الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 138 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا ، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ; ولهذا قال : ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ) وهي : الأمراض ; والأسقام ، والآلام ، والمصائب والنوائب .
قال ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، ومرة الهمداني ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، والربيع ، والسدي ، ومقاتل بن حيان : ( البأساء ) الفقر .
قال ابن عباس : ( والضراء ) السقم .
( وزلزلوا ) خوفا من الأعداء زلزالا شديدا ، وامتحنوا امتحانا عظيما ، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال : قلنا : يا رسول الله ، ألا تستنصر لنا ؟
ألا تدعو الله لنا ؟
فقال : " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه ، لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ، لا يصرفه ذلك عن دينه " .
ثم قال : " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم قوم تستعجلون " .
وقال الله تعالى : ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) [ العنكبوت : 1 3 ] .
وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة ، رضي الله عنهم ، في يوم الأحزاب ، كما قال الله تعالى : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) الآيات [ الأحزاب : 10 - 12 ] .
ولما سأل هرقل أبا سفيان : هل قاتلتموه ؟
قال : نعم .
قال : فكيف كان الحرب بينكم ؟
قال : سجالا يدال علينا وندال عليه .
قال : كذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لها العاقبة .
وقوله : ( مثل الذين خلوا من قبلكم ) أي : سنتهم .
كما قال تعالى : ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ) [ الزخرف : 8 ] .
وقوله : ( وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) أي : يستفتحون على أعدائهم ، ويدعون بقرب الفرج والمخرج ، عند ضيق الحال والشدة .
قال الله تعالى : ( ألا إن نصر الله قريب ) كما قال : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) [ الشرح : 5 ، 6 ] .
وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ; ولهذا قال تعالى : ( ألا إن نصر الله قريب ) وفي حديث أبي رزين : " عجب ربك من قنوط عباده ، وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين ، فيظل يضحك ، يعلم أن فرجهم قريب " الحديث .
القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) قال أبو جعفر: وأما قوله: " أم حسبتم "، كأنه استفهم بـ " أم " في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام، لسبوق كلام هو به متصل، (26) ولو لم يكن قبله كلام &; 4-288 &; يكون به متصلا وكان ابتداءً لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام; لأن قائلا لو كان قال مبتدئًا كلامًا لآخر: " أم عندك أخوك "؟
لكان قائلا ما لا معنى له.
ولكن لو قال: " أنت رجل مُدِلٌّ بقوتك أم عندك أخوك ينصرك ؟" كان مصيبًا.
وقد بينَّا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته.
* * * فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من " البأساء "- وهو شدة الحاجة والفاقة =" والضراء " -وهي العلل والأوصاب (27) - ولم تزلزلوا زلزالهم- يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟
ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه مُعليهم على عدوِّهم، ومظهرهم عليه، فنجَّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.
* * * وهذه الآية - فيما يزعم أهل التأويل- نـزلت يومَ الخندق، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا إلى قوله: وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا [الأحزاب: 9-11] &; 4-289 &; * ذكر من قال نـزلت هذه الآية يوم الأحزاب: 4064 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا "، قال: نـزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا [الأحزاب: 12] 4065 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراء وزلزلوا "، قال: نـزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ * * * وأما قوله: " ولما يأتكم "، فإنّ عامة أهل العربية يتأوّلونه بمعنى: ولم يأتكم، ويزعمون أن " ما " صلة وحشو، وقد بينت القول في" ما " التي يسميها أهل العربية " صلة "، ما حكمها؟
في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.
(28) * * * وأما معنى قوله: " مثل الذين خلوا من قبلكم "، فإنه يعني: شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم.
(29) * * * وقد دللت في غير هذا الموضع على أن " المثل "، الشبه.
(30) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: &; 4-290 &; 4066 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا "...
(31) 4067 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قال قوله: " حتى يقول الرسول والذين آمنوا "، قال: هو خيرُهم وأعلمهم بالله.
* * * وفي قوله: " حتى يقول الرسول "، وجهان من القراءة: الرفع، والنصب.
ومن رفع فإنه يقول: لما كان يحسُن في موضعه " فعَل " أبطل عمل " حتى " فيها، لأن " حتى " غير عاملة في" فعل "، وإنما تعمل في" يفعل "، وإذا تقدمها " فعل "، وكان الذي بعدها " يفعل "، وهو مما قد فُعل وفُرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في" يفعل " وإبطال عمل " حتى " عنه، وذلك نحو قول القائل: " قمت إلى فلان حتى أضربُه "، والرفع هو الكلام الصحيح في" أضربه "، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كانَ وفُرغ منه، وكان القيام غيرَ متطاول المدة.
فأمَّا إذا كان ما قبل " حتى " من الفعل على لفظ " فعل " متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب " يفعل "، وإعمال " حتى "، وذلك نحو قول القائل: " ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك = وجعل ينظر إليك حتى يثبتك "، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره- النصبُ بـ " حتى "، كما قال الشاعر: (32) مَطَــوْتُ بِهِـمْ حَـتَّى تَكِـلَّ مَطِيُّهـمْ وَحَـتَّى الجِيَـادُ مَـا يُقَـدْنَ بِأَرْسَـانِ (33) &; 4-291 &; فنصب " تكل "، والفعل الذي بعد " حتى " ماض، لأن الذي قبلها من " المطو " متطاول.
والصحيح من القراءة - إذْ كان ذلك كذلك-: " وزلزلوا حتى يقولَ الرسول "، نصب " يقول "، إذ كانت " الزلزلة " فعلا متطاولا مثل " المطو بالإبل ".
وإنما " الزلزلة " في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا " زلزلة الأرض "، فلذلك كانت متطاولة وكان النصبُ في" يقول " وإن كان بمعنى " فعل " أفصحَ وأصحَّ من الرفع فيه.
(34) -------------- الهوامش : (26) في المطبوعة : "لمسبوق كلام" وهو فاسد المعنى وذلك أن أحد شروط"أم" في الاستفهام : أن تكون نسقًا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام (انظر ما سلف 2 : 493) وقوله"لسبوق" هذا مصدر لم يرد في كتب اللغة ، ولكني رأيت الطبري وغيره يستعمله وسيأتي في نص الطبري بعد 2 : 240 ، 246 (بولاق) .
(27) انظر معنى"البأساء والضراء" فيما سلف 3 : 349- 352 .
(28) انظر ما سلف 1 : 405 ، 406/ ثم 2 : 230 ، 331 .
وقوله : "صلة" أي زيادة ، كما سلف شرحها مرارا ، فاطلبها في فهرس المصطلحات .
(29) انظر تفسير"خلا" فيما سلف 3 : 100 ، 128 ، 129 .
(30) انظر ما سلف : 1 : 403 .
(31) الأثر : 4066 - هذا أثر ناقص ، ولم أجد تمامه في مكان آخر .
(32) هو امرؤ القيس .
(33) ديوانه : 186 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 133 وسيبويه 1 : 417/ 2 : 203 ، ورواية سيبويه : "سريت بهم" وفي الموضع الثاني منه روى : "حَتَّى تَكِــــــلَّ غَـــــزِيّهم" مطا بالقوم يمطو مطوًا : مد بهم وجد في السير .
يقول : جد بهم ورددهم في السير حتى كلت مطاياهم فصارت من الإعياء إلى حال لا تحتاج معها إلى أرسان تقاد بها ، وصار راكبوها من الكلال إلى إلقاء الأرسان وطرحها على الخيل .
لا يبالون من تبعهم وإعيائهم ، كيف تسير ، ولا إلى أين .
(34) قد استوفى الكلام في"حتى" الفراء في معاني القرآن 1 : 132- 138 واعتمد عليه الطبري في أكثر ما قاله في هذا الموضع .
قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريبقوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " حسبتم " معناه ظننتم .
قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة ، والحر والبرد ، وسوء العيش ، وأنواع الشدائد ، وكان كما قال الله تعالى : وبلغت القلوب الحناجر .
وقيل : نزلت في حرب أحد ، نظيرها - في آل عمران - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .
وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق ، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم أم حسبتم .
و " أم " هنا منقطعة ، بمعنى بل ، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها ، و " حسبتم " تطلب مفعولين ، فقال النحاة : " أن تدخلوا " تسد مسد المفعولين .
وقيل : المفعول الثاني محذوف : أحسبتم دخولكم الجنة واقعا .
و " لما " بمعنى لم .
و " مثل " معناه شبه ، أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا .
وحكى النضر بن شميل أن " مثل " يكون بمعنى صفة ، ويجوز أن يكون المعنى : ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم ، أي من البلاء .
قال وهب : وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا موتى ، كان سبب موتهم الجوع والقمل ، ونظير هذه [ ص: 34 ] الآية الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم على ما يأتي ، فاستدعاهم تعالى إلى الصبر ، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال : ألا إن نصر الله قريب .
والزلزلة : شدة التحريك ، تكون في الأشخاص وفي الأحوال ، يقال : زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت ، فمعنى زلزلوا خوفوا وحركوا .
والزلزال - بالفتح - الاسم .
والزلازل : الشدائد .
وقال الزجاج : أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه ، فإذا قلت : زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه .
ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج .
وقرأ نافع " حتى يقول " بالرفع ، والباقون بالنصب .
ومذهب سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين ، تقول : سرت حتى أدخل المدينة - بالنصب - على أن السير والدخول جميعا قد مضيا ، أي سرت إلى أن أدخلها ، وهذه غاية ، وعليه قراءة من قرأ بالنصب .
والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها ، أي كي أدخلها .
والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها ، أي سرت فأدخلها ، وقد مضيا جميعا ، أي كنت سرت فدخلت .
ولا تعمل حتى هاهنا بإضمار أن ؛ لأن بعدها جملة ، كما قال الفرزدق :فيا عجبا حتى كليب تسبنيقال النحاس : فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى ، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول ، أي حتى هذه حاله ؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها ، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى .
والرسول هنا شعيا في قولمقاتل ، وهو اليسع .
وقال الكلبي : هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال : متى نصر الله ؟
.
وروي عن الضحاك قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعليه يدل نزول الآية ، والله أعلم .
والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها ، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن .
وحكى سيبويه : مرض حتى لا يرجونه ، أي هو الآن لا يرجى ، ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع .
وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة .
وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم .
قال مكي : وهو الاختيار ؛ لأن جماعة القراء عليه .
وقرأ الأعمش : " وزلزلوا ويقول الرسول " بالواو بدل حتى .
وفي مصحف ابن مسعود : " وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول " .
وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين ، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطئوا النصر ، فقال الله تعالى : ألا إن نصر الله قريب .
ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال [ ص: 35 ] النصر لا على شك وارتياب .
و " الرسول " اسم جنس .
وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ، فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان .
قال ابن عطية : وهذا تحكم ، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر .
ويحتمل أن يكون " ألا إن نصر الله قريب " إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول .قوله تعالى : متى نصر الله رفع بالابتداء على قول سيبويه ، وعلى قول أبي العباس رفع بفعل ، أي متى يقع نصر الله .
و " قريب " خبر " إن " .
قال النحاس : ويجوز في غير القرآن ( قريبا ) أي مكانا قريبا .
و " قريب " لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى ، قال الله عز وجل : إن رحمة الله قريب من المحسنين .
وقال الشاعر :له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا بسباسة بنة يشكرافإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت ، فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء .
يُخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها.
ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.
فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم {مستهم البأساء} أي: الفقر {والضراء} أي: الأمراض في أبدانهم {وزلزلوا} بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.
ولكن لشدة الأمر وضيقه قال {الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} .
فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.
فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} .
وقوله [تعالى:] {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} فعند الامتحان، يكرم المرء أو يهان
قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) قال قتادة والسدي : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال الله تعالى : " وبلغت القلوب الحناجر " ( 10 - الأحزاب ) وقيل نزلت في حرب أحد .
وقال عطاء : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر قوم النفاق فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم ( أم حسبتم ) أي : أحسبتم والميم صلة قاله الفراء وقال الزجاج : بل حسبتم ومعنى الآية : أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ( ولما يأتكم ) وما صلة ( مثل الذين خلوا ) شبه الذين مضوا ( من قبلكم ) النبيين والمؤمنين ( مستهم البأساء ) الفقر والشدة والبلاء ) ( والضراء ) المرض والزمانة ) ( وزلزلوا ) أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) ما زال البلاء بهم حتى استبطئوا النصر .
قال الله تعالى : ( ألا إن نصر الله قريب ) قرأ نافع حتى يقول الرسول بالرفع معناه حتى قال الرسول وإذا كان الفعل الذي يلي حتى في معنى الماضي ولفظه ( لفظ ) المستقبل فلك فيه الوجهان الرفع والنصب فالنصب على ظاهر الكلام لأن حتى تنصب الفعل المستقبل والرفع لأن معناه الماضي وحتى لا تعمل في الماضي .
ونزل في جهد أصاب المسلمين «أم» بل أ «حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَّما» لم «يأتكم مثل» شبه ما أتى «الذين خلوا من قبلكم» من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا «مسَّتهم» جملة مستأنفة مبينة ما قبلها «البأساء» شدة الفقر «والضراء» المرض «وزُلزلوا» أزعجوا بأنواع البلاء «حتى يقول» بالنصب والرفع أي قال «الرسول والذين آمنوا معه» استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم «متى» يأتي «نصر الله» الذي وعدنا فأجيبوا من قِبَل الله «ألا إن نصر الله قريب» إتيانه.
بل أظننتم -أيها المؤمنون- أن تدخلوا الجنة، ولمَّا يصبكم من الابتلاء مثل ما أصاب المؤمنين الذين مضوا من قبلكم: من الفقر والأمراض والخوف والرعب، وزُلزلوا بأنواع المخاوف، حتى قال رسولهم والمؤمنون معه -على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى-: متى نصر الله؟
ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين.
وبعد أن ذكر - سبحانه - حال الناس ، واختلاف سفهائهم على أنبيائهم ، واهتداء عقلائهم إلى الحق ، عقب ذلك بدعوة المؤمنين إلى الاقتداء بمن سبقهم في الصبر والثبات .
فقال - تعالى - :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة .
.
.
)قال القرطبي : قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد ، وكانوا كما قال - تعالى - : ( إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ) وقيل نزلت في حرب أحد ، ونظيرها - في آل عمران ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ .
.
) وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل اله ذلك تطيبا لقلوبهم .وما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمنع عمومها ، وأنها تدعو المؤمنين في كل زمان ومكان إلى التذرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم من المتقين حتى يفوزوا برضوان الله - تعالى - ونصره .و ( أَمْ ) هنا يرى بعضهم أنها للاستفهام الإِنكاري ، ويرى بعض آخر أنها أم المتصلة ، ويرى فريق ثالث أنها أم المنقطعة .قال الجمل : وحسب هنا من أخوات ظن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، وأن وما بعدها سادة مسد المفعولين عند سيبويه ، ومسد الأول عند الأخفش والثاني محذوف ، ومضارعها فيه وجهان : الفتح وهو القياس والكسر .و ( وَلَمَّا ) تدل على النفي مع توقع حصول المنفي بها ، كما في قول النابغة :أزف الترحل غير أن ركابنا ...
لما تزل برحالنا وكن قدفنفى بلما ثم قال : وكأن قد ، أي وكأنه قد زالت .و ( البأسآء ) ما يصيب الناس في الأموال كالفقر .
والضراء : ما يصيبهم في الأنفس كالمرض مشتقان من البؤس والضر .و ( وَزُلْزِلُواْ ) من الزلزلة وهي شدة التحريك وتكون في الأشخاص وفي الأحوال .
فيقال :زلزلت الأرض ، أي تحركت واضطربت ، ومعنى زلزلوا : خوفوا وأزعجوا واضطربوا .والمعنى على أن ( أَمْ ) للاستفهام الإِنكاري : أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإِيمان دون أن يصيبكم ما أصاب الذين سبقوكم من شداد في الأنفس والأموال ، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم حتى بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولوا وهم في أقصى ما تحتمله النفوس البشرية من آلام : متى نصر الله؟!!لا - أيها المؤمنون - إني أنهاكم أن تظنوا هذا الظن ، وآمركم أن تتيقنوا من أن الظفر بدخول الجنة يستلزم منكم التأسي بمن سبقكم من المتقين في الصبر والثبات .والمعنى على أن ( أَمْ ) هنا هي المتصلة - أي المشعرة بمحذوف دل عليه الكلام - : قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب واهتدوا إلى الحق فآذاهم الناس أذى شديدا فصبروا على ذلك أفتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون ثباتهم على الشدائد؟
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون أن يصيبكم ما أصابهم؟والمعنى على أن ( أَمْ ) هنا منقطعة - أي تدل على الإِضراب والاستفهام معا - : لقد أوذيتم أيها المؤمنون في سبيل دينكم أذى عظيماً ، فعليكم أن تصبروا وأن تثبتوا كما فعل الذين من قلبكم ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون ابتلاء وصبر ..
أي : بل أحسبتم .
.
إن كان هذا هو حسبانكم فهو حسبان باطل لا ينبغي لكم .وقوله - تعالى - ( مَّسَّتْهُمُ البأسآء .
.
) استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الذهن ، كأنه قيل : كيف مثل أولئك الذين خلوا ومضوا؟
فكان الجواب مستهم البأساء .
.
.
الخ .ومستهم أي : حلت بهم .
وعبر بمستهم للإِشعار بأن تلك الشدائد قد أصابتهم بالآلام التي اتصلت بحواسهم وأجسادهم ولكنها لم تضعف إيمانهم إذ حقيقية المس اتصال الجسم بجسم آخر .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( وَزُلْزِلُواْ ) أي : أزعجوا إزعاجاً شديداً شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع " حتى يقول الرسول " أي : إلى الغاية اليت قال الرسول ومن معه فيها ( متى نَصْرُ الله ) أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك .
ومعناه طلب النصر وتمنيه ، واستطالة زمان الشدة .
وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها " .والمراد بالرسول - كما يقول الآلوسي - الجنس لا واحد بعينه .
وقيل : شعياء ، وقيل : أشعياء ، وقيل اليسع .
وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوماً بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل " .وقوله - تعالى - : ( ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ) استئناف على تقدير القول .
أي فقيل لهم حينما التمسوا من الله النصر بعد تلك الشدائد والأهوال التي نزلت بهم : ألا إن نصر الله قريب تطيباً لأنفسهم ، وبعثا للآمال في قلوبهم .وفي هذه الجملة الكريمة ألوان من المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب ، ويشهد لذلك التعبير بالجملة الاسمية بدل الفعلية فلم يقل - مثلا - ستنصرون والتعبير بالجملة الاسمية يدل على التوكيد .
ويشهد لذلك أيضا تصدير الجملة بأداة الاستفتاح الدالة على تحقيق مضمونها وتقريره ، ووقوع إن المؤكدة بعد أداة الاستفتاح ، وإضافة النصر إلأى الله القادر على كل شيء والذي وعد عباده المؤمنين بالنصر فقال ، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الإشهاد " .هذا ، والمتأمل في الآية الكريمة يراها قد بينت للمؤمنين أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " وأنهم لكي يصلوا إلى الجنة عليهم أن يتأسوا بالسابقين في جهادهم وصبرهم على الأذى ، فقد اقتضت سنة الله أن يجعل هذه الحياة نزالا موصولا بين الأخيار والأشرار ، ونزاعا مستمرا بين الأطهار والفجار ، وكثيرا ما يضيق البغاة على المؤمنين ، وينزلون بهم ما ينزلون من صفوف الاضطهاد إلا أن الله - تعالى - قد تكفل بأن يجعل العاقبة للمتقين .ولقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماه في سبيل إعلاء كلمة الله .روى البخاري عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال : " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنا؟
ألا تدعو لنا؟
فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له الأرض فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه .
والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلى الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " .وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله - تعالى - ( وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا ) إلى هنا ، قد بينت لنا أقسام الناس في هذه الحياة ، ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإِسلام ، وأن يزهدوا في زينة الحياة التي شغلت المشركين عن كل شيء سواها ، وأن يشكروا الله على هدايته إياهم إلى الحق الذي اختلف غيرهم فيه ، وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل الآلام لكي يحقق الله لهم الآمال .
في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: ﴿ والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ ﴿ أَمْ ﴾ في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت ﴾ والذي نريده هاهنا أن نقول: ﴿ أَمْ ﴾ استفهام متوسط كما أن (هل) استفهام سابق، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل، أعندك رجل؟
ابتداء، ولا يجوز أن يقال: أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطاً جاز سواء كان مسبوقاً باستفهام آخر أو لا يكون، أما إذاكان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟
وأما الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام فهو كقوله: ﴿ الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول، والتقدير: أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه؟
فكذا تقدير هذه الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟
هذا ما لخصه القفال رحمه الله، والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن ﴿ لَّمّاً ﴾ إنما هي ﴿ لَمْ ﴾ و ﴿ مَا ﴾ زائدة وقال سيبويه: ﴿ مَا ﴾ ليست زائدة لأن ﴿ لَّمّاً ﴾ تقع في مواضع لا تقع فيها ﴿ لَمْ ﴾ يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟
فيقول: ﴿ لَّمّاً ﴾ ولا يقول: ﴿ لَمْ ﴾ مفردة، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة: أزف الترحل غير أن ركابنا *** لما تزل برحالنا وكأن قد فعلى هذا قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر.
المسألة الثالثة: قال ابن عباس: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، اشتد الضرر عليهم، لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن، وكان كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبياً لما سلط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
واعلم أن تقدير الآية: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ والمثل هو المثل وهو الشبه، وهما لغتان: مثل ومثل كشبه وشبه، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المثل الأعلى ﴾ أي الصفة التي لها شأن عظيم.
واعلم أن في الكلام حذفاً تقديره: مثل محنة الذين من قبلكم، وقوله: ﴿ مَسَّتْهُمْ ﴾ بيان للمثل، وهو استئناف كأن قائلاً قال: فكيف كان ذلك المثل؟
فقال: ﴿ مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ ﴾ .
أما ﴿ البأساء ﴾ فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة.
وأما ﴿ الضراء ﴾ فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه.
وأما قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت: زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل، نحو صر، وصرصر، وصل وصلصل، وكف، وكفكف، وأقل الشيء، أي رفعه من موضعه، فإذا كرر قيل: قلقل، وفسر بعضهم ﴿ زلزلوا ﴾ هاهنا بخوفوا، وحقيقته غير ما ذكرنا، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد، لأنه يذهب السكون، فيجب أن يكون زلزلوا هاهنا مجازاً، والمراد: خوفوا، ويجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئاً آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة، فقال: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ﴾ وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ إجابة لهم إلى طلبهم، فتقدير الآية هكذا: كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آت قريب، وهذه الآية مثل قوله: ﴿ الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ﴾ وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفى، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك، والمصيبة إذا عمت طابت، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به، ومن أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين.
روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين، فقال: «إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».
المسألة الرابعة: قرأ نافع ﴿ حتى يَقُولَ ﴾ برفع اللام والباقون بالنصب، ووجهه أن ﴿ حتى ﴾ إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما: أن تكون بمعنى: إلى، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل ﴿ حتى ﴾ والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا، تقول: سرت حتى أدخلها، أي إلى أن أدخلها، فالسير والدخول قد وجدا مضياً، وعليه النصب في هذه الآية، لأن التقدير: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني: أن تكون بمعنى: كي، كقوله: أطعت الله حتى أدخل الجنة، أي كي أدخل الجنة، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد ﴿ حتى ﴾ لابد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت، كما حكيت الحال في قوله: ﴿ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ﴾ لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام، ويقال: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال: يجيء البعير يجر بطنه، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب، كقولك: سرت حتى أدخل البلد.
فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى.
المسألة الخامسة: في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ .
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ حتى إِذَا استيئس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ ﴾ وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟
لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد.
والجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكر كلامين أحدهما: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ والثاني: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ والمعنى: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباًويابسا *** لدي وكرها العناب والحشف البالي فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جداً.
المسألة السادسة: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم، إذ قالوا: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ ثم قال الله عند ذلك ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم، كأنهم لما قالوا: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ رجعوا إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم، فقالوا: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك.
فإن قيل: قوله: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابت.
قلنا: لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام، ويمكن أن يكون ذلك عاماً في حق الكل، إذ كل من كان في بلاء فإنه لابد له من أحد أمرين، إما أن يتخلص عنه، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً لأن الموت قريب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.
ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: ﴿ أم حسبتم ﴾ ﴿ وَلَمَّا ﴾ فيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة (قد) في الإثبات.
والمعنى أن إتيان ذلك متوقع منتظر ﴿ مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة.
و ﴿ مَسَّتْهُمْ ﴾ بيان للمثل وهو استئناف، كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟
فقيل: مستهم البأساء ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع ﴿ حتى يَقُولَ الرسول ﴾ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك.
ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشدة.
وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ على إرادة القول، يعني فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر.
وقرئ: ﴿ حتى يَقُولَ ﴾ بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال؛ لأنّ (إن) علم له.
وبالرفع على أنه في معنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرُّ بطنه.
إلا أنها حال ماضية محكية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ خاطَبَ بِهِ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما ذَكَرَ اخْتِلافَ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ بَعْدَ مَجِيءِ الآياتِ، تَشْجِيعًا لَهم عَلى الثَّباتِ مَعَ مُخالَفَتِهِمْ.
و ﴿ أمْ ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ ﴿ وَلَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ ولَمْ يَأْتِكُمْ، وأصْلُ « لَمّا» لَمْ زِيدَتْ عَلَيْها ما وفِيها تَوَقُّعٌ ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مُقابِلَ قَدْ.
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ حالُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الشِّدَّةِ.
﴿ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ ﴾ بَيانٌ لَهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِما أصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ.
﴿ حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ لِتَناهِي الشِّدَّةِ واسْتِطالَةِ المُدَّةِ بِحَيْثُ تَقَطَّعَتْ حِبالُ الصَّبْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ يَقُولُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَقَوْلِكَ مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ.
﴿ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ اسْتِبْطاءً لَهُ لِتَأخُّرِهِ.
﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ إسْعافًا لَهم إلى طَلِبَتِهِمْ مِن عاجَلِ النَّصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى اللَّهِ تَعالى والفَوْزَ بِالكَرامَةِ عِنْدَهُ بِرَفْضِ الهَوى واللَّذّاتِ، ومُكابَدَةِ الشَّدائِدِ والرِّياضاتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارِ بِالشَّهَواتِ» .
<div class="verse-tafsir"
{أم حسبتم} أم منقطة لا متصلة لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك أعندك زيد أم عمرو أى أيهما عندك وجوابه زيدان كان عند زيد أو عمرو إن كان عنده عمرو وأما أم المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل والهمزة والتقدير بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجئ البينات تشجيعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أَمْ حَسِبْتُمْ {أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم} أي ولم يأتكم وفي لما معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر {مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ} مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة {مِن قَبْلِكُمْ} من النبيين والمؤمنين {مَسَّتْهُمْ} بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال كيف كان ذلك المثل فقيل مستهم {البأساء} أي البؤس {والضراء} المرض والجوع {وَزُلْزِلُواْ} وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة {حتى يَقُولَ الرسول والذين آمنوا مَعَهُ} إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين {متى نَصْرُ الله} أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة
زمان الشدة فقيل لهم {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} إجابة لهم
البقرة (٢١٥ _ ٢١٧)
إلى طلبهم من عاجل النصر يقول بالرفع نافع على حكاية حال ماضية نحو شربت الابل حتى يجئ البعير يجر بطنه وغيره بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال لأن أن علم له
﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجُهْدِ والشِّدَّةِ والخَوْفِ والبَرْدِ وسُوءِ العَيْشِ وأنْواعِ الأذى، حَتّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، وقِيلَ: في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وقالَ عَطاءٌ: «لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابُهُ المَدِينَةَ اشْتَدَّ الضُّرُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ مالٍ وتَرَكُوا دِيارَهم وأمْوالَهم بِيَدِ المُشْرِكِينَ، وآثَرُوا رِضا اللَّهِ - تَعالى - ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأظْهَرَتِ اليَهُودُ العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأسَرَّ قَوْمٌ مِنَ الأغْنِياءِ النِّفاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ،» والخِطابُ إمّا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَهُمْ، ونِسْبَةُ (الحُسْبانِ) إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إمّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ مِن شَدائِدِ المُشْرِكِينَ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يُحْسَبُ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَكارِهِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانَ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ بِتَقْدِيرٍ مُعادِلٍ، وقِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ بِدُونِ تَقْدِيرٍ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ، إلّا إنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ، وعَلى ذِكْرِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مَنَ الشَّدائِدِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ تَشْجِيعًا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَكانُوا مِن هَذا الوَجْهِ مُرادِينَ غائِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ، فَإذا قِيلَ: بَعْدَ ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ كانَ نَقْلًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ الأوَّلَ تَعْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، فَكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ: كانَ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ التَّشْجِيعُ والصَّبْرُ تَأسِّيًا بِمَن قَبْلَهُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والإمامُ أحْمَدُ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لَنا، ألا تَدْعُو اللَّهَ - تَعالى - لَنا؟
فَقالَ: ”إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانَ أحَدُهم يُوضَعُ المِنشارَ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَتَخْلُصُ إلى قَدَمَيْهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما بَيْنَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ“، ثُمَّ قالَ: ”واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذا الأمْرُ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَ مَوْتَ، لا يَخافُ إلّا اللَّهَ - تَعالى -، والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ“» وهَذا هو المُضْرَبُ عَنْهُ بِـ(بَلِ) الَّتِي تَضَمَّنَتْها أمْ أيْ دَعْ ذَلِكَ (أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ) فَتَرَكَ هَذا إلى الخِطابِ، وحَصَلَ الِالتِفاتُ مَعْنًى، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا قالَ: ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وكانَ المُرادُ بِـ (الصِّراطِ) الحَقَّ الَّذِي يُفْضِي اتِّباعُهُ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ بَيْدَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ والتَّكْلِيفِ.
﴿ ولَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها نَصْبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ غَيْرِ آتِيكُمْ، ولَمّا جازِمَةٌ كَـ (لَمْ) وفُرِّقَ بَيْنَهُما في كُتُبِ النَّحْوِ، والمَشْهُورُ أنَّها بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِن (لَمْ) و(ما) النّافِيَةِ، وهي نَظِيرَةُ ( قَدْ ) في أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ بَعْدَها مُنْتَظَرُ الوُقُوعِ.
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: مِثْلَ مَثَلِهِمْ وحالِهِمُ العَجِيبَةِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والَّذِينَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: المُؤْمِنِينَ، و( مِن قَبْلِكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَوْا وهو كالتَّأْكِيدِ لِما يُفْهَمُ مِنهُ.
﴿ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، سَواءٌ قُدِّرَ كَيْفَ ذَلِكَ المَثَلُ أوْ لا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ).
﴿ وزُلْزِلُوا ﴾ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِأنْواعِ البَلاءِ.
﴿ حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ البَلاءِ إلى حَيْثُ اضْطُرُّوا إلى أنْ ﴿ يَقُولَ الرَّسُولُ ﴾ وهو أعْلَمُ النّاسِ بِما يَلِيقُ بِهِ - تَعالى -، وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ، المُهْتَدُونَ بِأنْوارِهِ ﴿ مَتى ﴾ يَأْتِي ﴿ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ طَلَبًا وتَمَنِّيًا لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ - لا شَكًّا وارْتِيابًا - والمُرادُ مِنَ ( الرَّسُولُ ) الجِنْسُ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ، وقِيلَ: شَعْياءُ، وقِيلَ: أشْعِياءُ، وعَلى التَّعْيِينِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ خَلَوْا ) قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ - وهم أتْباعُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ - وقَرَأ نافِعٌ: (يَقُولُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ومَعَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ يَقُولَ أيْ أنَّهم صاحَبُوهُ في هَذا القَوْلِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ آمَنُوا أيْ: وافَقُوهُ في الإيمانِ.
﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ 224﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِهِمْ بِإسْعافِهِمْ بِمَرامِهِمْ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ والتَّأْكِيدُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى، واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ، لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِلرَّسُولِ، والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها دُونَ حِكايَةِ النَّصْرِ مَعَ تَحَقُّقِهِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ السُّؤالُ بِـ (مَتى) يُشِيرُ إلى اسْتِعْلامِ القُرْبِ تَضَمَّنَ الجَوابُ القُرْبَ، واكْتُفِيَ بِهِ لِيَكُونَ الجَوابُ طِبْقَ السُّؤالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ - تَعالى - عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ، لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَقُولُ الرَّسُولِ، و ﴿ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ - تَعالى - مَقُولُ مَن مَعَهُ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الغَيْرِ المُرَتَّبِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا لَفْظًا فَلِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَعاطُفُ القائِلِينَ دُونَ المَقُولِينَ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّهُ لا يُحْسُنُ ذِكْرُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ في الغايَةِ الَّتِي قُصِدَ بِها بَيانُ تَناهِي الأمْرِ في الشِّدَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ العَطْفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مَقُولٌ لِواحِدٍ مِنهُما، واحْتِرازٍ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المَجْمُوعِ مَقُولٌ واحِدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرَّسُولَ قالَ لَهم في جَوابِهِمْ، وبِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي تَنْزِيهَ الرَّسُولِ عَنِ التَّزَلْزُلِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا تُرِكَ العَطْفُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِ كُلٍّ مَقُولًا لِواحِدٍ مِنهُما، ولا نَأْمَنُ وراءَ مَنعِ كَوْنِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ التَّنْزِيهَ، ولَيْسَ التَّزَلْزُلُ والِانْزِعاجُ أعْظَمَ مِنَ الخَوْفِ، وقَدْ عُرِّيَ الرُّسُلُ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - كَما يُصَرِّحُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وفي الآيَةِ رَمَزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ يَتَيَسَّرُ إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ خَبَرُ: «”حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَيُجَرِّبُ أحَدَكم بِالبَلاءِ - وهو أعْلَمُ بِهِ - كَما يُجَرِّبُ أحَدُكم ذَهَبَهُ بِالنّارِ، فَمِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، فَذَلِكَ الَّذِي نَجّاهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ السَّيِّئاتِ، ومِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الأسْوَدِ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ“».
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ يَدَّعِي المَحَبَّةَ ويَتَكَلَّمُ في دَقائِقِ الأسْرارِ، ويُظْهِرُ خَصائِصَ الأحْوالِ، وهو في مَقامِ النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ ﴾ مِنَ المَعارِفِ والإخْلاصِ بِزَعْمِهِ، ﴿ وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ لِأهْلِ اللَّهِ - تَعالى - في نَفْسِ الأمْرِ، ﴿ وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُرِيدِينَ، ﴿ ويُهْلِكَ الحَرْثَ ﴾ ويَحْصُدُ بِمِنجَلِ تَمْوِيهاتِهِ زَرْعَ الإيمانِ النّابِتَ في رِياضِ قُلُوبِ السّالِكِينَ ويَقْطَعُ نَسْلَ المُرْشِدِينَ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ فَكَيْفَ يَدَّعِي هَذا الكاذِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ - تَعالى - ويَرْتَكِبُ ما لا يُحِبُّهُ ﴿ وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ حَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ - حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ - عَلى الإثْمِ لُجاجًا، وحُبًّا لِظُهُورِ نَفْسِهِ، وزَعْمًا مِنهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن ناصِحِهِ ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ: يَكْفِيهِ حَبْسُهُ في سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ وظُلُماتِها، وهَذِهِ صِفَةُ أكْثَرِ أرْبابِ الرُّسُومِ الَّذِينَ حُجِبُوا عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما مَعَهم مِنَ العُلُومِ، ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن ﴾ يَبْذُلُ نَفْسَهُ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ طَلَبًا لِرِضاهُ، ولا يَلْتَفِتُ إلى القالِ والقِيلِ، ولا يَغْلُو لَدَيْهِ في طَلَبِ مَوْلاهُ جَلِيلٌ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ ﴾ وتَسْلِيمُ الوُجُودِ لِلَّهِ - تَعالى - والخُمُودُ تَحْتَ مَجارِي القُدْرَةِ لَكم وعَلَيْكم كافَّةً، فَإنْ زَلَلْتُمْ عَنْ مَقامِ التَّسْلِيمِ والرِّضا بِالقَضاءِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكم دَلائِلُ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - عَزِيزٌ غالِبٌ يَقْهَرُكُمْ، حَكِيمٌ لا يَقْهَرُ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ إلّا أنْ يَتَجَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ صِفاتِ قَهْرِيَّةٍ مِن جُمْلَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ وصُوَرِ مَلائِكَةِ القُوى السَّماوِيَّةِ، ﴿ وقُضِيَ الأمْرُ ﴾ بِوُصُولِ كُلٍّ إلى ما سَبَقَ لَهُ في الأزَلِ.
﴿ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ بِالفَناءِ.
﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ عَلى الفِطْرَةِ ودِينِ الحَقِّ في عالَمِ الإجْمالِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في النَّشْأةِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ طَبائِعِهِمْ وغَلَبَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ واحْتِجابِ كُلٍّ بِمادَّةِ بَدَنِهِ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ﴾ لِيَدْعُوَهم مِنَ الخِلافِ إلى الوِفاقِ، ومِنَ الكَثْرَةِ إلى الوَحْدَةِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ، ( فَتَفَرَّقُوا ) وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ وتَمَيَّزُوا، فالسُّفْلِيُّونَ ازْدادُوا خِلافًا وعِنادًا، والعُلْوِيُّونَ هَداهُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلى الحَقِّ وسَلَكُوا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ.
﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا ﴾ جَنَّةَ المُشاهَدَةِ ومَجالِسَ الأُنْسِ بِنُورِ المُكاشَفَةِ ﴿ ولَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ حالُ السّالِكِينَ قَبْلَكم ﴿ مَسَّتْهُمُ ﴾ بَأْساءُ الفَقْرِ وضَرّاءُ المُجاهَدَةِ وكَسْرُ النَّفْسِ بِالعِبادَةِ حَتّى تَضَجَّرُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الحِجابِ وعِيلَ صَبْرُهم عَنْ مُشاهَدَةِ الجَمالِ وطَلَبُوا نَصْرَ اللَّهِ - تَعالى - بِالتَّجَلِّي، فَأُجِيبُوا: إذا بَلَغَ السَّيْلُ الرُّبى، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ ﴾ بِرَفْعِ الحِجابِ وظُهُورِ آثارِ الجَمالِ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مِمَّنْ بَذَلَ نَفْسَهُ وصَرَفَ عَنْ غَيْرِ مَوْلاهُ حُسْنَهُ، وتَحَمَّلَ المَشاقَّ وذَبَحَ الشَّهَواتِ بِسَيْفِ الأشْواقِ: ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِوَدُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «”كانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ شَيْخًا كَبِيرًا ذا مالٍ كَثِيرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِماذا نَتَصَدَّقُ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟
فَنَزَلَتْ“،» وفي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ: لا، إنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: ”إنَّ لِي دِينارًا، فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ، فَقالَ: أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ، فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ - تَعالى -»“.
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «”سَألَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهُمْ؟
فَنَزَلَتْ“».
<div class="verse-tafsir"
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ يقول: ظننتم أَن تَدْخُلُواْ الجنة.
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من أتباع الرسل من قبلكم، أي لم يأتكم صفة الذين مضوا من قبلكم، يعني لم يصبكم مثل الذي أصاب من قبلكم.
ويقال: لم تبتلوا بمثل الذي ابتلي مِن قَبْلِكُم.
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ.
البأساء: الشدة والبؤس، والضراء: الأمراض والبلاء.
وَزُلْزِلُوا، أي حركوا وأجهدوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قال مقاتل: يعني شعيب النبيّ وهو اليسع.
وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته، واجتهد في ذلك حتى قال: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟
قال الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
روي عن الضحاك أنه قال: يعني محمدا .
ومعنى ذلك أظننتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا كما ابتلي الذين مِن قَبْلِكُم، مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضراء وزلزلوا فيصيبكم مثل ذلك، حتى يقول: محمد : مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، يعني فتح الله تعالى قريب، أي فتح الله تعالى إلى مكة عاجلٌ.
وإنما ظهر لهم ذلك في يوم الأحزاب، فأصابهم خوف شديد وكانوا كما قال الله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: 10] ، فصدق الله وعده وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً، وهزم الكفار.
فذلك قوله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ قرأ نافع: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالرفع على معنى المستأنف.
وقرأ الباقون: بالنصب على معنى الماضي.
<div class="verse-tafsir"
السلام- يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ.
انتهى.
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
وقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ...
الآية: قال ابن عبَّاس: النَّاسُ:
القُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عشوة كانوا على الحَقِّ حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالى نوحاً فمن بعده «١» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي: كفاراً يريد في مدَّة نوحٍ حين بعثه اللَّه «٢» .
وقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد: المرادُ ب النَّاسُ بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسماً من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطْرة «٣» ، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام «فاختلفوا» ، وكلُّ من قدَّرهم كفاراً، قدَّر: كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم.
والأُمَّة: الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفرداً بمَقْصِد، ومُبَشِّرِينَ: معناه بالثواب على الطاعة، ومُنْذِرِينَ: بالعقاب، والْكِتابَ: اسم الجنس، والمعنى: جميع الكتب، ولِيَحْكُمَ: مسند إِلى الكتاب في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر تنبيهاً منه سبحانه على عظيم الشّنعة، والقبح، والْبَيِّناتُ: الدَّلالات، والحججُ، والبغي: التعدِّي بالباطل، وهدى: معناه أرشد،
والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا من آمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلم فقالتْ طائفةٌ: معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد صلّى الله عليه وسلم للتصديقِ بجمِيعِهَا «١» ، وقالتْ طائفة: إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم: إنّ إبراهيم كان ٥٣ أيهوديّا أوْ نَصْرَانِيًّا «٢» ، قال زيْدُ بن أسلم: وكاختلافهم في يوم الجمعة فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ قال: «هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارى بَعْدَ غد، وفي صيامهمْ، وجميع ما اختلفوا «٣» فيه.
قال الفَرَّاء: وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ «٤» ، قال: وتقديرُهُ: فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه نحا إِلى هذا الطبريُّ في حكايته عن الفَرَّاء.
قال ع «٥»
: وادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ.
وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه لأن قوله: فَهَدَى يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنى في قوله: فِيهِ، وتبيَّن بقوله: مِنَ الْحَقِّ جنسُ ما وقع الخلاف فيه، وبِإِذْنِهِ قال الزجَّاج «٦»
: معناه بعِلْمِهِ.
ع «٧»
: والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن اقترن بذلك أمرٌ، صار أقوى من الإِذن بمزية.
وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ...
الآية: أكثر المفسرين «٨»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الصَّحابَةَ أصابَهم يَوْمَ الأحْزابِ بَلاءٌ وحَصْرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ، لَمّا دَخَلَ المَدِينَةَ هو وأصْحابُهُ اشْتَدَّ بِهِمُ الضُّرُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْكُمُ القَتْلَ، فَأجابُوهُمْ: مَن قُتِلَ مِنّا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقالُوا: لِمَ تُمَنُّونَ أنْفَسَكم بِالباطِلِ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وزَعَمَ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ بِمَعْنى: أظْنَنْتُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: "أمْ" بِمَعْنى: بَلْ.
وقَدْ شَرَحْنا "أمْ" فِيما تَقَدَّمَ شَرْحًا كافِيًا.
والمَثَلُ بِمَعْنى: الصِّفَةِ.
و"زُلْزِلُوا" خُوِّفُوا وحُرِّكُوا بِما يُؤْذِي، وأصَّلُ الزَّلْزَلَةِ في اللُّغَةِ مِن: زَلَّ الشَّيْءُ عَنْ مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ: زَلْزَلْتُهُ، فَتَأْوِيلُهُ: كَرَّرَتُ زَلْزَلَتَهُ مِن مَكانِهِ، وكُلُّ ما كانَ فِيهِ تَرْجِيعٌ كُرِّرَتْ فِيهِ فاءُ الفِعْلِ، تَقُولُ: أقَلَّ فُلانٌ الشَّيْءَ: إذا رَفَعَهُ مِن مَكانِهِ، فَإذا كَرَّرَ رَفْعَهُ ورَدَّهُ، قِيلَ: قَلْقَلَهُ.
فالمَعْنى أنَّهُ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيكُ بِالخَوْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
البَأْساءُ: الشِّدَّةُ والبُؤْسُ، والضَّرّاءُ: البَلاءُ والمَرَضُ.
وكُلُّ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أُمَّتِهِ يَقُولُ: ﴿ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ والنَّصْرُ: الفَتْحُ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ لامٍ "حَتّى يَقُولَ" وضَمَّها نافِعٌ.
* فَصْلٌ وَمَعْنى الآَيَةِ: أنَّ البَلاءَ والجُهْدَ بَلَغَ بِالأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ إلى أنِ اسْتَبْطَؤُوا النَّصْرَ لِشِدَّةِ البَلاءِ.
وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرِيقَ الجَنَّةِ إنَّما هو الصَّبْرُ عَلى البَلاءِ.
قالَتْ عائِشَةُ: «ما شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثَلاثَةَ أيّامٍ تِباعًا مِن خَبْزِ بَرٍّ حَتّى مَضى لِسَبِيلِهِ.» وقالَ حُذَيْفَةُ: أقَرَّ أيّامِي لِعَيْنِي، يَوْمَ أُرْجِعُ إلى أهْلِي فَيَشُكُّونَ إلى الحاجَةِ.
قِيلَ: ولِمَ ذَلِكَ؟
قالَ: لِأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ، يَقُولُ: « "إنَّ اللَّهَ يَتَعاهَدُ المُؤْمِنَ بِالبَلاءِ كَما يَتَعاهَدُ الوالِدُ ولَدَهُ [بِالخَيْرِ ]، وإنَّ اللَّهَ لِيَحْمِيَ المُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا، كَما يَحْمِي المَرِيضُ أهْلَهُ الطَّعامَ"» أخْبَرْنا أبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قالَ: أخْبَرْنا أبُو سَعِيدِ ابْنِ أبِي صادِقٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرازِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا الطِّيبِ ابْنَ الفَرْخانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الجُنَيْدَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلى سِرِّيِّ السَّقْطِي وهو يَقُولُ: وما رَمْتُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ حَتّى حَلَلْتُ مَحَلَّهُ العَبْدَ الذَّلِيلَ ؎ وأغْضَيْتُ الجُفُونَ عَلى قَذاها ∗∗∗ وصُنْتُ النَّفْسَ عَنْ قالَ وقِيلَ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناسُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بِإذْنِهِ واللهُ يَهْدِي مِن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ "الناسُ": بَنُو آدَمَ حِينَ أخْرَجَهُمُ اللهُ نَسَمًا مِن ظَهْرِ آدَمَ، أيْ كانُوا عَلى الفِطْرَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: "الناسُ": آدَمُ وحْدُهُ.
وقالَ قَوْمٌ: آدَمُ وحَوّاءُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: الناسُ: القُرُونُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي عَشْرَةٌ، كانُوا عَلى الحَقِّ حَتّى اخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى نُوحًا فَمَن بَعْدَهُ.
وقالَ قَوْمٌ: الناسُ: نُوحٌ ومَن في سَفِينَتِهِ، كانُوا مُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً كُفّارًا، يُرِيدُ في مُدَّةِ نُوحٍ، حِينَ بَعَثَهُ اللهُ.
وكانَ -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- هي عَلى بابِها مِنَ المُضِيِّ المُنْقَضِي، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى سابِعًا وهو أنْ يُخْبِرَ عَنِ الناسِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، في خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَرائِعِ، وجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ، لَوْلا مَنُّ اللهِ عَلَيْهِمْ وتَفَضُّلُهُ بِالرُسُلِ، فَـ "كانَ" عَلى هَذا لِلثُّبُوتِ، لا تَخْتَصُّ بِالمُضِيِّ فَقَطْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ).
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ عَلى المَقْصِدِ الواحِدِ، ويُسَمّى الواحِدُ أُمَّةً إذا كانَ مُنْفَرِدًا بِمَقْصِدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ في قِسِّ بْنِ ساعِدَةَ "يُحْشِرُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ».
وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كانَ البَشَرُ أُمَّةً واحِدَةً"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ"، وكُلُّ مَن قَدَّرَ "الناسُ" في الآيَةِ مُؤْمِنِينَ قَدَّرَ في الكَلامِ "فاخْتَلَفُوا"، وكُلُّ مِن قَدَّرَهم كُفّارًا كانَتْ بِعْثَةُ النَبِيِّينَ إلَيْهِمْ.
وأوَّلُ الرُسُلِ -عَلى ما ورَدَ في الصَحِيحِ في حَدِيثِ الشَفاعَةِ- نُوحٌ لِأنَّ الناسَ يَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ أوَّلُ الرُسُلِ.
والمَعْنى: إلى تَقْوِيمِ كَفّارٍ، وإلّا فَآدَمُ مُرْسَلٌ إلى بَنِيهِ يُعَلِّمُهُمُ الدِينَ والإيمانَ، و"مُبَشِّرِينَ" مَعْناهُ: بِالثَوابِ عَلى الطاعَةِ، و"مُنْذِرِينَ" مَعْناهُ: مِنَ العِقابِ عَلى المَعاصِي، ونَصْبُ اللَفْظَتَيْنِ عَلى الحالِ.
و"الكِتابَ" اسْمُ الجِنْسِ، والمَعْنى جَمِيعُ الكُتُبِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: الألِفُ واللامُ في "الكِتابِ" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ التَوْراةُ.
و"لِيَحْكُمَ" مُسْنَدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لِيَحْكُمَ اللهُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِيَحْكُمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحَكى عنهُ مَكِّيُّ "لِنَحْكُمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ تَصْحِيفًا لِأنَّهُ لَمْ يَحْكِ عنهُ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ كَما حَكى الناسُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ" عائِدٌ عَلى "ما" مِن قَوْلِهِ: "فِيما"، والضَمِيرُ في "فِيهِ" الثانِيَةِ يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى "الكِتابِ"، ويُحْتَمَلُ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي قَبْلَهُ، و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أرْبابُ العِلْمِ بِهِ والدِراسَةُ لَهُ.
وخَصَّهم بِالذِكْرِ تَنْبِيهًا مِنهُ تَعالى عَلى الشُنْعَةِ في فِعْلِهِمْ، والقُبْحِ الَّذِي واقَعُوهُ، و"البَيِّناتُ": الدَلالاتُ والحُجَجُ.
و"بَغْيًا" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لَهُ.
والبَغْيُ: التَعَدِّي بِالباطِلِ.
و"هُدًى": مَعْناهُ: أرْشَدُ، وذَلِكَ خَلَقَ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُجُوهِ الهُدى في سُورَةِ "الحَمْدِ".
والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ آمَنُوا" مَن آمَنَبِمُحَمَّدٍ ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الأُمَمَ كَذَّبَ بَعْضُهم كِتابَ بَعْضٍ فَهَدى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ التَصْدِيقَ بِجَمِيعِها.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ اللهَ هَدى المُؤْمِنِينَ لِلْحَقِّ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أو نَصْرانِيًّا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن قِبْلَتِهِمْ، فَإنَّ قِبْلَةَ اليَهُودِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ والنَصارى إلى المَشْرِقِ.
ومِن يَوْمِ الجُمْعَةَ، فَإنَّ النَبِيَّ قالَ: «هَذا اليَوْمَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللهُ لَهُ، فَلِلْيَهُودِ غَدٌ ولِلنَّصارى بَعْدَ غَدٍ، ومِن صِيامِهِمْ وجَمِيعِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ.» وقالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ قَلْبٌ، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ قالَ: وتَقْدِيرُهُ "فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِلْحَقِّ مِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، ودَعاهُ إلى هَذا التَقْدِيرِ خَوْفٌ أنْ يُحْتَمَلَ اللَفْظُ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ، فَهَدى اللهُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وعَساهُ غَيَّرَ الحَقَّ في نَفْسِهِ.
نَحا إلى هَذا الطَبَرِيُّ في حِكايَتِهِ عَنِ الفَرّاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وادِّعاءُ القَلْبِ عَلى لَفْظِ كِتابِ اللهِ دُونَ ضَرُورَةٍ؛ تَدْفَعُ إلى ذَلِكَ عَجْزٌ وسُوءُ نَظَرٍ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهِهِ ورَصْفِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ: "فَهَدى" يَقْتَضِي أنَّهم أصابُوا الحَقَّ، وتَمَّ المَعْنى في قَوْلِهِ: "فِيهِ".
وتَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ "مِنَ الحَقِّ" جِنْسُ ما وقَعَ الخِلافُ فِيهِ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدَّمَ لَفْظُ الخِلافِ عَلى لَفْظِ الحَقَّ اهْتِمامًا، إذِ العِنايَةُ إنَّما هي بِذِكْرِ الِاخْتِلافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا عِنْدِي بِقَوِيٍّ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لِما اخْتَلَفُوا عنهُ مِنَ الحَقِّ" أيْ عَنِ الإسْلامِ.
و"بِإذْنِهِ" قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ هو العِلْمُ والتَمْكِينُ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أمْرٌ صارَ أقْوى مِنَ الإذْنِ بِمَزِيَّةٍ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ العَبْدَ يَسْتَبِدُّ بِهِدايَةِ نَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ الآيَةُ، "أمْ" قَدْ تَجِيءُ لِابْتِداءِ كَلامٍ بَعْدَ كَلامٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَقْسِيمَ ولا مُعادَلَةَ ألِفِ اسْتِفْهامٍ.
وحَكى بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنَّها قَدْ تَجِيءُ بِمَثابَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ يُبْتَدَأُ بِها.
و"حَسِبْتُمْ" تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ؛ فَقالَ النُحاةُ: "أنْ تَدْخُلُوا" تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ "أنْ" مُسْتَوْفاةٌ المَعْنى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: "أحَسِبْتُمْ دُخُولَكُمُ الجَنَّةَ واقِعًا، ولَمّا".
ولا يَظْهَرُ أنْ يَتَقَدَّرَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ بِتَقْدِيرِ: "أحَسِبْتُمْ دُخُولَكُمُ الجَنَّةَ خُلُوًّا مِن أنْ يُصِيبَكم ما أصابَ مَن قَبْلَكُمْ"، لِأنَّ "خَلَوْا" حالٌ، والحالُ هُنا إنَّما تَأْتِي بَعْدَ تَوْفِيَةِ المَفْعُولَيْنِ، والمَفْعُولانِ هُما الِابْتِداءُ، والخَبَرُ قَبْلَ دُخُولِ حَسِبَ، وَ"البَأْساءُ" في المالِ، و"الضَرّاءُ" في البَدَنِ.
و"خَلَوْا" مَعْناهُ: انْقَرَضُوا، أيْ صارُوا في خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قِصَّةِ الأحْزابِ، حِينَ حَصَرُوا رَسُولَ اللهِ وأصْحابَهُ في المَدِينَةِ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُدِّيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ تَسْلِيَةً لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُصِيبَتْ أمْوالُهم بَعْدَهم في بِلادِهِمْ، وفُتِنُوا هم قَبْلَ ذَلِكَ.
و"مَثَلُ" مَعْناهُ: "شِبْهُ".
فالتَقْدِيرُ: أيْ شِبْهُ الَّذِينَ "خَلَوْا".
والزَلْزَلَةُ: شِدَّةُ التَحْرِيكِ، تَكُونُ في الأشْخاصِ، وفي الأحْوالِ.
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "زُلْزِلَ" رُباعِيٌّ كَـ "دَحْرَجَ".
وقالَ الزَجّاجُ: هو تَضْعِيفٌ في زَلَّ فَيَجِيءُ التَضْعِيفُ عَلى هَذا في الفاءِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَزُلْزِلُوا، ويَقُولُ الرَسُولُ" بِالواوِ بَدَلُ حَتّى.
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَزُلْزِلُوا ثُمَّ زُلْزِلُوا ويَقُولُ الرَسُولُ" وقَرَأ نافِعٌ: "يَقُولُ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الباقُونَ "يَقُولُ" بِالنَصْبِ، فِـ "حَتّى" غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، تَنْصُبُ الفِعْلَ بِتَقْدِيرِ إلى أنْ.
وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ كَأنَّها اقْتَرَنَ بِها تَسْبِيبٌ فَهي حَرْفُ ابْتِداءٍ تَرْفَعُ الفِعْلَ.
وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ الكَلامَ إلى آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِ الرَسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرَسُولِ عَلى طَلَبِ اسْتِعْجالِ النَصْرِ لا عَلى شَكٍّ ولا ارْتِيابٍ.
والرَسُولُ اسْمُ الجِنْسِ، وذَكَرَهُ اللهُ تَعْظِيمًا لِلنّازِلَةِ الَّتِي دَعَتِ الرَسُولَ إلى هَذا القَوْلِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَقْدِيرُ: حَتّى يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا: مَتّى نَصْرُ اللهِ؟
فَيَقُولُ الرَسُولُ: ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ .
فَقَدَّمَ الرَسُولَ في الرُتْبَةِ لِمَكانَتِهِ، ثُمَّ قَدَّمَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ المُتَقَدِّمُ في الزَمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى وجْهِهِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ.
٥٠ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى مُؤْتَنِفًا بَعْدَ تَمامِ ذِكْرِ القَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
إضراب انتقالي عن الكلام السابق فاحتاج إلى وجه مناسبة به، فقال الطيبي أخذاً من كلام «الكشاف»: إن قوله تعالى: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ [البقرة: 213] كلام ذُكرت فيه الأمم السالفة وذُكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لَقُوا منهم من الشدائد، ومُدْمِجٌ لتشجيع الرسول والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين كما قال: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ﴾ [هود: 120] فمن هذا الوجه كان الرسول وأصحابه مُرادين من ذلك الكلام، يدل عليه قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 213] وهو المضرب عنه ببل التي تضمنّها أَمْ أي دَعْ ذلك، أحَسِبُوا أن يدخلوا الجنة اه.
وبيانه أن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد، فكان في قوله تعالى: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴾ ، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك، فيكون قوله: ﴿ أم حسبتم ﴾ إضراباً عن قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ وليكون ذلك تصبيراً لهم على ما نالهم يوم الحديبية من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العُمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل، ويكون أيضاً تمهيداً لقوله: ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ [البقرة: 216] الآية، وقد روي عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في المناسبة.
و {أم في الإضراب كبل إلا أن أَمْ تؤذن بالاستفهام وهو هنا تقرير بذلك وإنكاره إن كان حاصلاً أي بل أحسبتم أن تدخلوا دون بلْوَى وهو حسبان باطل لا ينبغي اعتقاده.
وحَسِب بكسر السين في الماضي: فعل من أفعال القلوب أخواتتِ ظن، وفي مضارعه وجهان كسر السين وهو أجود وفتحها وهو أقيس وقد قرئ بهما في المشهور، ومصدره الحِسبان بكسر الحاء وأصله من الحساب بمعنى العد فاستعمل في الظن تشبيهاً لجولان النفس في استخراج علم ما يقع بجولان اليد في الأشياء لتعيين عددها ومثله في ذلك فعل عَدَّ بمعنى ظن.
والخطاب للمسلمين وهو إقبال عليهم بالخطاب بعد أن كان الكلام على غيرهم فليس فيه التفات، وجعل صاحب الكشاف} التفاتا بناء على تقدم قوله ﴿ فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه ﴾ [البقرة: 213] وأنه يقتضي أن يقال أم حسبوا أي الذين آمنوا، والأظهرُ أنه لما وقع الانتقال من غرض إلى غرض بالإضراب الانتقالي الحاصل بأم، صار الكلام افتتاحاً محضاً وبذلك يُتأكد اعتبار الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، فالالتفات هنا غير منظور إليه على التحقيق.
ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتتهُ ولم يصبر عليها، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب، أو المراد من ذلك أن تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين، لذلك فيكون دخول الجنة متوقفاً على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى، وتطرقُ هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أَتْباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هُيِّءَ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم.
وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساءَ والضراءَ وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة، فلما وردوا المدينة لقُوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم، كما أن الأنصار لقُوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم.
و {لمَّا أخت لم في الدلالة على نفي الفعل ولكنها مركبة من لَم ومَا النافية فأفادت توكيد النفي، لأنها ركبت من حرفي نفي، ومن هذا كان النفي بها مشعراً بأن السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفياً لحصول قريب، وهو يشعر بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة، وهذا استعمال دل عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة: أَزِفَ الترحُّلُ غيرَ أن ركابنا *** لَمَّا تَزُلْ برحالنا وكأنْ قدِ فنفى بلما ثم قال: وكأن قد، أي وكأنه قد زالت.
والواو للحال أي أحسبتم دخول الجنة في حالة انتفاء ما يُترقب حصوله لكم من مس البأساء والضراء فإنكم لا تدخلون الجنة ذلك الدخول السالم من المحنة إلا إذا تحملتم ما هو من ذلك القبيل.
والإتيان مجاز في الحصول، لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من مكان بعيد.
والمثَل: المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17].
و ﴿ الذين خلَوْا ﴾ هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل ﴿ خَلَوْا ﴾ خلاَ منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم.
و ﴿ من قبلكم ﴾ متعلق بخَلَوْا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين.
والمس حقيقته: اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر: ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر: إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى: ﴿ وإذا مس الإنسان ضر دعا ﴾ [الزمر: 8] ﴿ وإذا مس الإنسان الضر دعانا ﴾ [يونس: 12] ﴿ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ﴾ [فصلت: 51] ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ [الأعراف: 73] فالمعنى هنا: حلت بهم البأساء والضراء.
وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء ﴾ [البقرة: 177].
وقوله: ﴿ وزلزلوا ﴾ أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ﴾ [الأحزاب: 11]، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة، ومنه زلزال الأرض، فوزن زلزل فُعفِل، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى: ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ [الشعراء: 94] وقالوا لَمْلَم بالمكان إذا نَزل به نزولَ إقامة.
و ﴿ حتى ﴾ غاية للمس والزلزاللِ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر الله.
ولما كانت الآية مخبرة عن مسَ حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطَبين وقت نزول الآية، جاز في فعل يَقُول أن يعتبر قولَ رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلْزَلين ف {آل للعهد، أو حتى يقول كلُّ رسول لأمة سبقت فتكون أل للاستغراق، فيكون الفعل محكياً به تلك الحالة العجيبة فيرفَع بعد حتى؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعاً، وبرفععِ الفعل قرأ نافع وأبو جعفر، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطَبين عليه السلام فأَلْ فيه للعهد والمعنى: وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوباً؛ لأن القول لمَّا يقَعْ وقتئذ، وبذلك قرأ بقية العشرة، فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام، وبكلتا القراءتين يحصل كلا الغرضين.
ومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر.
وقوله: ألا إن نصر الله قريب} كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بأَلاَ، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكاةِ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ والصَّدَقَةِ ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ سَألُوهُ عَنْ أمْوالِهِمْ أيْنَ يَضَعُونَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أم حسبتم...
﴾ الآية قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وأصحابه بلاء وحصر.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخبر الله المؤمن أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم فقال: ﴿ مستهم البأساء والضراء ﴾ فالبأساء الفتن، والضراء السقم ﴿ وزلزلوا ﴾ بالفتن وأذى الناس إياهم.
وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الأرت قال: «قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟
فقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، ثم قال: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ [ الأحزاب: 12] .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ يقول: سنن الذين خلوا من قبلكم ﴿ مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ﴾ خيرهم وأصبرهم وأعلمهم بالله ﴿ متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ فهذا هو البلاء والنغص الشديد، ابتلى الله به الأنبياء والمؤمنين قبلكم ليعلم أهل طاعته من أهل معصيته.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإِبريز فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي افتتن» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس (١) المدينة اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ، فأنزل الله عز وجل تطييبًا لقلوبهم ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ الآية (٢) (٣) (٤) ﴿ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ﴾ .
فقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ قال الفراء: استفهم بـ (أم) في ابتداء ليس قبله ألف فيكون (أم) ردًا عليه، وذلك يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به، ولو كان ابتداء ليس قبله كلام لم يجز ذلك، كقولك للرجل: أعندك خبز؟
لم يجز هاهنا: أم عندك خبز، ولو قلت: أنت رجل لا تُنْصِف أم لك سلطان تُدِلُّ به؟
لجاز ذلك، إذ تقدمه كلام فاتصل به (٥) قال ابن الأنباري: (أم) استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام، جعلوا للمتوسط لفظًا يخالف لفظ السابق، فكان للسابق (هل) وأخواتها، وللمتوسط (أم) يدل على صحة هذا قوله عز وجل: ﴿ الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ ، أتى بـ (أم) وسطًا، فجعلها استفهامًا، ولم يَرْدُدْهَا على استفهام متقدم، ومن هذا قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ ...
غَلَسَ الظلامِ من الرباب خَيَالا (٦) وقال قوم: (أم) هاهنا بمعنى (بل) (٧) كذبتك عينك أم رأيت ...............
البيت.
وقد استقصينا الكلام في (أم) عند قوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا ﴾ الآية.
وقال بعضهم: أم هاهنا عطفٌ على استفهام متقدم محذوف، تقديره: أعلمتم أن الجنة حفت (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ﴾ أي: ولم يأتكم، و (ما) صلة، والفرق بينهما أن (لما) يوقف عليها في مثل قولك: أَقَدم زيد؟
فيقول: (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أي: شبه الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، أي: ولما يصبكم مثل الذي (١٢) (١٣) وفي الكلام حذف، تقديره: مثل محن الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم (١٤) ثم ذكر ما أصابهم، فقال: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء ﴾ وهو اسم من البؤس بمعنى الشدة، قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، ﴿ وَالضَّرَّاءُ ﴾ : المرض والجوع (١٥) ﴿ الْبَأْسَاءُ ﴾ : نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء.
وقوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا (١٦) (١٧) قال أبو إسحاق: وأصل الزلزلة في اللغة من: زَلّ الشيء عن (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَزُلزِلُوا ﴾ هنا: خوفوا وحقيقته ما ذكرنا، وذلك أن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه، ولهذا يقال للخوف: المقيم المُقْعِد؛ لأنه يُذْهب السكون، فيجوز أن يكون ﴿ وَزُلزِلُوا ﴾ هاهنا مجازًا، والمراد به: خوفوا، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف (٢٢) وقوله تعالى ﴿ حَتَى يَقُولَ اَلرَّسُولُ ﴾ قرئ (يقولَ) نصبًا ورفعًا (٢٣) أحدهما: أن يكون الدخول غاية للسير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: سرت (٢٤) (٢٥) والوجه الآخر في النصب: أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه نصب الآية (٢٦) فأحد الوجهين: هو وجه (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) فيا عَجَبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّني (٣٢) (٣٣) (٣٤) أحدهما: أن يكون بمعنى (إلى)، وهو الذي تحمل (٣٥) والآخر: أن يكون بمعنى (كي)، وذلك قولك: (أسلمت حتى (٣٦) وأما قراءة من قرأ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا كان مضارعًا مرفوعًا لا يكون إلا فعلَ حالٍ، ويجيء على ضربين.
أحدهما: أن يكون السبب الذي أدى إلى (٣٧) ﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه ﴾ وفي قوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ .
والوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعًا قد مضيا، نحو: سِرتُ حتى أدخُلُها، والدخول متصل بالسير بلا فصل، كما (كان) (٣٨) في الوجه الأول بينهما فصل، والحال في هذا الوجه أيضًا محكية، كما كانت محكية (٣٩) (٤٠) واعلم أن (حتى) على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون جارة نحو ﴿ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ ، وهذه (٤١) (٤٢) (٤٣) والآخر: أن تكون (٤٤) والزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ ألْقَاهَا [[صدر البيت: ألقى الصحيفة كي يخاف رحله.
البيت منسوب للمتلمس، وفيه إشارة إلى قصة المتلمس وطرفة حين كتب لهما عمرو بن هند كتابين مختومين، أوهمهما أن فيهما أمرًا لعامله في البحرين بإكرامهما، إلا أن المتلمس فض صحيفته فوجد فيها أمرا بقتله فرجع.
وفي "الكتاب" لسيبويه 1/ 97 نسبه لابن مروان النحوي.
[وقال المحقق: الصواب أنه مروان النحوي] والبيت في "الكتاب" 1/ 97، و"الخزانة" 1/ 445، 4/ 140، و"مغني اللبيب" 167، والشاهد في البيت: مجيء حتى عاطفة، حيث نصب نعله، ويستشهد به أيضًا على مجيئها ابتدائية برفع نعله.]].
وهذه تكون عاطفة.
والثالث: أن تكون داخلة على الجمل ومنصرفًا بعدها الكلام إلى الابتداء، كأما وإذا ونحوهما، وذلك نحو قوله: فيا عجبًا حَتَى كليبٌ تَسُبُّني (٤٥) فهذا جملة الكلام في حتى (٤٦) ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ (متى) سؤال عن زمان؛ لأن جوابها يقع بالزمان، ألا ترى أنك تقول: متى زيد خارج؟، فيكون الجواب: يوم الجمعة أو يوم السبت، فإذا كان الاسم الذي يلي (متى) جثة احتاج إلى خبر، كقولك: متى زيد منطلق؟، ولا يجوز أن تقول: متى زيد، وتسكت؛ لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا للجثث، وإن كان الاسم الذي (يلي) (٤٧) ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ ؛ لأن ظروف الزمان تكون خبرًا للمصادر (٤٨) وقوله تعالى ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ ﴾ (ألا) صلةٌ لابتداء الكلام، كأنه تنبيهٌ للمخاطب.
قال صاحب النظم: في هذه الآية مبتدآن وجوابان، جمع بين المبتدأين والجوابين، فقوله: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ مبتدآن.
وقوله: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية جوابان لهما، مجموع بينهما، فيحتاج أن يرد كل جواب إلى ابتداء به ليبين نظم الكلام، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (٤٩) (٥٠) ، "أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر"، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) ﴾ .
يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر.
(١) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 379، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وعن عطاء ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 728، والواحدي في "أسباب النزول" ص 68، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 231، البغوي في "تفسيره" 1/ 245، وأبو حيان في "البحر" 2/ 371.
(٢) رواه في "الدر المنثور" 1/ 437 بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، وابن المنذر.
وينظر: "الوسيط" 1/ 317.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 83، والطبري في "تفسيره" 2/ 341، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 435، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 727.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 341، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 727.
(٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "تفسير الثعلبي" 2/ 728.
(٦) البيت في "ديوانه" ص 385 "المعجم المفصل" 6/ 79.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 728.
(٨) في (أ) (تحف).
(٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "التبيان" ص 131، واختارا أنها منقطعة، وفي "البحر المحيط" 2/ 139 ذكر أبو حيان في (أم) هنا أربعة أقوال: الأول: أنها منقطعة بمعنى بل والهمزة.
والثاني: أنها متصلة على إضمار جملة قبلها.
والثالث: الاستفهام بمعنى الهمزة.
والرابع: الإضراب بمعنى بل، قال: والصحيح هو القول الأول.
(١٠) في (ش): (تقول).
(١١) ينظر: "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" ص 367، وذكر أنها تفارق (لم) من خمسة أمور: 1 - أنها لا تقترن بأداة شرط.
2 - أن منفيها مستمر النفي إلى الحال، ومنفي لم يحتمل الاتصال والانقطاع.
3 - أن معنى (لما) لا يكون إلا قريبا من الحال.
4 - أن منفي (لما) متوقع ثبوته.
5 - أن منفي (لما) جائز الحذف.
اهـ.
وقال أبو حيان: ولما، أبلغ في النفي من لم؛ لأنها تدل على نفي الفعل متصلا بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.
(١٢) في (ي) و (ش) (الذين).
(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 729.
(١٤) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 140.
(١٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 317.
(١٦) في (ي): (الرزايا والبلايا).
(١٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 730.
(١٨) في (م): (من).
(١٩) كذا في الأصول، وفي "معاني القرآن" زلزلته.
(٢٠) (صر) ليست في (ي)، وفي (ش): (ضر وضرضر) وفي (م): (صر وصَرّ).
(٢١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285.
بمعناه.
(٢٢) ينظر في زلزل "تهذيب اللغة" 2/ 1551، "المفردات" ص 219، "عمدة الحفاظ" 2/ 165،"اللسان" 3/ 1857 (زلل).
ونقل الأزهري عن ابن الأنباري في قولهم: أصابت القوم زلزلة، قال: الزلزلة: التخويف والتحذير، من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أي: خوفوا وحذِّروا قال بعضهم: الزلزلة مأخوذة من الزلل في الرأي، فإذا قيل: زلزل القوم، فمعناه: صرفوا عن الاستقامة، وأوقع في قلوبهم الخوف والحذر.
(٢٣) قرأ نافع برفع اللام، وقرأ الباقون بالنصب.
ينظر: "السبعة" ص 181 - 182، "الحجة" 2/ 305 - 306.
(٢٤) ليس في: (ش).
(٢٥) في (ي): (مضت).
(٢٦) رجح أبو حيان في "البحر" 2/ 140 الوجه الأول، قال: لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.
(٢٧) من قوله: نصب الآية.
ساقط من (ي).
(٢٨) (سرت) ليست في (أ) ولا (م).
(٢٩) في (ش) (تعمل).
(٣٠) في (ش): (تقول).
(٣١) في (ي): (كأني).
(٣٢) البيت للفرزدق، وعجزه: كأن أباها نهشل أو مجاشع= في "ديوانه" ص419، "الكتاب" لسيبويه 3/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 138، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304، "الخزانة" 4/ 141، "همع الهوامع" 2/ 24، و"تفسير ابن يعيش" 8/ 18، "مغني اللبيب" 173.
والشاعر يهجو كليب بن يربوع رهط جرير، فجعلهم من الهون بحيث لا يُسابُّون مثله لشرفه.
ونهشل ومجاشع: ابنا دارم، وهم رهط الفرزدق.
(٣٣) ليست في (ي).
(٣٤) ينظر في ذلك: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" 166 - 176.
(٣٥) في (ش): (يجهل).
(٣٦) الجملة هذه ليست في (أ) و (م).
(٣٧) (إلى) ساقطة من (أ) و (ش) و (ي).
(٣٨) في (ش): (قال).
(٣٩) ليست في (أ) (م).
(٤٠) "الحجة" 2/ 306 - 307، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "تفسير الثعلبي" 2/ 730.
(٤١) (وهي) في (ي).
(٤٢) ليست في (ي).
(٤٣) ليست في (ش).
(٤٤) (يكون) في (م).
(٤٥) تقدم تخريج البيت قريبًا.
(٤٦) ينظر في حتى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 96 - 97، 3/ 16 - 27، "المقتضب" للمبرد 2/ 38 - 43، "معاني القرآن" للفراء 1/ 132 - 138، "الأزهية" ص214 - 216، "مغني اللبيب" ص 166 - 176.
(٤٧) (هو) في (ي) و (ش).
(٤٨) ينظر في متى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 217 - 218، "المقتضب" 3/ 63، 289، "الأزهية" 200 - 201، "مغني اللبيب" 440 - 441، قال في "التبيان" ص 131: وموضع متى رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعلى قول الأخفش موضعه نصب على الظرف، ونصر مرفوع به.
(٤٩) في النسخ (أ) و (م) و (ب) يسبهه بدون نقط.
(٥٠) ساقطة من (ش).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ : خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم ﴾ أي لا تدخلوا الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم ﴿ مَّثَلُ الذين ﴾ أي حالهم؛ وعبَّر عنه بالمثل لأنه في شدته يضرب به المثل ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ بالتخويف والشدائد ﴿ ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ يحتمل أن يكون جواباً للذين قالوا: متى نصر الله؟
وأن يكون إخباراً مستأنفاً، وقيل: إِن الرسول قال ذلك لما قال الذين معه: متى نصر الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد.
وكذلك في آل عمران والنور في موضعين.
الباقون بفتح الياء وضم الكاف ﴿ يقول ﴾ برفع اللام: نافع.
الباقون: بالنصب.
الوقوف: ﴿ بينة ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من الذين آمنوا ﴾ م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره.
ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر.
﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم.
﴿ متى نصر الله ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه.
التفسير: أنه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد.
ثم بين ذلك التهديد بقوله ﴿ فأعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ ثم ثنى ذلك التهديد بقوله ﴿ هل ينظرون ﴾ الآية ثم ثلث التهديد بقوله ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.
وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله .
والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا.
و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و ﴿ من آية ﴾ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل.
فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها.
وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم.
والآيات الواضحات إما معجزات موسى كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.
ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها.
وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله.
وعلى هذا فقوله ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ﴿ ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة.
﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له.
والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً.
ثم قال الواحدي.
والعقاب عذاب يعقب الجرم.
ثم إنه ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ الآية.
والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي.
عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش.
وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم.
وعن مقاتل: نزلت في المنافقين.
ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين.
ثم المزين من هو؟
فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: أتترك لذة الصهباء نقداً *** بما وعدوك من لبن وخمر؟
قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه زين ذلك فباطل.
لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً.
وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم.
وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة.
سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟
وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر.
وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله ﴿ أنى يؤفكون ﴾ ﴿ أنى يصرفون ﴾ .
ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه.
والتحقيق أن المزين هو الله كما صرح بذلك في قوله ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء.
أو نقول: المراد من التزيين أنه أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.
وقيل: إن الله زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار.
وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.
وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة.
قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح.
أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر.
ولما أخبر الله عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة.
ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان.
ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم ﴾ } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية.
وفي قوله ﴿ والذين اتقوا ﴾ دون أن يقول آمنوا كما قال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها.
﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ بغير تقدير.
وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل.
أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.
ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ﴿ بغير حساب ﴾ أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله ﴿ يرزقون فيها بغير حساب ﴾ أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال ﴿ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً.
فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.
أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان.
أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية.
أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.
قوله ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية.
فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.
ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى.
ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً.
وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق.
ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم.
ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب.
كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً.
فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم.
ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها.
ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟
قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح .
كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.
القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث.
واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟
وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله بعثه إلى أولاده.
ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.
القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.
القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها.
وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ لأهل الكتب.
فيراد بالناس إذن ناس معهودون.
ثم إنه وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض.
أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء.
والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض.
الصفة الثالثة: قوله ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز.
قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟
وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.
وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.
قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ﴿ ليحكم ﴾ أي الكتاب لأنه أقرب.
ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء.
واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه.
وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله ﴿ وما اختلف فيه ﴾ في الحق ﴿ إلا الذين أوتوه ﴾ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات.
وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف.
كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف.
وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول.
وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.
واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و ﴿ من الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.
واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ أي إلى ما قالوه ﴿ بإذنه ﴾ قال الزجاج: بعلمه.
وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية.
وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة.
ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال : ﴿ أم حسبتم ﴾ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى.
قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.
وقال القفال : تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون ﴿ أن تدخلوا الجنة ﴾ من غير سلوك سبيلهم ﴿ ولما يأتكم ﴾ فيه معنى التوقع.
وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.
عن ابن عباس: لما دخل النبي المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله تطييباً لقلوبهم ﴿ أم حسبتم ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟
لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل.
والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟
و ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة و ﴿ مستهم ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟
فقيل: مستهم ﴿ البأساء ﴾ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ﴿ والضراء ﴾ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى.
وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد.
ثم إنه ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.
من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار.
ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت.
وذكر الله من قصة إبراهيم وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.
" روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا.
فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" .
وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟
والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟
حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن.
وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد.
وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب.
فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ﴾ والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار.
ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة.
اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.
التأويل: إنه إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله.
﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" ﴿ وما اختلف ﴾ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، قال أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، وآخر معه من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، قالا: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، كلهم كفار إلى أن بعث الله عز وجل فيهم النبيين.
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن نوح، ، الذين كانوا في السفينة إلى أن اختلفوا من بعد، فعبث الله فيهم النبيين.
وقال بعضهم: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن آدم، عليه الصلاة والسلام، إلى أن أنزل الله الكتاب عليهم وبعث فيهم الرسل.
ولو قيل بغير هذا كان أقرب.
قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، يعني صنفاً واحداً.
ومعنى الأمة معنى الصنف، كقوله : ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، يعني: أصنافا.
ثم خص الله صنفاً ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها من الأصناف تفضيلاً لهم وإكراماً، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم مؤمنون؛ لأن الأرض لا تخلو من ولي أو نبي، كقوله : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ ، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجتهم.
وهو قول الحسن.
وكذلك قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ولي.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ﴾ ، لمن أطاعه، ﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، لمن عصاه.
وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة عن الوقوع بما به يقعان مختلف؛ كقوله : ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، وجهين.
يحتمل: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم، وهو كقوله : ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقرأ بعضهم: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، بالياء، وقرأ آخرون: "لتحكم"، بالتاء.
فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر.
ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر؛ فكذلك في هذا: ليحكم الكتاب بينهم بالحق، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق.
وقوله: ﴿ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ وجوهاً: يحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في محمد .
ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في دينه.
ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في كتابه.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .
أي: ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع والكتب والخبر، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغياً.
وقوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .
قيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: حسداً بينهم.
وقيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، ظلماً منهم، ظلموا محمداً .
وقوله: ﴿ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي هدى الله الذين آمنوا، ولم يختلفوا من بين الذين اختلفوا.
ويحتمل: هدى الله من أنصف ولم يعاند، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا.
وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، قيل: بأمره، وقيل: بفضله.
لكن قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، بأمره، لا يحتمل، ولكن ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي: بمشيئته وإرادته.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدي فاهتدى، ومن لم يشأ أن يهتدي لم يهتد؛ لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعاً [أنه من شاء أن يهتدوا جميعاً]، على ما يقوله المعتزلة، لكان يقول: والله يهدي إلى صراط مستقيم، ولم يقل: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ، [فدل قوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ] على أنه شاء إيمان من آمن، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن، فالآية تنقض على المعتزلة قولهم: إنه شاء أن يؤمنوا، لكن آمن بعضهم ولم يؤمن البعض.
وفي قوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان والمجيء الانتقال من مكان إلى مكان، ولا الزوال من موضع إلى موضع؛ لأنه ذكر البعث، وهم كانوا بين ظهرانيهم، فدل أنه يراد الوجود، لا غير.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
قيل: معنى قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، على إسقاط "الميم".
وقيل: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، بمعنى: "بل حسبتم".
وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ .
قيل: شبه الذين خلوا من قبلكم.
وقيل: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ ﴾ ، خبر الذين خلوا من قبلكم، وقيل: سنن الذين خلوا من قبلكم من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ...
﴾ الآية، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا كما ابتلي من قبلكم، أي: لا تظنوا ذلك عمله، وإن كان فيهم من قد يدخل - والله أعلم - كقوله : ﴿ الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
وقيل: إن القصة فيه أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم؛ فإنه لو كان محمد نبيّاً لم يسلط عليه؟
فقال المؤمنون لهم: إن من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنَّوْن الباطل والبلايا؟
فأنزل الله : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، من غير أن تبتلوا وتصيبكم الشدائد، ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ .
قيل: حركوا.
وقيل: جهدوا.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: يقول الرسول والمؤمنون جميعاً: ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ثم يقول الله لهم: ﴿ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
وقيل: يقول المؤمنون ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ثم يقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب ويحتمل هذا في كل رسول بعثه الله إلى أمته يقول هذا، وأمته يقولون أيضاً.
ويحتمل: إن كان هذا في رسول دون رسول، على ما قاله بعض أهل التأويل: أنه فلان.
وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة إلى معرفته.
[وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...
﴾ الآية].
وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، وجه آخر، وهو أنهم - والله أعلم - ظنوا لما أتوا بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن الفتن، وأنواع الشدائد، فأخبر الله عز وجل أن في الإيمان المحن والشدائد لا بد منها، كقوله : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" .
والله أعلم.
وكقوله: ﴿ الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ ، ولأن الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد؛ لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول الصدق وقول الكذب، ومعرفة الحق ومعرفة الباطل في احتمال المؤن، والإيمان: مخالفة الهوى والطبع، وذلك في أنواع المحن.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .
فظاهر هذا السؤال لم يخرج له الجواب؛ لأن السؤال "عما ينفق"، فخرج الجواب "على من ينفق"، غير أنه يحتمل أن يكون (ماذا) بمعنى (من)، وذلك مستعمل في اللغة، غير ممتنع.
ويحتمل: أن يكونوا سألوا سؤالين: أحدهما: عما ينفق؟
والثاني: على من ينفق؟
فخرج لأحدهما الجواب على ما كان من السؤال: "على من ينفق"، ولم يخرج جواب ما كان من السؤال: "عما ينفق".
وهذا أيضاً جائز، كثير في القرآن: أن يكثر الأسئلة، ويخرج الجواب لبعض ولم يخرج لبعض، ويكون جواب سؤال: "مم ينفق" في قوله : ﴿ قُلِ ٱلْعَفْوَ ﴾ ، فيكون على ما ذكر.
والله أعلم.
ويدل لما قلنا، أنه كان ثم سؤلان، أن أحدهما: "عما ينفق" والآخر: "على من ينفق"، ما روي عن عمرو بن الجموح الأنصاري، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، كم ننفق؟
وعلى من ننفق؟
فأنزل الله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية.
ثم اختلف فى هذه النفقة.
قال بعضهم: هذه النفقة كانت تطوعاً، فنسخت بالزكاة.
وقيل: هذه النفقة صدقة يتصدقون بها على الوالدين والأقرين الذين يرثون، فنسختها آية المواريث.
وقيل: فيه الأمر بالإنفاق على الوالدين والأقربين عند الحاجة، وكان هذا أقرب، والله أعلم.
وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم.
<div class="verse-tafsir"
أم ظننتم -أيها المؤمنون- أن تدخلوا الجنّة ولم يصبكم ابتلاءٌ مثل ابتلاء الماضين من قبلكم، حيث أصابهم شدة الفقر والمرض، وزلزلتهم المخاوف، حتَّى بلغ بهم البلاء أن يستعجلوا نصر الله، فيقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتى نصر الله؛ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين به، المتوكلين عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gWeRJ"
الآية متصلة بما قبلها فقد أمر الله تعالى بالوفاق والسلام، وبين سبب التنازع والخصام، وأرشد إلى ما فطر عليه البشر من حاجة بعضهم إلى التعاون مع بعض عندما كثروا واجتمعوا وكثرت مطالبهم وتعددت رغائبهم، ومن إفضاء ذلك إلى التنازع والتعادي، ومن حاجتهم إلى نظام جامع وشرع يحدد الحقوق ويهدي القلوب، لا مجال فيه للنزاع والاختلاف لوجوب أخذه بالتسليم لما معه أو لما فيه من البينات على أنه من عند الله، وذكر إحسان الله تعالى إليهم إذ بعث فيهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتاب ليحكم في الاختلاف.
ثم ذكر اختلاف الدين أوتوا الكتاب في الكتاب نفسه وتحويلهم الدواء داء، واتخاذهم الرابطة الجامعة آلة مفرقة، ثم هداية الله تعالى أهل الإيمان الصحيح لما وقع الاختلاف فيه من الحق برجوعهم إلى الأصل وهو الكتاب، وتحكيمه في كل خلاف، وقبول حكمه في كل نزاع، والاعتماد في فهمه على ما يؤخذ من جملته، وما علم علمًا صحيحًا من سنة من جاء به، ومن صدقوه واتبعوه قبل الخلاف.
بين الله تعالى هذه الأطوار في البشر فأنار لنا الطريق التي اهتدت فيها الأمم بعد ضلال ثم ضلت بعد هداية، لنكون على بصيرة فيما نعمله للخروج من الخلاف بعد وقوعه، ولكن الذي يحاول الخروج من الخلاف يكون عرضة لبغي المختلفين وإيذائهم، وهكذا أهل الضلالة يبغون على أهل الهداية وإن كان هؤلاء يريدون خيرهم، سواء كان ما يحاولون هدايتهم فيه هو الضلال في طريق الفطرة والعقل، أم الضلال في تأويل الكتاب والتصرف في الشرع، ولذلك قفى على ذلك البيان كله بتمثيل حال الأولين الذين سلكوا سبيل الهداية في أنفسهم وتصدوا لهداية الناس وإرشادهم إلى السلم والوفاق فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ إلخ الخطاب موجه إلى الذين هداهم الله تعالى إلى السلم والخروج من ظلمة الخلاف إلى نور الكتاب الذي أنزل لإزالته في زمن النزول وفي كل زمن يأتي بعده.
وتوجيهه أولًا وبالذات إلى أهل الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس أكبر عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم ويحسبون أنهم بمجرد الانتماء إلى الإسلام يكونون أهلًا لدخول الجنة، جاهلين سنة الله تعالى في أهل الهدى منذ خلقهم، وهي تحمل الشدائد والمصائب والضرر والإيذاء في طريق الحق وهداية الخلق.
وعجيب من أمة ينطق كتابها بالآيات البينات على أن سنة الله في خلقه واحدة لا تحويل لها ولا تبديل، ويحثها دائمًا على الاعتبار بها والسير في الأرض لمعرفة آثارها في الأمم البائدة والأمم الحاضرة، ثم هم يحولون هذه السنة عنهم، ويفشو فيهم الإنكار على من يعظهم، بما حكى الله تعالى عن تلك الأمم التي كفرت بنعمة الله تعالى عليها بالسلم والهداية قائلين إنه يقيس المسلمين على الكافرين!!.
﴿ أَمْ ﴾ ههنا هي الواقعة في طريق الاستفهام وهي تشعر بمحذوف دل عليه الكلام في وصف الذين خلوا من قبلنا وما نالوا من البأساء والضراء، كأنه يقول قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب ودعوا إلى الحق فآذاهم الناس في ذلك فصبروا وثبتوا.
أفتصبرون مثلهم على المكاره، وتثبتون ثباتهم على الشدائد؟
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتنالوا رضوان الله تعالى من غير أن تفتنوا في سبيل الحق فتصبروا على ألم الفتنة وتؤذوا في الله فتصبروا على الإيذاء كما هي سنة الله تعالى في أنصار الحق وأهل الهداية في كل زمان؟..
إنه معنى ظاهر من الآية يسبق إلى ذهن كل قارئ، وإن لم يستطع كل أحد التعبير عنه وإذا جعلت ﴿ أَمْ ﴾ بمعنى الإضراب والاستفهام معًا كما قال المفسر (الجلال) بطل هذا المعنى الذي يملك النفس ويؤثر في الوجدان.
وقيل إن الآية نزلت في غزوة أُحد حين غلب المشركون المؤمنين وشجوا رأس النبي وكسروا رباعيته.
وقيل إنها نزلت في غزوة الأحزاب إذ اجتمع المشركون مع أهل الكتاب وتحالفوا على الإيقاع بالمسلمين وقطع دابرهم، وأصاب المؤمنين يومئذ ما أصابهم من الجهد والشدة والجوع والحاجة وضروب الأذى، وإذ انتقض المنافقون على المؤمنين الصادقين، وقالوا كما قال الذين في قلوبهم مرض: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ﴾ ، وإذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون، وإذ ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وإذ رأى المؤمنون الصادقون الأحزاب متحزبة عليهم فقالوا على قلتهم وضعفهم وجوعهم وعريهم: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ .
أمثال هؤلاء يخاطبهم الله تعالى بقوله ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي وإلى الآن لم يصبكم ما أصاب الذين سبقوكم بالإيمان والهدى والدعوة إلى الحق من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فالمراد بالمثل الوصف العظيم والحالة التي لها شأن بحيث يضرب بها المثل أي لم تكن لكم هذه الحال الشديدة إلى الآن.
وهذا النفي المستغرق مما يوجه الأذهان إلى طلب العلم بما أصاب أولئك الأقوام، ولذلك وصله بالبيان فقال ﴿ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ البأساء الشدة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه، كأخذ المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن ومقاومة الدعوة، وفسره (الجلال) بالفقر، وهو من أثره، والضراء ما يصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل، وفسره (الجلال) بالمرض، وهو بعضه، وأما الزلزال فهو الاضطراب في الأمر يتكرر حتى يكاد يزل صاحبه عنه، وهذا الحرف فيه لفظ زل مكررًا ومعناه زلق وانحرف، فزلزله بمعنى هزه ودعاه ليزله عما هو عليه، أي أنهم وصلوا إلى درجة حدوث الاضطراب والإشراف على الزلل في مجموعهم، كما قال تعالى في المؤمنين يوم الأحزاب: ﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ والآية التي نفسرها تصرح بأن بعض السابقين كانوا أشد زلزالًا من هذا الذي وقع للمسلمين في يوم الأحزاب.
ولعل الغاية التي وصلوا إليها ولم يصل إليها سلفنا هي قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أي حتى وصولوا إلى غاية من الشدائد والأهوال لم يروا فيها منفذًا لسبب من أسباب الفوز لأن قوة أعداء الحق أحاطت بهم من كل جانب ودنت حتى أخذت بأكظامهم، فاعتقدوا أن وقت العناية الإلهية والنصر الذي وعد الله به من ينصر الحق قد حان وقته أو أبطأ فاستعجلوه بقولهم: متى نصر الله؟
فأجابهم تعالى ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ بأن نصرهم وكف عنهم شر أهل البغي وأيد دعوتهم وجعل كلمتهم العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى وكان الله قويًا عزيزًا ومثل هذه بل أشد قوله تعالى ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾ الآية.
فالرسول هنا للجنس وقد ذكرت هذه الغاية في الشدة بصيغة المضارع تصويرًا لها كأنها حاضرة، ليتمثل المخاطب هولها وشدتها فيخف عنده ما يجده مما هو دونها.
وما من شدة تصيب الأمم إلا وهي دون الشدة التي يستعجل بها رسل الله تعالى نصر الله استبطاء له وهم أعلم الناس بالله تعالى وأشدهم اتكالًا عليه وتسليمًا له.
ولعمري إن المسلمين لم يصلوا في تلك الشدة التي حملت عليها الآية إلى تلك النهاية التي قال فيها أولئك الرسل ما قالوا ولقد قتل بعض النبيين ضروبًا من القتل حتى ورد أن منهم من نشر بالمنشار حيًا، وناهيك بأصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين فيه بالنار.
﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ .
وحاصل معنى الآية لوم المؤمنين على ذلك الحسبان، وبيان أن ما كانوا فيه من الشدة والألم في وقعة الأحزاب أو وقعة أُحد -إن صح أن الآية نزلت في ذلك الوقت- أو في عامة أحوالهم قبل فتح مكة إذ كانوا يألمون من منازعة المشركين واليهود والمنافقين ويقاسون من جحودهم وكيدهم ما يقاسون..
كل ذلك قليل في جنب ما قاسى غيرهم ممن سبقهم بالإيمان والهدى إذ كان استعداد البشر أضعف وقسوتهم أشد وعنادهم أقوى.
جاء في معنى هذه الآية آيات أقربها منها لفظًا ومعنى قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ وهذه نزلت في غزوة أحد لا محالة، وأما قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ، فقد قيل إنه خطاب للمؤمنين وقيل للمنافقين.
ومن خطاب المؤمنين في مثل هذا المقام قوله في أول سورة ألم العنكبوت: ﴿ الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ إلى قوله وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
فهذه الآيات وأمثالها تؤيد الآية التي نفسرها في ابتلاء الله المؤمنين الصادقين الداعين إلى الحق، ولكنك تجد أكثر المسلمين الذين تتلى عليهم دائمًا في غفلة عنها، فمن لم يغفل عن تصور المعنى في ذهنه يغفل عن انطباقه على الواقع، ولذلك تجد الكثيرين منهم يذهبون إلى أن من يؤذى في سبيل الحق بالقول أو بالفعل، كان وقوع الأذى عليهم دليلًا على أنه مبطل لا يطلب الحق!!
فما أجهلهم بكتاب الله؟
وما أبعدهم عن العلم بسنن الله؟
وما أغفلهم عن تأويلهما في خلق الله؟
اتخذ المسلمون هذا القرآن مهجورًا إلا ما يتغنون به من بعض سوره في المحافل الجامعة، ففقدوا روح الدين، وتبع الروح الجثمان، إلا قليلًا من الرسوم المائلة في جانب بروج البدع المشيدة، وإنما أبقى على تلك الرسوم تمسك العوام بها، فلولاهم لما بالى بها الأمراء والرؤساء الذين لا قوام لعظمتهم إلا خضوع العامة لهم، لذلك جعلوا الدين رابطة سياسية وآلة لإخضاع العامة، ولذلك يحاربون من يدعو الأمة إلى الكتاب العزيز، ويستعينون عليه بعلماء الرسوم الذين يستمدون سلطتهم ورزقهم وجاههم منهم، لئلا تتوجه نفوس الجمهور إلى الكتاب، فيعرو رياستهم الزلزال والاضطراب.
هذا هو الحجاب بين الأمة وبين الاعتبار بالقرآن والاهتداء بهديه.
المسلم العارف بتاريخ دينه يعرف قيمة أصحاب الرسول ، والمسلم العامي المقلد يعظمهم في خياله وشعوره أشد مما يعظمهم العارف في فكره وقلبه، حتى إن الكثيرين أو الأكثرين من المسلمين يكادون يرفعونهم عن مرتبة البشر، ويكاد تعظيمهم إياهم يشبه العبادة، ولكن ما بال هؤلاء وأولئك لا يعتبرون بما خاطبهم الله تعالى به في مثل هذه الآية، ولا يتأملون كيف عاتبهم الله تعالى هذا العتاب الشديد على ظنهم وحسبانهم أنهم يدخلون الجنة وهم لم يقاسوا من البأساء والضراء واحتمال الشدائد في سبيله ما قاسى الذين سبقوهم بالإيمان، حتى استحقوا الجنة؟
فكيف لا ينكر مسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام إيمانًا وإسلامًا ودعوة إلى الحق وصبرًا على المكاره في سبيله؟
لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من أمثاله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، وآثر ما عند الناس على ما عند الله؟
بل لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراهم لا هم لهم إلا زينة هذه الحياة الدنيا والاستكثار من المال ولو من غير حله، والانبساط في الأرض ولو بالبغي في الأرض والاعتداء على حقوق الجيران وغيرهم.
أم حسبت أن هؤلاء الذين يغشون أنفسهم ويغشون الناس بدعواهم الإيمان، وغرورهم بالانتساب إلى الإسلام، كانوا بدعًا من الناس بجهلهم وأمانيهم؟
كلا إن هذه كانت حال كل أمة طال عليها الأمد بعد زمن البعثة، فقست من أفرادها القلوب، وفسقوا عن أمر ربهم فلم يزنوا إيمانهم ولا إسلامهم بالميزان الذي وضعه الله تعالى في كتابه ليميز به الراجح والطائش وبه حكم على أصحاب النبيين وأتباعهم بما قرأت في الآية الكريمة وما ذكرنا في تفسيرها مما في معناها.
وإنما البدع الغريب، والأمر العجيب، الذي لم يعرف له نظير في أمة من الأمم، وهو ما نراه في هذا العصر من تصدي أناس لدعوى نصر الدين والزعامة فيه وحفظه على أهله، وهم لم يقرأوا كتابه ولو قرأوه لما فهموه، ولم يتلقوا سنته ولو سمعوها لما وعوها، ولم ينظروا في عقائده ولو نظروا فيها لما عقلوها، ولم يعرفوا معظم أحكامه وما يعرفونه منها لا يعملون به.
وأعجب من هذا وأغرب أنهم بلغوا من الوقاحة والتهجم أن صاروا يعارضون حملة القرآن، وأنصار السنة، وعرفاء الشريعة، وحجج العقائد، وحكماء الأحكام، ويجادلونهم في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد حلوا رابطة الدين ودعوا إلى رابطة أخرى يسمونها الوطنية يفرقون بها بين المؤمنين.
وما جرأهم على ذلك كله إلا جهل العامة وقلة الذين يميزون بين العلماء العاملين والأدعياء الجاهلين، ولو كان هؤلاء على شيء من الإيمان لاستحيوا من الله تعالى أن يدعو هذه الدعاوى التي يكذبهم بها كتابه كما تكذبهم سيرة السابقين الأولين، لكنهم لا هم لهم إلا العامة التي يبتغون عندها الرزق والاستعلاء في الأرض، وهم في مأمن من فهمها معنى الإيمان وصفات أهله، لأنهم يحولون بينها وبين كل من يوجه وجهها إلى كتاب الله تعالى الهادي إلى ذلك.
جعل الله تعالى للمؤمنين آيات ووصفهم في كتابه بصفات غيرها المحرفون واستبدلوا بها آيات الغش وصفات المخادعة التي يفتنون بها العامة.
أكبر آيات الإيمان وأظهرها الاهتداء بكتاب الله تعالى والدعوة إليه وإيثاره على كل ما يخالفه، واحتمال البأساء والضراء في سبيل الحق الذي يهدي إليه والخير الذي يحض عليه، ويدخل في ذلك بذل المال والنفس، فمن بخل بما آتاه الله من مال وقوة على تأييد كلمة الله، فلا وزن لإيمانه في كتاب الله.
فيا أيها المسلم المقلد لوالديه ومعاشريه وأقرانه، الذي يحسب أنه من أهل الجنة لأنه ولد وربي بين المسلمين، ورضي ببعض ما هم عليه من رسوم الدين، أو اتكالًا على شفاعة الأولين، اقرأ أو اسمع وتأمل ما عاتب الله تعالى به أفضل سلفك الصالحين، وما ذكره عمن سبقهم من أتباع النبيين.
ويا أيها العلماء بالرسوم والعاكفون على قراءة كتب العلوم، ليس بأمانيكم ولا أماني الكاتبين، فقد وضع كتاب الله الميزان للصادقين والمنافقين، فعليكم أن تتذكروا وتُذَكِّروا به إخوانكم المسلمين، ولا يصدنكم عن آيات الله والاهتداء بكتاب الله أنكم فَضَلْتم الناس بقراءة مطولات الكتب العربية، وصرف السنين الطوال في فهم الأحكام الفقهية، والاكتفاء من علم الإيمان بمثل"السنوسية"و"النسفية"فإن ينبوع الإيمان كتاب الله تعالى فأحصوا ما فيه من الشعب والآيات على الإيمان ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ .
ويا أيها الأمراء والسلاطين، الذين انتحلتم لأنفسكم الرياسة في هذا الدين، وإفاضة السلطة الدينية على العلماء والحاكمين، اعلموا أنكم مخاطبون كغيركم بهذه الآيات، بل هي موجهة إلى غيركم بالتبع وإليكم أولًا وبالذات، لأنكم سلبتم الأمة الاستطاعة على العمل للملة، ومنكم من سلبها أيضًا حرية القول والدعوة، فعليكم أن تخفضوا من هذه الكبرياء، وأن تتحملوا في سبيل الحق البأساء والضراء، وأن تبذلوا في تأييد كلمة الله قناطير الذهب التي تخزنون، وهذه المزارع والدساكر التي تتأثلون، فإن ما تستدلون به على أصل سلطتكم من القرآن، مقيد بكونكم من أهل الإيمان، وهذه آيات المؤمنين، وما أعلم الله به أهل الإيمان الصادقين، بل عليكم بعد إقامة شعب الإيمان في أنفسكم، أن تقيموها في أنفس رعيتكم، وتكونوا قدوة لعالمهم وعاملهم، وغنيهم وفقيرهم، لتكونوا أئمة هدي ونور، لا أئمة ضلالة وفجور، وإلا كان عليكم إثمكم، وإثم جميع الأمم التي منيت بكم.
وجملة القول إنه يجب على كل مكلف أن يتحقق بصفات الإيمان التي جاء بها الكتاب العزيز ويعلم أن للإيمان عليه حقوقًا عامة وواجبات خاصة، هن آيات الإيمان وثمراته في الأنفس والأعمال، وبهن يؤدي إلى غايته من سعادة الدارين، ولم يسلب الله هذه الأمة تلك النعم التي أنعم بها على سلفها بقيامهم بحقوق الإيمان إلا بعد التفريط فيها.
ثم إنهم ليمنون أنفسهم بالجنة، بدلًا عما فاتهم من السيادة والعزة، غافلين عن الآيات البينات التي تفرض عليهم من الأعمال لسعادة الآخرة أكثر مما تفرضه عليهم سعادة الدنيا، وإن في كل آية منها ما يكفي لاستئصال جراثيم الغرور والأماني فما بالك بمجموعها، فعلى المسلم المذعن أن يشغله تطبيقها على نفسه، عن اشتغاله بعيوب غيره، وأن يتعاون مع أهلها على البر والتقوى، ويهجر الراغبين عنها غرورًا تزينه الحياة الدنيا.
<div class="verse-tafsir"