآية .والمعنى : يسألك أصحابك يا محمدأي شيء ينفقونه من أصناف الأموال؟
قل لهم : ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما ، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ولليتامى لأنهم فقدوا الأب الحاني الذي يسد عوزهم ، المساكين لفقرهم واحتياجهم ، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده .قال الإِمام الرازي : فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله - تعالى - في كيفية الإِنفاق ثم لما فصل هذا النفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإِجمال فقال : ( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) أي : وكل ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم فيجازيكم أحسن الجزاء عليه .
.
.
" .وظاهر الآية - كما يقول الآلوسي - أن السؤال عن المنفق فأجاب بيان المصرف صريحاً ، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة باعتباره .
وأشار - سبحانه - إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله ( مِنْ خَيْرٍ ) يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا ، وإنما تعرض لذلك - أي لبيان المنفق عليه - وليس في السؤال ما يقتضيه ، لأن السؤال للتعلم لا للجدل ، وحق المعلم فيه أن يكون كطيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء ، طلبه المريض أم لم يطلبه .
ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين ، ( وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيباً ، في أكل العسل فقال له : كله مع الخل ) .
فالكلام إذا من أسلوب الحكيم .
ويحتمل أن يكون في الكلام - أي في كلام السائلين - ذكر المصرف - أيضاً - كما في سؤال عمرو بن الجموع إلا أنه لم يذكره في الآية للإِيجاز في النظم تعويلا على الجواب ، فتكون الآية جوابا لأمرين مسئول عنهما .
والاقتصار في بيان المنفق على الإِجمال من غير تعرض للتفصيل كما في بيان المصرف للإِشارة إلى كون الثاني أهم .
وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟
قولان أشهرهما الثاني " .ولم يتعرض - سبحانه - هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء بذكرهم في مواضع أخرى ، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله - قوله - تعالى - : في آخر الآية ( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) فإنه شامل ككل خير واقع في أي مصرف كان .قال الجمل و " ذا " اسم موصول بمعنى الذي والعئاد محذوف ، و " ما " على أصلها من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها يسألونك ، وهي مبتدأ وذا خبره ، والجملة محلها النصب بيسألون .
والمعنى يسألونك أي الشيء الذي ينفقونه .وقوله : ( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به الحض على فعل الخير ، لأن المؤمن عندما يشعر بأن الله يرى عمله ويجازيه عليه بما يستحقه ، يشجعه ذلك على الاستمرار في عمل الخير .
وإذا كان بعضنا يكثر من عمل الخير عندما يعلم أن شخصا ذا جاه يسره هذا العمل ، فكيف يكون الحال عندما يعلم المؤمن التقي أن الذي يرى عمله ويكافئه عليه هو الله الذي لا يخفى عليه خافية ، والذي يعطي من يشاء بغير حساب .قال بعض العلماء : وقد اختلف في هذه الآية .
فقيل إنها منسوخة بآية الزكاة وهي قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ .
.
) وقيل - وهو الأولى - إنها غير منسوخة ، وهي لبيان صدقة التطوع فإنه متى أمكن الجمع فلا نسخ .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضاً عن طلب العاجل، وأن يكون مشتغلاً بطلب الآجل، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له.
الحكم الأول: فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية: وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال عطاء: عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك قال: إن لي دينارين قال: أنفقهما على أهلك قال: إن لي ثلاثة قال: أنفقها على خادمك قال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك قال: إن لي خمسه قال: أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال: أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها: وروى الكلبي عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرماً، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية: للنحويين في ﴿ مَاذَا ﴾ قولان أحدهما: أن يجعل (مَا) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصباً بينفقون، والدليل عليه أن العرب يقولون: عماذا تسأل؟
بإثبات الألف في ﴿ مَا ﴾ فلولا أن (مَا) مع (ذَا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عماذا تسأل؟
بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾ فلما لم يحذفوا الألف من آخر (مَا) علمت أنه مع (ذَا) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخراً إلا أن يكون في شعر كقوله: غلاماً قام يشتمني لئيم *** كخنزير تمرغ في رماد والقول الثاني: أن يجعل (ذَا) بمعنى الذي ويكون (مَا) رفعاً بالابتداء خبرها (ذَا) والعرب قد يستعملون (ذَا) بمعنى الذي، فيقولون: من ذا يقول ذاك؟
أي من ذا الذي يقول ذاك، فعلى هذ يكون تقدير الآية: يسألونك ما الذي ينفقون؟.
المسألة الثالثة: في الآية سؤال، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم، فكيف أجابهم بهذا؟.
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود، وذلك لأن قوله: ﴿ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ ﴾ جواب عن السؤال، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الإستحقاق، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان.
وثانيها: قال القفال: إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ ﴿ مَا ﴾ إلا أن المقصود: السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وإذا كان هذا معلوماً لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟
وإذا خرج هذا عن أن يكون مراداً تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو؟
وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وإنما كان هذا الجواب موافقاً لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله: ﴿ مَا هِىَ ﴾ لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا: إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا هاهنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم: ﴿ مَاذَا يُنفِقُونَ ﴾ ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب.
وثالثها: يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم: هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالاً حلالاً وبشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان، فقال للطبيب: ماذا آكل؟
فيقول الطبيب: كل في اليوم مرتين، كان المعنى: كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا هاهنا المعنى: أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك.
المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين ﴾ وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، بل لابد وأن يرجح البعض على البعض، والترجيح لابد له من مرجح، والقرابة تصلح أن تكون سبباً للترجيح من وجوه: أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق.
وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعاً للضرر عن النفس.
وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب.
وأشرب على الضياع، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلباً لجزيل ثوابه وهرباً من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالماً يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: ﴿ لإنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ وقال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ .
المسألة الخامسة: المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ ﴾ وقال: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية ﴾ فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى.
المسألة السادسة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضاً فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة.
وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع.
وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة.
ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله: ﴿ قُلْ مَا أَنفَقْتُم ﴾ وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟
قلت: قد تضمن قوله ﴿ ما أنفقتم مّنْ خَيْرٍ ﴾ بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها.
قال الشاعر: إنَّ الصَّنِيعَةَ لاَ تَكُونُ صَنِيعَة ** حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هِمّ وله مال عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟
وأين نضعها؟
فنزلت.
وعن السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة.
وعن الحسن: هي في التطوّع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ الأنْصارِيَّ كانَ شَيْخًا هَرِمًا ذا مالٍ عَظِيمٍ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها) فَنَزَلَتْ ﴿ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ » سُئِلَ عَنِ المُنْفِقِ فَأُجِيبَ بِبَيانِ المَصْرِفِ لِأنَّهُ أهَمُّ فَإنَّ اعْتِدادَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِهِ، ولِأنَّهُ كانَ في سُؤالِ عَمْرٍو وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الآيَةِ، واقْتَصَرَ في بَيانِ المُنْفِقِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ ﴾ .
﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ في مَعْنى الشَّرْطِ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ جَوابُهُ أيْ إنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُنْهَهُ ويُوَفِّي ثَوابَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم ماذا ننفق من اموالنا وأين نضعها نزل {يسألونك مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} فيجزى عليه
﴿ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُنْفَقِ، فَأجابَ بِبَيانِ المَصْرِفِ صَرِيحًا؛ لِأنَّهُ أهَمُّ، فَإنَّ اعْتِدادَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِهِ، وأشارَ إجْمالًا إلى بَيانِ المُنْفَقِ، فَإنَّ ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ حَلالًا؛ إذْ لا يُسَمّى ما عَداهُ خَيْرًا، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، ولَيْسَ في السُّؤالِ ما يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ لِلتَّعَلُّمِ لا لِلْجَدَلِ، وحَقُّ المُعَلِّمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ كَطَبِيبٍ رَفِيقٍ يَتَحَرّى ما فِيهِ الشِّفاءَ طَلَبَهُ المَرِيضُ أمْ لَمْ يَطْلُبْهُ، ولَمّا كانَتْ حاجَتُهم إلى مَن يُنْفِقُ عَلَيْهِ كَحاجَتِهِمْ إلى ما يُنْفَقُ بَيَّنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا كَمَن بِهِ صَفْراءُ فاسْتَأْذَنَ طَبِيبًا في أكْلِ العَسَلِ، فَقالَ: كُلْهُ مَعَ الخَلِّ، فالكَلامُ إذًا مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ ذِكْرَ المَصْرِفِ أيْضًا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوايَةُ الأُولى في سَبَبِ النُّزُولِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ في الآيَةِ لِلْإيجازِ في النَّظْمِ تَعْوِيلًا عَلى الجَوابِ، فَتَكُونُ الآيَةُ جَوابًا لِأمْرَيْنِ مَسْؤُولٍ عَنْهُما، والِاقْتِصارُ في بَيانِ المُنْفَقِ عَلى الإجْمالِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّفْصِيلِ، كَما في بَيانِ المَصْرِفِ لِلْإشارَةِ إلى كَوْنِ الثّانِي أهَمَّ، وهَلْ تَخْرُجُ الآيَةُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِها مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ أمْ لا؟
قَوْلانِ أُشْهَرُهُما الثّانِي؛ حَيْثُ أُجِيبَ عَنِ المَتْرُوكِ صَرِيحًا وعَنِ المَذْكُورِ تَبَعًا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ في التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: في الزَّكاةِ، واسْتَدَلَّ بِها مَن أباحَ صَرْفَها لِلْوالِدَيْنِ، وفِيهِ أنَّ عُمُومَ خَيْرٍ مِمّا يُنافِي في كَوْنِها في الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ فِيها قَدْرٌ مُعَيَّنٌ بِالإجْماعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ - سُبْحانَهُ - لِلسّائِلِينَ، و( الرِّقابِ ) إمّا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في المَواضِعِ الأُخَرِ، وإمّا بِناءً عَلى دُخُولِهِمْ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ فَإنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ واقِعٌ في أيِّ مَصْرِفٍ كانَ وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ تَفْعَلُوا والفِعْلُ أعَمُّ مِنَ الإنْفاقِ، وأتى بِما يَعُمُّ تَأْكِيدًا لِلْخاصِّ الواقِعِ في الجَوابِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 215﴾ يَعْلَمُ كُنْهَهُ كَما يُشِيرُ بِهِ صِيغَةُ (فَعِيلٍ) مَعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ مَعْناها الكِنائِيِّ؛ إذِ المُرادُ مِنها تَوْفِيَةُ الثَّوابِ، وقِيلَ: إنَّها دَلِيلُ الجَوابِ، ولَيْسَتْ بِهِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبِلَها هو أنَّ الصَّبْرَ عَلى النَّفَقَةِ وبَذْلَ المالِ مِن أعْظَمِ ما تَحَلّى بِهِ المُؤْمِنُ، وهو مَن أقْوى الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى الجَنَّةِ حَتّى ورَدَ: «”الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ“».
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ وذلك أن النبي لما حثهم على الصدقة، قال عمرو بن الجموح: يا رسول الله، كم ننفق وعلى من ننفق؟
فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ، أي ماذا يتصدقون من أموالهم؟
قُلْ مآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ، أي من مال فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، يعني أنفقوا على الوالدين والقرابة وعلى جميع المساكين.
فهذا جواب لقولهم: على من ننفق؟
ونزل في جواب قولهم: ماذا ننفق؟
قوله تعالى: قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] ، أي الفضل من المال ثم نسخ ذلك بآية الزكاة.
وقال بعضهم: آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها.
وقال بعضهم: هذه الآية ليست بمنسوخة وإنما فيها بر الوالدين وصلة الأرحام.
ثم قال تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، أي يجازيكم به.
<div class="verse-tafsir"
أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ: نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من أذاية الكافرين لهم.
وخَلَوْا: معناه: انقرضوا، أي: صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، والْبَأْساءُ في المال، والضَّرَّاءُ في البدن، ومَثَلُ: معناه شبه، والزَّلْزَلَة: شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال.
وقرأ نافع «١»
: «يَقُولُ» بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحتى: غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير «إلى أَنْ» وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ.
وأكثر المتأوِّلين على أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ على طلب استعجال النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب، والرسولُ اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: حتى يقول الذين آمنوا: متى نَصْرُ اللَّهِ، فيقولَ الرسولُ: ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ، فقدم الرسولَ في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدِّم في الزمان.
قال ع «٢»
: وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكْرِ القَوْل.
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ...
الآية: السَّائِلُون: هم المؤمنون، والمعنى: يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها؟
و «ما» يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و «ذَا» : خبرها بمعنى «الَّذِي» و «يُنْفِقُونَ» : صلةٌ، و «فِيهِ» عائدٌ على «ذَا» تقديرُه: ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون «مَاذَا» اسما واحداً مركَّباً في موضع نصب.
قال قومٌ: هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلى هذا نسخَ منها الوالِدَانِ «١»
، وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة «٢»
، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره: هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلى هذا لا نسخ فيها «٣» .
وما تَفْعَلُوا جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمّن الوعد بالمجازات، وكُتِبَ: معناه فُرِضَ واستمر الإِجماع على أن الجهاد على أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فرض كفاية «٤» .
وقوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ...
الآية: قال قومٌ: عسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة، وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها «نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ الأنْصارِيِّ، وكانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِماذا نَتَصَدَّقُ، وعَلى مَن نُنْفِقُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ : إنَّ لِي دِينارًا، فَقالَ: "أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ" .
فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى أهْلِكَ" فَقالَ، إنَّ لِي ثَلاثَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ" .
فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ" .
فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ" فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: "أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو أحْسَنُها" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: "ماذا" في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذا" بِمَعْنى الَّذِي، و"يُنْفِقُونَ": صِلَتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَسْألُونَكَ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟
والثّانِي: أنْ تَكُونَ "ما" مَعَ "ذا" اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: يَسْألُونَكَ أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ، قالَ: وكَأنَّهم سَألُوا: عَلى مَن يَنْبَغِي أنْ يَفْضُلُوا، وما وجْهُ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟
لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما المُنْفِقُ، وَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ أوْلى مِن أُفْضِلَ عَلَيْهِ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.
والخَيْرُ: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.
وقالَ: ومَعْنى: "فَلِلْوالِدَيْنِ" فَعَلى الوالِدَيْنِ.
* فَصْلٌ وَأكْثَرُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ.
وذَهَبَ الحَسَنُ إلى إحْكامِها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي في النَّوافِلِ، وهَذا الظّاهِرُ مِنَ الآَيَةِ، لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي النَّدْبَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها اقْتَضَتْ وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلى المَذْكُورِينَ فِيها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٍ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنِ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ السائِلُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ: ما هي الوُجُوهُ الَّتِي يُنْفِقُونَ فِيها؟
وَأيْنَ يَضَعُونَ ما لَزِمَ إنْفاقُهُ؟
و"ما" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ و"ذا" خَبَرُها، فَهي بِمَعْنى الَّذِي، و"يُنْفِقُونَ" صِلَةٌ، وفِيهِ عائِدٌ عَلى "ذا" تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَهُ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُنْفِقُونَ" فَيُعَرّى مِنَ الضَمِيرِ، ومَتّى كانَتِ اسْمًا مُرَكَّبًا فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لا ما جاءَ مِن قَوْلِ الشاعِرِ: وماذا عَسى الواشُونَ أنْ يَتَحَدَّثُوا سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّنِي لَكَ عاشِقُ فَإنْ عَسى لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، فـَ "ماذا" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو مُرَكَّبٌ إذْ لا صِلَةَ لِـ "ذا".
قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وعَلى هَذا نُسِخَ مِنها الوالِدانِ ومَن جَرى مَجْراهُما مِنَ الأقْرَبِينَ.
وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، ثُمَّ نَسَخَتْها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.
ووَهِمَ المَهْدَوِيُّ عَلى السُدِّيُّ في هَذا فَنَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ ثُمَّ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ: هي نَدْبٌ، والزَكاةُ غَيْرُ هَذا الإنْفاقِ، فَعَلى هَذا لا نَسْخَ فِيها.
واليُتْمُ: فَقْدُ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ، وتَقَدُّمُ القَوْلِ في المِسْكِينِ و"ابْنِ السَبِيلِ".
﴿ وَما تَفْعَلُوا ﴾ جَزْمٌ بِالشَرْطِ، والجَوابُ في الفاءِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَفْعَلُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وظاهِرُ الآيَةِ الخَبَرُ، وهي تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ بِالمُجازاةِ.
وَ"كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَثَلَهُ، وهَذا هو فَرْضُ الجِهادِ.
وقَرَأ قَوْمٌ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ".
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: فُرِضَ القِتالُ عَلى أعْيانِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الشَرْعُ وقَيَّمَ بِهِ، صارَ عَلى الكِفايَةِ.
وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: أوَّلُ فَرْضِهِ إنَّما كانَ عَلى الكِفايَةِ دُونَ تَعْيِينٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَمَرَّ الإجْماعُ عَلى أنَّ الجِهادَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ مَن قامَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، إلّا أنْ يَنْزِلَ العَدُوُّ بِساحَةٍ لِلْإسْلامِ فَهو حِينَئِذٍ فَرْضُ عَيْنٍ.
وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ، وغَيْرُهُ عَنِ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: الجِهادُ تَطَوُّعٌ، وهَذِهِ العِبارَةُ عِنْدِي إنَّما هي عَلى سُؤالِ السائِلِ، وقَدْ قَيَّمَ بِالجِهادِ فَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ تَطَوُّعٌ.
والـ"كُرْهُ" بِضَمِّ الكافِ: الِاسْمُ، وفَتْحُها المَصْدَرُ، وقالَ قَوْمٌ: "الكُرْهُ" بِفَتْحِ الكافِ ما أُكْرِهَ المَرْءُ عَلَيْهِ، و"الكُرْهُ" ما كَرِهَهُ هو.
وقالَ قَوْمٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ الآيَةُ.
قالَ قَوْمٌ عَسى مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، والمَعْنى: عَسى أنْ تَكْرَهُوا ما في الجِهادِ مِنَ المَشَقَّةِ ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تَغْلِبُونَ وتَظْهَرُونَ وتَغْنَمُونَ وتُؤَجِّرُونَ، ومَن ماتَ، ماتَ شَهِيدًا، ﴿ وَعَسى أنْ تُحِبُّوا ﴾ الدَعَةُ وتَرْكُ القِتالِ ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ في أنَّكم تُغْلَبُونَ وتُذَلُّونَ ويَذْهَبُ أمْرُكم.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ قُوَّةُ أمْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ في قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ سِرِّيَّةً عَلَيْها عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ، مُقَدِّمُهُ مِن بَدْرٍ الأُولى، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ ومَعَهُ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخُوهُ نَوْفَلُ المَخْزُومِيّانِ، والحَكَمُ بْنُ كِيسانَ، في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ، وفي آخِرِ يَوْمٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أشْهَرُ.
عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ ورَدَ عنهُ أنَّ ذاكَ كانَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، والمُسْلِمُونَ يَظُنُّونَها مِن جُمادى، وأنَّ القَتْلَ في الشَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَقْصِدُوهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ فَإنَّهم قالُوا: إنْ تَرَكْناهُمُ اليَوْمَ دَخَلُوا الحَرَمَ، فَأزْمَعُوا قِتالَهُمْ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وأُسِرَ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ والحَكَمُ، وفَّرَ نَوْفَلُ فَأعْجَزَهم واسْتَسْهَلَ المُسْلِمُونَ هَذا في الشَهْرِ الحَرامِ خَوْفَ فَوْتِهِمْ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَحَلَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ، وعَيَّرُوا بِذَلِكَ، وتَوَقَّفَ النَبِيُّ .
وقالَ: ما أمَرْتُكم بِقِتالٍ في الأشْهُرِ الحُرُمِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُمِّيَّةَ الضَمْرِيَّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي كِلابٍ في رَجَبٍ فَنَزَلَتْ، وهَذا تَخْلِيطٌ مِنَ المَهْدَوِيِّ.
وصاحِبا عَمْرٍو كانَ عِنْدَهُما عَهْدٌ مِنَ النَبِيِّ ، وكانَ عَمْرُو قَدْ أفْلَتَ مِن قِصَّةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَكَرَ الصاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في رِسالَتِهِ المَعْرُوفَةِ بِالأسْدِيَّةِ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ سُمِّيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَوْنِهِ مُؤَمَّرًا عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقِتالٍ بَدَلٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو خَفْضٌ بِتَقْدِيرِ عن.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو خَفْضٌ عَلى الجِوارِ.
وقَوْلُهُ هَذا خَطَأٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ عن قِتالِ فِيهِ" بِتَكْرِيرِ "عن" وكَذَلِكَ قَرَأها الرَبِيعُ، والأعْمَشُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ قَتْلٌ فِيهِ قُلْ قَتْلٌ" دُونَ ألِفٍ فِيهِما.
وَ"الشَهْرِ" في الآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَها ﴿ الشَهْرِ الحَرامِ ﴾ قِوامًا، تَعْتَدِلُ عِنْدَهُ، فَكانَتْ لا تَسْفِكُ دَمًا، ولا تُغَيِّرُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهِيَ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمِ، ورَجَبٌ.
ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيها إلّا أنْ يُغْزى»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ، و"صَدٌّ" مُبْتَدَأٌ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والخَبَرُ "أكْبَرُ"، و"المَسْجِدُ" مَعْطُوفٌ عَلى "سَبِيلِ اللهِ"، وهَذا هو الصَحِيحُ.
وقالَ الفَرّاءُ: "صَدٌّ" عَطْفٌ عَلى "كَبِيرٌ" وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ المَعْنى يَسُوقُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَكُفْرٌ بِهِ" عَطْفٌ أيْضًا عَلى "كَبِيرٌ"، ويَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ إخْراجَ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ اللهِ، وهَذا بَيْنَ فَسادِهِ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ إنَّكم يا كُفّارَ قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُونَ عَلَيْنا القِتالَ في الشَهْرِ الحَرامِ، وما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ مِنَ الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ لِمَن أرادَ الإسْلامَ، ومَن كُفْرُكم بِاللهِ وإخْراجُكم أهْلَ المَسْجِدِ مِنهُ -كَما فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ وأصْحابُهُ- أكْبَرُ جُرْمًا عِنْدَ اللهِ.
وقالَ الزُهْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ وقالَ عَطاءٌ: لَمْ تُنْسَخْ، ولا يَنْبَغِي القِتالُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ المَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: والفِتْنَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عن دِينِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا أشَدَّ اجْتِرامًا مِن قَتْلِكم في الشَهْرِ الحَرامِ.
وقِيلَ: المَعْنى: والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن أنْ لَوْ قَتَلُوا ذَلِكَ المَفْتُونَ، أيْ: فِعْلُكم عَلى كُلِّ إنْسانٍ أشَدُّ مِن فِعْلِنا.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "الفِتْنَةُ" هُنا: الكُفْرُ، أيْ كُفْرُكم أشَدُّ مِن قَتْلِنا أُولَئِكَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي لابتداء جواب عن سؤال سأله بعض المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم روى الواحدي عن ابن عباس أن السائل عَمْرو بن الجَمُوح الأنصاري، وكان ذا مال فقال يا رسول الله: بماذا يُتصدق وعلى مَن يُنْفَق؟
وقال ابن عطية: السائلون هم المؤمنون يعني أنه تكرر السؤال عن تفصيل الإنفاق الذي أمروا به غير مرة على الإجمال، فطلبوا بيان من ينفق عليهم وموقع هذه الآية في هذا الموضع إما لأن نزولها وقع عقب نزول التي قبلها وإما لأمر بوضعها في هذا الموضع جمعاً لطائفة من الأحكام المفتتحة بجملة ﴿ يسألونك ﴾ وهي ستة أحكام.
ثم قد قيل إنها نزلت بعد فرض الزكاة، فالسؤال حينئذ عن الإنفاق المتطوع به وهي محكمة وقيل نزلت قبل فرض الزكاة فتكون بياناً لمصارف الزكاة ثم نسخت بآية ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ الآية في [سورة براءة: 60]، فهو بتخصيص لإخراج الوالدين والأقربين واليتامى، وإن كانوا من غير الأصناف الثمانية المذكورة في آية براءة.
وماذا } استفهام عن المنفق (بفتح الفاء) ومعنى الاستفهام عن المنفق السؤال عن أحواله التي يقع بها موقع القبول عند الله، فإن الإنفاق حقيقة معروفة في البشر وقد عرفها السائلون في الجاهلية.
فكانوا في الجاهلية ينفقون على الأهل وعلى الندامى وينفقون في الميسر، يقولون فلان يتمم أيساره أي يدفع عن أيساره أقساطهم من مال المقامرة ويتفاخرون بإتلاف المال.
فسألوا في الإسلام عن المعتدِّ به من ذلك دون غيره، فلذلك طابق الجوابُ السؤال إذ أجيب: ﴿ قُل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ ، فجاء ببيان مصارف الإنفاق الحق وعرف هذا الجنس بمعرفة أفراده، فليس في هذا الجواب ارتكاب الأسلوب الحكيم كما قيل، إذ لا يعقل أن يسألوا عن المال المنفق بمعنى السؤال عن النوع الذي ينفق من ذهب أم من ورق أم من طعام، لأن هذا لا تتعلق بالسؤال عنه أغراض العقلاء، إذ هم يعلمون أن المقصد من الإنفاق إيصال النفع للمنفق عليه، فيتعين أن السؤال عن كيفيات الإنفاق ومواقعه، ولا يريبكم في هذا أن السؤال هنا وقع بما وهي يسأل بها عن الجنس لا عن العوارض، فإن ذلك اصطلاح منطقي لتقريب ما ترجموه من تقسيمات مبنية على اللغة اليونانية وأخذ به السكاكي، لأنه يحفل باصطلاح أهل المنطق وذلك لا يشهد له الاستعمال العربي.
والخير: المال كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ [البقرة: 180] آية الوصية.
و ﴿ ما أنفقتم ﴾ شرط، ففعل ﴿ أنفقتم ﴾ مراد به الاستقبال كما هو مقتضى الشرط، وعبر بالماضي لإظهار الرغبة في حصول الشرط فينزل كالحاصل المتقرر.
واللام في ﴿ للوالدين ﴾ للمِلْك، بمعنى الاستحقاق أي فالحقيق به الوالدين أي إن تنفقوا فأنفقوا للوالدين أو أعطوا للوالدين، وقد تقدم بيانهم في قوله تعالى: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ [البقرة: 177] الآية.
والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين، وذلك كله بحسب عادة أمثالهم، وفي تحديد القربى الموجبة للإنفاق خلاف بين الفقهاء.
فليست هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة، إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ وليس في لفظ هاته الآية ما يدل على الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل فرض الزكاة.
وابن السبيل هو الغريب عن الحي المار في سفره، ينفق عليه ما يحتاج إليه.
وقوله: ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ﴾ تذييل والمقصود من قوله: ﴿ فإن الله به عليم ﴾ الكناية عن الجزاء عليه، لأن العليم القدير إذا امتثل أحد لأمره لا يحول بينه وبين جزائه عليه حائل.
وشمل عمومُ ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ الأفعالَ الواجبة والمتطوع بها فيعم النفقات وغيرها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكاةِ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ والصَّدَقَةِ ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ سَألُوهُ عَنْ أمْوالِهِمْ أيْنَ يَضَعُونَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون...
﴾ الآية.
قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن زكاة، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟
فنزلت ﴿ يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير...
﴾ الآية.
فذلك النفقة في التطوّع، والزكاة سوى ذلك كله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن حبان قال: «إن عمرو بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟
فنزلت ﴿ يسألونك ماذا ينفقون...
﴾ الآية.
فهذا مواضع نفقة أموالكم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذرعن قتادة قال: «همتهم النفقة فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ما أنفقتم من خير...
﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ قال: سألوه ما لهم في ذلك؟
﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين...
﴾ الآية.
قال: هاهنا يا ابن آدم فضع كدحك وسعيك ولا تنفح بها هذا وذاك وتدع ذوي قرابتك وذوي رحمك.
وأخرج الدارمي والبزار وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة: 219] و ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام ﴾ [ البقرة: 217] و ﴿ يسألونك عن اليتامى ﴾ [ البقرة: 220] و ﴿ يسألونك عن المحيض ﴾ [ البقرة: 222] و ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ [ الأنفال: 1] و ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ ما كانوا يسألونك إلا عما كان ينفعهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس (١) فقال: إن لي دينارًا؟
فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: إن لي دينارين!
فقال: "أنفقهما على أهلك"، فقال: إن لي ثلاثة؟
فقال: "أنفقها على خادمك"، فقال: إن لي أربعة؟
قال (٢) وروي من طريق الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري (٣) (٤) ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية (٥) وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ في محل (ماذا) من الإعراب قولان: أحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، ويكون الموضع نصبًا بـ (ينفقون) المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون، ومثل جعلهم (ماذا) بمنزلة اسم واحد قول الشاعر: دَعِيْ مَاذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيْهِ ...
ولكن بالمغِيبِ ينبّئُنِي (٦) (٧) ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ و ﴿ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴾ فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) (٨) عَلَى ما قام يشتمني لئيمٌ ...
كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في دَمَاني (٩) ومما يحمل على أن (ما) و (ذا) فيه شيء واحد قول الشاعر: يا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ (١٠) (١١) فقوله: ماذا بالُ نسوتكم، بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعمل (ماذا) استعمال (ما) من غير أن ينضم إليها (ذا)، ألا ترى أنك لو حملت (ذا) على الذي في هذا البيت لم يَسْهُلْ: ما الذي بال نسوتكم؟
لأن المستعمل: ما بالُك، دون: ما الذي بالك (١٢) القول الثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا يرفع (ما) كأنك قلت: ما الذي ينفقون؟
يعنى: أيَّ شيء الذي ينفقون، فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و (ذا) خبرُها، والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: ومن ذا يقول (١٣) عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ...
أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ (١٤) كأنه قال: والذي تحملين طليق (١٥) وقد (١٦) ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ هذا جواب لسؤالهم.
فإن (قيل): هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟
قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره.
ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ جزم ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا ﴾ بالشرط، واسم الشرط وموضع ﴿ وَمَا ﴾ نصبٌ بـ ﴿ تَفْعَلُوا ﴾ ، وجواب الشرط قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (١٧) (١٨) قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله عن الصدقة لمن (١٩) (٢٠) ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد (٢١) (٢٢) وقال (٢٣) (٢٤) (١) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة، وقد ذكره في "زاد المسير" 1/ 233، والرازي في "تفسيره" 2/ 24.
(٢) (فقال) في (ي).
في جميع المواضيع.
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 69، وينظر: "زاد المسير" 1/ 233، "الوسيط" 1/ 215، "التفسير الكبير" 2/ 24، "البحر المحيط" 2/ 141.
ورواية الواحدي في "أسباب النزول" و"البحر المحيط": (وهو أحسنها)، وأورده الهيثمي عن أبي هريرة ص 211 حديث رقم 828.
وعمرو، هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا في رواية، وجعله النبي سيد بني سلمة، وشهد أحدا، وكان أعرج شديد العرجة، واستشهد بها.
ينظر: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم 4/ 1984، "الاستيعاب" 3/ 253.
(٤) في (ي) (فأنزل الله).
(٥) ذكره الثعلبي بغير إسناد 2/ 337، وعنه نقل الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 534، وعزاه من طريق أبي صالح عن ابن عباس: الواحدي في "أسباب النزول" ص 69، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 233، وعزاه الواحدي في "الوسيط" 1/ 318، وعنه الفخر الرازي في "تفسيره" 6/ 20 إلى رواية الكلبي عن ابن عباس 6/ 24.
وهو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 1/ وقول مقاتل بن حيان، نسبه إليه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 1/ 437.
(٦) البيت للمثقب العبدي، في "ديوانه" ص 213، ولمزرد بن ضرار في "ديوانه" ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 250.
(٧) في (ي) (عماذا).
(٨) ساقطة من (ي).
(٩) البيت لحسان بن ثابت، قاله في هجو بني عابد.
ينظر: "الحجة" 2/ 317 "شرح أبيات المغني" 5/ 220 "الخزانة" 2/ 537، "أمالي ابن الشجري" 2/ 233، "الشافية" 4/ 224، وابن يعيش 4/ 9، والعيني 4/ 554.
والدمان كالرماد وزنًا ومعنى.
(١٠) (قال) في (ي).
(١١) البيت لجرير يهجو الأخطل ينظر: "ديوانه" ص 167.
و"الحجة" 2/ 317.
(١٢) هذا الكلام بطوله من "الحجة" بتصرف يسير 2/ 316 - 318.
(١٣) (يكون) في (م).
(١٤) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه،.
فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في "ديوانه" ص170، "لسان العرب" 5/ 2837 "عدس" وعدس: اسم صوت لزجر البغل.
(١٥) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 138 - 139.
(١٦) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 306، "تفسير الثعلبي" 2/ 737، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 131، قال: وموضع الجملة نصب بيسألون على المذهبين.
"البحر المحيط" 2/ 142.
(١٧) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس1/ 306،"مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التيبان" ص 131، "البحر المحيط" 1/ 142.
(١٨) ساقط من (ش).
(١٩) (لما) في (ي).
(٢٠) (نخص) في (ي) و (ش).
(٢١) (أراد) في (ش).
(٢٢) ذكره في "الوسيط" 1/ 318.
(٢٣) في (أ) و (م): فقال.
(٢٤) من "تفسير الثعلبي" 2/ 738، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 343، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 381، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 72، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 228، وقد بين ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 145، أن الأولى أن تكون الآية في بيان مصارف صدقة التطوع، ولا نسخ؛ لأن شروطه معدومة وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 229: والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع، فحكمها غير منسوخ؛ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد.
وينظر: "النسخ في القرآن" للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 656.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فللوالدين والأقربين ﴾ إن أريد بالنفقة الزكاة، فذلك منسوخ والصواب أن المراد التطوّع فلا نسخ، وقدم في الترتيب الأهم فالأهم، وورد السؤال عن المنفق، والجواب عن مصرفه؛ لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد حصل الجواب عن المنفق في قوله: من خير.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط للابتداء بالشرط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كره لكم ﴾ ج ﴿ خير لكم ﴾ ج لتفصيل الأحوال ﴿ شر لكم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ قتال فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ.
وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله".
و "كفر به" مبتدأ.
والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم ﴿ أكبر من القتل ﴾ ط ﴿ استطاعوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
المستقبل على المستقبل.
﴿ يتذكرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر.
الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق ﴿ يسئلونك ماذا ينفقون ﴾ عن ابن عباس: نزلت الآية "في رجل أتى النبي فقال: إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك.فقال: إن لي دينارين.
فقال: أنفقهما على أهلك.
فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك.
فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك.
قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك.
قال: إن لي ستة.
قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً" .
وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟
أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ الآية.
فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود.
وذلك أن قوله ﴿ ما أنفقتم من خير ﴾ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق.
وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية.
فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله ﴿ إنها بقرة لا ذلول ﴾ سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية.
وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟
والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت.
لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله.
والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق.
وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار.
وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب.
﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم أحسن الجزاء.
عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة.
وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب.
قوله : ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ كان النبي غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله الجهاد.
قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية.
أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ كتب ﴾ وأما العموم فلأن قوله ﴿ عليكم ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ و ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب.
وعن ابن عمر وعطاء أن قوله ﴿ كتب ﴾ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ عليكم ﴾ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت.
والعموم في ﴿ عليكم الصيام ﴾ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع.
وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.
﴿ وهو كره لكم ﴾ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟
والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.
والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم.
وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله ﴿ حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ﴾ وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.
﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.
العلــم أولــه مــر مـذاقتـه *** لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم.
وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو.
وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.
وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن.
قال: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ وقد وجد ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ﴾ وقد حصل.
والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله كما بينا في "لعل" ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وذلك أن علمه فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد.
وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف.
وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك.
فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله في جواب الملائكة ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .
الحكم الثاني في قوله ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغيرالشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟
ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير.
وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين.
فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك.
فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة.
ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم.
حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.
ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.
فلما رأوا أصحاب رسول الله هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار.
فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم.
وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب.
فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم.
فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين.
واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم.
واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم.
سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين.
فقال رسول الله لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام" ، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.
فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.
وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما.
فلما قدما فأداهما.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله : "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" .
وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿ عن قتال فيه ﴾ بتكرير العامل.
وقرأ عكرمة ﴿ قتل فيه قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة.
وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف.
فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله ﴿ قل قتال ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟
قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش.
فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه.
ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟
عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.
وروى جابر قال: لم يكن رسول الله يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.
وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟
قال: نعم.
قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم.
وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته.
قوله ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ويمكن أن يقال أن قوله ﴿ قتال فيه كبير ﴾ نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.
﴿ وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟
واعلم أن قوله ﴿ وصد ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة ﴿ تساءلون به والأرحام ﴾ بالخفض.
والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام.
واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله ﴿ وكفر به ﴾ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له".
وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم.
وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم.
والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة.
وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش.
وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر.
وأجيب بأن معلوم الله كالواقع.
والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة.
وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال.
وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام.
وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار.
﴿ أكبر من القتل ﴾ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.
يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل.
ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ﴾ وقوله ﴿ إن استطاعوا ﴾ استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" ﴿ ومن يرتدد ﴾ ومن يرجع ﴿ منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴾ باق على الردة ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.
وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات.
وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب.
ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون.
وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة.
فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه.
لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي.
فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع.
وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق.
فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور.
وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله عطفاً على الشرط ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك.
وفي الحديث "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.
ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال.
فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق.
إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي.
وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً.
وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً.
وقيل: إنه لما أوجب الجهاد بقوله ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.
ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل.
والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر.
وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة.
والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته.
ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا.
ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك.
وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد.
ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله.
وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ \[المؤمنون: 60\].
﴿ والله غفور رحيم ﴾ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله.
عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة.
ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب.
وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.
وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.
وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.
روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك.
قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟
قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟
وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.
ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، قال أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، وآخر معه من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، قالا: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، كلهم كفار إلى أن بعث الله عز وجل فيهم النبيين.
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن نوح، ، الذين كانوا في السفينة إلى أن اختلفوا من بعد، فعبث الله فيهم النبيين.
وقال بعضهم: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن آدم، عليه الصلاة والسلام، إلى أن أنزل الله الكتاب عليهم وبعث فيهم الرسل.
ولو قيل بغير هذا كان أقرب.
قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، يعني صنفاً واحداً.
ومعنى الأمة معنى الصنف، كقوله : ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، يعني: أصنافا.
ثم خص الله صنفاً ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها من الأصناف تفضيلاً لهم وإكراماً، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم مؤمنون؛ لأن الأرض لا تخلو من ولي أو نبي، كقوله : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ ، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجتهم.
وهو قول الحسن.
وكذلك قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ولي.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ﴾ ، لمن أطاعه، ﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، لمن عصاه.
وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة عن الوقوع بما به يقعان مختلف؛ كقوله : ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، وجهين.
يحتمل: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم، وهو كقوله : ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقرأ بعضهم: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، بالياء، وقرأ آخرون: "لتحكم"، بالتاء.
فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر.
ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر؛ فكذلك في هذا: ليحكم الكتاب بينهم بالحق، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق.
وقوله: ﴿ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ وجوهاً: يحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في محمد .
ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في دينه.
ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في كتابه.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .
أي: ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع والكتب والخبر، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغياً.
وقوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .
قيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: حسداً بينهم.
وقيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، ظلماً منهم، ظلموا محمداً .
وقوله: ﴿ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي هدى الله الذين آمنوا، ولم يختلفوا من بين الذين اختلفوا.
ويحتمل: هدى الله من أنصف ولم يعاند، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا.
وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، قيل: بأمره، وقيل: بفضله.
لكن قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، بأمره، لا يحتمل، ولكن ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي: بمشيئته وإرادته.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدي فاهتدى، ومن لم يشأ أن يهتدي لم يهتد؛ لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعاً [أنه من شاء أن يهتدوا جميعاً]، على ما يقوله المعتزلة، لكان يقول: والله يهدي إلى صراط مستقيم، ولم يقل: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ، [فدل قوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ] على أنه شاء إيمان من آمن، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن، فالآية تنقض على المعتزلة قولهم: إنه شاء أن يؤمنوا، لكن آمن بعضهم ولم يؤمن البعض.
وفي قوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان والمجيء الانتقال من مكان إلى مكان، ولا الزوال من موضع إلى موضع؛ لأنه ذكر البعث، وهم كانوا بين ظهرانيهم، فدل أنه يراد الوجود، لا غير.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
قيل: معنى قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، على إسقاط "الميم".
وقيل: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، بمعنى: "بل حسبتم".
وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ .
قيل: شبه الذين خلوا من قبلكم.
وقيل: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ ﴾ ، خبر الذين خلوا من قبلكم، وقيل: سنن الذين خلوا من قبلكم من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ...
﴾ الآية، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا كما ابتلي من قبلكم، أي: لا تظنوا ذلك عمله، وإن كان فيهم من قد يدخل - والله أعلم - كقوله : ﴿ الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
وقيل: إن القصة فيه أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم؛ فإنه لو كان محمد نبيّاً لم يسلط عليه؟
فقال المؤمنون لهم: إن من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنَّوْن الباطل والبلايا؟
فأنزل الله : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، من غير أن تبتلوا وتصيبكم الشدائد، ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ .
قيل: حركوا.
وقيل: جهدوا.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: يقول الرسول والمؤمنون جميعاً: ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ثم يقول الله لهم: ﴿ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
وقيل: يقول المؤمنون ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ثم يقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب ويحتمل هذا في كل رسول بعثه الله إلى أمته يقول هذا، وأمته يقولون أيضاً.
ويحتمل: إن كان هذا في رسول دون رسول، على ما قاله بعض أهل التأويل: أنه فلان.
وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة إلى معرفته.
[وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...
﴾ الآية].
وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، وجه آخر، وهو أنهم - والله أعلم - ظنوا لما أتوا بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن الفتن، وأنواع الشدائد، فأخبر الله عز وجل أن في الإيمان المحن والشدائد لا بد منها، كقوله : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" .
والله أعلم.
وكقوله: ﴿ الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ ، ولأن الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد؛ لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول الصدق وقول الكذب، ومعرفة الحق ومعرفة الباطل في احتمال المؤن، والإيمان: مخالفة الهوى والطبع، وذلك في أنواع المحن.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .
فظاهر هذا السؤال لم يخرج له الجواب؛ لأن السؤال "عما ينفق"، فخرج الجواب "على من ينفق"، غير أنه يحتمل أن يكون (ماذا) بمعنى (من)، وذلك مستعمل في اللغة، غير ممتنع.
ويحتمل: أن يكونوا سألوا سؤالين: أحدهما: عما ينفق؟
والثاني: على من ينفق؟
فخرج لأحدهما الجواب على ما كان من السؤال: "على من ينفق"، ولم يخرج جواب ما كان من السؤال: "عما ينفق".
وهذا أيضاً جائز، كثير في القرآن: أن يكثر الأسئلة، ويخرج الجواب لبعض ولم يخرج لبعض، ويكون جواب سؤال: "مم ينفق" في قوله : ﴿ قُلِ ٱلْعَفْوَ ﴾ ، فيكون على ما ذكر.
والله أعلم.
ويدل لما قلنا، أنه كان ثم سؤلان، أن أحدهما: "عما ينفق" والآخر: "على من ينفق"، ما روي عن عمرو بن الجموح الأنصاري، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، كم ننفق؟
وعلى من ننفق؟
فأنزل الله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية.
ثم اختلف فى هذه النفقة.
قال بعضهم: هذه النفقة كانت تطوعاً، فنسخت بالزكاة.
وقيل: هذه النفقة صدقة يتصدقون بها على الوالدين والأقرين الذين يرثون، فنسختها آية المواريث.
وقيل: فيه الأمر بالإنفاق على الوالدين والأقربين عند الحاجة، وكان هذا أقرب، والله أعلم.
وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم.
<div class="verse-tafsir"
يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا ينفقون من أموالهم المتنوعة، وأين يضعونها؟
قل مجيبًا إياهم: ما أنفقتم من خير -وهو الحلال الطيب- فليصرف للوالدين، وللأدنى منكم من قراباتكم بحسب الحاجة، وللمحتاج من اليتامى، وللمُعدمين.
الذين ليس لهم مال، وللمسافر الَّذي انقطع له السفر عن أهله ووطنه، وما تفعلوا -أيها المؤمنون- من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله به عليم، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه.
من فوائد الآيات ترك شَكر الله تعالى على نعمه وترك استعمالها في طاعته يعرضها للزوال ويحيلها بلاءً على صاحبها.
الأصل أن الله خلق عباده على فطرة التوحيد والإيمان به، وإبليس وأعوانه هم الذين صرفوهم عن هذه الفطرة إلى الشرك به.
أعظم الخذلان الَّذي يؤدي للفشل أن تختلف الأمة في كتابها وشريعتها، فيكفّر بعضُها بعضًا، ويلعن بعضُها بعضًا.
الهداية للحق الَّذي يختلف فيه الناس، ومعرفة وجه الصواب بيد الله، ويُطلب منه تعالى بالإيمان به والانقياد له.
الابتلاء سُنَّة الله تعالى في أوليائه، فيبتليهم بقدر ما في قلوبهم من الإيمان به والتوكل عليه.
من أعظم ما يعين على الصبر عند نزول البلاء، الاقتداء بالصالحين وأخذ الأسوة منهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.PRg49"
قلنا في تفسير قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ إلخ إن ما تقدم من أول السورة إلى تلك الآية كان في القرآن والرسالة وإن تلك الآية وما بعدها إلى قوله تعالى، ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ في سرد الأحكام العملية.
ثم أشرنا إلى هذا بعد ذلك وقلنا إنه لا حاجة إلى التناسب بين كل آية وما يتصل بها، ويظهر هذا أتم الظهور إذا كانت الأحكام المسرودة أجوبة لأسئلة وردت أو كان من شأنها أن ترد للحاجة إلى معرفة حكمها، كهذه الآية، على أن ما تقدم من بيان التحام آيات القرآن والتئامها غريب، حتى في سرد الأحكام التي يظهر بادي الرأي أن لا تناسب بينها.
فقوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ﴾ إلخ متصل بما قبله في المغزى، فإن الآيات السابقة دلت على أن حب الناس لزينة الحياة الدنيا هو الذي أغراهم بالشقاق والخلاف، وأن أهل الحق والدين هم الذين يتحملون البأساء والضراء في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ومنها ما يصيبهم في أنفسهم وأموالهم، وذلك مما يرغب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله، وبذل المال كبذل النفس كلاهما من آيات الإيمان، فكأن السامع لما تقدم تتوجه نفسه إلى البذل فيسأل عن طريقه فجاء بعده السؤال مقرونًا بالجواب.
وقد ورد في أسباب النزول أن السؤال وقع بالفعل.
أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال سأل المؤمنون رسول الله أين يضعون أموالهم فنزلت الآية.
وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان أن عمرو بن الجموح سأل النبي ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟
فنزلت.
قال بعض المفسرين إن هذا من رواية أبي صالح عن ابن عباس وقال غيره إنها من رواية الكلبي عنه وهي واحدة، قالوا إنها أوهى الروايات عنه.
وعن عطاء عنه أنها نزلت في رجل أتى النبي فقال إن لي دينارًا فقال "أنفقه على نفسك" قال إن لي دينارين قال "أنفقهما على أهلك" قال إن لي ثلاثة قال: "أنفقها على خادمك" قال إن لي أربعة قال: "أنفقها على والديك" قال إن لي خمسة قال "أنفقها على قرابتك" قال إن لي ستة قال:" أنفقها في سبيل الله تعالى" هكذا أورد الحديث بعض المفسرين، وهو عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة بسياق آخر، وهو أن النبي قال "تصدقوا" فقال رجل عندي دينار قال "تصدق به على نفسك" قال عندي دينار آخر قال: "تصدق به على زوجك" قال عندي دينار آخر قال "تصدق به على ولدك" قال عندي آخر قال: "تصدق به على خادمك" قال عندي دينار آخر قال "أنت أبصر به" ورواه أبو داود، ولكنه قدم الولد على الزوجة.
ورواه أيضًا الشافعي وابن حيان والحاكم ولم يذكروا أن ذلك كان سبب نزول الآية.
وقد زعم كثير من المفسرين أن الجواب غير مطابق للسؤال لأنه بيان لمن ينفق عليه لا لما ينفق، وخرجوها على أسلوب الحكيم، كأنه قال إنه ينبغي السؤال عمن ينفق عليه لا عن جنس ما ينفق أو نوعه، وليس ما قالوا بصواب فإن جعل السؤال بما خاصًا بالسؤال عن الماهية والحقيقة من اصطلاح علماء المنطق لا من أساليب العربية.
وليس المراد السؤال عن جنس ما ينفق أو نوعه من ذهب أو فضة أو بر أو شعير وإنما السؤال عن كيفية الإنفاق وتوجيهه إلى الأحق به، وذلك مفهوم لكل عربي وليس أسلوب القرآن جاريًا على مذهب أرسطو في منطقه وإنما هو بلسان عربي مبين.
وسبق القفال إلى بيان ذلك فقال إنه وإن كان السؤال واردًا بلفظ "ما" إلا أن المقصود السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وإذا كان هذا معلومًا لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟
وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادًا تعين أن المطلوب بالسؤال مصرفه أي شيء هو؟
حينئذ يكون الجواب مطابقًا للسؤال، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ إلخ وإنما كان الجواب موافقًا لذلك السؤال لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي نشأتها وصفتها كذا فقوله: ﴿ مَا هِيَ ﴾ لا يمكن حمله على طلب الماهية فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا ههنا، لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم "ماذا ينفقون" ليس هو طلب الماهية بل طلب المصرف فلهذا حسن هذا الجواب.
وقيل إن السؤال كان عن الأمرين ما ينفق وأين ينفق كما في بعض الروايات فذكر في إيراده عنهم الأول وحذف الثاني للعلم به ودلالة الجواب عليه، فإنه ذكر فيه الأمرين وهو قوله تعالى ﴿ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ وهذا هو المنفق، والخير هو المال وتقدم في تفسير ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ ، أن الأكثرين قيدوه بالكثير، ولكن قوله هنا من خير يعم القليل والكثير لدخول "من" التبعيضية عليه وتنكيره.
وقال بعضهم إن التعبير عن المال بالخير يتضمن كونه حلالًا فكأنه قال إن الإنفاق والتصديق يكون من فضل المال الكثير الحلال الطيب، وأما بيان المصرف فهو قوله ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ قدم الوالدين لمكانتهما، وفسروا الأقربين بالأولاد وأولادهم، ولا شك أن أقرب الناس إلى المرء أولاده إن وجدوا، وإلا كان أقربهم إليه بعد والديه إخوته، وما اختير لفظ الأقربين هنا إلا لبيان أن العلة في التقديم القرابة، فمن كان أقرب كان أحق بالتقديم.
وكأن الذين حملوا لفظ الأقربين على الأولاد خاصة أرادوا جعل الآية للنفقة الواجبة في الفقه، وهي تجب للوالدين والأولاد عند الحاجة بالإجماع، والنفقة في الآية أعم، وهؤلاء اليتامى والمساكين لا يجب على فرد معين من المكلفين الإنفاق على يتيم أو مسكين معين منهم من حيث إنه يتيم أو مسكين، ولكنهم أحق بالصدقة المفروضة والمندوبة بعد الأقربين، فالآية عامة في النفقة وأحق الناس بها.
ومن أغرب ما قيل فيها زعم بعضهم أنها منسوخة بآية المواريث كأنها اشتبهت عليهم بآية الوصية للوالدين والأقربين على أن دعوى النسخ هناك لم تسلم لهم، فكيف بها هنا وقد ردها عليهم الجمهور.
ثم قال تعالى ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ كالإنفاق في موضعه بتقديم الحق فالأحق به ممن ذكر، وهو ما يوجد في كل زمان ومكان، وممن لم يذكر في هذه الآية وذكر في غيرها، كالرجل تعرض له الحاجة فتدفعه إلى السؤال -لا من يتخذ السؤال حرفة وهو قادر على الكسب- وكالمكاتب يُسَاعَد على أداء نجومه وكغير الإنفاق من أعمال الخير ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ لا يغيب عنه فينسى الجزاء والمثوبة عليه بل يجزي به مضاعفًا.
<div class="verse-tafsir"